٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
84
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى أمر رسوله بأن يسعى في تخذيلهم وإهانتهم وإذلالهم، فالذي سبق ذكره في الآية الأولى وهو منعهم من الخروج معه إلى الغزوات سبب قوي من أسباب إذلالهم وإهانتهم، وهذا الذي ذكره في هذه الآية، وهو منع الرسول من أن يصلي على من مات منهم، سبب آخر قوي في إذلالهم وتخذيلهم. عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما اشتكى عبد الله بن أبي بن سلول عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلب منه أن يصلي عليه إذا مات ويقوم على قبره، ثم إنه أرسل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يطلب منه قميصه ليكفن فيه، فأرسل إليه القميص الفوقاني فرده وطلب الذي يلي جلده ليكفن فيه، فقال عمر رضي الله عنه: لم تعطي قميصك الرجس النجس؟ فقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئاً فلعل الله أن يدخل به ألفاً في الإسلام » تفسير : وكان المنافقون لا يفارقون عبد الله، فلما رأوه يطلب هذا القميص ويرجو أن ينفعه، أسلم منهم يومئذ ألف. فلما مات جاء ابنه يعرفه فقال عليه الصلاة والسلام لابنه: « حديث : صل عليه وادفنه » تفسير : فقال: إن لم تصل عليه يا رسول الله لم يصل عليه مسلم، فقام عليه الصلاة والسلام ليصلي عليه، فقام عمر فحال بين رسول الله وبين القبلة لئلا يصلي عليه، فنزلت هذه الآية. وأخذ جبريل عليه السلام بثوبه وقال: {وَلاَ تُصَلّ عَلَىٰ أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَداً } واعلم أن هذا يدل على منقبة عظيمة من مناقب عمر رضي الله عنه، وذلك لأن الوحي نزل على وفق قوله في آيات كثيرة منها آية أخذ الفداء عن أسارى بدر وقد سبق شرحه. وثانيها: آية تحريم الخمر. وثالثها: آية تحويل القبلة. ورابعها: آية أمر النسوان بالحجاب. وخامسها: هذه الآية. فصار نزول الوحي على مطابقة قول عمر رضي الله عنه منصباً عالياً ودرجة رفيعة له في الدين. فلهذا قال عليه الصلاة والسلام في حقه: « حديث : لو لم أبعث لبعثت يا عمر نبياً » تفسير : . فإن قيل: كيف يجوز أن يقال إن الرسول رغب في أن يصلي عليه بعد أن علم كونه كافراً وقد مات على كفره، وأن صلاة الرسول عليه تجري مجرى الإجلال والتعظيم له، وأيضاً إذا صلى عليه فقد دعا له، وذلك محظور، لأنه تعالى أعلمه أنه لا يغفر للكفار البتة، وأيضاً دفع القميص إليه يوجب إعزازه؟ والجواب: لعل السبب فيه أنه لما طلب من الرسول أن يرسل إليه قميصه الذي مس جلده ليدفن فيه، غلب على ظن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه انتقل إلى الإيمان، لأن ذلك الوقت وقت يتوب فيه الفاجر ويؤمن فيه الكافر، فلما رأى منه إظهار الإسلام وشاهد منه هذه الأمارة التي دلت على دخوله في الإسلام، غلب على ظنه أنه صار مسلماً، فبنى على هذا الظن ورغب في أن يصلي عليه، فلما نزل جبريل عليه السلام وأخبره بأنه مات على كفره ونفاقه، امتنع من الصلاة عليه. وأما دفع القميص إليه فذكروا فيه وجوهاً: الأول: أن العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخذ أسيراً ببدر، لم يجدوا له قميصاً، وكان رجلاً طويلاً، فكساه عبد الله قميصه. الثاني: أن المشركين قالوا له يوم الحديبية، إنا لا ننقاد لمحمد ولكنا ننقاد لك، فقال لا، إن لي في رسول الله أسوة حسنة، فشكر رسول الله له ذلك. والثالث: أن الله تعالى أمره أن لا يرد سائلاً بقوله: { أية : وَأَمَّا ٱلسَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ } تفسير : [الضحى: 10] فلما طلب القميص منه دفعه إليه لهذا المعنى. الرابع: أن منع القميص لا يليق بأهل الكرم. الخامس: أن ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي، كان من الصالحين، وأن الرسول أكرمه لمكان ابنه. السادس: لعل الله تعالى أوحى إليه أنك إذا دفعت قميصك إليه صار ذلك حاملاً لألف نفر من المنافقين في الدخول في الإسلام ففعل ذلك لهذا الغرض، وروى أنهم لما شاهدوا ذلك أسلم ألف من المنافقين. السابع: أن الرحمة والرأفة كانت غالبة عليه كما قال: { أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 107] وقال: { أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ } تفسير : [آل عمران: 159] فامتنع من الصلاة عليه رعاية لأمر الله تعالى، ودفع إليه القميص لإظهار الرحمة والرأفة. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {وَلاَ تُصَلّ عَلَىٰ أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَداً } قال الواحدي: {مَّاتَ } في موضع جر لأنه صفة للنكرة كأنه قيل على أحد منهم ميت وقوله: {أَبَدًا } متعلق بقوله: {أَحَدٍ } والتقدير ولا تصل أبداً على أحد منهم. واعلم أن قوله: ولا تصل أبداً يحتمل تأبيد النفي ويحتمل تأبيد المنفي، والمقصود هو الأول، لأن قرائن هذه الآيات دالة على أن المقصود منعه من أن يصلي على أحد منهم منعاً كلياً دائماً. ثم قال تعالى: {وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ } وفيه وجهان: الأول: قال الزجاج: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له، فمنع ههنا منه. الثاني: قال الكلبي لا تقم بإصلاح مهمات قبره، وهو من قولهم، قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره وتولاه، ثم إنه تعالى علل المنع من الصلاة عليه والقيام على قبره بقوله: {إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَـٰسِقُونَ } وفيه سؤالات: السؤال الأول: الفسق أدنى حالاً من الكفر، ولما ذكر في تعليل هذا النهي كونه كافراً فما الفائدة في وصفه بعد ذلك بكونه فاسقاً؟ والجواب أن الكافر قد يكون عدلاً في دينه. وقد يكون فاسقاً في دينه خبيثاً ممقوتاً عند قومه، والكذب والنفاق والخداع والمكر والكيد، أمر مستقبح في جميع الأديان، فالمنافقون لما كانوا موصوفين بهذه الصفات وصفهم الله تعالى بالفسق بعد أن وصفهم بالكفر، تنبيهاً على أن طريقة النفاق طريقة مذمومة عند كل أهل العالم. السؤال الثاني: أليس أن المنافق يصلى عليه إذا أظهر الإيمان مع قيام الكفر فيه؟ والجواب: أن التكاليف مبنية على الظاهر قال عليه الصلاة والسلام: « حديث : نحن نحكم بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر » تفسير : . السؤال الثالث: قوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } تصريح بكون ذلك النهي معللاً بهذه العلة، وذلك يقتضي تعليل حكم الله تعالى وهو محال، لأن حكم الله قديم، وهذه العلة محدثة، وتعليل القديم بالمحدث محال. والجواب: الكلام في أن تعليل حكم الله تعالى بالمصالح هل يجوز أم لا؟ بحث طويل، ولا شك أن هذا الظاهر يدل عليه.
القرطبي
تفسير : فيه إحدى عشرة مسألة: الأولىٰ ـ روي أن هذه الآية نزلت في شأن عبد الله بن أبي بن سَلُول وصلاةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم. ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما. وتظاهرت الروايات بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأن الآية نزلت بعد ذلك. وُروي عن أنس بن مالك حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما تقدّم ليصلي عليه جاءه جبريل فَجبذ ثوبه وتلا عليه {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} الآية؛ فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصلّ عليهتفسير : . والروايات الثابتة على خلاف هذا؛ ففي البخاري عن ابن عباس قال: حديث : فصلّىٰ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من «براءة» تفسير : {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً}. ونحوه عن ابن عمر؛ خرّجه مسلم. قال ابن عمر: حديث : لما تُوْفِّيَ عبد الله بن أبيّ بن سَلُول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه فأعطاه ثم سأله أن يصلّي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلّي عليه، فقام عمر وأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلّي عليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما خَيّرني الله تعالىٰ فقال: {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} وسأزيد على سبعين» قال: إنه منافق. فصلّىٰ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} فترك الصلاة عليهمتفسير : . وقال بعض العلماء: إنما صلىٰ النبيّ صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبيّ بناء على الظاهر من لفظ إسلامه. ثم لم يكن يفعل ذلك لمّا نُهي عنه. الثانية ـ إن قال قائل فكيف قال عمر: أتصلّي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؛ ولم يكن تقدّم نهي عن الصلاة عليهم. قيل له: يحتمل أن يكون ذلك وقع له في خاطره، ويكون من قبيل الإلهام والتحدّث الذي شهد له به النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد كان القرآن ينزل على مراده، كما قال: وافقتُ ربيِّ في ثلاث. وجاء: في أربع. وقد تقدّم في البقرة. فيكون هذا من ذلك. ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله تعالىٰ: {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} الآية. لا أنه كان تقدّم نهي على ما دلّ عليه حديث البخاريّ ومسلم. والله أعلم. قلت: ويحتمل أن يكون فهِمه من قوله تعالىٰ: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [التوبة: 113] لأنها نزلت بمكة. وسيأتي القول فيها. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ} الآية. بيّن تعالىٰ أنه وإن ٱستغفر لهم لم ينفعهم ذلك وإن أكثر من الاستغفار. قال القُشَيريّ: ولم يثبت ما يروى أنه قال: «حديث : لأزيدنّ على السبعين».تفسير : قلت: وهذا خلاف ما ثبت في حديث ابن عمر «حديث : وسأزيد على سبعين»تفسير : وفي حديث ابن عباس حديث : «لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر لهم لزدت عليها». قال: فصلّىٰ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلمتفسير : . خرّجه البخاري. الرابعة ـ واختلف العلماء في تأويل قوله: {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ} هل هو إياس أو تخيير؛ فقالت طائفة: المقصود به اليأس بدليل قوله تعالىٰ: {فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ}. وذِكر السبعين وفاقٌ جرىٰ، أو هو عادتهم في العبارة عن الكثرة والإغياء. فإذا قال قائلهم: لا أكلمه سبعين سنة صار عندهم بمنزلة قوله: لا أكلمه أبداً. ومثله في الإغياء قوله تعالىٰ: {أية : فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً}تفسير : [الحاقة: 32]، وقوله عليه السلام: «حديث : من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خرِيفاً»تفسير : . وقالت طائفة: هو تخيير ـ منهم الحسن وقتادة وعُروة ـ إن شئت استغفر لهم وإن شئت لا تستغفر. ولهذا لما أراد أن يصّلي على ابن أبيّ قال عمر: أتصلّي على عدوّ الله، القائل يوم كذا كذا وكذا؟ فقال: «حديث : إني خُيِّرت فاخترت»تفسير : . قالوا: ثم نسخ هذا لما نزل {أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ}تفسير : [المنافقون: 6]. {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ} أي لا يغفر الله لهم لكفرهم. الخامسة ـ قوله تعالىٰ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} الآية. وهذه الآية نزلت بمكة عند موت أبي طالب، على ما يأتي بيانه. وهذا يفهم منه النهي عن الاستغفار لمن مات كافراً. وهو متقدّم على هذه الآية التي فهم منها التخيير بقوله: «حديث : إنما خيّرني الله»تفسير : وهذا مشكل. فقيل: إن استغفاره لعمه إنما كان مقصوده استغفاراً مرجوّ الإجابة حتى تحصل له المغفرة. وفي هذا الاستغفار استأذن عليه السلام ربّه في أن يأذن له فيه لأمّه فلم يأذن له فيه. وأما الاستغفار للمنافقين الذي خُير فيه فهو استغفار لسانِيّ لا ينفع، وغايته تطييب قلوب بعض الأحياء من قرابات المستغفر له. والله أعلم. السادسة ـ واختلف في إعطاء النبيّ صلى الله عليه وسلم قميصه لعبد الله؛ فقيل: إنما أعطاه لأن عبد لله كان قد أعطىٰ العباس عمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قميصه يوم بدر. وذلك أن العباس لما أسِر يوم بدر ـ على ما تقدّم ـ وسُلب ثوبه رآه النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فأشفق عليه، فطلب له قميصاً فما وُجد له قميص يقادره إلا قميص عبد الله، لتقاربهما في طول القامة؛ فأراد النبي صلى الله عليه وسلم بإعطاء القميص أن يرفع اليد عنه في الدنيا، حتى لا يلقاه في الآخرة وله عليه يد يكافئه بها، وقيل: إنما أعطاه القميص إكراماً لابنه وإسعافاً له في طِلبته وتطييباً لقلبه. والأوّل أصح؛ خرّجه البخاريّ عن جابر بن عبد الله قال: لما كان يوم بدر أُتي بأُسارىٰ وأُتُي بالعباس ولم يكن عليه ثوب؛ فطلب النبيّ صلى الله عليه وسلم له قميصاً فوجدوا قميص عبد الله بن أبَيّ يَقِدر عليه، فكساه النبيّ صلى الله عليه وسلم إياه؛ فلذلك نزع النبيّ صلى الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئاً وإني لأرجو أن يسلم بفعلي هذا ألف رجل من قومي»تفسير : . كذا في بعض الروايات «حديث : من قومي» تفسير : يريد من منافقي العرب. والصحيح أنه قال: «حديث : رجال من قومه»تفسير : . ووقع في مغازي