٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
86
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه تعالى بين في الآيات المتقدمة أن المنافقين احتالوا في رخصة التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود عن الغزو، وفي هذه الآية زاد دقيقة أخرى، وهي أنه متى نزلت آية مشتملة على الأمر بالإيمان وعلى الأمر بالجهاد مع الرسول، استأذن أولو الثروة والقدرة منهم في التخلف عن الغزو، وقالوا لرسول الله ذرنا نكن مع القاعدين أي مع الضعفاء من الناس والساكنين في البلد. أما قوله: {وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءامِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَـٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ } ففيه أبحاث: البحث الأول: يجوز أن يراد بالسورة تمامها وأن يراد بعضها، كما يقع القرآن والكتاب على كله وبعضه، وقيل المراد بالسورة هي سورة براءة، لأن فيها الأمر بالإيمان والجهاد. البحث الثاني: قوله: {أن آمنوا بالله} قال الواحدي: موضع {أن} نصب بحذف حرف الجر. والتقدير بأن آمنوا أي بالإيمان؟ البحث الثالث: لقائل أن يقول: كيف يأمر المؤمنين بالإيمان، فإن ذلك يقتضي الأمر بتحصيل الحاصل وهو محال. أجابوا عنه: بأن معنى أمر المؤمنين بالإيمان الدوام عليه والتمسك به في المستقبل، وأقول لا حاجة إلى هذا الجواب، فإن الأمر متوجه عليهم، وإنما قدم الأمر بالإيمان على الأمر بالجهاد لأن التقدير كأنه قيل للمنافقين الإقدام على الجهاد قبل الإيمان لا يفيد فائدة أصلاً، فالواجب عليكم أن تؤمنوا أولاً، ثم تشتغلوا بالجهاد ثانياً حتى يفيدكم اشتغالكم بالجهاد فائدة في الدين، ثم حكى تعالى أن عند نزول هذه السورة ماذا يقولون، فقال: {ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ } وفي {أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ } قولان: الأول: قال ابن عباس والحسن: المراد أهل السعة في المال: الثاني: قال الأصم: يعني الرؤساء والكبراء المنظور إليهم، وفي تخصيص {أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ } بالذكر قولان: الأول: أن الذم لهم ألزم لأجل كونهم قادرين على السفر والجهاد، والثاني: أنه تعالى ذكر أولوا الطول لأن من لا مال له ولا قدرة على السفر لا يحتاج إلى الاستئذان. ثم قال تعالى: {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوٰلِفِ } وذكرنا الكلام المستقصى في الخالف في قوله: {فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَـٰلِفِينَ } وههنا فيه وجهان: الأول: قال الفراء: {ٱلْخَوَالِفِ } عبارة عن النساء اللاتي تخلفن في البيت فلا يبرحن، والمعنى: رضوا بأن يكونوا في تخلفهم عن الجهاد كالنساء. الثاني: يجوز أيضاً أن يكون الخوالف جمع خالفة في حال. والخالفة الذي هو غير نجيب. قال الفراء: ولم يأت فاعل صيغة جمعه فواعل، إلا حرفان: فارس وفوارس، وهالك وهوالك، والقول الأول أولى، لأن أدل على القلة والذلة. قال المفسرون: وكان يصعب على المنافقين تشبيههم بالخوالف. ثم قال: {وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } وقد عرفت أن الطبع والختم عبارة عندنا عن حصول الداعية القوية للكفر المانعة من حصول الإيمان، وذلك لأن الفعل بدون الداعي لما كان محالاً، فعند حصول الداعية الراسخة القوية للكفر، صار القلب كالمطبوع على الكفر، ثم حصول تلك الداعية إن كان من العبد لزم التسلسل، وإن كان من الله فالمقصود حاصل. وقال الحسن: الطبع عبارة عن بلوغ القلب في الميل في الكفر إلى الحد الذي كأنه مات عن الإيمان، وعند المعتزلة عبارة عن علامة تحصل في القلب، والاستقصاء فيه مذكور في سورة البقرة في قوله: {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } وقوله: {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } أي لا يفهمون أسرار حكمة الله في الأمر بالجهاد.
القرطبي
تفسير : انتدب المؤمنون إلى الإجابة وتعلّل المنافقون. فالأمر للمؤمنين باستدامة الإيمان وللمنافقين بابتداء الإيمان. و {أَنْ} في موضع نصب؛ أي بأن آمِنوا. و {ٱلطَّوْلِ} الغنى؛ وقد تقدّم. وخصّهم بالذكر لأن من لا طول له لا يحتاج إلى إذْن لأنه معذور. {وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَاعِدِينَ} أي العاجزين عن الخروج.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ} من القرآن ويجوز أن يراد بها بعضها. {أَن آمِنُوا بِاللهِ} بأن آمنوا بالله ويجوز أن تكون أن المفسرة. {وَجَـٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ} ذوو الفضل والسعة. {وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ} الذين قعدوا لعذر. {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوٰلِفِ} مع النساء جمع خالفه وقد يقال الخالفة للذي لا خير فيه. {وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } ما في الجهاد وموافقة الرسول من السعادة وما في التخلف عنه من الشقاوة. {لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ جَـٰهَدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} أي إن تخلف هؤلاء ولم يجاهدوا فقد جاهد من هو خير منهم. {وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ} منافع الدارين النصر والغنيمة في الدنيا والجنة والكرامة في الآخرة. وقيل الحور لقوله تعالى؛ {أية : فِيهِنَّ خَيْرٰتٌ حِسَانٌ } تفسير : [الرحمن: 70] وهي جمع خيرة تخفيف خيرة. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} الفائزون بالمطالب. {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} بيان لما لهم من الخيرات الأخروية. {وَجَاء ٱلْمُعَذّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ} يعني أسداً وغطفان استأذنوا في التخلف معتذرين بالجهد وكثرة العيال. وقيل هم رهط عامر بن الطفيل قالوا إن غزونا معك أغارت طيىء على أهالينا ومواشينا. والمعذر إما من عذر في الأمر إذا قصر فيه موهماً أن له عذراً ولا عذر له، أو من اعتذر إذا مهد العذر بادغام التاء في الذال ونقل حركتها إلى العين، ويجوز كسر العين لالتقاء الساكنين وضمها للاتباع لكن لم يقرأ بهما. وقرأ يعقوب {ٱلْمُعَذّرُونَ} من أعذر إذا اجتهد في العذر. وقرىء {ٱلْمُعَذّرُونَ} بتشديد العين والذال على أنه من تعذر بمعنى اعتذر وهو لحن إذ التاء لا تدغم في العين، وقد اختلف في أنهم كانوا معتذرين بالتصنع أو بالصحة فيكون قوله: {وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في غيرهم وهم منافقو الأعراب كذبوا الله ورسوله في إدعاء الإِيمان وإن كانوا هم الأولين فكذبهم بالاعتذار. {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ} من الأعراب أو من المعذرين فإن منهم من اعتذر لكسله لا لكفره {عَذَابٌ أَلِيمٌ} بالقتل والنار. {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَاء وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ} كالهرمى والزمنى. {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ} لفقرهم كجهينة ومزينة وبني عذرة. {حَرَجٌ} إثمٌ في التأخر. {إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} بالإِيمان والطاعة في السر والعلانية كما يفعل الموالي الناصح، أو بما قدروا عليه فعلاً أو قولاً يعود على الإِسلام والمسلمين بالصلاح {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} أي ليس عليهم جناح ولا إلى معاتبتهم سبيل وإنما وضع المحسنين موضع الضمير للدلالة على أنهم منخرطون في سلك المحسنين غير معاتبين لذلك. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لهم أو للمسيء فكيف للمحسن.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى منكراً وذاماً للمتخلفين عن الجهاد الناكلين عنه مع القدرة عليه ووجود السعة والطول، واستأذنوا الرسول في القعود، وقالوا: {ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ} ورضوا لأنفسهم بالعار والقعود في البلد مع النساء، وهن الخوالف بعد خروج الجيش، فإذا وقع الحرب، كانوا أجبن الناس، وإذا كان أمن، كانوا أكثر الناس كلاماً، كما قال تعالى عنهم في الآية الأخرى: {أية : فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِى يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} تفسير : [الأحزاب: 19] أي: علت ألسنتهم بالكلام الحاد القوي في الأمن، وفي الحرب أجبن شيء، وكما قال الشاعر:شعر : أفي السّلْمِ أَعْياراً جَفاءً وغِلْظَةً وفي الحرْبِ أشباهَ النِّساء العَواركِ؟ تفسير : وقال تعالى في الآية الأخرى: {أية : وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ ٱلاَْمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } تفسير : [محمد: 20-21] الآية، وقوله: {وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} أي: بسبب نكولهم عن الجهاد والخروج مع الرسول في سبيل الله {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} أي: لا يفهمون ما فيه صلاح لهم فيفعلوه ولا ما فيه مضرة لهم فيجتنبوه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ } أي طائفة من القرآن {أَن } أي بأن {ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ} ذوو الغنى {مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَٰعِدِينَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَنْ ءَامِنُواْ} دوموا على الإيمان، أو افعلوا فعل المؤمن، أو أمر المنافقين أن يؤمنوا باطناً كما آمنوا ظاهراً. {الطَّوْلِ} الغنى، أو القدرة، قيل نزلت في ابن أُبي والجد بن قيس.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وإذا أنزلت سورة} يحتمل أن يراد بالسورة بعضها لأن إطلاق لفظ الجمع على البعض جائز ويحتمل أن يراد جميع السورة. فعلى هذا المراد بالسورة براءة لأنها مشتملة على الأمر بالإيمان والأمر بالجهاد {أن} أي بأن {آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله}. فإن قلت: كيف يأمرهم بالإيمان مع كونهم مؤمنين فهو من باب تحصيل الحاصل قلت: معناه الأمر بالدوام على الإيمان والجهاد في المستقبل. وقيل: إن الأمر بالإيمان يتوجه على كل أحد في كل ساعة. وقيل: إن هذا الأمر وإن كان ظاهره العموم لكن المراد به الخصوص وهم المنافقون والمعنى أن أخلصوا الإيمان بالله وجاهدوا مع رسوله وإنما قدم الأمر بالإيمان على الأمر بالجهاد لأن الجهاد بغير إيمان لا يفيد أصلاً فكأنه قيل للمنافقين: الواجب عليكم أن تؤمنوا بالله أولاً وتجاهدوا مع رسوله ثانياً حتى يفيدكم ذلك الجهاد فائدة يرجع عليكم نفعها في الدنيا والآخرة. وقوله سبحانه وتعالى: {استأذنك أولوا الطول منهم} قال ابن عباس: يعني أهل الغنى وهم أهل القدرة والثروة والسعة من المال وقيل: هم رؤساء المنافقين وكبراؤهم وفي تخصيص أولى الطول بالذكر قولان: أحدهما أن الذم لهم ألزم لكونهم قادرين على أهبة السفر والجهاد. والقول الثاني: إنما خص أولي الطول بالذكر لأن العاجز عن السفر والجهاد لا يحتاج إلى الاستئذان {وقالوا} يعني أولي الطول {ذرنا نكن مع القاعدين} يعني في البيوت مع النساء والصبيان وقيل مع المرضى والزمنى {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} قيل: الخوالف النساء اللواتي يتخلفن في البيوت فلا يخرجن منها، والمعنى رضوا بأن يكونوا في تخلفهم عن الجهاد كالنساء وقيل: خوالف جمع خالفة وهم أدنياء الناس وسفلتهم يقال فلان خالفة قومه إذا كان دونهم {وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون} يعني: وختم على قلوب هؤلاء المنافقين فهم لا يفقهون مراد الله في الأمر بالجهاد. قوله سبحانه وتعالى: {لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم} أي إن تخلف هؤلاء ولم يجاهدوا فقد جاهد من هو خير منهم يعني الرسول والمؤمنين {وأولئك لهم الخيرات} منافع الدارين النصر والغنيمة في الدنيا والجنة والكرامة في الآخرة وقيل الحور لقوله فيهن خيرات حسان وهي جمع خيرة تخفيف خيرة {وأولئك هم المفلحون} أي الفائزون بالمطالب. قوله سبحانه وتعالى: {أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم} بيان لما لهم من الخيرات الأخروية. قوله سبحانه وتعالى: {وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم} يعني وجاء المعتذرون من أعراب البوادي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه في التخلف عن الغزو معه. قال الضحاك: هم رهط عامر بن الطفيل جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم معتذرين إليه دفاعاً عن أنفسهم فقالوا يا نبي الله إن نحن غزونا معك تغير أعراب طيئ على حلائلنا وأولادنا ومواشينا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قد أنبأني الله من أخباركم وسيغنى الله عنكم " تفسير : وقيل: هم نفر من بني غفار رهط خفاف بن إيماء بن رحضة. وقيل: هم من أسد وغطفان. وقال ابن عباس هم الذين تخلفوا بعذر فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء المعذرون: أي المقصرون. يعني: أنهم قصروا ولم يبالغوا فيما اعتذروا به والمعذر من يرى أن له عذراً ولا عذر له. وقيل: إن الأصل في هذا اللفظ عند النحاة المعتذرون أدغمت التاء في الذال لقرب مخرجيهما والاعتذار في كلام العرب على قسمين يقال اعتذر إذا كذب في عذره ومنه قوله تعالى يعتذرون إليكم فرد الله عليهم بقوله قل لا تعتذروا فدل ذلك على فساد عذرهم وكذبهم فيه ويقال اعتذر إذا أتى بعذر صحيح ومنه قول لبيد: شعر : ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر تفسير : يعني فقد جاء بعذر صحيح. وقيل: هو من التعذير الذي هو التقصير. يقال: عذر تعذيراً إذا قصروا ولم يبالغ فعلى هذا المعنى، يحتمل أنهم كانوا صادقين في اعتذارهم وأنهم كانوا كاذبين ومن المفسرين من قال: إنهم كانوا صادقين، بدليل أنه تعالى لما ذكرهم قال بعده {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} فلما فصل بينهم وميزهم عن الكاذبين دلَّ ذلك على أنهم ليسوا كاذبين ويروى عن أبي عمرو بن العلاء أنه لما قيل له هذا الكلام، قال: إن قوماً تكلفوا عذراً بباطل فهم الذين عناهم الله تعالى بقوله وجاء المعذورن وتخلف آخرون لا لعذر ولا لشبهة عذر جرأة على الله تعالى فهم المراد بقوله وقعد الذين كذبوا الله ورسوله وهم منافقو الأعراب الذين ما جاؤوا وما اعتذروا وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله يعني في ادعائهم الإيمان {سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم} يعني في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار وإنما قال منهم لأنه سبحانه وتعالى علم أن منهم من سيؤمن ويخلص في إيمانه فاستثناهم الله من المنافقين الذين أصروا على الكفر والنفاق وماتوا عليه.