٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
83
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه تعالى لما بين مخازي المنافقين وسوء طريقتهم بين بعد ما عرف به الرسول أن الصلاح في أن لا يستصحبهم في غزواته، لأن خروجهم معه يوجب أنواعاً من الفساد. فقال: {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إلى طَّآئِفَةٍ مِّنْهُمْ } أي من المنافقين {فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا } قوله: {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ } يريد إن ردك الله إلى المدينة، ومعنى الرجع مصير الشيء إلى المكان الذي كان فيه، يقال رجعته رجعاً كقولك رددته رداً. وقوله: {إِلَىٰ طَائِفَةٍ مّنْهُمْ } إنما خصص لأن جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين، بل كان بعضهم مخلصين معذورين. وقوله: {فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ } أي للغزو معك {فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا } إلى غزوة، وهذا يجري مجرى الذم واللعن لهم، ومجري إظهار نفاقهم وفضائحهم، وذلك لأن ترغيب المسلمين في الجهاد أمر معلوم بالضرورة من دين محمد عليه السلام، ثم إن هؤلاء إذا منعوا من الخروج إلى الغزو بعد إقدامهم على الاستئذان، كان ذلك تصريحاً بكونهم خارجين عن الإسلام موصوفين بالمكر والخداع، لأنه عليه السلام إنما منعهم من الخروج حذراً من مكرهم وكيدهم وخداعهم، فصار هذا المعنى من هذا الوجه جارياً مجرى اللعن والطرد، ونظيره قوله تعالى: { أية : سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا } تفسير : [الفتح: 15] إلى قوله: { أية : قُل لَّن تَتَّبِعُونَا } تفسير : [الفتح: 15] ثم إنه تعالى علل ذلك المنع بقوله: {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } والمراد منه القعود عن غزوة تبوك، يعني أن الحاجة في المرة الأولى إلى موافقتكم كانت أشد، وبعد ذلك زالت تلك الحاجة، فلما تخلفتم عند مسيس الحاجة إلى حضوركم، فعند ذلك لا نقبلكم، ولا نلتفت إليكم، وفي اللفظ بحث ذكره صاحب «الكشاف»، وهو أن قوله: {مَرَّةٍ } في {أَوَّلَ مَرَّةٍ } وضعت موضع المرات، ثم أضيف لفظ الأول إليها، وهو دال على واحدة من المرات، فكان الأولى أن يقال أولى مرة. وأجاب: عنه بأن أكثر اللغتين أن يقال: هند أكبر النساء، ولا يقال هند كبرى النساء. ثم قال تعالى: {فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَـٰلِفِينَ } ذكروا في تفسير الخالف أقوالاً: الأول: قال الأخفش وأبو عبيدة: الخالفون جمع. واحدهم خالف، وهو من يخلف الرجل في قومه، ومعناه مع الخالفين من الرجال الذين يخلفون في البيت، فلا يبرحون، والثاني: أن الخالفين مفسر بالمخالفين. قال الفراء يقال عبد خالف وصاحب خالف إذا كان مخالفاً. وقال الأخفش: فلان خالفة أهل بيته إذا كان مخالفاً لهم. وقال الليث هذا الرجل خالفة، أي مخالف كثير الخلاف، وقوم خالفون، فإذا جمعت قلت الخالفون. والقول الثالث: الخالف هو الفاسد. قال الأصمعي: يقال: خلف عن كل خير يخلف خلوفاً إذا فسد، وخلف اللبن وخلف النبيذ إذا فسد. وإذا عرفت هذه الوجوه الثلاثة: فلا شك أن اللفظ يصلح حمله على كل واحد منها، لأن أولئك المنافقين كانوا موصوفين بجميع هذه الصفات. واعلم أن هذه الآية تدل على أن الرجل إذا ظهر له من بعض متعلقيه مكر وخداع وكيد ورآه مشدداً فيه مبالغاً في تقرير موجباته، فإنه يجب عليه أن يقطع العلقة بينه وبينه، وأن يحترز عن مصاحبته.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ} أي المنافقين. وإنما قال: «إلى طَائِفَةٍ» لأن جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين، بل كان فيهم معذورون ومن لا عذر له، ثم عفا عنهم وتاب عليهم؛ كالثلاثة الذين خُلِّفوا. وسيأتي. {فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً} أي عاقبهم بألا تصحبهم أبداً. وهو كما قال في «سورة الفتح»: {أية : قُل لَّن تَتَّبِعُونَا} تفسير : [الفتح: 15]. و {ٱلْخَالِفِينَ} جمع خالف؛ كأنهم خلفوا الخارجين. قال ٱبن عباس: «الْخَالِفِينَ» من تخلف من المنافقين. وقال الحسن: مع النساء والضعفاء من الرجال، فغلّب المذكر. وقيل: المعنىٰ فاقعدوا مع الفاسدين؛ من قولهم فلانٌ خالِفةُ أهل بيته إذا كان فاسداً فيهم؛ من خُلوف فَم الصائم. ومن قولك: خلف اللبن؛ أي فسد بطول المكث في السِّقاء؛ فعلىٰ هذا يعني فاقعدوا مع الفاسدين. وهذا يدّل على أن استصحاب المخذِّل في الغزوات لا يجوز.
البيضاوي
تفسير : {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مّنْهُمْ} فإن ردك إلى المدينة وفيها طائفة من المتخلفين يعني منافقيهم فإن كلهم لم يكونوا منافقين، أو من بقي منهم وكان المتخلفون اثني عشر رجلاً. {فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ} إلى غزوة أخرى بعد تبوك {فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تُقَـٰتِلُواْ مَعِىَ عَدُوّا} إخبار في معنى النهي للمبالغة. {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تعليل له وكان إسقاطهم عن ديوان الغزاة عقوبة لهم على تخلفهم و {أَوَّلَ مَرَّةٍ} هي الخرجة إلى غزوة تبوك. {فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَـٰلِفِينَ} أي المتخلفين لعدم لياقتهم للجهاد كالنساء والصبيان. وقرىء مع «الخلفين» على قصر {ٱلْخَـٰلِفِينَ}.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً لرسوله عليه الصلاة السلام: {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ} أي: ردك الله من غزوتك هذه {إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ} قال قتادة: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلاً {فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ} أي: معك إلى غزوة أخرى {فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تُقَـٰتِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا} أي: تعزيراً لهم وعقوبة، ثم علل ذلك بقوله: {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وهذا كقوله تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [الأنعام: 110] الآية، فإن جزاء السيئة السيئة بعدها كما أن ثواب الحسنة الحسنة بعدها؛ كقوله في عمرة الحديبية: {أية : سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا} تفسير : [الفتح: 15] الآية. وقوله تعالى: {فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَـٰلِفِينَ} قال ابن عباس: أي: الرجال الذين تخلفوا عن الغزاة، وقال قتادة: {فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَـٰلِفِينَ} أي: مع النساء. قال ابن جرير: وهذا لا يستقيم؛ لأن جمع النساء لا يكون بالياء والنون، ولو أريد النساء، لقال: فاقعدوا مع الخوالف، أو الخالفات، ورجح قول ابن عباس رضي الله عنهما.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَإِن رَّجَعَكَ } ردّك {ٱللَّهُ } من تبوك {إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ } ممن تخلف بالمدينة من المنافقين {فَٱسْتَئْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ } معك إلى غزوة أخرى {فَقُلْ } لهم {لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تُقَٰتِلُواْ مَعِىَ عَدُوّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَٰلِفِينَ } المتخلفين عن الغزو من النساء والصبيان وغيرهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {... إِنَّكُم رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} فيه قولان: أحدهما: أول مرة دعيتم. الثاني: يعني قبل استئذانكم. {فَاقْعُدُاْ مَعَ الْخَالِفِينَ} فيهم قولان: أحدهما: أنهم النساء والصبيان، قاله الحسن وقتادة. الثاني: هم الرجال الذين تخلفوا بأعذار وأمراض، قاله ابن عباس.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَوَّلَ مَرَّةٍ} دعيتم، أو قبل استئذانكم. {الْخَالِفِينَ} النساء والصبيان، أو الرجال المعذورين بأمراض أو غيرها "ع".
