Verse. 1322 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

رَضُوْا بِاَنْ يَّكُوْنُوْا مَعَ الْخَـوَالِفِ وَطُبِـــعَ عَلٰي قُلُوْبِہِمْ فَہُمْ لَا يَفْقَہُوْنَ۝۸۷
Radoo bian yakoonoo maAAa alkhawalifi watubiAAa AAala quloobihim fahum la yafqahoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«رضوا بأن يكونوا مع الخوالف» جمع خالفة أي النساء اللاتي تخلَّفن في البيوت «وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون» الخير.

87

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ} «الخوالف» جمع خالفة؛ أي مع النساء والصبيان وأصحاب الأعذار من الرجال. وقد يُقال للرجل: خالفة وخالف أيضاً إذا كان غير نجيب؛ على ما تقدّم. يُقال: فلان خالفة أهله إذا كان دونهم. قال النحاس: وأصله من خَلَف اللبنُ يخلف إذا حَمُض من طول مكثه. وخَلَف فمُ الصائم إذا تغيّر ريحه؛ ومنه فلان خَلَف سوء؛ إلاَّ أن فواعل جمع فاعلة. ولا يجمع «فاعل» صفة على فواعل إلاَّ في الشعر؛ إلاَّ في حرفين، وهما فارس وهالك. وقوله تعالىٰ في وصف المجاهدين: {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ} قيل: النساء الحسان؛ عن الحسن. دليله قوله عزّ وجلّ: {أية : فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ}تفسير : [الرّحمٰن: 70]. ويُقال: هي خَيْرة النّساء. والأصل خيّرة فخفّف؛ مثل هَيّنة وهَيْنة. وقيل: جمع خير. فالمعنى لهم منافع الدارين. وقد تقدّم معنى الفلاح. والجنات: البساتين. وقد تقدّم أيضاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوٰلِفِ } جمع (خالفة) أي النساء اللاتي تخلفن في البيوت {وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } الخير.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْخَوَالِفِ} النساء، أو المنافقين، أو الأدنياء الأخسَّاء، فلان خَالِفة أهله إذا كان دونهم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏رضوا بأن يكونوا مع الخوالف‏} ‏ قال‏:‏ مع النساء‏. وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص ‏"‏حديث : أن علي بن أبي طالب خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء ثنية الوداع يريد تبوك، وعلي يبكي ويقول‏:‏ تخلفني مع الخوالف‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هرون من موسى إلا النبوة‏؟‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏رضوا بأن يكونوا مع الخوالف‏} ‏ قال‏:‏ رضوا بأن يقعدوا كما قعدت النساء‏. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة ‏ {‏رضوا بأن يكونوا مع الخوالف‏}‏ أي النساء {وطبع على قلوبهم} ‏أي بأعمالهم.

