Verse. 1323 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

لٰكِنِ الرَّسُوْلُ وَالَّذِيْنَ اٰمَنُوْا مَعَہٗ جٰہَدُوْا بِاَمْوَالِہِمْ وَاَنْفُسِہِمْ۝۰ۭ وَاُولٰۗىِٕكَ لَہُمُ الْخَيْرٰتُ۝۰ۡ وَاُولٰۗىِٕكَ ہُمُ الْمُفْلِحُوْنَ۝۸۸
Lakini alrrasoolu waallatheena amanoo maAAahu jahadoo biamwalihim waanfusihim waolaika lahumu alkhayratu waolaika humu almuflihoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لكن الرسولُ والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات» في الدنيا والآخرة «وأولئك هم المفلحون» أي الفائزون.

88

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى لما شرح حال المنافقين في الفرار عن الجهاد بين أن حال الرسول والذين آمنوا معه بالضد منه، حيث بذلوا المال والنفس في طلب رضوان الله والتقرب إليه. وقوله: {لَكِنِ } فيه فائدة، وهي: أن التقدير أنه إن تخلف هؤلاء المنافقون عن الغزو، فقد توجه من هو خير منهم، وأخلص نية واعتقاداً، كقوله: { أية : فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً } تفسير : [الأنعام: 89] وقوله: { أية : فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ } تفسير : [فصلت: 38] ولما وصفهم بالمسارعة إلى الجهاد ذكر ما حصل لهم من الفوائد والمنافع. وهو أنواع: أولها: قوله: {وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ } واعلم أن لفظ الخيرات، يتناول منافع الدارين، لأجل أن اللفظ مطلق. وقيل: {الخَيْرَاتُ } الحور، لقوله تعالى: { أية : فِيهِنَّ خَيْرٰتٌ حِسَانٌ } تفسير : [الرحمٰن: 70] وثانيها: قوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } فقوله: {لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ } المراد منه الثواب. وقوله: {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } المراد منه التخلص من العقاب والعذاب. وثالثها: قوله: {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا } يحتمل أن تكون هذه الجنات كالتفسير للخيرات وللفلاح، ويحتمل أن تحمل تلك الخيرات والفلاح على منافع الدنيا، مثل الغزو، والكرامة، والثروة، والقدرة، والغلبة، وتحمل الجنات على ثواب الآخرة و {ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } عبارة عن كون تلك الحالة مرتبة رفيعة، ودرجة عالية.

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى ذنب المنافقين، بين ثناءه على المؤمنين ومالهم في آخرتهم، فقال: {لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ جَـٰهَدُواْ} إلى آخر الآيتين من بيان حالهم ومآلهم، وقوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ} أي: في الدار الآخرة في جنات الفردوس والدرجات العلى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ جَٰهَدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَٱئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ } في الدنيا والآخرة {وَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } أي الفائزون.

الشوكاني

.تفسير : المقصود من الاستدراك بقوله: {لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ } إلى آخره: الإشعار بأن تخلف هؤلاء غير ضائر، فإنه قد قام بفريضة الجهاد من هو خير منهم وأخلص نية كما في قوله: {أية : فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ } تفسير : [الأنعام: 89]. وقد تقدّم بيان الجهاد بالأموال والأنفس، ثم ذكر منافع الجهاد فقال: {وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ } وهي: جمع خير، فيشمل منافع الدنيا والدّين، وقيل: المراد به: النساء الحسان، كقوله تعالى: {أية : فِيهِنَّ خَيْرٰتٌ حِسَانٌ } تفسير : [الرحمٰن: 70] ومفرده خيرة بالتشديد، ثم خففت مثل هينة وهينة: وقد تقدّم معنى الفلاح، والمراد به هنا: الفائزون بالمطلوب، وتكرير اسم الإشارة لتفخيم شأنهم وتعظيم أمرهم، والجنات: البساتين. وقد تقدم بيان جري الأنهار من تحتها، وبيان الخلود والفوز، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم من الخيرات والفلاح، وإعداد الجنات الموصوفة بتلك الصفة، ووصف الفوز بكونه عظيماً يدلّ على أنه الفرد الكامل من أنواع الفوز. وقد أخرج القرطبي في تفسيره، عن الحسن أنه قال: الخيرات: هنّ النساء الحسان.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ} وهو جمع خيرة، وفيها أربعة أوجه: أحدها: أنها غنائم الدنيا ومنافع الجهاد. والثاني: فواضل العطايا. والثالث: ثواب الآخرة. والرابع: حُور الجنان، من قوله تعالى {أية : فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} تفسير : [الرحمن: 70].