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {فإن رجعك الله} يعني فإن ردك الله يا محمد من غزاتك هذه {إلى طائفة منهم} يعني إلى المتخلفين عنك وإنما قال منهم لأنه ليس كل من تخلف بالمدينة عن غزوة تبوك كان منافقاً مثل أصحاب الأعذار {فاستأذنوك للخروج} يعني فاستأذنك المنافقون الذين تخلفوا عنك وتحقق نفاقهم في الخروج معك إلى غزوة أخرى {فقل لن تخرجوا معي أبداً} يعني فقل يا محمد لهؤلاء الذين طلبوا الخروج وهم مقيمون على نفاقهم لن تخرجوا معي أبداً لا إلى غزوة ولا إلى سفر {ولن تقاتلوا معي عدواً إنكم} يعني لأنكم {رضيتم بالقعود أول مرة} يعني أنكم رضيتم بالتخلف عن غزوة تبوك {فاقعدوا مع الخالفين} يعني: مع المتخلفين من النساء والصبيان. وقيل: مع المرضى والزمنى. وقال ابن عباس: مع الذين تخلفوا بغير عذر. وقيل: مع المخالفين يقال صاحب خالف إذا كان مخالفاً كثير الخلاف وفي الآية دليل على أن الرجل إذا ظهر منه مكروه وخداع وبدعة يجب الانقطاع عنه وترك مصاحبته لأن الله سبحانه وتعالى منع المنافقين من الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد وهو مشعر بإظهار نفاقهم وذمهم وطردهم وإبعادهم لما علم من مكرهم وخداعهم إذا خرجوا إلى الغزوات. قوله عز وجل: {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً} الآية، قال قتادة:حديث : بعث عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض ليأتيه قال فنهاه عمر عن ذلك فأتاه نبي الله صلى الله عليه وسلم فلما دخل عليه نبي الله صلى الله عليه وسلم قال:"أهلكك حب اليهود" فقال يا نبي الله إني لم أبعث إليك لتؤنبني ولكن بعثت إليك لتستغفر لي وسأله قميصه أن يكفن فيه فأعطاه إياه واستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات فكفنه في قميصه صلى الله عليه وسلم ونفث في جلده ودلاه في قبره فأنزل الله سبحانه وتعالى ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره الآية (خ) . حديث : عن عمر بن الخطاب: قال لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعى له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت إليه فقلت يا رسول الله أتصلي عليه فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت إليه فقلت يا رسول الله أتصلي على ابن أبي بن سلول وقد قال يوم كذا كذا وكذا عدد عليه وقوله فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "أخر عني يا عمر" فلما أكثرت عليه قال: "إني خيرت فاخترت لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها" قال فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إلى قوله وهم فاسقون قال فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذتفسير : والله ورسوله أعلم. وأخرجه الترمذي وزاد فيه فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله تعالى (ق) عن جابر قال: حديث : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بعد ما أدخل حفرته فأمر به فأخرج فوضعه على ركبتيه ونفث فيه من ريقه وألبسه قميصهتفسير : والله أعلم. قال: وكان كسا عباساً قميصاً قال سفيان وقال أبو هارون: وكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصان فقال له ابن عبد الله يا رسول الله ألبس عبد الله قميصك الذي يلي جلدك. قال سفيان: فيرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ألبس عبد الله قميصه مكافأة لما صنع وفي رواية عن جابر قال: حديث : لما كان يوم بدر أتى بالأسارى وأتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب فنظر النبي صلى الله عليه وسلم له قميصاً فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه فكساه النبي إياه فلذلك نزع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه . تفسير : (فصل) قد وقع في هذه الأحاديث التي تتضمن قصة موت عبد الله بن أبي بن سلول المنافق صورة اختلاف في الروايات ففي حديث ابن عمر المتقدم، أنه لما توفي عبد الله بن أبي سلول أتى ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه وأن يصلي عليه فأعطاه قميصه وصلى عليه وفي حديث عمر بن الخطاب من إفراد البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعى له ليصلي عليه. وفي حديث جابر: حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه بعد ما أدخل حفرته فأمر به فأخرج فوضعه على ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه. قميصهتفسير : ووجه الجمع بين هذه الروايات أنه صلى الله عليه وسلم أعطاه قميصه فكفن فيه ثم إنه صلى الله عليه وسلم صلى عليه وليس في حديث جابر ذكر الصلاة عليه فالظاهر والله أعلم أنه صلى عليه أولاً كما في حديث عمر وابن عمر ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ثانياً بعد ما أدخل حفرته فأخرجه منها ونزع عنه القميص الذي أعطاه وكفن فيه لينفث عليه من ريقه ثم إنه صلى الله عليه وسلم ألبسه قميصه بيده الكريمة فعل هذا كله بعبد الله بن أبي تطييباً لقلب ابنه عبد الله فإنه كان صحابياً مسلماً صالحاً مخلصاً، وأما قول قتادة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاده في مرضه وأنه سأله أن يستغفر له وأن يعطيه قميصه وأن يصلي عليه فأعطاه قميصه واستغفر له وصلى عليه ونفث في جلده ودلاه في حفرته فهذه جمل من القول ظاهرها الترتيب وما المراد بهذا الترتيب إلا توفيقاً بين الأحاديث فيكون قوله: ونفث في جلده ودلاه في قبره جملة منقطعة عما قبلها. يعني أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك بعد ما أعطاه القميص وبعد أن صلى عليه والله أعلم. وقال القرطبي في شرح صحيح مسلم له أن عبد الله بن أبي بن سلول كان سيد الخرزج في آخر جاهليتهم فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم وانصرف إليه الخزرج وغيرهم حسده وناصبه العداوة غير أن الإسلام غلب عليه فنافق وكان رأساً في المنافقين وأعظمهم نفاقاً وأشدهم كفراً وكان المنافقون كثيراً حتى لقد روى عن ابن عباس أنهم كانوا ثلثمائة رجل ومائة وسبعين امرأة وكان ولده عبد الله يعني ولد عبد الله بن أبي من فضلاء الصحابة وأصدقهم إسلاماً وأكثرهم عبادة وأشرحهم صدراً وكان أبر الناس بأبيه ومع ذلك فقد قال يوماً للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إنك لتعلم أني من أبر الناس بأبي وإن أمرتني أن آتيك برأسه فعلت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نعفو عنه وكان من أحرص الناس على إسلام أبيه وعلى أن ينتفع من بركات النبي صلى الله عليه وسلم بشيء ولذلك لما مات أبوه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه فينال من بركته فأعطاه وسأله أن يصلي عليه فصلى عليه كل ذلك إكراماً لابنه عبد الله وإسعافاً له ولطلبته من قول عمر تصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه يحتمل أن يكون قبل نزول ولا تصل على أحد منهم مات أبداً. ويظهر من هذا السياق أن عمر وقع في خاطره أن الله نهاه عن الصلاة عليه فيكون هذا من قبيل الإلهام والتحديث الذي شهد له به النبي صلى الله عليه وسلم. ويحتمل أن يكون فهمه من سياق قوله: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم وهذان التأويلان فيهما بعد. قال القرطبي: والذي يظهر لي، والله أعلم، أن البخاري ذكر هذا الحديث من رواية ابن عباس وساقة سياقة هي أبين من هذه وليس فيها هذا اللفظ فقال عن ابن عباس عن عمر لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعى له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر: وثبت إليه الحديث، إلى قوله فصلى عليه ثم انصرف فلم يلبث إلا يسيراً حتى أنزلت عليه الآيتان من براءة. قال القرطبي: وهذا مساق حسن وتنزيل متقن ليس فيه شيء من الإشكال المتقدم فهو الأولى وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سأزيد على السبعين"تفسير : وعد بالزيادة وهو مخالف لما في حديث ابن عباس عن ابن عمر فإنه فيه لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت وهذا تقييد لذلك الوعد المطلق فإن الأحاديث يفسر بعضها بعضاً ويقيد بعضها بعضاً فلذلك قال لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت فقد علم أنه لا يغفر له. وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني خيرت"تفسير : مشكل مع قوله تعالى ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين الآية وهذا يفهم منه النهي عن الاستغفار لمن مات كافراً وهو متقدم على الآية التي فيها التخيير والجواب عن هذا الإشكال أن المنهى عنه استغفاره لمن تحقق موته على الكفر والشرك. وأما استغفاره لأولئك المنافقين المخير فيهم فهو قد علم صلى الله عليه وسلم أنه لا يقع ولا ينفع وغايته وإن وقع كان تطييباً لقلوب الأحياء من قراباتهم فانفصل الاستغفار المنهى عنه من المخير