ابن إسحاق وفي بعض كتب التفسير: فأسلم وتاب لهذه الفعلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف رجل من الخزرج. السابعة ـ لما قال تعالىٰ: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} قال علماؤنا: هذا نص في الامتناع من الصَّلاة على الكفار، وليس فيه دليل على الصَّلاة على المؤمنين. واختلف هل يؤخذ من مفهومه وجوب الصَّلاة على المؤمنين على قولين. يؤخذ لأنه علّل المنع من الصَّلاة على الكفار لكفرهم لقوله تعالىٰ: {إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}؛ فإذا زال الكفر وجبت الصَّلاة. ويكون هذا نحو قوله تعالىٰ: {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}تفسير : [المطففين: 15] يعني الكفار؛ فدلّ على أن غير الكفار يرونه وهم المؤمنون؛ فذلك مثله. والله أعلم. أو تؤخذ الصَّلاة من دليل خارج عن الآية، وهي الأحاديث الواردة في الباب، والإجماع. ومنشأ الخلاف القول بدليل الخطاب وتركه. روى مسلم حديث : عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أخاً لكم قد مات فقوموا فصلّوا عليه» قال: فقمنا فصففنا صفين؛ يعني النجاشيتفسير : . وعن أبي هريرة: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى للناس النجاشيّ في اليوم الذي مات فيه، فخرج بهم إلى المصلّى وكبر أربع تكبيراتتفسير : . وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصَّلاة على جنائز المسلمين، من أهل الكبائر كانوا أو صالحين؛ وراثةً عن نبيّهم صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً. والحمد لله. وٱتفق العلماء على ذلك إلاَّ في الشهيد كما تقدّم؛ وإلا في أهل البدع والبغاة. الثامنة ـ والجمهور من العلماء على أن التكبير أربع. قال ابن سيرين: كان التكبير ثلاثاً فزادوا واحدة. وقالت طائفة: يكبر خمساً؛ ورُوي عن ابن مسعود وزيد بن أرقْم. وعن عليّ: ست تكبيرات. وعن ابن عباس وأنس بن مالك وجابر بن زيد: ثلاث تكبيرات والمعوّل عليه أربع. روى الدَّارَقُطْنِيّ عن أُبَي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الملائكة صلّت على آدم فكبّرت عليه أربعاً وقالوا هذه سنتكم يا بني آدم».تفسير : التاسعة ـ ولا قراءة في هذه الصَّلاة في المشهور من مذهب مالك، وكذلك أبو حنيفة والثوريّ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا صلّيتم على الميت فأخلصوا له الدعاء»تفسير : رواه أبو داود من حديث أبي هريرة. وذهب الشافعيّ وأحمد وإسحاق ومحمد بن مسلمة وأشهب من علمائنا وداود إلى أنه يقرأ بالفاتحة؛ لقوله عليه السَّلام: «حديث : لا صلاة إلاَّ بفاتحة الكتاب» تفسير : حملاً له على عمومه. وبما خرّجه البخاريّ عن ابن عباس وصلّى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال: لتعلموا أنها سنة. وخرّج النّسائيّ من حديث أبي أمامة قال: السنة في الصَّلاة على الجنائز أن يقرأ في التكبيرة الأُولى بأُمّ القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثاً، والتسليم عند الآخرة. وذكر محمد بن نصر المْروَزِيّ عن أبي أُمامة أيضاً قال: السنة في الصَّلاة على الجنائز أن تكبر، ثم تقرأ بأُمّ القرآن، ثم تصلّي على النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم تخلص الدعاء للميت. ولا يقرأ إلاَّ في التكبيرة الأُولى ثم يسلم. قال شيخنا أبو العباس: وهذان الحديثان صحيحان، وهما ملحقان عند الأُصوليين بالمسند. والعمل على حديث أبي أُمامة أولى؛ إذ فيه جمع بين قوله عليه السَّلام: «حديث : لا صلاة» تفسير : وبين إخلاص الدعاء للميت. وقراءة الفاتحة فيها إنما هي استفتاح للدعاء. والله أعلم. العاشرة ـ وسنة الإمام أن يقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة، لما رواه أبو داود عن أنس وصلّى على جنازة فقال له العلاء بن زياد: يا أبا حمزة، هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي على الجنائز كصلاتك، يكبر أربعاً ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال؛ نعم. ورواه مسلم عن سَمُرة بن جُنْدُب قال: صلّيت خلف النبيّ صلى الله عليه وسلم على أُمّ كعب ماتت وهي نُفَساء، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم للصَّلاة عليها وسَطها. الحادية عشرة ـ قوله تعالىٰ: {وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دُفن الميت وقف على قبره ودعا له بالتثبت، على ما بيناه (في التذكرة) والحمد لله.
البيضاوي
تفسير : {وَلاَ تُصَلّ عَلَىٰ أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} روي: (أن عبد الله بن أبي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه، فلما دخل عليه سأله أن يستغفر له ويكفنه في شعاره الذي يلي جسده ويصلي عليه فلما مات أرسل قميصه ليكفن فيه وذهب ليصلي عليه) فنزلت. وقيل صلى عليه ثم نزلت، وإنما لم ينه عن التكفين في قميصه ونهى عن الصلاة عليه لأن الضن بالقميص كان مخلاً بالكرم ولأنه كان مكافأة لإلباسه العباس قميصه حين أسر ببدر، والمراد من الصلاة الدعاء للميت والاستغفار له وهو ممنوع في حق الكافر ولذلك رتب النهي على قوله: {مَّاتَ أَبَداً} يعني الموت على الكفر فإن إحياء الكافر للتعذيب دون التمتع فكأنه لم يحيَ. {وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} ولا تقف عند قبره للدفن أو الزيارة. {إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَـٰسِقُونَ} تعليل للنهي أو لتأبيد الموت.
ابن كثير
تفسير : أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبرأ من المنافقين، وأن لا يصلي على أحد منهم إذا مات، وأن لا يقوم على قبره ليستغفر له أو يدعو له؛ لأنهم كفروابالله ورسوله، وماتوا عليه، وهذا حكم عام في كل من عرف نفاقه، وإن كان سبب نزول الآية في عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين؛ كما قال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إِنما خيرني الله فقال: {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} وسأزيده على السبعين» تفسير : قال: إنه منافق، قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل آية: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ}، وكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة حماد بن أسامة به، ثم رواه البخاري عن إبراهيم بن المنذر عن أنس بن عياض عن عبيد الله، وهو ابن عمر العمري به، وقال: فصلى عليه، وصلينا معه، وأنزل الله: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} الآية. وهكذا رواه الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله به. وقد روي من حديث عمر بن الخطاب نفسه أيضاً بنحو من هذا، فقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن ابن إسحاق، حدثني الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لما توفي عبد الله بن أبيّ: دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه، فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة، تحولت حتى قمت في صدره، فقلت: يا رسول الله أعلى عدو الله عبد الله بن أبي القائل يوم كذا وكذا وكذا - يعدد أيامه؟ - قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم، حتى إذا أكثرت عليه، فقال: «حديث : أخر عني يا عمر إِني خيرت فاخترت، قد قيل لي: {استغفرْ لهمْ} الآية. لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت» تفسير : قال: ثم صلى عليه ومشى معه، وقام على قبره حتى فرغ منه، قال: فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ورسوله أعلم. قال: فوالله ما كان إِلا يسيراً حتى نزلت هاتان الآيتان: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} الآية. فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق، ولا قام على قبره حتى قبضه الله عز وجل. وهكذا رواه الترمذي في التفسير من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري به، وقال: حسن صحيح، ورواه البخاري عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن الزهري به، فذكر مثله، قال: «حديث : أخر عني يا عمر» تفسير : فلما أكثرت عليه قال: «حديث : إِني خيرت فاخترت، ولو أعلم أني إِن زدت على السبعين غفر له، لزدت عليها» تفسير : قال: فصلى عليه رسول الله ثم انصرف، فلم يلبث إلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} الآية، فعجبتُ بعدُ من جُرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عبيد، حدثنا عبد الملك عن أبي الزبير عن جابر قال: لما مات عبد الله بن أبي، أتى ابنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنك إن لم تأته، لم نزل نعير بهذا، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فوجده قد أدخل في حفرته، فقال: «حديث : أفلا قبل أن تدخلوه؟» تفسير : فأخرج من حفرته، وتفل عليه من ريقه من قرنه إلى قدمه، وألبسه قميصه. ورواه النسائي عن أبي داود الحراني عن يعلى بن عبيد عن عبدالملك وهو ابن أبي سليمان، به. وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن عثمان، أخبرنا ابن عيينة عن عمرو، سمع جابر بن عبد الله قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بعد ما أدخل في قبره، فأمر به فأخرج، ووضع على ركبتيه، ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه، والله أعلم. وقد رواه أيضاً في غير موضع مع مسلم والنسائي من غير وجه، عن سفيان بن عيينة به. وقال الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، حدثنا مجالد، حدثنا عامر، حدثنا جابر «ح» وحدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء الدوسي، حدثنا مجالد عن الشعبي عن جابر قال: لما مات رأس المنافقين - قال يحيى بن سعيد: بالمدينة- فأوصى أن يصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي أوصى أن يكفن بقميصك، وهذا الكلام في حديث عبد الرحمن بن مغراء، قال يحيى في حديثه: فصلى عليه، وألبسه قميصه، فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} وزاد عبد الرحمن: وخلع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه، فأعطاه إياه، ومشى فصلى عليه، وقام على قبره، فأتاه جبريل عليه السلام لما ولى قال: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} وإسناده لا بأس به، وما قبله شاهد له. وقال الإمام أبو جعفر الطبري: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلي على عبد الله بن أبي، فأخذ جبريل بثوبه، وقال: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} ورواه الحافظ أبو يعلى في مسنده من حديث يزيد الرقاشي، وهو ضعيف. وقال قتادة: أرسل عبد الله بن أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض، فلما دخل عليه، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أهلكك حب يهود» تفسير : قال: يارسول الله إنما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتؤنبني، ثم سأله عبد الله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه إياه، وصلى عليه، وقام على قبره، فأنزل الله عز وجل: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} الآية، وقد ذكر بعض السلف أنه إنما كساه قميصه؛ لأن عبد الله بن أبي لما قدم العباس طلب له قميص، فلم يوجد على تفصيله إلا ثوب عبد الله بن أبي؛ لأنه كان ضخماً طويلاً، ففعل ذلك به رسول الله صلى الله عليه وسلم مكافأة له، فالله أعلم. ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية الكريمة عليه لا يصلي على أحد من المنافقين، ولا يقوم على قبره، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن أبيه، حدثني عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعي إلى جنازة، سأل عنها، فإن أثني عليها خيراً قام فصلى عليها، وإن كان غير ذلك، قال لأهلها: «حديث : شأنكم بها» تفسير : ولم يصل عليها، وكان عمر بن الخطاب لا يصلي على جنازة من جهل حاله حتى يصلي عليها حذيفة بن اليمان؛ لأنه كان يعلم أعيان المنافقين، قد أخبره بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا كان يقال له: صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، أي: من الصحابة. وقال أبو عبيد في كتاب الغريب في حديث عمر، أنه أراد أن يصلي على جنازة رجل، فَمَرَزهُ حذيفة؛ كأنه أراد أن يصده عن الصلاة عليها. ثم حكى عن بعضهم أن المرز بلغة أهل اليمامة هو القرص بأطراف الأصابع، ولما نهى الله عز وجل عن الصلاة على المنافقين، والقيام على قبورهم للاستغفار لهم، كان هذا الصنيع من أكبر القربات في حق المؤمنين، فشرع ذلك، وفي فعله الأجر الجزيل كما ثبت في الصحاح وغيرها من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان» تفسير : قيل: وما القيراطان؟ قال: «حديث : أصغرهما مثل أحد» تفسير : وأما القيام عند قبر المؤمن إذا مات، فروى أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أخبرنا هشام عن عبد الله بن بحير عن هانىء، وهو أبو سعيد البربري مولى عثمان بن عفان، عن عثمان رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه وقال: «حديث : استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل» تفسير : انفرد بإخراجه أبو داود رحمه الله.
