١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
32
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} فيه ثمان مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ} أي هذا الذي يفعل هذه الأشياء هو ربكم الحق، لا ما أشركتم معه. «فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ» «ذا» صلة أي ما بعد عبادة الإلۤه الحق إذا تركت عبادته إلا الضلال. وقال بعض المتقدّمين: ظاهر هذه الآية يدلّ على أن ما بعد الله هو الضلال؛ لأن أولها «فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ» وآخرها «فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلاَّ الضَّلاَلُ» فهذا في الإيمان والكفرِ، ليس في الأعمال. وقال بعضهم: إن الكفر تغطية الحق، وكل ما كان غير الحق جرى هذا المجرى؛ فالحرام ضلال والمباح هُدًى؛ فإن الله هو المبيح والمحرّم. والصحيح الأوّل؛ لأن قبل «قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» ثم قال: «فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ» أي هذا الذي رزقكم، وهذا كله فعله هو. «رَبُّكُمُ الْحَقُّ» أي الذي تحق له الألوهية ويستوجب العبادة، وإذا كان ذلك فتشريك غيره ضلال وغيرُ حق. الثانية ـ قال علماؤنا: حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والباطل منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى، وكذلك هو الأمر في نظائرها، وهي مسائل الأُصول التي الحق فيها في طرف واحد؛ لأن الكلام فيها إنما هو في تعديد وجود ذاتٍ كيف هي، وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال الله تعالى فيها: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} تفسير : [المائدة: 48]، وقوله عليه السلام: «حديث : الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أُمور متشابهات»تفسير : . والكلام في الفروع إنما هو في أحكام طارئة على وجود ذات متقررة لا يُختلَفُ فيها وإنما يختلف في الأحكام المتعلقة بها. الثالثة ـ ثبت عن عائشة رضي الله عنها حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة في جَوْف الليل قال: «اللهم لك الحمد» تفسير : الحديثَ. وفيه «حديث : أنت الحق ووَعْدُك الحق وقولك الحق ولقاؤك الحق والجنة حق والنار حق والساعة حق والنبيون حق ومحمد حق»تفسير : الحديثَ. فقوله: «حديث : أنت الحق» تفسير : أي الواجب الوجود؛ وأصله من حَقَّ الشيء أي ثبت ووجب. وهذا الوصف لله تعالى بالحقيقة إذ وجوده لنفسه لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم؛ وما عداه مما يقال عليه هذا الاسم مسبوق بعدم، ويجوز عليه لحاق العدم، ووجوده من موجِده لا من نفسه. وباعتبار هذا المعنى كان أصدق كلمة قالها الشاعر، كلمة لبيد:شعر : ألاّ كلُّ شيءٍ ما خلا اللَّه باطلُ تفسير : وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [القصص: 88] الرابعة ـ مقابلة الحق بالضلال عرف لغة وشرعاً، كما في هذه الآية. وكذلك أيضاً مقابلة الحق بالباطل عرف لغة وشرعاً؛ قال الله تعالى: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ} تفسير : [لقمان: 30]. والضلال حقيقته الذهاب عن الحق؛ أخِذ من ضلال الطريق، وهو العدول عن سَمْته. قال ٱبن عرفة: الضلالة عند العرب سلوك غيرِ سبيل القصد؛ يقال: ضلّ عن الطريق وأضلّ الشيء إذا أضاعه. وخُصّ في الشرع بالعبارة في العدول عن السداد في الاعتقاد دون الأعمال؛ ومن غريب أمره أنه يعبر به عن عدم المعرفة بالحق سبحانه إذا قابله غفلة ولم يقترن بعدمه جهل أو شك، وعليه حمل العلماء قوله تعالى: {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ} تفسير : [الضحى: 7] أي غافلاً، في أحد التأويلات، يحققه قوله تعالى: {أية : مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ} تفسير : [الشورى: 52]. الخامسة ـ روى عبد الله بن عبد الحكم وأشهب عن مالك في قوله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} قال: اللَّعِب بالشِّطْرَنْج والنَّرْدِ من الضلال. وروى يونس عن ٱبن وهب أنه سئل عن الرجل يلعب في بيته مع ٱمرأته بأربع عشرة؛ فقال مالك: ما يعجبني! وليس من شأن المؤمنين، يقول الله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ}. وروى يونس عن أشهب قال: سئل ـ يعني مالكاً ـ عن اللّعب بالشطرنج فقال: لا خير فيه، وليس بشيء وهو من الباطل، واللعب كله من الباطل، وإنه لينبغي لذي العقل أن تنهاه اللحية والشيب عن الباطل. وقال الزهري لما سئل عن الشطرنج: هي من الباطل ولا أُحبها. السادسة ـ اختلف العلماء في جواز اللَّعِب بالشطرنج وغيره إذا لم يكن على وجه القِمار؛ فتحصيل مذهب مالك وجمهورِ الفقهاء في الشطرنج أن من لم يقامر بها ولعب مع أهله في بيته مستتراً به مرة في الشهر أو العام، لا يُطَّلعُ عليه ولا يُعلم به أنه مَعْفُوٌّ عنه غير محرم عليه ولا مكروه له، وأنه إن تَخَلّع به واشتهر فيه سقطت مروءته وعدالته ورُدّت شهادته. وأما الشافعيّ فلا تسقط في مذهب أصحابه شهادةُ اللاعب بالنّرد والشِّطرنج، إذا كان عدلاً في جميع أصحابه ولم يظهر منه سفه ولا رِيبة ولا كبيرة إلا أن يلعب به قماراً، فإن لعب بها قماراً وكان بذلك معروفاً سقطت عدالته