فيه وارتفع الإشكال بمحمد الله والله أعلم. وقال الشيخ محيي الدين النووي: إنما أعطاه قميصه ليكفنه فيه تطييباً لقلب ابنه عبد الله فإنه كان صحابياً صالحاً وقد سأل ذلك فأجابه إليه وقيل بل أعطاه مكافأة لعبد الله بن أبي المنافق الميت لأنه ألبس العباس حين أسر يوم بدر قميصاً وفي الحديث بيان مكارم أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم فقد علم ما كان من هذا المنافق من الإيذاء له وقابله بالحسنى وألبسه قميصه كفناً وصلى عليه واستغفر له قال الله سبحانه وتعالى وإنك لعلى خلق عظيم وقال البغوي: قال سفيان بن عيينة كانت له يد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحب أن يكافئه بها ويروى حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كلم فيما فعل بعبد الله بن أبي فقال صلى الله عليه وسلم: "وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله والله إني كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه"تفسير : . فيروى أنه أسلم ألف من قومه لما رأوه يتبرك بقميص النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله سبحانه وتعالى: {ولا تقم على قبره} يعني لا تقف عليه ولا تتول دفنه من قولهم قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره وناب عنه فيه {إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون} وهذا تعليل لسبب المنع من الصلاة عليه والقيام على قبره ولما نزلت هذه الآية ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق ولا قام على قبره وبعدها. فإن قلت: الفسق أدنى حالاً من الكفر ولما ذكر في تعليل هذا النهي كونه كافراً دخل تحته الفسق وغيره فما الفائدة في وصفه بكونه فاسقاً بعد ما وصفه بالكفر قلت إن الكافر قد يكون عدلاً في نفسه بأن يؤدي الأمانة ولا يضمر لأحد سوءاً وقد يكون خبيثاً في نفسه كثير الكذب والمكر والخداع وإضمار السوء للغير وهذ أمر مستقبح عند كل أحد ولما كان المنافقون بهذه الصفة الخبيثة وصفهم الله سبحانه وتعالى بكونهم فاسقين بعد أن وصفهم بالكفر. قوله تعالى: {ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} الكلام على هذه الآية في مقامين المقام الأول في وجه التكرار والحكمة فيه أن تجدد النزول له شأن في تقرير ما نزل أولاً وتأكيده وإرادة أن يكون المخاطب به على بال ولا يغفل عنه ولا ينساه وأن يعتقد أن العمل به مهم وإنما أعيد هذا المعنى لقوته فيما يجب أن يحذر منه وهو أن أشد الأشياء جذباً للقلوب والخواطر الاشتغال بالأموال والأولاد وما كان كذلك يجب التحذير منه مرة بعد أخرى وبالجملة فالتكرير يراد به التأييد والمبالغة في التحذير من ذلك الشيء الذي وقع الاهتمام به وقيل أيضاً إنما كرر هذا المعنى لأنه أراد بالآية الأولى قوماً من المنافقين كان لهم أموال وأولاد عند نزولها وبالآية الأخرى أقواماً آخرين منهم المقام الثاني في وجه بيان ما حصل من التفاوت في الألفاظ في هاتين الآيتين وذلك أنه قال سبحانه وتعالى في الآية الأولى فلا تعجبك بالفاء وقال هنا ولا تعجبك بالواو والفرق بينهما أنه عطف الآية الأولى على قوله ولا ينفقون إلا وهم كارهون وصفهم بكونهم كارهين للإنفاق لشدة المحبة للأموال والأولاد فحسن العطف عليه بالفاء في قوله فلا تعجبك وأما هذه الآية فلا تعلق لها بما قبلها فلهذا أتى بحرف الواو وقال سبحانه وتعالى في الآية الأولى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم وأسقط حرف لا هنا قال سبحانه وتعالى وأولادهم والسبب فيه أن حرف لا دخل هناك لزيادة التأكيد فيدل على أنهم كانوا معجبين بكثرة الأموال والأولاد وكان إعجابهم بأولادهم أكثر وفي إسقاط حرف لا هنا دليل على أنه لا تفاوت بين الأمرين قال سبحانه وتعالى في الآية الأولى إنما يريد الله ليعذبهم بحرف اللام وقال سبحانه وتعالى هنا أن يعذبهم بحرف أن والفائدة فيه التنبيه على أن التعليل في أحكام الله محال وأنه أينما ورد حرف اللام فمعناه أن كقوله سبحانه وتعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله ومعناه وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله وقال تبارك وتعالى في الآية الأولى في الحياة الدنيا وقال تعالى هنا في الدنيا والفائدة في إسقاط لفظة الحياة التنبيه على أن الحياة الدنيا بلغت في الخسة إلى حيث أنها لا تستحق أن تذكر ولا تسمى حياة بل يجب الاقتصار عند ذكرها على لفظ الدنيا تنبيهاً على كمال دنائتها فهذه جمل في ذكر الفرق بين هذه الألفاظ والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {فإن رجعك الله إلى طائفة منهم} قال: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين، وفيهم قيل ما قيل. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في الآية يقول: أرأيت إن نفرت فاستأذنوك أن ينفروا معك؟ فقل: لن تخرجوا معي أبداً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فاقعدوا مع الخالفين} قال: هم الرجال الذين تخلفوا عن النفور.
ابو السعود
تفسير : {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ} الفاء لتفريع الأمرِ الآتي على ما بـيِّن من أمرهم والفعلُ من الرجْع المتعدّي دون الرجوع اللازم أي فإن ردّك الله تعالى {إِلَىٰ طَائِفَةٍ مّنْهُمْ} أي إلى المنافقين من المتخلفين في المدينة فإنّ تخلّف بعضهم إنما كان لعذر عائقٍ مع الإسلام أو إلى من بقيَ من المنافقين المتخلفين بأن ذهب بعضُهم بالموت أو بالغَيبة عن البلد أو بأن لم يستأذِن البعضُ. عن قتادة أنهم كانوا اثنيْ عشرَ رجلاً قيل فيهم ما قيل {فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ} معك إلى غزوة أخرى بعد غزوتِك هذه {فَقُلْ} إخراجاً لهم عن ديوان الغُزاةِ وإبعاداً لمحلهم عن محفِل صُحبتِك {لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تُقَـٰتِلُواْ مَعِىَ عَدُوّا} من الأعداء، وهو إخبارٌ في معنى النهي للمبالغة وقد وقع كذلك {إِنَّكُمْ} تعليلٌ لما سلف أي لأنكم {رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ} أي عن الغزوة وفرِحتم بذلك {أَوَّلَ مَرَّةٍ} هي غزوةُ تبوكَ {فَٱقْعُدُواْ} الفاءُ لتفريع الأمرِ بالقعود بطريق العقوبةِ على ما صدر عنهم من الرضا بالقعود أي إذا رضِيتم بالقعود أولَ مرة فاقعُدوا من بعدُ {مَعَ ٱلْخَـٰلِفِينَ} أي المتخلّفين الذين ديدنُهم القعودُ والتخلفُ دائماً وقرىء الخَلِفين على القصر، فكان محوُ أساميهم من دفتر المجاهدين ولزُّهم في قَرن الخالفين عقوبةً لهم أيَّ عقوبةٍ، وتذكيرُ اسم التفضيل المضاف إلى المؤنث هو الأكثرُ الدائرُ على الألسنة فإنك لا تكاد تستمع قائلاً يقول: هي كبرى امرأةٍ أو أُولى مرة. {وَلاَ تُصَلّ عَلَىٰ أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ} صفةٌ لأحد وإنما جيء بصيغة الماضي تنبـيهاً على تحقق الوقوعِ لا محالة {أَبَدًا} متعلقٌ بالنهي أي لا تدْعُ ولا تستغفرْ لهم أبداً {وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} أي لا تقِفْ عليه للدفن أو للزيارة والدعاء. (حديث : روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يقوم على قبور المنافقين ويدعو لهم فلما مرِض رأسُ النفاق عبدُ اللَّه بنُ أُبـيِّ بنِ سَلول بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأتيَه فلما دخل عليه قال عليه السلام: "أهلكك حبُّ اليهود" فقال: يا رسول بعثتُ إليك لتستغفرَ لي لا لتؤنِّبني وسأله أن يكفِّنه في شِعاره الذي يلي جلدَه ويصليَ عليه، فلما مات دعاه ابنُه وكان مؤمناً صالحاً فأجابه عليه السلام تسليةً له ومراعاةً لجانبه وأرسل إليه قميصَه فكُفّن فيه فلما همّ بالصلاة أو صلّى نزلت) تفسير : وعن عمرَ رضي الله عنه أنه قال: لما هلك عبدُ اللَّه بن أبـيّ ووضعناه ليُصلّىٰ عليه قام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أتصلي على عدوّ الله القائلِ يومَ كذا كذا وكذا والقائلِ يوم كذا كذا وكذا وعدّدتُ أيامَه الخبـيثةَ فتبسم عليه السلام وصلّىٰ عليه ثم مشىٰ معه وقام على حُفرته حتى دُفن فوالله ما لبث إلا يسيراً حتى نزل {وَلاَ تُصَلّ} الخ فما صلى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك على منافق ولا قام على قبره، وإنما لم يُنْهَ عن التكفين بقميصه صلى الله عليه وسلم لأن الضنَّةَ بالقميص كانت مظِنّةَ الإخلالِ بالكرم على أنه كان مكافأةً لقميصه الذي كان ألبسه العباسَ رضي الله تعالى عنه حين أُسر ببدر والخبرُ مشهور {إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} تعليلٌ للنهي على معنى أن الاستغفارَ للميت والوقوفَ على قبره إنما يكون لاستصلاحه وذلك مستحيلٌ في حقهم لأنهم استمرّوا على الكفر بالله ورسوله مدةَ حياتِهم {وَمَاتُواْ وَهُمْ فَـٰسِقُونَ} أي متمرِّدون في الكفر خارجون عن حدوده كما بـين من معنى الفسق.
