Verse. 1317 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

فَلْيَضْحَكُوْا قَلِيْلًا وَّلْيَبْكُوْا كَثِيْرًا۝۰ۚ جَزَاۗءًۢ بِمَا كَانُوْا يَكْسِبُوْنَ۝۸۲
Falyadhakoo qaleelan walyabkoo katheeran jazaan bima kanoo yaksiboona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فليضحكوا قليلا» في الدنيا «وليبكوا» في الآخرة «كثيرا جزاءً بما كانوا يكسبون» خبر عن حالهم بصيغة الأمر.

82

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً} أمرٌ، معناه معنىٰ التهديد وليس أمراً بالضحك. والأصل أن تكون اللام مكسورة فحذفت الكسرة لثقلها. قال الحسن: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً} في الدُّنْيَا «وَلْيَبْكُوا كَثِيراً» في جهنم. وقيل: هو أمر بمعنىٰ الخبر. أي إنهم سيضحكون قليلاً ويبكون كثيراً. {جَزَآءً} مفعول من أجله؛ أي للجزاء. الثانية ـ من الناس من كان لا يضحك اهتماماً بنفسه وفساد حاله في اعتقاده من شدّة الخوف، وإن كان عبداً صالحاً. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : والله لو تعلمون ماأعلم لضحِكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله تعالىٰ لوِددت أني كنت شجرة تُعْضَد»تفسير : خرجه الترمذيّ. وكان الحسن البصريّ رضي الله عنه ممن قد غلب عليه الحزن فكان لا يضحك. وكان ابن سِيريِن يضحك ويحتجّ على الحسن ويقول: الله أضحك وأبكىٰ. وكان الصحابة يضحكون؛ إلا أن الإكثار منه وملازمته حتى يغلب على صاحبه مذموم منهيّ عنه، وهو من فعل السفهاء والبطالة. وفي الخبر: «حديث : أن كثرته تميت القلب»تفسير : . وأما البكاء من خوف الله وعذابه وشدّة عقابه فمحمود؛ قال عليه السلام: «حديث : ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون فلو أن سُفُناً أجريت فيها لجرت»تفسير : . خرّجه ابن المبارك من حديث أنس، وابن ماجه أيضاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً } في الدنيا {وَلْيَبْكُواْ } في الآخرة {كَثِيرًا جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } خبر عن حالهم بصيغة الأمر.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَلْيَضْحَكُواْ} تهديد {قَلِيلاً}، لأن ضحك الدنيا فَانٍ، أو لأنه قليل بالنسبة إلى ما فيها من الأحزان والغموم. {كَثِيراً} في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، أو في النار أبداً يبكون من ألم العذاب.