وسفّه نفسه لأكله المال بالباطل. وقال أبو حنيفة: يكره اللعب بالشطرنج والنرد والأربعة عشر وكلّ اللهو؛ فإن لم تظهر من اللاعب بها كبيرة وكانت محاسنه أكثر من مساويه قبلت شهادته عندهم. قال ٱبن العربي: قالت الشافعية إن الشطرنج يخالف النرد لأن فيه إكداد الفهم واستعمال القريحة. والنرد قِمار غَرَر لا يعلم ما يخرج له فيه كالاستقسام بالأزلام. السابعة ـ قال علماؤنا: النرد قطع مملوءة من خشب البقس ومن عظم الفيل، وكذا هو الشطرنج إذ هو أخوه غُذِّي بلِبانه. والنرد هو الذي يعرف بالباطل ويعرف بالكِعاب ويعرف في الجاهلية أيضاً بالأَرُنْ ويعرف أيضاً بالنَّرْدَشِير. وفي صحيح مسلم عن سليمان بن بُريدة عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمِه»تفسير : . قال علماؤنا: ومعنى هذا أي هو كمن غمس يده في لحم الخنزير يهيّئه لأن يأكله، وهذا الفعل في الخنزير حرام لا يجوز؛ يبيّنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله»تفسير : رواه مالك وغيره من حديث أبي موسى الأشعري وهو حديث صحيح، وهو يحرّم اللعب بالنرد جملة واحدة وكذلك الشطرنج، لم يستثن وقتاً من وقت ولا حالاً من حال، وأخبر أن فاعل ذلك عاصٍ لله ورسوله؛ إلا أنه يحتمل أن يكون المراد باللعب بالنرد المنهيّ عنه أن يكون على وجه القمار؛ لما رُوي من إجازة اللعب بالشطرنج عن التابعين على غير قِمار. وحَمْلُ ذلك على العموم قماراً وغير قمار أولى وأحوط إن شاء الله. قال أبو عبد الله الحليميّ في كتاب منهاج الدين: ومما جاء في الشِّطرنج حديث يروى فيه كما يروى في النرد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من لعب بالشِّطرنج فقد عصى الله ورسوله»تفسير : . وعن عليّ رضي الله عنه أنه مَرّ على مجلس من مجالس بني تميم وهم يلعبون بالشطرنج فوقف عليهم فقال: أمَا والله لغير هذا خلقتم! أمَا والله لولا أن تكون سُنّة لضربت به وجوهكم. وعنه رضي الله عنه أنه مَرّ بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؛ لأن يَمَسّ أحدكم جمراً حتى يطفأ خَيْر من أن يمسها. وسئل ابن عمر عن الشطرنج فقال: هي شر من النرد. وقال أبو موسى الأشعري: لا يلعب بالشطرنج إلا خاطىء. وسئل أبو جعفر عن الشطرنج فقال: دعونا من هذه المجوسية. وفي حديث طويل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : وأن من لعب بالنرد والشطرنج والجوز والكِعاب مقَته الله ومن جلس إلى من يلعب بالنرد والشطرنج لينظر إليهم مُحيت عنه حسناته كلها وصار ممن مقته الله»تفسير : . وهذه الآثار كلها تدلّ على تحريم اللعب بها بلا قِمار، والله أعلم. وقد ذكرنا في «المائدة» بيان تحريمها وأنها كالخمر في التحريم لاقترانها به، والله أعلم. قال ابن العربي في قبسه: وقد جوّزه الشافعي، وانتهى حال بعضهم إلى أن يقول: هو مندوب إليه، حتى اتخذوه في المدرسة؛ فإذا أعيا الطالب من القراءة لعب به في المسجد. وأسندوا إلى قوم من الصحابة والتابعين أنهم لعبوا بها؛ وما كان ذلك قطّ! وتالله ما مستها يَدُ تَقِيّ. ويقولون: إنها تَشْحَذ الذهن، والعِيان يكذبهم، ما تبحّر فيها قطُّ رجل له ذهن. سمعت الإمام أبا الفضل عطاء المقدسي يقول بالمسجد الأقصى في المناظرة: إنها تعلم الحرب. فقال له الطَّرْطُوشيّ: بل تفسد تدبير الحرب؛ لأن الحرب المقصود منها الملِك واغتياله، وفي الشِّطرنج تقول: شاهْ إياك: الملِك نَحِّه عن طريقي؛ فاستضحك الحاضرين. وتارة شدّد فيها مالك وحرمها وقال فيها: «فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلاَّ الضَّلاَلُ». وتارة استهان بالقليل منها والأهون؛ والقول الأوّل أصح والله أعلم. فإن قال قائل: روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن الشطرنج فقال: وما الشطرنج؟ فقيل له: إن امرأة كان لها ابن وكان ملِكاً فأُصيب في حرب دون أصحابه؛ فقالت: كيف يكون هذا أَرُونيه عِياناً؛ فعُمل لها الشطرنج، فلما رأته تسلت بذلك. ووصفوا الشطرنج لعمر رضي الله عنه فقال: لا بأس بما كان من آلة الحرب؛ قيل له: هذا لا حجة فيه لأنه لم يقل لا بأس بالشطرنج وإنما قال لا بأس بما كان من آلة الحرب. وإنما قال هذا لأنه شُبّه عليه أن اللعب بالشطرنج مما يستعان به على معرفة أسباب الحرب، فلما قيل له ذلك ولم يحط به علمه قال: لا بأس بما كان من آلة الحرب، إن كان كما تقولون فلا بأس به، وكذلك من روي عنه من الصحابة أنه لم ينه عنه، فإن ذلك محمول منه على أنه ظنّ أن ذلك ليس يُتَلَهّى به، وإنما يراد به التسبب إلى علم القتال والمضاربة فيه، أو على أن الخبر المسنَد لم يبلغهم. قال الحَلِيمِيّ: وإذا صح الخبر فلا حجة لأحد معه، وإنما الحجة فيه على الكافّة. الثامنة ـ ذكر ابن وهب بإسناده أن عبد الله بن عمر مَرّ بغلمان يلعبون بالكُجّة، وهي حفر فيها حصًى يلعبون بها، قال: فسدّها ابن عمر ونهاهم عنها. وذكر الهرويّ في باب (الكاف مع الجيم) في حديث ابن عباس: في كل شيء قِمار حتى في لعب الصبيان بالكُجّة؛ قال ابن الأعرابي: هو أن يأخذ الصبي خرقة فيدوّرها كأنها كرة، ثم يتقامرون بها. وكج إذا لعب بالكُجّة. قوله تعالى: {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} أي كيف تَصرفون عقولكم إلى عبادة ما لا يرزق ولا يُحيي ولا يُميت.
