Verse. 1316 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

فَرِحَ الْمُخَلَّفُوْنَ بِمَقْعَدِہِمْ خِلٰفَ رَسُوْلِ اللہِ وَكَرِہُوْۗا اَنْ يُّجَاہِدُوْا بِاَمْوَالِہِمْ وَاَنْفُسِہِمْ فِيْ سَبِيْلِ اللہِ وَقَالُوْا لَا تَنْفِرُوْا فِي الْحَرِّ۝۰ۭ قُلْ نَارُ جَہَنَّمَ اَشَدُّ حَرًّا۝۰ۭ لَوْ كَانُوْا يَفْقَہُوْنَ۝۸۱
Fariha almukhallafoona bimaqAAadihim khilafa rasooli Allahi wakarihoo an yujahidoo biamwalihim waanfusihim fee sabeeli Allahi waqaloo la tanfiroo fee alharri qul naru jahannama ashaddu harran law kanoo yafqahoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فرح المخلَّفون» عن تبوك «بمقعدهم» أي بقعودهم «خلاف» أي بعد «رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا» أي قال بعضهم لبعض «لا تنفروا» تخرجوا إلى الجهاد «في الحر قل نار جهنم أشدُّ حرا» من تبوك فالأولى أن يتقوها بترك التخلف «لو كانوا يفقهون» يعلمون ذلك ما تخلفوا.

81

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا نوع آخر من قبائح أعمال المنافقين، وهو فرحهم بالقعود وكراهتهم الجهاد قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، والمخلف المتروك ممن مضى. فإن قيل: إنهم احتالوا حتى تخلفوا، فكان الأولى أن يقال فرح المتخلفون. والجواب من وجوه: الأول: أن الرسول عليه السلام منع أقواماً من الخروج معه لعلمه بأنهم يفسدون ويشوشون، فهؤلاء كانوا مخلفين لا متخلفين. والثاني: أن أولئك المتخلفين صاروا مخلفين في الآية التي تأتي بعد هذه الآية، وهي قوله: { أية : فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تُقَـٰتِلُواْ مَعِىَ عَدُوّاً } تفسير : [التوبة: 83] فلما منعهم الله تعالى من الخروج معه صاروا بهذا السبب مخلفين. الثالث: أن من يتخلف عن الرسول عليه السلام بعد خروجه إلى الجهاد مع المؤمنين يوصف بأنه مخلف من حيث لم ينهض فبقي وأقام. وقوله: {بِمَقْعَدِهِمْ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد المدينة، فعلى هذا المقعد اسم للمكان. وقال مقاتل: {بِمَقْعَدِهِمْ } بقعودهم وعلى هذا، هو اسم للمصدر. وقوله: {خِلَـٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ } فيه قولان: الأول: وهو قول قطرب والمؤرج والزجاج، يعني مخالفة لرسول الله حين سار وأقاموا. قالوا: وهو منصوب لأنه مفعول له، والمعنى بأن قعدوا لمخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.والثاني: قال الأخفش: إن {خِلَـٰف } بمعنى خلف، وأن يونس رواه عن عيسى بن عمر ومعناه بعد رسول الله، ويقوي هذا الوجه قراءة من قرأ {خلف رَسُولِ ٱللَّهِ } وعلى هذا القول، الخلاف اسم للجهة المعينة كالخلف، والسبب فيه أن الإنسان متوجه إلى قدامه فجهة خلفه مخالفة لجهة قدامه في كونها جهة متوجهاً إليها، وخلاف بمعنى خلف مستعمل أنشد أبو عبيدة للأحوص: شعر : عقب الربيع خلافهم فكأنما بسط الشواطب بينهن حصيرا تفسير : وقوله: {وَكَرِهُواْ أَن يُجَـٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } والمعنى أنهم فرحوا بسبب التخلف وكرهوا الذهاب إلى الغزو. واعلم أن الفرح بالإقامة على كراهة الذهاب إلا أنه تعالى أعاده للتأكيد، وأيضاً لعل المراد أنه مال طبعه إلى الإقامة لأجل إلفه تلك البلدة واستئناسه بأهله وولده وكره الخروج إلى الغزو لأنه تعريض للمال والنفس للقتل والإهدار، وأيضاً مما منعهم من ذلك الخروج شدة الحر في وقت خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المراد من قوله: {وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِى ٱلْحَرّ }. فأجاب الله تعالى عن هذا السبب الأخير بقوله: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } أي إن بعد هذه الدار داراً أخرى، وإن بعد هذه الحياة حياة أخرى، وأيضاً هذه مشقة منقضية، وتلك مشقة باقية، وروى صاحب «الكشاف» لبعضهم: شعر : مسرة أحقاب تلقيت بعدها مساءة يوم أنها شبه أنصاب فكيف بأن تلقى مسرة ساعة وراء تقضيها مساءة أحقاب تفسير : ثم قال تعالى: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا } وهذا وإن ورد بصيغة الأمر إلا أن معناه الإخبار بأنه ستحصل هذه الحالة، والدليل عليه قوله بعد ذلك: {جَزآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } ومعنى الآية أنهم، وإن فرحوا وضحكوا في كل عمرهم، فهذا قليل لأن الدنيا بأسرها قليلة، وأما حزنهم وبكاؤهم في الآخرة فكثير، لأنه عقاب دائم لا ينقطع، والمنقطع بالنسبة إلى الدائم قليل، فلهذا المعنى قال: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا } قال الزجاج: قوله: {جَزَاء } مفعول له، والمعنى وليبكوا لهذا الغرض. وقوله: {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } أي في الدنيا من النفاق واستدلال المعتزلة بهذه الآية على كون العبد موجداً لأفعاله، وعلى أنه تعالى لو أوصل الضرر إليهم ابتداء لا بواسطة كسبهم لكان ظالماً، مشهور، وقد تقدم الرد عليهم قبل ذلك مراراً تغني عن الإعادة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ} أي بقعودهم. قعد قعوداً ومقعداً؛ أي جلس. وأقعده غيره؛ عن الجوهريّ: والمخلّف المتروك؛ أي خلّفهم الله وثبّطهم، أو خلفهم رسول الله والمؤمنون لمّا علموا تثاقلهم عن الجهاد؛ قولان، وكان هذا في غزوة تبوك. {خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ} مفعول من أجله، وإن شئت كان مصدراً. والخلاف المخالفة. ومن قرأ «خَلْفَ رسولِ اللَّهِ» أراد التأخر عن الجهاد. {وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ} أي قال بعضهم لبعض ذلك. {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ} أي قل لهم يا محمد نار جهنم. {أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} ابتداء وخبر. «حراً» نصب على البيان؛ أي من ترك أمر الله تعرض لتلك النار.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى ذاماً للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وفرحوا بقعودهم بعد خروجه {وَكَرِهُوۤاْ أَن يُجَـٰهِدُواْ} معه {بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ} أي: بعضهم لبعض: {لاَ تَنفِرُواْ فِى ٱلْحَرِّ} وذلك أن الخروج في غزوة تبوك كان في شدة الحر عند طيب الظلال والثمار، فلهذا قالوا: {لاَ تَنفِرُواْ فِى ٱلْحَرِّ} قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم {قُلْ} لهم: {نَارُ جَهَنَّمَ} التي تصيرون إليها بمخالفتكم {أَشَدُّ حَرًّا} مما فررتم منه من الحر، بل أشد حراً من النار؛ كما قال الإمام مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : نار بني آدم التي توقدونها جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم» تفسير : فقالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية؟ فقال: «حديث : فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً» تفسير : أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به، وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، وضربت في البحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد» تفسير : وهذا أيضاً إسناده صحيح، وقد روى الإمام أبو عيسى الترمذي وابن ماجه عن عباس الدوري، وعن يحيى بن أبي بكير عن شريك عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أوقد الله على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء كالليل المظلم» تفسير : ثم قال الترمذي: لا أعلم أحداً رفعه غير يحيى، كذا قال، وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه، عن إبراهيم بن محمد عن محمد بن الحسين بن مكرم عن عبيد الله بن سعد عن عمه عن شريك، وهو ابن عبد الله النخعي، به. وروى أيضاً ابن مردويه، من رواية مبارك بن فضالة عن ثابت بن أنس قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} تفسير : [التحريم: 6] قال: «حديث : أوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء كالليل، لا يضيء لهبها» تفسير : وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث تمام بن نجيج، وقد اختلف فيه، عن الحسن عن أنس رفعه: «حديث : لو أن شرارة بالمشرق - أي: من نار جهنم - لوجد حرها من بالمغرب» تفسير : وروى الحافظ أبو يعلى، عن إسحاق بن أبي إسرائيل عن أبي عبيدة الحداد عن هشام بن حسان عن محمد بن شبيب عن جعفر بن أبي وحشية عن سعيد بن جبير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون، وفيهم رجل من أهل النار، فتنفس، فأصابهم نفسه، لاحترق المسجد ومن فيه» تفسير : غريب، وقال الأعمش عن أبي إسحاق عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لمن له نعلان وشراكان من نار جهنم يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، لا يرى أن أحداً من أهل النار أشد عذاباً منه، وإنه أهونهم عذاباً» تفسير : أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش، وقال مسلم أيضاً: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثنا زهير بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أدنى أهل النار عذاباً يوم القيامة ينتعل بنعلين من نار، يغلي دماغه من حرارة نعليه»تفسير : ، وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن ابن عجلان، سمعت أبي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أدنى أهل النار عذاباً رجل يجعل له نعلان يغلي منهما دماغه» تفسير : وهذا إسناد جيد قوي، رجاله على شرط مسلم، والله أعلم، والأحاديث والآثار النبوية في هذا كثيرة، وقال الله تعالى في كتابه العزيز: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ } تفسير : [المعارج:15-16] وقال تعالى: {أية : يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } تفسير : [الحج:19-22] وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَـٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} تفسير : [النساء: 56] وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} أي: لو أنهم يفقهون ويفهمون، لنفروا مع الرسول في سبيل الله في الحر؛ ليتقوا به من حر جهنم الذي هو أضعاف أضعاف هذا، ولكنهم كما قال الآخر:شعر : كالمُسْتَجيرِ منَ الرَّمْضاءِ بالنارِ تفسير : وقال الآخر:شعر : عُمْرُكَ بالحِمْيَةِ أَفْنَيْتَهُ خَوفاً من الباردِ والحارِ وكان أولى لكَ أن تَتَّقي منَ المَعاصي حذرَ النارِ تفسير : ثم قال تعالى جل جلاله متوعداً هؤلاء المنافقين على صنيعهم هذا: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً} الآية، قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: الدنيا قليل، فليضحكوا فيها ما شاؤوا، فإذا انقطعت الدنيا، وصاروا إلى الله عز وجل، استأنفوا بكاء لا ينقطع أبداً، وكذا قال أبو رزين والحسن وقتادة والربيع بن خثيم وعون العقيلي وزيد بن أسلم، وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبد الله بن عبد الصمد بن أبي خداش، حدثنا محمد بن جبير عن ابن المبارك عن عمران بن زيد، حدثنا يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يا أيها الناس ابكوا، فإن لم تبكوا، فتباكوا؛ فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول، حتى تنقطع الدموع، فتسيل الدماء، فتقرح العيون، فلو أن سفناً أزجيت فيها لجرت» تفسير : ورواه ابن ماجه من حديث الأعمش عن يزيد الرقاشي به، وقال الحافظ أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن عباس، حدثنا حماد الجزري عن زيد بن رفيع، رفعه، قال: «حديث : إن أهل النار إذا دخلوا النار، بكوا الدموع زماناً ثم بكوا القيح زماناً، قال: فتقول لهم الخزنة: يا معشر الأشقياء تركتم البكاء في الدار المرحوم فيها أهلها في الدنيا، هل تجدون اليوم من تستغيثون به؟ قال: فيرفعون أصواتهم: يا أهل الجنة يا معشر الآباء والأمهات والأولاد خرجنا من القبور عطاشاً، وكنا طول الموقف عطاشاً، ونحن اليوم عطاش، فأفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله، فيدعون أربعين سنة لا يجيبهم، ثم يجيبهم: {إِنَّكُمْ مَّٰكِثُونَ} فييأسون من كل خير».

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ } عن تبوك {بِمَقْعَدِهِمْ } أي بقعودهم {خِلَٰفَ } أي بعد {رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ } أي قال بعضهم لبعض {لاَ تَنفِرُواْ } تخرجوا إلى الجهاد {فِى ٱلْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً } من تبوك فالأولى أن يتقوها بترك التخلف {لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } يعلمون ذلك ما تخلفوا.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {فَرَحَ الْمُخَلَّفُونَ} أي المتروكون. {بِمَقْعَدِهْم خِلاَفَ رَسُولِ اللَّهِ} فيه وجهان: أحدهما: يعني مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا قول الأكثرين. والثاني: معناه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله أبو عبيدة وأنشد. شعر : عفت الديار خلافهم فكانما بسط الشواطب بينهن حصيراً تفسير : أي بعدهم. {وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ} فيه وجهان: أحدهما: هذا قول بعضهم لبعض حين قعدوا. والثاني: أنهم قالوه للمؤمنين ليقعدوا معهم، وهؤلاء المخلفون عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة تبوك وكانوا أربعة وثمانين نفساً. قوله عز وجل {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً} هذا تهديد وإن خرج مخرج الأمر، وفي قلة ضحكهم وجهان: أحدهما: أن الضحك في الدنيا لكثرة حزنها وهمومها قليل، وضحكهم فيها أقل لما يتوجه إليهم من الوعيد. الثاني: أن الضحك في الدنيا وإن دام إلى الموت قليل، لأن الفاني قليل. {وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً} فيه وجهان: أحدهما: في الآخرة لأنه يوم مقداره خمسون ألف سنة، وهم فيه يبكون، فصار بكاؤهم كثيراً، وهذا معنى قول الربيع بن خيثم. الثاني: في النار على التأبيد لأنهم إذا مسهم العذاب بكوا من ألمه، وهذا قول السدي. ويحتمل أن يريد بالضحك السرور، وبالبكاء الغم.