النسفي

تفسير : {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا } أي فيضحكون قليلاً على فرحهم بتخلفهم في الدنيا ويبكون كثيراً جزاء في العقبى، إلا أنه أخرج على لفظ الأمر للدلالة على أنه حتم واجب لا يكون غيرهُ. يروي أن أهل النفاق يبكون في النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم {جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من النفاق {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ } أي ردك من تبوك. وإنما قال {إِلَىٰ طَائِفَةٍ مّنْهُمْ } لأن منهم من تاب من النفاق ومنهم من هلك {فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ } إلى غزوة بدر غزوة تبوك {فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا } وبسكون الياء: حمزة وعلي وأبو بكر {وَلَن تُقَـٰتِلُواْ مَعِىَ عَدُوّا } {مَعِىَ } حفص {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } أول ما دعيتم إلى غزوة تبوك {فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَـٰلِفِينَ } مع من تخلف بعد. وسأل ابن عبد الله بن أبي وكان مؤمناً أن يكفن النبي صلى الله عليه وسلم أباه في قميصه ويصلي عليه فقبل، فاعترض عمر رضي الله عنه في ذلك فقال عليه السلام: «حديث : ذلك لا ينفعه وإني أرجو أن يؤمن به ألف من قومه»تفسير : فنزل {وَلاَ تُصَلّ عَلَىٰ أَحَدٍ مّنْهُم } من المنافقين يعني صلاة الجنازة. روي أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب التبرك بثوب النبي صلى الله عليه وسلم {مَّاتَ } صفة لـ {أَحَدٌ } {أَبَدًا } ظرف لـ {تَصِلُ } وكان عليه السلام إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فقيل: {وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَـٰسِقُونَ } تعليل للنهي أي أنهم ليسوا بأهل للصلاة عليهم لأنهم كفروا بالله ورسوله {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذّبَهُمْ بِهَا فِى ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ } التكرير للمبالغة والتأكيد وأن يكون على بال من المخاطب لا ينساه وأن يعتقد أنه مهم، ولأن كل آية في فرقة غير الفرقة الأخرى. {وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ } يجوز أن يراد سورة بتمامها وأن يراد بعضها كما يقع القرآن والكتاب على كله وعلى بعضه {أَنْ ءامِنُواْ بِٱللَّهِ } بأن آمنوا أو هي «أن» المفسرة {وَجَـٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ } ذوو الفضل والسعة {وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ } مع الذين لهم عذر في التخلف كالمرضى والزمنى {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوٰلِفِ } أي النساء جمع «خالفة» {وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } ختم عليها لاختيارهم الكفر والنفاق {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } ما في الجهاد من الفوز والسعادة وما في التخلف من الهلاك والشقاوة {لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ جَـٰهَدُواْ *** بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ } أي إن تخلف هؤلاء فقد نهض إلى الغزو من هو خير منهم {وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ } تناول منافع الدارين لإطلاق اللفظ. وقيل: الحور لقوله {أية : فِيهِنَّ خَيْرٰتٌ }تفسير : [الرحمن: 70] {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } الفائزون بكل مطلوب {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلاْنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } قوله {أَعَدَّ } دليل على أنها مخلوقة. {وَجَاء ٱلْمُعَذّرُونَ مِنَ ٱلأعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ } هو من عذّر في الأمر إذا قصر فيه وتوانى، وحقيقته أن يوهم أن له عذراً فيما فعل ولا عذر له، أو المعتذرون بإدغام التاء في الذال ونقل حركتها إلى العين وهم الذين يعتذرون بالباطل قيل: هم أسد وغطفان قالوا: إن لنا عيالاً وإن بنا جهداً فأذن لنا في التخلف {وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } هم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا فظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ } من الأعراب {عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَاء } الهرمى والزمنى {وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ } هم الفقراء من مزينة وجهينة وبني عذرة {حَرَجٌ } إثم وضيق في التأخر {إِذَا نَصَحُواْ ٱللَّهِ وَرَسُولُهِ } بأن آمنوا في السر والعلن وأطاعوا كما يفعل الناصح بصاحبه {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ } المعذورين النّاصحين {مّن سَبِيلٍ } أي لا جناح عليهم ولا طريق للعتاب عليهم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ } يغفر تخلفهم {رَّحِيمٌ } بهم {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ } لتعطيهم الحمولة {قُلْتَ } حال من الكاف في {أَتَوْكَ } و «قد» قبله مضمرة أي إذا ما أتوك قائلاً {لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا } هو جواب «إذا» {وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ } أي تسيل كقولك «تفيض دمعاً» وهو أبلغ من يفيض دمعها لأن العين جعلت كأن كلها دمع فائض و «من» للبيان كقولك «أفديك من رجل»، ومحل الجار والمجرور النصب على التمييز، ويجوز أن يكون {قُلْتَ لاَ أَجِدُ } استئنافاً كأنه قيل: إذا ما أتوك لتحملهم تولوا فقيل: ما لهم تولوا باكين؟ فقيل: {قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ } إلا أنه وسط بين الشرط والجزاء كالاعتراض {حَزَناً } مفعول له {أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ } لئلا يجدوا ما ينفقون ومحله نصب على أنه مفعول له، وناصبة {حَزَناً } والمستحملون أبو موسى الأشعري وأصحابه، أو البكاؤون وهم ستة نفر من الأنصار.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً}؛ إِشارة إِلى مدة العُمر في الدنيا. وقوله: {وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا}؛ إِشارةٌ إِلى تأبيدِ الخلودِ في النَّارِ، فجاء بلَفْظ الأمر، ومعناه الخبر عن حالهم، وتقديرُ الكلام: لِيَبْكُوا كثيراً؛ إِذ هم معذَّبون، جزاءً بما كانوا يكسبون، وخرَّج ابن ماجه بسنده، عن يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عن أنَسٍ، قال: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : يُرْسَلُ البُكَاءُ عَلَى أَهْلِ النَّارِ، فَيَبْكُونَ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، ثُمَّ يَبْكُونَ الدَّمَ حَتَّى تَصِيرَ في وُجُوهِهِمْ كَهَيْئَةِ الأُخْدُودِ لَوْ أُرْسِلَتْ فِيهَا السُّفُنُ لَجَرَتْ »تفسير : ، وخرَّجه ابن المبارك أيضاً عن أنسٍ، قال: سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : يأيُّها النَّاسُ، ٱبْكُوا فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا، فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ تَسِيلُ دُمُوعُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ، كَأَنَّهَا جَدَاوِلُ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعَ، فَتَسِيلُ الدِّمَاءُ، فَتُقَرِّحُ العُيُونَ، فَلَوْ أَنَّ سُفُناً أُجْرِيَتْ فِيهَا، لَجَرَتْ »تفسير : ، انتهى من «التذكرة». وقوله سبحانه: {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ...} الآية: يشبه أنْ تكون هذه الطائفةُ قد حُتِمَ عليها بالموافاة على النفاق، وعُيِّنُوا للنبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: {وَمَاتُواْ وَهُمْ فَـٰسِقُونَ }: نصٌّ في موافاتهم على ذلك؛ وممَّا يؤيِّد هذا ما روي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم عَيَّنهم لحذيفةَ بْنِ اليمانِ، وكان الصحابة إِذا رأَوْا حذَيفةَ تأخَّر عن الصَّلاة على جنازة، تأَخَّرُوا هم عنها، وروِي عَنْ حذيفة؛ أَنه قَالَ يَوْماً: بَقِيَ من المنافقين كَذَا وَكَذَا. وقوله: {أَوَّلُ} هو بالإِضافة إِلى وَقْت الاستئذان، و«الخالفون»: جَمْعُ مَنْ تخلَّف من نساءٍ، وصبيان، وأهْل عذر، وتظاهرت الرواياتُ أنه صلى الله عليه وسلم صلَّى على عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ٱبْنِ سَلُول، وأَنَّ قوله: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم} نزلَتْ بعد ذلك، وقد خرَّج ذلك البخاريُّ من رواية عمر بن الخَطَّاب. انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيرا‏ً} ‏ قال‏:‏ هم المنافقون والكفار الذين اتخذوا من دينهم هزواً ولعباً، يقول الله تعالى ‏ {‏فليضحكوا قليلا‏ً}‏ في الدنيا ‏ {‏وليبكوا كثيرا‏ً} ‏ في الآخرة‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ‏{‏فليضحكوا قليلا‏ً}‏ قال‏:‏ الدنيا قليل فليضحكوا فيها ما شاؤوا، فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله تعالى استأنفوا بكاء لا ينقطع أبدا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي رزين‏.‏ مثله‏. وأخرج البخاري والترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرا‏ً "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجداً، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجارون إلى الله، لوددت أني كنت شجرة تعضد ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجه وأبو يعلى عن أنس ‏"حديث : ‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل فتقرح العيون، فلو أن سفناً أرخيت فيها لجرت‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار عن زيد بن رفيع رفعه قال‏:‏ إن أهل النار إذا دخلوا النار بكوا الدموع زماناً، ثم بكوا القيح زماناً فتقول لهم الخزنة‏:‏ يا معشر الأشقياء تركتم البكاء في الدار المرحوم فيها أهلها في الدنيا، هل تجدون اليوم من تستغيثون به‏؟‏ فيرفعون أصواتهم‏:‏ يا أهل الجنة يا معشر الآباء والأمهات والأولاد خرجنا من القبور عطاشاً، وكنا طول الموقف، عطاشاً ونحن عطاشاً، فافيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله‏.‏ فيدعون أربعين سنة لا يجيبهم، ثم يجيبهم إنكم ماكثون‏.‏ فييأسون من كل خير‏. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن أبي موسى الأشعري‏.‏ أنه خطب الناس بالبصرة فقال‏:‏ يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع، ثم يبكون الدماء حتى لو أجري فيها السفن لجرت‏. وأخرج أحمد في الزهد عن عبد الله بن عمر قال‏:‏ لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولو تعلمون حق العلم لصرخ أحدكم حتى ينقطع صوته، ولسجد حتى ينقطع صلبه‏. وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال‏:‏ لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم تبكون لا تدرون تنجون أو لا تنجون‏.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}. بَدَّل الله مَسَرَّتهم بِحَسْرةِ، وفَرْحَتَهم بتَرْحَةٍ، وراحتهم بِعَبْرَةٍ، حتى يكثر بكاؤهم في العُقبى كما كثر ضحكُهم في الدنيا، وذلك جزاءُ مَنْ كَفَرَ بِرَبِّه. قوله جلّ ذكره: {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَالِفِينَ}. يقول: بعدما ظهرت خيانَتُهم، وتقرر كذبهم ونفاقهم، لا تَنْخَدِعْ بتملقهم، ولا تَثِقْ بقولهم، ولا تُمَكِّنْهم مِنْ صُحبتك فيما يُظْهِرونه مِنْ وفاقك. فإذا وَهَنَ سِلْكُ العهدِ فلا يَحْتَملُ بَعْدَهُ الشَّدَّ، وإذا اتسع الخَرْقُ لا ينفع بَعْدَهُ الرَّقْعُ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً} اى فليضحكوا فيها ما شاءوا اذا بغضوها وصاروا الى الله استأنفوا بكاء لا ينقطع ابدا وقال ابو يزيد فليضحكوا قليلا لئلا === الدنيا وليبكوا كثيرا شوقا الى مولاهم قال طاهر المقدسى فليضحكوا قليلا فانهم فى نار الخدمة وليس من اوصاف الخدم الضحك الكثير وليبكوا كثيرا فانهم فى ميادين الحزن والغم ولذلك اختار سبحانه وتعالى تقليل الضحك والضحك اذا كان من غيبة الانس ووضوح طبخ نور الجمال فالضحك والبكاء هناك واحد والبكاء الكثير ما يكون قبل المشاهدة فى الشوق وبعد كشف المشاهدة من الفرح والانس بالوصال === فهو بكا ءالمريدين وذلك من === والاحزان والمحبين من الفوت والفراق وصف الله حال الاولين بقوله واذا سمعوا ما انزل الى الرسول ترى اعينهم تفيض من الدمع وذلك بديهة الغيب عند ظهورها من الغيب فيفرح لصورتها ويجهل بحقايقها وهو مقدور ما دام مغلوبا لذلك نهى النبى صلى الله عليه وسلم الضحك من غير محب وما يجوز للمقتضين من ركوب التوحيد واحزان المحبة ان يكون ضحكهم ترفيه فوادهم من برحاء الحزن لا يجوز اكثر من ذلك قال فى قوله تعالى ترى اعينهم تفيض مع الدمع حزنا عين فاضت دمعها باخبار وعين فاضت دمعها على قلة الوقار وعين فاضت دمعها على الاخلاص والصفاء قال الجريرى العيون الباكية على ضروب فعين تبكى عبادة ورضاً وعين تبكي خشية وحزناً وعين تبكى هيبة ووجلا وعين تبكى خصوصيّة وحقيقة ثم مدح الله رسوله واصحابه بعد ذمه المنافقين بقوله {لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} جاهد الرسول صلوات الله عليه باحتمال اثقال امانة الرسالة وادائها بغير حظوظ البشرية وجاهد العارفون بافناء وجودهم لمشاهدة الله ونيل وصاله ثم وصف المؤمنين بالمعية معه بالارواح فى مشارب بحار المشاهدة وسواقى الرسالة فالولاية حين اشهدها الله مشاهدته فى === والاوّل حين عرف نفسه لهم بقوله الست بربكم ولولا ذلك المعية والتعريف لما وافقوا فى بذل مهجهم معه فى معارك مشهد العشاق المقتولين بشوق المحبة من اهل الاشواق ثم عمهم الله مع نبيه صلى الله عليه وسلم بنيل جزيل الطافة ولذايذ الغامه واعتطافه من كشوف انوار جماله وسناء جلاله بقوله {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ} يعنى المشاهدات والمكاشفات والوصلات والقربات ثم زاد فى وصفهم بانهم نجوا بهذه النعم وسابقة سعادتهم من نكايات قهره ونكال بطشه بقوله {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} الفايزون من كل فرقة والظافرون بكل بغية وتصديق ذلك قوله {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } جناية قرباته ومشاهدات صفاته التى تجرى انهار علوم الازليات فى انوارها من بحار الذات ومن فاز بشربة منها يصير متصفا بتلك الصفات ويكون باقيا فى مشاهدة الذات وذلك الفوز النجاة من الحدثان والبلوغ الى مشاهدة الرحمن قال بعضهم اجتهد الرسول فى اداء الرسالة ابلغ الغاية وجاهد المسلمون بانفسهم فى قبول ما جاء به من الشرع ما كان منه خط النفس بالنفس وما كان منه حظ المال بالمال.