ابن عطية

تفسير : الأكثر في {لكن} أن تجيء بعد نفي، وهو ها هنا في المعنى، وذلك أن الآية السالفة معناها أن المنافقين لم يجاهدوا فحسن بعدها " لكن الرسول والمؤمنون جاهدوا "، و {الخيرات} جمع خيرة وهو المستحسن من كل شيء، وكثر استعماله في النساء، فمن ذلك قوله عز وجل: {أية : فيهن خيرات حسان} تفسير : [الرحمن: 70] ومن ذلك قول الشاعر أنشده الطبري: [الكامل ] شعر : ربلات هند خيرة الملكات تفسير : و {المفلحون} الذين أدركوا بغيتهم من الجنة، والفلاح يأتي بمعنى إدراك البغية، من ذلك قول لبيد: [الرجز] شعر : أفلح بما شئت فقد يبلغ بالضـ عف وقد يخدع الأريب تفسير : ويأتي بمعنى البقاء ومن ذلك قول الشاعر: [المنسرح] شعر : لكل همٍّ من الهموم سعهْ والمسى والصبح لا فلاح معهْ تفسير : أي لا بقاء. قال القاضي أبو محمد : وبلوغ البغية يعم لفظة الفلاح حيث وقعت فتأمله، و {أعد} معناه يسر وهيأ، وقوله {من تحتها } يريد من تحت مبانيها وأعاليها،و {الفوز} حصول الإنسان على أمله، وظفره ببغيته، ومن ذلك فوز سهام الأيسار. وقوله تعالى: {وجاء المعذرون من الأعراب} الآية، اختلف المتألون في هؤلاء الذى جاءوا هل كانوا مؤمنين أو كافرين، فقال ابن عباس وقوم معه منهم مجاهد: كانوا مؤمنين وكانت أعذارهم صادقة، وقرأ " وجاء المعْذرون " بسكون العين، وهي قراءة الضحاك وحميد الأعرج وأبي صالح وعيسى بن هلال. وقرأ بعض قائلي هذه المقالة "المعذّرون" بشد الذال، قالوا وأصله المتعذرون فقلبت التاء ذالاً وأدغمت. ويحتمل المعتذرون في هذا القول معنيين أحدهما المتعذرون بأعذار حق والآخر أن يكون الذين قد بلغوا عذرهم من الاجتهاد في طلب الغزو معك فلم يقدروا فيكون مثل قول لبيد: شعر : ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر تفسير : وقال قتادة وفرقة معه: بل الذين جاءوا كفرة وقولهم وعذرهم كذب، وكل هذه الفرقة قرأ "المعذّرون" بشد الذال، فمنهم من قال أصله المتعذرون نقلت حركة التاء إلى العين وأدغمت التاء في الذال، والمعنى معتذرون بكذب، ومنهم من قال هو من التعذير أي الذين يعذرون الغزو ويدفعون في وجه الشرع، فالآية إلى آخرها في هذا القول إنما وصفت صنفاً واحداً في الكفر ينقسم إلى أعرابي وحضري، وعلى القول الأول وصفت صنفين: مؤمناً وكافراً، قال أبو حاتم: وقال بعضهم سألت مسلمة فقال " المعّذّرون " بشد العين والذال، قال أبو حاتم: أراد المعتذرين والتاء لا تدغم في العين لبعد المخارج وهي غلط عنه أو عليه، قال أبو عمرو: وقرأ سعيد بن جبير " المعتذرون " بزيادة تاء، وقرأ الحسن بخلاف عنه وأبو عمرو ونافع والناس " كذَبوا " بتخفيف الذال، وقرأ الحسن وهو المشهور عنه وأبي بن كعب ونوح وإسماعيل " كذّبوا" بتشديد الذال، والمعنى لم يصدقوه تعالى ولا رسوله وردوا عليه أمره، ثم توعد في آخر الآية الكافرين بـ {عذاب أليم}، فيحتمل أن يريد في الدنيا بالقتل والأسر. ويحتمل أن يريد في الآخرة بالنار، وقوله: {منهم} يريد أن المعذرين كانوا مؤمنين ويرجحه بعض الترجيح فتأمله، وضعف الطبري قول من قال إن المعذرين من التعذير وأنحى عليه، والقول منصوص ووجهه بين والله المعين، وقال ابن إسحاق " المعذرون " نفر من بني غفار منهم خفاف بن إيماء بن رحضة. قال القاضي أبو محمد : وهذا يقتضي أنهم مؤمنون.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْخَيْرَاتُ} جمع خيرة، غنائم الدنيا ومنافع الجهاد، أو ثواب الآخرة، أو فواضل العطايا، أو الحور {أية : فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ}تفسير : [الرحمن: 70].

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} [الآية: 88]. قال بعضهم: اجتهد الرسول صلى الله عليه وسلم فى أداء الرسالة، أبلغ الغاية وجاهد المسلمون بأنفسهم فى قبول ما جاء به من الشرع، ما كان منه حظ النفس بالنفس وما كان منه حظ المال بالمال.