اسماعيل حقي
تفسير : {فان رجعك الله} من الرجع المتعدى دون الرجوع اللازم يقول رجع رجوعا اى انصرف ورجع الشئ عن الشئ اى صرفه ورده كارجعه. والمعنى ردك الله من غزوة تبوك {الى طائفة منهم} الطائفة من الشئ القطعة منه وضمير منهم الى المنافقين المتخلفين فى المدينة دون المتخلفين مطلقا منافقا كان او مخلصا فان تخلف بعضهم انما كان لعذر عائق مع الاسلام او الى من بقى من المنافقين لان منهم من مات ومنهم من غاب عن البلد ومنهم من تاب ومن لم يستأذن وعن قتادة انهم كانوا اثنى عشر رجلا قيل فيهم ما قيل {فاستأذنوك للخروج} معك الى غزوة اخرى بعد غزوتك هذه وهى تبوك {فقل لن تخرجوا معى ابدا} اى لا تأذن لهم بحال وهو اخبار فى معنى النهى للمبالغة وكذا قوله {ولن تقاتلوا معى عدوا} من الاعداء {انكم} تعليل لما سلف اى لانكم {رضيتم بالقعود} اى من الغزو وفرحتم بذلك {اول مرة} هى الخرجة الى غزوة تبوك وتذكير اسم التفضيل المصاف الى المؤنث هو الاكثر الدائر على الالسنة فانك لا تكاد تسمع قائلا يقول هى كبرى امرأة او اولى مرة {فاقعدوا} من بعد {مع الخالفين} اى المتخلفين الذين ديدنهم القعود والتخلف دائما لعدم لياقتهم للجهاد كالنساء والصبيان ففى الخالفين تغليب الذكور على الاناث. فان قيل كانت اعمال المنافقين من الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد مقبولة عند النبى عليه السلام وان لم تكن مقبولة عند الله تعالى فكان النبى عليه السلام يقول نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر فما الحكمة فى ان الله تعالى امر النبى عليه السلام بان لا يقبل من المتخلفين اعمالهم من الخروج معه والقتال مع العدو وغير ذلك. قلنا ان الحكمة فى ذلك والله اعلم ان المنافقين لما كانوا يظهرون الاسلام والائتمار باوامر النبى عليه السلام مع كانوا يضمرون من الكفر والنفاق كانت اعمالهم مقبولة عند النبى عليه السلام وسرائرهم موكولة الى الله تعالى طمعا فى انابتهم ورجوعهم من النفاق الى الوفاق فلما اظهروا ما اضمروا ردت اليهم اعمالهم فكان الحكم بالظاهر ايضا فافهم. قال العلماء اخرجهم الله تعالى من ديوان الغزاة ومحا اساميهم من دفتر المجاهدين وابعد محلهم من محفل صحبة النبى صلى الله عليه وسلم عقوبة لهم على تخلفهم لما فيه من الاهانة واظهار نفاقهم وبيان انهم لبسوا ممن يتقوى به الدين ويعز الاسلام كالمؤمنين الخلص نسأل الله تعلاى صحبة الدين وصحبة اهل الدين الى يوم الدين حديث : -روى- ان زيد بن حارثة كان لخديجة اشترى لها بسوق عكاظ فوهبته لرسول الله فجاء ابوه يريد شراءه منه فقال عليه السلام "ان رضى بذلك فعلت" فسئل زيد فقال ذل الرقبة مع صحبة احب الخلق الى الحق احب الى من الحرية مع مفارقته فقال عليه السلام "اذا اختارنا اخترناه" فأعتقه وزوجه ام ايمن وبعدها زينب بنت جحشتفسير : : قال الحافظ شعر : كدايى درجانان بسلطنت مفروش كسى رسايه اين در بافتاب رود تفسير : والمنافقون لما لم يكن لهم استعداد لهذه الصحبة الشريفة فارقوه عليه السلام فى السفر والحضر لان كل امرئ يصبو الى من يجانس وقدم ناس الى مكة وقالوا قدمنا الى بلدكم فعرفنا خياركم من شراركم فى يومين قيل كيف قالوا لحق خيارنا بخياركم وشرارنا بشراركم فالف كل شكله: قيل شعر : واذا الرجال توسلوا بوسيلة فوسيلتى حبى لآل محمد تفسير : .قال الكاشفى [جهاد كار مردان مردو مبارزان ميدان نبرد است ازهر تردامنى اين كار نيايد ونامرد بى درد مبارزت معركه مجاهدت رانشايد] شعر : يابرو همجون زنان رنكى وبويى بيش كير ياجو مردان اندر آى وكوى درميدان فكن تفسير : قال السعدى قدس سره شعر : ندهد هوشمند روشن رأى بفرومايه كارهاى خطير بوريا باف اكرجه بافندست نبرندش بكار كاه حرير تفسير : ومن بلاغات الزمخشرى لا تصلح الامور الا باولى الالباب والارحاء لا تدور الا على الاقطاب جمع قطب وهو وتد الرحى
الطوسي
تفسير : قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله {فإن رجعك الله} يعني ان ردك الله {إلى طائفة منهم يعني جماعة. فالرجوع هو تصيير الشيء إلى المكان الذي كان فيه، تقول: رجعته رجعاً كقولك رددته ردّاً، وقد يكون التصيير إلى الحال التي كان عليها كرجوع الماء إلى حال البرودة. والطائفة الجماعة التي من شأنها أن تطوف ولهذا لا يقال في جماعة الحجارة طائفة، وقد يسمى الواحد بأنه طائفة بمعنى نفس طائفة والأول اظهر. وقوله {فاستأذنوك للخروج} اي طلبوا منك الاذن في الخروج في غزوة أخرى، والاذن رفع التبعة في الفعل وأصله أن يكون بقول يسمع بالاذن. والخروج الانتقال عن محيط، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وآله قل لهم حينئذ {لن تخرجوا معي أبداً} اي لا يقع منكم الخروج أبداً، فالابد الزمان المستقبل من غير انتهاء إلى حد، ونظير للماضي (قط) إلا انه مبني كما بني أمس لتضمنه حروف التعريف واعرب (الابد) كما اعرب (غد) لأن المستقبل أحق بالتنكير. وقوله {ولن تقاتلوا معي عدّواً} اخبار بأنهم لا يفعلون ذلك ابداً ولا يختارونه. وقوله {إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين} معناه اخبار منه تعالى انهم رضوا بالقعود أول مرة فينبغي ان يقعدوا مع الخالفين. وقيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - قال الحسن وقتادة: هم النساء والصبيان. وقال ابن عباس: هم من تأخر من المنافقين. وقال الجبائي: هم كل من تأخر لمرض او نقص وقيل: معناه مع اهل الفساد مشتقاً من قولهم: خلف خلوفاً اي تغير إلى الفساد. وقيل: الخالف كل من تأخر عن الشاخص.
الجنابذي
تفسير : {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ} من غزو الرّوم {إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ} من المتخلّفين بلا عذرٍ بان ابقاهم الله الى زمان رجوعك {فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ} الى غزو آخر {فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً} اخبار فى معنى النّهى للاشعار بانّ سجيّتهم مقتضية لعدم الخروج {وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} يعنى قبل ذلك والمراد القعود عن غزوة تبوك {فَٱقْعُدُواْ} امر للتّهكّم {مَعَ ٱلْخَالِفِينَ} يعنى النّساء والصّبيان فانّكم صرتم مثلهم يتخلّفكم اوّلاً فليس لكم شأنيّة الجهاد وقابليّة المعيّة مع المجاهدين.