اسماعيل حقي

تفسير : {فليضحكوا} ضحكا {قليلا} فى الدنيا وهو اشارة الى مدة العمر وعمر الدنيا قليل فكيف عمر من فى الدنيا فانه اقل من القليل {وليبكوا} بكاء {كثيرا} فى الآخرة فى النار {جزاء} مفعول له للفعل الثانى اى ليبكوا جزاء {بما كانوا يكسبون} من فنون المعاصى وهذا لفظ امر ومعناه خبر اى يضحكون قليلا ويبكون دائما وانما اخرج فى صورة الامر للدلالة على تحتم وقوع المخبر به فان امر الآمر المطاع مما لا يكاد يتخلف عند المأمور به -يروى- ان اهل النفاق يبكون فى النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم وفى الحديث "حديث : يرسل الله البكاء على اهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع ثم يبكون الدم حتى ترى وجوههم كهيئة الاخدود " .تفسير : ويجوز ان يكون الضحك كناية عن الفرح والبكاء عن الغم وان تكون القلة عبارة عن العدم والكثرة عن الدوام: يعنى [فردا ايشانرا غمى باشد بى فرح واندوهى بى سرور] فيكون وقت الضحك والبكاء فى الآخرة. ويجوز ان يكون وقتهما فى الدنيا اى هم لما هم عليه من الخطر مع رسول الله وسوء الحال بحيث ينبغى ان يكون ضحكهم قليلا وبكاؤهم من اجل ذلك كثيرا نحو قوله عليه السلام لامته "حديث : لو تعلمون ما اعلم لبكيتم كثيرا وضحكتم قليلا" تفسير : قال ابن عمر رضى الله عنهما "حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فاذا قوم يتحدثون ويضحكون فوقف وسلم عليهم فقال "اكثروا ذكرها ذم اللذات" قلنا وماها ذم اللذات قال "الموت" .تفسير : : قال الصائب شعر : برغفلت سياه دلان خنده ميزند غافل مشوز خنده داندن نماى صبح تفسير : ومر الحسن البصرى بشاب وهو يضحك فقال له يا بنى هل مررت على الصراط فقال لا فقال هل تدرى الى الجنة تصير ام الى النار فقال لا فقال ففيم هذا الضحك فما رؤى الفتى بعد ذلك يضحك -قيل- لما فارق موسى الخضر عليهما السلام قال اياك واللجاجة ولا تكن مشاء الا لحاجة ولا ضحاكا من غير عجب كان وابك على خطيئتك يا ابن عمران. قال محمد بن واسع اذا رأيت رجلا فى الجنة يبكى ألست تعجب من بكائه قال بلى قال فالذى يضحك فى الدنيا ولا يدرى الى ما يصير هو اعجب منه. وعن وهيب بن منبه انه قال ان زكريا عليه السلام فقد ابنه يحيى عليه السلام فوجده مضطجعا على قبر يبكى فقال يا بنى ما هذا البكاء قال اخبرتنى امى ان جبريل اخبرك ان بين الجنة والنار مفازة ذات لهب لا يطفئ حرها الا الدمع فقال زكريا ابك يا بنى ابك. وعن كعب الاحبار انه قال ان العبد لا يبكى حتى يبعث الله اليه ملكا فيمسح كبده بجناحه فاذا فعل ذلك بكى. وعن انس قال ثلاثة اعين لا تمسها النار عين فقئت قى سبيل الله وعين باتى تحرس فى سبيل الله وعين دمعت من خشية الله. وفى الحديث "حديث : لان ادمع دمعة من خشية الله احب الى من ان تصدق بالف دينار" تفسير : وفى التوراة يا ابن آدم اذا دمعت عيناك فلا تمسح الدموع بثوبك ولكن امسحها بكفك فانها رحمة. قال العلماء البكاء على عشرة انواع. بكاء فرح. وبكاء حزن. وبكاء رحمة. وبكاء خوف مما يحصل. وبكاء كذب كبكاء النائحة لانها تبكى لشجو غيرها وجاء "حديث : تخرج النائحة من قبرها يوم القيامة شعثاء غبراء عليها جلباب من لعنة ودرع من جرب وضعت يدها على رأسها تقول واويلاه وتنبح كما ينبح الكلب"تفسير : . وبكاء موافقة بان يرى جماعة يبكون فيبكى مع عدم علمه بالسبب. وبكاء المحبة والشوق. وبكاء الجزع من حصول ألم لا يحتمله. وبكاء الجور والضعف. وبكاء النفاق وهو ان تدمع العين والقلب قاس واما التباكى فهو تكلف البكاء وهو نوعان محمود ومذموم. والاول ما يكون لاستجلاب رقة القلب. والثانى ما يكون لاجل الرياء والسمعة كما فى انسان العيون. والحاصل ان طالب الآخرة ينبغى له تقليل الضحك وتكثير البكاء ولا يغفل عن الموت ولقاء الجزاء فإنه كم ضاحك وكفنه عند القصار: قال الحافظ شعر : ديد آن قهقهه كبك خرامان حافظ كه زسر نيجه شاهين قضا غافل بود

الطوسي

تفسير : قوله {فليضحكوا} صيغته صيغة الامر والمراد به التهديد، وإنما قلنا: إنه بصورة الأمر، لأن اللام ساكنة ولو كانت لام الاضافة لكانت مكسورة لأنها تؤذن بعملها للجزاء المناسب لها، فلذلك الزمت الحركة. والمراد بالاية الاخبار عن حال هؤلاء المنافقين وأنها في وجه الضحك كحال المأمور منه فيما يؤل اليه من خير أو شر على صاحبه، فلذلك دخله معنى التهدد، والضحك حال تفتح وانبساط يظهر في وجه الانسان عن تعجب مع فرح، والضحاك هو الانسان خاصة. والبكاء حال يظهر عن غم في الوجه مع جري الدموع على الخد، وهو ضد الضحك تقول: بكا بكاءاً، وأبكاه الله ابكاءاً، وبكاه تبكية وتباكى تباكياً واستبكى استبكاءاً ومعنى الآية أن يقال لهؤلاء المنافقين: فاضحكوا بقليل تمتعكم في الدنيا فانكم ستبكون كثيراً يوم القيامة إذا حصلتم في العقاب الدائم {جزاء بما كانوا يكسبون} نصب (جزاء) على المصدر أي تجزون على معاصيكم، ذلك جزاء على أفعالكم التي اكتسبتموها.

الجنابذي

تفسير : {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً} جواب شرط متوهّم او مقدّر والامر امّا على حقيقته والمراد منه الامر بالتّوبة سواء كان الضّحك والبكاء على حقيقتهما او مجازين عن السّرور والغمّ، وحينئذٍ فذكر الضّحك للاشارة الى انّ الانسان لا ينفكّ عن ضحكٍ ما فليقلّ التّائب منه، او مجاز عن تحتّم ما يؤل اليه امرهم فهو أمر فى معنى الاخبار، وذكر الضّحك للاشارة الى ما هم عليه فى بقيّة عمرهم ولذا قدّمه وقيّده بالقلّة {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تدراكاً لاعمالهم السّيّئة على المعنى الاوّل وعقوبةً عليها على المعنى الثّانى، وقوله بما كانوا امّا متعلّق بجزاء او بالامر استقلالاً او على سبيل التّنازع.