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} الآية. "إذَا" لا تقتضي تكراراً بوضعها، وإن كان بعضُ النَّاسِ فهم ذلك منها هنا، وقد تقدَّم ذلك أوَّل البقرة؛ وأنشد عليه: [البسيط] شعر : 2824- إذَا وَجَدْتُ أوَارَ الحُبِّ فِي كَبِدِي ........................... تفسير : وأنَّ هذا إنَّما يُفهَمُ من القرائنِ، لا منْ وضع "إذَا". قوله: "أَنْ آمِنُواْ" فيه وجهان: أحدهما: أنَّها تفسيريةٌ؛ لأنَّه فيه تقدَّمها ما هو بمعنى القول لا حروفه. والثاني: أنَّها مصدريةٌ، على حذف حر الجرّ، أي: بأنْ آمنُوا. وفي قوله: "ٱسْتَأْذَنَكَ" التفاتٌ من غيْبَةٍ إلى خطاب، وذلك أنَّهُ قد تقدَّم لفظُ "رسُوله"، فلو جاء على الأصل لقيل: اسْتَأْذَنَهُ". فصل اعلم أنَّهُ تعالى بيَّن في الآيات المتقدمة احتيال المنافقين في التَّخلف عن رسُول الله - عليه الصَّلاة والسَّلام -، والقعود عن الغَزْوِ، وزاد ههنا، أنَّهُ متى نزلت آية فيها الأمر بالغزو مع الرسولِ، استأذن أولو الثروة والقدرة منهم في التخلُّف عن الغزو، وقالوا للرَّسُول عليه الصلاة والسلام: ذَرْنَا نكُن مع القاعدين، أي: مع الضُّعفاء من النَّاس والسَّاكنين في البلد. و "السُّورة" يجوزُ أن يراد تمامها وأن يراد بعضها، كما يقع القرآن والكتاب على كلِّه وبعضه وقيل: المرادُ بـ "السُّورة" براءة؛ لأنَّ فيها الأمر بالإيمان والجهاد. قوله {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ}. الخَوالِفُ: جمع خالفٍ من صفة النِّساءِ، وهذه صفةُ ذمّ؛ كقول زهير: [الوافر] شعر : 2825- ومَا أدْرِي وسَوْفَ إخَالُ أدْرِي أَقوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِسَاءُ؟ فإنْ تَكُنِ النِّساءُ مُخَبَّآتٍ فحُقَّ لِكُلِّ مُحْصَنَةٍ هِدَاءُ تفسير : وقال آخر: [الخفيف] شعر : 2826- كُتِبَ القَتْلُ والقِتَالُ عَلَيْنَا وعَلَى الغَانياتِ جَرُّ الذُّيُولِ تفسير : وقال النَّحَّاسُ "يجوزُ أن تكون الخوالف من صفة الرِّجالِ، بمعنى أنَّها جمعُ "خالفة" يقال: رجل خالفة، أي: لا خير فيه". فعلى هذا يكونُ جمعاً للذكور، باعتبار لفظه. وقال بعضهم: إنَّه جمع "خالف"، يقال: رجل خالفٌ، أي: لا خير فيه. وهذا مردودٌ، فإنَّ "فواعِل" لا يكونُ جمعاً لـ "فَاعلِ"، وصفاً لعاقل، إلاَّ ما شذَّ، من نحو: فَوَارِس، ونَواكِس وهَوالك. ثم قال تعالى: {وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} [التوبة:87] وقد تقدَّم الكلامُ في الطَّبْعِ والختم، أوَّل البقرة. قوله تعالى: {لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} الآية. ومعنى هذا الاستدراك: أنَّه إن تخلَّف هؤلاء المنافقون عن الغزو؛ فقد توجه إليه من هو خير منهم ونظيره: {أية : فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ}تفسير : [الأنعام:89] وقوله: {أية : فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ}تفسير : [فصلت:38]، ولمَّا وصفهم بالمُسارعةِ إلى الجهادِ، ذكر ما حصل لهم من الفوائدِ، وهي أنواع، أوَّلها: قوله {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ} والخيراتُ: جمع خَيْرة، على "فَعْلة" بكسون العين، وهو المُسْتَحْسَنُ من كُلِّ شيءٍ، وغلبَ استعماله في النِّساء، ومنه قوله تعالى: {أية : فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ}تفسير : [الرحمن:70]؛ وقول الشَّاعر: [الكامل] شعر : 2827- ولقَدْ طَعَنْتُ مَجامِعَ الرَّبَلاتِ ربلاتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ الملكاتِ تفسير : قال المُفسِّرونَ: هي الجواري الحسان والجنَّة. وقال ابنُ عبَّاس: "الخيْرَاتُ" لا يعلم معناهُ إلاَّ الله، كما قال جلَّ ذكرهُ {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ}تفسير : [السجدة:17]ٍ. وقيل: المرادُ: بـ "الخَيْرَات" الثَّواب. وثانيها: قوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}، والمرادُ منه: التخلص من العقاب. وثالثها: قوله: {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} يحتملُ أن تكون هذه الجنات كالتَّفسير للخيراتِ والفلاحِ، ويحتملُ أن تحمل الجنات على ثواب الآخرة، والفلاح على منافع الدُّنيا، كالغزو، والثروة، والقدرةِ، والغلبةِ، و "الفَوزُ العظيمُ" عبارة عن كون تلك الحالة مرتبة رفيعه، ودرجة عالية. قوله تعالى: {وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ} الآية. لمَّا شرح أحوال المنافقين الذين كانُوا في المدينة، شرح في هذه الآية أحوال المنافقين من الأعراب. قرأ الجمهور "المُعذِّرُونَ" بفتح العين وتشديد الذَّال، وهي تحتمل وجهين: أن يكون وزنه "فعَّل" مضعّفاً، ومعنى التَّضعيف فيه التكليف، والمعنى: أنه توهَّم أنَّ لهُ عُذراً، ولا عذر لهُ. والثاني: أن يكون وزنه "افْتَعَل"، والأصلُ: "اعتذرَ"، فأدغمت التاءُ في الذال بأن قلبت تاءُ الافتعال ذالاً، ونُقِلت حركتها إلى السَّاكن قبلها، وهو العين، ويدلُّ على هذا قراءةُ سعيد بن جُبير "المُعْتَذِرُونَ" على الأصل، وإليه ذهب الأخفشُ، والفرَّاءُ وأبو عبيد، وأبو حاتم، والزَّجَّاجُ، وابن الأنباري، والاعتذار قد يكُون بالكذبِ، كما في قوله {أية : يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ}تفسير : [التوبة:94]، وكان ذلك الاعتذار فاسداً، لقوله: "لا تَعْتذرُوا"، وقد يكون بالصِّدقِ، كقول لبيد: [الطويل] شعر : 2828-........................ ومَنْ يَبْكِ حَوْلاً كَامِلاً فَقدِ اعتذرْ تفسير : يريد: فقد جاء بعُذْرٍ. وقرأ زيد بن عليّ، والضحاكُ، والأعرجُ، وأبو صالح، وعيسى بن هلال، وهي قراءة ابن عباس ومجاهد أيضاً، ويعقوب، والكسائي "المُعْذرُونَ" بسكون العين وكسر الذَّال مخففة من أعْذَر، يُعْذِر كـ "أكْرَم، يُكْرِم"، وهم المبالغون في العُذْرِ. وقرأ مسلمةُ "المُعَّذِّرُون" بتشديد العين والذال، من "تعذَّرَ" بمعنى اعْتذرَ. قال أبُو حاتمٍ: أراد "المتعذِّرون" والتاء لا تدغم في العين، لبُعد المخارجِ وهي غلطٌ منه، أو عليه. قوله: "ليُؤذنَ" متعلقٌ بـ "جَاءَ" وحذفَ الفاعلُ، وأقيمَ الجارُّ مقامه، للعلم به، أي: ليأذن لهم الرسول. فصل أمَّا قراءةُ التخفيف فهم الكاذبون في العذر، وأمَّا قراءة التشديد، فمحتملة لأن يكونُوا صادقين، وأن يكُونُوا كاذبينَ. قال ابنُ عبَّاسٍ "هم الَّذِين تخلَّفُوا بعذرٍ بإذن رسُول الله صلى الله عليه وسلم" وهو قول بعض المفسرين أيضاً، قال: المعذرون، كانوا صادقين؛ لأنَّه تعالى لمَّا ذكرهم قال بعدهم {وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}، فلمَّا ميَّزهم عن الكاذبين دلَّ على أنَّهم لَيْسُوا كاذبينَ. وقال الضَّحَّاكُ: هُم رهطُ عامر بن الطفيل جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دفاعاً عن أنفسهم، فقالُوا: يا نبيَّ الله: إنْ نحنُ غزونَا معك أغارت أعرابُ طيىءٍ على حلائلنا، وأولادنا، ومواشينا، فقال لهم رسُول الله صلى الله عليه وسلم قد نَبَّأني الله من أخباركم، وسيغنيني الله عنكم. وروى الواحديُّ عن أبي عمرو: أنَّهُ لمَّا قيل له هذا الكلام قال: إنَّ أقواماً تكلَّفُوا عُذْراً بباطل فهمُ الذين عناهم بقوله: "وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ"، وتخلَّف آخرون لا بعُذر ولا بشبهةِ عذرٍ جراءة على الله تعالى؛ فهم المرادون بقوله {وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}، فأوعدهُم بقوله: {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ} في الدُّنيا بالقتلِ، وفي الآخرة بالنَّارِ. وإنَّما قال "مِنْهُم"؛ لأنَّه تعالى كان عالماً بأنَّ بعضهم سيؤمن، فذكر بلفظة "مِنْ" الدَّالة على التَّبعيض. وقرأ الجمهور "كَذبُوا" بالتَّخفيف، أي: كذبُوا في أيمانهم. وقرأ الحسنُ في المشهور عنه وأبيٌّ، وإسماعيل "كذَّبُوا" بالتَّشديد، أي: لَمْ يُصدِّقُوا ما جاء به الرَّسولُ عن ربِّه ولا امتثلوا أمره.