المحلي و السيوطي
تفسير : ولما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على ابن أُبَيّ نزل {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ } لدفن أو زيارة {إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَٰسِقُونَ } كافرون.
الشوكاني
. تفسير : قوله: {مَّاتَ } صفة لأحد، و {أَبَدًا } ظرف لتأييد النفي. قال الزجاج: معنى قوله: {وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ } أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دفن الميت وقف على قبره، ودعا له، فمنع ها هنا منه؛ وقيل: معناه: لا تقم بمهمات إصلاح قبره، وجملة: {إِنَّهُمْ كَفَرُواْ } تعليل للنهي. وإنما وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر؛ لأن الكافر قد يكون عدلاً في دينه، والكذب، والنفاق، والخداع، والجبن، والخبث، مستقبحة في كل دين. ثم نهى رسوله عن أن تعجبه أموالهم وأولادهم. وهو تكرير لما سبق في هذه السورة وتقرير لمضمونه؛ وقيل: إن الآية المتقدّمة في قوم، وهذه في آخرين. وقيل: هذه في اليهود، والأولى: في المنافقين. وقيل: غير ذلك. وقد تقدّم في الآية الأولى جميع ما يحتاج إليه في تفسير هذه الآية. ثم عاد الله سبحانه إلى توبيخ المنافقين، فقال: {وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ } أي: من القرآن، ويجوز أن يراد بعض السورة، وأن يراد تمامها؛ وقيل: هي هذه السورة: أي سورة براءة، و «أن» في {أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّه} مفسرة لما في الإنزال من معنى القول، أو مصدرية حذف منها الجارّ: أي: بأن آمنوا، وإنما قدّم الأمر بالإيمان، لأن الاشتغال بالجهاد لا يفيد إلا بعد الإيمان: {ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ } أي: ذوو الفضل والسعة، من طال عليه طولاً، كذا قال ابن عباس والحسن، وقال الأصمّ: الرؤساء والكبراء المنظور إليهم، وخصهم بالذكر لأن الذم لهم ألزم، إذ لا عذر لهم في القعود {وَقَالُواْ ذَرْنَا } أي اتركنا {نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ } أي: المتخلفين عن الغزو من المعذورين، كالضعفاء والزمنى، والخوالف: النساء اللاتي يخلفن الرجال في القعود في البيوت. جمع خالفة، وجوّز بعضهم أن يكون جمع خالف، وهو من لا خير فيه: {وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } هو كقوله: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } تفسير : [البقرة: 7] وقد مرّ تفسيره {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } شيئاً مما فيه نفعهم وضرهم، بل هم كالأنعام. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبيّ ابن سلول، أتى ابنه عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام عمر فأخذ ثوبه فقال: يا رسول الله، أتصلي عليه، وقد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال: "حديث : إن ربي خيرني وقال:{ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} وسأزيد على السبعين"تفسير : فقال: إنه منافق، فصلى عليه، فأنزل الله: {وَلاَ تُصَلّ عَلَىٰ أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَداً } الآية، فترك الصلاة عليهم. وأخرج ابن ماجه، والبزار، وابن جرير، وابن مردويه، عن جابر، قال: مات رأس المنافقين بالمدينة فأوصى أن يصلي عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأن يكفنه في قميصه، فجاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن أبي أوصى أن يكفن في قميصك، فصلى عليه وألبسه قميصه وقام على قبره، فأنزل الله: {وَلاَ تُصَلّ عَلَىٰ أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مرديه، عن ابن عباس، في قوله: {أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ } قال: أهل الغنى. وأخرج هؤلاء، عن ابن عباس، في قوله: {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوٰلِفِ } قال: مع النساء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في الآية قال: رضوا بأن يقعدوا كما قعدت النساء. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، قال: الخوالف النساء.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَداً} لما احتضر عبد الله بن أبي بن سلول أتى ابنُه النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يصلي عليه وأن يعطيه قميصه ليكفن فيه فأعطاه إياه وهو عرق فكفنه فيه وحضره، فقيل إنه أدركه حياً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَهْلَكَهُمُ اليَهُودُ" تفسير : فقال: يا رسول الله لا تؤنبني واستغفر لي، فلما مات ألبسه قميصه وأراد الصلاة عليه فجذبه عمر رضي الله عنه وقال: يا رسول الله أليس الله قد نهاك عن الصلاة عليهم؟ فقال: حديث : يَا عُمَرُ خَيَّرَنِي رَبِّي فَقَالَ: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِر اللَّهُ لَهُمْ} لأَزِيدَنَّ عَلَى الْسَّبِعِينَ" تفسير : فصلى عليه. فنزلت {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} الآية، فما صلى بعدها على منافق، وهذا قول ابن عباس وابن عمر وجابر وقتادة. وقال أنس بن مالك: أراد أن يصلي عليه فأخذ جبريل بثوبه وقال {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُمْ مَّاتَ أَبَداً}. {وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} يعني قيام زائر ومستغفر.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية نزلت في شأن عبد الله بن أُبيّ ابن سلول وصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فروى أنس بن مالك أن رسول الله عليه وسلم لما تقدم ليصلي عليه جاءه جبريل عليه السلام، فجذبه بثوبه وتلا عليه، {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً } الآية، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يصل عليه، وتظاهرت الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى عليه، وأن الآية نزلت بعد ذلك، وفي كتاب الجنائز من البخاري من حديث جابر، قال: حديث : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أُبيّ بعد ما أدخل حفرته فأمر به فأخرج ووضعه على ركبته ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه، وروي في ذلك أن عبد الله بن أبي بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه ورغب إليه أن يستغفر له وأن يصلي عليه . تفسير : وروي أن ابنه عبد الله بن عبد الله جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موت أبيه فرغب في ذلك وفي أن يكسوه قميصه الذي يلي بدنه، ففعل، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه قام إليه عمر رضي الله عنه، فقال يا رسول الله، أتصلي عليه وقد نهاك الله عن الاستغفار لهم؟ وجعل يعدد أفعال عبد الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أ خر عني يا عمر، فإني خيرت، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت " تفسير : . وفي حديث آخر "حديث : إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئاً وإني لأرجو أن يسلم بفعلي هذا ألف رجل من قومي " تفسير : ، كذا في بعض الروايات، يريد من منافقي العرب، والصحيح أنه قال رجال من قومه، فسكت عمر وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله، ثم نزلت هذه الآية بعد ذلك، وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لموضع إظهاره الإيمان، ومحال أن يصلي عليه وهو يتحقق كفره وبعد هذا والله أعلم، عين له من لا يصلي عليه. ووقع في معاني أبي إسحاق وفي بعض كتب التفسير، فأسلم وتاب بهذه الفعلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والرغبة من عبد الله ألف رجل من الخزرج. قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، قاله من لم يعرف عدة الأنصار، وقوله تعالى: {ولا تعجبك أموالهم} الآية، تقدم تفسير مثل هذه الآية، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، إذ هو بإجما ع ممن لا تفتنه زخارف الدنيا. ويحتمل أن يكون معنى الآية ولا تعجبك أيها الإنسان، والمراد الجنس، ووجه تكريرها تأكيد هذا المعنى وإيضاحه، لأن الناس كانوا يفتنون بصلاح حال المنافقين في دنياهم،وقوله {وإذا أنزلت سورة} الآية، العامل في {إذا} {استأذنك}، و"السورة " المشار إليها هي براءة فيما قال بعضهم، ويحتمل أن يكون إلى كل سورة فيها الأمر بالإيمان والجهاد مع الرسول، وسورة القرآن أجمع على ترك همزها في الاستعمال واختلف هل أصلها الهمز أم لا فقيل أصلها الهمز فهي من أسأر إذا بقيت له قطعة من الشيء، فالسورة قطعة من القرآن، وقيل أصلها أن لا تهمز فهي كسورة البناء وهي ما يبنى منه شيئاً بعد شيء، فهي الرتبة بعد الرتبة، ومن هذا قول النابغة: [الطويل] شعر : ألم تر أنَّ اللهَ أَعْطَاكَ سَوْرَةً ترى كلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذبْذَبُ تفسير : وقد مضى هذا كله مستوعباً في صدر هذا الكتاب، و {أن} في قوله: {أن آمنوا } يحتمل أن تكون مفسرة بمعنى أي فهي على هذا لا موضع لها، ويحتمل أن يكون التقدير بـ"أن" فهي في موضع نصب، و {الطول} في هذه الآية المال، قاله ابن عباس وابن إسحاق وغيرهما، والإشارة بهذه الآية إلى الجد بن قيس وعبد الله بن أبي ومعتب بن قشير ونظرائهم، و" القاعدون" الزمنى وأهل العذر في الجملة ومن ترك لضبط المدينة لأن ذلك عذر. وقوله: {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} الآية، تقريع وإظهار شنعة كما يقال على وجه التعيير رضيت يا فلان، و {الخوالف} النساء جمع خالفة، هذا قول جمهور المفسرين، وقال أبو جعفر النحاس يقال للرجل الذي لا خير فيه خالفة، فهذا جمعه بحسب اللفظ والمراد أخسة الناس وأخالفهم، وقال النضر بن شميل في كتاب النقاش: {الخوالف} من لا خير فيه، وقالت فرقة {الخوالف} جمع خالف فهو جار مجرى فوارس ونواكس وهوالك، {وطبع } في هذه الآية مستعار، ولما كان الطبع على الصوان والكتاب مانعاً منه وحفاظاً عليه شبه القلب الذي قد غشيه الكفر والضلال حتى منع الإيمان والهدى منه بالصوان المطبوع عليه، ومن هذا استعارة القفل والكنان للقلب، و {لا يفقهون} معناه لا يفهمون.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلا تُصَلِّ} نزلت في ابن أُبي لما صلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، أو أراد الصلاة عليه فأخذ جبريل ـ عليه السلام ـ بثوبه، وقال: ولا تُصلِّ على أحد ولا تقم على قبره قيام زائر، أو مستغفر.