اطفيش
تفسير : {فإنْ رَجَعَك اللهُ} ردك من هذه الغزوة غزوة تبوك {إلى طائِفةٍ منْهُم} من للبيان لا للتبعيض، وتنكير الطائفة للتحقير، إنما وقعت العبارة بالاسم الظاهر ليفيد التحقير بتنكيره، وإلا فالموضع موضع إظهار، وكأنه قال: فإن رجعك الله إلى ناس خبثاء السريرة، وهم هؤلاء المتخلفون الفرحون بالقعود، ولا يفرح به إلا المنافق، فالهاء لهؤلاء المتخلفين المنافقين الفرحين، والأصل فإن رجعك الله إليهم هذا تحقيق المقام عندى، ولم أر من أفصح به أشار إليه. وزعم القاضى مع علو درجته فى العلم أن من للتبعيض، وأن الهاء للمتخلفين مطلقا والمنافقين وغيرهم، وأن الطائفة المتخلفون المنافقون، ويرده أن المتخلفين المذكورين فى الآية كلهم منافقون، ولعله إنما رد الهاء إلى المتخلفين مطلقا بطريق الاستخدام، وذكر جار الله وهو على درجة: أن من للتبعيض، والهاء للمتخلفين المنافقين، والطائفة هى الباقون على النفاق وغيرها هو من تاب منهم عن التخلف، وكأنه يرى أن هذا الكلام استثناء لغير الطائفة من العموم السابق فى ذمهم، قال: أو اعتذار بعذر صحيح، قلت: ما كان ليخفى عن الله والغدر حتى يعمه بالذم، إلا إن كان يرى أن هذا استثناء أيضا، وذكر بعضهم أن المراد بالطائفة رؤساؤهم المتبوعون وعليهم وقع التشديد بأن لا يخرجوا، ولا يقاتلوا، ولا يصلى عليهم، وقد عينهم الله له، وذكروا أن المتخلفين اثنا عشر رجلا. {فاسْتأذنُوكَ للخرُوجِ} إلى غزوة أخرى {فقُلْ لَن تخْرجُوا مَعىَ} وأسكن الياء أبو بكر وحمزة والكسائى {أبداً ولن تُقاتِلوا مَعىَ} وفتح الياء حفص {عَدوًّا} وذلك إخبار فى معنى النهى للمبالغة، كأنهم نهوا فانتهوا، فهو يخبر عن انتهائهم عن الخروج والقتال بعد كذا ظهر لى فى توجيه المبالغة، وأجرى الله ذلك الكلام على ما يليق بمخلوقاته من الشك وعدم علم الغيب، ولذلك أتى بأن ولفظة مع المضافة إلى ضمير النبى، مع أن الله سبحانه وتعالى قد علم أنه يرجع، وأن رسوله صلى الله عليه وسلم لا يخرج ولا يقاتل بنفسه بعد هذه الغزوة، وإنما يأمر الجنود فتخرج وتقاتل مع ما فى ذلك من المناسبة لتهديد هؤلاء، ويجوز أن يكون معنى معية أنه إذا أمر بالخروج والقتال، فكأنه خرج بنفسه وقاتل. {إنكُم} تعليل {رَضيتُم بالقُعودِ أوَّل مَرةٍ} كان عقابهم الإسقاط عن ديوان الغزاة، وإنما لم يقل أولى مرة بالتأنيث، لأن اسم التفضيل يلزم التذكير والإفراد إذا أضيف لنكرة، أو جرد من الإضافة {فاقْعدُوا مَع الخَالفِينَ} القاعدين خلف القراء فى المدينة من المرضى والشيوخ، الذين لا يستطيعون والصبيان والنساء وذوى العذر، وغلب الذكور فجمع جمع المذكر السالم، وهذا أولى من قول ابن عباس: إن المراد الرجال، وزعم قتادة أن المراد النساء، ويرده أن المؤنث لا يجمع جمع المذكر السالم. ويجوز على الصحيح أن يكون جمع خالف بمعنى فاسد من قولك خلف الشىء بمعنى فسد ذكره الطبرى، ومثله للكلبى وهو ضعيف غير فصيح، وقرأ عكرمة ومالك بن دينار رحمه الله مع الخلفين بإسقاط الألف. "حديث : كان عبد الله بن أبى بن سلول سيد الخزرج فى آخر جاهليتهم، ولما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف إليه الخزرج وغيرهم، حسده وناصبه العداوة، غير أن الإسلام تغلب، وكان رأس المنافقين، وكانوا ثلاثمائة رجل، ومائة وسبعين امرأة، وكان ولده عبد الله من أفاضل الصحابة إسلاما وعبادة، وانشراح صدر، وكان أبر الناس بأبيه، ومع هذا قال: يا رسول الله إنك لتعلم أنى من أبر الناس بأبى، وإن أمرتنى أن آتيك برأسه فعلت، فقال صلى الله عليه وسلم: "بل نعفوا عنه"" تفسير : وكان شديد الحرص أن يسلم أبوه وينتفع ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم. "حديث : ولما مرض بعث إليه ابنه عبد الله ليأتيه، فطلب منه عمر أن لا يأتيه، فأتاه فدخل عليه فقال: "أهلكك حب اليهود" فقال: يا رسول الله لم أبعث إليك لتوبيخى، بل لتستغفر لى، وسأله أن يكفنه فى قميصه الذى يلى جسده، وأن يستغفر له ففعل ذلك، ولما مات دعاه وأنعم [عليه] بقميصه، وقيل: ناوله إياها حينئذ ابنه عبد الله إلى جنازته، وكان اسمه حباب، فسأله عن اسمه فأخبره فقال له: "أنت عبد الله بن عبد الله، الحباب اسم شيطان" فأتاه ووجده مكفنا فى القميص، مدخلا حفرته، فأمر بإخراجه فأخرج، فحل كفنه ووضعه على ركبتيه، ونفث عليه من ريقه وألبسه كفنه وهو القميص المذكور بيديه ". تفسير : وكان إعطاء القميص وتلك الفعلات تطييباً لنفس أبيه، إذ كان مخلصا، "حديث : وقد روى أنه هو الذى سأله لما مات أن يكفنه فى قميصه الذى يلى جسده، وأن يقوم على قبره، ولا يشمت به الأعداء فى أبيه ولكن العباس لما أسر ببدر لم يجدوا له قميصا، وكان رجلا طويلا لا يليق به إلا قميص ابن أبىّ فكساه ابن أبىّ قميصه، ولكن المشركين قالوا يوم الحديبية: لا نأذن لمحمد ونأذن لك، فقال: لا إن لى فى رسول الله أسوة حسنة، فشكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان صلى الله عليه وسلم لا يرد سائلا، ويتوفر من المروءة، ويعمل بعادة الكرام، ولما كفنه وأراد الصلاة عليه، وثب عمر رضى الله عنه، وجبذه بثوبه وقال: أتصلى على عدو الله، وقد قال يوم كذا كذا وكذا يعدد عليه قوله، وقد نهاك الله أن تصلى على المنافقين، يعنى أن تستغفر لهم كما صرح به فى رواية، أو يعنى صلاة الميت إلهاما من الله، فإنه مروع ومحدَّث أو فهما من النهى عن الاستغفار، وأراد بالنهى آية هذه السورة، وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما أكثر عليه قال: "أما أنى خيرت فاخترت، لو أنى أعلم أنى لو زدت على السبعين يغفر له لزدت" فصلى عليه وأدلاه فى حفرته، فلم يلبث إلا يسيرا بعد الانصراف حتى نزل: {ولا تُصلِّ عَلى أحدٍ منْهُم ماتَ أبداً} إلى: {فاسقون} وفى رواية إلى: {كافرون} قال عمر: فعجبت بعد من جرأتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ من الله ورسوله أعلم، فما صلى على منافق بعده، ولا قام على قبره، وكان قبل ذلك يقوم على قبور المنافقين، ويدعو لهم فيما روى ". تفسير : وقال أنس: لما تقدم ليصلى عليه، جاءه جبريل فجبذه بثوبه، وتلى عليه الآية، فانصرف ولم يصل، والمشهور الأول، وأنها نزلت بعد الصلاة، ولم ينه عن القميص لأنه مكافأة والضنة به بخل، بخلاف الصلاة فإنها استغفار، ولا حظ فيه لكافر، كما يدل عليه ترتيب النهى على قوله: {مات} أى مات على الكفر، كما نص عليه بقوله: {أبدا} على أنه متعلق بمات، أى مات موتا أبديا، فان إحياء الكافر بعد موته للتعذيب دون التمتع، فلا حياة له نافعة، فكأنه لا حياة له، والمشهور تعليقه بتصل، أو بلا، وأيضا تكفنه فى قميصه مع كفره لا ينفعه، فهو كغيره من الأكفان. "حديث : كما روى عنه أنه قيل له فى ذلك فقال: "إن قميصى لا يغنى عنه شيئا ولن أؤمل من الله أن يدخل بفعلى هذا فى الإسلام كثيرا"" تفسير : فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه طلب التبرك بثوبه، والنجاة به، وطلبوا ترحمه واستغفاره، فكان ذلك لطفا وجلبا لغيره، ولكن الرواية الصحيحة أنه قال: "حديث : آمل أن يدخل رجال من قومه فى الإسلام" تفسير : فإنه قد ضعف النفاق، ولا يبلغ أهله حينئذ ألفا، وإنما صلى عليه جريا على ظاهر أمره لما فى ذلك من المصلحة، ولو علم أنه مشرك ما صلى عليه، أو كان عالما بإشراكه، ولكنه قبل عنه إنكار الشرك حين اعتذر وأنكر ما يقال عنه، كيف وقد نزل عليه: {أية : ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} تفسير : على ما يأتى فيهم إن شاء الله، وجملة مات نعت ثان، والأول منهم أو حال من أحد أو من ضمير المستتر فى النعت. {ولا تَقُم عَلى قَبْره} للدفن أو الزيارة {إنَّهم كَفرُوا باللهِ ورسُولِه ومَاتُوا وهُم فاسِقُونَ} تعليل جملى للنهى عن الصلاة، والوقوف على القبر، أو تعليل لتأبيد الموت على تعليق أبدا بمات، وإنما قال: مات وماتوا بلفظ الماضى، مع أنهم حينئذ لما يموتوا لأنهم لا بد يموتون، فكأنهم ماتوا، أو لأن ذلك على تقدير حصول الموت، ويدل على سوغ أن النفاق فى القرآن قد يقع على من أسر الشرك قوله: {إنهم كفروا بالله ورسوله} فإن من فعل كبائر غير الشرك، لا يقال فيه إنه كفر بالله ورسوله، ولعل أصحابنا يقولون: المراد كفروا بنعم الله ورسوله، ونعم الرسول ما جرى على يده من الخير وأمر الإسلام، أو يقولون: نزل أفعالهم وأقوالهم الخبيثة منزلة الكفر بالله ورسوله، ويقصرون منع الصلاة على هؤلاء الذين خصهم الله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ويأخذون الصلاة على سائر المنافقين الذين لم يسروا الشرك من قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ظلوا على كل بار وفاجر من أهل القبلة" تفسير : هذا ما ظهر لى فى تطبيق كلام الأصحاب على الآية، ولم أر من تكلم بذلك، ولى فى ذلك كلام فى جامع الوضع والحاشية.