الهواري

تفسير : قوله: { فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} يعني المنافقين. فليضحكوا قليلاً في الدنيا، أي: إلى موتهم، وليبكوا كثيراً، أي في النار إذا صاروا إليها. ذكروا عن أبي موسى الأشعري أنه قال: حديث : إن أهل النار ليبكون الدموع، حتى لو أن السفن أرسلت في دموعهم لجَرَت، ثم يبكون بعد ذلك الدم . تفسير : ثم قال للنبي عليه السلام: { فَإِن رَّجَعَكَ اللهُ} أي: من غزوة تبوكَ {إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ} أي من المنافقين { فَاسْتَئْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ} معك { فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} فبذلك كفرتم، وبذلك نُهِيتُ أن أستصبحكم { فَاقْعُدُوا مَعَ الخَالِفِينَ}. أي مع النساء في تفسير الحسن. وفي تفسير الكلبي: مع الأشرار. ذكر بعضهم قال: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلاً قيل فيهم ما قيل. قوله: { وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} ثم أخبره لم ذاك وبم هو، فقال: {إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ} أي: خالفوا الله وخالفوا رسوله { وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} وهو فسق النفاق. قال بعضهم: بلغنا أنه عبد الله بن أبي بن سلول؛ لما مات جاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أعطني قميصك أكفّنه فيه. فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه فكفنه فيه، وصلّى عليه النبي. فأنزل الله: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} ثم أخبره لم ذاك وبم هو فقال: {إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ} أي خالفوا الله وخالفوا رسوله {وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ}. وقال بعضهم: ذكر لنا أنه مات منافق فكفنه رسول الله في قميصه وصلى عليه ودلاَّه في قبره. فأنزل الله هذه الآية. فذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : وما يغني عنه قميصي من عذاب الله. والله إني لأرجو أن يسلم به ألف من قومه تفسير : وقال بعضهم: إن رسول الله تقدم ليصلِّيَ عليه، فأخذ جبريل بثوبه فقال: والله لا تصل على أحد منهم مات أبداً.. إلى آخر الآية. وفي هذا دليل على أهل الفراق أن لو كانوا مشركين كما قالوا ما صلّى عليهم رسول الله، ولا وقف على قبورهم، ولا كفنهم في ثيابه، ولا دلاّهم في قبورهم بعد قول الله: (أية : إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ) تفسير : [التوبة:28]، وبعد قوله: (أية : مَا كَانَ لِلنَّبيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ) تفسير : [التوبة:113].

اطفيش

تفسير : {فلْيضْحكُوا قليلاً} ضحكا قليلا أو زمانا قليلا وهو أعمارهم، فإنها ولو طالت قليلا بالنسبة إلى الدوام فى الآخرة {ولْيبْكُوا كَثيراً} بكاء كثيراً أو زمانا كثيرا لا يتناهى، وهو زمان خلودهم فى النار، قاله ابن عباس، والربيع بن خيثم، وابن زيد، وقتادة واللفظ أمر، والمعنى إخبار أى يضحكون قليلا ويبكون كثيرا، وجاء بلفظ الأمر، لأن الأمر للوجوب، فأشار به إلى تحتم ذلك عليهم، وأنه لا بد واقع، ويجوز أن يكون ذلك فى الدنيا إليهم لما هم عليه من الخطر مع الله، وسوء الحال، بحيث ينبغى أن يقل ضحكهم ويكثر بكاؤهم على حد قوله صلى الله عليه وسلم لأمته: "حديث : لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا وضحكتم قليلا ". "حديث : وروى أنه قال الله سبحانه له حين قال ذلك: يا محمد لا تقنط عبادى"تفسير : ، ويجوز أن يكون ذلك كناية عن السرور والغم، ويجوز أن يكون ذلك كله فى الآخرة، على أن القلة نفى والواضح الأول المذكور عن ابن عباس، ففى الحديث، عن أنس: "حديث : يا أيها الناس ابكوا فإن لم تستطيعوا ان تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون فى النار حتى تسيل دموعهم فى خدودهم كأنها جداول، حتى تنقطع فتسيل الدماء فتقرح العيون، فلو أن سفنا أجريت فيها لجرت" تفسير : وعن أبى موسى: "حديث : لو أن السفن أرسلت فى دموعهم لجرت ثم يبكون بعد ذلك الدم ". تفسير : {جزاءً بما كانُوا يكْسِبُون} من ضحكهم وأفعالهم الخبيثة، وهو تعليل ليبكوا إن لم يشترطوا اتحاد فاعلى المعلِّل والمعلَّل، أو لتضمنه معنى نفعل بهم ما يبكيهم، فهو تعليل لمعنى نفعل، أو يقدر نعذبهم جزاء.

الالوسي

تفسير : {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا} إخبار عن عاجل أمرهم وآجله من الضحك القليل في الدنيا والبكاء الكثير في الأخرى، وإخراجه في صورة الأمر للدلالة على تحتم وقوع المخبر به وذلك لأن صيغة الأمر للوجوب في الأصل والأكثر فاستعمل في لازم معناه أو لأنه لا يحتمل الصدق والكذب بخلاف الخبر كذا قرره الشهاب ثم قال: فإن قلت: الوجوب لا يقتضي الوجود وقد قالوا: إنه يعبر عن الأمر بالخبر للمبالغة لاقتضائة تحقق المأمور به فالخبر آكد وقد مر مثله فما باله عكس. قلت: لا منافاة بينهما كما قيل لأن لكل مقام مقالاً والنكت لا تتزاحم فإذا عبر عن الأمر بالخبر لإفادة أن المأمور لشدة امتثاله كأنه وقع منه ذلك وتحقق قبل الأمر كان أبلغ، وإذا عبر عن الخبر بالأمر لإفادة لزومه ووجوبه كأنه مأمور به أفاد ذلك مبالغة من جهة أخرى، وقيل: الأمر هنا تكويني كما في قوله تعالى: {أية : إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [يس: 82] ولا يخفى ما فيه. والفاء لسببية ما سبق للإخبار بما ذكر من الضحك والبكاء لا لنفسهما إذ لا يتصور في الأول أصلاً، وجعل ذلك سبباً لاجتماع الأمرين بعيد، ونصب {قَلِيلاً} و {كَثِيراً} على المصدرية أو الظرفية أي ضحكاً أو زماناً قليلاً وبكاء أو زماناً كثيراً، والمقصود بإفادته في الأول على ما قيل هو وصف القلة فقط وفي الثاني هو وصف الكثرة مع الموضوف، فيروى أن أهل النفاق يبكون في النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم. وجوز أن يكون الضحك كناية عن الفرح والبكاء كناية عن الغم والأول في الدنيا والثاني في الأخرى أيضاً، والقلة على ما يتبادر منها، ولا حاجة إلى حملها على العدم كما حملت الكثرة على الدوام. نعم إذا اعتبر كل من الأمرين في الآخرة احتجنا إلى ذلك إذ لا سرور فيها لهم أصلاً، ويفهم من كلام ابن عطية أن البكاء والضحك في الدنيا كما في حديث الشيخين وغيرهما «حديث : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً» تفسير : أي أنهم بلغوا في سوء الحال والخطر مع الله تعالى إلى حيث ينبغي أن يكون ضحكهم قليلاً وبكاؤهم من أجل ذلك كثيراً. {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي من فنون المعاصي، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار التجددي، و {جَزَآءً} مفعول له للفعل الثاني ولك أن تجعله مفعولاً له للفعلين أو مصدر من المبني للمفعول حذف ناصبه أي يجزون مما ذكر من البكاء الكثير أو منه ومن الضحك القليل جزاء بما استمروا عليه من المعاصي.