البقاعي
تفسير : ولما افتتحت قصتهم بأن المتقين لا يتوقفون في الانتداب إلى الجهاد على أمر جديد ولا استئذان، بل يكتفون بما سبق من عموم الحث عليه والندب إليه فيبادرون إليه الطرف ولا يحاذرون الحتف، وأن من المنافقين من يستأذن في الجهاد جاعلاً استئذانه فيه باباً للاستئذان في التخلف عنه، ومنهم من يصرح بالاستئذان في العقود ابتداء من غير تستر، وعقب ذلك بالنهي عن الإعجاب بأموالهم وأولادهم ثم مر في ذكر أقسامهم وما لزمهم من فضائحهم وآثامهم، إلى أن ختم القصة بأن أموالهم إنما هي لفتنتهم لا لرحمتهم، ولمحنتهم لا لمنحتهم، أتبع ذلك بدليله من أنهم لا يتوصلون بها إلى جهاد، ولا يتوسلون إلى دار المعاد، فقال عاطفاً على ما أفهمه السياق من نحو أن يقال لأنهم لا يفعلون بها خيراً ولا يكسبون أجراً، أو بانياً حالاً من الكاف في "تعجبك": {وإذا أنزلت سورة} أي وقع إنزال قطعة من القرآن. ولما كان الإنزال يدل على المنزل حتماً، فسره بقوله: {أن آمنوا بالله} أي الذي له الكمال كله {وجاهدوا} أي أوقعوا الجهاد {مع رسوله استأذنك} أي في التخلف من لا عذر له وهم {أولوا الطول} أي أهل الفضل من الأموال والسعة والثروة في غالب الأحوال {منهم} وخصهم بالذكر لأن الذم لهم ألزم ولا سيما بعد سماع القرآن، ويجوز أن يكون معطوفاً على خبر {أن} في قوله {ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله} هذا مع ما تضمن استئذانهم من رذائل الأخلاق ودنايا الهمم المحكي بقوله: {وقالوا ذرنا} أي اتركنا ولو على حالة سيئة {نكن} أي بما يوافق جبلاتنا {مع القاعدين*} أي بالعذر المتضمن - لاسيما مع التعبير بذرنا الذي مادته تدور على ما يكره دون "دعنا" - لما استأنف به أو بين من قوله: {رضوا بأن يكونوا} أي كوناً كأنه جبلة لهم {مع الخوالف} أي النساء {وطبع} أي وقع الطبع المانع {على قلوبهم} أي حتى رضوا لأنفسهم بالتخلف عن سبب السعادة مع الكون في عداد المخدرات بما هو عار في الدنيا ونار في العقبى. ولما أبهم فاعل الطبع، نفى دقيق العلم فقال: {فهم} أي بسبب هذا الطبع {لا يفقهون*} أي لا فقه لهم يعرفون به ما في الجهاد من العز والسعادة في الدارين، وما في التخلف من الشقاء والعار فلذلك لا يجاهدون، فلا شيء أضر من هذه الأموال والأولاد التي أبعدت عن الممادح وألزمت المذام والقوادح، فقد اكتنفت آية الأموال في أول قصة وآخرها ما يدل على مضمونها. ولما افتتح القصة بمدح المتقين لمسابقتهم إلى الجهاد من دون استئذان ختمها بذلك وذكر ما أعد لهم فقال معلماً بالغنى عنهم بمن هو الخير المحض تبكيتاً لهم وتقريعاً: {لكن الرسول} أي والذي بعثه لرد العباد عن الفساد إلى السداد {والذين آمنوا} أي إيماناً عظيماً كائناً أو كائنين {معه} أي مصاحبين له ذاتاً وحالاً في جميع ما أرسلناه إليهم به {جاهدوا بأموالهم وأنفسهم} أي بذلوا كلاًّ من ذلك في حبه صلى الله عليه وسلم فتحققوا بشرط الإيمان و"لكن" واقعة موقعها بين متنافسين لأن ما مضى من حالهم كله ناطق بأنهم لم يجاهدوا. ولما كان السياق لبخلهم بالنفس والمال، ولسلب النفع من أموالهم وأولادهم، اقتصر في مدح أوليائه على الجهاد بالنفس والمال ولم يذكر السبيل وقال: {أولئك} دالاً على أنه معطوف على ما تقديره: فأولئك الذين نورت قلوبهم فهم يفقهون، وقوله: {لهم} أي لا لغيرهم {الخيرات} تعرض بذوي الأموال من المنافقين لأن الخير يطلق على المال وتحليته بـ "ال" على استغراقه لجميع منافع الدارين، والتعبير بأداة البعد إشارة إلى علو مقام أوليائه وبعد مناله إلا بفضل منه تعالى، وكذا التعريض بهم بقوله: {وأولئك هم} أي خاصة {المفلحون*} أي الفائزون بجميع مرادهم، لا غيرهم؛ ثم بين الإفلاح الأعظم بقوله: {أعد الله} أي الذي له صفات الكمال {لهم} أي الآن لينعمهم بها بعد موتهم وانتقالهم من هذه الدار التي هي معدن الأكدار {جنات تجري} أي دائماً {من تحتها} أي مع قربها {الأنهار} ثم عرض بهذه الدنيا السريعة الزوال فقال: {خالدين فيها} ثم رغب فيها بقوله: {ذلك} أي الأمر العالي الرتبة {الفوز العظيم*} أي لا غيره. ولما ختم قصص أهل المدر بذم أولي الطول منهم بتخلفهم، وكان ذمهم إنما هو لكونهم قادرين على الخروج في ذلك الوجه، وقدمهم لكثرة سماعهم للحكمة، وكان أهل الوبر أقدر الناس على السفر لأن مبنى أمرهم على الحل والارتحال، فهم أجدر بالذم لأنهم في غاية الاستعداد لذلك، تلاهم بهم فقال: {وجاء المعذرون} أي المبالغون في إثبات الخفايا من الأعذار المانعة لهم من الجهاد - بما أشار إليه الإدغام، وحقيقة المعذر أن يتوهم أن له عذراً ولا عذر له، والعذر: إيساع الحيلة في وجه يدفع ما ظهر من التقصير {من الأعراب} قيل: هم رهط عامر بن الطفيل من بني عامر، وقيل: اسد وغطفان، قيل: رهط من غفار {ليؤذن} أي ليقع الإذن من أي آذن كان في تخلفهم عن الغزو {لهم} أي فاعتذروا بما كذبوا فيه وقعدوا عن الغزو معك، هكذا كان الأصل فوضع موضعة: {وقعد الذين كذبوا الله} أي وهو المحيط علماً وقدرة {ورسوله} تنبيهاً على وصفهم وليكون أظهر في شمول الأعراب وغيرهم. ولما كان منهم المحتوم بكفره وغيره قال: {سيصيب} أي بوعد لا خلف فيه {الذين كفروا} أي حتم بكفرهم {منهم عذاب أليم*} أي في الدارين. ولما كان من القاعدين من أهل المدر والوبر من له عذر، استثناهم سبحانه وساق ذلك مساق النتيحة من المقدمات الظاهرة فقال: {ليس على الضعفاء} أي بنحو الهرم {ولا على المرضى} أي بنحو الحمى والرمد {ولا على الذين لا يجدون} ولو بدين يؤدونه في المستقبل {ما ينفقون} أي لحاجتهم وفقرهم {حرج} أي إثم يميل بهم عن الصراط المستقيم ويخرج دينهم. ولما كان ربما كان أحد من المنافقين بهذ الصفة احترز عنه بقوله: {إذا نصحوا} أي في تخلفهم وجميع أحوالهم {لله} أي الذي له الجلال والإكرام {ورسوله} أي سراً وعلانية، فإنهم حيئنذ محسنون في نصحهم الذي منه تحسرهم على القعود على هذا الوجه