ابو السعود

تفسير : {رَضُواْ} استئنافٌ لبـيان سوءِ صنيعِهم وعدمِ امتثالِهم لكلا الأمرين وإن لم يرُدّوا الأول صريحاً {بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوٰلِفِ} مع النساء اللاتي شأنُهن القعودُ ولزومُ البـيوتِ، جمعُ خالفةٍ وقيل: الخالفةُ من لا خير فيه {وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ} بسبب ذلك {لاَّ يَفْقَهُونَ} ما في الإيمان بالله وطاعتِه في أوامره ونواهيه واتباعِ رسولِه عليه السلام والجهادِ من السعادة وما في أضداد ذلك من الشقاوة {لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ} بالله وبما جاء من عنده تعالى، وفيه إيذانٌ بأنهم ليسوا من الإيمان بالله في شيء وإن لم يُعرضوا عنه صريحاً إعراضَهم عن الجهاد باستئذانهم في القعود {جَـٰهَدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} أي إنْ تخلّف هؤلاء عن الغزو فقد نهَدَ إليه ونهضَ له من هو خيرٌ منهم وأخلصُ نيةً ومعتقَداً وأقاموا أمرَ الجهادِ بكلا نوعيه كقوله تعالى: {أية : فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ } تفسير : [الأنعام: 89] {وَأُوْلـئِكَ} المنعوتون بالنعوت الجليلة {لَهُمْ} بواسطة نعوتِهم المزبورة {الخَيْرَاتِ} أي منافعُ الدارين النصرُ والغنيمةُ في الدنيا والجنةُ والكرامة في العُقبى، وقيل: الحورُ كقوله عز قائلاً: {أية : فِيهِنَّ خَيْرٰتٌ حِسَانٌ} تفسير : [الرحمن: 70] وهي جمعُ خَيْرة تخفيف خيّرة {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي الفائزون بالمطلوب لا مَنْ حاز بعضاً من الحظوظ الفانية عما قليل، وتكريرُ اسمِ الإشارة تنويهٌ لشأنهم وربْءٌ لمكانهم {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ} استئنافٌ لبـيان كونِهم مفلحين أي هيأ لهم في الآخرة {جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَـٰالِدِينَ فِيهَا} حالٌ مقدرةٌ من الضمير المجرورِ والعامل أعدّ {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما فُهم من إعداد الله سبحانه لهم الجناتِ المذكورةَ من نيل الكرامةِ العظمى {ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} الذي لا فوزَ وراءه. {وَجَاء ٱلْمُعَذّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ} شروعٌ في بـيان أحوالِ منافقي الأعرابِ إثرَ بـيانِ منافقي أهلِ المدينةِ، والمعذّرون من عذّر في الأمر إذا قصّر فيه وتوانىٰ ولم يجِدَّ، وحقيقتُه أن يوهِمَ أن له عذراً فيما يفعل ولا عذرَ له أو المعتذرون بإدغام التاءِ في الذال ونقلِ حركتِها إلى العين وهم المعتذرون بالباطل، وقرىء المُعْذِرون من الإعذار وهو الاجتهاد في العذرُ والاحتشادُ فيه، قيل: هم أسَدٌ وغطَفانُ قالوا: إن لنا عيالاً وإن بنا لجَهداً فائذن لنا في التخلف. وقيل: هم رهطُ عامِر بنِ الطفيل قالوا: إن غزَوْنا معك أغار أعرابُ طيءٍ على أهالينا ومواشينا فقال عليه السلام: «حديث : سيغنيني الله تعالى عنكم»تفسير : . وعن مجاهد: نفرٌ من غِفارٍ اعتذروا فلم يعذُرهم الله سبحانه. وعن قتادة: اعتذروا بالكذب. وقرىء المُعّذّرون بتشديد العين والذال من تعذر بمعنى اعتذر وهو لحنٌ إذ التاءُ لا تُدغم في العين إدغامَها في الطاء والزاي والصاد في المطّوعين وازّكى واصّدق. وقيل: أريد بهم المعتذرون بالصحة وبه فُسّر المعذّرون والمُعْذِرون أي الذين لم يُفرطوا في العذر {وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} وهم منافقو الأعرابِ الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا فظهر أنهم كذبوا الله ورسولَه بادعائهم الإيمانَ والطاعة {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ} أي من الأعراب أو من المعذّرين فإن منهم من اعتذر لكسله لا لكفره {عَذَابٌ أَلِيمٌ} بالقتل والأسرِ في الدنيا والنارِ في الآخرة.

القشيري

تفسير : بَعُدُوا عن بِساط العِبادة فاستطابوا الدّعة، ورضوا بالتعريج في منازل الفرقة، ولو أنهم رجعوا إلى الله تعالى بِصِدقِ النَّدم لَقَابَلهُم بالفضل والكرم، ولكنْ القضاءَ غالِبٌ، والتكلفَ ساقطٌ.

اسماعيل حقي

تفسير : {رضوا} اى المنافقون {بان يكونوا مع الخوالف} اى مع النساء المتخلفات فى البيوت والحى بعد ازواجهن حمع خالفة فالتاء للتانيث وقد يقال الخالفة الذى لا خير فيه فالتاء للنقل من الوصفية الى الاسمية لا للتأنيث ولعل الوجه فى تسمية من لا خير فيه من الرجال خالفه كونه غير مجيب الى ما دعى اليه من المهمات {وطبع على قلوبهم} [ومهر نهاده شده بردلهاىايشان]. قال الحدادى معنى الطبع فى اللغة جعل الشىء كالطابع نحو طبع للدينار والدرهم قال فى المصادر والتركيب يدل على نهاية ينتهى اليها الشيء حتى يختم عندها ويقاس على هذا طبع الانسان وطبيعته وطباعه اى سجيته التى جبل عليها وخص القلب بالختم لانه محل الفهم ولذا قال {فهم لا يفقهون} ما فى الايمان بالله وطاعته فى اوامره ونواهيه وموافقة الرسول والجهاد من السعادة وما فى اضداد ذلك من الشقاوة

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى بأن هؤلاء الذين قالوا {ذرنا نكن مع القاعدين} من المنافقين رضوا لنفوسهم أن يكونوا مع الخوالف وهم النساء والصبيان والمرضى والمقعدون. قال الزجاج: الخوالف النساء لتخلفهن عن الجهاد، ويجوز أن يكون جمع خالفة في الرجال، والخالف والخالفة الذي هو غير نجيب، ولم يأت في (فاعل) (فواعل) صفة إلا حرفين قولهم: فارس وفوارس. وهالك وهوالك. وقوله {وطبع على قلوبهم} قيل في معناه قولان: احدهما - انه تعالى يجعل نكته سوداء في قلب المنافق والكافر لتكون علامة للملائكة يعرفون بها أنه ممن لا يفلح أبداً. الثاني - أن يكون المراد بذلك الذم لها بأنها كالمطبوع عليها فلا يدخلها صبر ولا ينتفي عنها شر، لأن حال الذم لها يقتضي صفات الذم، كما أن حال المدح يقتضي صفات المدح، كما قال جرير في قصيدة أولها: شعر : أتصحوا أم فؤادك غير صاح عشية همّ صحبك بالرّواح ألستم خير من ركب المطايا واندى العالمين بطون راح تفسير : ولا تحمل الا على المدح دون الاستفهام. والطبع في اللغة هو الختم تقول: طبعه وختمه بمعنى واحد.

اطفيش

تفسير : {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ} النساءِ الخوالف والمفرد خالفة لأَنها تتخلف فى البيت، أَو جمع خالفة وهو من فاسد ذكر أَو أنثى، وما بالتاءِ على فواعل ولو كان لمذكر فشمل النساءَ والصبيان ونحوهم فما ذكر، وأَما بلا تاءٍ فلا، إِلا شذوذاً، ويروى أَن المنافقين يصعب عليهم التسمية بالخوالف فسماهم الله به ذماً وتعييرا وإِغاظة لهم {وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ} علة {لاَ يَفْقَهُونَ} ما فى الجهاد وموافقة الرسول صلى الله عليه وسلم من الخير، وما فى تركها من الخسران الدائم وذكر يفقهون دون يعلمون لأَن الوصول إِلى ما فى الجهاد والموافقة يحتاج إِلى تدرب وفكر عميق.

الالوسي

تفسير : {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوٰلِفِ} أي النساء كما روي عن ابن عباس وقتادة وهو جمع خالفة وأطلق على المرأة لتخلفها عن أعمال الرجال كالجهاد وغيره، والمراد ذمهم وإلحاقهم بالنساء في التخلف عن الجهاد، ويطلق الخالفة على من لا خير فيه، والتاء فيه للنقل للإسمية، وحمل بعضهم الآية على ذلك فالمقصود حينئذ من لا فائدة فيه للجهاد وجمعه على فواعل على الأول ظاهر وأما على الثاني فلتأنيث لفظه لأن فاعلاً لا يجمع على فواعل في العقلاء الذكور إلا شذوذاً {وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ} بسبب ذلك {لاَّ يَفْقَهُونَ} ما ينفعهم وما يضرهم في الدارين.

ابن عاشور

تفسير : استئناف قصد منه التعجيب من دناءة نفوسهم وقلّة رجلتهم بأنّهم رضوا لأنفسهم بأن يكونوا تبعاً للنساء. وفي اختيار فعل {رضوا} إشعار بأنّ ما تلبسوا به من الحال من شأنه أن يتردّد العاقل في قبوله كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة}تفسير : [التوبة: 38] وقوله: {أية : إنكم رضيتم بالقعود أول مرة}تفسير : [التوبة: 83]. والخوالف: جمع خالفة وهي المرأة التي تتخلّف في البيت بعد سفر زوجها فإن سافرت معه فهي الظعينة، أي رضوا بالبقاء مع النساء. والطبع تمثيل لحال قلوبهم في عدم قبول الهدى بالإناء أو الكتاب المختوم. والطبع مرادف الختم. وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى: {أية : ختم الله على قلوبهم} تفسير : في سورة البقرة (7). وأسند الطبع إلى المجهول إمّا للعلم بفاعله وهو الله، وإمّا للإشارة إلى أنّهم خلقوا كذلك وجبلوا عليه وفرع على الطبع انعدام علمهم بالأمور التي يختصّ بعلمها أهل الأفهام، وهو العلم المعبّر عنه بالفقه، أي إدراك الأشياء الخفيّة، أي فآثروا نعمة الدعة على سُمعة الشجاعة وعلى ثواب الجهاد إذ لم يدركوا إلاّ المحسوسات فلذلك لم يكونوا فاقهين وذلك أصل جميع المَضار في الداريْن. وجيء في إسناد نفي الفقاهة عنهم بالمسند الفعلي للدلالة على تقوّي الخبر وتحقيق نسبته إلى المخبر عنهم وتمكّنه منهم.

د. أسعد حومد

تفسير : (87) - رَضُوا لأَِنْفُسِهِمْ بِالْقُعُودِ، وَبِعَارِ الْبَقَاءِ مَعَ النِّسَاءِ الْمُتَخَلِّفَاتِ فِي الْبَلَدِ، بَعْدَ خُرُوجِ الْجَيْشِ (الْخَوَالِفِ)، وَقَدْ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَخَتَمَ عَلَيْهَا، فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِمُ الأُمُورُ، وَأَصْبَحُوا لاَ يَفْقَهُونَ، وَلاَ يَعْرِفُونَ مَا فِي الجِهَادِ مِنْ خَيْرٍ لِلنَّفْسِ وَلِلْجَمَاعَةِ، وَلاَ مَا فِي القُعُودِ عَنِ الجِهَادِ مِنْ مَضَرَّةٍ لِلنَّفْسِ وَلِلْجَمَاعَةِ، فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. الخَوَالِفِ - النَّسَاءِ المُتَخَلِّفَاتِ عَنِ الجِهَادِ. طُبِعَ - خُتِمَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و{ٱلْخَوَالِفِ} ليست جمع "خَالِف" ولكنها جمع "خالفة"؛ لأن "خَالف" لا تجمع على "فواعل"، وإنما "خالفة" هي التي تُجمَعُ على "فواعل"، وهم قد ارتضوا لأنفسهم أن يطبق عليهم الحكم الذي يُطبق على النساء. ولذلك كانوا {لاَ يَفْقَهُونَ} لأنهم ارتضوا لأنفسهم وصفاً لا يليق بالرجال وفرحوا بهذا الوصف دون أن ينتبهوا لما فيه من إهانة لهم؛ لأنهم يهربون من القتال كما تهرب النساء. والمنافق - كما قلنا - له ملكتان: ملكة قولية، وملكة قلبية. فقول المنافق إعلان بالإيمان، أما قلبه فهو ممتلئ بالكفر؛ وفي هذه الحالة تتضارب ملكاته. والله سبحانه وتعالى يوضح لهم: سوف نعاملكم في الدنيا بظاهر كلامكم، ونعاملكم في الآخرة بباطن قلوبكم، وسوف نطبع على هذه القلوب؛ فلا يخرج منها كفر، ولا يدخل إليها إيمان، ولذلك قال الحق سبحانه هنا {وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}. وقد قال الحق سبحانه: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ ...} تفسير : [البقرة: 7]. وقال سبحانه: {أية : وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ...} تفسير : [التوبة: 93]. وما دام الكافر قد أعجبه كفر قلبه؛ فالحق سبحانه يختم على قلبه، بحيث لا يخرج ما فيه من كفر، ولا يدخل إلى قلبه؛ ما هو خارجه من إيمان، تماماً كما تختم الشيء بالشمع الأحمر؛ فيظل ما في داخله كما هو، وما في خارجه كما هو. ويطبع الله على قلبه؛ فيمنع ما فيه من الكفر أن يخرج، ويمنع ما في خارجه من الإيمان أن يدخل إليه. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} والفقه هو الفهم، أي: لا يفهمون ما حُرِموا منه من ثواب ونعيم الآخرة؛ لأنهم قد فرحوا بتخلفهم عن الجهاد، وهم يحسبون أن هذا خير لهم ولكنه شر لهم. ثم يريد الحق سبحانه أن يضع الطمأنينة في نفوس المؤمنين، ويطلب منهم ألا يفزعوا؛ لتخلف هؤلاء القادرين عن القتال رغم أنهم أصحاب الطَّوْل الذين يملكون الأموال والأولاد. ويزيل الحق أثر ذلك من نفوس المؤمنين، فيقول سبحانه: {لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ} [التوبة: 87] من أرباب الشهوات والعلاقات، {وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 87] بطابع حب الدنيا وزينتها واتباع شهواتها، {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} [التوبة: 87] فإن بالطبع يزول فقه القلب حتى لا يكون له شعور على الطبع، {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} أي: لا يشعرون أنهم محجوبون عن الله بحجاب الدنيا. {لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} [التوبة: 88] يشير إلى أن من أمارات أهل الصدق وأرباب الطلب الجد والاجتهاد في طلب الحق ببذل الأموال والأنفس، فإنهم شاهدوا بنور الصدق وشواهد الحق، فاستقلوا الفانيات واستكثروا الباقيات وتحقق لهم أن ما عندهم من الأموال والأنفس ينفد وما عند الله باق؛ فآثروا ما يبقى على ما يفنى. {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ} [التوبة: 88] وهي على نوعين: خيرات تتعلق بالعبد وأعماله وهي الحسنات أخرى مع أنهم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وخيرات تتعلق بمواهب الحق؛ يعني: لمساعي العبودية نالوا خيرات الربوبية. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [التوبة: 88] الذين ظفروا بنفوسهم؛ إذ بذلوها في سبيل الله وتخلصوا عن حجب صفاتها، {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [التوبة: 89] أي: هم الذين أعد الله لهم في الأزل بساتين المعاني وتجري من تحتها الأنهار الحكم، {خَالِدِينَ فِيهَا} [التوبة: 89] ينتفعون بها إلى الأبد من غير انقطاع أو فترة، {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [التوبة: 89] أي: ذلك الفلاح والخلاص عن حجب النفس وصفاتها هو الفوز العظيم؛ لأن عظم الفوز على قدر عظم الحجب، ولا حجاب أعظم من حجاب النفس والفوز عنها يكون فوزاً عظيماً، واللهُ أعلم. قوله تعالى: {وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ} [التوبة: 90] إلى قوله: {فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [التوبة: 93] يشير إلى أن الخلق ثلاث طبقات: الأولى المعذرون، وهم المقصرون المعترفون بتقصيرهم وذنوبهم المعذرون عن تقصيرهم التائبون عن ذنوبهم المتداركون بالحرمة والمغفرة. والثانية: القاعدون، وهم الكاذبون الكذابون الذين لم يؤمنوا بالله ورسوله من الكافرين والمنافقين المتداركون بالخذلان والعذاب الأليم، كما قال تعالى: {وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 90]. والثالثة: المؤمنون الصادقون النصاحون المخلصون ولكن فيهم الضعفاء والمرضى والعجزة والفقراء وهم أهل العذر، فلا حرج عليهم في القعود عن طلب الكمالات بالظواهر عند العجز مع استعمال البواطن في القلب بقدر الاستعداد كما قال تعالى: {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 91] يعني: إذا أحسنوا في طلب الله اتباع رسوله بقدر قدرتهم وتمكينهم، ولذلك قال تعالى: {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} [التوبة: 91] إلى الخذلان. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} [التوبة: 91] أي: يجبر تقصيرهم عند العذر بالمغفرة، {رَّحِيمٌ} [التوبة: 91] بأن يرحمهم ويعطيهم من فضله ما أعطى أهل الجد والاجتهاد عند القدرة، {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ} [التوبة: 92] أي: بطريق المتابعة بقدر الاستعداد، {لِتَحْمِلَهُمْ} [التوبة: 92] على جناح الهمة النبوية وتوصلهم إلى مقامات ودرجات لم يكونوا بالغيها بجناحي البشرية والروحانية، {قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} [التوبة: 92] عزة ترفعاً واستغناء ودلالاً كما قال تعالى لموسى عليه السلام عند سؤاله بقوله: {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي}تفسير : [الأعراف: 143] ليزيد بهذا المنع والتعذر شوق موسى عليه السلام فكان منع النبي صلى الله عليه وسلم عنهم الحمل من هذا القبيل، فزاد لهم الشوق والحرص على العزة، {تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً} [التوبة: 92] على فوات ساعات الغزو صورة ومعنى. {أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة: 92] أي: ما يستعلمون من الأسباب الموصلة لهم إلى مقامات العلية والمواهب السنية إلا بعد الابتلاء بالمنع والتعذر لتقوى داعية القلب، وتزيد في الصدق فلما غلب الشوق وزاده الطلب أعطي مأمولهم وأجيب سؤلهم في الصورة والمعنى، كما أعطاهم النبي الحمالات في الصورة كما ذكره في رواية أبي موسى الأشعري، وفي المعنى كما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحمل أرباب الطلب على جناح النبوة بقوله تعالى: {أية : وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الشعراء: 215]. ثم قال تعالى: {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ} [التوبة: 93] أي: الخذلان لمن يحتال في العقود عن طلب الكمال بطريق الاستعداد والاستئذان من غير حقيقة الأعذار، {وَهُمْ أَغْنِيَآءُ} أي: لهم الاستعدادات الكاملة فلم يستعملوها في طلب الكمال؛ لكسل النفس وجنايتها طلباً لاستراحة وتحصيل اللذات والشهوات الحيوانية، {رَضُواْ} [التوبة: 93] بالخذلان وعدم التوفيق وخسة النفس، {بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ} [التوبة: 93] وهم معدومو الاستعدادات الكاملة المبلغة إلى مقامات الكمال. {وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 93] بطابع رضاهم بالمقام الأدون، {فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [التوبة: 93] أنهم مطبعون على قلوبهم؛ لأن من خصائص الطبع الجهل بما لهم وهذا هو الاستدراج الموعود بقوله: {أية : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [القلم: 44].

همام الصنعاني

تفسير : 1119- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، وقتادة في قوله تعالى: {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ}: [الآية: 87]، قالا: مَعَ النِّساءِ.