ابن عطية

تفسير : هذه آية تتضمن وصف حالهم على جهة التوبيخ لهم وفي ضمنها وعيد، وقوله {المخلفون} لفظ يقتضي تحقيرهم وأنهم الذين أبعدهم الله من رضاه وهذا أمكن في هذا من أن يقال المتخلفون، ولم يفرح إلا منافق، فخرج من ذلك الثلاثة وأصحاب العذر، و " مقعد" مصدر بمعنى القعود، ومثله: شعر : من كان مسروراً بمقتل مالك تفسير : وقوله {خلاف } معناه بعد وأنشد أبو عبيدة في ذلك: [الكامل] شعر : عقب الربيع خِلاَفُهمْ فكأنَّما بسط الشواطب بينهنَّ حصير تفسير : يريد بعدهم ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى تأهَّبْ لأخرى مثلَها فَكَأَنْ قدِ تفسير : وقال الطبري هو مصدر خالف يخالف. قال القاضي أبو محمد : فعلى هذا هو مفعول له، والمعنى {فرح المخلفون بمقعدهم} لخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مصدر ونصبه في القول الأول كأنه على الظرف، و"كراهيتهم" لما ذكر هي شح إذ لا يؤمنون بالثواب في سبيل الله فهم يظنون بالدنيا، وقولهم {لا تنفروا في الحر} كان لأن غزوة تبوك كانت في وقت شدة الحر وطيب الثمار والظلال، قاله ابن عباس وكعب بن مالك والناس، فأقيمت عليهم الحجة بأن قيل لهم فإذا كنتم تجزعون من حر القيظ فنار جهنم التي هي أشد أحرى أن تجزعوا منها لو فهمتم، وقرأ ابن عباس وأبو حيوة " خلف " وذكرها يعقوب ولم ينسبها وقرىء " خُلف " بضم الخاء، ويقوي قول الطبري أن لفظة " الخلاف " هي مصدر من خالف ما تظاهرت به الروايات من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بالنفر فعصوا وخالفوا وقعدوا مستأذنين. وقال محمد بن كعب: قال {لا تنفروا في الحر} رجل من بني سلمة. وقال ابن عباس: قال رجل يا رسول الله الحر شديد فلا تنفر في الحر، قال النقاش: وفي قراءة عبد الله " يعلمون " بدل {يفقهون} ، وقال ابن عباس وأبو رزين والربيع بن خيثم وقتادة وابن زيد قوله {فليضحكوا قليلاً} إشارة إلى مدة العمر في الدنيا، وقوله {وليبكوا كثيراً } إِشارة إلى تأبيد الخلود في النار، فجاء بلفظ الأمر ومعناه الخبر عن حالهم، ويحتمل أن يكون صفة حالهم أي هم لما هم عليه من الخطر مع الله، وسوء الحال بحيث ينبغي أن يكون ضحكهم قليلاً وبكاؤهم من أجل ذلك كثيراً، وهذا يقتضي أن يكون وقت الضحك والبكاء في الدنيا على نحو قوله صلى الله عليه وسلم، لأمته "حديث : لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً ". تفسير : وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما قال هذا الكلام أوحى الله إليه يا محمد لا تقنط عبادي، و {جزاء } متعلق بالمعنى الذي تقديره {وليبكوا كثيراً} إذ هم معذبون {جزاء }، وقوله: {يكسبون } نص في أن التكسب هو الذي يتعلق به العقاب والثواب، وقوله: {فإن رجعك الله إلى طائفة منهم } الآية، {رجع } يستوي مجاوزه وغير مجاوزه، وقوله تعالى: {إن} مبينة أن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يعلم بمستقبلات أمره من أجل وسواه وأيضاً فيحتمل أن يموتوا هم قبل رجوعه وأمر الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم، بأن يقول لهم {لن تخرجوا معي}، هو عقوبة لهم وإظهار لدناءة منزلتهم وسوء حالهم، وهذا هو المقصود في قصة ثعلبة بن حاطب التي تقدمت في الامتناع من أخذ صدقته، ولا خزي أعظم من أن يكون إنسان قد رفضه الشرع ورده كالجمل الأجرب، وقوله: {إلى طائفة} يقتضي عندي أن المراد رؤوسهم والمتبوعون، وعليها وقع التشديد بأنها لا تخرج ولا تقاتل عدواً، وكرر معنى قتال العدو لأنه عظم الجهاد وموضع بارقة السيوف التي تحتها الجنة، ولولا تخصيص الطائفة لكان الكلام " فإن رجعك الله إليهم"، ويشبه أن تكون هذه الطائفة قد ختم عليها بالموافاة على النفاق، وعينوا للنبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فكيف يترتب ألا يصلي على موتاهم إن لم يعينهم الله، وقوله: {وماتوا وهم فاسقون} ونص في موافاتهم، ومما يؤيد هذا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم، عينهم لحذيفة بن اليمان وكانت الصحابة إذا رأوا حذيفة تأخر عن الصلاة على جنازة رجل تأخروا هم عنها. وروي عن حذيفة أنه قال يوماً: بقي من المنافقين كذا وكذا، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنشدك الله أنا منهم؟ فقال لا، والله، لا أمنه منها أحداً بعدك، وقرأ جمهور الناس "معي" بسكون الياء في الموضعين، وقرأ عاصم فيما قال المفضل " معيَ " بحركة الياء في الموضعين، وقوله {أول} هو الإضافة إلى وقت الاستئذان. و" الخالفون " جميع من تخلف من نساء وصبيان وأهل عذر غلب المذكر فجمع بالياء والنون وإن كان ثم نساء، وهو جمع خالف، وقال قتادة " الخالفون " النساء، وهذا مردود، وقال ابن عباس: هم الرجال، وقال الطبري: يحتمل قوله {مع الخالفين} أن يريد مع الفاسدين، فيكون ذلك مأخوذاً من خلف الشيء إذا فسد ومنه خلوف فم الصائم. قال القاضي أبو محمد : وهذا تأويل مقحم والأول أفصح وأجرى على اللفظة، وقرأ مالك بن دينار وعكرمة " مع الخلفين " وهو مقصور من الخالفين، كما قال: عرداً وبرداً عارداً وبارداً، وكما قال الآخر: [الرجز] شعر : مثل النقا لبده برد الظلال تفسير : يريد الظلال.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْمُخَلَّفُونَ} المتركون كانوا أربعة وثمانين نفساً. {خِلافَ} بعد، أو مخالفة عند الأكثر. {لا تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ} قاله بعضهم لبعض، أو قالوه للمؤمنين ليقعدوا معهم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ} الآية. "بِمَقْعدِهِم" متعلقٌ بـ "فرح"، وهو يصلحُ لمصدر "قَعَدَ"، وزمانه ومكانه. قال الجوهريُّ "قَعَدَ قُعُوداً ومَقْعَداً"، جَلس، وأقعَده غيره" والمخلف: المتروكُ، أي: خلفهم الله وثبطهم، أو خلفهم رسول الله - عليه الصلاة والسلام - والمؤمنون، لمَّا علموا تثاقلهم عن الجهادِ والمرادُ بـ "المقعد" ههنا المصدر، أي؛ بقُعُودِهِمْ وإقامتهم بالمدينة. وقال ابنُ عبَّاسٍ: يريدُ: المدينة؛ فعلى هذا هو اسمُ مكانٍ. فإن قيل: إنَّهم احتالُوا حتى تخلَّفُوا عن رسول الله؛ فكان الأولى أن يقال: فرح المتخلفون فالجوابُ من وجوه: أحدها: أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام منع أقواماً من الخروج معه لعلمه أنَّهم يفسدون ويشوشون، وكان هذا في غزوة تبوك؛ فهؤلاء كانوا مخلَّفين لا متخلِّفين. وثانيها: أنَّ أولئك المتخلفين صارُوا مخلفين في قوله بعد هذه الآية: {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً} [التوبة:83]، فلمَّا منعهم الله من الخروج صارُوا مخلفين. وثالثها: أنَّ من يتخلَّف عن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد خروجه إلى الجهاد، يوصف بأنَّه مخلف من حيث إنَّهُ لم ينهض، وبقي وأقام. قوله: {خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ} فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنَّه منصوبٌ على المصدر بفعلٍ مقدرٍ مدلولٍ عليه بقوله "مَقْعدِهِمْ"؛ لأنَّه في معنى تخلَّفوا، أي: تخلَّفوا خلاف رسول الله. الثاني: أنَّ "خلاف" مفعولٌ من أجله، والعامل فيه إمَّا "فَرِحَ"، وإمَّا "مَقْعَد" أي: فَرِحُوا؛ لأجل مخالفتهم رسول الله، حيثُ مضى هو للجهاد، وتخلَّفوا هم عنه، أو بقعودهم لمخالفتهم له، وإليه ذهب الطبريُّ، والزجاج، ومؤرِّج، وقطرُب، ويُؤيدُ ذلك قراءةُ من قرأ "خُلْف" بضم الخاء وسكون اللاَّم. والثالث: أن ينتصب على الظرف، أي: بعد رسول الله، يقال: أقام زيد خلاف القوم، أي: تخلَّف بعد ذهابهم. قال الأخفش وأبو عبيدة: إنَّ "خلافَ" بمعنى: "خَلْف"، وأنَّ يونس رواه عن عيسى بن عمر ومعناه: بعد رسول الله. ويؤيده قراءة ابن عبَّاسٍ، وأبو حيوة، وعمرو بن ميمون "خَلْفَ" بفتح الخاءِ وسكون اللاَّمِ. وعلى هذا القول، الخلاف: اسم للجهةِ المعينة كالخلف، وذلك أنَّ المتوجِّه إلى قُدَّامه فجهة خلفه مخالفة لجهة قُدَّامه في كونها جهة مُتوجِّهاً إليها، و "خِلافَ" بمعنى "خَلْف" مستعمل، وأنشد أبو عبيدة للأحوص: [الكامل] شعر : 2819- عَقَبَ الرَّبيعُ خِلافَهُمْ فَكَأَنَّمَا بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرَا تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 2820- فَقُلْ للَّذِي يَبْقَى خلافَ الذي مَضَى تَأهَّبْ لأخْرَى مِثلهَا فكأنْ قَدِ تفسير : قوله تعالى: {وَكَرِهُوۤاْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي: إنَّهم فرحوا بسبب التخلف، وكرهُوا الذهاب إلى الغزو. واعلم أنَّ الفرح بالإقامة يدل على كراهيةِ الذهاب، إلاَّ أنَّهُ أعاده للتَّأكيد، أو لعلَّ أن المراد أنَّ طبعه مال إلى الإقامة؛ لأجل إلفه البلدة، واستئنائه بأهله وولده، وكره الخروج إلى الغزو؛ لأنَّهُ تعريضٌ للمال والنفس للقتلِ، وأيضاً منعهم عن الخروج شدة الحرِّ في وقت خروج رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وهو المرادُ من قوله: {لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ}، فأجاب اللهُ عن هذا الأخير بقوله: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} أي: يعلمون، وكذلك في مصحف عبد الله بن مسعود، أي: بعد هذه الدَّار، دار أخرى، وبعد هذه الحياة حياة أخرى، وأيضاً هذه مشقة منقضية، وتلك مشقة باقية. وأنشد الزمخشريُّ لبعضهم: [الطويل] شعر : 2821- مَسَرَّةَ أحْقابٍ تلقَّيْتُ بَعْدهَا مسَاءةَ يَوْمٍ أريُهَا شَبَهُ الصَّابِ فَكيفَ بأنْ تَلْقَى مسرَّةَ سَاعَةٍ ورَاء تَقَضِّيها مَسَاءَةُ أحْقَابِ تفسير : قوله تعالى: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرا} الآية. "قَلِيلاً"، و "كَثِيراً" فيهما وجهان: أظهرهما: أنَّهما منصوبان على المصدر، أي: ضحكاً قليلاً وبكاءً كثيراً؛ فحذف الموصوفَ، وهو أحدُ المواضع المُطَّردِ فيها حذفُ الموصوف وإقامةُ الصفة مقامه. والثاني: أنَّهما منصوبان على ظرفي الزمان، أي: زماناً قليلاً، وزماناً كثيراً والأول أولى؛ لأنَّ الفعل يدلُّ على المصدر بشيئين: بلفظه ومعناه، بخلاف ظرف الزمان فإنه لا يدلُّ عليه بلفظه، بل بهيئته الخاصَّةِ. وهذا وإن ورد بصيغة الأمر إلاَّ أنَّ معناه الإخبار بأنه ستحصل هذه الحالة، لقوله تعالى بعده {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}. قوله: "جَزَاءً" فيه وجهان: الأول: قال الزَّجَّاج: إنَّه مفعولٌ لأجله، أي: سبب الأمر بقلَّة الضَّحكِ، وكثرة البكاء جزاؤهم بعملهم. و "بِمَا" متعلق بـ "جزاء"، لتعديته به ويجوزُ أن يتعلَّق بمحذوفٍ؛ لأنَّه صفته. والثاني: أن ينتصب على المصدر بفعلٍ مقدَّرٍ، أي: يُجْزونَ جزاءً. {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} في الدنيا من النِّفاق. قوله تعالى: {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ} الآية. "رَجَعَ" يتعدَّى كهذه الآية الكريمة، ومصدرُهُ: "الرَّجْع"، كقوله {أية : وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ}تفسير : [الطارق:11]. ولا يتعدَّى، نحو: {وَإِلَيْنَا تَرْجَعُونَ} [الأنبياء:35] في قراءة من بَنَاهُ للفاعل. والمصدر: الرُّجوعُ، كالدُّخُولِ. والمعنى: فإن ردَّك الله من غزوة تبوك إلى المدينة، ومعنى "الرجع" مصير الشَّيء إلى المكان الذي كان فيه، يقال: رجعته رجعاً، كقولك: رددته رداً. وقوله: {إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ} إنَّما خصَّصَ؛ لأنَّ جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين، بل كان بعضهم مخلصين معذورين، {فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ} معك في غزوة أخرى {فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً} في سفر، {وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً} وهذا يجري مجرى الذَّم واللَّعن لهم، ومجرى إظهار نفاقهم وفضائحهم؛ لأنَّ ترغيب المسلمين في الجهاد أمرٌ معلومٌ بالضَّرورة من دين محمَّد عليه الصلاة والسلام، ولمَّا منعوا هؤلاء من الخروجِ إلى الغزو بعد ذلك الاستئذان، كان ذلك تصريحاً بكونهم خارجين عن الإسلام، ونظيره قوله تعالى {أية : سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ}تفسير : [الفتح:15] إلى قوله{أية : قُل لَّن تَتَّبِعُونَا}تفسير : [الفتح:15]، ثم إنَّه تعالى علَّل ذلك المنع بقوله {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ} أي: لأنكم رضيتم {بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} في غزوة تبوك. قال أبُو البقاءِ: "أوَّل مرَّةٍ" ظرف. قال أبُو حيَّان "يعني ظرف زمان وهو بعيد". قال شهابُ الدِّين "لأنَّ الظَّاهر أنَّها منصوبةٌ على المصدر. وفي التفسير: أول خرجةٍ خرجها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: أول مرَّة من الخروج". قال الزمخشريُّ "فإن قلت: "مَرَّةٍ" نكرة، وضعت موضع المرات، للتفضيل، فلمَ ذُكِرَ اسمُ التفضيل المضافُ إليها، وهو دالٌّ على واحدةٍ من المرَّاتِ؟ قلت: أكثرُ اللُّغتين: أن يقال هند أكبرُ النساء، وهي أكبرهنَّ، ثم إنَّ قولك: هي كبرى امرأة، لا يكادُ يُعثر عليه، ولكن هي أكبر امرأة، وأول مرة وآخر مرة". والمعنى: أنَّ الحاجةَ في المرَّة الأولى إلى موافقتكم كانت أشدّ، وبعد ذلك زالت تلك الحاجة فلما تخلَّفْتُم عند مسيس الحاجة إلى حضُورِكُم؛ فبعد ذلك لا نقبلكم، ولا نلتفتُ إليكم. قوله: "مَعَ ٱلْخَالِفِينَ" هذا الظَّرفُ يجوز أن يكون متعلقاً بـ "اقْعُدُوا"، ويجوزُ أن يتعلَّق بمحذوفٍ؛ لأنَّه حال من فاعل "اقْعُدُوا". والخَالِفُ: المتخلِّفُ بعد القوم. قال الأخفشُ، وأبو عبيده: "الخَالِفُونَ" جمع، واحدهم "خالف"، وهو من يخلف الرجل في قومه. والمعنى: مع الخالفينَ من الرِّجال الذين يخلفون في البيت، فلا يبرحون. وقال الفرَّاءُ: المراد: بـ "الخَالِفينَ"، يقالُ: عبد خالف، إذا كان مخالفاً. وقال الأخفشُ: فلان خالفةُ أهل بيته إذا كان مخالفاً لهم، وقال الليثُ: يقال هذا رجل خالفةٌ، أي: مخالف كثير الخلاف، فإذا جمع قلت: الخالفُونَ. وقال الأصمعيُّ: الخالفُ: هو الفاسد، يقال: خلف فلان عن كل خير يخلف خلوفاً، إذا فسد ومنه "خُلُوف فَمِ الصَّائمِ"، والمراد بهم: النِّساءُ والصبيانُ والرِّجالُ العاجزون؛ فلذلك جازَ جمعهُ للتَّغليب. وقال قتادةُ: الخَالِفُونَ: النِّسَاء" وهو مردودٌ، لأجْلِ الجمع. وقرأ عكرمة، ومالكُ بن دينارٍ "مَعَ الخَلِفينَ" مَقصُوراً من "الخَالِفِينَ"؛ كقوله: [الرجز] شعر : 2822- مِثْلُ النَّقَا لَبَّدَهُ ضَرْبُ الظِّلَلْ تفسير : وقوله: [الرجز] شعر : 2823-...................... عَرِدَا .......................... بَرِدَا تفسير : يريد: "الظِّلال" و "عَرِدًا": بَارِدًا. قوله تعالى: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم} الآية. "مِنْهُم" صفةٌ لـ "أحَدٍ"، وكذلك الجملة من قوله: "مَاتَ"، في موضع جر أيضاً كأنه قيل: على أحدٍ منهم ميت، ويجوزُ أن يكون "مِنْهُم" حالاً من الضَّمير في "مَاتَ" أي: مات حال كونه منهم، أي: مُتَّصِفاً بصفة النِّفاقِ، كقولهم: أنت مني، يعني: على طريقتي و "أبَداً" ظرف منصوب بالنهي، وهذا الظَّرفُ متعلق بـ "أحَد"، والتقدير: ولا تصل أبداً على أحدٍ منهم. فصل اعلم أنَّهُ تعالى أمر رسوله أن يُهينَهُم، ويذلهم، بمنعهم من الخروج معه إلى الغزوات ثمَّ منعه في هذه الآية من أن يُصلي على من مات منهم. روى ابنُ عبَّاسٍ: أنَّه لمَّا أشْتَكَى عبد الله بن أبيّ ابن سلول، عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلب منه أن يصلي عليه إذا مات، ويقوم على قبره، ثمَّ إنه أرسل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وطلب منه قميصه، ليكفن فيه؛ فأرسل إليه القميص الفوقاني، فردَّه، وطلب الذي يلي جلده ليكفَّن فيه، فقال عمرُ: لِمَ تُعطِي قميصَك للرجس النَّجس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنَّ قميصِي لا يُغْنِي عنهُ مِنَ اللهِ شيئاً، ولعلَّ اللهَ أن يُدخلَ بِه ألفاً في الإسلام" تفسير : وكان المنافقون لا يفارقون عبد الله؛ فلمَّا رأوه يطلبُ القميص، ويرجو أن ينفعه، أسلم منهم يومئذ ألفٌ. فلمَّا مات جاء ابنُهُ يعرفه، فقال عليه الصلاة والسلام لابنه: "حديث : صَلِّ عليْهِ وادْفِنْهُ"تفسير : ، فقال: إن لم تُصل عليه يا رسول الله لم يُصَلّ عليه مسلمٌ، فقام صلى الله عليه وسلم، ليصلِّي عليه؛ فجاء عمر فقام بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين القبلة؛ لئلاَّ يصلي عليه، فنزلت الآية وأخذ عمر بثوبه وقال: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً}، وهذا يدلُّ على منقبة عظيمة من مناقب عمر؛ وذلك لأنَّ الوَحْيَ نزل على وَفْق قوله في آيات كثيرة منها: آية أخذ الفداء عن أسارى بدر كما سبق، ومنها: "آية تحريم الخمر" [المائدة:90]، ومنها: "آية تحويل القبلة"[البقرة:142]، ومنها: آية أمر النِّساء بالحجاب، وهذه الآية؛ فصار نزول الوحي على مطابقة قول عمر منصباً عالياً، ودرجة رفيعة في الدِّين، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لوْ لَمْ أبْعَثْ لبعثتَ يا عمر نبيّاً ". تفسير : قال القرطبيُّ: إن قال قَائِلٌ، كيف قال له عمر: أتصلي عليه، وقد نهاكَ اللهُ أنْ تُصَلِّي عليه ولم يكن تقدم نهي عن الصلاة عليهم؟ قيل له: يحتملُ أن يكون ذلك وقع له في خاطره، ويكون من قبيل الإلهام والتحدث الذي شهد له به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان القرآن ينزل على وفق مراده، كما قال: وافقت ربي في ثلاث، وجاء: في أربع؛ فيكون هذا من ذاك. ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله: {أية : ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ}تفسير : [التوبة:80] الآية، ويحتملُ أن يكون فهم ذلك من قوله: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [التوبة:113] فإن قيل: كيف يجوزُ أن يرغب الرسول - عليه الصلاة والسلام - في الصَّلاة عليه بعد علمه بأنه كافر وقد مات على كفره، وأنَّ صلاة الرَّسول - عليه الصلاة والسلام - تجري مجرى الإجلال والتَّعظيم وأيضاً فالصَّلاة عليه تتضمَّنُ الدُّعاء له، وذلك محظورٌ؛ لأنَّه تعالى أعلمه أنه لا يغفر للكافرِ ألبتة، وأيضاً دفع القميص إليه يوجب إعزازه؟. فالجواب: لعلَّ السَّبب فيه، أنَّه لمَّا طلب من الرسول - عليه الصلاة والسلام - القميص الذي يمسّ جلده، ليدفن فيه، غلب على ظنّ الرسول - عليه الصلاة والسلام - أنه آمن؛ لأنَّ ذلك الوقت وقت توبة الفاجر، وإيمان الكافر، فلمَّا رأى منه إظهار الإسلام، وشاهد منه هذه الأمارة التي دلت على إسلامه، غلب على ظنِّه إسلامه؛ فبنى على هذا الظَّن، ورغب في الصلاة عليه، فلمَّا نزل جبريلُ عليه السلام وأخبره بأنه مات على كفره ونفاقه؛ امتنع من الصلاة عليه وأمَّا دفع القميص إليه، فقيل: إن العباس عم الرسول - عليه الصلاة والسلام - لمَّا أسر ببدر لم يَجِدُوا له قميصاً، وكان رجلاً طويلاً؛ فكساهُ عبد الله قميصه. وقيل: إنَّ المشركين قالوا له يوم الحديبيةِ: إنَّا لا ننقادُ لمحمَّدٍ، ولكنَّا ننقاد لك، فقال: لا، إنَّ لي في رسول الله أسوةً حسنةً؛ فشكر رسولُ الله له ذلك. قال ابنُ عينية: كانت له عند النبي صلى الله عليه وسلم يدٌ فأحبَّ أن يُكافِئَهُ. وقيل: إنَّ الله تعالى أمره أن لا يرد سائلاً، لقوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ}تفسير : [الضحى:10] فلمَّا طلب القميص منه دفعه إليه، لهذا المعنى. وقيل: إنَّ منع القميص لا يليقُ بأهل الكرم وذلك أنَّ ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبيّ كان من الصالحين؛ فالرسولُ أكرمه لمكان ابنه وقيل: لعلَّ اللهَ تعالى أوحى إليه، أنَّك إذا دفعت قميصك إليه صار ذلك سبباً لدخول نفر من المنافقين في الإسلامِ، فقيل لهذا الغرض، كما روي فيما تقدَّم، وقيل: إنَّ الرّأفة والرحمة كانت غالبةً عليه صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء:107] فامتنع من الصَّلاة عليه، لأمر الله تعالى، ودفع القميص رأفة ورحمة. واعلم أنَّ قوله {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} يحتملُ تأبيد النَّفي، ويحتملُ نفي التأبيد والأول هو المقصودُ؛ لأنَّ قرائن هذه الآية دالَّة على أنَّ المقصود منعه من أن يصلِّي على أحد منهم منعاً كُلِّيًّا دائماً. ثم قال: {وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} وفيه وجهان: الأول: قال الزَّجَّاجُ "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له" فمنع منه ههنا. الثاني: قال الكلبي: "لا تقم بإصلاح مُهمَّات قبره، ولا تتولّ دفنه"، من قولهم: قام فلانٌ بأمر فلان، إذا كفاه أمره، ثمَّ إنه تعالى علَّل المنع من الصَّلاة عليه، والقيام على قبره بقوله: {إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ}. فإن قيل: الفسقُ أدْنَى حالاً من الكفر، فلما علل بكونه كافراً؛ فما فائدةُ وصفه بعد ذلك بالفسق؟. فالجوابُ: أنَّ الكافر قد يكونُ عدلاً في دينه، وقد يكون فَاسِقاً في دينه خبيثاً ممقوتاً عند قومه، بالكذب، والخداع، والمكر، وهذه أمورٌ مستقبحةٌ في جميع الأديان، فالمنافقون لمَّا كانوا موصوفين بهذه الصفات، وصفهم الله تعالى بالفسقِ بعد أن وصفهُم بالكفر، تنبيهاً على أنَّ طريقة النِّفاق طريقة مذمُومة عند جميع العالم. فإن قيل: قوله {إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ} صريح بأنَّ ذلك النَّهي معلّلٌ بهذه العلة، وذلك يقتضي تعليل حكم الله تعالى، وهو محال، فإنَّ حكم الله قديمٌ، وهذه العلة محدثة، وتعليل المحدث بالقديم محال. فالجوابُ: أنَّ البحث في هذه المسألة طويل، وظاهرُ هذه الآية يدلُّ عليه. فصل قال القرطبي: قوله تعالى: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} نصّ في الامتناع من الصلاة على الكُفَّار، وليس فيه دليل على الصَّلاة على المؤمنين، واختلفوا هل يؤخذ من مفهومه وجوب الصلاة على المؤمنين؟ فقيل: يُؤخذ؛ لأنَّه علَّل المنع من الصَّلاة على الكُفَّار لكفرهم لقوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}، فإذا زال وجبت الصَّلاةُ، لقوله تعالى {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}تفسير : [المطففين:15] يعني: الكفَّار؛ فدلَّ على أنَّ غير الكفار يرونه وهم المؤمنون. وقيل: إنَّما تؤخذ الصَّلاة من دليلٍ خارج، وهو الأحاديث، والإجماع. ومنشأ الخلاف القول بدليل الخطابِ وتركه. فصل جمهورُ العلماءِ على أنَّ التكبير في الصَّلاة على المَيّت أربع تكبيرات. وقال ابنُ سيرين: كان التكبير ثلاثاً فزادُوا واحدةً، وعن ابن مسعود، وزيد بن أرقم، يكبر خَمْساً وعن عليٍّ: ست تكبيرات. فصل قال القرطبيُّ: ولا قراءة في صلاة الجنازة في المشهور من مذهب مالكٍ. وكذا أبو حنيفة والثوري، لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : إذا صلَّيْتُم على المَيِّت فأخْلِصُوا له الدُّعاءِ" تفسير : وذهب الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، ومحمدُ بنُ سلمة، وأشهب، وداوود: إلى أنه يقرأ بالفاتحة، لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا صلاةَ لِمَنْ لا يَقْرَأ بفَاتِحَةِ الكتابِ ". تفسير : والسُّنَّةُ أن يقفَ الإمامُ عند رأسِ الرجل، وعند عجيزةِ المرْأةِ. قوله تعالى: {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ} الآية. قيل: هذا تأكيدٌ للآيةِ السَّابقة. وقال الفارسيُّ: "ليست للتأكيد؛ لأنَّ تيكَ في قومٍ وهذه في آخرين، وقد تغاير لفظا الآيتين؛ فهنا "ولاَ" بالواو، لمناسبة عطف نَهْي على نَهْي قبله في قوله: "ولا تُصَلِّ.. ولا تَقُمْ"، "ولاَ تُعْجِبكَ"، فناسبَ ذلك "الواو"، وهناك بـ "الفاء"، لمناسبة تعقيب قوله: {أية : وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ}تفسير : [التوبة:54] أي: للإنفاق، فهم مُعْجَبون بكثرة الأموالِ والأولادِ، فنهاهُ عن الإعجاب بـ "فاء" التعقيب. وهنا "وأولاَدهُمْ" دون "لا" نهيٌ عن الإعجاب بهما مجتمعين، وهناك بزيادة "لا" لأنَّه نهيٌ عن كل واحد واحد، فدلَّ مجموعُ الآيتين على النَّهي بالإعجاب بهما مجتمعين ومنفردين". قال ابنُ الخطيبِ "السَّبَبُ فيه: أنَّ مثل هذا التَّرتيب يبتدأُ فيه بالأدْنَى ثمَّ يترقَّى إلى الأشرف، فيقال: لا يُعْجِبُنِي أمر الأمير، ولا أمر الوزير، وهذا يدلُّ على أنَّهُ كان إعجاب أولئك الأقوام بأولادهم فوق إعجابهم بأموالهم، وفي هذه الآية يدلُّ على عدم التفاوت بين الأمرين عندهم". وهنا قال "أن يُعذِّبَهُم"، وهناك قال "ليُعَذِّبَهُم"، فأتى بـ "اللاَّم" المشعرة بالغلية ومفعول الإرادةِ محذوفٌ، أي: إنَّما يريد الله اختبارهم بالأموالِ والأولادِ - وأتى بـ "أنْ"؛ لأنَّ مصبَّ الإرادة التَّعذيبُ، أي: إنَّما يريد الله تَعْذيبَهُم، فقد اختلف مُتعلَّقُ الإرادة في الآيتين. هذا هو الظَّاهر. وقال ابنُ الخطيب "فائدته: التَّنبيه على أنَّ التعليلَ في أحكام الله تعالى محالٌ، وإنَّما ورد حرفُ التعليل زائداً ومعناه "أنْ" لقوله تعالى {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ}تفسير : [البينة:5]، أي: "وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله". وهناك "فِي الحياةِ الدُّنْيَا"، وهنا سقطت "الحَيَاة"، تنبيهاً على خِسِّيَّة الدُّنْيَا وأنَّها لا تَسْتحق أن تُسمَّى حياة، لا سيما وقد ذُكرت بعد ذكر موتِ المنافقين؛ فناسبَ ألاَّ تُسَمَّى حياة".