القشيري

تفسير : ليس مَنْ أَقْبَلَ كمَنْ أعرض وصُدَّ، ولا مَنْ قُبِلَ أَمْرُه كَمَنْ رُدَّ، ولا من وحَّدَ كمن جَحَد، ولا من عَبَدَ كَمن عَنَدَ، ولا مَنْ أَتَى كمن أَبَى... فلا جَرَمَ رَبِحَتْ تِجَارَتُهم، وجَلتْ رُتْبَتُهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {لكن الرسول والذين آمنوا معه} بالله وبما جاء من عنده تعالى اى آمنوا كما آمن هو عليه السلام اذ لا شك ان زمان ايمان المؤمنين ما كان مقارنا لزمان ايمان الرسول فهو كقوله تعالى {أية : وأسلمت مع سليمان} تفسير : [النمل: 44]. اى اسلام سليمان اى اسلمت كما اسلم سليمان {جاهدوا باموالهم وانفسهم} لكن لم يختل امر الجهاد بتخلفهم لانه قد جاهد من هو خير منهم واخلص نية ومعتقدا {واولئك} [وآن كروه} {لهم} بواسطة نعوتهم المذكورة {الخيرات} اى منافع الدارين النصر والغنيمة فى الدنيا والجنة والكرامة فى العقبى. ويجوز ان يكون معناه الزروجات الحسان فى الجنة وهن الحور لقوله تعالى {أية : فيهن خيرات حسان} تفسير : [الرحمن: 70]. وهى جمع خيرة تخفيف خيرة وخيرات العابدين هى الحسنات فهى متعلقة باعمالهم وخيرات العارفين مواهب الحق تعالى فهى متعلقة باحوالهم {واولئك هم المفلحون} اى الفائزون بالمطلوب لا من حار بعضا من الحظوظ الفانية عما قريب

الطوسي

تفسير : لما أخبر الله تعالى عن حال المتأخرين عن النبي صلى الله عليه وآله والقاعدين عن الجهاد معه وأنهم منافقون قد طبع على قلوبهم فهم لا يفقهون. أخبر عن الرسول صلى الله عليه وآله ومن معه من المؤمنين المطيعين لله ورسوله بأنهم يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم بالاموال التي ينفقونها في مرضاة الله وعدة الجهاد ويقاتلون الكفار بنفوسهم. ثم اخبر عما أعدّلهم من الجزاء على أفعالهم تلك وانقيادهم لله ورسوله، فقال {أولئك} يعني النبي والذين معه {لهم الخيرات} في الجنة ونعيمها وخيراتها، وانهم المفلحون ايضاً الفائزون بكرامة الله. والخيرات هي المنافع التي تسكن النفس اليها وترتاح بها من النساء الحسان وغيره من نعيم الجنان واحده خيرة - هذا قول ابي عبيدة - وقال رجل من بني عدي: شعر : ولقد طعنت مجامع الربلات ربلات هند خيرة الملكات تفسير : والفلاح النجاح بالوصول إلى البغية من نجح الحاجة وهو قضاؤها.

اطفيش

تفسير : {لكِن الرَّسُولُ والَّذينَ آمنُوا مَعَه جَاهدُوا بأمْوالِهم وأنفُسِهِم} الذى ظهر لى إبقاء لكن على الاستدراك، فإن النظر إلى مجرد تخلف هؤلاء يوهم فى الجملة أن تخلفهم قد أوهن المؤمنين، وأوقع فيهم ضعفا فيفترون هم أو بعضهم عن الجهاد، أو يخرجون متهاونين، فأزال الله ذلك الإبهام، بأن المؤمنين ما زالوا فى قوة بصيرة، وبلوغ جهد فى بذل أنفسهم وأموالهم فى الجهاد، وقول جار الله والقاضى: إن تخلف هؤلاء فقد جاهد من هو خير منهم، يحتمل ذلك بأن يريد أنهم إن تخلفوا فما أوقع تخلفهم، وهنا فيمن هو خير، وقد جاهد بالنفس والمال، ويحتمل إخراجها عن الاستدراك بناء على أنها قد تخرج عنه. {وأولئِكَ لَهم الخَيْراتُ} النصر والغنيمة فى الدنيا، والجنة والكرامة فى الآخرة، وقال الحسن: الحور العين، كقوله سبحانه وتعالى: {أية : فيهن خيرات حسان} تفسير : جمع خيرة وهو المستحسن من كل شىء، وكثر استعماله فى النساء، وقيل الخيرة بإسكان الياء مخفف من خيرة بكسرها مشددة {وأولئِكَ هُم المفْلحُونَ} الفائزون بالمطلب، فإن الفلاح يستعمل بمعنى إدراك البغية وبمعنى البقاء.