السيوطي
تفسير : أخرج البخاري ومسلم وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول أتى ابنه عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه. فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام عمر بن الخطاب فأخذ ثوبه فقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال "حديث : إن ربي خيَّرني وقال {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80] وسأزيد على السبعين فقال: إنه منافق فصلى عليه. فأنزل الله تعالى {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره} فترك الصلاة عليهم ". تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل حديث : عن ابن عباس أن عبد الله بن عبد الله بن أبي قال له أبوه: أي بني، اطلب لي ثوباً من ثياب النبي صلى الله عليه وسلم فكفني فيه، ومره أن يصلي عليَّ. قال "فأتاه فقال: يا رسول الله قد عرفت شرف عبد الله، وهو يطلب إليك ثوباً من ثيابك نكفنه فيه وتصلي عليه؟ فقال عمر: يا رسول الله قد عرفت عبد الله ونفاقه. أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال: وابني؟! فقال {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80] قال: فإني سأزيد على سبعين. فأنزل الله عز وجل {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره...} الآية. قال: فأرسل إلى عمر فأخبره بذلك، وأنزل الله {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم} [المنافقون: 6] ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن عمر بن الخطاب قال: لما مرض عبد الله بن أبي بن سلول مرضه الذي مات فيه عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما مات صلى عليه وقام على قبره. قال: فوالله إن مكثنا إلا ليالي حتى نزلت {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً...} الآية. وأخرج ابن ماجه والبزار وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن جابر قال "مات رأس المنافقين بالمدينة، فأوصى أن يصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأن يكفنه في قميصه، فجاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبي أوصى أن يكفن في قميصك، فصلى عليه وألبسه قميصه وقام على قبره، فأنزل الله {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره} ". وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن مردويه عن أنس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلي على عبد الله بن أبي، فأخذ جبريل عليه السلام بثوبه وقال {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره} ". وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال: "حديث : وقف نبي الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي، فدعاه فأغلظ له وتناول لحية النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو أيوب: كف يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله لئن أذن لأضعن فيك السلاح، وأنه مرض فأرسل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم يدعوه، فدعا بقميصه فقال عمر: والله ما هو بأهل أن تأتيه. قال: بلى. فأتاه فقال: أهلكتك موادّتك اليهود؟ قال: إنما دعوتك لتستغفر لي ولم أدعك لتؤنبني. قال: أعطني قميصك لأكفن فيه. فأعطاه ونفث في جلده، ونزل في قبره، فأنزل الله {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً...} الآية قال: فذكروا القميص. قال: وما يغني عنه قميصي، والله إني لأرجو أن يسلم به أكثر من ألف من بني الخزرج، فأنزل الله {ولا تعجبك أموالهم وأولادهم} الآية ".
القشيري
تفسير : ليس بعد التَّبَرِّي التولي، ولا بعدَ الفراق والوفاق، ولا بعد الحجبة قربة. مضى لهم من الزمان ما كان لأملهم فيه فسحة، أو لرجائهم مساغ، أو لظنِّهم تحقيق، ولكن سَبَقَ لهم القضاءُ بالشقاوة، ونعوذ بالله مِنْ سوءِ الخاتمة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تصل} يا محمد {على أحد منهم} اى من المنافقين وهو صفة لاحد {مات} صفة اخرى ويجوز ان يكون منهم حالا من الضمير فى مات كذا فى تفسير ابى البقاء {ابدا} ظرف للنهى اى لا تدع ولا تستغفر لهم ابدا وهو الاظهر. وقيل منصوب بمات على ان يكون المعنى لا تصل على احد منهم ميت مات ابدا بان مات على الكفر فان من مات على الكفر ميت ابدا وان احياءه للتعذيب دون التمتع فكأنه لم يحى حديث : وكان حذيفة رضى الله عنه صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له "يوما انى مسر اليك سرا فلا تذكرنه انى نهيت ان اصلى على فلان وفلان" وعد جماعة من المنافقينتفسير : ولما توفى رسول الله كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه خلافته اذا مات الرجل ممن يظن انه من اولئك اخذ بيد حذيفة فناداه الى الصلاة عليه فان مشى معه حذيفة صلى عليه عمر وان انتزع يده من يده ترك الصلاة عليه {ولا تقم على قبره} اى ولا تقف عند قبره للدفن او للزيارة والدعاء وكان النبى عليه السلام اذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له {انهم كفروا بالله ورسوله} تعليل للنهى على ان الاستغفار للميت والوقوف على قبره انما يكون لاستصلاحه وذلك مستحيل فى حقهم لانهم استمروا على الكفر بالله وبرسوله مدة حياتهم قال الحافظ قدس سره شعر : بآب زمزم وكوثر سفيدنتوان كرد كليم بخت كسى راكه بافنند سياه تفسير : وقال السعدى قدس سره شعر : توان باك كردن ززنك آينه وليكن نيايد زسنك آينه تفسير : {وماتوا وهم فاسقون} اى متمردون فى الكفر خارجون عن حدوده -روى- حديث : عن ابن عباس ان رئيس المنافقين عبد الله بن ابى سلول دعا رسول الله صلى الله عليه السلام فى مرضه فلما دخل عليه سأله ان يستغفر له ويصلى عليه اذا مات ويقوم على قبره ثم انه ارسل اليه عليه السلام يطلب منه قميصه ليكفن فيه فارسل اليه القميص الفوقانى فرده فطلب الذى يلى جلده فقال عمر رضى الله عنه تعطى قميصك لرجس النجس فقال عليه السلام "ان قميصى لا يغنى عنه من الله شيئاً من الله تعالى ان يدخل به الف فى الاسلام" وذلك ان المنافقين كانوا لا يفارقون ابن ابى فلما رأوه يطلب منه عليه السلام قميصه يتبرك به ويرجو ان ينفعه القميص فى دفع عذاب الله وجلب رحمته وفضله اسلم الف من الخروج وانما قال عليه السلام ان قميصى لا يغنى لعدم الاساس الذى هو الايمان ومثله انما يؤثر عند صلاح المحل ويدل عليه قوله عليه السلام "ادفنو امواتكم وسط قوم صالحين فان الميت يتأذى بجار السوء كما يتأذى الحى بجار السوء"تفسير : وما يروى الارض المقدسة لا تقدس احدا انما يقدس المرء عمله وقد ثبت ان عبد الله بن انيس رضى الله عنه لما قتل سفيان بن خالد الهذلى ووضع بين يديه عليه السلام دفع اليه عصا كانت بيده وقال تخصر بهذه الجنة أى توكأ عليها فكانت تلك العصا عنده فلما حضرته الوفاة اوصى اهله ان يجعلوها بين جلده وكفنه ففعلوا وثبت انه عليه السلام حلق راسه الشريف معمر بن عبدالله فاعطى نصف شعر رأسه لابى طلحة وفرق النصف الآخر بين الاصحاب شعره وشعرتين فكانوا يتبركون بها وينصرون ما داموا حاملين لها ولذا قال فى الاسرار المحمدية لو وضع شعر رسول الله او عصاه او سوطه على قبر عاص لنجا ذلك العاصى ببركات تلك الذخيرة من العذاب وان كان فى دار انسان أو بلدة لا يصيب سكانها بلاء ببركته. وان لم يشعروا به ومن هذا القبيل ماء زمزم والكفن المبلول وبطانة استار الكعبة والتكفن بها وكتابة القرآن على القراطيس والوضع فى ايدى الموتى انتهى. اقول ان قلت قد ثبت ان فى خزانة السلاطين خصوصا فى خزانة آل عثمان شيئاً مما يتبرك به من خرقة النبى عليه السلام وغيرها ورأيناهم قد لا ينصرون ومعهم شئ من لوائه عليه السلام وبصبب بلدتهم آفات كثيرة قلت لذلك لهتكم الحرمة ألا ترى ان مكة والمدينة كان لا يدخلهما طاعون فلما هتك السكان حرمتهما دخلهما والله الغفور "حديث : فلما مات ابن ابى انطلق ابنه وكان مؤمنا صالحا الى النبى عليه السلام ودعاه الى جنازة ابيه فقال عليه السلام "ما اسمك" قال الحباب بن عبد الله فقال عليه السلام "أنت عبد الله بن عبد الله ان الحباب هو الشيطان" (اى اسمه كما فى القاموس ثم قال) "صل عليه وادفنه" فقال ان لم تصل عليه يا رسول الله لا يصلى عليه مسلم أنشدك الله ان لا تشمت بى الاعداء فاجابه عليه السلام تسلية له ومراعاة لجانبه فقام ليصلى عليه فجاء عمر رضى الله عنه فقام بين رسول الله وبين القبلة لئلا يصلى عليه وقال أتصلى على عدو الله القائل كذا يوم كذا وكذا وكذا وعد ايامه الخبيثة فنزلت الآيةتفسير : واخذ جبرائيل عليه السلام بثوبه وقال لا تصلى على احد منهم مات ابدا فاعرض عن الصلاة عليه وهذا يدل على منقبة عظيمة من مناقب عمر رضى الله عنه فان الوحى كان ينزل على وفق قوله فى آيات كثيرة منها هذه الآية وهو منصب عال ودرجة رفيعة له فى الدين فلذا قال عليه السلام فى حقه "حديث : لو لم ابعث لبعثت نبيا يا عمر " .تفسير : وقال "حديث : انه كان فيما مضى قبلكم من الامم محدثون فانه ان كان فى امتى هذه فانه عمر بن الخطاب" تفسير : رضى الله عنه. والمحدث بفتح الدلال المشددة هو الذى يلقى فى نفسه الشيء فيخبر به فراسة وهى الاصابة فى النظر ويكون كما قال وكأنه حدثه الملأ الاعلى وهذه منزلة جليلة من منازل الاولياء ولم يرد النبى عليه السلام بقوله ان كان فى امتى التردد فى ذلك لانه امته افضل الامم واذا وحد فى غيرها محدثون ففيها اولى بل اراد به التأكيد لفضل عمر كما يقال ان يكن لى صديق فلان يراد به اختصاصه بكمال الصداقة لا نفى سائر الاصدقاء وقد قيل فى فضيلة رضى الله عنه شعر : له فضائل لا تخفى على احد الا على احد لا يعرف القمرا تفسير : كذا فى شرح المشارق لابن ملك. فان قيل كيف يجوز ان يقال انه عليه السلام رغب فى ان يصلى عليه بعد ان علم انه كافر مات على الكفر وان صلاته عليه دعاء له بالمغفرة وقد منعه الله من ان يستغفر للمشركين واعلمه انه لا يغفر للكفار وايضا الصلاة عليه ودفعه قميصه اليه توجب اعزازه وهو مأمور باهانة الكفار. فالجواب ان الخبيث لما طلب منه ان يرسل اليه قميصه الذى يمس جلده الشريف ليدفن فيه غلب على ظنه انه قد تاب عن نفاقه وآمن لان ذلك الوقت وقت توبة الفاجر وايمان الكافر فلما رأى منه اظهار الاسلام وشاهد منه هذه الامارات الدالة على اسلامه غلب على ظنه انه صار مسلما فرغب فى ان يصلى عليه فلما أتى جبريل واخبره بانه مات على كفره ونفاقه امتنع من الصلاة عليه. وقيل نزلت الاية بعدما صلى ولبث يسيرا فما صلى بعد ذلك على منافق ولاقام على قبره. واما دفع القميص اليه فذكروا فيه وجوها. منها ان العباس عم النبى عليه السلام لما اخذ اسيرا يوم بدر ولم يجدوا له قميصا يساوى قده وكان رجلا طويلا كساه عبد الله قميصه فهو عليه السلام انما دفع اليه قميصه مكافأة لاحسانه ذلك لا اعزاز له. ومنها انه تعالى امره ان لا يرد سائلا حيث قال {أية : واما السائل فلا تنهر} تفسير : فالضنة بالقميص وعدم ارساله سيما وقد سئل فيه مخل بالكرم. ومنها انه لعله اوحى اليك انك ان دفعت اليه قميصك صار ذلك حاملا لدخول الف نفر من المنافقين فى الاسلام ففعل ذلك بنا عليه والله اعلم بحقيقة الحال وما علينا الاالقبول وطى المقال وهو الهادى الى طريق التحقيق
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (أبداً): ظرف لمات، أي: مات في مدة لا حياة بعدها؛ فإنا حياة الكافر للتعذيب، وهي كلا حياة. يقول الحق جل جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ولا تُصَلِّ على أحدٍ} من المنافقين إذا مات على كفره، بحيث (مات أبداً) أي: موتة لا حياة بعدها. نزلت في عبد الله بن أُبي رأس المنافقين، فإنه لما مرض، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يستغفر له ويكفنه في ثوبه الذي يلي جسده، ويصلي عليه، فلما مات أرسل قميصه ليُكفن فيه، وذهب ليصلي عليه، فنزلت. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تقدم للصلاة عليه جَذَبَه جبريل بثوبه، وتلا عليه الآية فانصرف، ولم يصلِّ عليه. وقيل: صلى عليه ثم نزلت. وفي البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تقدمَ للصلاة عليه جَذَبَهُ عمر، فقال: كيف تصلي عليه وقد نهاك ربك عن الصلاة على المنافقين؟ فقال: "حديث : إِنَّما خَيَّرَنِي..." تفسير : الحديث. قال البيضاوي: وإنما لم ينه عن التكفين في قميصه، ونهى عن الصلاة عليه؛ لأن الضنة بالقميص كانت مُخِلة بالكرم، ولأنه كان مكافأة لإلباس العباس قميصه حين أُسر ببدر، والمراد من الصلاة: الدعاء للميت والاستغفار له، وهو ممنوع في حق الكافر، ولذلك رتب النهي على قوله: (مات أبداً)؛ يعني: الموت على الكفر، فإن إحياء الكافرين للتعذيب، دون التمتع، فكأنه لم يحيى. هـ. واستدل ابن عبد الحكم، بهذه الآية، على وجوب الصلاة على المؤمنين، وقرر اللخميُّ وجه الدليل منها بطريق النهي عن الشيء أمر بضده؛ لأن ضد النهي عن الصلاة أمر بها. وأبطله المازوي قائلاً: وإنما هو من دليل الخطاب، ومفهوم المخالفة، وبيان عدم صحة كونها من باب النهي عن الشيء، أَنَّ شرط ذلك اتحاد متعلق الأمر والنهي، كقولك لزيد: لا تسكن، ومعناه تحرك، ومتعلقهما هنا مختلف، فمتعلق النهي: المنافقون، ومتعلق الأمر: المؤمنون. وكذا رد كونها دالة مفهوم المخالفة. انظر الحاشية الفاسية. ثم قال تعالى: {ولا تَقُم على قبره} أي: ولا تقف على قبره للدفن، أو الزيارة، ثم علل النهي فقال: {إِنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا}، والحال أنهم {فاسقون}؛ خارجون عن دائرة الإسلام. ثم نهى عن الاغترار بمالهم فقال: {ولا تُعجِبُكَ أَموالُهم وأولادهم إنما يريد اللهُ أن يُعذبهم بها في الدنيا وتزهَق أنفسهم وهم كافرون}، وقد تقدم، وإنما كرره؛ للتأكيد، وهو حقيق به؛ فإن الأبصار طامحة إلى الأموال والأولاد، والنفوس مجبولة على حبهما، فكرر النهي عن الاغترار بهما، ويجوز أن تكون هذه فريق آخر غير الأول. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا حصل للعبد القرب من الحبيب قربت منه الأشياء كلها، ورغبت في خُلّته الملائكةُ والجنُّ والإنسُ والروحانيون، فإذا مات صلت على جسده أجناد الأرض، وعلى روحه أجناد السماء، وفرحت بقدومه الملائكة والروحانيون، وربما شفعه الله في أهل عصره أجمعين، وإذا حصل للعبد البعد من ربه بعدت عنه الأشياء كلها، ورفضت جسده وروحه الجن والإنس والملائكة، فلا يصل عليه أحد، ولا يقف على قبره بشر، فالحذر الحذر من كل ما يبعد من حضرة الحبيب من المخالفات والإصرار على الزلات، فإنه بريد الكفر، الذي هو البعد الكبير ـ والعياذ بالله ـ. والبدارَ البدارَ إلى ما يقرب من الحبيب، من أنواع الطاعات، والمسارعة إلى الخيرات، وسائر الأخلاق الحسنة والشيم المستحسنة. وبالله التوفيق. ثم أشار إلى تخلفهم عن الجهاد مع قدرتهم عليه فقال: {وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ}.
الطوسي
تفسير : هذا نهي من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله عن أن يصلي على أحد من المنافقين او يقوم على قبره ومعناه أن يتولى دفنه او ينزل في قبر كما يقال: قام فلان بامر فلان. وقال ابن عباس وابن عمر وقتادة وجابر: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله على عبد الله ابن أبي بن ابي سلول والبسه قمصيه قبل أن ينهي عن الصلاة على المنافقين. وقال أنس: أراد أن يصلي عليه فأخذ جبرائيل بثوبه. وقال له {لا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره}. والصلاة على الأموات فرض على الكفايات إذا قام به قوم سقط عن الباقين. واقل من يسقط به الفرض واحد وهي دعاء ليس فيها قراءة ولا تسبيح، وفيه خلاف. وفيها خمس تكبيرات عندنا، وعند الفقهاء أربع تكبيرات، فالتكبيرة الأولى يشهد بعدها الشهادتين ويكبر بالثانية، ويصلي بعدها على النبي صلى الله عليه وآله ويكبر الثالثة ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويكبر الرابعة ويدعو للميت إن كان مؤمناً وعليه إن كان منافقاً، ويكبر الخامسة ويقف يومي إلى يمينه حتى ترفع الجنازة، وليس فيها تسليم. وسمعت أبا الطيب الطبري وكان امام أصحاب الشافعي يقول: الخلاف بيننا وبينكم في عبارة، لأن عندكم ينصرف بالخامسة. وعندنا بالتسليم، فجعلتم مكان التسليم التكبير. وذلك خلاف في عبارة. وقوله {مات} موضع {مات} جر لأنه صفة لـ {أحد} لان تقديره على احد ميت منهم و {أبداً} منصوب متصل، و {أحد} هذه هي التي تكون في النفي دون الايجاب لأنه يصح النهي عن الصلاة عليهم مجتمعين ومتفرقين، كما يصح في النفي ولا يمكن في الايجاب لأنه كنفي الضدين في حال واحدة، فانه لا يصح اثباتها في حال أصلا. والقبر حفرة يدفن فيها الميت، تقول: قبرته اقبره قبراً فأنا قابر وهو مقبور وأقبرت فلاناً اقباراً اذا جعلته بقبره. وقوله {إنهم كفروا بالله ورسوله} والمعنى انما نهيتك عن الصلاة عليهم لأنهم كفروا بالله ورسوله، فهي للتعليل، وانما كسرت لتحقيق الاخبار بأنهم على الصفة التي ذكرها وأنهم {ماتوا وهم فاسقون} اي خارجون عن طاعة الله إلى معصيته.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} فانّ صلوتك سكن لهم وليس لهم استعداد صلوتك والمراد صلوت الاموات او الاعمّ {وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} للدّعاء عليه {إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ} نقل انّه (ص) عاد عبد الله بن ابىّ واستغفر له وشيّع جنازته وصلّى عليه وقام على قبره؛ كلّ ذلك باستدعاء ابنه الّذى كان مؤمناً خالصاً فأنكر عمر عليه (ص) وقال: او لم ينهك ربّك عن ذلك؟ - وكره ذلك رسول الله (ص) وأجابه بما ظهر منه الكراهة.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُمْ مَاتَ أَبَداً} لأَن نفاقهم إِضمار شرك ولو كان نفاق جارحة لأَجاز له الصلاة عليهم لقوله صلى الله عليه وسلم: حديث : صلوا على كل بار وفاجرتفسير : ، ويدل على أَنه إِضمار شرك قوله إِنهم كفروا بالله ورسوله فإِنه لا يقال للمنافق بالجارحة كفر بالله ولا كفر برسوله بل يقال كفر وكافر، ومات نعت {وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} لدفن أَو زيادة فى الحين أَو بعد ذلك، أَو لدعاءٍ كذلك، أَو لتلقين شهادة أَو إِيناس أَو إِظهار شفقة عليه أَو لشفقة، فقيل لم يصل عليه ولم يقم على قبره أَلبتة. أَراد الصلاة فنزلت الآية. ويروى أَنه صلى الله عليه وسلم زار قبر أُمه عام الحديبية فى أَلف مقنع فناسب أَنها أَحياها الله قبل وآمنت به صلى الله عليه وسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : زوروا القبور فإِنها تذكركم الآخرة"تفسير : مختص بقبور الموحدين، ويروى أَنه لما احتضر عبد الله بن أُبى أَو ثقل مرضه أَرسل إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأَله أَن يدعوا له ويصلى عليه إِذا مات ويقوم على قبره ويعطيه قميصه ليكفن فيه والمنافقون عنده، فأَسلم أَلف من المنافقين لما علموا أَنه يرجو بركته صلى الله عليه وسلم، وروى أَنه أَرسل إِليه قميصه فرده فقال: أُريد القميص الذى يلى جسده فأَرسله إِليه، فلامه عمر لشركه فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : ما يغنى عنه قميصى مع شركهتفسير : ، وأَرجوا أَن يسلم به أَلف، وروى أَنه لما مات جاءَ ابنه عبدالله فقال: يا رسول الله إِن لم تصل عليه لم يصل عليه مسلم، فجاءَ صلى الله عليه وسلم ليصلى عليه فقام عمر بينهما لئلا يصلى عليه، فنزل جبريل فأَخذ بثوبه، وأَوحى عليه الآية فلم يصل عليه، والمشهور أَنه صلى عليه، وذلك لظاهر حاله من التوحيد، ويروى أَن عمر جبذه فوافق جبذ جبريل والآية، وذكرت فى شرح نونية المديح ما وافق به عمر الوحى، وروى أَنه قال عمر رضى الله عنه له صلى الله عليه وسلم: أَتصلى عليه وقد قال كذا فقال: حديث : أَخر عنى يا عمرتفسير : ، وتبسم: وقال أَيضا: أَتصلى عليه وقد نهاك الله عن الصلاة عليه؟ وقال: حديث : أَخر فإِنى خيرت ولو علمت أَنه يغفر له إِن زدت على السبعين لزدتتفسير : ، قال: ولم أَلبث إِلا يسيرا فنزلت الآيتان، ولا تصل على أَحد، قال صلى الله عليه وسلم: حديث : لو لم أُبعث نبيا لبعثت يا عمر نبياتفسير : ، وقيل: الذى رد قميصه وطلب الذى يلى جسده هو ابنه عبدالله الجارى على طلب أَبيه، وسبب إِعطاءِ القميص رجاءُ إِسلام قومه وتطييب خاطر ابنه، فإِنه حسن الإِسلام عالم مجتهد فى العبادة وإِعلاءِ الدين، وأَنه كافأَه على إِعطائِه العباسَ قميصه حين أسر ببدر وكان لطوله لا يكفيه إِلا قميصه، أَو اُوحى إِليه بِإِعطائِه ليسلموا، أَو لأَنه عليه أَن يعطيه وقت مشارفة الموت وهو وقت توبة الكافر وإِيمان الفاجر، وأَن الله عز وجل أَمره أَن لا يرد سائلا، قيل: أَو لغفلة اقتضتها غلبة الرأْفة عليه أَو تعمد لإِظهارها وأَيضا منع القميص داع إِلى نسبته إِلى الإِخلال بالكرم وليس فى شىءٍ من ذلك إِعزاز الكافر، وكذلك صلى عليه، أَو أَراد الصلاة عليه مع أَنه لا يصلى على مشرك لظنه أَنه تاب كما مر، وروى أَنه صلى عليه ثم نزلت، وروى أَنه بعدما أُدخل قبره كشف عن بعضه فنفث عليه وستره، ونزلت الآية بعد، وروى أَنه قال: ما يغنى عنه قميصى وصلاتى، وإِننى أَرجوا أَن يسلم به أَلف من قومه، وعلل النهى بقوله {إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} مشركون أَى ماتوا ولم يتوبوا من الشرك، أَو المراد فسق الجارحة فإِنه قد يكون الكافر بالله ورسوله غير فاعل بجارحته زنى أَو سرقة أَو غصباً أَو ظلماً وغير ما ذكر، ولو كان لا يخلو من ترك الصلاة وغيرها فأَخبر الله سبحانه وتعالى أَن هؤلاءِ المنافقين جمعوا بين الشرك وأَفعال الفسق التى دون الشرك.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} إشارة إلى إهانتهم بعد الموت. أخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: حديث : لما توفي عبد الله بن أبـي ابن سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه / فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما خيرني الله فقال: {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} [التوبة: 80] وسأزيده على السبعين قال: إنه منافق قال فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله سبحانه: {وَلاَ تُصَلّ عَلَىٰ أَحَدٍ مّنْهُم} الآية. تفسير : وفي رواية أخرى له حديث : عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب أنه لما مات عبد الله بن أبـي ابن سلول دعي له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فلما قام وثبت إليه فقلت: يا رسول الله أتصلي على ابن أبـي وقد قال يوم كذا كذا وكذا أعدد عليه قوله فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "أخر عني يا عمر" فلما أكثرت عليه قال: "أخر عني لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها"تفسير : قال فصلي عليه عليه الصلاة والسلام ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة {وَلاَ تُصَلّ عَلَىٰ أَحَدٍ مّنْهُم} إلى قوله: {وَهُمْ فَـٰسِقُونَ} فعجبت من جراءتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظاهر هذين الخبرين أنه لم ينزل بين {أية : ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْلاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } تفسير : [التوبة: 80]، وقوله تعالى: {وَلاَ تُصَلّ عَلَىٰ أَحَدٍ مّنْهُم} شيء ينفع عمر رضي الله تعالى عنه وإلا لذكر، والظاهر أن مراده بالنهي في الخبر الأول ما فهمه من الآية الأولى لا ما يفهم كما قيل من قوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [التوبة: 113] لعدم مطابقة الجواب حينئذ كما لا يخفى. وأخرج أبو يعلى وغيره عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلي على ابن أبـي فأخذ جبريل عليه السلام بثوبه فقال: {وَلاَ تُصَلّ} الآية، وأكثر الروايات أنه صلى الله عليه وسلم صلى عليه وأن عمر رضي الله تعالى عنه أحب عدم الصلاة عليه وعد ذلك أحد موافقاته للوحي وإنما لم ينه صلى الله عليه وسلم عن التكفين بقميصه ونهى عن الصلاة عليه لأن الضنة بالقميص كانت مظنة الإخلال بالكرم على أنه كان مكافأة لقميصه الذي ألبسه العباس رضي الله تعالى عنه حين أسر ببدر فإنه جيء به رضي الله تعالى عنه ولا ثوب عليه وكان طويلاً جسيماً فلم يكن ثوب بقدر قامته غير ثوب ابن أبـي فكساه إياه، وأخرج أبو الشيخ عن قتادة أنهم ذكروا القميص بعد نزول الآية فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : وما يغني عنه قميصي والله إني لأرجو أن يسلم به أكثر من ألف من بني الخزرج» تفسير : وقد حقق الله تعالى رجاء نبيه كما في بعض الآثار، والأخبار فيما كان منه عليه الصلاة والسلام مع ابن أبـي من الصلاة عليه وغيرها لا تخلو عن التعارض، وقد جمع بينهما حسبما أمكن علماء الحديث، وفي «لباب التأويل» [للخازن] نبذة من ذلك فليراجع. والمراد من الصلاة المنهي عنها صلاة الميت المعروفة وهي متضمنة للدعاء والاستغفار والاستشفاع له قيل: والمنع عنها لمنعه عليه الصلاة والسلام من الدعاء للمنافقين المفهوم من الآية السابقة أو من قوله سبحانه: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيّ } تفسير : [التوبة: 113] الخ، وقيل: هي هنا بمعنى الدعاء، وليس بذاك، و {أَبَدًا} ظرف متعلق بالنهي، وقيل: متعلق بمات، والموت الأبدي كناية عن الموت على الكفر لأن المسلم يبعث ويحيا حياة طيبة، والكافر وإن بعث لكنه للتعذيب فكأنه لم يحي، وزعم بعضهم أنه لو تعلق بالنهي لزم أن لا تجوز الصلاة على من تاب منهم ومات على الإيمان مع أنه لا حاجة للنهي عن الصلاة عليهم إلى قيد التأبيد، ولا يخفى أنه أخطأ ولم يشعر بأن {مِّنْهُم} حال من الضمير في {مَّاتَ} أي مات حال كونه منهم أي متصفاً بصفتهم وهي النفاق كقولهم: أنت مني يعني على طريقتي وصفتي كما صرحوا به على أنه لو جعل الجار والمجرور صفة لأحد لا يكاد يتوهم ما ذكر وكيف يتوهم مع قوله تعالى الآتي {إِنَّهُمْ كَفَرُواْ} الخ، وقوله: مع أنه لا حاجة إلى النهي الخ لظهور ما فيه لا حاجة إلى ذكره، و {ماتَ} ماض باعتبار / سبب النزول وزمان النهي ولا ينافي عمومه وشموله لمن سيموت، وقيل: إنه بمعنى المستقبل وعبر به لتحققه؛ والجملة في موضع الصفة لأحد. {وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} أي لا تقف عليه ولا تتول دفنه من قولهم: قام فلان بأمر فلان إذا كفاه إياه وناب عنه فيه، ويفهم من كلام بعضهم أن {عَلَىٰ} بمعنى عند، والمراد لا تقف عند قبره للدفن أو للزيارة، والقبر في المشهور مدفن الميت ويكون بمعنى الدفن وجوزوا إرادته هنا أيضاً. وفي «فتاوى الجلال السيوطي» هل يفسر القيام هنا بزيارة القبور وهل يستدل بذلك على أن الحكمة في زيارته صلى الله عليه وسلم قبر أمه أنه لإحيائها لتؤمن به بدليل أن تاريخ الزيارة كان بعد النهي؟ الجواب المراد بالقيام على القبر الوقوف عليه حالة الدفن وبعده ساعة، ويحتمل أن يعم الزيارة أيضاً أخذاً من الإطلاق وتاريخ الزيارة كان قبل النهي لا بعده فإن الذي صح في الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم زارها عام الحديبية والآية نازلة بعد غزوة تبوك، قم الضمير في {مِنْهُمْ} خاص بالمنافقين وإن كان بقية المشركين يلحقون بهم قياساً، وقد صح في حديث الزيارة أنه استأذن ربه في ذلك فأذن له وهذا الإذن عندي يستدل به على أنها من الموحدين لا من المشركين كما هو اختياري، ووجه الاستدلال به أنه نهاه عن القيام على قبور الكفار وأذن له في القيام على قبر أمه فدل على أنها ليست منهم وإلا لما كان يأذن له فيه، واحتمال التخصيص خلاف الظاهر ويحتاج إلى دليل صريح، ولعله عليه الصلاة والسلام كان عنده وقفة في صحة توحيد من كان في الجاهلية حتى أوحى إليه صلى الله عليه وسلم بصحة ذلك، فلا يرد أن استئذانه يدل على خلاف ذلك وإلا لزارها من غير استئذان اهـ. وفي كون المراد بالقيام على القبر الوقوف عليه حالة الدفن وبعده ساعة خفاء إذ المتبادر من القيام على القبر ما هو أعم من ذلك نعم كان الوقوف بعد الدفن قدر نحر جزور مندوباً ولعله لشيوع ذلك إذ ذاك أخذ في مفهوم القيام على القبر ما أخذ. وفي جواز زيارة قبور الكفار خلاف وكثير من القائلين بعدم الجواز حمل القيام على ما يعم الزيارة ومن أجاز استدل بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة» تفسير : فإنه عليه الصلاة والسلام علل الزيارة بتذكير الآخرة ولا فرق في ذلك بين زيارة قبور المسلمين وقبور غيرهم، وتمام البحث في موضعه والاحتياط عندي عدم زيارة قبور الكفار. {إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} جملة مستأنفة سيقت لتعليل النهي على معنى أن الصلاة على الميت والاحتفال به إنما يكون لحرمته وهم بمعزل عن ذلك لأنهم استمروا على الكفر بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم مدة حياتهم {وَمَاتُواْ وَهُمْ فَـٰسِقُونَ} أي متمردون في الكفر خارجون عن حدوده.
ابن عاشور
تفسير : لمّا انقضى الكلام على الاستغفار للمنافقين الناشىء، عن الاعتذار والحلف الكاذبيْن وكان الإعلام بأن الله لا يغفر لهم مشوباً بصورة التخيير في الاستغفار لهم، وكان ذلك يبقي شيئاً من طمعهم في الانتفاع بالاستغفار لأنهم يحسبون المعاملة الربانية تجري على ظواهر الأعمال والألفاظِ كما قدمناه في قوله: {أية : فرح المخلفون}تفسير : [التوبة: 81]، تهيَّأ الحال للتصريح بالنهي عن الاستغفار لهم والصلاةِ على موتاهم، فإنّ الصلاة على الميت استغفار. فجملة {ولا تصل} عطف على جملة {أية : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم}تفسير : [التوبة: 80] عطفَ كلام مراد إلحاقه بكلام آخر لأنّ القرآن ينزل مراعىً فيه مواقع وضع الآي. وضمير {منهم} عائد إلى المنافقين الذين عُرفوا بسيماهم وأعمالهم الماضية الذكر. وسبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري والترمذي من حديث عبد الله بن عباس حديث : عن عمر بن الخطاب قال: «لما مات عبد الله بنُ أبَيّ بن سَلُول دُعِي له رسول الله ليصلي عليه، فلمّا قام رسول الله وثَبْتُ إليه فقلت: يا رسول الله أتصلّي على ابن أُبيّ وقد قال يومَ كذَا وكذا، كذا وكذا أعَدّدُ عليه قولَه، فتبسّم رسول الله وقال: «أخِّرْ عنّي يا عمرُ» فلمّا أكثرت عليه قال: «إنّي خُيِّرتُ فاخترتُ، لو أعلم أنّي لو زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها»تفسير : . قال: فصلى عليه رسول الله ثم انصرف فلم يمكث إلاّ يسيراً حتّى نزلتْ الآيتان من براءة {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً} إلى قوله: {وهم فاسقون} قال: فعجبت بعدُ من جُرْأتِي على رسول الله واللَّهُ ورسوله أعلم اهــــ». وفي رواية أخرى فلم يصل رسول الله على أحد منهم بعد هذه الآية حتى قُبض صلى الله عليه وسلم وإنّما صلّى عليه وأعطاه قميصه ليكفّن فيه إكراماً لابنه عبدِ الله وتأليفاً للخزرج. وقوله: {منهم} صفة {أحدٍ}. وجملة {مات} صفة ثانية لــــ {أحد}. ومعنى {ولا تقم على قبره} لا تقفْ عليه عند دفنه لأنّ المشاركة في دفن المسلم حقّ على المسلم على الكفاية كالصلاة عليه فتركُ النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عليهم وحضور دفنهم إعلان بكفر من ترك ذلك له. وجملة: {إنهم كفروا بالله ورسوله} تعليلية ولذلك لم تعطف وقد أغنى وجود (إنَّ) في أولها عن فاء التفريع كما هو الاستعمال. والفسق مراد به الكفر فالتعبير بــــ {فاسقون} عوض (كافرون) مجرّد تفنّن. والأحسن أن يفسّر الفسق هنا بالخروج عن الإيمان بعد التلبّس به، أي بصورة الإيمان فيكون المراد من الفسق معنى أشنعَ من الكفر. وضمائر {إنهم كفروا وماتوا وهم فاسقون} عائد إلى {أحدٍ} لأنّه عام لكونه نكرة في سياق النهي والنهي كالنفي. وأمّا وصفه بالإفراد في قوله {مات} فجرى على لفظ الموصوف لأنّ أصل الصفة مطابقة الموصوف.
الواحدي
تفسير : {ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره...} الآية. {ولا تعجبك أموالهم} مضى تفسيره. {وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم} يعني: أصحاب الغنى والقدرة يستأذنونك في التَّخلُّف. {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} النِّساء اللاتي يخلفن في البيت {وطبع على قلوبهم} بالنِّفاق {فهم لا يفقهون} لا يفهمون الإِيمان وشرائعه وأمر الله.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولا تصل على أحد: أي صلاة الجنازة. ولا تقم على قبره: أي لا تتول دفنه والدعاء له كما تفعل مع المؤمنين. وماتوا وهم فاسقون: أي خارجون عن طاعة الله ورسوله. وتزهق أنفسهم: أي تخرج أرواحهم بالموت وهم كافرون. معنى الآيتين: ما زال السياق في شأن المنافقين المتخلفين عن غزوة تبوك، وإن كانت هذه الآية نزلت في شأن عبد الله بن أبي بن سلول كبير المنافقين وذلك أنه لما مات طلب ولده الحباب الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله وقال له الحباب اسم الشيطان وسماه عبد الله جاءه فقال يا رسول الله إن أبي قد مات فأعطني قميصك أكفنه فيه "رجاء بركته" وصل عليه واستغفر له يا رسول الله فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص وقال له إذا فرغتم فآذنوني فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر وقال له: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين فقال بل خيرني فقال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم. فصلى عليه فأنزل الله تعالى هذه الآية {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} أي لا تتول دفنه والدعاء له بالتثبيت عند المسألة. وعلل تعالى لهذا الحكم بقوله {إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ}، وقوله {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ} فتصلي عليهم. إني إنما أعطيتهم ذلك لا كرامة لهم وإنما لأعذبهم بها في الدنيا بالغموم والهموم {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ} أي ويموتوا {وَهُمْ كَٰفِرُونَ} فسينقلون إلى عذاب أبدي لا يخرجون منه، وذلك جزاء من كفر بالله ورسوله. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- حرمة الصلاة على الكافر مطلقاً. 2- حرمة غسل الكافر والقيام على دفنه والدعاء له. 3- كراهة الصلاة على أهل الفسق دون الكفر. 4- حرمة الإِعجاب بأحوال الكافرين المادية.
القطان
تفسير : الطول: الغنى والقوة. ذرنا: اتركنا: الخوالف: كل من تخلف عن الجهاد. طبع على قلوبهم: ختم عليها. بعد ان امر الله رسوله بفضح المنافقين وإذلالهم بمنعهم من الجهاد، أمره ان لا يصلّي على من مات منهم، ولا يوليهم أيَّ تكريم، فهم لايستحقونه أبدا. {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ}. لا تُصَلِّ أيها الرسولُ بعد الآن في جنازة أحدٍ من هؤلاء المنافقين، ولا تتولّ دفنه، ولا تقُمْ عليه كما تفعل على قبور المؤمنين. وكان الرسول اذا فرغ من دفن الميت وقف على قبره وقال: "حديث : استغفِروا لأخيكم وسلو له التثبُّت فإنّه الآن يُسأل". تفسير : رواه ابو داود والحكم عن عثمان رضي الله عنه. {إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ}. لأنهم كفروا وماتَوا وهم خارجون من حظيرة الاسلام. روى احمد والبخاري والترمذي وغيرهم عن ابن عباس قال: حديث : سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما توفي عبد الله بن أُبّي، دُعي رسول الله للصلاة عليه، فقام عليه، فلما وقف قلت: أَتصلي على عدوّ الله، عبدِ الله بن أبّي القائل كذا وكذا؟ ورسولُ الله يبتسم. حتى اذا أكثرتُ قال: يا عمر، أخِّر عني. انّي قد خُيرت: قد قيل لي: استغفر لهم.. الآية، فلو أعمل اني زدتُ على السبعينَ غُفر له لزدتُ عليها". ثم صلى عليه ومشى معه حتى قام على قبره الى ان فرغ منه. فعجبتُ لي ولجرأتي على رسول الله، فوا اللهِ ما كان الا يسيراً حتى نزلتْ هاتان الآياتان: "ولا تصلِّ على أحدٍ منهم ماتَ أبدا..." فما صلى رسول الله على منافق بعده . تفسير : وقد أنكر بعضُ العلماء هذا الحديث، وقالوا إنه مخالف للآية، وقد روي عن طريق ابن عمر وجابر بن عبد الله، ولا أرى في هذا الحديث ما يخالف الآية اذا كان الحديث من اسباب النزول. والحديث صحيح لا مجال للطعن فيه، والنبي انما صلى عليه من أجل ولدِه المؤمن الصحابيّ الجليل، وكان هذا طلبَ من الرسول الكريم ان يصلّي على والده وقال له: يا رسول الله، إنك ان لم تأتِه نُعَيَّر به. {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ}. تقدمت هذه الآية في نفس السورة رقم 55 وفيها زيادة (لا) وهي: "فلا تعجبك اموالهم ولا اولادهم الخ..." وقد أعاد الله تعالى هذه الآية تأكيداً للتحذير. {وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَاعِدِينَ}. إذا أُنزلتْ سورة تدعو المنافقين الى الإخلاص في الإيمان بالله، وتأمرُ بالجهادِ في سبيل الله - جاء الأغنياءُ منهم والذين عندهم المقدرةُ يطلبون من الرسول الكريم ان يأذَنَ لهم في التخلّف، وقالوا: اتركْنا مع القاعدين في بيوتِهم. وذلك لجُبنِهم وبُخلهم في ان يجودوا بأموالهم وأنفسُهم في سبيل الله. {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ}. انهم قد ارتضوا لأنفسِهم ان يكونوا في عِداد المتخلّفين من النساء والعجزة والاطفال ممّن لم يُكتب عليهم القتال، وخَتَم الله على قلوبهم بالخوف والنفاق، فهم لا يفقهون ما في الجهاد من عّزٍ في الدنيا ورضوانٍ من الله في الآخرة. {لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}. ان الرسول والذين آمنوا معه قد جاهدوا وبذلوا أرواحهم وأموالهم في سبيل الله، اعلاء لكلمته، فلهؤلاء كل خيرٍ في الدنيا من العزّ والنصر والعمل الصالح، وهم الفائزون بسعادة الدنيا والآخرة. {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}. قد هيأ الله لهم في الآخرة النعيمَ الدائم، في جناتٍ تتخلّلها الأنهار، وذلك هو النجاح الكبير. وهذا من أسلوب القرآن الحكيم يقابل الصور دائما ويبين السّيء من الحسن ليتعظ الناس بذلك.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَاسِقُونَ} (84) - أَمَرَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَتَبَرَّأَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَأَنْ لاَ يُصَلِّيَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ، وَأَنْ لاَ يَقُومَ عَلَى قَبْرِهِ دَاعِياً مُسْتَغْفِراً لَهُ، لأَِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ، وَمَاتُوا عَلَى كُفْرِهِمْ. وَهَذا حُكْمٌ عَامٌّ فِي كُلِّ نِفَاقٍ، وَإِنْ كَانَتِ الآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ فِي حَادِثَةٍ مُعَيَّنَةٍ هِي حَادِثَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ. وَلَمْ يُصَلِّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مُنَافِقٍ أَبَداً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ميت هي رحمة له، وغفران لذنوبه؛ لأن الصلاة على الميت أن تطلب له الرحمة والمغفرة، وأن تطلب له من الله أن يُلحقَه بالصالحين. وإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الكلام، ودعا بهذا الدعَاء، فإن دعوة رسول الله مستجابة من الله. وهكذا حرمهم الله سبحانه وتعالى من رحمة يكون الإنسان في أشد الحاجة إليها حين ينتقل من الحياة الدنيا إلى حياة البرزخ. وقول الحق لرسوله: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} معناها نهى عن فعل لم يأت زمنه. وقوله تعالى: {وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} أي: لا تذهب إلى قبره وتطلب له الرحمة، ولكن الحق سبحانه وتعالى قال: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} مع أن النهي عن المستقبل، أي: من مات بعد نزول هذه الآيات، فلماذا لم يقل الحق "يمت" أو "يموتوا" واستخدم الفعل الماضي {مَّاتَ}؟. ونقول: لأن الموت عملية حتمية مقررة عند الله ومُقدَّرة، فموعد الموت مكتوب ومعروف عند الله، وهو شيء لا يقرره الله مستقبلاً، بمعنى أن موعد الموت لا يحدد قبل حدوثه بليلة أو ليلتين، ولكن الموعد قد حُدِّد وانتهى الأمر. أما قوله الحق: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم} فهو يدلنا على أن هذا الأمر ليس خاصّاً بسبب، ولكنه عموم حكم، فهناك: سبب للحكم، وهناك عموم حكم. وسبب الحكم مثل الآية التي نزلت في زعيم المنافقين عبد الله ابن أبيّ، فعندما مرض عبد الله بن أُبيّ مرض الموت؛ جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلب منه أن يعطيه قميصه يُكفِّن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه ليصلي عليه ويستغفر له. وذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم مجاملة لابنه عبد الله بن أبيّ الذي أسلم وحَسُن إسلامه. وعندما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوار عبد الله بن أبيّ، قال له: "حديث : أهلكك حب يهود"تفسير : ؛ لأن ابن أبيّ كان يجامل اليهود ويعاونهم، ونفاقه في الإسلام كان مجاملة لليهود وكان يُظهِر أمام اليهود الكفر، ويُظهِر أمام المسلمين الإيمان. وهنا قال ابن أبيّ: يا رسول الله، إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ولم أرسل إليك لتؤنبني. فاستغفر له الرسول صلى الله عليه وسلم، وهنا نزلت الآية الكريمة: {أية : ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ...} تفسير : [التوبة: 80]. وطلب عبد الله بن أبيّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهبه ثوبه لكي يُكفَّن به، فلما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته، أرسل له الثوب الأعلى. وقد كان صلى الله عليه وسلم يلبس ثوبين؛ ثوباً يلي جسده وثوباً فوقه. فلما جاء ابن أبيّ الثوب الأعلى، قال: أنا أريد الثوب الذي لامس جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر إلى زعيم المنافقين والذي كان يملؤه الكبرياء في حياته، كبرياء على المؤمنين؛ ها هو ذا يطلب كل هذه الطلبات ساعة احتضاره. فماذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أرسل له القميص الذي لامس جسده الشريف. وكان كل هذا إرضاء لابنه عبد الله بن عبد الله بن أبيّ. ولم يتقبل هذا الفعل عدد من المؤمنين ولم يشعروا بالارتياح، فعندما مات ابن أبيّ جاء ابنه عبد الله، وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي عليه. وعندما هَمَّ النبي أن يصلي عليه، وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه بين الرسول وبين القبلة. وهنا حسم الحق سبحانه وتعالى الموقف ونزلت الاية الكريمة: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} فقد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي على ابن أُبيّ؛ لأنه رسول رحمة للعالمين. ولكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقف بينه وبين القبلة حتى لا يصلي، فأنزل الحق قوله: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} وقالوا: تلك من الأمور التي وافق الوحي فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ومن المسائل التي وافق الوحي فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه تغيير القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام. فقد كان عمر يرجوها، وكان يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، لو اتخذت مقام إبراهيم مصلّى. ومن هذه الأمور أيضاً رأيه في أسرى بدر، وأن من الواجب قتلهم، وكان رأي أبي بكر أن يقوم الأسرى بتعليم المسلمين القراءة والكتابة؛ أو يؤخذ فيهم الفداء، فنزلت الآية الكريمة: {أية : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} تفسير : [الأنفال: 67]. بعض الناس يتساءل: كيف يستدرك عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ نقول: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لن يُخلَّد في أمته؛ لذلك أراد أن يعطيهم الأُسْوة بأنه صلى الله عليه وسلم متى رأى رأياً حسناً نزل عليه. وبعض المستشرقين يقولون: إنكم تقولون دائماً عمر فعل كذا، ولماذا لا تقولون لنا محمد فعل كذا؟ ونقول: إذا فعل محمد فهو رسول الله، أما غير الرسول عندما يفعل فهو دليل على أن الفطرة الإسلامية من الممكن أن ترى شيئاً يتفق مع ما يريده الله. وبعد أن نزل قول الحق: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} صار الحكم عاماً في ألا يصلي رسول الله على المنافقين. لكن من أراد من الناس أن يصلي فليُصلِّ. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يكرم كل مسلم بالصلاة عليه، فلما نزلت هذه الآية امتنع عن الصلاة على المنافقين. كذلك حديث : امتنع صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على الميت وعليه دين، فكان يسأل أهل الميت: هل عليه دَيْن؟ فإن قالوا: نعم. سأل: هل ترك ما يسده؟. فإن قالوا: لا، قال: "صَلُّوا على صاحبكم"، وامتنع هو عن الصلاة. تفسير : ولكن ما ذنب من عليه دين حتى يُحرَم صلاة رسول الله عليه؟ نجد الإجابة في قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومَنْ أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ". تفسير : فلو كان هذا الميت المدين ينوي سداد دينه لأعانه الله على أن يُسدِّده، أما إذا ترك ما يفي بهذا الدين من عقارات أو أراض أو أموال في البنوك فلا يكون مديناً. ويقول الحق سبحانه هنا: {وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} ونحن نعلم أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يذهب إلى قبر حمزة رضي الله عنه، ويقف على قبور المؤمنين: "حديث : السلام عليكم دار قوم مؤمنين"تفسير : . ومنعه الحق من ذلك العمل على قبور المنافقين. ويعطينا الحق سبحانه العلة في ذلك فيقول: {إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ} وعرفنا كيف كفروا بالله ورسوله، لكن ماذا عن قوله الحق: {وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ}. فهل ماتوا وهم خارجون عن المنهج؟ نعم، تماماً مثلما نقول: فسقت الرطبة؛ لأن البلح في نضجه يكون أحمر اللون أو أصفر وتلتصق قشرته به، فإذا رطب انفصلت القشرة عن البلحة، بحيث تستطيع أن تنزعها بسهولة، فكأن منهج الله بالنسبة للمؤمن لا بد أن يلتصق به كقشرة البلحة الحمراء، وإذا انفصل عنه مثل قشرة الرطبة يُصَابُ بالفساد. ولكن هنا نتساءل: أليس الكفر أكبر مرتبة من الفسق؟ لأننا نعلم أنه ليس بعد الكفر ذنب؟ فكيف يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ} مع أنهم كفروا، والكفر أكبر الذنوب؟ ونقول: إن الكفر هو عدم الإيمان بالله ورسوله وعدم الدخول في الإسلام، ولكن الفسق هو عدم الالتزام بأية قيم، ذلك أن الدين قد أوجد في النفوس عامة قيماً معروفة يتبعها حتى الذين كفروا، فمثلاً عندما أرادوا بناء الكعبة قبل الإسلام، قالوا: نريد أن نبنيها بمال حلال، لا يدخل فيه مال بَغيٍّ. وكانوا في الماضي يُحضرون البغايا، ويُقيمون لهن الرايات، ويأخذون من أموالهن. لم يكن الإسلام قد جاء بَعْد، ولكن كانت هناك قيم من مناهج السماء التي جاءت قبل الإسلام. وجاء الإسلام موافقاً لبعضها. إذن: فقوله الحق: {كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}، أي: لم يكونوا مسلمين. {وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ} أي: لم يلتزموا بأية قيم. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا...}.
الأندلسي
تفسير : {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} الآية، النهي عن الصلاة على المنافقين إذا ماتوا عقوبة ثانية لهم وخزي متأبد، وكان عليه السلام فيما روي يصلي على المنافقين إذا ماتوا ويقوم على قبورهم بسبب ما يظهرونه من الإِسلام فإِنهم كانوا يتلفظون بكلمتي الشهادة ويصلون ويصومون، فبنى الأمر على ما ظهر من أقوالهم وأفعالهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى. ولم يزل على ذلك حتى وقعت واقعة عبد الله بن أبيّ. وروي أنس أنه لما تقدم ليصلي عليه جاءه جبريل عليه السلام فجذبه بثوبه وتلا عليه ولا تصل على أحد منهم الآية فانصرف ولم يصل عليه. ومات: صفة لأحد تقدم الوصف بالمجرور، ثم بالجملة وهو ماض بمعنى المستقبل، لأن الموت غير موجود لا محالة نهاه تعالى عن الصلاة عليه والقيم على قبره وهو الوقوف على قبره حتى يُفرَغ من دفنه. {وَلاَ تُعْجِبْكَ} الآية، تقدم الكلام على نظيرها وأعيد ذلك لأن تجدد النزول له شأن في تقرير ما نزل له. {وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} الآية، يحتمل أنّ أنْ تكون تفسيرية بمعنى أي. ويحتمل أن تكون مصدرية، أي بالإِيمان. والظاهر أن الخطاب للمنافقين أي آمنوا بقلوبكم كما آمنتم بألسنتكم. و{ٱسْتَأْذَنَكَ} جواب إذا. و{أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ} الكبراء والرؤساء والطول. قال ابن عباس: الغنى. والمعنى استأذنك أولو الطول منهم في القعود. وفي استأذنك التفات، إذ هو خروج من لفظ الغيبة في قوله: ورسوله، إلى ضمير الخطاب. {وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَاعِدِينَ} أي ألزمنا. وأهل العذر وفي ترك لحراسة المدينة. وفي قوله: {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ} تهجين لهم ومبالغة في الذم. والخوالف: الفساد. والظاهر أن قوله: {وَطُبِعَ} خبر من الله تعالى بما فعل بهم، فلأجل الطبع لا يفقهون ولا يتدبرون ولا يتفهمون ما في الجهاد من الفوز والشهادة والسعادة، وما في التخلف من الشقاء والضلال.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبدا } من المنافقين { وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ } بعد الدفن لتدعو له، فإن صلاته ووقوفه على قبورهم شفاعة منه لهم، وهم لا تنفع فيهم الشفاعة. { إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ } ومن كان كافرا ومات على ذلك، فما تنفعه شفاعة الشافعين، وفي ذلك عبرة لغيرهم، وزجر ونكال لهم، وهكذا كل من علم منه الكفر والنفاق، فإنه لا يصلى عليه. وفي هذه الآية دليل على مشروعية الصلاة على المؤمنين، والوقوف عند قبورهم للدعاء لهم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم، يفعل ذلك في المؤمنين، فإن تقييد النهي بالمنافقين يدل على أنه قد كان متقررا في المؤمنين.
همام الصنعاني
تفسير : 1116- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً}: [الآية: 84]، قال: حديث : أرسل عبد الله بن أبي بن سلول وهو مريض إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فَلمَّا دَخَل عَلْيه النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "أهْلكك حُبُّ يهُود" قال: له يا رسول الله، إنما أرْسَلْتُ إليك، لتستغفر لي ولم أُرسِلْ إليكَ لتُؤَنِّبنِي، ثم سأله عبد الله أن يعطيه قميصه يكفن فيه، فأعطاه إيّاهُ وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقام على قبره، فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ}:تفسير : [الآية: 84].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):