البقاعي

تفسير : ولما علل سبحانه عدم المغفرة بفسقهم، وأتى بالظاهر موضع المضمر إشارة إلى اتصافهم به وتعليقاً للحكم بالوصف، علل رسوخهم في الفسق بعد أن قدم أن المنافقين بعضهم من بعض فهم كالجسد الواحد بقوله: {فرح المخلفون} أي الذين وقع تخليفهم بإذنك لهم وكراهة الله لانبعاثهم {بمقعدهم} أي قعودهم عن غزوة تبوك، ولعله عبر بهذا المصدر لصلاحيته لموضع القعود ليكون بدلالته على الفرح أعظم دلالة على الفرح بالموضوع، وهو مروي عن ابن عباس رضى الله عنهما، وأظهر الوصف بالتخلف موضع الضمير زيادة في تهجين ما رضوا به لأنفسهم، وزاده تهجيناً أيضاً بقوله: {خلاف} أي بعد وخلف أو لأجل خلاف {رسول الله} أي الملك الأعظم الذي من تخلف عن حزبه هلك {وكرهوا أن يجاهدوا}. ولما كان هذا في سياق الأموال تارة بالرضى بنيلها والسخط بحرمانها، وتارة بقبض اليد عن بذلها، وتارة بالاستمتاع بالخلاف الذي هو النصيب أعم من أن يكون بالمال أو النفس، وتارة بعيب الباذلين وغير ذلك من شأنها قدم قوله: {بأموالهم و أنفسهم} على قوله: {في سبيل الله} أي طريق الملك الذي له صفات الكمال، لأنه ليس فيهم باعث الإيمان وداعي الإيقان الذي بعث المؤمنين، ودل ذلك على عراقتهم في الفسق بأن الإنسان قد يفعل المعصية ويحزن على فعلها وهؤلاء سروا بها مع ما فيها من الدناءة، وقد يسر الإنسان بالمعصية ولا يكره أن يكون بدلها أو معها طاعة وهؤلاء ضموا إلى سرورهم بها كراهية الطاعة، وقد يكره ولا ينهى غيره وهؤلاء جمعوا إلى ذلك كله نهي غيرهم، ففعلوا ذلك كله {وقالوا} أي لغيرهم {لا تنفروا في الحر} بعداً من الإسلام وعمّى عن سيد الأحكام، لأن غزوة تبوك كانت في شدة الحر. ولما كان هذا قول من لم تخطر الآخرة على باله، أمره تعالى أن يحذر من يصغي إليهم أو يقبل عليهم بقوله: {قل} أي يا أعلم بخلقنا استجهالاً لهم {نار جهنم} أي التي أعدها الله لمن خالف أمره {أشد حرّاً} ولفت الكلام إلى الغيبة يدل على أن أعظم المراد بهذا الوعظ ضغفاء المؤمنين لئلا يتشبهوا بهم طعماً في الحلم فقال تعالى: {لو كانوا} أي المنافقون {يفقهون*} أي لو كان بهم فهم يعلمون به صدق الرسول وقدرة مرسله على ما توعد به لعلموا ذلك فما كانوا يفرون من الحر إلى أشد حراً منه، لأن من فر من حر ساعة إلى حر الأبد كان أجهل الجهال، وقال أبو حيان: لما ذكر تعالى ما ظهر من النفاق والهزء من الذين خرجوا معه إلى غزوة تبوك من المنافقين ذكر حال المنافقين الذين لم يخرجوا معه، يعني في قوله {فرح المخلفون} - انتهى. فتكون الآية حيئنذ جواباً لمن كأنه قال: هذه أحوال من خرج فما حال من قعد؟ وقد خرج بما في هذه الآية من الأوصاف كعب بن مالك ورفيقاه رضي الله عنهم ونحوهم ممن لم يفرح بالقعود ولا اتصف بما ذكر معه من أوصافهم. ولما كان غاية السرور الضحك، وكان اللازم لهم في الآخرة البكاء في دار الشقاء الذي هو غاية الحزن لهم، فيها زفير وشهيق وهم يصطرخون فيها، قال تعالى مهدداً لهم مسبباً عن قبيح ما ذكر من فعلهم مخبراً في صورة الأمر إيذاناً بأنه أمر لا بد من وقوعه: {فليضحكوا قليلاً} أي فليتمتعوا في هذه الدار بفرحتهم بمقعدهم التمتع الذي غاية السرور به الضحك - يسيراً، فإنها دار قلعة وزوال وانزعاج وارتحال {وليبكوا كثيراً} أي في نار جهنم التي أغفلوا ذكر حرورها وأهملوا الاتقاء من شديد سعيرها بدل ذلك الضحك القليل كما استبدلوا حرها العظيم بحر الشمس الحقير {جزاء بما كانوا يكسبون*} أي من الفرح بالمعاصي والسرور بالشهوات والانهماك في اللذات. ولما كان المسرور بشيء الكاره لضده الناهي عنه لا يفعل الضد إلا تكلفاً ولا قلب له، إليه وكان هذا الدين مبنياً على العزة والغنى، أتبع ذلك بقوله مسبباً عن فرحهم بالتخلف: {فإن رجعك الله} أي الملك الذي له العظمة كلها فله الغنى المطلق عن سفرك هذا {إلى طائفة منهم} أي وهم الذين يمد الله في أعمارهم إلى أن ترجع إليهم، وهذا يدل على أنه أهلك سبحانه في غيبته بعضهم، فأردت الخروج إلى سفر آخر {فاستأذنوك} أي طلبوا أن تأذن لهم {للخروج} أي معك في سفرك ذلك {فقل} عقوبة لهم وغنى عنهم وعزة عليهم ناهياً لهم بصيغة الخبر ليكون صدقك فيه علماً من أعلام النبوة وبرهاناً من براهين الرسالة {لن تخرجوا معي أبداً} أي في سفر من الأسفار لأن الله قد أغناني عنكم وأحوجكم إليّ {ولن تقاتلوا معي عدواً} لأنكم جعلتم أنفسكم في عداد ربات الحجال ولا تصلحون لقتال؛ والتقييد بالمعية كما يؤذن باستثقالهم يخرج ما كان بعده صلى الله عليه وسلم مع أصحابه رضي الله عهنم من سفرهم وقتالهم. ولما أخزاهم سبحانه بما أخزوا به أنفسهم، علله بقوله: {إنكم رضيتم بالقعود} أي عن التشرف بمصاحبتي، ولما كانت الأوليات أدل على تمكن الغرائز من الإيمان والكفران وغيرها قال: {أول مرة} أي في غزوة تبوك، ومن فاتنا يكفيه أنا نفوته؛ قال أبو حيان: فعلل بالمسبب وهو الرضى الناشىء عن السبب وهو النفاق - انتهى. ولما أنهى الحكم والعلة، سبب عنه قوله: {فاقعدوا مع الخالفين*} أي الذين رضوا لأنفسهم بهذا الوصف الذي من جملة معانيه: الفاسد فهم لا يصلحون لجهاد ولا يلفون أبداً في مواطن الامجاد، وقال بعضهم: المراد بهم الذين تخلفوا بغير عذر في غزوة تبوك، أو النساء والصبيان أو أدنياء الناس أو المخالفون أو المرضى والزمنى أو أهل الفساد، والأولى الحمل على جميع، أي لأن المراد تبكيتهم وتوبيخهم، ولما أتم سبحانه الكلام في الاستغفار وتعليله إلى أن ختم بإهانة المتخلفين، وكان القتل المسبب عن الجهاد سبباً لترك الصلاة على الشهيد تشريفاً له، جعل الموت الواقع في القعود المرضي به عن الجهاد سبباً لترك الصلاة إهانة لذلك القاعد، فقال عاطفاً على ما أفهمت جملة: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} الآية، من نحو: فلا تستغفر لهم أصلاً: {ولا تصلِّ} أي الصلاة التي شرعت لتشريف المصلى عليه والشفاعه فيه {على أحد منهم} ثم وصف الأحد بقوله: {مات} وقوله {أبداً} متعلق بالنهي لا بالموت {ولا تقم على قبره} أي لأن قيامك رحمة وهم غير أهل لها، ثم علل ذلك بقوله: {إنهم كفروا بالله} أي الذي له العظمة كلها ولما كان الموت على الكفر مانعاً من الصلاة على الميت بجميع معانيها لم يحتج إلى التأكيد باعادة الجار فقيل -: {ورسوله} أي الذي هو أعظم الناس نعمة عليهم بما له من نصائحهم بالرسالة، والمعنى أنهم لعظم ما ارتكبوا من ذلك لم يهدهم الله فاستمروا على الضلالة حتى ماتوا على صفة من وقع النهي على الاستغفار لهم المشار إليها بقوله {والله لا يهدي القوم الفاسقين} وذلك المراد من قوله معبراً بالماضي والمعنى على المضارع تحقيقاً للخبر وأنه واقع لا محالة: {وماتوا وهم} أي والحال أنهم بضمائرهم وظواهرهم {فاسقون*} أي غريقون في الفسق. ولما كان ابن ابيّ سبب النهي عن الاستغفار لهم، وكان ابنه عبد الله بن عبد الله من خيار المؤمنين وخلص المحسنين وكان لبعض المنافقين أبناء مثله، وكان من طبع البشر أن يذكر في كثير من مقاله غلطاً ما يندم عليه، وكان شديد الوقوف لما حف به من العلائق البدنية وشمله من العوائق بالأوهام النفسانية مع أوهامه وعوائقه قاصراً على قيوده وعلائقه، فكان لإعادة الكلام وتكريره وترديده ومزيد تقريره تأكيد في النفوس وتعزية وتثبيت في القلوب، كرر آية الإعجاب لهذه الأسباب لأن يكون حكمها على بال من المخاطب لا ينساه لاعتقاد أن العمل به مهم جداً يفتقر إلى فضل عناية، وأن ذلك شبيه بما أوهم صاحبه فهو يتكلم فيه ثم ينتقل إلى غيره لغرض صحيح ثم يرجع إليه في أثناء حديثة لشدة اهتمامه به تنبيهاً على ذلك، ولا يرجع إليه إلا على غاية ما يكون من حسن الربط وبراعة التناسب، وعطفها بالواو دون الفاء لأن ذلك ليس مسبباً عما قبله كما سبق في الآية الأولى، أي لا تستغفر لهم ولا تصل عليهم ولا تعجبك قولهم: مستعطفين لك في طلب محبتك وإن زخرفوه وأكدوه بالأيمان التي اتخذوها جنة {ولا تعجبك أموالهم} وأسند النهي إليها إبلاغاً فيه. ولما لم يكن هنا ما اقتضى تأكيد النفي مما مضى في الآية الأولى، لم يعد النافي ولا أثبت اللام ولا الحياة فقال: {وأولادهم} أي وإن أظهروا أنهم يجاهدون بها معك ويتقربون بها إلى الله فإن الله لا يريد بهم ذلك فلا ييسره لهم لما علم من مباعدتهم للخير وعدم قابليتهم له فلا يحملك الإعجاب بشيء من ذلك على فعل شيء مما تقدم النهي عنه تأليفاً لأمثالهم للمساعدة بأولادهم وأموالهم وتطييباً لقلوب المؤمنين من أولادهم، فإنهم إن كانوا مؤمنين لم يضرهم ترك ذلك وإلا فبعداً لهم وسحقاً {إنما يريد الله} أي بعزه وعظمته وعلمه وإحاطته {أن يعذبهم} أي تعذيبهم {بها} فالفعل واقع بخلافة في الآية السابقة {في الدنيا} أي بجمعها ومحبة الإخلاد إليها وإلى الأولاد إن كانوا مثلهم في الاعتقاد وإلا كانوا زيادة عذاب لهم في الدارين {وتزهق} أي تخرج بغاية العسر {أنفسهم وهم} لاغترارهم بها {كافرون*} ولا شك أن خطاب الرأس بغاية العسر {أنفسهم وهم} لاغترارهم بها {كافرون*} ولا شك أن خطاب الرأس بشيء أوقع في قلوب أصحابه فلذلك وقع الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره من أتباعه وجماعته وأشياعه ممن قد يجنح إلى الأسباب ويقف عنده كما هو طبع النفوس في تأمل ما شهد ونسيان ما غاب وعهد تدريباً لهم على الحب في الله والبغض فيه لأنه من أدق أبواب الدين فهماً وأجلها قدراً، وعليه تبتنى غالب أبوابه، ومنه تجتنى أكثر ثمراته وآدابه، وذلك أنه ربما ظن الناظر فيمن بسطت عليه الدنيا أنه من الناجين فيوادّه لحسن قوله غافلاً عن سوء فعله، أو يظن أن أهل الدين فقراء إلى مساعدته لهم في جهاد أو غيره بما له وذويه روية فيداريه، فأعلمهم تعالى أن ما هذا سبيله مقطوع البركة نهياً عن النظر إلى الصور وتنبيهاً على قصر الأنظار على المعاني {أية : قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث} تفسير : [المائدة: 100] - الآية{أية : وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم} تفسير : [المنافقون: 41].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ‏ {‏بمقعدهم خلاف رسول الله‏}‏ قال‏:‏ عن غزوة تبوك‏. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في الآية قال‏:‏ يعني المتخلفون بأن قعدوا خلاف رسول الله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه قال‏:‏ كانت تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي غزوة الحر‏.‏ قالوا‏:‏ لا تنفروا في الحر، وهي غزوة العسرة‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا معه وذلك في الصيف‏.‏ فقال رجال‏:‏ يا رسول الله الحر شديد ولا نستطيع الخروج فلا تنفروا في الحر‏.‏ فقال الله ‏ {‏قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون‏} ‏ فأمره بالخروج‏"‏‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ‏ {‏لا تنفروا في الحر‏} ‏ قال‏:‏ قول المنافقين يوم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك‏. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا‏:‏ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد إلى تبوك، فقال رجل من بني سلمة‏:‏ لا تنفروا في الحر‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏قل نار جهنم أشد حرا‏ً.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ استدار برسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من المنافقين حين أذن للجد بن قيس ليستأذنوه ويقولوا‏:‏ يا رسول الله ائذن لنا فإنا لا نستطيع أن ننفر في الحر، فأذن لهم واعرض عنهم‏.‏ فأنزل الله ‏{‏قل نار جهنم أشد حراً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