اطفيش

تفسير : {لَكِنِ الرَّسُولُ} صلى الله عليه وسلم {وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} إِيضاح للاستدراك أَن المعنى لا يتوهم أَحد أَنه لما لم يجاهد هؤلاءِ بقى الذين بلا جهاد وكسل المؤمنون والرسول فقد جاهد الرسول والمؤمنون ولم يختل نشاطهم بتخلف هؤلاءِ، وقال ابن عصفور: لكن للتأكيد أَبدا لا تلزم الاستدراك، ومعه متعلق بآمنوا أَو حال من واو جاهدوا لا متعلق بجاهدوا لأَن جاهدوا لهم وللرسول ولأَن جاهدوا خبر الرسول والذين {وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ} الدنيوية كالنصر والغنيمة والعز والأُخروية من الجنة وما فيها من الحور والأَنهار والقصور والملك الكبير، ومن الجائز أَن يقال: الخيرات هنا هو الخيرات قوله فيهن خيرات وهن الحور. قال المبرد يطلق الخيرات على الجوارى الحسان على أَنه جمع خيرة ـ بإِسكان الياءَ ـ وأَصله الشد {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} المدركون لمطلوبهم الناجون من محظورهم، وذكر أولئك مرتين فى موضع الضمير ليشير إلى أَنهم استحقوا الخيرات والإِفلاح لصفتهم من الجهاد فإِن مقتضى الظاهر وهم لهم الخيرات وهم المفلحون، وزاد الإِيضاح لفلاحهم بقوله.

الالوسي

تفسير : {لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ جَـٰهَدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} استدراك لما فهم من الكلام، والمعنى إن تخلف هؤلاء ولم يجاهدوا فلا ضير لأنه قد نهض على أتم وجه من هو خير منهم فهو على حد قوله تعالى: / {أية : فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ } تفسير : [الأنعام: 89] وفي الآية تعريض بأن القوم ليسوا من الإيمان بالله تعالى في شيء وإن لم يعرضوا عنه صريحاً إعراضهم عن الجهاد باستئذانهم في القعود {وَأُوْلـٰئِكَ} أي المنعوتون بالنعوت الجليلة {لَهُمْ} بواسطة ذلك {الخَيْرَاتِ} أي المنافع التي تسكن النفس إليها وترتاح لها، وظاهر اللفظ عمومها هنا لمنافع الدارين كالنصر والغنيمة في الدنيا والجنة ونعيمها في الأخرى، وقيل: المراد بها الحور لقوله تعالى: {أية : فِيهِنَّ خَيْرٰتٌ حِسَانٌ } تفسير : [الرحمن: 70] فإنها فيه بمعنى الحور فتحمل عليه هنا أيضاً. ونص المبرد على أن الخيرات تطلق على الجواري الفاضلات وهي جمع خيرة بسكون الياء مخفف خيرة المشددة تأنيث خير وهو الفاضل من كل شيء المستحسن منه {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي الفائزون بالمطالب دون من حاز بعضاً يفنى عما قليل، وكرر اسم الإشارة تنويهاً بشأنهم.