وعزمهم على الخروج متى قدروا، وقوله: {ما على المحسنين} في موضع "ما عليهم" لبيان إحسانهم بنصحهم مع عذرهم {من سبيل} أي طريق إلى ذمهم أو لومهم، والجملة كلها بيان لـ {نصحوا لله ورسوله} وقوله: {والله} أي الذي له صفات الكمال {غفور} أي محاء للذنوب {رحيم*} أي محسن مجمل إشارة إلى أن الإنسان محل التقصير والعجز وإن اجتهد، لا يسعه إلا العفو؛ ثم عطف على ذلك قوله: {ولا على الذين إذا} وأكد المعنى بقوله: {ما أتوك} أي ولم يأتوا بغير قصدك راغبين في الجهاد معك {لتحملهم} وهم لا يجدون محملاً {قلت} أي أتوك قائلاً أو حال قولك، "وقد" مضمرة كما قالوا في{أية : حصرت صدورهم}تفسير : [النساء: 90] {لا أجد ما} أي شيئاً {أحملكم عليه} وأجاب {إذا} بقوله ويجوز أن يكون استئنافاً و"قلت" هو الجواب {تولوا} أي عن سماع هذا القول منك {وأعينهم تفيض} أي تمتلىء فتسيل، وإسناد الفيض إليها أبلغ من حيث أنها جعلت كلها دمعاً: ثم بين الفائض بقوله: {من الدمع} أي دمعاً والأصل: يفيض دمعها، ثم علل فيضها بقوله؛ {حزناً} ثم علل حزنهم بقوله: {ألا يجدوا} أي لعدم وجدانهم {ما ينفقون} فحزنهم في الحقيقة على فوات مرافقتك والكون في حزبك، وهذه قصة الكبائين صرح بها وإن كانوا داخلين في {الذين لا يجدون} إظهاراً لشرفهم وتقريراً لأن الناصح - وإن اجتهد - لا غنى له عن العفو حيث بين أنهم - مع اجتهادهم في تحصيل الأسباب وتحسرهم عند فواتها بما أفاض أعينهم - ممن لا سبيل عليه أو ممن لا حرج عليه المغفور له. ولما نفى السبيل عمن وصفه كر على ذم من انتفى عنه هذا الوصف فقال تعالى: {إنما السبيل} أي باللوم وغيره {على الذين يستأذنونك} أي يطلبون إذنك في التخلف عنك راغبين فيه {وهم أغنياء} أي فلا عذر لهم في التخلف عنك وعدم مواساتك، وتضمن قوله تعالى مستأنفاً: {رضوا بأن يكونوا} أي كوناً كأنه جبلة لهم {مع الخوالف} انتفاء الضعف والمرض عنهم من حيث إنه علل فعلهم برضاهم بالتخلف فأفهم ذلك أنه لا علة لهم سواه، وأفهم أيضاً أن كل من كان كذلك كان مثلهم ولو أنه ضعيف أو مريض، وكرر ذكر الخوالف تكريراً لعيبهم برضاهم بالكون في عداد النساء إذ كان ذلك من أعظم المعايب عند العرب، وسمى الفاعل للطبع حيث حذفه من الأولى: ولما ذكره، عظم الأمر فاقتضى ذلك عظم الطبع فنفى مطلق العلم فقال عاطفاً على "رضوا": {وطبع الله} أي له القدرة الكاملة والعلم المحيط {على قلوبهم} ثم سبب عن ذلك الرضى والطبع قوله: {فهم لا يعلمون*} أي لا علم له فلذلك جهلوا ما في الجهاد من منافع الدارين لهم فلذلك رضوا بما لا يرضى به عاقل، وهو أبلغ من نفي الفقه في الأولى، وزاد المناسبة حسناً ضم الأعراب في هذه الآيات إلى أهل الحاضرة وهم بعيدون من الفقه جديرون بعدم العلم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {أولوا الطول} قال: أهل الغنى.
القشيري
تفسير : إذا تَوَجَّه عليهم الأمرُ بالجهاد، واشتدَّ عليهم حكمُ الإلزام، تعلَّلوا إلى السَّعَةِ، وركنوا إلى اختيار الدَّعةَ واحتالوا في موجِبَاتِ التَّخَلُّفِ، أولئك الذين خَصَّهم بخذلانه، وصَرَفَ قلوبهم عن ابتغاء رضوانه.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذا انزلت سورة} من القرآن {ان آمنوا بالله} ان مصدرية حذف منها الجار اى بان آمنوا بالله {وجاهدوا مع رسوله} لاعزاز دينه واعلاء كلمته {استأذنك اولوا الطول منهم} اى ذووا الفضل والسعة والقدرة على الجهاد بدنا ومالا من المنافقين. فقال الحدادى الطول فى الحقيقة هو الفضل الذي يتمكن به من مطاولة الاعداء. قال الرازى فى سورة النساء اصل هذه الكلمة من الطول الذى هو خلاف القصر لانه اذا كان طويلا ففيه كمال وزيادة كما انه اذا كان قصيرا ففيه قصور ونقصان وسمى الغنى ايضا طولا لانه ينال به من المرادات ما لا ينال عند الفقر كما انه ينال بالطول ما لا ينال بالقصر انتهى {وقالوا ذرنا} دعنا {نكن مع القاعدين} اى الذين قعدوا عن الغزو لما بهم من عذر
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وإذا أنزلت سورة}، أو بعضها، في شأن الجهاد قائله: {ان آمنوا بالله} وحده، {وجاهدوا مع رسوله} صلى الله عليه وسلم، {استأذَنَكَ} في التخلف {أُولو الطَّولِ منهم} أي: أولو الغنى والسعة، {وقالوا ذَرْنَا نكن مع القاعدين}؛ الذين قعدوا لعذر، {رَضُوا بأن يكونوا مع الخوالِف}؛ مع النساء، جمع خالفة، وقد يقال: الخالفة؛ للذي لا خير فيه. {وطبع على قلوبهم} بالكفر والنفاق، {فهم لا يفقهون} ما في الجهاد وموافقة الرسول من السعادة، وما في التخلف عنه من الشقاوة. {لَكِنِ الرسولُ والذين آمنوا معه جاهدُوا بأموالهم وأنفسهم} أي: إن تخلف هؤلاء ولم يجاهدوا، فقد جاهد من هو خير منهم، {وأولئك لهم الخيراتُ}؛ منافع الدارين: النصر والغنيمة في الدنيا، والجنة والكرامة في الآخرة، وقيل: الحُور، لقوله{أية : فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ}تفسير : [الرحمن: 70]، و {وأولئك هم المفلحون}؛ الفائزون بالمطالب البهية والمراغب السنية. {أعدَّ اللَّهُ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم}؛ بيان لبعض الخيرات الأخروية. الإشارة: إذا ظهر الدعاة إلى الله يُشوقون الناس إلى حضرة الله؛ ترى من صُرِفَ عنه عِنَانُ العناية، ولم يضرب له مع السابقين بسهم الهداية، يميل إلى التقاعد إلى وطن الراحة، والميل إلى ما ألفه من سيئ العادة، يستأذن أن يتخلف مع النساء والصبيان، ويتنكب طريق الأقوياء من الشجعان، فإن تخلف هذا مع عوام الضعفاء فقد تقدم لهذا الأمر من يقوم به من الأقوياء، اختارهم الله لحضرته، وقواهم على مكافحة مشاهدته ومحبته، جاهدوا نفوسهم في معرفة محبوبهم، وبذلوا أموالهم ومهجهم في الوصول إلى مطلوبهم، {وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون}. ثم ذكر اعتذار الأعراب، فقال: {وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ}.