البيضاوي
تفسير : {فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ} أي المتولي لهذه الأمور المستحق للعبادة هو ربكم الثابت ربوبيته لأنه الذي أنشأكم وأحياكم ورزقكم ودبر أموركم. {فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} استفهام إنكار أي ليس بعد الحق إلا الضلال فمن تخطى الحق الذي هو عبادة الله تعالى وقع في الضلال. {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} عن الحق إلى الضلال.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَذَلِكُمُ } الفّعال لهذه الأشياء {ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ } الثابت {فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلَٰلُ } استفهام تقرير أي ليس بعده غيره، فمن أخطأ الحق - وهو عبادة الله - وقع في الضلال {فَإِنَّىٰ } كيف {تُصْرَفُونَ } عن الإِيمان مع قيام البرهان؟.
الثعالبي
تفسير : وقوله: {فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ...} الآية: يقول: فهذا الذي هذه صفاته ربُّكم الحَقُّ، أي: المستوجِبُ للعبادةِ والألوهيَّة، وإِذا كان كذلك، فتشريكُ غيره ضَلاَلٌ وغيرُ حقٍّ. قال * ع *: وعبارة القُرآن في سوق هذه المَعاني تفُوتُ كلَّ تفسيرٍ براعةً وإِيجازاً ووضوحاً، وحَكَمَتْ هذه الآيةُ بأنه ليس بَيْنَ الحَقِّ والضلال منزلةٌ ثالثةٌ في هذه المسألة التي هي توحيدُ اللَّه تعالَى، وكذلك هو الأمر في نظائرها مِنْ مسائل الأصول التي الحَقُّ فيها في طَرَفٍ واحدٍ؛ لأن الكلام فيها إِنما في تقرير وجودِ ذاتٍ كَيْفَ هِيَ، وذلك بخلافِ مسائِلِ الفُرُوع التي قال اللَّه تعالَى فيها: { أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً } تفسير : [المائدة:48] . وقوله: {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ }: تقرير؛ كما قال: { أية : فَأيْنَ تَذْهَبُونَ } تفسير : [التكوير:26] ثم قال: {كَذَٰلِكَ حَقَّتْ} أي: كما كانَتْ صفاتُ اللَّه كما وَصَفَ، وعبادته واجبة كما تقرَّر، وٱنصرافُ هؤلاء كما قَدَّرَ عليهم، {كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَـتُ رَبِّكَ...} الآية، وقرأ أبو عَمْرٍو وغيره: «كَلِمَةُ»؛ على الإِفراد الذي يُرَادُ به الجَمْع؛ كما يقال للقصيدة «كَلِمَةٌ» فَعَبَّر عن وعيدِ اللَّه تعالى بـــ «كَلِمَة».
ابو السعود
تفسير : {فَذَلِكُمُ} فذلكةٌ لما تقدم أي ذلكم الذي اعترفتم باتصافه بالنعوت المذكورةِ وهو مبتدأٌ وقوله تعالى: {ٱللَّهُ} خبرُه وقوله تعالى: {رَبُّكُـمْ} ـ أي مالكُكم ومتولي أمورِكم على الإطلاق ـ بدلٌ منه أو بـيان له، وقوله تعالى: {ٱلْحَقّ} صفةٌ له أي ربكم الثابتُ ربوبـيتُه والمتحققُ ألوهيتُه تحققاً لا ريب فيه {فَمَاذَا} يجوز أن يكون الكلُّ اسماً واحداً قد غلب فيه الاستفهامُ على اسم الإشارةِ وأن يكون ذا موصولاً بمعنى الذي أي ما الذي {بَعْدَ ٱلْحَقّ} أي غيرُه بطريق الاستعارةِ، وإظهارُ الحق إما لأن المرادَ به غيرُ الأول وإما لزيادة التقريرِ ومراعاةِ كمالِ المقابلةِ بـينه وبـين الضلالِ، والاستفهامُ إنكاريٌّ بمعنى الوقوعِ ونفيِه أي ليس غيرُ الحق {إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} الذي لا يختاره أحدٌ فحيث ثبت أن عبادةَ من هو منعوتٌ بما ذكر من النعوت الجميلةِ حقٌّ ظهر أن ما عداها من عبادة الأصنامِ ضلالٌ محضٌ إذ لا واسطة بـينهما، وإنما سُميت ضلالاً مع كونها من أعمال الجوارحِ باعتبار ابتنائِها على ما هو ضلالٌ من الاعتقاد، والرأيُ هذا على تقدير كونِ الحقِّ عبارةً عن التوحيد، وأما على تقدير كونِه عبارةً عن الأول فالمرادُ بالضلال هو الأصنامُ لا عبادتُها، والمعنى فماذا بعد الربِّ الحقِّ الثابتِ ربوبـيّتُه إلا الضلالُ أي الباطلُ الضائعُ المضمحلُّ، وإنما سمي بالمصدر مبالغةً كأنه نفسُ الضلالِ والضياعِ وهذا أنسبُ بقوله تعالى: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} على التفسير الثاني. {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} استفهامٌ إنكاريٌّ بمعنى إنكارِ الواقعِ واستبعادِه والتعجيبِ منه، وفيه من المبالغة ما ليس في توجيه الإنكارِ إلى نفس الفعلِ لأن كلَّ موجودٍ لا بد من أن يكون وجودُه على الحال من الأحوال قطعاً فإذا انتفىٰ جميعُ أحوالِ وجودِه فقد انتفى وجودُه على الطريق البرهاني كما مر مراراً، والفاءُ لترتيب الإنكارِ على ما قبله أي كيف تُصرفون من الحق الذي لا محيدَ عنه وهو التوحيدُ إلى الضلال عن السبـيل المستبـينِ وهو الإشراكُ وعبادةُ الأصنام أو من عبادة ربكم الحقِّ الثابتِ ربوبـيتُه إلى عبادة الباطلِ الذي سمعتم ضلالَه وضياعَه في الآخرة، وفي إيثار صيغةِ المبنيِّ للمفعول إيذانٌ بأن الانصرافَ من الحق إلى الضلال مما لا يصدُر عن العاقل بإرادته وإنما يقع عند وقوعِه بالقسر من جهة صارفٍ خارجيَ. {كَذٰلِكَ} أي كما حقت الربوبـيةُ لله تعالى أو كما أنه ليس بعد الحقِّ إلا الضلالُ أو أنهم مصروفون عن الحق {حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ} وحكمُه وقضاؤُه {عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ} أي تمردوا في الكفر وخرجوا من أقصى حدودِه {أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} بدلُ الكلمةِ أو تعليلٌ لحقيتها والمرادُ بها العِدَةُ بالعذاب. {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ} احتجاجٌ آخرُ على حقية التوحيدِ وبطلانِ الإشراكِ بإظهار كونِ شركائِهم بمعزل من استحقاق الإلٰهيةِ ببـيان اختصاصِ خواصِّها من بدء الخلقِ وإعادتِه به سبحانه وتعالى وإنما لم يُعطف على ما قبله إيذاناً باستقلاله في إثبات المطلوبِ، والسؤالُ للتبكيت والإلزامِ وقد جُعلت أهليةُ الإعادةِ وتحققُها لوضوح مكانِها وسُنوحِ برهانِها بمنزلة بدءِ الخلقِ فنُظمت في سلكه حيث قيل: {مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} إيذاناً بتلازمهما وجوداً وعدماً يستلزم الاعترافَ بها وإن صدهم عن ذلك ما بهم من المكابرة والعِناد، ثم أُمر عليه الصلاة والسلام بأن يبـين لهم مَنْ يفعل ذلك فقيل له: {قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي هو يفعلهما لا غيرُ كائناً ما كان لا بأن ينوبَ عليه الصلاة والسلام عنهم في ذلك كما قيل لأن القولَ المأمورَ به غيرُ ما أريد منهم من الجواب وإن كان مستلزِماً له إذ ليس المسؤولُ عنه مَنْ يبدأ الخلق ثم يعيده كما في قوله تعالى: {أية : قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ قُلِ ٱللَّهُ } تفسير : [الرعد: 16] حتى يكونَ القولُ المأمورُ بـين عينِ الجوابِ الذي أريد منهم ويكونَ عليه الصلاة والسلام نائباً عنهم في ذلك بل إنما هو وجودُ مَنْ يفعل البدءَ والإعادةَ من شركائهم فالجوابُ المطلوبُ منهم لا غير نعم أمر عليه الصلاة والسلام بأن يضمِّنه مقالتَه إيذاناً بتعينه وتحققِه وإشعاراً بأنهم لا يجترئون على التصريح به مخافةَ التبكيتِ وإلقامِ الحجر لا مكابرةً ولَجاجاً فتدبر. وإعادهُ الجملةِ في الجواب السابق لمزيد التأكيدِ والتحقيق {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} الإفكُ الصرْفُ والقلبُ عن الشيء وقد يُخصّ بالقلب عن الرأي وهو الأنسبُ بالمقام أي كيف تُقلبون من الحق إلى الباطل، والكلامُ فيه كما ذكر في تُصرفون.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} [الآية: 32]. قال الحسين: الحق هو المقصود إليه بالعبادات والمصحوب إليه بالطاعات، لا يشهد بغيره ولا يدرك بسواه. قال الواسطى: {فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} قال: لا يجوز للموحد أن يشهد بشاهد التوحيد، لأنه وصف الأشياء بالضلال، فلم يتهيأ لضالٍّ أن يقف، ولا لعاجز أن يصف. قال الحسين: الحق هو الذى لا يستقبح قبيحًا ولا يستحسن حسنًا، كيف يعود عليه ما منه بدا، أو يؤثر عليه ما هو أنشأ، وقيل فى قوله: {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} من الحق إلى سواه.
القشيري
تفسير : ما يكون من موضوعات الحق، ومتعلقاتِ الإرادة، ومتناولاتِ المشيئة، ومُجنَّساتِ التقدير، ومُصَرِّفاتِ القدرة - فهي أشباحٌ خاوية، وأحكامُ التقديرِ عليها جارية.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ} بين سبحانه ان ما يبدوا من نور شهوده هو وصف رؤيته واعلام صفته وكشف ذاته بلا شك ولا شبهة وذلك قوله فذلكم الله ربكم الحق اى هو الحق بلا شبة ولا تشبيه ولا تعطيل ثم بين ان من لم يعرف الاشياء والشواهد بهذه المثابة فهو ضال عن طيرق مشاهدته وطريقه عمياء لا يكون الرشد فيه كان من احتجب بالكون عن المكون فهو يعمه فى موجة القهر ولا يهتدى من كان مرهونا بالاشياء عن خالق الاشياء وهذا معنى قوله {فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} ثم بين ان البعد لا يقتضى الا البعد وليس للعبد حل فاين تذهب البعيد فى البعد ولا يجد فى البعد اليه سبيلا قال تعالى {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} اى الى من يرجعون اذا فات وصاله عنكم وليس للحدثان === اين وانهم ان هذه الاية اشارة سابق قوله قل من يرزقكم من السماء والارض اى من يرزق الارواح من الملكوت فداء قربه ووصاله ومن يرزق القلوب من ملكوت الارض صفاء عبوديته امن يملك السمع والابصار من يملك اسماع العارفين بلذيذ جلاله ومن يملك ابصار الصديقين بكشف جماله والنظر الى جلاله ومن يخرج الحى من الميت اى من يخرج الارواح العارفة الاحياء بحيوته ومعرفة ذاته وصفاته من العدم بنور القدم ويخرج الميت من الحى من يخرج الانفاس الفانية فى عظمته الباقية من القلوب الحاضرة فى مشاهد القربة ومن يدبر الامر من يسهل قطع صفات مفاوز النكرات للعارفين ومن يعرف امور العبودية والربوبية قلوب الموحدين ثم بين ان من شاهد هذه المراتب يعترف بها صدقا وعدلا بقوله فسيقولون الله فاذا اعترفوا بذلك وصالوا شاهدين معانى شهوده خوفهم من نفسه الا ان يلتفتوا الى سواه فى طريق بقوله فقل افلا تتقون اى فلا تخافون من فراقه فلذلكم الله ربكم الحق اى هو منعم هذه النعماء يربيكم بهذه الساعادات لا غير فاين تصرفون منه الى غيره فماذا بعد الحق الا الضلال اخص الاشارة فيه اى اذا وقعتهم فى انوار معرفتى بعد كشوف صفاتى وذاتى لا تطلبوا كنه القدم فانه م عادن الملكوت ونكراتها بلا نهاية لان القدم ممتنع عن احاطة القلوب به وعن ادراك الارواح والبصائر حقائقه والكنهية قال الحسين الحق هو المقصود بالعبادات والمصمود اليه بالطاعات لا يشهد بغيره ولا يدرك بسواه وقال الواسطى فذلكم الله وبكم الحق فماذا بعد الحق الا الضلال لا يجوز للموحد ان يشهد بشاهد التوحيد لانه وصف الاشياء بالضلال فلم تبغيا لضال ان تقف ولا تعاجز ان تصف وقال الحسين الحق هو الذى لا يستقبح فبيحا ولا يستحسن حسنا فكيف يعود اليه ما منه بد او يوثر عليه ما هو انشاه قال بعضهم قلوب اهل الحق مع الحق على مراتب فقلب فى قبضة الحق ما سور بكشف الوجد مسرور وقلب طار اليه السّوت وروح برياح بالقدوم بالقدوم عليه وقلب اعتقد فيه الامال فهو عليه ثقل الاعمال وقلب انقطع اليه بالكلية من كل البريةوقلب شديد الاحتراق لشدة الاشتياق وقال بعضهم الحق طريق العلماء والحقيقة طريق الحكماء والتحقيق طريق الاولياء والحقائق طريق الانبياء وقيل فى قوله فانى تصرفون من الحق الى سواه قال الواسطى فى قوله ومن يدبر الامر من يبدئ امره ويعيده ويدبر فى اوقاته السائرة فاذا قال من يدبر الامر زال الاملاك فكيف يجوز لقابل ان تقول فعلى وعملى.
اسماعيل حقي
تفسير : {فذلكم الله} الذى يفعل هذه الاشياء هو {ربكم الحق} اى الثابت ربوبيته لا ما اشركتم معه. فقوله فذلكم مبتدأ والجلالة صفته وربكم الحق خبره ويجوز ان يكون الجلالة خبره وربكم بدل منه والاشارة محمولة على التجوز لاستحالة تعلق الاحساس به تعالى {فما ذا} يجوز ان يكون الكل اسما واحدا قد غلب فيه الاستفهام على اسم الاشارة وان يكون موصولا بمعنى الذى اى ما الذى {بعد الحق} اى غيره بطريق الاستعارة اى ليس غيرالتوحيد وعبادة الله تعالى {الا الضلال} الذى لا يختاره احد وهو عبادة الاصنام وانما سميت ضلالا مع كونها من اعمال الخوارج باعتبار ابتنائها على ما هو ضلال من الاعتقاد والرأى {فأنى تصرفون} استفهام انكارى بمعنى انكار الوقوع واستبعاده والتعجب اى كيف تصرفون من التوحيد وعبادة الله تعالى الى الاشراك وعبادة الاصنام الذى هو ضلال عن الطريق الواضح: قال السعدى قدس بره شعر : ترسم نرسى بكعبه اى اعرابى كين ره كه توميروى بتر كستانست تفسير : فقد نبه الله على ضلالهم على لسان رسوله عليه السلام وهو الهادى الى طريق الحق والصواب والفارق بين اهل التصديق والارتياب: قال الصائب شعر : اقف نميشوندكه كم كرده اند راه تار هروان برهنمايى نمى رسند
الطوسي
تفسير : "ذلك" إشارة إلى اسم الله الذي ذكره في الآية الاولى، ووصفه بأنه الذي يخرج الحي من الميت، والميت من الحي ويرزق الخلق من السماء والارض. و (الكاف والميم) للمخاطبين، وإنما جمع لأنه أراد جميع الخلق، فأخبر الله تعالى ان الذي وصفه في الاية الأولى هو {الله ربكم} الذي خلقكم ويملك تصرفكم. وإنما وصفه بأنه {الحق} لأن له معنى الالهية دون غيره من الأوثان والأصنام، وهو الرب تعالى وحده. وقوله {فماذا بعد الحق إلا الضلال} صورته صورة الاستفهام والمراد به التقرير على موضع الحجة، لأنه لا يجد المجيب محيداً عن الاقرار به إلا بذكر ما لا يلتفت اليه، وكلما تدعو اليه الحكمة على اختلافه فهو حق، والمراد انه ليس بعد الاقرار بالحق والانقياد له إلا الضلال والعدول عنه. وقوله {فأنى تصرفون} أي كيف تصرفون وتعدلون عن عبادته مع وضوح الدلالة على أنه لا معبود سواه والصرف هو الذهاب عن الشيء، فالصرف عن الحق ذهاب إلى الباطل، وقد أنكر الله ذلك. وفيه دلالة على أنه من فعل غيره من الغواة لأنه لو كان من فعله لما انكره كما لم ينكر شيئاً من أفعال نفسه.
الجنابذي
تفسير : {فَذَلِكُمُ} الموصوف بما ذكر {ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ} تعريض ببطلان شركاءهم كما مرّ، وفى اعرابه وجوه احسنها ان يكون ذلكم مبتدء والله صفة او بدلاً منه وربّكم خبراً عنه والحقّ صفة له {فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ} بعد الانصراف عنه او بعد الحقّيّة {إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} وليس انصرافكم الاّ الى الضّلال لعدم الواسطة.
فرات الكوفي
تفسير : {فماذا بعد الحق إِلاّ الضلال فأنّى تُصْرَفون32} فرات قال: حدثني عبد الرحمان بن الحسن التميمي [أ:التيمي] البزاز معنعناً: عن أبي عبد الله عن أبيه عن جدّه عليهم السلام قال: خطب [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب. ر] عليه السلام على منبر الكوفة وكان فيما قال: والله إِني لديان الناس يوم الدين وقسيم [بين. ب، ر] الجنة والنار، لا يدخلها الداخل إِلا على أحد [ر، ب:أحده] قسمي، وإِني الفاروق الأكبر، وإِن [أ، ر. وإني و] جميع الرسل والملائكة والأرواح خلقوا [لخلقنا. ب، ر] لقد أعطيت التسع التي لم يسبقني إِليها أحد، [عُلمت. أ، ر] فصل الخطاب، وبصرت سبيل الكتاب، وازجل [أ، ب: ادخل] إِلى السبحات [ب: الستيحات.أ: السبحان] وعلمت علم المنايا والبلايا والقضايا، وبي كمال الدين، وأنا النعمة التي أنعمها الله على خلقه، كل ذلك منٌّ مَنَّ الله به عليّ، ومنا الرقيب على خلق الله [أ: الخلق]، ونحن قسم الله وحجته بين العباد إِذ يقول الله: {أية : اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إِنّ الله كان عليكم رقيباً} تفسير : [1/ النساء]. فنحن أهل بيتٍ عصمنا الله من أن نكون فتانين أو كذابين أو ساحرين أو زيافين، فمن كان فيه شيءٌ من هذه الخصال فليس منا ولا نحن منه، إِنا أهل بيت طهرنا الله من كل نجس، نحن الصادقون إِذا نطقنا، والعالمون إِذا سئلنا، أعطانا الله عشر خصالٍ لم تكن لأحدٍ قبلنا ولا تكون لأحدٍ بعدنا: الحلم والعلم واللب والنبوة [ب: الفتوة] والشجاعة [والسخاوة. ر، أ] والصبر [والصدق. ر] والعفاف والطهارة، فنحن كلمة التقوى وسبيل الهدى والمثل الأعلى والحجة العظمى والعروة الوثقى والحق الذي أقر الله به {فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون}.
اطفيش
تفسير : {فذَلكُم} الفاء للاستئناف، أى ذلكم العلى الشأن، الفاعل لذلك {اللهُ} خبر {ربُّكم} خبر ثان أو بدل {الحقُّ} ثابت الألوهية وربوبيته لا أصنامكم، لأنها لا تفعل ذلك، بل هى دونكم، ويجوز كون الفاء رابطة لجواب شرط، أى إذا كان هو الفاعل لما ذكر، فذلكم الله ربكم الحق، وإذا كان هو الحق. {فمَاذا بَعْد الحقِّ إلاَّ الضَّلالُ} الاستفهام بفى، أى وإذا كان هو الحق فليس بعده إلا الضلال، إذ ليس فى الوجود إلا الحق والضلال، فإذا انتفى أحدهما ثبت الآخر، وقيل: الحق الله، والضلال الأوثان، وقيل: إبليس، وكلاهما بعيد هنا، بل المراد حقيقة الحق، وحقيقة الضلال، ولم يقل إلا الباطل لينبه أن باطلهم ليس من الباطل الذى لا فائدة فيه، بل من الباطل الذى هو مضل مهلك، والله أعلم. {فأنَّى} أى كيف، أو من أى جهة {تُؤفكُون} تصرفون عن الإيمان والطاعة مع ذلك الإقرار منكم، ووضوح الدلائل، والفاء للعطف على الاستفهام.
اطفيش
تفسير : {فَذَلِكُمُ} أَى المتصف بتلك الأَفعال {اللهُ} خبر {رَبُّكُمُ} خبر ثان أَو بدل {الْحَقُّ} نعت ربكم والفاءُ للتفريع والسببية لأَن فعله ذلك سبب لأَن تسموه وحده باسم الأُلوهية والربوبية ويجوز كون الله بدلا أَو بيانا، فيكون محط الكلام فى الربوبية واقتصر المفسرون عليه وزدت الوجه الأَول لأَنهم أَصنامهم يسمون باسم الأَلوهية فنفاها الله لأَنها لا تفعل ما يفعل {فَمَاذَا بعْدَ الْحَقِّ} المطلق بهذا اللفظ أَعم من الأَول، فيشمل التوحيد والعبادة وما يعتقد حله، وقيل المراد التوحيد وإِذا حصر الحق فى ربكم فلا حق فى سواه، وكل شىءٍ اختص بالحق فغيره باطل وضلال، فعبادة غير الله ضلال كما قال {إِلاَّ الضَّلاَلُ} ما خالف الحق المذكور وقيل المراد الشرك والاستفهام للتقرير، كذا قيل والأَولى أَنه للإِنكار بدليل الاستثناءِ وكأَنه أَراد القائِل بالتقرير التقرير بالإِنكار {فأَنَّى} كيف أَو من أَى وجه {تُصْرَفُونَ} عن الحق إِلى عبادة غيره بالأَولى، أَو هذا هو المراد والصارف الشيطان والهوى والداعون إِلى الكفر لا الله إِذ لا يقول الله كيف أَوْ من أَى وجه أَصرفكم.
الالوسي
تفسير : {فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ} فذلكة لما تقرر والإشارة إلى المتصف بالصفات السابقة حسبما اعترفوا به، وهي مبتدأ والاسم الجليل صفة له و {رَبُّكُـمْ} خبر و {ٱلْحَقّ} خبر بعد خبر أو صفة أو خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون الاسم / الجليل هو الخبر و {رَبُّكُـمْ} بدل منه أو بيان له و {ٱلْحَقّ} صفة الرب أي مالككم ومتولي أموركم الثابت، ربوبيته والمتحقق ألوهيته تحققاً لا ريب فيه {فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} أي لا يوجد غير الحق شيء يتبع إلا الضلال فمن تخطى الحق وهو عبادة الله تعالى وحده لا بد وإن يقع في الضلال وهو عبادة غيره سبحانه على الانفراد أو الاشتراك لأن عبادته جل شأنه مع الاشتراك لا يعتد بها ـ فما ـ اسم استفهام و ـ ذا ـ موصول، ويجوز أن يكون الكل اسماً واحداً قد غلب فيه الاستفهام على اسم الإشارة، وهو مبتدأ خبره {بَعْدَ ٱلْحَقّ} على ما في «النهر» والاستفهام إنكاري بمعنى إنكار الوقوع ونفيه، و {بَعْدَ} بمعنى غير مجاز والحق ما علمت، وهو غير الأول ولذا أظهر، وإطلاق ـ الحق ـ على عبادته سبحانه وكذا إطلاق ـ الضلال ـ على عبادة غيره تعالى لما أن المدار في العبادة الاعتقاد، وجوز أن يكون ـ الحق ـ عبارة عن الأول والإظهار لزيادة التقرير ومراعاة كمال المقابلة بينه وبين الضلال والمراد به هو الأصنام، والمعنى فماذا بعد الرب الحق الثابت ربوبيته إلا الضلال أي الباطل الضائع المضمحل وإنما سمي بالمصدر مبالغة كأنه نفس الضلال والضياع، وقيل: المراد بالحق والضلال ما يعم التوحيد وعبادة غيره سبحانه وغير ذلك ويدخل ما يقتضيه المقام هنا دخولاً أولياً، ويؤيده ما أخرجه ابن أبـي حاتم عن أشهب قال: سئل مالك عن شهادة اللعاب بالشطرنج والنرد فقال أما من أدمن فما أرى شهادتهم طائلة يقول الله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} فهذا كله من الضلال. {فأَنَّى تُصْرَفُونَ} أي فكيف تصرفون عن الحق إلى الضلال والاستفهام إنكاري بمعنى إنكار الواقع واستبعاده والتعجب منه، وفيه من المبالغة ما ليس في توجيه الإنكار إلى نفس الفعل فإنه لا بد لكل موجود من أن يكون وجوده على حال من الأحوال فإذا انتفى جميع أحوال وجوده فقد انتفى وجوده على الطريق البرهاني والفاء لترتيب الإنكار والتعجب على ما قبله، ولعل ذلك الإنكار والتعجب متوجهان في الحقيقة إلى منشأ الصرف وإلا فنفس الصرف منه تعالى على ما هو الحق فلا معنى لإنكاره والتعجب منه مع كونه فعله جل شأنه، وإنما لم يسند الفعل إلى الفاعل لعدم تعلق غرض به. وذهب المعتزلة أن فاعل الصرف نفسه المشركون فهم الذين صرفوا أنفسهم وعدلوا بها عن الحق إلى الضلال بناء على أن العباد هم الخالقون لأفعالهم، وأمر الإنكار والتعجب عليه ظاهر، وإنما لم يسند الفعل إلى ضميرهم على جهة الفاعلية إشارة إلى أنه بلغ من الشناعة إلى حيث أنه لا ينبغي أن يصرح بوقوعه منهم فتدبر.