ابو السعود

تفسير : {فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ} أي الذين خلّفهم النبـيُّ صلى الله عليه وسلم بالإذن لهم في القعود عند استئذانِهم أو خلّفهم الله بتثبـيطه إياهم لِما علم في ذلك من الحِكمة الخفية أو خلّفهم كسلُهم أو نفاقُهم {بِمَقْعَدِهِمْ} متعلقٌ بفرِحَ أي بقعودهم وتخلّفِهم عن الغزو {خِلَـٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ} أي خلفه وبعد خروجِه حيث خرج ولم يخرُجوا يقال: أقام خلافَ الحيِّ أي بعدهم، ظعنوا ولم يظعَن، ويؤيده قراءةُ من قرأ خلفَ رسولِ الله، فانتصابُه على أنه ظرفٌ لمقعدهم إذ لا فائدة في تقيـيد فرحِهم بذلك، وقيل: هو بمعنى المخالفة ويعضُده قراءة من قرأ خُلفَ رسولِ الله بضم الخاء فانتصابُه على أنه مفعولٌ له والعاملُ إما (فرح) أي فرحوا لأجل مخالفتِه عليه الصلاة والسلام بالقعود وإما (مقعدِهم) أي فرحوا بقعودهم لأجل مخالفته عليه الصلاة والسلام أو على أنه حالٌ والعامل أحدُ المذكورَيْن أي فرحوا مخالفين له عليه الصلاة والسلام أو فرحوا بالقعود مخالفين له عليه الصلاة والسلام {وَكَرِهُواْ أَن يُجَـٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} لا إيثاراً للدعةِ والخفْضِ على طاعة الله تعالى فقط بل مع ما في قلوبهم من الكفر والنفاقِ، فإن إيثارَ أحدِ الأمرين قد يتحقق بأدنى رُجْحانٍ منه من غير أن يبلُغ الآخرُ مرتبةَ الكراهيةِ وإنما أوثر ما عليه النظمُ الكريمُ على أن يقال: وكرهوا أن يخرُجوا إلى الغزو إيذاناً بأن الجهادَ في سبـيل الله مع كونه من أجلّ الرغائبِ وأشرفِ المطالبِ التي يجب أن يتنافسَ فيها المتنافسون قد كرهوه كما فرحوا بأقبح القبائحِ الذي هو القعودُ خلافَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم {وَقَالُواْ} أي لإخوانهم تثبـيتاً لهم على التخلف والقعودِ وتواصياً فيما بـينهم بالشر والفساد أو للمؤمنين تثبـيطاً لهم عن الجهاد ونهياً عن المعروف وإظهاراً لبعض العللِ الداعيةِ لهم إلى ما فرِحوا به من القعود، فقد جمَعوا ثلاثَ خلالٍ من خصال الكفر والضلالِ: الفرحُ بالقعودِ وكراهيةُ الجهاد ونهيُ الغير عن ذلك {لاَ تَنفِرُواْ فِى ٱلْحَرّ} فإنه لا يستطاع شدّتُه {قُلْ} رداً عليهم وتجهيلاً لهم {نَارُ جَهَنَّمَ} التي ستدخُلونها بما فعلتم {أَشَدُّ حَرّا} مما تحذرون من الحر المعهودِ وتحذّرون الناسَ منه، فما لكم لا تحذَرونها وتعرِّضون أنفسَكم لها بإيثار القعودِ على النفير {لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} اعتراضٌ تذيـيليٌّ من جهته سبحانه وتعالى غيرُ داخلٍ تحت القولِ المأمور به مؤكدٌ لمضمونه وجوابُ لو إما مقدرٌ أي لو كانوا يفقهون أنها كذلك، أو كيف هي أو إنْ آل مآلُهم إليها لَما فعلوا، أو لتأثروا بهذا الإلزامِ، وإما غيرُ منويَ على أن لو لمجرد التمني المنبىء عن امتناع تحققِ مدخولِها أي لو كانوا من أهل الفَطانةِ والفِقه كما في قوله عز وجل: {أية : قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا تُغْنِى ٱلآيَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ }تفسير : [يونس: 101] {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا} إخبارٌ عن عاجل أمرِهم وآجلِه من الضحِك القليلِ والبكاءِ الطويلِ المؤدِّي إليه أعمالُهم السيئةُ التي من جملتها ما ذكر من الفرح، والفاءُ لسببـية ما سبق للإخبار بما ذُكر من الضحِك والبكاءِ لا لنفسهما، إذ لا يُتصوَّر السببـيةُ في الأول أصلاً، وقليلاً وكثيراً منصوبان على المصدرية أو الظرفية أي ضَحِكاً قليلاً وبكاءً كثيراً أو زماناً قليلاً وزماناً كثيراً، وإخراجُه في صورة الأمرِ للدِلالة على تحتم وقوعِ المُخبَرِ به، فإن أمرَ الآمرِ المطاعِ مما لا يكاد يتخلّف عنه المأمورُ به خلا أن المقصودَ إفادتُه في الأول هو وصفُ القِلة فقط وفي الثاني وصفُ الكثرةِ مع الموصوف. يروى أن أهلَ النفاق يبكون في النار عمُرَ الدنيا لا يرقأ لهم دمعٌ ولا يكتحلون بنوم. ويجوز أن يكون الضحِكُ كنايةً عن الفرح والبكاءُ عن الغم وأن تكون القِلةُ عبارةً عن العدم والكثرةُ عن الدوام {جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} من فنون المعاصي، والجمعُ بـين صيغتي الماضي والمستقبلِ للدلالة على الاستمرار التجدّدي ما داموا في الدنيا، وجزاءً مفعولٌ له للفعل الثاني أي ليبكوا جزاءً أو مصدرٌ حُذف ناصبُه أي يُجزَون بما ذكر من البكاء الكثيرِ جزاءً بما كسبوا من المعاصي المذكورة.

القشيري

تفسير : استحوذ عليهم سرورُهم بتخلفهم، ولم يعلموا أن ثبورَهم في تأخرهم وما آثروه من راحة نفوسهم على أداء حق الله، والخروج في صحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فنزع الله الراحةَ بما عاقَبَهم، وسَيَصْلَوْنَ سعيراً في الآخرة بما قدَّموه من نفاقهم، وسوف يتحسَّرُون ولات حينَ تحسُّر.

اسماعيل حقي

تفسير : {فرح المخلفون} المخلف ما يتركه الانسان خلفه والمتخلف الذىىتأخر بنفسه والمراد المنافقون الذين خلفهم النبى عليه السلام بالمدينة حين الخروج الى غزوة تبوك بالاذن لهم فى القعود عند استئذانهم {بمقعدهم} مصدر ميمى بمعنى القعود متعلق بفرح اى بقعودهم وتخلفهم عن الغزو {خلاف رسول الله} ظرف للمصدر اى خلفه وبعد خروجه حيث خرج ولم يخرجوا فالخلاف بمعنى خلف كما فى قوله تعالى {أية : وإذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلا} تفسير : [الاسراء: 76] يقال اقام زيد خلاف القوم اى تخلف عنهم بعد ذهابهم ظعن أو لم يظعن ويجوز ان يكون بمعنى المخالفة فيكون انتصابه على العلة اى فرحوا لاجل مخالفتهم اياه عليه السلام بان مضى هو للجهاد وتخلفوا عنه {وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله} ايثارا للدعة والخفض اى الراحة وسعة العيش على طاعة الله مع ما فى قلوبهم من الكفر والنفاق. وفى ذكر الكراهة بعد الفرح الدال عليها تعريض بالمؤمنين الذين بذلوا اموالهم وانفسهم فى سبيل الله وآثروا تحصيل رضاه تعالى وفى قوله كرهوا مقابلة معنوية مع فرح لان الفرح من ثمرات المحبة {وقالوا} اى قال بعضهم لبعض تثبيتا لهم على التخلف والقعود وتواصيا فيما بينهم بالشر والفساد او قالوا للمؤمنين تثبيطا لهم عن الجهاد ونهيا لهم عن المعروف فقد جمعوا ثلاث خصال من خصال الكفر والضلال الفرح بالقعود وكراهة الجهاد ونهى الغير عن ذلك {لا تنفروا} اى لا تخرجوا {فى الحر} فانه لا تستطاع شدته وكانوا دعوا الى غزوة تبوك فى وقت نضج الرطب وهو اشد ما يكون من الحر وقول عروة بن الزبير ان خروجه عليه السلام لتبوك كان فى زمن الخريف لا ينافى وجود الحر فى ذلك الزمن لان اوائل الخريف وهو الميزان يكون فيه الحر. وكان ممن تخلف عن مسيره معه صلى الله عليه وسلم ابو خيثمة ولما سار عليه السلام اياما دخل ابو خيثمة على اهله فى يوم حار فوجد امرأتين فى عريشتين لهما فى حائط قد رشت كل منهما عريشتها وبردت فيها ماء وهيأت طعاما فلما دخل نظر الى امرأتيه وما صنعتا فقال رضى الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحر وابو خثيمة فى ظل وماء بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء ما هذا بالنصف ثم قال والله لا ادخل عريشة واحدة منكما حتى ألحق برسول الله حتى ادركه: قال الحافظ شعر : ملول از همر هان بودن طريق ماردانى نيست بكش دشوارى منزل بياد عهد آسانى تفسير : وقال شعر : مقام عيش ميسر نميشود بى رنج بلى بحكم بلابسته اند حكم الست تفسير : وقال شعر : من ازديار حبيبم نه ازديار غريب مهيمنا بعزيزان خودرسان باشم تفسير : {قل} ردا عليهم وتجهيلا {نارُ جهنم أشد حرا} من هذا الحر وقد آثرتموها بهذه المخالفة فما لكم لا تحذرونها {لو كانوا يفقهون} اى يعلمون انها كذلك لما خالفوا وفى الحديث "حديث : ان ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من اجزاء نار جهنم " .تفسير : وبيانه انه لو جمع حطب الدنيا فاوقد كله حتى صار نارا لكان الجزء الواحد من اجزاء نار جهنم الذى هو من سبعين جزأ اشد من حر نار الدنيا. وفى الخبر لما اهبط آدم عليه السلام مضى جبرائيل الى مالك واخذ منه جمرة لآدم فلما تناولها احرقت كفة فقال ما هذه يا جبرائيل قال جمرة من جهنم غسلتها سبعين مرة ثم آتيتها اليك فالق عليها الحطب واخبز وكل ثم بكى آدم وقال كيف "حديث : تقوى اولادى على حرها فقال له جبرائيل ليس لها على اولادك المطيعين من سبيل كما ورد فى الحديث تقول جهنم للمؤمن جز يا مؤمن فقد اطفأ نورك لهبى " .تفسير : ومن كان مع الله لا يحرقه شئ ألا ترى الى حال النبى عليه السلام ليلة المعراج كيف تجاوز عن كرة الاثير ولم يحترق منه شعر وكانت النار بردا وسلاما على ابراهيم عليه السلام

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (خلافَ رسول الله): منصوب على الظرفية، أي: بعده، يقال: أقام خلاف الحي، أي: بعدهم، وقيل: مصدر خالف، فيكون مفعولاً لأجله، أو حال. يقول الحق جل جلاله: {فَرَحَ المخلَّفُون} أي: الذين خلفهم الله عن الغزو، وأقعدهم عنه، ولذلك عبَّر بالمخلفين دون المتخلفين، فرحوا {بمقعدهم خلافَ رسول الله} أي: بعده في غزوة تبوك، {وكَرِهُوا أن يُجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله}؛ إيثاراً للراحة والدّعَةِ على طاعة الله ورسوله. وفيه تعريض بالمؤمنين الذين آثروا عليها تحصيل رضاه؛ ببذل الأموال والمهج، وأما المنافقون فآثروا الراحة وقعدوا، {وقالوا لا تَنفروا في الحر}، قاله بعضهم لبعض، أو قالوه للمؤمنين تثبيطاً لهم. قال ابن جزي: قائل هذه المقالة رجل من بني سليم، ممن صعب عليه السفر إلى تبوك في الحر. هـ. {قلْ نارُ جهنم أشدُّ حراً}، وقد آثرتموها بهذه المخالفة، {لو كانوا يفقهون} أن مآلهم إليها، أو كيف هي؟... ما اختاروا بإيثار الدعة على الطاعة. {فليضْحَكُوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاءً بما كانوا يكسِبُون}، وهو إخبار عما يؤول إليه حالهم في الدنيا والآخرة، أي: سيضحكون قليلاً، ويبكون كثيراً؛ لما يرون من سوء العاقبة، وأتى به على صيغة الأمر؛ للدلالة على أن حَتمٌ واجب وقوعه. قال ابن جزي: أمرٌ بمعنى الخبر، فضحكهم القليل في الدنيا مدة بقائهم فيها، وبكاؤهم الكثير في الآخرة، أي: سيضحكون قليلاً في الدنيا، ويبكون كثيراً في الآخرة، وقيل: هو بمعنى الأمر، أي: يجب أن يكونوا يضحكون قليلاً ويبكون كثيراً في الدنيا، لِمَا وقعوا فيه. ـ. {فإنَّ رجعَك اللَّهُ إلى طائفَةٍ منهم} أي: فإن ردك الله من الغزو إلى المدينة، وفيها طائفة من المتخلفين ـ يعني منافقيهم ـ وكانوا اثنى عشر رجلاً ممن تخلف من المنافقين، وإنما لم يقل: إليهم؛ لأن منهم من تاب من النفاق، وندم على التخلف، {فاستأذنوك للخروج} معك إلى غزوة أخرى بعد تبوك، {فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تُقاتلوا معي عدواً}؛ عقوبة لهم، وفيها خزي وتوبيخ لهم، {إنكم رضيتم بالقعود أَوَّلَ مرةٍ}، يعني: عن تبوك، وهو تعليل لعدم خروجهم معه في المستقبل، {فاقعدُوا مع الخالفين} أي: المتخلفين، أي: لعدم تأهلهم للجهاد كالنساء والصبيان. الإشارة: من قلَّ إيقانه، وضعف نور إيمانه، فرح ببقائه، مع متابعة هواه وتيسير أمور دنياه، وكره ارتكاب مشاق المجاهدة، واقتحام حَر المخالفة والمكابدة، وثبط من رآه يروم تلك الوجهة، ويريد أن يتأهب لدخول ميدان تلك الحضرة؛ فسَنَندم قريباً، حين يفوز الشجعان بحضرة الوصال، ويتأهلون لمشاهدة الكبير المتعال، ولا ينفع الندم وقد زلت القدم، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى. {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} تفسير : [الواقعة: 10ـ 12] وبالله التوفيق. ثم نهى نبيه عن الصلاة على المنافقين، فقال: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً}.

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى بأن جماعة من المنافقين الذين خلفهم النبي صلى الله عليه وآله ولم يخرجهم معه إلى تبوك لما استأذنوه في التأخر فأذن لهم، فرحوا بقعودهم خلاف رسول الله. والمخلف المتروك خلف من مضى، ومثله المؤخر عمن مضى تقول: خلف تخليفاً وتخلف تخلفاً. والفرح ضد الغم، والغم ضيق الصدر بفوت المشتهى، وعند البصريين من المعتزلة هو اعتقاد وصول الضرر اليه في المستقبل او دفع الضرر المظنون والمعلوم عنه. ومعنى خلاف رسول الله قال أبو عبيدة: بعد رسول الله وأنشد: شعر : عقب الربيع خلافهم فكأنما بسط الشواطب بينهن حصيرا تفسير : وقال غيره: معناه المصدر من قولك خالف خلافاً وهو نصب على المصدر. وقوله {وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} اخبار منه تعالى ان هؤلاء المخلفين فرحوا بالتأخر وكرهوا إنفاق أموالهم والجهاد بنفوسهم في سبيل الله، فالجهاد بالمال هو تحمل لمشقة الانفاق في وجوه البر، والجهاد بالنفس هو تعريضها لما يشق عليها اتباعاً لأمر الله. وقوله {لا تنفروا في الحر} معناه انهم قالوا لنظرائهم ومن يقبل منهم: لا تخرجوا في الوقت الحار، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله قل لهم {نار جهنم اشد حرّاً لو كانوا يفقهون} لأنهم توقوا بالقعود عن الخروج حرّ الشمس، فخالفوا بذلك أمر الله وأمر رسوله، واستحقوا حرّ نار جهنم، وكفى بهذا الاختيار جهلا ممن اختاره. وقوله {لو كانوا يفقهون} معناه لو كانوا يفقهون وعظ الله وتحذيره وتزهيده في معاصيه.