الطوسي
تفسير : بين الله تعالى في هذه الآية أنه إذا أنزل سورة من القرآن على النبي صلى الله عليه وآله {أن آمنوا} ومعناه بأن آمنوا فحذفت الباء وجعل {أن آمنوا} في موضع نصب والتقدير بالايمان على وجه الأمر ولا يجوز الحذف مع صريح المصدر، وإنما جاز مع (أن) للزوم الصلة والحمل على التأويل في اللفظ كما حمل على المعنى. وهذا خطاب للمؤمنين وأمر لهم بأن يدوموا على الايمان ويتمسكوا به في مستقبل الأوقات ويدخل فيه المنافق ويتناوله الأمر بأن يستأنف الايمان ويترك النفاق ثم يجاهدوا بعد ذلك بنفوسهم وأموالهم لأنه لا ينفعهم الجهاد مع النفاق. وقوله {استأذنك أولوا الطول} معناه أن ذوي الغنى من المنافقين إذا انزلت السورة يأمرهم فيها بالايمان والجهاد يستأذنون النبي صلى الله عليه وآله في القعود والتأخر عنه. مع اعتقادهم بطلان الاسلام فيشد ذلك عليهم ويكون عذاباً لهم - وهو قول الحسن وابن عباس - فانهما قالا: إنما لحق هؤلاء الذم لأنهم أقوى على الجهاد. وقوله {وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين} اخبار منه تعالى أن هؤلاء المنافقين من ذوي الغنى يقولون للنبي صلى الله عليه وآله: اتركنا نكن مع القاعدين من الصبيان والزمنى والمرضى الذين لا يقدرون على الخروج. قال الرماني: والسورة جملة من القرآن تشتمل على آيات قد احاطت بها كما يحيط سور القصر بما فيه، وسؤر الهر بقيته من الماء. والجهاد بالقتال دفعاً عن النفس معلوم حسنه عقلا لأنه مركوز في العقل وجوب التحرز من المضار، وليس في العقل ما يدل على انه يجب على الانسان ان يمنع غيره من الظلم وإنما يعلم ذلك سمعاً.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَاعِدِين} لعذرٍ وهو ذمّ آخر لهم حيث انّهم لدناءتهم وتعلّق قلوبهم بدنياهم وزخارفها كالنّساء يستأذنونك للقعود ولذا قال {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ} جمع الخالفة يعنى انّهم لدناءتهم رضوا بان يعدّوا فى النّساء، واستعمال الخوالف فى النّساء والمخلّفون فى الرّجال لاستعدادهم للخروج وعدم استعدادهنّ له {وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} حيث لا يدركون ادراكاً يؤدّى بهم الى الاغراض والغايات وان كانوا فى غاية الفطانة والمداقّة فى امور الدّنيا والادراكات الخياليّة بحيث يعدّون فى انظار اهل الحسّ علماء حكماء، والاّ فليعلموا الغرض من الجهاد وانّ فيه خير الدّنيا والآخرة، باستكمال النّفس فى الدّنيا بالصّفات الحسنة من الشّجاعة والسّخاوة وعدم الاعتناء بالدّنيا وحيوتها، وباستجماع الغنائم مع ما وعدوا من اجور الآخرة، وليس فى التّخلّف الاّ الاتّصاف بصفات النّساء والرّكون الى الدّنيا وقطع الطّمع عن العقبى ولمّا ذمّ الاموال والاولاد توهّم انّها مذمومة على كلّ حال، والحال انّ كثرة الاموال والاولاد تكون فى المؤمنين ولمّا ذمّ القاعدين عن الجهاد توهّم انّه فى المؤمنين يكون من يكره الخروج ويحبّ القعود فاستدرك ذلك بقوله {لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} الّذين هم اولوا الطّول الحقيقىّ {جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ} العظماء {لَهُمُ} خاصّة {ٱلْخَيْرَاتُ} النّفسانيّة والبدنيّة من استكمال النّفوس بالخصائل واخراجها من الرّذائل واستجماع الغنيمة مع النّصرة والطّول مع الاواد والصّيت والثّناء {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تكرار اسم الاشارة للتمكين وتصويرهم باوصافهم المذكورة ليكون كالعلّة ولاختصاص كلّ من المسندين على حياله.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُوا باللهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَئْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ} أي: ذوو السّعة والغِنى في المُقَامِ والتخلّف عن الجهاد { وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ القَاعِدِينَ} قال: {رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ} أي مع النساء في تفسير الحسن وغيره من العامة. { وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ}. قال: { لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الخَيْرَاتُ} قال الحسن: الخيرات: النساء الحسان. وقد قال: (أية : فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ) تفسير : [الرحمن:70] {وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} أي: السعداء. {أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} قد فسّرنا الأنهار في غير هذا الموضع { خَالِدِينَ فِيهَا} أي: لا يموتون { ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ}. قد فسرناه قبل هذا الموضع. قوله: {وَجَاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ} يعني المنافقين من الأعراب { لِيُؤْذَنَ لَهُمْ} في القعود { وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ} فيما أقروا به من الإِقرار والتوحيد إذ تخلفوا في غزوة تبوك { سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع. وذلك يقع على جميع المنافقين. قوله: { لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى المَرْضَى} نزلت في عبد الله بن أم مكتوم الأعمى وأصحابه { وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ} أي جناح في التخلف عن الغزو { إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} إذا كان لهم عذر. { مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي غفر لهم مقامهم ووضع الخروج عنهم. { وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا} أي: انصرفوا من عندك {وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ} ذكروا أن مجاهداً قال: هم بنو مُقرِّن، من مُزَينَة. وقال بعضهم: هم الأشعريون، رهط بني موسى الأشعري.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ} إِلى مع القاعدين، عطف على أَنهم كفروا فهو أَيضا تعليل لقوله عز وجل ولا تصل على أَحد منهم إِلخ، كما علل بقوله إِنهم كفروا، والمراد بالسورة طائفة مجموعة من القرآن كما هو المعنى المجمل لغة، ولو لم تتم فيها السورة، كما يطلق القرآن على ما يقرأُ ولو بعضه فقط، وكذا الكتاب لما كتب ولو لم يتم، وقيل السورة للبعض المجموع دون التمام مجازا، ويجوز تقدير مضاف أَى بعض سورة، ونكرت للتعظيم، وقيل لعموم السورة، أَى كل سورة ذكر فيها الإِيمان والجهاد، والنكرة فى سياق الشرط للعموم، وأَجاز البعض أَن السورة براءَة والمراد بعضها لا كلها لأَن الآية بعضها، وفيها الأَمر بالإِيمان والجهاد كما قال {أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجَاهِدُوا} أَخلصوا الإِيمان والجهاد، فشمل خطاب من لم يجاهد ومن جاهد ولم يخلص لجواز الخطاب بالقيد استتباعا للمقيد {مَعَ رَسُولِهِ} أَى بأَن آمنوا وجاهدوا فأَن مصدرية والباءُ مقدرة متعلقة بأُنزلت والأَولى عندى أَن حرف المصدر لا يدخل على الأَمر والنهى لأَن المصدر لا يدل عليهما إِلا نيابة نحو فضرب الرقاب وشكراً لا كفراً، فأَن مفسرة لأَن إِنزال السورة متضمن للأَمر بالإِيمان والجهاد {اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ} الغنى {مِنْهُمْ} وهم أَهل القدرة على الجهاد بما لهم وصحة أَبدانهم من رؤُسائِهم وغيرهم، فإِن القادر أَحق بالذم إِن لم يخرج، وأَما العاجز فغير محتاج إِلى الاستئْذَان إِلا أَن ينفى التهمة عن نفسه أَو يطلب ما يحتاج إِن كان عجزه بعدم المال، ولا التفات فى قوله استأْذنك إِلى الخطاب من غيبة قوله مع رسوله كما قيل لأَن هذا الخطاب منظور فيه إِلى الخطاب فى قوله ولا تعجبك، وإِنما هذا مثل قوله لزيد إِن عمرا يقول إِذا جاءَ زيد أَكرمته ثم لا يكرمك إِذا جئت {وَقَالُوا} عطف تفسير لأَنه يجوز بالواو كما يجوز بالفاءِ {ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ القَاعِدِينَ} أَصحاب الأَعذار.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ} من القرآن والمراد بها على ما قيل: سورة معينة وهي براءة، وقيل: المراد كل سورة ذكر فيها الإيمان والجهاد وهو أولى وأفيد لأن استئذانهم عند نزول آيات براءة علم مما مر، و {إِذَا} تفيد التكرار بقرينة المقام وإن لم تفده بالوضع كما نص عليه بعض المحققين، وجوز أن يراد بالسورة بعضها مجازاً من باب إطلاق الجزء على الكل، ويوهم كلام «الكشاف» إن إطلاق السورة على بعضها بطريق الاشتراك كإطلاق القرآن على بعضه وليس بذاك، والتنوين للتفخيم أي سورة جليلة الشأن {أَنْ آمِنُواْ} أي بأن آمنوا فَأن مصدرية حذف عنها الجار وجوز أن تكون مفسرة لتقدم الإنزال وفيه معنى القول دون حروفه، والخطاب للمنافقين، والمراد أخلصوا الإيمان {بِٱللَّهِ وَجَـٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ} لإعزاز دينه وإعلاء كلمته، وأما التعميم أو إرادة المؤمنين بمعنى دوموا على الإيمان بالله الخ كما ذهب إليه الطبرسي وغيره فلا يناسب المقام ويحتاج فيه ارتباط الشرط والجزاء إلى تكلف ما لا حاجة إليه كاعتبار ما هو من حال المؤمنين الخلص في النظم الجليل {ٱسْتَأْذَنَكَ} أي طلب الإذن منك وفيه التفات {أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ} أي أصحاب الفضل والسعة من المنافقين وهم من له قدرة مالية ويعلم من ذلك البدنية بالقياس وخصوا بالذكر لأنهم الملومون {وَقَالُواْ ذَرْنَا} أي دعنا {نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ} أي الذين لم يجاهدوا لعذر من الرجال والنساء ففيه تغليب، والعطف على {ٱسْتَأْذَنَكَ} للتفسير مغن عن ذكر ما استأذنوا فيه وهو القعود.
ابن عاشور
تفسير : هذا عطف غرض على غرض قصد به الانتقال إلى تقسيم فرق المتخلّفين عن الجهاد من المنافقين وغيرهم وأنواع معاذيرهم ومراتِبها في القبول. دعا إليه الإغلاظ في تقريع المتخلّفين عن الجهاد نفاقاً وتخذيلا للمسلمين، ابتداء من قوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض}تفسير : [التوبة: 38] ثم قوله: {أية : لو كان عرضاً قريباً}تفسير : [التوبة: 42] وكلّ ذلك مقصود به المنافقون. ولأجل كون هذه الآية غرضاً جديداً ابتدأت بذكر نزول سورة داعية إلى الإيمان والجهاد. والمراد بها هذه السورة، أي سورة براءة، وإطلاق اسم السورة عليها في أثنائها قبل إكمالها مجاز متّسع فيه كإطلاق الكتاب على القرآن في أثناء نزوله في نحو قوله: {أية : ذلك الكتاب لا ريب فيه}تفسير : [البقرة: 2] وقوله: {أية : وهذا كتاب أنزلناه مبارك}تفسير : [الأنعام: 92] فهذا الوصف وصف مقدّر شبيه بالحال المقدّرة. وابتدأ بذكر المتخلّفين من المنافقين بقوله: {استأذنك أولوا الطول منهم}. والسورة طائفة معينة من آيات القرآن لها مبدأ ونهاية وقد مضى الكلام عليها آنفاً وقبيل هذا. ولمّا كانت السورةُ ألفاظاً وأقوالاً صحّ بيانها ببعض ما حوته وهو الأمر بالإيمان والجهاد فقوله: {أن آمنوا بالله} تفسير للسورة و{أنْ} فيه تفسيرية كالتي في قوله تعالى حكاية عن عيسى {أية : ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربّكم}تفسير : [المائدة: 117] ويجوز تفسير الشيء ببعضه شبهُ بدل البعض من الكلّ. وليس المراد لفظ {آمنوا} وما عطف عليه بل ما يراد فهما مثل قوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله}تفسير : [التوبة: 38] الآيات وقوله: {أية : لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم}تفسير : [التوبة: 44]. والطَّوْل: السعة في المال قال تعالى: {أية : ومن لم يستطع منكم طَوْلا أن ينكح المحصنات المؤمنات}تفسير : [النساء: 25] وقد تقدّم. والاقتصار على الطّول يدلّ على أنّ أولي الطول مراد بهم من له قدرة على الجهاد بصحة البدن. فبوجود الطول انتفى عذرهم إذ من لم يكن قادراً ببدنه لا ينظر إلى كونه ذا طول كما يدلّ عليه قوله بعدُ {أية : ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج}تفسير : [التوبة: 91]. والمراد بأولِي الطول أمثال عبد الله بن أبَيّ بن سَلول، ومعتّب بن قشير، والجِدّ بن قيس. وعطف {وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين} على {استئذنك} لما بينهما من المغايرة في الجملة بزيادة في المعطوف لأن الاستئذان مجمل، وقولهم المحكي فيه بيان ما استأذنوا فيه وهو القعود. وفي نظمه إيذان بتلفيق معذرتهم وأنّ الحقيقة هي رغبتهم في القعود ولذلك حكي قولهم بأنْ ابتُدىء بــــ {ذَرْنا} المقتضي الرغبة في تركهم بالمدينة. وبأن يكونوا تبعاً للقاعدين الذين فيهم العُجَّز والضعفاء والجبناء، لما تؤذن به كلمة {مع} من الإلحاق والتبعية. وقد تقدّم أن (ذَرْ) أمر من فعل ممات وهو (وَذَرَ) استغنَوا عنه بمرادفه وهو (تَرك) في قوله تعالى: {أية : وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً}تفسير : في سورة الأنعام (70).
الشنقيطي
تفسير : ذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة، أنه إذا أنزل سورة فيها الأمر بالإيمان، والجهاد مع نبيه صلى الله عليه وسلم، أستأذن الأغنياء من المنافقين في التخلف عن الجهاد مع القدرة عليه، وطلبوا النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يتركهم مع القاعدين المتخلفين عن الغزو. وبين في موضع آخر أن هذا ليس من صفات المؤمنين، وأنه من صفات الشاكين الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وذلك في قوله: {أية : لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} تفسير : [التوبة: 44-45]، وبين أن السبيل عليهم بذلك، وأنهم مطبوع على قلوبهم. بقوله: {أية : إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}تفسير : [التوبة: 93]. الآية: وبين في مواضع أخر شدة جزعهم من الخروج إلى الجهاد، كقوله: {أية : فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} تفسير : [محمد: 20]. الآية، وقوله: {أية : فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} تفسير : [الأحزاب: 19] إلى غير ذلك من الآيات.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: استأذنك: أي طلبوا إذنك لهم بالتخلف. أولوا الطول منهم: أي أولو الثروة والغنى. ذرنا نكن مع القاعدين: أي اتركنا مع المتخلفين من العجزة والمرضى والأطفال والنساء. مع الخوالف: أي مع النساء جمع خالفة المرأة تخلف الرجل في البيت إذا غاب. طبع على قلوبهم: أي توالت ذنوبهم على قلوبهم فأصبحت طابعاً عليها فحجبتها المعرفة. لهم الخيرات: أي في الدنيا بالنصر والغنيمة. وفي الآخرة بالجنة والكرامة فيها. وأولئك هم المفلحون: أي الفائزون بالسلامة من المخوف والظفر بالمحبوب. المعذرون: أي المعتذرون. وقعد الذين كذبوا الله: أي ولم يأت إلى طلب الإِذن بالقعود عن الجهاد منافقوا الأعراب. معنى الآيات: ما زال السياق في كشف عورات المنافقين وبيان أحوالهم فقال تعالى {وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} أي قطعة من القرآن آية أو آيات {أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ} أي تأمر بالإِيمان بالله والجهاد مع رسوله {ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ} أي من المنافقين {وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَاعِدِينَ} أي المتخلفين عن الجهاد للعجز كالمرضى والنساء والأطفال قال تعالى: في عيبهم وتأنيبهم {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ} أي مع النساء وذلك لجبنهم وهزيمتهم النفسية وقوله تعالى {وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} أي طبع الله على قلوبهم بآثار ذنوبهم التي رانت على قلوبهم فلذا هم لا يفقهون معنى الكلام وإلا لما رضوا بوصمة العار وهي أن يكونوا في البيوت مع النساء هذه حال المنافقين وتلك فضائحهم إذا أنزلت سورة تأمر بالإِيمان والجهاد يأتون في غير حياء ولا كرامة يستأذنون في البقاء مع النساء {لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} ولم يستأذنوا ففازوا بكرامة الدنيا والآخرة قال تعالى {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ} أي في الدنيا بالانتصارات والغنائم وفي الآخرة بالجنة ونعيمها ورضوان الله فيها. وقال {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي الفائزون بالسلامة من كل مرهوب وبالظفر بكل مرغوب وفسر تعالى تلك الخيرات وذلك الفلاح بقوله في الآية [89] فقال {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} وأخبر عما أعد لهم من ذلك النعيم المقيم بأنه الفوز فقال {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}. هذا ما دلت عليه الآيات الأربع أما الآية الخامسة [90] فقد تضمنت إخبار الله تعالى عن منافقي الأعراب أي البادية. فقال تعالى {وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ} أي المعتذرون ادغمت التاء في الذال فصارت المعذرون من الأعراب أي من سكان البادية كأسد وغطفان ورهط عامر بن الطفيل جاءوا يطلبون الإِذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخلف بدعوى الجهد والمخمصة، وقد يكونون معذورين حقاً وقد لا يكونون كذلك، وقوله {وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في دعوى الإِيمان بالله ورسوله وما هم بمؤمنين بل هم كافرون منافقون، فلذا قال تعالى فيهم {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الدنيا وفي الآخرة،إن ماتوا على كفرهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- القرآن هو مصدر التشريع الإِلهي الأول والسنة الثاني. 2- مشروعية الاستئذان للحاجة الملحة. 3- حرمة الاستئذان للتخلف عن الجهاد مع القدرة عليه. 4- حرمة التخلف عن الجهاد بدون إذن من الإمام. 5- فضل الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله. 6- بيان عظم الأجر وعظيم الجزاء لأهل الإِيمان والجهاد.