٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
85
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذه الآية قد سبق ذكرها بعينها في هذه السورة وذكرت ههنا، وقد حصل التفاوت بينهما في ألفاظ: فأولها: في الآية المتقدمة قال: {فَلاَ تُعْجِبْكَ } بالفاء. وههنا قال: {وَلاَ تُعْجِبْكَ } بالواو وثانيها: أنه قال هناك {أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ } وههنا كلمة {لا } محذوفة. وثالثها: أنه قال هناك {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ } وههنا حذف اللام وأبدلها بكلمة {أن} ورابعها: أنه قال هناك {في الحياة} وههنا حذف لفظ الحياة وقال: {فِى ٱلدُّنْيَا } فقد حصل التفاوت بين هاتين الآيتين من هذه الوجوه الأربعة، فوجب علينا أن نذكر فوائد هذه الوجوه الأربعة في التفاوت، ثم نذكر فائدة هذا التكرير. أما المقام الأول: فنقول: أما النوع الأول: من التفاوت وهو أنه تعالى ذكر قوله: {فَلاَ تُعْجِبْكَ } بالفاء في الآية الأولى وبالواو في الآية الثانية، فالسبب أن في الآية الأولى إنما ذكر هذه الآية بعد قوله: {وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَـٰرِهُونَ } وصفهم بكونهم كارهين للإنفاق، وإنما كرهوا ذلك الإنفاق لكونهم معجبين بكثرة تلك الأموال. فلهذا المعنى نهاه الله عن ذلك الإعجاب بفاء التعقيب، فقال: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ } وأما ههنا فلا تعلق لهذا الكلام بما قبله فجاء بحرف الواو. وأما النوع الثاني: وهوأنه تعالى قال في الآية الأولى: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ } فالسبب فيه أن مثل هذا الترتيب يبتدأ بالأدون ثم يترقى إلى الأشرف، فيقال لا يعجبني أمر الأمير ولا أمر الوزير، وهذا يدل على أنه كان إعجاب أولئك الأقوام بأولادهم فوق إعجابهم بأموالهم، وفي هذه الآية يدل على عدم التفاوت بين الأمرين عندهم. أما النوع الثالث: وهو أنه قال هناك: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ } وههنا قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذّبَهُمْ } فالفائدة فيه التنبيه على أن التعليل في أحكام الله تعالى محال، وأنه أينما ورد حرف التعليل فمعناه «أن» كقوله: { أية : وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ } تفسير : [البينة: 5] أي وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله. وأما النوع الرابع: وهو أنه ذكر في الآية الأولى {في الحياة الدنيا} وههنا ذكر {فِى ٱلدُّنْيَا } وأسقط لفظ الحياة، تنبيهاً على أن الحياة الدنيا بلغت في الخسة إلى أنها لا تستحق أن تسمى حياة، بل يجب الاقتصار عند ذكرها على لفظ الدنيا تنبيهاً على كمال دناءتها، فهذه وجوه في الفرق بين هذه الألفاظ، والعالم بحقائق القرآن هو الله تعالى. وأما المقام الثاني: وهو بيان حكمة التكرير فهو أن أشد الأشياء جذباً للقلوب وجلباً للخواطر، إلى الاشتغال بالدنيا، هو الاشتغال بالأموال والأولاد، وما كان كذلك يجب التحذير عنه مرة بعد أخرى، إلا أنه لما كان أشد الأشياء في المطلوبية والمرغوبية للرجل المؤمن هو مغفرة الله تعالى، لا جرم أعاد الله قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } في سورة النساء مرتين، وبالجملة فالتكرير يكون لأجل التأكيد فههنا للمبالغة في التحذير، وفي آية المغفرة للمبالغة في التفريح، وقيل أيضاً إنما كرر هذا المعنى لأنه أراد بالآية الأولى قوماً من المنافقين لهم أموال وأولاد في وقت نزولها، وأراد بهذه الآية أقواماً آخرين، والكلام الواحد إذا احتيج إلى ذكره مع أقوام كثيرين في أوقات مختلفة، لم يكن ذكره مع بعضهم مغنياً عن ذكره مع الآخرين.
القرطبي
تفسير : كرره تأكيداً. وقد تقدّم الكلام فيه.
البيضاوي
تفسير : {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذّبَهُمْ بِهَا فِى ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ} تكرير للتأكيد والأمر حقيق به فإن الأبصار طامحة إلى الأموال والأولاد والنفوس مغتبطة عليها. ويجوز أن تكون هذه في طريق غير الأول.
ابن كثير
تفسير : قد تم تفسيرنظير هذه الآية الكريمة ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوٰلُهُمْ وَأَوْلَٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِى ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ } تخرج {أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيا} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: يعذبهم بحفظها في الدنيا والإشفاق عليها. والثاني: يعذبهم بما يلحقهم منها من النوائب والمصائب. والثالث: يعذبهم في الآخرة بما صنعوا بها في الدنيا عند كسبها وعند إنفاقها. وحكى ابن الأنباري وجهاً رابعاً: أنه على التقديم والتأخير، وتقديره: ولا تعجبك أموالهم وأولادهم في الدنيا إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الآخرة. قوله عز وجل {وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُوا بِاللَّهِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: استديموا الإيمان بالله. والثاني: افعلوا فعل من آمن بالله. والثالث: آمنوا بقلوبكم كما آمنتم بأفواهكم، ويكون خطاباً للمنافقين. {وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوْا الطَّوْلِ مِنْهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: أهل الغنى، قاله ابن عباس وقتادة. والثاني: أهل القدرة. وقال محمد بن إسحاق. نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول والجد بن قيس. قوله عز وجل {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مع المنافقين، قاله مقاتل. والثاني: أنهم خساس الناس وأدناهم مأخوذ من قولهم فلان خالفه أهله إذا كان دونهم، قاله ابن قتيبة. والثالث: أنهم النساء، قاله قتادة والكلبي.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ}: تقدم تفسير مثل هذه الآية، والطَّوْلُ في هذه الآية المالُ؛ قاله ابن عباس وغيره، والإِشارة بهذه الآيةِ إِلى الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ ونظرائِهِ، و«القاعدون»: الزَّمْنَى وأهْلُ العُذْر في الجُمْلَة، و{ٱلْخَوَالِفِ}: النساءُ جَمْعُ خالفةٍ؛ هذا قول جمهور المفسِّرين. وقال أبو جعفر النَّحَّاس: يقال للرجُلِ الذي لا خَيْرَ فيه: خَالِفَةٌ، فهذا جمعه بحَسَبِ اللفظ، والمراد أخسَّةُ الناسِ وأخلافهم؛ ونحوه عن النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، وقالت فرقة: الخوالفُ: جمعُ خَالِفٍ؛ كفَارِسٍ وَفَوَارِس. {وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ}: أي: لا يفهمون، و{الخَيْرَاتُ}: جمع خَيْرَة، وهو المستحْسَنُ من كلِّ شيء. وقوله سبحانه: {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}: {أَعَدَّ}: معناه يَسَّر وَهَيَّأ، وباقي الآية بيِّن.