ابن عاشور

تفسير : افتتاح الكلام بحرف الاستدراك يؤذن بأنّ مضمون هذا الكلام نقيض مضمون الكلام الذي قبله أصلاً وتفريعاً. فلمّا كان قعود المنافقين عن الجهاد مسبباً على كفرهم بالرسول صلى الله عليه وسلم كان المؤمنون على الضدّ من ذلك. وابتدىء وصف أحوالهم بوصف حال الرسول لأنّ تعلّقهم به واتّباعهم إياه هو أصل كمالهم وخيرِهم، فقيل: {لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا}. وقوله: {بأموالهم وأنفسهم} مقابل قوله: {أية : استأذنك أولُوا الطَّوْل منهم}تفسير : [التوبة: 86]. وقوله: {وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون} مقابل قوله: {أية : وطُبع على قلوبهم فهم لا يفقهون}تفسير : [التوبة: 87] كما تقدّم. وفي حرفِ الاستدراك إشارة إلى الاستغناء عن نصرة المنافقين بنصرة المؤمنين الرسولَ كقوله: {أية : فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكّلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين}تفسير : [الأنعام: 89]. وقد مضى الكلام على الجهاد بالأموال عند قوله تعالى: {أية : انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم}تفسير : [التوبة: 41]. وفي قوله: {والذين آمنوا معه} تعريض بأنّ الذين لم يجاهدوا دون عذر ليسوا بمؤمنين. و{معه} في موضع الحال من {الذين} لتدلّ على أنّهم أتباع له في كلّ حال وفي كلّ أمر، فإيمانهم معه لأنّهم آمنوا به عند دعوته إيّاهم، وجهادهم بأموالهم وأنفسهم معه، وفيه إشارة إلى أنّ الخيرات المبثوثة لهم في الدنيا والآخرة تابعة لخيراته ومقاماته. وعُطفت جملة: {وأولئك لهم الخيرات} على جملة {جاهدوا} ولم تُفصل مع جواز الفصل ليُدَلّ بالعطف على أنّها خبر عن الذين آمنوا، أي على أنّها من أوصافهم وأحوالهم لأنّ تلك أدلّ على تمكّن مضمونها فيهم من أن يُؤتى بها مستأنفة كأنّها إخبار مستأنف. والإتيان باسم الإشارة لإفادة أنّ استحقاقهم الخيرات والفلاح كان لأجل جهادهم. والخيرات: جمع خَيْر على غير قياس. فهو ممّا جاء عَلى صيغة جمع التأنيث مع عدم التأنيث ولا علامَته مثل سرادقات وحمَّامات. وجعله كثير من اللغويين جمع (خَيْرَة) بتخفيف الياء مُخفّف (خَيِّرة) المشدّد الياء التي هي أنثى (خَيِّر)، أو هي مؤنّث (خَيْر) المخفّف الياء الذي هو بمعنى أخْير. وإنّما أنّثوا وصف المرأة منه لأنّهم لم يريدوا به التفضيل، وعلى هذا كلّه يكون خيرات هنا مؤولاً بالخصال الخيّرة، وكلّ ذلك تكلّف لا داعي إليه مع استقامة الحمل على الظاهر. والمراد منافع الدنيا والآخرة. فاللام فيه للاستغراق. والقول في {وأولئك هم المفلحون} كالقول في نظيره في أول سورة البقرة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 88- ذلك شأن المنافقين، لكن الرسول والذين صدقوا معه باللَّه، قد بذلوا أموالهم وأرواحهم إرضاء للَّه وإعلاء لكلمته، وأولئك لهم - وحدهم - كل خير فى الدنيا من العز والنصرة والعمل الصالح، وهم - وحدهم - الفائزون، 89- وقد هيَّأ اللَّه لهم فى الآخرة النعيم المقيم فى جنات تتخللها الأنهار، وذلك هو الفوز العظيم والنجاح الكبير. 90- وكما تخلف بعض المنافقين فى المدينة عن الخروج للجهاد، جاء فريق من الأعراب، وهم أهل البادية، ينتحلون الأعذار ليؤذن لهم فى التخلف، وبذلك قَعَدَ الذين كذبوا اللَّه ورسوله فيما يظهرونه من الإيمان، فلم يحضروا، ولم يعتذروا للَّه ورسوله، وذلك دليل كفرهم، وسينزل العذاب المؤلم على الكافرين منهم. 91- إن الذين يقبل عذرهم فى التخلف هم الضعفاء، والمرضى، والفقراء الذين لا يجدون ما ينفقون، إذا أخلص هؤلاء للَّه ورسوله فى دينهم فإنهم بذلك محسنون، ولا حرج على المحسنين، واللَّه كثير الغفران واسع الرحمة. 92- وكذلك لا حرج على من جاء من المؤمنين يلتمسون أن تحملهم إلى الجهاد فقلت لهم: لا أجد ما أحملكم عليه، فانصرفوا عنك وعيونهم تفيض الدمع حزنا أن فاتهم شرف الجهاد فى سبيل اللَّه لأنهم لا يجدون ما ينفقون.