الالوسي
تفسير : {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ} أي من سفرك، والفاء لتفريع الأمر الآتي على ما بين من أمرهم و (رَجْع) هنا متعد بمعنى رد ومصدره الرجع وقد يكون لازماً ومصدره الرجوع، وأوثر استعمال المتعدي وإن كان استعمال اللازم كثيراً إشارة إلى أن ذلك السفر لما فيه من الخطر يحتاج الرجوع منه لتأييد إلهي ولذا أوثرت كلمة (إِن) على إذا أي فإن ردك الله سبحانه {إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ} أي إلى المنافقين من المتخلفين بناء على أن منهم من لم يكن منافقاً أو إلى من بقي من المنافقين المتخلفين بأن ذهب بعضهم بالموت أو بالغيبة عن البلد أو بأن لم / يستأذنك البعض، وقيل: المراد بتلك الطائفة من بقي من المنافقين على نفاقه ولم يتب وليس بذاك. أخرج ابن المنذر وغيره عن قتادة أنه قال في الآية: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين وفيهم قيل ما قيل. {فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ} معك إلى غزوة أخرى بعد غزوتك هذه التي ردك الله منها بتأييده {فَقُلْ} لهم إهانة لهم على أتم وجه {لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا} ما دمت ودمتم {وَلَن تُقَـٰتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً} من الأعداء، وهو إخبار في معنى النهي للمبالغة. وذكر القتال كما قال بعض المحققين لأنه المقصود من الخروج فلو اقتصر على أحدهما لكفى إسقاطاً لهم عن مقام الصحبة ومقام الجهاد أو عن ديوان الغزاة وديوان المجاهدين وإظهاراً لكراهة صحبتهم وعدم الحاجة إلى عدهم من الجند أو ذكر الثاني للتأكيد لأنه أصرح في المراد والأول لمطابقته للسؤال، ونظير ذلك:شعر : أقول له ارحل لا تقيمن عندنا تفسير : فإن الثاني أدل على الكراهة. {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ} عن الخروج معي وفرحتم به {أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي من الخروج فنصب أفعل المضاف على المصدرية، وقيل: على الظرفية الزمانية واستبعده أبو حيان، والظاهر أن هذا الاختلاف للاختلاف في {مَرَّةٍ} ونقل عن أبـي البقاء أنها في الأصل مصدر مر يمر ثم استعملت ظرفاً، واختار القاضي البيضاوي بيض الله غرة أحواله النصب على المصدرية وأشار إلى تأنيث الموصوف حيث قال: وأول مرة هي الخرجة إلى غزوة تبوك وذكر أفعل لأن التذكير هو الأكثر في مثل ذلك. وفي «الكشاف» ((أن {مَرَّةٍ} نكرة وضعت موضع المرات للتفضيل، وذكر اسم التفضيل المضاف إليها وهو دال على واحدة من المرات لأن أكثر اللغتين ـ هند أكبر النساء وهي أكبرهن ـ، وهي كبرى مرأة لا تكاد تعثر عليه ولكن هي أكبر امرأة وأول مرة وآخر مرة))، وعلل في «الكشف» عدم العثور على نحو هي كبرى امرأة بأن أفعل فيه مضاف إلى غير المفضل عليه بل إلى العدد المتلبس هو به بياناً له فكأنه قيل: هي امرأة أكبر من كل واحدة واحدة من النساء، وفي مثله لا يختلف أفعل التفضيل، فالتحقيق أنه لا يشبه ما فيه اللام وإنما المطابقة بين موصوفه وما أضيف إليه ولا مدخل لطباقه في اللفظ والمعنى فتدبر، والجملة في موضع التعليل لما سلف فهي مستأنفة استئنافاً بيانياً أي لأنكم رضيتم. {فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَـٰلِفِينَ} أي المتخلفين لعدم لياقتهم كالنساء والصبيان والرجال العاجزين، وجمع المذكر للتغليب، واقتصر ابن عباس على الأخير، وتفسير الخالف بالمتخلف هو المأثور عن أكثر المفسرين السلف، وقيل: إنه من خلف بمعنى فسد. ومنه خلوف فم الصائم لتغير رائحته، والظرف متعلق بما عنده أو بمحذوف وقع حالاً من ضمير الجمع، والفاء لتفريع الأمر بالقعود بطريق العقوبة على ما صدر منهم من الرضا بالقعود أي إذا رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا من بعد. وقرأ عكرمة {الخلفين} بوزن حذرين ولعله صفة مشبهة مثله، وقيل: هو مقصور من الخالفين إذ لم يثبت استعماله كذلك على أنه صفة مشبهة.