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمِنُواْ} {وَجَاهِدُواْ} {ٱسْتَأْذَنَكَ} {أُوْلُواْ} {ٱلْقَاعِدِينَ} (86) - وَإِذَا أُنْزِلتَ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ فِيهَا دَعْوَةٌ إِلَى الإِيْمَانِ بِاللهِ، وَالإِخْلاَصِ فِي الْعَقِيدَةِ لَهُ، وَفِيهَا ذِكْرٌ لِلْقِتَالِ، وَحَثٌّ عَلَى الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، حَاوَلَ ذَوُو الْقُدْرَةِ عَلَى الجِهَادِ، وَالسَّعَةِ فِي الإِنْفَاقِ، أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِ القِيَامِ بِمَا أَمَرَ اللهُ، وَاسْتَأْذَنُوكَ فِي القُعُودِ مَعَ الْقَاعِدِينَ مِنَ الْعَجَزَةِ وَأَصْحَابَ الأَعْذَارِ. أُولُو الطَّوْلِ - أَصْحَابُ الغِنَى وَاليَسَارِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا شاء الحق أن يفضح المنافقين، هؤلاء الذين استمرأوا الاستمتاع بنفس حقوق المؤمنين لمجرد إعلانهم الإسلام، بينما تبطن قلوبهم الكفر والكيد للمسلمين. وقوله الحق: {وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ} هو خطاب للمنافقين يكشف بطلان إيمانهم؛ ولذلك جاء قوله الحق: {أَنْ آمِنُواْ} أي: اجعلوا قلوبكم صادقة مع ألسنتكم، فالله يريد إيماناً بالقلب واللسان، فيتفق السلوك مع العقيدة. وقول الحق: {وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ} أي: انفروا للجهاد مع رسول الله، فهذا هو التعبير العملي عن الإيمان، ولا تفرحوا بتخلفكم عن القتال في سبيل الله؛ لأن الجهاد والقتال في سبيل الله شرف كبير له ثواب عظيم. وامتناع إنسان عن الجهاد هو تنازل عن خير كبير، فالحق سبحانه يعطي جزيل الأجر لمن جاهد جهاداً حقيقيّاً. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ} و "استأذن" من مادة استفعل، وتأتي للطلب، كأن تقول: "استفهم" أي: طلب أن يفهم، و"استعلم" أي: طلب أن يعلم. إذن: فقوله: {ٱسْتَأْذَنَكَ} أي: طلبوا الإذن، ولأنهم يتظاهرون بالإيمان ويبطنون الكفر، تجدهم ساعة النداء للجهاد لا يقفون مع المؤمنين، وكان من المفروض أن يكونوا بين المجاهدين، وأن يجدوا في ذلك فرصة لإعلان توبتهم؛ ورجوعهم إلى الحق فيكون جهادهم تكفيراً عما سبقه من نفاق، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، بل طلبوا الإذن بالقعود. ومن الذي طلب الإذن؟ إنهم أولو الطَّوْل. و "أولو" معناها أصحاب القوة والقدرة. و"الطَّوْل" هو أن تطول الشيء، أي: تحاول أن تصل إليه، فإذا لم تصل يدك إليه؛ يقال: إن هذا الشيء يدك لم تَطُلْه، أي: لم يكن في متناول يدك. و{أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ} أي: الذين يملكون مقومات الجهاد من سلامة البدن من الأمراض ووجود القوة، ولا يعانون من ضعف الشيخوخة، وأن يكون الإنسان قد بلغ مبلغ الرجولة وليس صبيّاً صغيراً؛ لأن الشيخ الكبير ضعيف لا يقدر على الجهاد، وكذلك الصبي الصغير لا يملك جَلَداً على الحرب. وأيضاً نجد المريض الذي قد يعوقه مرضه عن الحركة. أما أولو الطول فهم الذين يملكون كل مقومات الحرب، من قوة بدنية وسلاح، والذين لم يبلغوا سن الشيخوخة، ولا هم صبيان صغار ولا مرضى. إذن: فعندما تنزل آية فيها الجهاد، فالذين يستأذنون ليسوا أصحاب أعذار - لأنهم معفون - لكن الاستئذان يأتي من المنافقين الذين تتوافر فيهم كل شروط القتال، ويستأذنون في القعود وعدم الخروج للقتال. ويقولون ما يخبرنا الحق به: {وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَاعِدِينَ} والقاعد مقابله القائم. والقيام - كما نعلم - هو مقدمة للحركة. فإذا أراد الإنسان أن يمشي، قام من مكانه أولاً، ثم بدأ المشي والحركة، ومن القيام أخذتْ مادة (القوم) أي: الجماعة القائمة على شئونها، والقوم هم الرجال، أما النساء فلا يدخلن في القوم، مصداقاً لقول الحق: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ...} تفسير : [الحجرات: 11]. إذن: فالقيام يقابله القعود، والقوم يقابلهم النساء. والقعود هو مقدمة للسكون، فمتى جلس الإنسان فهناك مقدمة لفترة من السكون، وقعود المنافقين وتخلفهم واستئذانهم أن يبقوا مع النساء والعجزة والمرضى والصبية هو حَطٌّ من شأنهم. ولذلك يقول عنهم الحق سبحانه وتعالى: {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} من شدة نفاقهم وبغضهم مع الله ورسوله {إِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} من القرآن ناطقة {أَنْ آمِنُواْ} أيها المكلفون {بِٱللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ} في سبيله {ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ} والسعة {مِنْهُمْ} أي: صناديدهم وعظماؤهم؛ خوفاً من أموالهم وأنفسهم {وَقَالُواْ ذَرْنَا} ودعنا {نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَاعِدِينَ} [التوبة: 86] المعذورين الغير القادرين. وبالجملة: {رَضُواْ} أولئك الغواة مع قوتهم وسعتهم {بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ} أي الضعفاء الفاقدين للقوة والسعة {وَ} ما ذلك إلا أن {طُبِعَ} وخُتم {عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} بالكفر والضلال {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} [التوبة: 87] قبح ما جاءوا به من المخالفة والقعود مع أولئك المعذورين، ولذلك لم يأتوا بالمأمور، ولم يتمثلوا به. {لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} امتثلوا لأمر الله، وانقادوا لحكمه سمعاً وطاعة، لذلك {جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} في سبيل الله؛ ابتغاءً لمرضاته وتثبيتاً في دينه {وَأُوْلَـٰئِكَ} المؤمنون المجاهدون {لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ} المثوبات العظمى، والدرجات العليا عند الله {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [التوبة: 88] الفائزون من عنده بما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وبالجملة: {أَعَدَّ ٱللَّهُ} المجازي لخلَّص عباده {لَهُمْ} أي: لهؤلاء المجاهدين المرابطين قلوبهم مع الله ورسوله، الباذلين مهجهم في سبيله{جَنَّاتٍ} منتزهات علمية وعينية وحقية {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أنهار الشهود والكشوف والواردات والإلهامات، لا دفعة ولا دفعات، بل {خَالِدِينَ فِيهَا} أبداً {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [التوبة: 89] واللطف العميم لهؤلاء المختصين بالعناية الأزلية والسعادة السرمدية. {وَ} متى جاءت ونزلت سورة ناطقة بالقتال والجهاد {جَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ} بالأعذار الكاذبة ومَنْ في قلوبهم مرض {مِنَ ٱلأَعْرَابِ} الذين لا اطمئنان لهم في الأيمان {لِيُؤْذَنَ لَهُمْ} بالقعود وعدم الخروج إلى الجهاد {وَقَعَدَ} المصرون {ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} من غير مبالاة بأمر الله وإطاعة رسوله، لا تبالِ بهم وبمخالفتهم وكذبهم؛ إذ {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ} بعد افتضاحهم وظهور نفاقهم {عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 90] في الدنيا والآخرة، لا نجاة لهم أصلاً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى في بيان استمرار المنافقين على التثاقل عن الطاعات، وأنها لا تؤثر فيهم السور والآيات: { وَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةٌ } يؤمرون فيها بالإيمان باللّه والجهاد في سبيل اللّه. { اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ } يعني: أولي الغنى والأموال، الذين لا عذر لهم، وقد أمدهم اللّه بأموال وبنين، أفلا يشكرون اللّه ويحمدونه، ويقومون بما أوجبه عليهم، وسهل عليهم أمره، ولكن أبوا إلا التكاسل والاستئذان في القعود { وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ }. قال تعالى { رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ } أي: كيف رضوا لأنفسهم أن يكونوا مع النساء المتخلفات عن الجهاد، هل معهم فقه أو عقل دلهم على ذلك؟ أم طبع الله على قلوبهم فلا تعي الخير، ولا يكون فيها إرادة لفعل ما فيه الخير والفلاح؟ فهم لا يفقهون مصالحهم، فلو فقهوا حقيقة الفقه، لم يرضوا لأنفسهم بهذه الحال التي تحطهم عن منازل الرجال.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):