ابو السعود
تفسير : {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ} تكريرٌ لما سبق وتقريرٌ لمضمونه بالإخبار بوقوعه ويجوز أن يكون هذا في حق فريقٍ غيرِ الفريقِ الأولِ، وتقديمُ الأموالِ في أمثال هذه المواقعِ على الأولاد مع كونهم أعزَّ منها إما لعموم مِساسِ الحاجةِ إليها بحسب الذاتِ وبحسب الأفراد والأوقات، فإنها مما لا بد منه لكل أحدٍ من الآباء والأمهاتِ والأولادِ في كل وقت وحينٍ حتى إن من له أولادٌ ولا مالَ له فهو وأولادُه في ضيق ونَكالٍ وأما الأولادُ فإنما يَرغب فيهم مَنْ بلغ مبلغَ الأُبوةِ وإما لأن المالَ مناطٌ لبقاء النفسِ والأولادُ لبقاء النوعِ وإما لأنها أقدمُ في الوجود من الأولاد لأن الأجزاءَ المَنويةَ إنما تحصُل من الأغذية كما سيأتي في سورة الكهف {أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ} بما متعهم به من الأموال والأولاد {أَن يُعَذّبَهُمْ بِهَا فِى ٱلدُّنْيَا} بسبب معاناتِهم المشاقَّ ومكابدتِهم الشدائدَ في شأنها {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ} أي فيموتوا كافرين باشتغالهم بالتمتع بها والالتهاء عن النظر والتدبّرِ في العواقب. {وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ} من القرآن ويجوز أن يُراد بها بعضُها {أَنْ آمِنُواْ بِاللهِ} (أنْ) مفسرةٌ لما في الإنزال من معنى القولِ والوحي، أو مصدريةٌ حذف عنها الجارُّ أي بأن آمِنوا {وَجَـٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ} لإعزاز دينِه وإعلاءِ كلمتِه {ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ} أي ذوو الفضل والسَّعةِ والقُدرة على الجهاد بدناً ومالاً {وَقَالُواْ} عطفٌ تفسيريٌّ لاستأذنك مغنٍ عن ذكر ما استأذنوا فيه يعني القعودَ {ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ} أي الذين قعدوا عن الغزو لما بهم من عذر.
القشيري
تفسير : يقول لا تحسبنَّ تمكينَ أهل النِّفاق مِنْ تنفيذ مرادهم، وتكثيرَ أموالهم إسداءَ معروف مِنَّا إليهم، أو إسباغَ إنعامٍ مِنْ لَدُنَّا عليهم، إنما ذلك مَكْرُ بهم، واستدراجٌ لهم، وإمهالٌ لا إهمال. وسيلقون غِبه عن قريب.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تعجبك} الاعجاب [شكفتى نمودن وخوش آمدن خطاب بآن حضرتست ومرادامت اند يعنى در عجب ندارد شمارا] {اموالهم واولادهم} الضمير للمنافقين. قال الكاشفى [مالهاى منافقان اكرجه بسيارست وفرزندان ايشان كه قوى وبا اقتدارند] وتقديم الاموال فى امثال هذه المواقع على الاولاد مع كونهم اعز منها اما لعموم مساس الحاجة اليها بحسب الذات وبحسب الافراد والاوقات فانها مما لا بد منه لكل احد من الآباء والامهات والاولاد فى كل وقت وحين حتى ان من له اولاده ولا مال له فهو واولاده فى ضيق ونكال واما الاولاد فانما يرغب فيهم من بلغ مبلغ الابوة واما لان المال مناط لبقاء النفس والاولاد لبقاء النوع واما لانها اقدم فى الوجود من الاولاد لان الاجزاء المنوية انما تحصل من الاغذية {انما يريد الله} بما متعهم به من الاموال والاولاد {ان يعذبهم بها فى الدنيا} [بسبب جمع مال ومحافظت آن بيوسته دررنج باشند وبراى رونق احوال اولاد وتهيه اسباب ايشان همواره محنت ومشقت كشند] {وتزهق انفسهم} الزهوق [برآمدن جان] اى تخرج ويموتوا {وهم كافرون} اى كافرون بسبب اشتغالهم بالتمتع بها والالهاء عن النظر والتدبر فى العواقب [درويشى ميكفت اغنيا اشقى الاشقيا اند مال دنيا جمع ميكنند بانواع بريشايى وزحمت ونكاه ميدارند باصناف بليت ومشقت وميكذارند بصد هزار حسرت] شعر : در اول جو خواهى كنى جمع مال بسى رنج بر خويش بايد كماشت بس از بهر آن تا بماند بجاى شب وروز مى بايدت باس داشت وزين جمله آن حال مشكلترست كه آخر بحسرت ببايد كذشت تفسير : واعلم ان هذه الآية مرت فى هذه السورة الكريمة مع التغاير فى بعض الالفاظ فالتكرير لتأكيد النصيحة بها والاعتناء بشأنها تنبيها على ان هذه النصيحة مما لا ينبغى ان يذهل السامع عنها وان الناصح لا بد له ان يرجع اليها فى اثناء كلامه دائما ولا سيما اذا تباعد احد الكلامين عن الآخر بناء على ان الابصار طامحة اى مرتفعة ناظرة الى الاموال والاولاد وان النفوس مغتبطة اى متمنية لهما حريصة عليهما والاموال والاولاد وان كانت نعمة فى حق المؤمنين فانها نقمه فى حق المنافقين لكونها شاغلة لقلوبهم عن الله واشد عذاب القلوب من الحجاب ومن عذب بالحجاب فقد حرم من الايمان كما قال تعالى {وتزهق انفسهم وهم كافرون} اى مستوروا القلوب بحجاب حب الاموال والاولاد كما فى التأويلات النجمية وفى الحديث "حديث : الدنيا محفوفة بالذات والشهوات فلا تلهينكم شهوات الدنيا ولذاتها عن الآخرة فانه لا دنيا لمن لا آخرة له ولا آخرة لمن لا دنيا له يعمل فيها بطاعة الله تعالى" تفسير : يعنى ان المؤمن يتزود لآخرته بالعبادات المالية