ابن عاشور
تفسير : الفاء للتفريع على ما آذن به قوله: {أية : قل نار جهنم أشد حراً}تفسير : [التوبة: 81] إذ فرّع على الغضب عليهم وتهديدهم عقاب آخر لهم، بإبعادهم عن مشاركة المسلمين في غزواتهم. وفعل رجع يكون قاصراً ومتعدّياً مرادفاً لأرجع. وهو هنا متعدّ، أي أرجعك الله. وجعل الإرجاع إلى طائفة من المنافقين المخلّفين على وجه الإيجاز لأنّ المقصود الإرجاع إلى الحديث معهم في مثل القصة المتحدّث عنها بقرينة قوله: {فاستئذنوك للخروج} ولمّا كان المقصود بيان معاملته مع طائفة، اختُصر الكلام، فقيل: {فإن رجعك الله إلى طائفة منهم}، وليس المراد الإرجاع الحقيقي كما جرت عليه عبارات أكثر المفسّرين وجعلوه الإرجاع من سفَر تبوك مع أنّ السورة كلّها نزلت بعد غزوة تبوك بل المراد المجازي، أي تكرّر الخوض معهم مرّة أخرى. والطائفة: الجماعة وتقدّمت في قوله تعالى: {أية : يغشى طائفة منكم} تفسير : في سورة آل عمران (154). أو قوله: {أية : فلتقم طائفة منهم معك} تفسير : في سورة النساء (102). والمراد بالطّائفة هنا جماعة من المخلّفين دل عليها قوله: {فاستئذنوك للخروج} أي إلى طائفة منهم يبتغون الخروج للغزو، فيجوز أن تكون هذه الطائفة من المنافقين أرادوا الخروج للغزو طمعاً في الغنيمة أو نحو ذلك. ويجوز أن يكون طائفة من المخلّفين تابوا وأسلموا فاستأذنوا للخروج للغزو. وعلى الوجهين يحتملُ أنّ منعهم من الخروج للخوف من غدرهم إن كانوا منافقين أو لمجرّد التأديب لهم إن كانوا قد تابوا وآمنوا. وما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم صالح للوجهين. والجمع بين النفي بــــ {لن} وبين كلمة {أبداً} تأكيد لمعنى لن لانتفاء خروجهم في المستقبل إلى الغزو مع المسلمين. وجملة: {إنكم رضيتم بالقعود أول مرة} مستأنفة للتعداد عليهم والتوبيخ، أي إنّكم تحبّون القعود وترضون به فقد زدتُكم منه. وفعل: {رضيتم} يدلّ على أنّ ما ارتكبوه من القعود عمل من شأنه أن يأباه الناس حتّى أطلق على ارتكابه فعل رَضِي المشعرُ بالمحاولة والمراوضة. جُعلوا كالذي يحاول نفسه على عمل وتأبى حتّى يرضيها كقوله تعالى: {أية : أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة}تفسير : [التوبة: 38] وقد تقدّم ذلك. وانتصب {أول مرّة} هنا على الظرفية لأنّ المرّة هنا لمّا كانت في زمن معروف لهم وهو زمن الخروج إلى تبوك ضمنت معنى الزمان. وانتصاب المصدر بالنيابة عن اسم الزمان شائع في كلامهم، بخلاف انتصابها في قوله: {أية : وهم بدأوكم أول مرة}تفسير : [التوبة: 13] وفي قوله: {أية : إن تستغفر لهم سبعين مرة}تفسير : [التوبة: 80] كما تقدّم. و{أول مرة} هي غزوة تبوك التي تخلّفوا عنها. وأفعل التفضيل إذا أضيف إلى نكرة اقتصر على الإفراد والتذكير ولو كان المضاف إليه غير مفرد ولا مذكر لأنّ في المضاف إليه دلالة على المقصود كافية. والفاء في {فاقعدوا} تفريع على {إنكم رضيتم بالقعود}، أي لمَّا اخترتم القعود لأنفسكم فاقعدوا الآن لأنّكم تحبّون التخلّف. و{الخالفين} جمع خالف وهو الذي يخلُف الغازي في أهله وكانوا يتركون لذلك. من لا غناء له في الحرب. فكونهم مع الخالفين تعيير لهم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً} إلى قوله {ٱلْخَالِفِينَ}. عاقب الله في هذه الآية الكريمة: المتخلفين عن غزوة تبوك بأنهم لا يؤذن لهم في الخروج مع نبيه، ولا القتال معه صلى الله عليه وسلم لأن شؤم المخالفة يؤدي إلى فوات الخير الكثير. وقد جاء مثل هذا في آيات أخر كقوله: {أية : سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} تفسير : [الفتح: 15] إلى قوله: {أية : كَذَلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ} تفسير : [الفتح: 15] وقوله: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [الأنعام: 110] الآية إلى غير ذلك من الآيات. والخالف هو الذي يتخلف عن الرجال في الغزو فيبقى مع النساء والصبيان، ومنه قول الشنفرى: شعر : ولا خالف داريه متربب يروح ويغدو داهنا يتكحل
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 83- فإن أعادك اللَّه من الغزو إلى طائفة من هؤلاء المنافقين الذين تخلفوا عن الغزو، فاستأذنوك فى أن يخرجوا معك للجهاد فى غزوة أخرى، فلا تأذن لهم، وقل لهم: لن تخرجوا معى فى أية غزوة، ولن تشتركوا معى فى قتال أى عدو، لأن قعودكم عن الخروج فى أول مرة لم يسبق بعذر يبرره، ولم يلحق بتوبة تغفره، فاقعدوا كما ارتضيتم أن تقعدوا مع المتخلفين من العجزة والكهول والنساء والأطفال. 84- وإذا مات أحد منهم، فلا تصل عليه، ولا تقف على قبرة عند دفنه، لأنهم عاشوا حياتهم كافرين باللَّه ورسوله، وماتوا وهم خارجون عن دين اللَّه. 85- ولا يُثير عجبك - أيها الرسول - ما أعطيناهم من الأموال والأولاد مع سخطنا عليهم، فلم يكن ذلك عن إيثارهم بالخير، بل لتنفيذ ما أراد اللَّه من شقائهم فى الدنيا بالانهماك فى جمع المال، وما يلحقهم فى ذلك من الهموم والمصائب، ولتنفيذ ما أراد اللَّه من مفارقتهم للدنيا كافرين، وقد خسروا الأولى والآخرة. 86- وهؤلاء المنافقون إذا سمعوا شيئا مما أنزل عليك فى القرآن يدعوهم إلى إخلاص الإيمان باللَّه، وإلى الجهاد مع رسول اللَّه، طلب الأغنياء والأقوياء منهم أن تأذن لهم فى التخلف عن الجهاد معك، وقالوا لك: اتركنا مع المعذورين القاعدين فى المدينة. 87- إنهم قد رضوا لأنفسهم أن يكونوا فى عداد المتخلفين من النساء والعجزة والأطفال الذين لا ينهضون لقتال، وختم اللَّه على قلوبهم بالخوف والنفاق، فهم لا يفهمون فهما حقيقيا ما فى الجهاد ومتابعة الرسول فيه من عز فى الدنيا ورضوان فى الآخرة.
د. أسعد حومد
تفسير : {طَآئِفَةٍ} {ٱسْتَأْذَنُوكَ} {تُقَاتِلُواْ} {ٱلْخَالِفِينَ} (83) - فَإِذَا رَدَّكَ اللهُ تَعَالَى مِنْ غَزْوَتِكَ هَذِهِ إِلَى طَائِفَةٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الْمُتَخَلِّفِينَ (وَكَانُوا، فِيمَا قِيلَ، اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً) فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ مَعَكَ إِلَى غَزْوَةٍ أُخْرَى، فَقُلْ لَهُمْ: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَداً، وَذَلِكَ عُقُوبَةٌ لَهُمْ وَتَعْزِيزٌ، وَلَنْ يَكُونَ لَكُمْ شَرَفُ صُحْبَتِي إِلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي أَبَداً، لأَِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِخِزْيِ الْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ دُعِيتُمْ فِيهَا إِلَى الْجِهَادِ، وَأَنْتُمْ لاَ عُذْرَ لَكُمْ يُبَرِّرُ هَذَا التَّخَلُّفَ، فَاقْعُدُوا مَعَ الذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الجِهَادِ، مِنَ الْعَجَزَةِ وَالْمَرْضَى وَالنِّسَاءِ وَالأَطْفَالِ. الخَالِفِينَ - المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الجِهَادِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والله سبحانه وتعالى يوضح لرسوله صلى الله عليه وسلم: عندما تنتهي الغزوة وتعود إلى المدينة، فهناك حكم لا بد أن تطبقه مع هؤلاء المنافقين، الذين تخلفوا وفرحوا بعدم الجهاد. وقوله: {فَإِن رَّجَعَكَ} كلمة "رجع" من الأفعال، وكل فعل يجب أن يكون له فاعل ومفعول، فلا يمكن أن تقول: "ضرب محمد" ثم تسكت؛ لأنه عليك أن تبين من المضروب. ولا يمكن أن تقول "قطف محمد"، بل لا بد أن تقول ماذا قطف؟ وهكذا نحتاج إلى مفعول يقع عليه الفعل. ولكن هناك أفعالاً لا تحتاج إلى مفعول. كأن تقول: "جلس فلان" والفعل الذي يحتاج إلى مفعول اسمه "فعل مُتعَدٍّ" أما الفعل الذي لا يحتاج إلى مفعول فاسمه "فعل لازم". إذن: فهناك فعل متعد وفعل لازم. وهنا في هذه الآية الكريمة يقول الحق سبحانه: {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ} والحق سبحانه هو الفاعل، والكاف في {رَّجَعَكَ} هي المفعول به. ولكن لأنها ضمير ملتصق بالفعل يتقدم المفعول على الفاعل. إذن: {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ} رجع فعل متعد، والفاعل لفظ الجلالة. والمفعول هو الضمير العائد على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: أن الله رجعك يا محمد. ولكن هناك آية في القرآن الكريم تقول: {أية : وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً ...} تفسير : [الأعراف: 150]. في الآية التي نحن بصددها {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ} الفاعل هو الله، أما في قوله الحق: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ} نجد أن موسى هو الفاعل ولا يوجد مفعول به، إذن فـ "رجع" يمكن أن يكون فعلاً لازماً، كأن تقول: "رجع محمد من الغزوة". ويمكن أن يكون فعلاً متعدياً كقوله سبحانه: {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ} أي: يا محمد من الغزوة. إذن: فرجع تستعمل لازمة وتستعمل متعدية. ولكن في قصة سيدنا موسى عليه السلام؛ عندما ألقته أمه في البحر والتقطه آل فرعون؛ ومشت أخته تتبعه؛ ثم حرَّم الله عليه المراضع ليعيده إلى أمه كي يزيل حزنها، يقول الحق سبحانه: {أية : إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ ...} تفسير : [طه: 40]. ما هو الفرق بين الآيات الثلاث؟ ولماذا استعمل فعل "رجع" لازماً ومتعدياً؟ نقول: إنه في قول الحق سبحانه وتعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ} هنا هيئ لموسى من ذاته أن يرجع، أي: أنه قرار اختياري من موسى، أما قوله تعالى: {فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ}، فموسى في هذه المرحلة؛ كان طفلاً رضيعاً لا يستطيع أن يرجع بذاته، ولا بد أن يهيئ له الحق طريقة لإرجاعه، أي: من يحمله ويرجعه. أما قوله تعالى: {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ} فقد كان من الممكن أن يقال: "وإذا رجع إلى طائفة منهم" مثلما قال في موسى عليه السلام: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ} ولكن الحق استخدم {رَّجَعَكَ} ليدل على أن زمام محمد عليه الصلاة والسلام في الفعل والترك ليس بيده. وكأنه سبحانه وتعالى يوضح: إياكم أن تنسبوا الأحداث إلى بشرية محمد صلى الله عليه وسلم، فإن محمداً إذا ذهب إلى مكان فالله هو الذي أذهب إليه. وإن عاد من مكان فهو لا يعود إلا إذا أرجعه الله منه. كما كانت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بإذن من الله، فقبل أن يأذن الله له بالهجرة، لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ببشريته يستطيع أن يهاجر. إذن: فالحق سبحانه وتعالى يريد أن نعرف دائماً: أن ذهاب محمد صلى الله عليه وسلم ورجوعه من أي مكان، ليس ببشرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل بإرادة الحق سبحانه. ولكن لماذا قال الحق سبحانه وتعالى: {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ} وكان من الممكن أن يقول "فإن رجعك الله إليهم" أو: "فإن رجعك الله إلى المدينة"؟ نقول: إن الحق سبحانه وتعالى يريد الحديث هنا عن الطائفة التي حدثت منها المخالفة، فهناك من بقوا في المدينة رغماً عنهم ولم يكن لديهم ما ينفقونه أو لم يكن لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحملهم عليه. كذلك المرضى وكبار السن الذين لا يستطيعون قتالاً. وهؤلاء حَسُنَ إسلامهم وقَبِل الله ورسوله أعذارهم. ولكن الحق سبحانه يتحدث هنا عن الطائفة التي تخلفت عن الجهاد وهي قادرة، والتي امتنعت عن الخروج، وهي تملك المال والسلاح وكل مقومات الجهاد، هذه الطائفة هي التي فرحت بالتخلف عن القتال. أما الطوائف الأخرى؛ فكانت عيونها تفيض بالدمع من الحزن على عدم اشتراكهم في الجهاد. إذن: فالحق يقصد هنا طائفة المنافقين الذين استمروا على نفاقهم، فمن تاب منهم قبل نزول هذه الآية قبلت توبته، ومن مات منهم قبل نزول هذه الآية فإنما حسابه على الله. وبقيت طائفة المنافقين الذين فرحوا وضحكوا عندما بقوا في المدينة، وكان عقاب الله لهم بأن مسح أسماءهم من ديوان المجاهدين في سبيل الله، ومنعهم الثواب الكبير للجهاد. ويقول سبحانه: {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ} فكيف استأذنوا أول الأمر للقعود وتحايلوا عليه، وكيف يستأذنون الآن للخروج؟ نقول: إنهم عندما رأوا المؤمنين وقد عادوا بالغنائم، كان ذلك حسرة في قلوبهم؛ لأنهم أهل دنيا. وحينئذ طلبوا الخروج حتى يحصلوا على الغنائم والمغانم الدنيوية. ولكن الحق سبحانه وتعالى طلب من رسوله عليه الصلاة والسلام ألا يأذن لهم بالجهاد مع المسلمين، فقال: {فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً} أي: أن أسماءكم قد شطبت من ديوان المجاهدين والغزاة، ولما قرر الحق سبحانه وتعالى ألا يعطيهم شرف الجهاد وثواب الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يقول الحق سبحانه: {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}. ولكن الحق يقول أيضاً هنا: {فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ} وهذا أمر لا يحدث إلا في الغزوات، فما هو موقفهم إذا حدث اعتداء على المدينة؟ ويبين الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم ألا يقبل منهم قتالاً حتى في هذه الحالة، فطلب من رسوله عليه الصلاة والسلام أن يعلمهم بذلك، ويقول لهم: {وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً} إذن: فقد حسمت المسألة، فلا هم مسموح لهم بالخروج في الغزوات، ولا بقتال الأعداء إذا هاجموا المدينة؛ لأنهم أُسقِطوا تماماً من ديوان المجاهدين، ولا جهاد لهم داخل المدينة أو خارجها؛ ما داموا قد فرحوا بالقعود، ورفضوا أن يشتركوا في الجهاد وهم قادرون؛ لذلك حكم الحق أن يبقوا مع الخالفين. وما معنى خالفين؟ المادة هي "خاء" و "لام" و "فاء"، فيها "خلف" و "خلاف" و "خلوف" وغير ذلك. و "خالفين" إما أن يكونوا قد تخلفوا عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما أن يكونوا خالفوا الرسول بأنهم رفضوا الخروج، وإما أن يكونوا خلوفاً. ويقول صلى الله عليه وسلم في حديث عن الصيام: "حديث : لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك " تفسير : والخلوف هو تغير الرائحة، وتغير الرائحة يدل على فساد الشيء، فكأنهم أصبحوا فاسدين. ومخالفين تعني فاسدين لأنهم قد خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعني أنهم تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقتصر جزاء هؤلاء المتخلفين فقط أن تشطب أسماؤهم من سجلات المجاهدين، بل هناك جزاء آخر يبينه قول الحق سبحانه وتعالى: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مَعَ ٱلْخَالِفِينَ} معناهُ معَ الذِينَ خَلفوا بعدَ الشَاخصينَ. والخَوالفُ: النِّساءُ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ} [التوبة: 83] أي: من المخلفين، وإنما قال إلى طائفة لأن طائفة من المخلفين ثبتوا على نفاقهم، وطائفة منهم تابوا ورجعوا عن كفرهم ونفاقهم؛ فالمعنى: إن رجعك الله إلى طائفة منهم من الذين ثبتوا على النفاق ولم يتوبوا. {فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً} [التوبة: 83] يشير إلى أن استئذانهم للخروج أو قتالهم العدو من النفاق فلا تقبل منهم، فإن الله لا يقبل منهم، فإن قيل: كانت أعمال المنافقين من الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد مقبولة عند النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم تكن مقبولة عند الله تعالى فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : نحن نحكم بالظاهر واللهُ يتولى السرائر"تفسير : فما كانت الحكمة في أن الله تعالى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يقبل من المخلفين أعمالهم من الخروج معه والقتال مع العدو، وغير ذلك قلنا: الحكمة في ذلك الله أعلم: أن المنافقين لمَّا كانوا يظهرون الإسلام والائتمار بأوامر النبي صلى الله عليه وسلم مع ما يضمرون من الكفر والنفاق فكانت أعمالهم مقبولة عند النبي صلى الله عليه وسلم، وسرائرهم مركونة إلى الله تعالى؛ طمعاً في إنابتهم ورجوعهم من النفاق إلى الوفاق، فلمَّا أظهروا ما كانوا يضمرون من النفاق، وخالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم وتخلفوا عنه وقعدوا عن الجهاد ورضوا به وأصروا على كفرهم ونفاقهم، وما ندموا على ما فعلوا فأشير إليهم {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَالِفِينَ} [التوبة: 83] وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يقبل منهم أعمالهم المشوبة بالنفاق، وقيل له: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} [التوبة: 84] ماتوا يؤمنون بك ولا بصلواتك إنها حق ودعائك أنه صدق. {إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 84] لأنهم خارجون عن الاستعداد الفطري؛ لقبول الإيمان، {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ} [التوبة: 85]؛ يعني: إن الأموال والأولاد وإن كانت نعمة مني في حق المؤمنين فإنها نعمة مني في حق الكافرين والمنافقين، {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا} [التوبة: 85] بأن يجعلها مباعداً لقلوبهم عن الله وطلبه، ويجعلها بينهم وبينه أشد عذاب من الحجاب كما قال بعضهم: اللهم مهما عذبتني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب؛ وذلك لأنه من عذب بالحجاب فقد حرم عن الإيمان كما قال تعالى: {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ} [التوبة: 85] مستور والقلب بحجاب حب المال والأولاد. ثم أخبر عن أمارات أهل النفاق وعلامات أهل الوفاق بقوله تعالى: {وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ} [التوبة: 86] إلى قوله: {أية : ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}تفسير : [التوبة: 89] يشير إلى أن من أمارات النفاق الفتور والقصور لأرباب القلب القعود عن الجهاد والركون إلى الدنيا وشهواتها وميلان الطبع إلى السفليات والرضاء بالمنازلة إلى المراتب الدنية الخسيسة كما أخبر عنهم. وقال تعالى: {وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَاعِدِينَ} [التوبة: 86] عن الطلب والجهاد.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):