ابن عاشور

تفسير : تفريع كلام على الكلام السابق مِن ذِكر فَرحهم، ومِن إفادة قوله: {أية : قل نار جهنّم أشد حرّاً}تفسير : [التوبة: 81] من التعريض بأنّهم أهلها وصائرون إليها. والضحك هنا كناية عن الفرح أو أريد ضحكهم فرحاً لاعتقادهم ترويج حيلتهم على النبي صلى الله عليه وسلم إذْ أذن لهم بالتّخلّف. والبكاء: كناية عن حزنهم في الآخرة فالأمر بالضحك وبالبكاء مستعمل في الإخبار بحصولهما قطعاً إذ جعلا من أمر الله أو هو أمر تكوين مثل قوله: {أية : فقال لهم الله موتوا}تفسير : [البقرة: 243] والمعنى أنّ فرحهم زائل وأنّ بكاءهم دائم. والضحك: كيفية في الفم تتمدّد منها الشفتان وربّما أسفرتا عن الأسنان وهي كيفية تعرض عند السرور والتعجّب من الحُسن. والبكاءُ: كيفية في الوجه والعينين تنقبض بها الوجنتان والأسارير والأنف. ويسيل الدمع من العينين، وذلك يعرض عند الحزن والعجز عن مقاومة الغلب. وقوله: {جزاء بما كانوا يكسبون} حال من ضميرهم، أي جزاء لهم، والمجعول جزاء هو البكاء المعاقب للضحك القليل لأنّه سلب نعمة بنقمة عظيمة. وما كانوا يكسبون هو أعمال نفاقهم، واختير الموصول في التعبير عنه لأنّه أشمل مع الإيجاز. وفي ذكر فعل الكَون، وصيغة المضارع في {يكسبون} ما تقدّم في قوله: {أية : ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}تفسير : [التوبة: 70].