الطوسي
تفسير : قد مضى تفسير مثل هذه الآية فلا وجه لاعادته وبينا أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به الامة، ينهاهم الله أن يعجبوا بما اعطى الله الكفار من الأموال والأولاد في الدنيا حتى يدعوهم ذلك إلى الصلاة عليهم، ولا ينبغي ان يغتروا بذلك فانما يريد الله ان يعذبهم بها في الدنيا، لأنهم لا ينفقونها في طاعة الله ولا يخرجون حق الله منها. ويجوز أن يعذبهم بها في الدنيا بما يلحقهم فيها من المصائب والغموم وبما يأخذها المسلمون على وجه الغنيمة وبما يشق عليهم من إخراجها في الزكاة والانفاق في سبيل الله مع اعتقادهم بطلان الاسلام وتشدد ذلك عليهم ويكون عذاباً لهم، وان نفوسهم تزهق اي تهلك بالموت {وهم كافرون} أي في حال كفرهم، فلذلك عذبهم الله في الآخرة. والاعجاب هو ايجاد السرور بما يتعجب منه من عظيم الاحسان، تقول: اعجبني امره اعجاباً اذا سررت بموضع التعجب منه والزهق خروج النفس بمشقة شديدة ومنه قوله {أية : فإذا هو زاهق} تفسير : أي هالك. وقيل: في وجه حسن تكرار هذه الآية دفعتين قولان: احدهما - قال ابو علي: يجوز أن تكون الآيتان في فريقين من المنافقين كما يقول القائل: لا يعجبك حال زيد ولا يعجبك حال عمرو. الثاني - أن يكون الغرض البيان عن قوة هذا المعنى فيما ينبغي ان يحذر منه مع أنه للتذكير في موطنين بعد احدهما عن الاخر، فيجب العناية به، وليس ذلك بقبيح، لأن الواحد منا يحسن به أن يقوم في مقام بعد مقام، ويكرر الوعظ والزجر والتخويف ولا يكون ذلك قبيحاً.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ} لا {وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} قد مرّ تفسيره، وتكريره للتّأكيد، لانّ كثرة الاموال والاولاد فى انظار اهل الحسّ معجب لا محالة فالنّهى عنه مطلوب فيه التّأكيد ولانّ التّكرار مطلوب فى مقام التّشديد.
الأعقم
تفسير : {إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا} يعني بالمصائب، ثم بيَّن تعالى أخبار المنافقين فقال تعالى: {وإذا أنزلت سورة} من القرآن على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفيها الأمر بالايمان والجهاد {مع رسوله استأذنك} أي طلب منك الإذن في القعود {أولو الطول منهم}، قيل: أولو المال والقدرة، وقيل: الطول الغنى، وقيل: هم الكبراء {وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين}، قيل: النساء والصبيان، فقال سبحانه: {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف}، قيل: النساء، وقيل: المخلفين {وطبع على قلوبهم}، قيل: نكتة سوداء جعلت علامة لقلب الكافر روي ذلك عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقيل: هو ذم لهم {وجاء المعذِّرون من الأعراب} حديث : الآية نزلت في رهط عامر بن الطفيل جاءوا في غزوة تبوك يستأذنون في التخلف وقالوا: إن نحن غزونا معك أغارت أعراب على أهالينا ومواشينا فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "إن الله أنبأني عن أخباركم وسيغني الله عنكم" تفسير : وقيل: نزلت في الذين تخلفوا العذر بإذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يكن لهم عذر، وقيل: هم أهل العذر عن ابن عباس، وقوله: {ليؤذن لهم} في التخلفات {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} يعني كذبوا فيما قالوا أنهم مؤمنون {ليس على الضعفاء} الآية نزلت في عبد الله بن أم مكتوم أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: هل لي من رخصة في الجهاد فسكت (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت الآية، وقيل: نزلت في جماعة من ضعفاء المسلمين أرادوا الجهاد ولم يتمكنوا منه، قيل: الضعفاء المشائخ والزمنى، وقيل: من لا يقدر على الخروج فقد عذره الله تعالى، قوله تعالى: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} يعني طلبوا منك مركوباً تحملهم عليه حرصاً على الجهاد، قلت: لا أجد ما أحملكم عليه {تولوا} اعرضوا عنك وانصرفوا باكيين {وأعينهم تفيض من الدمع حزناً} يعني من الحزن على التخلف {ألا يجدوا ما ينفقون} ليخرجوا معك.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهِا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ} أي: وتموت أنفسهم {وَهُمْ كَافِرُونَ} أي: وهم مخالفون لله ورسوله. أخبر أنهم يموتون على الكفر. وقد فسَّرناه في الآية الأولى التي قبل هذه الآية.