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {جَاهَدُواْ} {بِأَمْوَالِهِمْ} {وَأُوْلَـٰئِكَ} {ٱلْخَيْرَاتُ} (88) - إِذَا تَخَلَّفَ الْمُنَافِقُونَ عَنِ الجِهَادِ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَالْمُؤْمِنِينَ جَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَهَؤُلاَءِ وَعَدَهُمُ اللهُ بِالْخَيْرَاتِ: فِي الدُّنْيَا بِتَحْقِيقِ النَّصْرِ، وَمَحْوِ الْكُفْرِ، وَإِعْلاَءِ كَلِمَةِ اللهِ، وَالتَّمَتُّعِ بِالْمَغَانِمِ، وَفِي الآخِرَةِ بِرِضَا اللهِ وَجَنَّاتِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: إياكم أن تحزنوا على هؤلاء المنافقين بسب قعودهم عن الجهاد معكم ولا تقولوا: نحن خسرناهم في قتالنا؛ لأن الحق لا يحتاج إليهم ولا إلى جهادهم. وسبحانه القائل: {أية : فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ} تفسير : [الأنعام: 89]. ويقول سبحانه: {أية : فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ} تفسير : [فصلت: 38]. وكذلك يقول الحق سبحانه: {أية : هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} تفسير : [محمد: 38]. وأيضاً نجد قوله الحق: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ...} تفسير : [المائدة: 54]. إذن: فتخلف بعض أصحاب القوة والمال والجاه عن الجهاد، يجب ألا يشيع الفزع أو الحزن في نفوس المؤمنين؛ لأن الله معهم، ولأنهم لهم الخيرات، أي: لهم كل ما يطلق عليه خير: {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} والمفلح: هو الفائز الناجي المستفيد بثمرة عمله، وأصلها فلح الأرض أي: شقها؛ لأن الزراعة تقتضي أن تحرث الأرض أولاً، وهذه مهمة الإنسان ليخرج الزرع. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ} تفسير : [الواقعة: 64]. ونحن حيث نحرث الأرض نهيجها، وبدلاً من أن تكون صلبة لا يدخلها هواء ولا تتخللها أشعة الشمس، تصير بعد الحرث مستقبلة للهواء وتتخللها أشعة الشمس؛ فتخلصها من أي ماء راكد في داخلها، وبذلك يتوافر للأرض الهواء اللازم لنمو جذور النبات؛ لأن إذا وضعت الحَبّ في أرض غير محروثة، فالزرع لا ينبت؛ لعدم وجود الهواء الذي تتنفس منه الجذور. ولكن إذا حرثت الأرض؛ جعلت أشعة الشمس تتخلل ما هو تحت السطح؛ وتبخر الماء المخزون؛ ليدخل الهواء بدلاً منه؛ فتستطيع جذور النبات أن تنمو. إذن: فكل عمل يؤدي إلى نتيجة طيبة نُسمِّيه فَلاحاً. وهو مأخوذ من الأمر الحسّي، الذي نراه كل يوم وهو الفِلاحة. وحين يريد الحق سبحانه وتعالى أن يوضح لنا أمراً معنويّاً، فهو سبحانه يستحضر لنا صورة محسّة من الذي نراه أمامنا؛ حتى نستطيع أن نُقرِّب المعنى إلى الأذهان؛ خصوصاً في الغيبيات التي لا نراها، فإذا أراد سبحانه أن يقرِّبها إلى أذهاننا؛ فهو يضرب لنا الأمثال بأمور حسّية. والإنسان حين يفلح الأرض ويشقها ويبذر فيها الحب، تعطيه محصولاً وفيراً، وكذلك فإن كل عمل يؤدي إلى نتيجة طيبة نسميه فلاحاً. وعندما يحدثنا الحق سبحانه، فهو يعطينا المثل مما نراه كل يوم؛ ليقرب إلى أذهاننا جزاء الصدقة والزكاة، ومضاعفته لنا الأجرَ، فيقول: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ ...} تفسير : [البقرة: 261]. فإذا كانت الحبة عندما تضعها في الأرض تنبت سبعمائة حبة، وإذا كانت الأرض، وهي مخلوقة لله، قد أعطتك عن الشيء الواحد سبعمائة ضعف، فكم يعطي خالق الأرض؟ وكم يضاعف؟ إنها صورة مُحَسّة للجزاء على الصدقة والزكاة. وأنت ساعة تزرع الأرض لا تقول: أنا أنقصت المخزون عندي كيلة من القمح أو إردباً من القمح؛ لأنك تعلم أنك تأخذ مما عندك إردباً من القمح؛ لتزرعه في الأرض. ولكنك لا تنظر إلى الإردب الذي أخذته من المخزون عندك، بل انظر إلى ما سوف يجيء لك من هذا الإردب ساعة الحصاد، وكذلك الزكاة: إياك أن تنظر إلى ما سينقص من مالك عندما تؤدي الزكاة، ولكن انظر إلى كم سيضاعف الله لك هذا المال. وقد ضرب الحق مثلاً بشيء مُحَسٍّ يعلمه الجميع، ومن صورة ما نراه أمامنا لنفهم ما ينتظرنا، فإذا كانت الأرض - وهي المصدر الأول للاقتيات - تُلقى فيها الحبة الواحدة، فتعطي لك سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، وإذا كانت الأرض المخلوقة لله تعوضك عما وضعته فيها بسبعمائة ضعف، فكم يعطيك خالق الأرض؟ إذن: فهو سبحانه قادر أن يضاعف لمن يشاء بغير حساب. ولذلك يبشر الحق سبحانه وتعالى المؤمنين بقوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} وهذا جزاء المؤمنين في الدنيا، ولكن هناك جزاءاً آخر في الآخرة. وفي هذا يُبشِّرنا الحق سبحانه في قوله: {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي...}.