د. أسعد حومد

تفسير : (82) - ثُمَّ تَوَعَّدَ اللهُ تَعَالَى الْمُنَافِقِينَ عَلَى فِعَالِهِمْ السَّيِّئَةِ، فَقَالَ لِنَبيّهِ صلى الله عليه وسلم: لِيَضْحَكُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيا الْفَانِيَةِ قَلِيلاً، لأَِنَّ الدُّنْيَا نَفْسَهَا شَيْءٌ قَلِيلٌ، فَإِذَا انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا، وَصَارُوا إِلَى اللهِ، عَزَّ وَجَلَّ، اسْتَأْنَفُوا بُكَاءً لاَ يَنْقَطِعُ أَبَداً بِسَبَبِ مَا اكْتَسَبُوهُ مِنْ كُفْرٍ وَآثَامٍ، وَعَلَى مَا فَوَّتُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ فُرَصِ اكْتِسَابِ الْحَسَنَاتِ، وَعَمَلِ مَا يُرْضِي اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ صَالِحِ الأَعْمَالِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والضحك هو انفعال غريزي فطري، يحدث للإنسان عندما يقابل شيئاً يسره، أو أحداثاً يجد فيها مفارقة لم يكن يتوقعها. أما البكاء فهو انفعال غريزي أيضاً تجاه أحداث تدخل الحزن أو الشجن، وهو تذكر ما يحزن بالنسبة للإنسان. وكلتاهما ظاهرتان فطريتان، أي أنهما تحدثان بفطرة بشرية واحدة بالنسبة للناس جميعاً، ولا دخل فيها للجنس أو اللون أو البيئة، فلا يوجد بكاء روسي وبكاء أمريكي، أو ضحك روسي وضحك إنجليزي، أو ضحك شرقي وضحك غربي. ذلك أن الضحك والبكاء انفعال طبيعي موحد لا تؤثر فيه البيئة ولا الثقافة ولا الجنس. وقد أسنده الحق تبارك وتعالى لنفسه. فكما قلنا: إن الله سبحانه وتعالى وحده هو الذي يحيي، وهو سبحانه وحده الذي يميت. فهو سبحانه وحده الذي يضحك، وهو سبحانه وحده الذي يبكي. مصداقاً لقوله تعالى: {أية : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} تفسير : [النجم: 43-45]. ولذلك فالضحك والبكاء يأتيان بلا مقدمات، لا أقول لنفسي: سأضحك الآن فأضحك، ولا أقول: سأبكي الآن فأبكي؛ لأن هذا انفعال غريزي لا دخل للإرادة ولا للاختيار فيه. ولكننا أحياناً نلجأ إلى التضاحك أو إلى التباكي وهو مجرد ادعاء بلا حقيقة. ويكون ظاهراً فيه الافتعال. فحين يروي لك إنسان نكتة سخيفة، والمفروض أنه قالها لتضحك، ولكنها لا تضحكك، وفي نفس الوقت أنت تريد أن تجامله فتفتعل الضحك، أي تضحك بافتعال. وكذلك البكاء فيه افتعال أيضاً مثل بكاء النادبة التي تجلس وسط أهل الميت وتبكي. وقد تضع بعض نقط الجلسرين في عينيها لتفتعل الدموع، وهذا كله افتعال. أما الضحك والبكاء الحقيقي، فأمران بالفطرة يملكهما الله سبحانه وتعالى وحده. وقول الحق سبحانه وتعالى: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً} جاء بعد قوله: {فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ} أي: أنهم فرحوا عندما بَقَوْا هم في المدينة، وخرج المؤمنون للجهاد. جلسوا في حدائق المدينة وهم فرحون في راحة وسرور يضحكون؛ لأنهم يعتقدون أنهم قد فازوا بعدم اشتراكهم في الجهاد. ولكن هذا الضحك هو لفترة قليلة. وسيأتي بعدها بكاء وندم لفترة طويلة وأبدية، عندما يدخلون جهنم والعياذ بالله. ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى قال: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً} ولم يقل: سيضحكون قليلاً وسيبكون كثيراً، لماذا؟ نقول: عندما يُسند الفعل إلى المخلوق الذي يعيش في عالم الأغيار، والمختار في عدد من أفعاله، يُحتمل أن يحدث أو يجوز ألا يحدث. ولكن الحق سبحانه وتعالى حين يقول: {فَلْيَضْحَكُواْ} أي: أمر بالضحك، ثم يجيء في البكاء ويقول: {وَلْيَبْكُواْ} أي: ابكوا والأمر بالضحك والبكاء هو أمر اختياري من الله سبحانه وتعالى، تجوز فيه الطاعة وتجوز فيه المعصية؟ إذا كان كذلك، فهل سيطيع المنافقون أمراً اختيارياً لله؟ ونقول: إن ذلك أمر غير اختياري؛ لأن الحق سبحانه هو وحده الذي يضع في النفس البشرية انفعال الضحك أو انفعال البكاء للأحداث. وكما بيَّنا فإن الإنسان لا يستطيع الانفعال بالضحك أو البكاء. والحق حين يقول: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً} معناها: أن انفعال الضحك قضاء عليهم لا بد أن يحدث. وإذا قال الحق سبحانه وتعالى: {وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً} فلا بد أن يبكوا؛ لأن انفعال البكاء مكتوب عليهم من الله، وكما يقولون: إن الذي يضحك أخيراً يضحك كثيراً، وكذلك الذي يبكي أخيراً يبكي كثيراً. إذن: فالأمور كلها مرهونة بالخاتمة. فقد يأتي للإنسان حادث يسرّه، ثم تأتيه ساعة بؤس تمحو هذا السرور كله، والعكس صحيح. وإذا كان هؤلاء المنافقون قد ضحكوا قليلاً في الدنيا. فعمر كل منهم في الدنيا قليل؛ لأنه حتى وإن عاش في الدنيا ضاحكاً طوال عمره فكم سيضحك؟ أربعين سنة؟ خمسين سنة؟ إن كلاّ منا له في الدنيا مدة محدودة، فأنت إذا نسبت الحدث إلى الدنيا على إطلاقها فهو قليل. وإذا نسبته إلى عمرك في الدنيا فهو أقل القليل، ثم تأتي الآخرة بالخلود الطويل الذي لا ينتهي، ويكون بكاء المنافق فيه طويلاً طويلاً. ولذلك فلا بد لكل إنسان ان يضع مع المعصية عقوبتها، ومع الطاعة ثوابها؛ لأن الإنسان قد يرتكب المعصية لإرضاء شهوات نفسه، وساعة ارتكاب المعصية فهو لا يستحضر العقوبة عليها، ولو أنه استحضر العقوبة لامتنع عن المعصية. فالسارق لو استحضر ساعة قيامه بالسرقة، أنه قد يضبط، وقد يحاكم وتقطع يده، لو تأكد من هذا فلن يسرق أبداً. ولكنه يقوم بالسرقة لأنه يعتقد أنه سيفلت من العقاب. وما من لص خطط لسرقة وفي باله أنه سيضبط، بل يكون متأكداً أنه سيسرق ويفلت. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ". تفسير : لأنه ساعة يزني لو تخيل أو تأكد أنه سيُلْقى في النار جزاء ما فعل، فلن يقدم على الزنا أبداً. وكذلك شارب الخمر لا يمكن أن يضع الكأس في فمه. إذا تخيل النار وهو يُعذَّب فيها. ولكن الغفلة عن الإيمان تحدث لحظة ارتكاب المعصية؛ لأن الإيمان يقتضي أن تستحضر العقوبة ساعة تُقدِم على المعصية، وأن تعلم يقيناً أن كل ما تفعله ستُحاسب عليه في الآخرة، وسيكون هناك جزاء. فإذا ضحكت من مطلوبات الإيمان فلا بد أن تبكي في الآخرة. فإن فرحت - مثلاً - بترك الصلاة أو الزكاة، واعتقدت أنك قد غنمت في الدنيا، فلا بد أن تندم ويصيبك الغمُّ في الآخرة. وإذا تنعمت بمال حرام فلا بد أن تُعذب به في الآخرة. والحق سبحانه يقول: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ} تفسير : [المطففين: 29-31]. هكذا يعطينا الله عدة صور من السخرية التي يتعرض لها المؤمنون في الدنيا، وأولى هذه الصور هي ضحك المنافقين والكفار من المؤمنين، كأن يقول أحدهم لإنسان مؤمن يقوم إلى الصلاة: خذنا على جناحك في الآخرة. ثم بعد ذلك يأتي الغمز واللمز، ثم إذا ذهب المنافق إلى أهله أخذ يسخر من الطائعين ويقول: لقد فعلت كذا وكذا لإنسان متدين. وسخرت منه ولم يستطع أن يرد. ويشعر بالسرور وهو يحكي القصة فرحاً بما عمل. وينسى أنه قد ارتكب ثلاثة