الجنابذي

تفسير : {فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ} جواب سؤالٍ عن حالهم او عن علّة التّغليظ عليهم وعدم مغفرتهم، وتدارك آخر لتوهّم عدم قبول استغفار الرّسول (ص) وخلاف رسول الله (ص) امّا ظرف لمقعدهم ان كان بمعنى العقب، او مفعول له لفرح او المخلّفون، او مقعدهم، على التّنازع او على الانفراد {وَكَرِهُوۤاْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ} يعنى انّهم لغاية شقاوتهم جمعوا بين التّخلّف والفرح به وكراهة الجهاد ومنع غيرهم منه {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً} فان كان الحرّ يتّقى فنار جهنّم احقّ ان تتّقى {لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} لما اختاروا حرّ الآخرة على حرّ الدّنيا، والفقه كما مرّ هو ادراك الاغراض والغايات خصوصاً الغايات الآلهيّة من الاشياء والاقوال لا ادراك المفاهيم من الالفاظ فقط كما ظنّ، ولذا فسّر بأنّه طلب علمٍ دينيٍّ يتوسّل به الى علمٍ آخر، وبعبارةٍ اخرى الفقه هو الادراك الّذى يحرّك الانسان من حضيض نفسه الى اوج عقله ومن دنياه الى آخرته وتفسيره بالعلم بالمسائل الدّينيّة الفرعيّة عن ادلّتها التّفصيليّة محض مواضعة اصطلاحيّة، وامّا فى الشّريعة فهو باقٍ على معناه وعدم تسمية علم الله والملائكة بالفقه لعدم تصوّر استعدادٍ له تعالى ولا للملائكة حتّى يتصوّر التّرقّى، بل كلّ ما كان هناك بالامكان العامّ فهو بالفعل، وعدم تسمية علوم الانبياء بالفقه لتبدّل استعدادهم بالفعليّة لا لما قالوا من انّ علومهم ليست من ادلّتها التّفصيليّة والحاصل انّ الاشتداد والتدرّج فى طريق الانسانيّة مأخوذ فى مفهوم الفقه فكلّما كان الادراك كذلك كان فقهاً وما لم يكن كذلك لم يكن فقهاً، فلو فرض نبىّ يكون له حالة اشتداد في علمه كان علمه من هذه الجهة فقهاً.

الهواري

تفسير : قوله: {فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الحَرِّ} قال مجاهد: بعد الفتح وبعد الطائف وبعد حنين في الصيف، حين اختُرِفَت النخلُ، وطابت الثمار، واشتُهِيَ الظلّ، وشَقَّ عليهم الخروجُ في إبّان الحرّ. قال الله للنبي عليه السلام: { قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً} من نار الدنيا في تفسير الحسن. { لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} لعلموا أن نار جهنم أشد حراً من نار الدنيا. ذكر بعضهم قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له في يوم شديد الحر إذ نزل منزلاً وجعل أحدهم ينتعل ثوبَه من شدة حرّ الأرض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أراكم تجزعون من شدة حرّ الشمس بينكم وبينها مسيرة خمسمائة عام، والذي نفسي بيده لو أن باباً من أبواب جهنم فتح بالمشرق ورجل بالمغرب لغلا دماغه حتى يسيل من منخريه تفسير : وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لو أن غرباً من جهنم وضع في الأرض لأذى حرّه ما بين المشرق والمغرب تفسير : وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ناركم هذه التي توقدون بها جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم. قيل: يا رسول الله، إن كانت لكافية. قال فإنها فضلتها بتسعة وستين جزءاً كلها مثل حرّها. وزاد فيه بعضهم قال: ضربت بالماء مرّتين لكي تنتفعوا بها وتدنوا منها .

اطفيش

تفسير : {فَرِحَ المخلَّفون} أى المتروكون خلف، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تركهم خلفه ومضى لتبوك، فكأنه قيل: فرح الذين خلفهم رسول الله، أو خلفهم الله، أى تركهم خلف رسوله، وأبعدهم من مقام الخير، فالمخلف أذمّ من المتخلف، أو خلفهم كسلهم ونفاقهم والشيطان. {بمقْعَدِهم} مصدر ميمى، أى لقعودهم عن الغزو فى المدينة خلاف رسول الله بمعنى بعد متعلق بمقعد، فهو كخلف، ويدل له قراءة ابن عباس، وأبى حيوة: خلف رسول الله، أو مصدر خالف فيكون حالا مبالغة، أو بتقدير ذوى خلاف، أو بتأويله بمخالفين كذا قيل، وهو إنما يتم على جواز تعريف الحال، فإن إضافة خلاف محضة، ولو فى حال وتأويله بالوصف لأن ذلك الوصف ماضر بالنسبة إلى زمان التكلم، أو مفعول لأجله، أى لمخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويناسب المصدرية قراءة بعضهم خلف بضم الخاء وإسكان اللام. {وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بأمْوالهم وأنفسِهم فى سَبيلِ الله} ذم لهم بإيثارهم الراحة ونعمة الدنيا على طاعة الله، يتضمن مدحا للمؤمنين بإيثارهم رضا الله سبحانه وتعالى ببذل أموالهم وأنفسهم {وقالُوا} للمؤمنين تثبيط أو إغراء بالتأخير إلى زوال الحر، أو قال بعضهم لبعض، وقال محمد بن كعب، القائل رجل من بنى غلمة، وأؤيد أنهم قالوا للمؤمنين ما روى عن ابن عباس: أن رجلا قال: يا رسول الله الحر شديد فلا تنفر فى الحر. {لا تنْفِرُوا فى الحرِّ} وكانت غزوة تبوك فى شدة الحر {قُلْ} يا محمد لمن قال ذلك {نارُ جَهنَّم أشدُّ حرّاً} من الشمس وهى جزاؤكم غدا آثرتموها بهذه المخالفة وقوله: {لَوْ كانُوا يفقهون} مستأنف ليس من جملة المأمور بقوله، وجواب لو محذوف، والتقدير لو كانوا يفقهون أنها مرجعهم إن تخلفوا، وكيف هى ما فعلوا ما يوجبها، أو لو كانوا يفقهون لعلموا أنها أشد حرا، ويجوز أن يكون غير مستأنف عن القول بأن يقدر قل فى شأنهم نار جهنم أشد حرا لو كانوا من الفقه. "حديث : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مسير له يوم شديد [الحر] إذ نزل وجعل أحدهم يتقى الأرض بثوبه من شدة الحر فقال: "أراكم تجزعون من حر الشمس وبينكم وبينها مسيرة خمسمائة عام والذى نفسى بيده لو أن بابا من أبواب جهنم فتح بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى دماغه حتى يسيل من منخريه"" تفسير : وفى حديث: "حديث : "إن ناركم هذه جزءا من سبعين جزءا من نار جهنم" قيل: يا رسول الله إن كانت لكافية، قال: "فإنها فضلتها بتسعة وستين جزءا وكلها مثل جزئها، ولقد ضربت بالماء مرتين لتنتفعوا بها وتدنوا منها"" تفسير : قال النقاش: وقرأ عبد الله: "لو كانوا يعلمون".

اطفيش

تفسير : {فَرِحَ المُحَلَّفُونَ} الاثنا عشر الذين خلفوا أَنفسهم أَو خلفهم الله أَو خلفهم الشيطان عن النبى صلى الله عليه وسلم وعن الغزو، أَو خلفهم الكسل أَو النفاق أَو النبى صلى الله عليه وسلم إِذ طلبوا التخلف فأَذن لهم فيه {بِمَقْعَدِهِمْ} بقعودهم عن غزوة تبوك {خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ} أَى خلفه، يقال خلف كذا وخلافه بمعنى، وهو متعلق بمقعد أَو مصدر بمعنى الوصف أَى مخالفين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أَو يقدر ذوى خلاف له وهو حال، ويجوز أَن يكون مفعولا مطلقاً لمقعد وهو مصدر، فإِن التخلف عنه قعود عنه، كقمت وقوفاً أَو مفعولاً من أَجله أَى لأَجل خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناصب فرح {وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللهِ} لميل الطبع إِلى الراحة والقعود مع الأَهل والولد والحياة، إِذ لم يعالجوا أَنفسهم إلى ما فعل المؤْمنون من دخول المشقة ومفارقة الأَهل والمال والولد وبذل أَموالهم وأَزواجهم لرضى الله عز وجل، ففى الآية تلويح بمدح المؤمنين بأَنهم رضوا ذلك ولم يكرهوا. {وَقَالُوا} للمسلمين على وجه ادعاء النصح أَو لضعفاءِ المسلمين أو قال بعض لبعض. {لاَ تَنْفِرُوا} إِلى الجهاد {فِى الحَرِّ} كانت غزوة تبوك فى زمان شدة الحر مع القحط وبعد المسافة وخوفهم من شدة قتال الروم {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا} من حر السفر إِلى تبوك، وكان الواجب أَن يقوا أَنفسهم به عن حر جهنم، ولكن اختاروا حر جهنم عنه بالمعنى للمخالفة {لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} أَى لو كانوا يعلمون بجهنم وأَشدية حرها لم يختاروا عدم الخروج. {فَلْيَضْحَكُوا} الفاءُ لسببية ما سبق للإِخبار بالضحك والبكاءِ لا لنفسهما {قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً} أَى زمناً قليلا وزمنا كثيراً أَو ضحكاً قليلا وبكاءً كثيراً، والضحك فى الدنيا والبكاءُ فى الآخرة، ويروى أَن المنافقين يكونون فى النار قدر عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم. وقيل: كلاهما فى الدنيا كحديث: حديث : لو تعلمون ما أَعلم لضحكتم قليلا وبكيتم كثيراًتفسير : ، ولا يخفى أَن الدنيا وما فيها بالنسبة للآخرة ولو مع غاية الكثرة والمنقطع الفانى، مثل العدم بالنسبة للدائم، وإِن شئْت فالضحك أَيضاً فى الآخرة، وعليه فالقلة العدم كما يطلق الكثرة على الكل فلا ضحك لهم فى الآخرة، ويجوز كون الضحك والبكاءِ كناية عن الفرح والحزن لا حقيقتهما، ولام الأَمر للتأْكيد، والمراد الإِخبار بأَنهم ضحكوا فى الدنيا قليلا ويبكون فى الآخرة كثيراً، فإِن الأَمر لا يتحمل الكذب كما لا يتحمل الصدق، ألا ترى إلى قوله تعالى: كن فيكون، بصيغة الأَمر، وأَمر المطاع لا يتخلف، والأَمر للوجوب فناسب التعبير به فكأَنه قيل لا بد من ضحكهم قليلا وبكائِهم كثيراً، فتارة ذلك وتارة يستعمل الخبر بمعنى الأَمر لتحقق الوقوع كأَنه وقع فأَخبر عنه، والمراد بكثرة ما فى الأَمر ما لا نهاية له. قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : يا أَيها الناس ابكوا فإِن لم تستطيعوا أَن تبكوا فتباكوا، فإِن أَهل النار يبكون فى النار حتى تسيل دموعهم فى وجوههم كأَنها جداول حتى تنقطع الدموع، فتسيل الدماءُ فتقرح العيون، فلو أَن سفنا أُجريت فيها لجرت"تفسير : . {جَزَاءً} مصدر مؤكد للجملة قبله أَى يجازيهم جزاءً أَو مفعول من أَجله أَى حكمنا عليهم بالضحك القليل والبكاءِ الكثير للجزاءِ، ومحط القليل قوله وليبكوا ولو فسرنا ذلك بالكناية {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أَى بما كانوا يكسبون أَى كونهم يكسبون، وفرع على فرحهم بالتخلف وكراهة الجهاد وقول لا تنفروا والوعيد على ذلك قوله: {فَإِن رَّجَعَكَ} ردك من تبوك، والمصدر الرجع لأَنه متعد ورجع اللازم مصدره الرجوع، وقد يكون الرجع مصدراً له أَيضاً، وحمل بعض عليه قوله ذات الرجع، والواضح إِبقاؤه على أَصله أَى والسماء ذات الرجع لكذا، واختار المتعدى فى الآية ليكون فعلا لله عز وجل لأَن ذلك السفر فيه خطر، فالمناسب أَن يعبر بما يفيد التأْييد الإلهى كما عبر بإِن لا بإِذا للشك فى السلامة تعالى الله عن الشك وصفات النقص {اللهُ إِلى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ} يرجع إِليهم كلهم إِلا من مات أَو غاب وكلهم منافقون، ولكن خص طائفة تريد الخروج معه لغزوة بعد تبوك إِن أَرادت، وأَلغى من لا يطلب الخروج بعد ففرض الكلام فيمن يطلب الخروج فلا يقبل كما قال {فقل لن تخرجوا معى} إِلخ، ويجوز أَن تكون من للبيان والهاءُ للمنافقين أَو المتخلفين، أَى طائفة هم المنافقون أَو هم المتخلفون، ويجوز إِبقاؤُها على التبعيض فيكون البعض الآخر من خرج معه إِلى تبوك من المنافقين ومن مات أَو غاب أَو تاب، ويجوز رد الضمير إِلى المتخلفين المعذورين وغير المعذورين على الاستخدام بقصد غير المعذورين فقط أَو بلا استخدام فإِنه من عذر لعذر صحيح لكنه فرح بالتخلف وكره الجهاد وقال لا تنفروا، ويكون من المنافقين فهم طائفة، والتنكير فى ذلك كله للتحقير. {فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ} إِلى غزوة بعد تبوك، والفاء لمطلق التفريع لا للاتصال. {فَقُل} لهم {لَّنْ تَخْرُجُوا مَعِىَ أَبَداً} إِلى غزوة ولو بلا قتال، كحمل المؤنة والرجال والمنافع {وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِىَ عَدُوًّا} ولو فى المدينة بلا خروج أَو هذا تأكيد للأَول، واللفظ خبر والمعنى النهى، وذلك تأكيد أَى لا تخرجوا معى ولا تقاتلوا معى، فإِن الله عز وجل خذلهم وأَبعدهم عن رتبة الجهاد، والخروج له والصحبة معه صلى الله عليه وسلم، وعن ديوان الغزاة وعن عددهم من الجند، واستدل بعض على إِرادة النهى بقوله: فإِن استأْذنوك للخروج فإِنه لا يلائم الإِخبار بأَنهم لن يخرجوا مع أَنهم يريدون الخروج، وفيه أَنه لا مانع من الإِخبار بأَنهم يريدونه ولا يكون لأَنه لا يقبله منهم فلا يكون، وعلل ذلك بقوله: {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} فى الوقت الأَول وقت الخروج إِلى تبوك والأَصل فى المرة الأُولى، وإِنما يكون وقت غزوة تبوك أَولاً بالنسبة لما بعده، وقيل: نصب على أَنه مفعول مطلق، أَى قعدة سابقة وأَصل مرة واحدة من المرور ثم استعمل ظرف زمان ولم يؤنث اسم التفضيل لأَنه أُضيف لمنكر {فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} المتأَهلين للتخلف عن الغزو لنقصهم كالصبيان والبله والمجانين والمرضى والعمى والعرج والمقعدين والهرمى والنساء. أَو هو من الخلف ضد الصلاح فإِن الصبيان ومن بعدهم كذلك، ومنه خلوف فم الصائم، وعن قتادة الخالفين النساء، ويرده أَن صفة المؤنث لا تجمع جمع المذكر السالم وأَجازه الكوفيون، وأَما على الأَول فالجمع تغليب للذكور.

الالوسي

تفسير : {فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ} أي الذين خلفهم النبـي صلى الله عليه وسلم وأذن لهم في التخلف، أو خلفهم الله تعالى بتثبيطه إياهم / لحكمة علمها أو خلفهم الشيطان باغرائه أو خلفهم الكسل والنفاق {بِمَقْعَدِهِمْ} متعلق بفرح وهو مصدر ميمي بمعنى القعود. وقيل: اسم مكان، والمراد منه المدينة، والأكثرون على الأول أي فرحوا بقعودهم عن الغزو {خِلَـٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ} أي خلفه عليه الصلاة والسلام وبعد خروجه حيث خرج ولم يخرجوا، فهو نصب على الظرفية بمعنى بعد وخلف وقد استعملته العرب في ذلك، والعامل فيه كما قال أبو البقاء (مقعد) وجوز أن يكون {فَرِحَ}. وقيل: هو بمعنى المخالفة فيكون مصدر خالف كالقتال وحينئذ يصح أن يكون حالاً بمعنى مخالفين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يكون مفعولاً له والعامل إما {فَرِحَ} أي فرحوا لأجل مخالفته صلى الله عليه وسلم بالقعود وإما (مقعدهم) أي فرحوا بقعودهم لأجل المخالفة، وجعل المخالفة علة باعتبار أن قصدهم ذلك لنفاقهم ولا حاجة إلى أن يقال قصدهم الاستراحة ولكن لما آل أمرهم إلى ذلك جعل علة كما قالوا في لام العاقبة وجوز أن يكون نصباً على المصدر بفعل دل عليه الكلام. {وَكَرِهُواْ أَن يُجَـٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} إيثاراً للراحة والتنعم بالمآكل والمشارب مع ما في قلوبهم من الكفر والنفاق، وبين الفرح والكراهة مقابلة معنوية لأن الفرح بما يحب. وإيثار ما في النظم على أن يقال وكرهوا أن يخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إيذان بأن الجهاد في سبيل الله تعالى مع كونه من أجل الرغائب التي ينبغي أن يتنافس فيها المتنافسون قد كرهوه كما فرحوا بأقبح القبائح وهو القعود خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الكلام تعريض بالمؤمنين الذين آثروا ذلك وأحبوه ابتغاء لرضا الله تعالى ورسوله {وَقَالُواْ} أي لإخوانهم تثبيتاً لهم على القعود وتواصياً بينهم بالفساد أو للمؤمنين تثبيطاً لهم على الجهاد ونهياً عن المعروف وإظهاراً لبعض العلل الداعية لهم إلى ما فرحوا به، والقائل رجال من المنافقين كما روي عن جابر بن عبد الله وهو الذي يقتضيه الظاهر. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي أن القائل رجل من بني سلمة، ووجه ضمير الجمع على هذا يعلم بما مر غير مرة {لاَ تَنفِرُواْ} لا تخرجوا إلى الغزو {فِى ٱلْحَرِّ} فإنه لا يستطاع شدته. {قُلْ} يا محمد رداً عليهم وتجهيلاً لهم {نَارُ جَهَنَّمَ} التي هي مصيركم بما فعلتم {أَشَدُّ حَرّاً} من هذا الحر الذي ترونه مانعاً من النفير فما لكم لا تحذرونها وتعرضون أنفسكم لها بإيثار القعود والمخالفة لله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام {لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} تذييل من جهته تعالى غير داخل على القول المأمور به مؤكد لمضمونه، وجواب {لَوْ} مقدر وكذا مفعول {يَفْقَهُونَ} أي لو كانوا يعلمون أنها كذلك أو أحوالها وأهوالها أو أن مرجعهم إليها لما آثروا راحة زمن قليل على عذاب الأبد، وأجهل الناس من صان نفسه عن أمير يسير يوقعه في ورطة عظيمة، وأنشد الزمخشري لابن أخت خالته:شعر : مسرة أحقاب تلقيت بعدها مساءة يوم أريها شبه الصاب فكيف بأن تلقى مسرة ساعة وراء تقضيها مساءة أحقاب تفسير : / وقدر بعضهم الجواب لتأثروا بهذا الإلزام وهو خلاف الظاهر، وجوز أن تكون {لَوْ} لمجرد التمني المنبىء عن امتناع تحقق مدخولها، وينزل الفعل المتعدي منزلة اللازم فلا جواب ولا مفعول ويؤول المعنى إلى أنهم ما كانوا من أهل الفطانة والفقه، ويكون الكلام نظير قوله تعالى: {أية : قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [يونس: 101] وهو خلاف الظاهر أيضاً.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي. وهذه الآية تشير إلى ما حصل للمنافقين عند الاستنفار لغزوة تبوك فيكون المراد بالمخلّفين خصوص من تخلّف عن غزوة تبوك من المنافقين. ومناسبة وقوعها في هذا الموضع أنّ فرحهم بتخلّفهم قد قَوِي لمّا استغفر لهم النبي صلى الله عليه وسلم وظنّوا أنّهم استغفلوه فقضَوا مأربهم ثم حصَّلوا الاستغفار ظنّاً منهم بأنّ معاملة الله إياهم تجري على ظواهر الأمور. فالمخلَّفون هم الذين تخلّفوا عن غزوة تبوك استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم فأذِن لهم وكانوا من المنافقين فلذلك أطلق عليهم في الآية وصف المخلّفين بصيغة اسم المفعول لأنّ النبي خلَّفهم، وفيه إيماء إلى أنّه ما أذن لهم في التخلّف إلاّ لعلمه بفساد قلوبهم، وأنّهم لا يغنون عن المسلمين شيئاً كما قال: {أية : لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً}تفسير : [التوبة: 47]. وذكر فرحهم دلالة على نفاقهم لأنّهم لو كانوا مؤمنين لكان التخلّف نكداً عليهم ونغصاً كما وقع للثلاثة الذين خلّفوا فتاب الله عليهم. والمَقْعد هنا مصدر ميمي أي بقعودهم. و{خِلاَف} لغة في خَلْف. يقال: أقام خلاف الحي بمعنى بَعدهم، أي ظعنوا ولم يظعن. ومن نكتة اختيار لفظ خلاف دون خَلْف أنّه يشير إلى أن قعودهم كان مخالفة لإرادة رسول الله حين استنفر الناس كلّهم للغزو. ولذلك جعله بعضُ المفسّرين منصوباً على المفعول له، أي بمقعدهم لمخالفة أمر الرسول. وكراهيتُهم الجهاد بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله خصلة أخرى من خصال النفاق لأنّ الله أمر بذلك في الآية المتقدمة {أية : وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله}تفسير : [التوبة: 41] الآية، ولكونها خصلةً أخرى جُعلت جملتها معطوفة ولم تجعل مقترنة بلام التعليل مع أنّ فرحهم بالقعود سببه هو الكراهية للجهاد. وقولُهم: {لا تنفروا في الحر} خطابُ بعضهم بعضاً وكانت غزوة تبوك في وقت الحرّ حين طابت الظلال. وجملة: {قل نار جهنم أشد حراً} مستأنفة ابتدائية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمقصود قرع أسماعهم بهذا الكلام. وكونُ نار جهنّم أشدّ حرّاً من حرّ القيظ أمر معلوم لا يتعلّق الغرض بالإخبار عنه. فتعيّن أنّ الخبر مستعمل في التذكير بما هو معلوم تعريضاً بتجهيلهم لأنّهم حذروا من حرّ قليل وأقحموا أنفسهم فيما يصير بهم إلى حرّ أشدّ. فيكون هذا التذكير كناية عن كونهم واقعين في نار جهنّم لأجل قعودهم عن الغزو في الحرّ، وفيه كناية عُرضية عن كونهم صائرين إلى نار جهنّم. وجملة: {لو كانوا يفقهون} تتميم، للتجهيل والتذكير، أي يقال لهم ذلك لو كانوا يفقهون الذكرى، ولكنّهم لا يفقهون، فلا تجدي فيهم الذكرى والموعظة، إذا ليس المراد لو كانوا يفقهون أنّ نار جهنم أشدّ حرّاً لأنّه لا يخفى عليهم ولو كانوا يفقهون أنّهم صائرون إلى النار ولكنّهم لا يفقهون ذلك.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ}. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة شدة حر نار جهنم - أعاذنا الله والمسلمين منها - وبين ذلك في مواضع أخر كقوله: {أية : نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} تفسير : [التحريم: 6] وقوله: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ} تفسير : [المعارج: 15-16]. وقوله: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} تفسير : [النساء: 56]. وقوله: {أية : يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} تفسير : [الحج: 19-21]. وقوله: {أية : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ}تفسير : [الكهف: 29]. الآية: وقوله: {أية : وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} تفسير : [محمد: 15] إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه اختلف العلماء في وزن جهنم بالميزان الصرفي، فذهب بعض علماء العربية إلى أن وزنه "فعنل" فالنون المضعفة زائدة، وأصل المادة: الجيم والهاء والميم. من تجهم إذا عبس وجهه، لأنها تلقاهم بوجه متجهم عابس. وتتجهم وجوههم وتعبس فيها لما يلاقون من ألم بعذاب. ومنه قوله مسلم بن الوليد الأنصاري:- شعر : شكوت إليها حبها فتبسمت ولم أر شمساً قبلها تتبسم فقلت لها جودي فأبدت تجهما لتقتلني يا حسنها إذ تجهم تفسير : وتقول العرب: جهمه إذا استقبله بوجه كريه مجتمع، ومنه قول عمرو بن الفضفاض الجهني:- شعر : ولا تجهمينا أم عمرو فإنما بنا داء ظبي لم تخنه عوامله تفسير : وقال بعض العلماء جهنم فارسي معرب، والأصل كهنام وهو بلسانهم النار، فعربته العرب وأبدلوا الكاف جيماً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فرح المخلفون: أي سرّ الذين تخلفوا عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالوا: لا تنفروا في الحر: أي قال المنافقون لبعضهم بعضاً لا تخرجوا للغزو في الحر. لو كانوا يفقهون: أي لو كانوا يفقهون أسرار الأمور وعواقبها ونتائجها لما قالوا: لا تنفروا في الحر ولكنهم لا يفقهون. فليضحكوا قليلاً وليبكوا: أي في الدنيا، وليبكوا كثيراً في الدار الآخرة. فإن رجعك الله إلى طائفة منهم: أي من المنافقين. فاقعدوا مع الخالفين: أي المتخلفين عن تبوك من النساء والأطفال وأصحاب الأعذار. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن المنافقين فقال تعالى مخبراً عنهم {فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ} أي سر المتخلفون {بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ} أي بقعودهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة {وَكَرِهُوۤاْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} في سبيله، وكرههم هذا للجهاد هو ثمرة نفاقهم وكفرهم وقولهم {لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ} لأن غزوة تبوك كانت في شدة الحر، قالوا هذا لبعضهم بعضاً وهنا أمر الله تعالى رسوله أن يرد عليهم قولهم هذا فقال {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً} فلماذا لا يتَّقونها بالخروج في سبيل الله كما يتقون الحر بعدم الخروج، وقوله تعالى {لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} أي لما تخلفوا عن الجهاد لأن نار جهنم أشد حراً، ولكنهم لا يفقهون وقوله تعالى {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً} أي في هذه الحياة الدنيا بما يحصل لهم من المسرات {وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً} أي يوم القيامة لما ينالهم من الحرمان والعذاب، وذلك كان {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} من الشر والفساد، وقوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ} أي فإن ردك الله سالماً من تبوك إلى المدينة إلى طائفة من المنافقين {فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ} معك لغزو وجهاد {فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً} وعلة ذلك {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَالِفِينَ} أي من النساء والأطفال فإن هذا يزيد في همهم ويعظم حسرتهم جزاء تخلفهم عن رسول الله وكراهيتهم الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- من علامات النفاق الفرح بترك طاعة الله ورسوله. 2- من علامات النفاق كراهية طاعة الله ورسوله. 3- كراهية الضحك والإِكثار منه. 4- تعمد ترك الطاعة قد يسبب الحرمان منها.

القطان

تفسير : خلاف رسول الله: بعده. المخلَّفون: الذين تخلّفوا عن الغزو. مع الخالفين: المتخلفين. بعد ان ذكر اللهُ بعض سيئات المنافقين من لمزِهم المسلمينَ في الصدقات وغيرِ ذلك - عادَ الى الحديث عن الذين تخلَّفوا عن القتال في غزوة تبوك، وإلى بيان ما يجب من معاملة هؤلاء بعد الرجوع اليها. {فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوۤاْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}. لقد فرح المخلّفون من هؤلاء المنافقين بقعودهم في المدينة بعد خروج النبي، وبمخالفتِهم أمرَه بالجهاد، وكرِهوا ان يجاهدوا بأموالهم وأرواحهم في سبيل اعلاء كلمة الله ونصر دينه. {وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ}. وكذلك أخذوا يثّبطون غيرَهم ويُغرونهم بالقعود معهم، وقالوا لإخوانهم في النفاق: لا تنفِروا في الحر. قل لهم أيها الرسول: لو كنتم تعقِلون لعلمتم أن نار جهنم أكثرُ حرارةً وأشدُّ قسوةً من هذا الحر الذي تخافون. ثم اخبر تعالى عن عاجل أمرِهم وآجله من الضحك القليل والبكار الطويل التي تؤدي اليه أعمالُهم السيئة بقوله: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}. فليضحكوا فَرَحاً بالقعود، وسخريةً من المؤمنين. إن ضَحِكَهم زمنُه قليل، لانتهائه بانتهاء حياتِهم في الدنيا، وسيعقُبُه بكاءٌ كثير لا نهاية له في الآخرة، جزاءً لهم بما ارتكبوا من الاعمال السيئة. ثم بين ما يجب ان يُعامَلوا به في الدنيا، وأنهم لا يصلُحون لكفاح، ولا يُرجَون لجهاد، ولا يجوز ان يُتسامح معهم. {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً}. إن ردك الله يا محمد من سفرِك هذا وجاءت إليك طائفة من المنافقين المتخلّفين عن الغزو، فاستأذنوك ليخرجوا معك للجهاد في غزوةٍ أخرى، فلا تأذنْ لهم، وقل لهم: لن تخرجوا معي أيّةٍ غزوةٍ للجهاد في سبيلِ الله، ولن تقاتِلوا معي عدوا. ثم بيّن سبب النهي عن صحبتهم للرسول الكريم فقال: {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَالِفِينَ }. إنكم تخلّفتم عن الخروج للجهاد في أولِ مرةٍ بدون سبب، ورضيتم لأنفسِكم، بخزي القعود، فاقعدوا كما ارتضَيتم، وابقوا مع المتخلفين من العجزة والنساء والاطفال.

د. أسعد حومد

تفسير : {خِلاَفَ} {يُجَاهِدُواْ} {بِأَمْوَالِهِمْ} (81) - ذَمَّ اللهُ تَعَالَى الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَفَرِحُوا بِقُعُودِهِمْ بَعْدَ خُرُوجِهِ، وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَهُ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، إِغْرَاءً لَهُمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى المُنْكَرِ، وَتَثْبِيطاً لِعَزَائِمِ الْمُؤْمِنِينَ: لاَ تَخْرُجُوا إِلَى الْجِهَادِ فِي الْحَرِّ. فَأَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ: إِنَّ نَارَ جَهَنَّمَ الَّتِي سَيَصِيرُونَ إِلَيْهَا، هِيَ أَشَدُّ حَرّاً مِنْ قَيْظِ الصَّحْرَاءِ الَّذِي فَرُّوا مِنْهُ. وَلَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُدْرِكُونَ وَيَعْقِلُونَ لَمَا خَالَفُوا وَقَعَدُوا، وَلَمَا فَرِحُوا بِقُعُودِهِمْ. خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ - لِمُخَالَفَةِ رَسُولِ اللهِ، أَوْ بَعْدَ خُرُوجِهِ. لاَ تَنْفِرُوا - لاَ تَخْرُجُوا لِلْجِهَادِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والفرح هو السرور من فعل تبتهج النفس به. والمخلَّفون هم الذين أخلفهم نفاقهم، وتركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وذهب إلى الجهاد. بعد أن جاءوه بالمعاذير الكاذبة التي قالوها، وقد تركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الحق سبحانه قال: {أية : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} تفسير : [التوبة: 47]. ومن لا يريد أن يجاهد في سبيل الله إن أخذته معك كرهاً، يكون ضدك وليس معك. وسيشيع الأكاذيب بين المؤمنين، ويحاول أن يخيفهم من الحرب، وإذا بدأ القتال فهو أول من يهرب من المعركة. ويبحث عن مغارة أو حجر يختفي خلفه. إذن: فهو ليس معك ولكنه ضدك؛ لأنه لن يقاتل معك، بل ربما أعان عدوك عليك. وفي نفس الوقت هو يضر بالمسلمين، ويحاول أن يشيع بينهم الرعب بالإشاعات الكاذبة. ويُبيِّن الحق سبحانه وتعالى هنا فطرة رسول الله الإيمانية بأنه أذن لهؤلاء بعدم الخروج للجهاد مع أن عذرهم كاذب؛ فجاء قوله: {فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ} والمقعد هو مكان القعود. والقعود رمز للبقاء في أي مكان. والقيام رمز لبداية ترك المكان إلى مكان آخر، والذين غزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قاموا واستعدوا للقتال، أما الذين تخلفوا فقد قعدوا ولم يقوموا رغبة في البقاء في أماكنهم. ويقول تعالى: {خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ} وحين نسمع كلمة {خِلاَفَ} نعرف أن مصدرها خالف خلافاً؛ ومخالفة؛ كما تقول: قاتل قتالاً ومقاتلة. وهي إما أن تكون مخالفة في الرأي، كأن تقول: فلان في خلاف مع فلان، أي: أن لكل منهما رأياً. وإما أن تكون في السير، كأن تقوم أنت لتغادر المكان؛ ويخالفك زميلك أو من معك فيقعد، أو تقعد أنت، فيخالفك هو ويمشي. والخلاف من ناحية الرأي هون عملية قلبية، والخلاف من ناحية الحركة يشترك فيها القلب أو الجسد، وهم حين فرحوا بالقعود بعد قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين للجهاد، فهذا دليل على أن مسـألة القعود هذه صادفت هوى في نفوسهم وارتاحوا لها, وبذلك خالفوا شرط الإيمان؛ لأن الذين يحق لهم أن يتخلفوا عن الجهاد قد حددهم القرآن الكريم في قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ} تفسير : [التوبة: 91]. وقوله: {أية : وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} تفسير : [التوبة: 92]. أي: أوضحت لهم أنك لا تملك ما يركبون عليه، ليصلوا معك إلى موقع القتال. وقد بيّن لنا الحق حال هؤلاء الذين لم يخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب هذه الأعذار فقال عنهم: {أية : تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ} تفسير : [التوبة: 92]. إذن: فهؤلاء الذين تخلفوا بأعذار يملؤهم الحزن، وتفيض أعينهم بالدمع؛ لأنهم حُرِموا ثواب الجهاد في سبيل الله. أما الذين يفرحون بالتخلف عن الجهاد فهم منافقون. وقوله سبحانه: {خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ} نجد فيه أيضاً أن كلمة {خِلاَفَ} تستعمل أيضاً بمعنى "بعد"، أي بعد رسول الله، فما أن ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم للغزوة قعدوا هم بعده ولم يذهبوا. وجلسوا مع الضعيف والمريض وأصحاب الأعذار الحقيقية، وكذلك الذين لم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم دواب ليركبوها، هؤلاء هم مَنْ تخلفوا. ويبيّن الحق سبحانه سبب تخلف المنافقين فيقول: {وَكَرِهُوۤاْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}. أي: أنهم كرهوا أن يقاتلوا، وكرهوا الجهاد. وليت الأمر قد اقتصر على هذا، بل أرادوا أن يُثبِّطوا المؤمنين ويُكرِّهوهم في القتال في سبيل الله {وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ} فهم لم يكتفوا بموقفهم المخزي، بل أخذوا في تحريض المؤمنين على عدم القتال. وقد كانت هذه الغزوة "غزوة تبوك" في أيام الحر. وكانت المدينة تمتلئ بظلال البساتين وثمارها، بينما الطريق إلى الحدود مع الروم طويلة. إذن: فهي غزوة كلها مشقة. وقال المنافقون للمؤمنين {لاَ تَنفِرُواْ}، والنفور هو كراهية الوجود لشيء ما. ويقال: فلان نافر من فلان، أي: يكره وجوده معه في مكان واحد. ويقال: فلان بينه وبين فلان نفور، أي: يكرهان وجودهما في مكان واحد. والذي يخرج للحرب كأنه نفر من المكان الذي يجلس فيه ذاهباً إلى مكان القتال. ويكون القتال والتضحية بالمال والنفس في سبيل الله أحب إليه من القعود والراحة. إذن: فقوله تعالى: {وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ} أي: أنهم يريدون أن يعطوا لأنفسهم عذراً لعدم الخروج للجهاد؛ لأن الجو حار وفيه مشقة. ولكنهم أغبياء؛ لأنهم لو خافوا من الحر ومشقته؛ وجلسوا في الظل ومتعته، لأعطوا لأنفسهم متعة زمنها قصير ليدخلوا إلى مشقة زمانها طويل. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} فإن كانوا قد اعتقدوا أنهم بهروبهم من الحر قد هربوا من مشقة، فإن مشقة نار جهنم والخلود فيها أكبر بكثير. والإنسان إن بُشِّر بأشياء تسره عاماً أو أعواماً، ثم يأتي بعدها أشياء تسوؤه وتعذبه، فهو بمعرفته بما هو قادم يعاني من الألم ولا يستطيع الاستمتاع بالحاضر؛ لأن الإنسان يحاول دائماً أن يتحمل؛ ليُؤمِّن مستقبله. ولذلك تجد من يعمل ليلاً ونهاراً وهو سعيد، فإذا سألته كيف تتحمل هذا الشقاء؟ يقول: لأؤمن مستقبلي. إذن: فسرور عام أو أعوام تفسده أيام أو أعوام قادمة فيها سوء وعذاب، فماذا عن خلودهم في النار؟ ولكن هل قالوا: {لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ} في خواطرهم دون أن ينطقوا بهما، أم قالوها لبعضهم البعض سراً؟ ومن الذي أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوه؟ نقول: قد يكون ذلك هو ما دار في خواطرهم. وشاء الله أن يعلموا أنه سبحانه وتعالى يعلم ما في نفوسهم. وشاء أن يفضح ما في سرائرهم، لعل هذا يُدْخل الخوف في قلوبهم، من أنه سبحانه مطلع على كل شيء، فيؤمنوا خوفاً من عذاب النار. ومثال هذا أن الحق حين أراد أن يمنع المشركين من حج بيته الحرام قال: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ...} تفسير : [التوبة: 28]. وكان المشركون حين يذهبون إلى الحج ينعشون اقتصاد مكة، وكان الخير يأتي من كل مكان إلى مكة في موسم الحج، بل إنهم كانوا يقولون: إياكم أن تطوفوا بالبيت في ثياب عصيتم الله فيها، وكأن التقوى تملأ نفوسهم! وحقيقة الأمر أنهم كانوا بعيدين عن التقوى لأنهم كانوا يعبدون الأوثان. وكانوا يقولون ذلك حتى يضطر الحجاج أن يخلعوا ثيابهم ويشتروا ثياباً جديدة ليطوفوا بها, ومن لا يملك المال يطوف عارياً. إذن: فقد كان الحج موسماً اقتصادياً مزدهراً لأهل مكة؛ يربحون خلاله ما يكفي معيشتهم طوال العام، فلما جاء البلاغ من الله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا}. فالخاطر الذي يأتي في النفس البشرية؛ وكيف سنعيش؟. هذا هو أول خاطر يأتي على البال؛ لأنه سؤال عن مقومات الحياة، والذي خلقهم عليم بما يدور في خواطرهم. وإن لم يجر على ألسنتهم، حينئذ جاء قول الحق سبحانه: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ...} تفسير : [التوبة: 28]. إذن: فالله سبحانه وتعالى قد علم ما يدور في خواطرهم، فرد عليه قبل أن ينطقوه. كذلك قول الحق سبحانه: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} والفقه هو الفهم الدقيق. فأنت حين تعرف شيئاً بسطحياته تكون قد عرفته، ولكنك إن عرفته بكل معطياته الخلفية تكون قد فقهته. وأنت إذا ذهبت للجهاد في الحر قد تتعب، ولكن إذا قعدت عن الجهاد سوف تكون عقوبتك أكبر وتعبك أشد. إذن: فعلمك بشيء وهو الحر الذي ستواجهه إن خرجت للجهاد، يجب ألا ينسيك ما غاب عنك، وهو أن نكوص الإنسان عن الجهاد يدخله ناراً أشد حرارة، يخلد فيها. ومعنى ذلك أنه لم يفقه؛ لأنه علم شيئاً وغاب عنه أشياء. ومن هذا المنطق القرآني، رد الإمام علي كرم الله وجهه على القوم حينما دعاهم إلى الجهاد ضد الخوارج فقال: "أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه رغبة عنه سيم الخسف". ثم يقول بعد ذلك: "إن قلت لكم: اغزوهم في الشتاء، قلتم: هذا أوان قر وصر.. أي برد شديد. وإن قلت لكم: اغزوهم في الصيف، قلتم: أنظرنا - أي أمهلنا - حتى ينصرف الحر عنا، فإذا كنتم في البرد والحر تفرون، فأنتم والله في النار. يا أشباه الرجال ولا رجال". وقول الحق سبحانه وتعالى: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} أي: أنهم لو كانوا قد فرحوا وابتهجوا بأنهم لم يجاهدوا في الحر، فهم سوف يندمون كثيراً على ذلك، مصداقاً لقوله تعالى: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ} معناهُ بَعدَهُ.

الجيلاني

تفسير : ثم قال سبحانه: {فَرِحَ} المنافقون {ٱلْمُخَلَّفُونَ} عن رسول الله، المتخلفون لأمره، المتمكنون {بِمَقْعَدِهِمْ} أي: بمكان قعودهم {خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ} حين خرج إلى غزوة تبوك {وَ} ما ذلك؛ أي: قعودهم واستقرارهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكانهم، إلا أنهم {كَرِهُوۤاْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} لخبث باطنهم وقسوة قلوبهم {وَقَالُواْ} أيضاً للمؤمنين تقريراً وتكسيلاً: {لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ} أي: لا تجاهدوا ولا تقاتلوا في الصيف حتى لا تضعفوا أنتم ومواشيكم {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل: {نَارُ جَهَنَّمَ} البعد والخذلان التي استوجبتم بها بتخلفكم وقعودكم عن الجهاد {أَشَدُّ حَرّاً} وأبلغ إحراقاً وإيلاماً {لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 81] ويفهمون ما هي وكيف هي لم يختاروها على حر الدنيا. {فَلْيَضْحَكُواْ} أولئك المتخلفون الهالكون في العذاب المؤبد، والوبال المخلد {قَلِيلاً} في الدنيا {وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً} لما لحقهم بعد خروجهم منها من أنواع العذاب والنكال {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [التوبة: 82] فيها من الجرائم العظائم والمعاصي، والآثام. {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ} وردك من غزوتك هذه؛ أي: غزوة تبوك {إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ} أي: من المستخلفين، المستأذنين الذين قعدوا في المدينة بلا عذر، وبعدما قصدت عزوة أخرى {فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ} تلاقياً لما مضى {فَقُلْ} لهم: {لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ} إلى الجهاد {أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً} أصلاً {إِنَّكُمْ} قوم {رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ} والتخلف {أَوَّلَ مَرَّةٍ} بلا عذر بل عن عذر وخديعة {فَٱقْعُدُواْ} دائماً {مَعَ ٱلْخَالِفِينَ} [التوبة: 83] المعذورين من النساء والصبيان، والزمنى والمرضى. {وَ} متى ظهر لك حا ل أولئك الغواة، الطغاة الهالكين في البغض والنفاق {لاَ تُصَلِّ عَلَىٰ} ولا تدعُ لـ {أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} أي: بعد ورود النهي أصلاً {وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} لتستغفر له {إِنَّهُمْ} من خبث بواطنهم {كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} في حال حياتهم {وَمَاتُواْ} على الكفر أيضاً {وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 84] مجبولون على الفسق في أصل فطرتهم. {وَ} بعدما تحقق عندك، وظهر كفرهم وفسقهم {لاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ} التي هي وبال عليهم {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ} المضف المذل لعصاة عباده {أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا} بأنواع الحوادث والمصيبات {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ} وميلهم ومحبتهم منوطة بها {وَهُمْ كَٰفِرُونَ} [التوبة: 85] بالله، غير معتبرين معترفين بألوهيته وربوبيته.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى مبينا تبجح المنافقين بتخلفهم وعدم مبالاتهم بذلك، الدال على عدم الإيمان، واختيار الكفر على الإيمان. { فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ } وهذا قدر زائد على مجرد التخلف، فإن هذا تخلف محرم، وزيادة رضا بفعل المعصية، وتبجح به. { وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } وهذا بخلاف المؤمنين الذين إذا تخلفوا -ولو لعذر- حزنوا على تخلفهم وتأسفوا غاية الأسف، ويحبون أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اللّه، لما في قلوبهم من الإيمان، ولما يرجون من فضل اللّه وإحسانه وبره وامتنانه. { وَقَالُوا } أي: المنافقون { لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ } أي: قالوا إن النفير مشقة علينا بسبب الحر، فقدموا راحة قصيرة منقضية على الراحة الأبدية التامة. وحذروا من الحر الذي يقي منه الظلال، ويذهبه البكر والآصال، على الحر الشديد الذي لا يقادر قدره، وهو النار الحامية. ولهذا قال: { قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } لما آثروا ما يفنى على ما يبقى، ولما فروا من المشقة الخفيفة المنقضية، إلى المشقة الشديدة الدائمة. قال الله تعالى: { فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا } أي: فليتمتعوا في هذه الدار المنقضية، ويفرحوا بلذاتها، ويلهوا بلعبها، فسيبكون كثيرا في عذاب أليم { جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } من الكفر والنفاق، وعدم الانقياد لأوامر ربهم. { فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ } وهم الذين تخلفوا من غير عذر، ولم يحزنوا على تخلفهم { فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ } لغير هذه الغزوة، إذا رأوا السهولة. { فَقُلْ } لهم عقوبة { لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا } فسيغني اللّه عنكم. { إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ } وهذا كما قال تعالى { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة } فإن المتثاقل المتخلف عن المأمور به عند انتهاز الفرصة، لا يوفق له بعد ذلك، ويحال بينه وبينه. وفيه أيضا تعزير لهم، فإنه إذا تقرر عند المسلمين أن هؤلاء من الممنوعين من الخروج إلى الجهاد لمعصيتهم، كان ذلك توبيخا لهم، وعارا عليهم ونكالا أن يفعل أحد كفعلهم.

همام الصنعاني

تفسير : 1114- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ}: [الآية: 81]، قال: هي غزوة تبوك.