ابن عاشور
تفسير : الفاء للتفريع على الإنكار الذي في قوله: {أية : أفلا تتقون}تفسير : [يونس: 31]، فالمفرع من جملة المقول. واسم الإشارة عائد إلى اسم الجلالة للتنبيه على أن المشار إليه جدير بالحكم الذي سيذكر بعد اسم الإشارة مِن أجْل الأوصاف المتقدمة على اسم الإشارة وهي كونه الرازق، الواهب الإدراك، الخالق، المدبر، لأن اسم الإشارة قد جمعها. وأومأ إلى أن الحكم الذي يأتي بعده معلل بمجموعها. واسم الجلالة بيان لاسم الإشارة لزيادة الإيضاح تعريضاً بقوة خطئهم وضلالهم في الإلهية. و{ربكم} خبر. و{الحق} صفة له. وتقدم الوصف بالحق آنفاً في الآية مثل هذه. والفاء في قوله: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} تفريع للاستفهام الإنكاري على الاستنتاج الواقع بعد الدليل، فهو تفريع على تفريع وتقريع بعد تقريع. و{ماذا} مركَّبٌ من (ما) الاستفهامية و(ذا) الذي هو اسم إشارة. وهو يقع بعد (ما) الاستفهامية كثيراً. وأحسن الوجوه أنه بعد الاستفهام مزيد لِمجرد التأكيد. ويعبر عن زيادته بأنه ملغى تجنباً من إلزام أن يكون الاسم مزيداً كما هنا. وقد يفيد معنى الموصولية كما تقدم في قوله تعالى: {أية : ماذا أراد الله بهذا مثلاً}تفسير : في سورة [البقرة: 26]. وانظر ما يأتي عند قوله: {أية : ماذا يستعجل منه المجرمون}تفسير : في هذه [السورة:50]. والاستفهام هنا إنكاري في معنى النفي، ولذلك وقع بعده الاستثناء في قوله: إلا الضلال}. و{بعْدَ} هنا مستعملة في معنى (غير) باعتبار أن المغاير يحصل إثر مغايره وعند انتفائه. فالمعنى: ما الذي يكون إثر انتفاء الحق. ولما كان الاستفهام ليس على حقيقته لأنه لا تردد في المستفهَم عنه تعيّن أنه إنكار وإبطال فلذا وقع الاستثناء منه بقوله: {إلا الضلال}. فالمعنى لا يكون إثر انتفاء الحق إلا الضلال إذ لا واسطة بينهما. فلما كان الله هو الرب الحق تعين أن غيره مما نسبت إليه الإلهية باطل. وعبر عن الباطل بالضلال لأن الضلال أشنع أنواع الباطل. والفاء في {فأنَّى تصرفون} للتفريع أيضاً، أي لتفريع التصريح بالتوبيخ على الإنكار والإبطال. و{أنَّى} استفهام عن المكان، أي إلى مكان تَصرفكم عقولكم. وهو مكان اعتباري، أي أنكم في ضلال وعماية كمن ضل عن الطّريق ولا يجد إلا من ينعت له طريقاً غير موصلة فهو يُصرف من ضلال إلى ضلال. قال ابن عطية: وعبارة القرآن في سوق هذه المعاني تفوق كل تفْسير براعة وإيجازاً ووضوحاً. وقد اشتملت هذه الآيات على تسع فاءات من قوله: {فسيقولون الله}: الأولى جوابية، والثانية فصيحة، والبواقي تفريعية.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلضَّلاَلُ} (32) - فَهذا، الذِي اعْتَرَفْتُمْ بِأَنَّهُ فَاعِلٌ كُلَّ ذَلِكَ، هُوَ رَبُّكُمْ وَإلهُكُمْ الحَقُّ الثَّابِتُ بِذَاتِهِ، المُحْيِي لِغَيْرِهِ، الذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يَتَفَرَّدَ بِالعِبَادَةِ، وَكُلُّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ بَاطِلٌ، وَمَنْ تَجَاوَزَ الحَقَّ وَصَلَ إِلى الضَّلاَلِ. فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَهِيَ الهُدَى، إِلى عِبَادَةِ الشُّرَكَاءِ وَالوُسَطَاءِ وَالأَنْدَادِ وَهِيَ الضَّلاَلُ؟ رَبُّكُمُ الحَقُّ - الذِي ثَبَتَتْ رُبُوبِيَّتُهُ بِالحُجَّةِ وَالدَّلِيلِ ثُبُوتاً لاَ رَيْبَ فِيهِ. فَأَنَّى تُصْرَفُونَ - فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ العُدُولَ عَنِ الحَقِّ إِلى الكُفُرِ وَالضَّلالِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقد جاء قول الحق سبحانه: {فَذَٰلِكُمُ} إشاره منه إلى ما ذكره قَبْلاً من الرزق، وملكية السمع والأبصار، وقدرة إخراج الحيّ من الميت، وأخراج الميت من الحي، وتدبير الأمر. إذن: فقوله سبحانه: {فَذَٰلِكُمُ} إشارة إلى أشياء ونعم كثيرة ومتعددة أشار إليها بلفظ واحدٍ؛ لأنها كلها صادرة من إله واحد. {فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ} [يونس: 32]. ولا يوجد في الكون حقَّان، بل يوجد حق واحد، وما عداه هو الضلال؛ لذلك يقول الحق سبحانه: {فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} [يونس: 32]. إذن: أنتم إنْ وجَّهتم الأمر بالربوبية إلى غيره؛ تكونون قد ضللتم الطريق، فالضلال أن يكون لك غاية تريد أن تصل إليها، فتتجه إلى طريق لا يوصِّل إليها. فإن صُرفتم من الإله الحق فأنتم تصلون إلى الضلال. ولذلك يُنهي الحق سبحانه الآية بما يبين أنه لا يوجد إلا الحق أو الضلال، فيقول سبحانه: {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ..} [يونس: 32]. أي: أنكم إن انصرفتم عن الحق - سبحانه وتعالى - فإلى الضلال، والحقُّ واحد ثابت لا يتغيَّر. ومَنْ عبد الملائكة أو الكواكب أو النجوم؛ أو بعض رسل الله - عليهم السلام - أو صنماً من الأصنام؛ فقد هوى إلى الضلال. وإن كنتم تريدون أن نجادلكم عقلياً، فَلْنقرأ معاً قول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ..}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):