جرائم: جريمة العمل، وجريمة الفرح بالعمل، وجريمة الإخبار بالعمل. فلو أنه سخر من المؤمن، ثم ندم بعد ذلك، ربما كانت عقوبته هيِّنة. ولكن ما دام قد فرح بذلك تكون له عقوبة أكبر، فإذا انقلب إلى أهله يروي لهم ما حدث، وهو فخور مسرور تكون له عقوبة ثالثة. وليتهم توقفوا عند ذلك بل اتهموا المؤمنين بالضلال؛ مصداقاً لقوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} تفسير : [المطففين: 32-33]. أي: أنهم زادوا على كل هذا باتهام المؤمنين بالضلال. هذا ما صنعوه في الدنيا. وهي فانية وعمرها قليل. ثم يأتي سبحانه وتعالى بالمقابل في الآخرة؛ فيقول: {أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [المطففين: 34-36]. فكما ضحك الكفار من المؤمنين في الدنيا؛ سيضحك المؤمنون من الكفار في الآخرة، وسيجلس المؤمنون على الأرائك في الجنة وهم ينظرون إلى الكفار وهو يُعذَّبون في النار، أي: أن الله جزاهم بمثل عملهم مع الفارق بين قدراتهم المحدودة وقدراته - سبحانه - التي لا حدود لها. ولم يقل الحق سبحانه وتعالى: "سيضحكون" ككلام خبري، يجوز أن يحدث أو لا يحدث، بل جاء به مُؤكداً. وقوله هنا في المنافقين {فَلْيَضْحَكُواْ}. يعني: أن الضحك لا بد أن يحدث؛ لأن هذا كلام من الله سبحانه وتعالى. فقول الحق سبحانه وتعالى: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} يعطينا العلة أو السبب في أن ضحكهم سيكون قليلاً، وبكاءهم سيكون كثيراً؛ لأن هذا جزاء ما فعلوه في الدنيا. لقد فرحوا بالفرار من الجهاد. وسُرّوا بالراحة في المدينة، فلا بد أن يُلاَقوا في الآخرة جزاءهم عن هذا العمل، كما سَيُثاب المؤمنون على ذهابهم للجهاد في الحرِّ. إذن: فالحق سبحانه لم يظلمهم، بل أعطاهم جزاء ما عملوه. كما قال: {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} وكلمة {يَكْسِبُونَ} هنا لها ملحظ لا بد أن نُبيِّنه، فقد كان من الممكن أن يُقال "جزاء ما كانوا يعملون" أو "جزاء ما كانوا يفعلون"، فلماذا جاء الحق بـ {يَكْسِبُونَ}، وما الفرق بينها وبين "ما يفعلون" و "ما يعملون"؟ نعلم أن لكل جارحة من جوارح الإنسان مجالَ عمل؛ فالأذن تسمع، والعين ترى، واليد تمسك، والقدم تمشي، والأنف يشُمُّ، والأنامل تملس. إذن: فكل عضو له مهمة. فإن كانت المهمة هي النطق باللسان نسميها القول. وإن كانت مهمة من مهام باقي الجوارح عدا اللسان نسميها الفعل. فاللسان وحده أخذ القول، وكل الجوارح أخذت الفعل. والقول والفعل معاً نسميهما عملاً. فإذا قال الحق سبحانه وتعالى: "يفعلون" يكون ذلك مقابل يقولون؛ لأن الإنسان قد يقول بلسانه ولا يفعل بجوارحه. وتوضح ذلك الآية الكريمة: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 2-3]. ولكن إذا اتحد القول والفعل يكون هناك عمل. وكل شيء لا يتسق منطقياً مع قيم المنهج يكون فيه افتعال، فالكسب عمل، والاكتساب افتعال الكسب؛ لأن الكسب عمل طبيعي، والاكتساب هو افتعال الكسب. وسبحانه يقول: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ...} تفسير : [البقرة: 286]. لأن الاكتساب بالحرام فيه افتعال يتعب النفس، ولا يجعلها منسجمة مع جوارحها، فالرجل مع زوجته في البيت مستقر الجوارح لا يخشى شيئاً. لكنه مع زوجة غيره يهيج جوارحه؛ فيقفل النوافذ ويُطفئ الأنوار. وإنْ دقَّ جرس الباب يصاب بالذعر والهلع؛ لأن ملكات النفس ليست منسجمة مع العمل. أما إذا اعتادت النفس الإثم مثل من اعتاد الإجرام، فلا يهيجها الحرام. وفي هذه الحالة تنقلب عملية الاكتساب إلى كسب، وتعتاد النفس على المعصية وعلى الإثم، ويصبح جزاؤها عند الله أليماً وعذابها عظيماً. ويقول الحق سبحانه في هذه الآية: {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} وكان مقتضى الكلام أن يقال: "جزاء بما كانوا يكتسبون" لأن هذه عملية فيها إثم وفيها معصية، فلا بد أن يكون فيها افتعال، ولكن الحق سبحانه وتعالى يلفتنا إلى أن هؤلاء المنافقين قد اعتادوا المعصية، وعاشوا في الكفر، فأصبحت العملية سهلة بالنسبة لهم، ولا تحتاج منهم أي افتعال. واقرأ قول الحق: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ ...} تفسير : [المائدة: 38]. والسرقة ليست أمراً طبيعياً، لذلك يقوم بها السارق خفية ويُبيِّت لها ويفتعل؛ ولذلك كان من المنطقي أن يقال "اكتسبوا" لكن شاء الحق أن نعرف أن السرقة قد أصبحت في دم هؤلاء، ومن كثرة ما ارتكبوها فهي بالنسبة لهم عملية آلية سهلة. وقد وضع التشريع لها نطاقاً وهو ربع دينار مثلاً. والذي يسرق دون هذا النطاق لا يُطبق عليه حَدُّ قطع اليد. لماذا؟ لأن ربع الدينار في ذلك الوقت كان يكفي لقوت أسرة متوسطة العدد لمدة يوم واحد. فإذا سرق أي إنسان ما يكفي قوت أسرة لمدة يوم واحد، يقال: ربما فعلها لأن أسرته لا تجد ما تأكله، فإذا أخذ أكثر من الضرورة، يكون قد أخذ أكثر مما يحتاج إليه، وتكون السرقة قد حدثت ويُقام عليه الحد. ونحن نعلم أن العقل البشري وظيفته الاختيار بين البدائل، ومفروض أن يُقَدِّر الإنسان العقوبة ويستحضرها ساعة وقوع المعصية، وأن يستحضر الثواب ساعة القيام بالطاعات ترغيباً للإنسان في الطاعة. ونحن نأتي للطالب المجتهد ونطلب منه أن يُخفِّف من المذاكرة، لكنه لا يترك الكتاب لأنه استحضر النجاح؛ وما سيحدث بعد النجاح من دخوله الكلية التي يريدها، أو بعد تخرجه من الجامعة إن كان قد وصل إلى مرحلة التخرج، وكذلك استحضر نظرة أهله وأساتذته وزملائه إليه، وهو يستحضر كل ذلك؛ مما يدفعه لقضاء ساعات طويلة في المذاكرة دون أن يشعر بالتعب. إذن: فالذي يُحبِّبك في الطاعة هو استحضار لذة الثواب القادم. والذي يُكرِّهك في المعصية هو استحضار ألم العقاب الذي لا بد أن يحدث. ولكن هؤلاء المنافقين والكفار قد اعتادوا المعصية والكفر؛ حتى أصبح سلوكهم المخالف للإيمان إنما يحدث منهم دون أن يستحضروا عقوبة المعصية، فهم يرتكبون المعاصي وهم فرحون. ولو قال الحق كلمة: "يقولون" لكان كلامهم بغير فعل. ولو قال: "يفعلون" لكان فعلاً لا يشترك فيه اللسان بالقول. ولو قال "يعملون" لكان فعلاً وقولاً فقط. ولو قال "يكتسبون" لفهمنا أن المعصية تثير انفعالاً وتهيجاً في داخلهم؛ لأنهم لم يعتادوها. ولكن جاء قوله تعالى: {يَكْسِبُونَ} ليعطينا المعنى الصحيح في أنهم قد اعتادوا المعصية؛ حتى أصبحوا يفعلونها بلا افتعال. ويأتي الحق سبحانه وتعالى لِيُرينا حكمه في الدنيا على هؤلاء المنافقين الذين فرحوا بتخلفهم عن الجهاد في سبيل الله، فيقول: {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 1115- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، في قوله تعالى: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً}: [الآية : 82]، قال: يضحكُوا قلِيلاً في الدنيا. {وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً} في الآخرة في نار جهنم. {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}.