الأندلسي

تفسير : {لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ} الآية، لكن وضعُها أن تقع بين متنافيين ولما تضمن قول المنافقين ذرنا استئذانهم في القعود كان ذلك تصريحاً بانتفاء الجهاد، وكأنه قيل: رضوا بكذا ولم يجاهدوا لكن الرسول جاهد والمعنى أن تخلف هؤلاء المنافقون فقد توجه إلى الجهاد من هو خير منهم وأخلص نية. والخيرات: جمع خيرة، وهو المستحسن من كل شىء فيتناول محاسن الدنيا والآخرة لعموم اللفظ. وكثر استعماله في النساء ومنه قوله تعالى: {أية : فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ}تفسير : [الرحمن: 70]. {وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ} الآية، وقرىء بالتشديد والتخفيف. والظاهر أن هؤلاء الجائين كانوا مؤمنين، كما قال ابن عباس، لأن التقسيم يقتضي ذلك ألا ترى إلى قوله: {وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الآية، فلو كان الجميع كفاراً لم يكن لوصف الذين قعدوا بالكذب اختصاص، وكان يكون سيصيبهم عذاب أليم. والمعذورون: هم أسد وغطفان. وقيل غير ذلك. {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ} الآية، لما ذكر تعالى حال من تخلف عن الجهاد مع القدرة عليه ذكر حال من له عذر في تركه. والضعفاء: جمع ضعيف وهو الهرم، ومن خلق في أصل البنية شديد النحافة والضؤولة بحيث لا يمكنه الجهاد. والمريض: من عرض له المرض، أو كان زمناً ويدخل فيه العُمْيُ والعرج. و{ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ} هم الفقراء. قيل: هم مزينة وجهينة وبنو عذرة. ونفى الحرج عنهم في التخلف عن الغزو، ونفي الحرج لا يتضمن المنع من الخروج إلى الغزو فلو خرج أحد هؤلاء ليعين المجاهدين بما يقدر عليه من حفظ متاعهم أو تكثير سوادهم ولا يكون كلاً عليهم كان له في ذلك ثواب جزيل حديث : فقد كان عمرو بن الجموح أعرج وهو من أتقياء الأنصار وهو في أول الجيش، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان الله عذرك. فقال: والله لأحْقِرَنّ بعرْجتي هذه في الجنةتفسير : . وكان ابن أم مكتوم أعمى فخر إلى أحد وطلب أن يعطى اللواء فأخذه فأصيبت يده التي فيها اللواء فأمسكه باليد الأخرى فضربت فأمسكه بصدره وقرأ: وما محمد إلا رسول، الآية. وشرط سبحانه وتعالى في انتفاء الحرج النصح لله ورسوله وهي أن تكون نياتهم وأقوالهم سراً وجهراً خالصة لله تعالى من الغش ساعية في إيصال الخيرات للمؤمنين داعية لهم بالنصر والتمكين. ففي سنن أبي داود: حديث : لقد تركتم بعدكم قوماً ما سرتم سيراً ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم وادياً إلاّ وهم معكم فيه. قالوا: يا رسول الله وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: حبسهم العذرتفسير : . وقرأ أبو حيوة: إذا نصحوا الله ورسوله، بنصب الجلالة والمعطوف. {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} أي من لائمة تناط بهم أو عقوبة. ولفظ المحسنين عام في كل من أحسن. {لِتَحْمِلَهُمْ} أي على ظهر يركب ويحمل عليه آيات المجاهد. وإذا: تقتضي جواباً. والأولى أن يكون ما يقرب منها وهو. قلت: ويكون قوله: قولوا، جواباً لسؤال مقدر كأنه قيل: فما حالهم إذا أجَابَهم الرسول؟ قيل: تولوا وأعينهم تفيض من الدمع. قال الزمخشري: فإن قلت: هل يجوز أن يكون قوله قلت: لا أجد استئنافاً مثله يعني مثل رضوا بأن يكونوا مع الخوالف، كأنه قيل: إذا ما أتوك لتحملهم تولوا. فقيل: ما لهم تولوا باكين؟ قلت: لا أجد ما أحملكم عليه، إلا أنه وسط بين الشرط والجزاء كالاعتراض. قلت: نعم ويحسُن. "انتهى". ولا يجوز ولا يحسن في كلام العرب فكيف في كلام الله تعالى وهو فهم أعجمي. وتقدم الكلام على نحو: {أية : وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ} تفسير : [الآية: 83] في المائدة. وقال الزمخشري: هنا وأعينهم تفيض من الدمع كقولك: تفيض دمعاً، وهو أبلغ من يفيض دمعها، لأن العين جعلت كأنّ كلها دمع فائض. ومن: للبيان، كقولك: أفديك من رجل. ومحل الجار والمجرور النصب على التمييز. "انتهى". ولا يجوز ذلك لأن التمييز الذي أصله فاعل لا يجوز جره بمن، وأيضاً فإِنه معرفة ولا يجوز إلا على رأي الكوفيين الذين يجيزون مجيء التمييز معرفة، وانتصب حزناً على المفعول له، والعامل فيه تفيض. وقال أبو البقاء: أو مصدر في موضع