اطفيش
تفسير : {ولاَ تُعجْبكَ أمْوالهم وأولادُهم} كرره مع ما بعده للتأكيد، فإن النفوس شديدة الحب للمال والولد، فأعيد ذلك زجرا لهم، وأيضا مضى لذلك زمان، فربما غفلوا فأعيد النهى ليتنبهوا أيضا للجديد من الطراوة، ما ليس القديم أو نزل ذلك فى شأن فرقة غير الفرقة التى نزل فيها ذلك، أولا، وكان ذلك بإلغاء التقدم قوله: {أية : ولا ينفقون إلا وهم كارهون} تفسير : وقد مر كلام فيه، وهذا بالواو، ولعدم التقدم ما يترتب هو عليه. {إنَّما يُريدُ الله} تعليل جملى {أنْ يُعذِّبهُم بهَا} وأسقط فى هذا التكرير لفظة لا قبل الأولاد، ولفظة الحياة قبل الدنيا اختصار من حيث إنه تكرير، وقيل: أسقط هنا لا تنبيها على أنه سواء الإعجاب بكثرة المال، والإعجاب بكثرة الولد، وأكثرية حبهم للولد الدال عليها زيادة لا هنالك وما دونها، وأسقط اللام تنبيها على أنها هناك بمعنى أن الذكران هنا قبل، وعلى أنه لا تعليل فى حكم الله، وأسقط الحياة تنبيها على أنها كل حياة، حتى إن الأولى الاقتصار على لفظ الدنيا. {وتَزْهقَ أنفُسُهم وهُم كافِرُون * وإذا أنْزلتْ سُورةٌ} من سور القرآن فيها الأمر بالإيمان والجهاد، ويجوز أن يراد بعض بعض السورة إطلاقا للكل، وإرادة البعض، أو حذفا للمضاف، أى بعض سورة، وقيل المراد سورة براءة على إرادة البعض، أو تقدير مضاف وهو ضعيف، لأن إذا للاستقبال، وبعض براءة المأمور فيه بالإيمان والجهاد نزل قبل هذا، إلا إن كان صاحب هذا القول ممن أجاز خروجها عن الاستقبال، كما قال بعض: إنها فى قوله تعالى: {أية : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} {أية : وإذا رأوا تجارة} تفسير : للماضى وفى {أية : والليل إذا يغشى} تفسير : للحال أو اعتبر الحال الماضية السابقة على زمان نزول ذلك البعض، حتى كأن وقت نزول هذه الآية متقدم على نزول ذلك البعض، وهكذا فى {أية : إذا ما أتوك} {أية : وإذا رأوا}. تفسير : {أنْ آمنُوا بالله وجاهِدُوا مَعَ رسُوله} أن مصدرة تقدر قبلها باء، أو فى بناء على جواز دخول الجار على الطلب، ولا يجوز ذلك عندى، بل هى مفسرة، لأن إنزال السورة إيحاءها، والإيحاء فيه معنى القول دون حروفه. {اسْتأذنَكَ} القعود عن الغزو {أولُوا الطَّوْل} السعة فى المال والرياسة، كالجد بن قيس، وعبد الله بن أيوب، ومعتب بن قريش {منْهُم} أى من المنافقين والخطاب فى آمنوا وجاهدوا للمنافقين، أى أخلص الإيمان، وقيل للمؤمنين، وعليه فالمراد دوموا على الإيمان والجهاد، ويدخل المنافقون بالتبع. والذى عندى أن الخطاب للناس، والمراد الدوام، فالمؤمنون مأمورون بالدوام، والمنافقون مأمورون بالدوام على ما لم يكونوا عليه، كما تقول لمن يقرأ سورة الكوثر مثلا: دم على قراءتها، وقدم الإيمان لأنه الباعث على الجهاد، ولأنه إنما ينفع للجهاد معه، وخص أولى الطول بالذكر لأنهم يحتاجون إلى الاستئذان دون الفقراء الذين لا يقدرون على الجهاد، ولأن الذم ألزم لهم لكونهم قادرين على الجهاد والسفر. {وقالُوا ذَرْنا} اتركنا {نَكُن مَعَ القَاعِدينَ} أى مع الذين قعدوا عن الخروج لعذر، كمرض وأنوثة، وضبط المدينة، واستأنف الله سبحانه وتعالى الذم لهم بقوله: {رَضُوا بأنْ يَكُونوا مَع الخَوالفِ} أى مع النساء جمع خالفة، ولذلك كان الجمع على فواعل، مع أن الصفة لمن يعقل كضاربة وضوارب، وقال أبو جعفر النحاس: يقال للرجل الذى لا خير فيه: خالفة، وكذا قال النظر بن شميل، فعلى هذا فإنما جمع على فواعل مع أنه صفة للمذكر، نظر إلى تأنيث لفظه، وقيل جمع خالف شاذ كفارس وفوارس وما ماثله إن لم تقدر الطائفة، قيل: مثل ذلك، أن يسمع هؤلاء فوارس، فإنه إن قدر هؤلاء طائفة فوارس فلا شذوذ فيه، وإن سمع رجال فوارس فشاذ قطعا على ما قال الإمام المرادى. {وطُبعَ عَلَى قلُوبِهِم} شبه الكفر الذى اختاروه بما يختم به الكتاب ويمنع من نشره، لأنه مانعهم الهدى {فَهُم لا يفْقَهونَ} لا يعلمون ما فى الجهاد، وموافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم من السعادة والفوز، وما فى التخلف من الشقاوة والهلاك.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تُعْجِبُك أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ} قدم الأَموال لتقدمها وجودا، ولعموم مسيس الحاجة إِليها والأَولاد أَعز {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِى الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} مَرَّ هذا وأَعادهُ للتأْكيد لأَن الناس مائلون بالطبع إِلى إِعجاب ذلك إِياهم، أَو نزلت فى غير من نزلت فيه الأُولى، وهنا ولا تعجبك بالواو، وهناك بالفاء لأَن المراد التفريع على كونهم لا ينفقون إِلا وهم كارهون. وهنالك ولا أَولادهم بلا لأَن إِعجابهم بأَولادهم أَكثر منه بأَموالهم وأَسقطها هنا بيانا لكون كل من الأَمرين سواءٌ فى إِيجاب الإِهلاك، وسواءٌ الإِعجاب بكل على حدة والإِعجاب بمجموعهما، وهنا أَن يعذبهم بيانا لكون التعليل هناك ليس على حقيقته من الغرض، وأَيضا المراد هنا نفس التعذيب وهناك جعله علة، وإِن جعلنا لا زائِداً كان المعنى واحدا، وأَسقط الحياة هنا بيانا لكون الحياة الدنيوية كالعدم وأَما ما قيل من أَنها ذكرت هناك لبيان أَن الدنيا وصف لا اسم ليأْخذ بالوصفية حيث ذكرت فيرده أَن القرآن لبيان الشرع لا لبيان ما يتعلق باللغة.
الالوسي
تفسير : تأكيد لما تقدم من نظيره والأمر حقيق بذلك لعموم البلوى بمحبة ما ذكر والإعجاب به، وقال الفارسي: إن ما تقدم في قوم وهذا في آخرين فلا تأكيد، وجيء بالواو هنا لمناسبة عطف نهي على نهي قبله أعني قوله سبحانه: {أية : وَلاَ تُصَلِّ } تفسير : [التوبة: 84] الخ، وبالفاء هناك لمناسبة التعقيب لقوله تعالى: قبل {أية : وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَـٰرِهُونَ } تفسير : [التوبة: 54] فإن حاصله لا ينفقون إلا وهم كارهون للإنفاق فهم معجبون بكثرة الأموال والأولاد فنهى عن الإعجاب المتعقب له. / وقيل: هنا {وَأَوْلَـٰدُهُمْ} دون ـ لا ـ لأنه نهى عن الإعجاب بهما مجتمعين وهناك بزيادة لا لأنه نهى عن كل واحد واحد فدل مجموع الآيتين على النهي عن الإعجاب بهما مجتمعين ومنفردين وهنا {أَن يُعَذّبَهُمْ} وهناك {أية : لِيُعَذّبَهُمْ } تفسير : [التوبة: 55] للإشارة إلى أن إرادة شيء لشيء راجعة إلى إرادة ذلك الشيء بناء على أن متعلق الإرادة هناك الإعطاء واللام للتعليل أي إنما يريد إعطاءهم للتعذيب، وأما إذا قلنا: إن اللام فيما تقدم زائدة فالتغاير يحتمل أن يكون لأن التأكيد هناك لتقدم ما يصلح سبباً للتعذيب بالأموال أوقع منه هنا لعدم تقدم ذلك وجاء هناك {أية : فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } تفسير : وهنا {فِي ٱلدُّنْيَا} تنبيهاً على أن حياتهم كلا حياة فيها ويشير ذلك هنا إلى أنهم بمنزلة الأموات. وبين ابن الخازن سر تغاير النظمين الكريمين بما لا يخفى ما فيه، وتقديم الأموال على الأولاد مع أنهم أعز منها لعموم مساس الحاجة إليها دون الأولاد، وقيل: لأنها أقدم في الوجود منهم.
ابن عاشور
تفسير : الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود به المسلمون، أي لا تعجبكم، والجملة معطوفة على جملة النهي عن الصلاة عليهم. ومناسبة ذكر هذا الكلام هنا أنّه لما ذُكر ما يدلّ على شقاوتهم في الحياة الآخرة كان ذلك قد يثير في نفوس الناس أنّ المنافقين حصلوا سعادة الحياة الدنيا بكثرة الأموال والأولاد وخسروا الآخرة. وربما كان في ذلك حيرة لبعض المسلمين أن يقولوا: كيف مَنَّ الله عليهم بالأموال والأولادِ وهم أعداؤه وبُغضاء نبيه. وربما كان في ذلك أيضاً مسلاة لهم بين المسلمين، فأعلم الله المسلمين أنّ تلك الأموال والأولاد وإن كانت في صورة النعمة فهي لهم نقمة وعذاب، وأنّ الله عذّبهم بها في الدنيا بأن سلبهم طمأنينة البال عليها لأنّهم لما اكتسبوا عداوة الرسول والمسلمين كانوا يحذرون أن يُغريَ اللَّهُ رسوله بهم فيستأصلهم، كما قال: {أية : لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً}تفسير : [الأحزاب: 60، 61]، ثم جعل ذلك مستمراً إلى موتهم على الكفر الذي يصيرون به إلى العذاب الأبدي. وقد تقدّم نظير هذه الآية في هذه السورة عند ذكر شحّهم بالنفقة في قوله: {أية : قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً}تفسير : [التوبة: 53] الآيتين، فأفيد هنالك عدم انتفاعهم بأموالهم وأنّها عذاب عليهم في الدنيا، ثم أعيدت الآية بغالب ألفاظها هنا تأكيداً للمعنى الذي اشتملت عليه إبلاغاً في نفي الفتنة والحيرة عن الناس. ولكن هذه الآية خالفت السابقة بأمور: أحدها: أنّ هذه جاء العطف في أولها بالواو والأخرى عطفت بالفاء. ومناسبة التفريع هنالك تقدّم بيانها، ومناسبَة عدم التفريع هنا أنّ معنى الآية هذه ليس مفرّعاً على معنى الجملة المعطوف عليها ولكن بينهما مناسبة فقط. ثانيها: أنّ هذه الآية عطف فيها الأولادُ على الأموال بدون إعادة حرف النفي، وفي الآية السالفة أعيدت (لا) النافية، ووجه ذلك أنّ ذكر الأولاد في الآية السالفة لمجرد التكملة والاستطراد إذ المقام مقام ذمّ أموالهم إذ لم ينتفعوا بها فلمّا كان ذكر الأولاد تكملة كان شبيهاً بالأمر المستقلّ فأعيد حرف النفي في عطفه، بخلاف مقام هذه الآية فإنّ أموالهم وأولادهم معاً مقصود تحقيرهما في نظر المسلمين. ثالثها: أنّه جاء هنا قوله: {إنما يريد الله أن يعذبهم} بإظهار {أن} دون لام، وفي الآية السالفة {أية : إنما يريد الله ليعذبهم}تفسير : [التوبة: 55] بذكر لام التعليل وحذف (أن) بعدها وقد اجتمع الاستعمالان في قوله تعالى: {أية : يريد الله ليبين لكم} تفسير : في سورة النساء (26) إلى قوله {أية : والله يريد أن يتوب عليكم}تفسير : في سورة النساء (27). وحذف حرف الجرّ مع (أنْ) كثير. وهنالك قدرت أنْ بعد اللام وتقدير (أن) بعد اللام كثير. ومن محاسن التأكيد الاختلاف في اللفظ وهو تفنّن على أنّ تلك اللام ونحوها قد اختلف فيها فقيل هي زائدة، وقيل: تفيد التعليل. وسمّاها بعض أهل اللغة (لامَ أنْ)، وتقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى: {أية : يريد الله ليبين لكم} تفسير : في سورة النساء (26). رابعها: أنّه جاء في هذه الآية {أن يعذّبهم بها في الدنيا} وجاء في الآية السالفة {أية : في الحياة الدنيا}تفسير : [التوبة: 55] ونكتة ذلك أنّ الآية السالفة ذكرت حالة أموالهم في حياتهم فلم تكن حاجة إلى ذكر الحياة. وهنا ذكرت حالة أموالهم بعد مماتهم لقوله: {أية : ولا تصل على أحد منهم مات أبداً}تفسير : [التوبة: 84] فقد صاروا إلى حياة أخرى وانقطعت حياتهم الدنيا وأصبحت حديثاً. وبقية تفسير هذه الآية كتفسير سالفتها
د. أسعد حومد
تفسير : {أَمْوَالُهُمْ} {أَوْلاَدُهُمْ} {كَافِرُونَ} (85) - فَلاَ يُثِرْ عَجَبَكَ مَا تَرَاهُمْ فِيهِ مِنْ وَفْرَةِ المَالِ، وَكَثْرَةِ الأَوْلاَدِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى إِنَّما يُرِيدُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ فِيمَا أَعْطَاهُمْ بِدَفْعِ الزَّكَاةِ مِنْهَا، وَفِي الإِنْفَاقِ فِي الْجِهَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يُوجِبُهُ الإِسْلاَمُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، ثُمَّ يُمِيتُهُم اللهُ عَلَى الكُفْرِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَشَدَّ نَكَالاً لَهُمْ، وَعَذَاباً فِي الدَّارِ الآخِرَةِ فَتَكُونَ الأَمْوَالُ وَالأَوْلاَدُ اسْتِدْرَاجاً لَهُمْ مِنَ اللهِ. تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ - تَخْرُجَ أَرْوَاحُهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونعلم أن الحق قال في آية سابقة: {أية : فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} تفسير : [التوبة: 55]. والنص القرآني إذا ما اتفق مع نص آخر، نقول: إن الأداء الخاص ومقتضيات الأحوال تختلف، ومن ينظر إلى خصوصيات ومقتضيات الأحوال يعلم أن هذا تأسيس وليس تكراراً، فقد تحمل آيتان معنى عامّاً واحداً، ولكن كل آية تمس خصوصية العطاء، ولنأخذ مثالاً من قوله الحق: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ...} تفسير : [الأنعام: 151]. وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم...} تفسير : [الإسراء: 31]. وقد ادعى بعض المستشرقين أن في القرآن تكراراً، وهذا غير صحيح؛ لأنهم ينظرون إلى عموم الآية ولا ينظرون إلى خصوصية العطاء. وخصوصية العطاء في الآية توافق مقتضى كل حال. ففي قوله سبحانه عن رزق الأولاد لم يلتفتوا إلى صدري الآيتين بل التفتوا إلى عجُز الآيتين، وذلك من جهلهم بملكة الأداء في البيان العربي. ولنا أن نسأل هؤلاء المستشرقين الذين يثيرون مثل هذه الأقاويل: هل ترون أن آية من الآيتين أقل بلاغة من الأخرى؟ ولن نجد إجابة عندهم؛ لأنهم لا يعرفون دقة البيان العربي. ونقول لهم: أنتم إن نظرتم إلى عَجُز كل آية وصدرها لوجدتم أن آخر الآية يقتضي أولها، وإلا لما استقام المعنى، فالله سبحانه وتعالى لم يَقُلْ في الآيتين: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ} وإنما قال: {مِّنْ إمْلاَقٍ}، وقال: {خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} ولم يقل في الآيتين: {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} بل قال: {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} وقال: {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}. إذن: فبداية الآيتين مختلفة؛ الآية الأولى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ}. والإملاق هو الفقر، فكأن الفقر موجود فعلاً. وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ}، فكأن الفقر غير موجود، ولكن الإنسان قد يخشى أن يأتي الفقر بمجيء الأولاد. إذن: فالآية الأولى تخاطب الفقراء فعلاً، والآية الثانية تخاطب غير الفقراء الذين يخشوْنَ مجيء الفقر إن رُزِقوا بأولاد؛ والفقير - كما نعلم - يُشغل برزقه أولاً قبل أن يُشغلَ برزق أولاده. ولذلك يطمئنه الحق سبحانه وتعالى على أن أولاده لن يأخذوا من رزقه شيئاً، فيقول: {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} أي: اطمئن أيها الفقير على رزقك فلن يأخذ أولادك منه شيئاً؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يرزقك أولاً ويرزق أولادك أيضاً. أما غير الفقير الذي يخشى أن يجيء الولد ومعه الفقر فقد ينشغل بأن المولود الجديد سيأتي ليُحوِّل غناه إلى فقر. ويخاطبه الحق سبحانه وتعالى بقوله: {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} أي: أن رزقهم يأتي من عند الله قبل رزقكم أنتم، فلا تخشوا الفقر وتقتلوا أولادكم؛ لأن الحق سبحانه وتعالى سيرزقهم، فلن يصيبكم الفقر بسبب الأولاد. وهكذا نرى أن معنى الآيتين مختلف تماماً وليس هناك تكرار. كذلك في الآية التي نحن بصددها، يقول بعض الناس: إن هذه الآية قد وردت في نفس السورة، نقول لهم: نعم. ولكن هذه لها معنى والأخرى لها معنى آخر؛ فأين الاختلاف في الآيتين؛ حتى نعرف أنهما ليستا مكررتين؟ الآية الأولى تقول: {أية : فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} تفسير : [التوبة: 55]. والآية الثانية التي نحن بصددها تقول: {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 85]. أول اختلاف نجده في بداية الآيتين؛ ففي الآية الأولى: {فَلاَ تُعْجِبْك}، والثانية: {وَلاَ تُعْجِبْكَ}. ففي الآية الأولى جاء الحق سبحانه وتعالى بالفاء، والفاء تقتضي الترتيب. إذن: فهذه الآية مترتبة على ما قبلها، وهي قوله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلٰوةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} تفسير : [التوبة: 54]. فكأن هذه حيثيات كفرهم؛ فهم لا يُصلُّون إلا نفاقاً، ولا ينفقون مالاً في سبيل الله إلا وهم يكرهون ذلك. والمتعة في المال أن تنفقه فيما تحب، فإذا أحببت طعاماً اشتريته، وإذا أحببت ثوباً ابتعته. وتكون في هذه الحالة مسروراً وأنت تنفق مالك، ولكن هؤلاء ينفقون المال وهم كارهون. والمؤمن عندما ينفق ماله في صدقة أو زكاة فهو يفعل ذلك إيماناً منه بأن الله سبحانه وتعالى سيعطيه أضعاف أضعاف الأجر في الدنيا والآخرة. إذن: فحين ينفق المؤمن ماله في الزكاة، يكون فرحاً لأنه عمل لدنياه ولآخرته. أما المنافق الذي يضمر الكفر في قلبه، فهو لا يؤمن بالآخرة ولا يعرف البركة في الرزق، فكأنه أنفق ماله دون أن يحصل على شيء، أي: أن المسألة في نظره خسارة في المال ولا شيء غير ذلك. وإن أنفق الإنسان وهو كاره، فالمال الموجود لديه هو ذلة وتعب؛ لأنه حصل على المال بعد عمل ومشقة، ثم ينفقه وهو لا يؤمن بآخرة ولا بجزاء. ويريد الحق سبحانه أن يلفتنا إلى أن رزقه لهؤلاء الناس هو سبب في شقائهم وإذلالهم في الدنيا فيجعلهم يجمعون المال بعمل وتعب ثم ينفقونه بلا ثواب، أي: يخسرونه. والواحد منهم يذهب إلى الحرب نفاقاً، فينفق على سلاحه وراحلته، ولا يأخذ ثواباً، ويُربِّي أولاده ثم تأتي الحرب، فيذهبون نفاقاً للقتال؛ فيموتون دون استشهاد إن كانوا منافقين مثل آبائهم. وهكذا نجد أن كل أموال المنافق الذي يتظاهر بالإسلام، وهو كافر، تكون حسرة عليه. ومن هنا فإياك أيها المؤمن أن تعجبك أموالهم؛ لأنها ذلة لهم في الدنيا؛ فهم يبذلونها نفاقاً؛ فإذا امتنعوا عن الإنفاق وعن الجهاد وهم يتظاهرون بالإسلام؛ فكأنهم قد أعلنوا أنهم منافقون، وهكذا نجد إنفاقهم كرهاً هو إذلال لهم، وإن لم ينفقوا فهذا أمر يفضحهم، فكأن الأموال والأولاد عذاب لهم، وهذا أمر لا يقتضي الإعجاب، وإنما يقتضي الإشفاق عليهم. ولا تظن أنك حين حذفتهم من ديوان الغُزاة والمجاهدين بعدم الخروج معك وأنهم لن يقاتلوا معك عدوّاً، أن في أموالهم عوضاً عن الخروج، فلا تعجبك فإنها عقاب وفضيحة وإذلال لهم. ولكن في الآية الأولى، يقول الحق سبحانه: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ} لماذا؟ لأن منهم من له مال يعتز به، ومنهم من له أولاد كثيرون هم عِزْوته، ومنهم من له المال والولد. إذن: فهم مختلفون في أحوالهم؛ لذلك جاء القول: {أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ} لتؤدي المعاني كلها. ولتشمل من عنده مال فقط، ومن عنده أولاد فقط، ومن عنده المال والولد. أما في الآية الثانية التي نحن بصددها: {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} إذن: فالحقُّ سبحانه وتعالى قد أعطاهم المال والولد للعذاب. ولكن هناك من يقول: ما دام الحق يريد تعذيبهم بالأموال والأولاد، فهل المال والأولاد علة للعذاب؟ وهل لأفعال الله علّة؟ ألا يقول المسلمون: إن أفعال الله لا علة لها؛ ونقول: لقد قالوا مثل ذلك القول في قوله الحق: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56]. ولم يلتفتوا إلى أن العلة في الخلق لا تعود إلى الله، ولكنها علة ترجع للمخلوق؛ لأن في العبادة مصلحة ومنفعة للمخلوق. فسبب الخلق هو العبادة، وهذا السبب ليس راجعاً إلى الخالق ولا تعود على الله أدنى منفعة، فلا شيء يزيد في ملكه ولا شيء ينقصه. أو هي لام العاقبة. ومعنى "لام العاقبة" أن تفعل شيئاً فتأتي العاقبة بغير ما قصدت مصداقاً لقوله الحق: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً...} تفسير : [القصص: 8]. هل التقط آل فرعون موسى ليكون لهم عدوّاً؟ أم التقطوه ليكون لهم قرة عين؟. لقد التقطوه ليكون قرة عَيْن لهم، ولكن النهاية جاءت بغير ما قصدوا؛ فأصبح الذي التقطوه ليكون وليّاً ونصيراً لهم هو الذي جاءت على يديه نهايتهم، ولو كان فرعون يعلم الغيب لما التقط موسى بل لَقَتله، وشاء الحق أن يخفي عنه الغيب ليقوم هو بتربية من سيقضي على مُلكه، تماماً كما تُدخل ابنك إلى المدرسة فيفشل، وتنفق عليه فلا يتخرج، هل أنت أدخلته المدرسة ليخيب؟ طبعاً لا. كذلك قول الحق سبحانه وتعالى: {لِيُعَذِّبَهُمْ} ويريدنا الله أن نفهم أن العذاب ليس هو سبب جمعهم المال، وإنما السبب هو في ذلك هو حُبُّهم للمال والمتعة، وكذلك الأولاد ليس الهدف منهم أن يكونوا سبباً في عذاب آبائهم، بل هم يريدون الأولاد عِزْوة لهم. ولكن الحق سبحانه وتعالى شاء أن يعذبهم بالمال والأبناء في الدنيا. فالمال يجمعه المنافق من حلال ومن حرام، ثم بعد ذلك إما أن يفارقه المال بكارثة تصيبه، وإما أن يفارق هو المال بالموت، وإما أن يكون هذا المال عذاباً له؛ فيعيش مع خشية الفقر وزوال النعمة، كذلك الأولاد يربيهم ويتعب في تربيتهم، ثم بعد ذلك إما أن يفارقوه بالموت، وإما أن يكبروا فاسدين؛ فيكونوا مصدر عذاب لهم. فكأن قول الحق سبحانه وتعالى: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} هو كلام من الحق سبحانه وتعالى للمؤمنين؛ لأن هؤلاء المنافقين قد يعطيهم الله الأموال والأولاد؛ ولكنها ليست خيراً لهم، بل هي عذاب لهم؛ لأنهم بإبطانهم الكفر وتظاهرهم بالإيمان؛ يفرضون على أنفسهم تكاليف تأخذ جزءاً من أموالهم وأولادهم، وحينئذ تكون عذاباً لهم لأنهم خسروا كل شيء ولم يكسبوا شيئاً، فليس لهم أجر على موت أبنائهم إن قتلوا، ولا أجر الزكاة والصدقة فيما ينفقونه رياء ونفاقاً. أما الآية الثانية: {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} فهي حكم عام على من يعطيهم الله نعمة الدنيا ويكفرون به، وتكون هذه النعمة عليهم عذاباً، فهم في خوف من ضياع المال أو فقد الولد؛ لذلك يعانون من العذاب. وهم من خوفهم من الموت وترك النعمة مُعذَّبون، فهم لا يريدون أن يموتوا لأنهم لا يعتقدون في الآخرة، ويكون المال والولد حسرة عليهم؛ لأن المؤمن إن مات منه ولد، علم أن افتقاد الابن إنما يسد طاقة جهنم، ويقوده إلى رحمة الله، وله أجر على ذلك، فإن كان الولد صغيراً كان ذخراً له في الآخرة، وإن كان كبيراً فهو يتذكر قول الحق: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم...} تفسير : [الطور: 21]. وفي هذا سلوى عن افتقاد الولد، لكن المنافق يحيا في خوف وحسرة. وفي هذا عذاب. ويلفتنا الحق سبحانه إلى أن مال الكافر هو حسرة عليه دائماً فيقول: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} تفسير : [الأنفال: 36]. أي أن الله سبحانه وتعالى يعاقب من ينفق لمحاربة دينه بأن يتركه ينفق، ثم ينصر الله دينه ليجعل ذلك حسرة في نفسه حين يرى المال الذي أنفقه وقد جاء بنتيجة عكسية هي انتصار الدين وانتشاره. وقول الحق سبحانه وتعالى: {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} وهذه هي الحسرة الكبرى، فحين يموت الكافر ولا يجد له رصيداً في الآخرة إلا النار؛ لأنه مات على غير يقين بالجنة وعلى غير يقين بأنه قد قدم شيئاً، يُلْقَى في النار محسوراً على ما تركه في الدنيا، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل نقرأ قول الله: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ...} تفسير : [الأنفال: 50]. وهكذا يذوقون العذاب. ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى صورة أخرى للمنافقين في قوله: {وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لا تغتر بما أعطاهم اللّه في الدنيا من الأموال والأولاد، فليس ذلك لكرامتهم عليه، وإنما ذلك إهانة منه لهم. { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا } فيتعبون في تحصيلها، ويخافون من زوالها، ولا يتهنئون بها. بل لا يزالون يعانون الشدائد والمشاق فيها، وتلهيهم عن اللّه والدار الآخرة، حتى ينتقلوا من الدنيا { وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ } قد سلبهم حبها عن كل شيء، فماتوا وقلوبهم بها متعلقة، وأفئدتهم عليها متحرقة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):