الحال. و{أَلاَّ يَجِدُواْ} مفعول له أيضاً، والناصب له حزناً. وقال أيضاً: ويجوز أن يتعلق بتفيض. ولا يجوز ذلك على إعرابه حزناً مفعولاً له، والعامل فيه تفيض لأن العامل لا يقتضي اثنين من المفعول له إلا بالعطف أو البدل. وقوله: ألا يجدوا ما ينفعون فيه، دلالة على أنهم مندرجون تحت قوله: ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج. وتقدم نفيان: نفي الجرح عمن ذكر. والثاني: نفي السبيل، بمعنى اللائمة، والعتب على المحسنين. فيكون قوله: ولا على الذين، معطوف على المحسنين عطف الخاص على العام ويحسن هذا قوله: {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ} الآية، أثبت في حق المنافقين ما نفاه في حق المحسنين فدل لأجل المقابلة بأن هؤلاء مسيئون، وأي إساءة أعظم من النفاق، والتخلف عن الجهاد، والرغبة بأنفسهم عن رسول الله. {رَضُواْ} تقدم الكلام عليه. {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ} الآية، لن نؤمن لكم، علة للنهي عن الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصدق فيما يعتذر به فإِذا علم أنه مكذب في اعتذاره كف عنه. {قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} علة لانتفاء التصديق لأنه تعالى إذا أخبر الرسول والمؤمنين بما انطوت عليه سرائرهم من الشر والفساد لم يكن تصديقهم في معاذريهم. {سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ} الآية، لما ذكر أنه يصدر منهم الاعتذار أخبر أنهم سيؤكدون ذلك الاعتذار الكاذب بالحلف، وان سبب الحلف هو طلبهم أن تعرضوا عنهم فلا تلوموهم ولا توبخوهم. فأعرضوا عنهم، أي فأجيبوهم إلى طلبتهم وعلّل الاعراض عنهم بأنهم رجس، أي مستقذرون بما انطووا عليه من النفاق فتجب مباعدتهم واجتنابهم، كما قال: {أية : رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ}تفسير : [المائدة: 90]. {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ} الآية، قال مقاتل: نزلت في عبد الله بن أبيّ حلف بالله الذي لا إله إلا هو لا يتخلف عنه بعدها، وحلف ابن أبيّ سرح ليكونن معه على عدوّه وطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرضى عنه فنزلت. وهنا حذف المحلوف به. وفي قوله: سيحلفون بالله، أثبت كقوله تعالى: {أية : إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا}تفسير : [القلم: 17]. وقوله: واقسموا بالله، فلا فرق بين إثباته وحذفه في انعقاد ذلك يميناً. وغرضهم في الحلف رضي الرسول عليه السلام والمؤمنين عنهم لنفعهم في دنياهم لا أنّ مقصدهم وجه الله والبر، إذ هي إيمان كاذبة وأعذار مختلقة لا حقيقة لها. وفي الآية قبلها لما ذكر حلفهم لأجل الإِعراض جاء الأمر بالإعراض نصاً لأن الإِعراض من الأمور التي تظهر للناس، وها ذكر الحلف لأجل الرضا فأبرز النهي عن الرضا في صورة شرطية لأن الرضى من الأمور القلبية التي تخفى. وخرج مخرج المتردد فيه وجعل جوابه انتفاء رضى الله عنهم فصار رضى المؤمنين عنهم أبعد شىء في الوقوع، لأنه معلوم منهم لأنهم لا يرضون عمن لا يرضى الله عنهم. ونص على الوصف الموجب لانتفاء الرضى وهو الفسق. وجاء اللفظ عاماً فيحتمل أن يراد به الخصوص كأنه قيل: فإِن الله لا يرضى عنهم، ويحتمل بقاؤه على العموم فيندرجون فيه ويكونون أولى بالدخول إذ العام إذا نزل على سبب مخصوص لا يمكن إخراج ذلك السبب من العموم بتخصيص ولا غيره.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: إذا تخلف هؤلاء المنافقون عن الجهاد، فاللّه سيغني عنهم، وللّه عباد وخواص من خلقه اختصهم بفضله يقومون بهذا الأمر، وهم { الرَّسُولُ } محمد صلى الله عليه وسلم، { وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ } غير متثاقلين ولا كسلين، بل هم فرحون مستبشرون، { وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ } الكثيرة في الدنيا والآخرة، { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } الذين ظفروا بأعلى المطالب وأكمل الرغائب. { أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } فتبا لمن لم يرغب بما رغبوا فيه، وخسر دينه ودنياه وأخراه، وهذا نظير قوله تعالى {أية : قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا } تفسير : وقوله: {أية : فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ }.