Verse. 1395 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

قُلْ مَنْ يَّرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاۗءِ وَالْاَرْضِ اَمَّنْ يَّمْلِكُ السَّمْعَ وَالْاَبْصَارَ وَمَنْ يُّخْرِجُ الْـحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْـحَيِّ وَمَنْ يُّدَبِّرُ الْاَمْرَ۝۰ۭ فَسَيَقُوْلُوْنَ اؙ۝۰ۚ فَقُلْ اَفَلَا تَتَّقُوْنَ۝۳۱
Qul man yarzuqukum mina alssamai waalardi amman yamliku alssamAAa waalabsara waman yukhriju alhayya mina almayyiti wayukhriju almayyita mina alhayyi waman yudabbiru alamra fasayaqooloona Allahu faqul afala tattaqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» لهم «من يرزقكم من السماء» بالمطر «والأرض» بالنبات «أمَّن يملك السمع» بمعنى الأسماع، أي خلقها «والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبِّر الأمر» بين الخلائق «فسيقولون» هو «الله فقل» لهم «أفلا تتقونـ» ـه فتؤمنون.

31

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين فضائح عبدة الأوثان أتبعها بذكر الدلائل الدالة على فساد هذا المذهب. فالحجة الأولى: ما ذكره في هذه الآية وهو أحوال الرزق وأحوال الحواس وأحوال الموت والحياة. أما الرزق فإنه إنما يحصل من السماء والأرض، أما من السماء فبنزول الأمطار الموافقة وأما من الأرض، فلأن الغذاء إما أن يكون نباتاً أو حيواناً، أما النبات فلا ينبت إلا من الأرض وأما الحيوان فهو محتاج أيضاً إلى الغذاء. ولا يمكن أن يكون غذاء كل حيوان حيواناً آخر وإلا لزم الذهاب إلى ما لا نهاية له وذلك محال، فثبت أن أغذية الحيوانات يجب انتهاؤها إلى النبات وثبت أن تولد النبات من الأرض، فلزم القطع بأن الأرزاق لا تحصل إلا من السماء والأرض، ومعلوم أن مدبر السموات والأرضين ليس إلا الله سبحانه وتعالى، فثبت أن الرزق ليس إلا من الله تعالى، وأما أحوال الحواس فكذلك، لأن أشرفها السمع والبصر وكان علي رضي الله عنه يقول: سبحان من بصر بشحم، وأسمع بعظم، وأنطق بلحم، وأما أحوال الموت والحياة فهو قوله: {وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيّتَ مِنَ ٱلْحَىّ } وفيه وجهان: الأول: أنه يخرج الإنسان والطائر من النطفة والبيضة {وَيُخْرِجُ ٱلْمَيّتَ مِنَ ٱلْحَىّ } أي يخرج النطفة والبيضة من الإنسان والطائر. والثاني: أن المراد منه أنه يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والأكثرون على القول الأول، وهو إلى الحقيقة أقرب، ثم إنه تعالى لما ذكر هذا التفصيل ذكر بعده كلاماً كلياً، وهو قوله: {وَمَن يُدَبّرُ ٱلاْمْرَ } وذلك لأن أقسام تدبير الله تعالى في العالم العلوي وفي العالم السفلي وفي عالمي الأرواح والأجساد أمور لا نهاية لها، وذكر كلها كالمتعذر، فلما ذكر بعض تلك التفاصيل لا جرم عقبها بالكلام الكلي ليدل على الباقي ثم بين تعالى أن الرسول عليه السلام، إذا سألهم عن مدبر هذه الأحوال فسيقولون إنه الله سبحانه وتعالى، وهذا يدل على أن المخاطبين بهذا الكلام كانوا يعرفون الله ويقرون به، وهم الذين قالوا في عبادتهم للأصنام إنها تقربنا إلى الله زلفى وإنهم شفعاؤنا عند الله وكانوا يعلمون أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر، فعند ذلك قال لرسوله عليه السلام: {فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } يعني أفلا تتقون أن تجعلوا هذه الأوثان شركاء لله في المعبودية، مع اعترافكم بأن كل الخيرات في الدنيا والآخرة إنما تحصل من رحمة الله وإحسانه، واعترافكم بأن هذه الأوثان لا تنفع ولا تضر ألبتة. ثم قال تعالى: {فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ } ومعناه أن من هذه قدرته ورحمته هو {رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ } الثابت ربوبيته ثباتاً لا ريب فيه، وإذا ثبت أن هذا هو الحق، وجب أن يكون ما سواه ضلالاً، لأن النقيضين يمتنع أن يكونا حقين وأن يكونا باطلين، فإذا كان أحدهما حقاً وجب أن يكون ما سواه باطلاً. ثم قال: {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ } والمعنى أنكم لما عرفتم هذا الأمر الواضح الظاهر {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ } وكيف تستجيزون العدول عن هذا الحق الظاهر، واعلم أن الجبائي قد استدل بهذه الآية وقال: هذا يدل على بطلان قول المجبرة أنه تعالى يصرف الكفار عن الإيمان، لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يقول: {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ } كما لا يقول إذا أعمى بصر أحدهم إني عميت، واعلم أن الجواب عنه سيأتي عن قريب. أما قوله: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر بقضاء الله تعالى وإرادته، وتقريره أنه تعالى أخبر عنهم خبراً جزماً قطعاً أنهم لا يؤمنون، فلو آمنوا لكان إما أن يبقى ذلك الخبر صدقاً أو لا يبقى، والأول باطل، لأن الخبر بأنه لا يؤمن يمتنع أن يبقى صدقاً حال ما يوجد الإيمان منه والثاني أيضاً باطل، لأن انقلاب خبر الله تعالى كذباً محال فثبت أن صدور الإيمان منهم محال. والمحال لا يكون مراداً، فثبت أنه تعالى ما أراد الإيمان من هذا الكافر وأنه أراد الكفر منه، ثم نقول: إن كان قوله: {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ } يدل على صحة مذهب القدرية، فهذه الآية الموضوعة بجنبه تدل على فساده، وقد كان من الواجب على الجبائي مع قوة خاطره حين استدل بتلك الآية على صحة قوله أن يذكر هذه الحجة ويجيب عنها حتى يحصل مقصوده. المسألة الثانية: قرأ نافع وابن عامر {كَلِمَـٰتُ رَبَّكَ } على الجمع وبعده { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَـٰتُ رَبَّكَ } تفسير : [يونس: 96] وفي حم المؤمن { أية : كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَـٰتُ } تفسير : [غافر: 6] كله بالألف على الجمع والباقون {كَلِمَتُ رَبّكَ } في جميع ذلك على لفظ الوحدان. المسألة الثالثة: الكاف في قوله: {كَذٰلِكَ } للتشبيه، وفيه قولان: الأول: أنه كما ثبت وحق أنه ليس بعد الحق إلا الضلال كذلك حقت كلمة ربك بأنهم لا يؤمنون. الثاني: كما حق صدور العصيان منهم، كذلك حقت كلمة العذاب عليهم. المسألة الرابعة: {أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } بدل من {كلمت} أي حق عليهم انتفاء الإيمان. المسألة الخامسة: المراد من كلمة الله إما إخباره عن ذلك وخبره صدق لا يقبل التغير والزوال، أو علمه بذلك، وعلمه لا يقبل التغير والجهل. وقال بعض المحققين: علم الله تعلق بأنه لا يؤمن وخبره تعالى تعلق بأنه لا يؤمن، وقدرته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه، بل بخلق الكفر فيه وإرادته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه، بل بخلق الكفر فيه، وأثبت ذلك في اللوح المحفوظ، وأشهد عليه ملائكته، وأنزله على أنبيائه وأشهدهم عليه، فلو حصل الإيمان لبطلت هذه الأشياء، فينقلب علمه جهلاً، وخبره الصدق كذباً، وقدرته عجزاً، وإرادته كرهاً، وإشهاده باطلاً، وإخبار الملائكة والأنبياء كذباً، وكل ذلك محال.

القرطبي

تفسير : المراد بمساق هذا الكلام الردُّ على المشركين وتقرير الحجة عليهم؛ فمن اعترف منهم فالحجة ظاهرة عليهم، ومن لم يعترف فيقرّر عليه أن هذه السموات والأرض لا بدّ لهما من خالق؛ ولا يتمارى في هذا عاقل. وهذا قريب من مرتبة الضرورة. {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أي بالمطر. {وَٱلأَرْضِ} بالنبات. {أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ} أي من جعلهما وخلقهما لكم. {وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} أي النباتَ من الأرض، والإنسان من النطفة، والسُّنْبُلَةَ من الحبّة، والطيرَ من البيضة، والمؤمنَ من الكافر. {وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} أي يقدره ويقضيه. {فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ} لأنهم كانوا يعتقدون أن الخالق هو الله؛ أو فسيقولون هو الله إن فكروا وأنصفوا {فَقُلْ} لهم يا محمد. {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أي أفلا تخافون عقابه ونِقْمته في الدنيا والآخرة.

البيضاوي

تفسير : {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ} أي منهما جميعاً فإن الأرزاق تحصل بأسباب سماوية ومواد أرضية أو {مِنْ} كل واحد منهما توسعة عليكم. وقيل من لبيان من على حذف المضاف أي من أهل السماء والأرض. {أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَـٰرَ} أم من يستطيع خلقهما وتسويتهما، أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتها وسرعة انفعالها من أدنى شيء. {وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيّتَ مِنَ ٱلْحَىّ} ومن يحيي ويميت، أو من ينشىء الحيوان من النطفة والنطفة منه. {وَمَن يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ} ومن يلي تدبير أمر العالم وهو تعميم بعد تخصيص. {فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ} إذ لا يقدرون على المكابرة والعناد في ذلك لفرط وضوحه. {فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أنفسكم عقابه بإشراككم إياه ما لا يشاركه في شيء من ذلك.

ابن كثير

تفسير : يحتج تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانيته وربوبيته على وحدانية إلاهيته، فقال تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} أي: من ذا الذي ينزل من السماء ماء المطر، فيشق الأرض شقاً بقدرته ومشيئته، فيخرج منها { أية : حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَآئِقَ غُلْباً وَفَـٰكِهَةً وَأَبّاً} تفسير : [عبس:27-31] أإله مع الله؟ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّه {أية : أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ } تفسير : [الملك: 21] وقوله: {أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَـٰر} أي: الذي وهبكم هذه القوة السامعة، والقوة الباصرة، ولو شاء لذهب بها، ولسلبكم إياها؛ كقوله تعالى: {أية : قُلْ هُوَ ٱلَّذِىۤ أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ} تفسير : [الملك: 23] الآية. وقال: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَـٰرَكُمْ} تفسير : [الأنعام: 46] الآية، وقوله: {وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ} أي: بقدرته العظيمة، ومنته العميمة، وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك، وأن الآية عامة لذلك كله، وقوله: {وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} أي: من بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، وهو المتصرف الحاكم الذي لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل، وهم يسألون {أية : يَسْأَلُهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } تفسير : [الرحمن: 29] فالملك كله العلوي والسفلي وما فيهما من ملائكة وإنس وجان فقيرون إليه، عبيد له خاضعون لديه {فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ} أي: وهم يعلمون ذلك ويعترفون به. {فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أي: أفلا تخافون منه أن تعبدوا معه غيره بآرائكم وجهلكم؟ وقوله: {فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ} الآية، أي: فهذا الذي اعترفتم بأنه فاعل ذلك كله هو ربكم وإلهكم الحق الذي يستحق أن يفرد بالعبادة {فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} أي: فكل معبود سواه باطل، لا إله إلا هو واحد لا شريك له {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} أي: فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة ما سواه، وأنتم تعلمون أنه الرب الذي خلق كل شيء والمتصرف في كل شيء؟ وقوله: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوۤاْ} الآية، أي: كما كفر هؤلاء المشركون، واستمروا على شركهم وعبادتهم مع الله غيره، مع أنهم يعترفون بأنه الخالق المتصرف في الملك وحده، الذي بعث رسله بتوحيده، فلهذا حقت عليهم كلمة الله أنهم أشقياء من ساكني النار؛ كقوله: {أية : قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [الزمر: 71].

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } لهم {مَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَآءِ } بالمطر {وٱلأَرْضِ } بالنبات {أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ } بمعنى الأسماع أي خلقها {وٱلأَبْصَٰرَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ } بين الخلائق؟ {فَسَيَقُولُونَ } هو {ٱللَّهُ فَقُلْ } لهم {أَفَلاَ تَتَّقُونَ}ـه فتؤمنون؟.

الشوكاني

.تفسير : لما بيّن فضائح المشركين أتبعها بإيراد الحجج الدامغة، من أحوال الرزق والحواس، والموت والحياة، والابتداء والإعادة، والإرشاد والهدى، وبنى سبحانه الحجج على الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤولين، ليكون أبلغ في إلزام الحجة وأوقع في النفوس، فقال: {قُلْ } يا محمد للمشركين احتجاجاً لحقية التوحيد، وبطلان ما هم عليه من الشرك {مَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ } من السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات والمعادن، فإن اعترفوا حصل المطلوب، وإن لم يعترفوا فلا بدّ أن يعترفوا بأن الله هو الذي خلقهما {أَم مَّنْ يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَـٰرَ } "أم" هي المنقطعة، وفي هذا انتقال من سؤال إلى سؤال، وخص السمع والبصر بالذكر، لما فيهما من الصنعة العجيبة، والقدرة الباهرة العظيمة، أي: من يستطيع ملكهما وتسويتهما على هذه الصفة العجيبة، والخلقة الغريبة، حتى ينتفعوا بهما هذا الانتفاع العظيم، ويحصلون بهما من الفوائد ما لا يدخل تحت حصر الحاصرين. ثم انتقل إلى حجة ثالثة، فقال: {وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } الإنسان من النطفة، والطير من البيضة، والنبات من الحبة، أو المؤمن من الكافر {يَخْرُجُ ٱلْمَيّتِ مِنَ ٱلْحَىّ } أي: النطفة من الإنسان، أو الكافر من المؤمن، والمراد من هذا الاستفهام عمن يحيـي ويميت. ثم انتقل إلى حجة رابعة، فقال: {وَمَن يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ } أي: يقدّره ويقضيه، وهذا من عطف العام على الخاص؛ لأنه قد عمّ ما تقدّم وغيره {فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ } أي: سيكون قولهم في جواب هذه الاستفهامات إن الفاعل لهذه الأمور هو: الله سبحانه، إن أنصفوا وعملوا على ما يوجبه الفكر الصحيح والعقل السليم، وارتفاع الاسم الشريف على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف، أي: الله يفعل ذلك، ثم أمره الله سبحانه بعد أن يجيبوا بهذا الجواب أن يقول لهم: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ } والاستفهام للإنكار، والفاء للعطف على مقدّر: أي تعلمون ذلك، أفلا تتقون وتفعلون ما يوجبه هذا العلم من تقوى الله الذي يفعل هذه الأفعال. {فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ } أي: فذلكم الذي يفعل هذه الأفعال هو ربكم المتصف بأنه الحق، لا ما جعلتموهم شركاء له، والاستفهام في قوله: {فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ } للتقريع والتوبيخ، إن كانت "ما" استفهامية، لا إن كانت نافية كما يحتمله الكلام، والمعنى: أيّ شيء بعد الحق إلا الضلال، فإن ثبوت ربوبية الربّ سبحانه حق بإقرارهم، فكان غيره باطلاً، لأن واجب الوجود يجب أن يكون واحداً في ذاته وصفاته {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ } أي: كيف تستجيزون العدول عن الحق الظاهر، وتقعون في الضلال إذ لا واسطة بينهما؟ فمن تخطى أحدهما وقع في الآخر، والاستفهام للإنكار والاستبعاد والتعجب {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } أي: كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق، كذلك حقت كلمة ربك: أي حكمه وقضاؤه على الذين فسقوا: أي خرجوا من الحق إلى الباطل، وتمرّدوا في كفرهم عناداً ومكابرة، وجملة {أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } بدل من الكلمة. قاله الزجاج: أي حقت عليهم هذه الكلمة، وهي عدم إيمانهم، ويجوز أن تكون الجملة تعليلية لما قبلها بتقدير اللام: أي لأنهم لا يؤمنون. وقال الفراء: إنه يجوز إنهم لا يؤمنون بالكسر على الاستئناف، وقد قرأ نافع، وابن عامر: "كلمات ربك" بالجمع. وقرأ الباقون بالافراد. قوله: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } أورد سبحانه في هذا حجة خامسة على المشركين، أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقولها لهم، وهم وإن كانوا لا يعترفون بالمعاد، لكنه لما كان أمراً ظاهراً بيناً، وقد أقام الأدلة عليه في هذه السورة على صورة لا يمكن دفعها عند من أنصف، ولم يكابر، كان كالمسلم عندهم الذي لا جحد له ولا إنكار فيه، ثم أمره سبحانه أن يقول لهم: {قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } أي: هو الذي يفعل ذلك لا غيره، وهذا القول الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم، عن أمر الله سبحانه له هو نيابة عن المشركين في الجواب، إما على طريق التلقين لهم، وتعريفهم كيف يجيبون، وإرشادهم إلى ما يقولون، وإما لكون هذا المعنى قد بلغ في الوضوح إلى غاية لا يحتاج معها إلى إقرار الخصم، ومعرفة ما لديه، وإما لكون المشركين لا ينطقون بما هو الصواب في هذا الجواب، فراراً منهم عن أن تلزمهم الحجة، أو أن يسجل عليهم بالعناد والمكابرة إن حادوا عن الحق، ومعنى: {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } فكيف تؤفكون، أي تصرفون عن الحق وتنقلبون منه إلى غيره. ثم أمره الله سبحانه أن يورد عليهم حجة سادسة فقال: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ } والاستفهام ها هنا، كالاستفهامات السابقة، والاستدلال بالهداية بعد الاستدلال بالخلق وقع كثيراً في القرآن كقوله: {أية : ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ } تفسير : [الشعراء: 78] وقوله: {أية : ٱلَّذِى أَعْطَىٰ كُلَّ شَىء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ }تفسير : [طه: 50] وقوله: {أية : ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ }تفسير : [الأَعلى: 2، 3] وفعل الهداية يجيء متعدياً باللام وإلى، وهما بمعنى واحد. روي ذلك عن الزجاج. والمعنى: قل لهم يا محمد، هل من شركائكم من يرشد إلى دين الإسلام، ويدعو الناس إلى الحق؟ فإذا قالوا لا، فقل لهم: الله يهدي للحق دون غيره، ودليل ذلك ما تقدّم من الأدلة الدالة على اختصاصه سبحانه بهذا، وهداية الله سبحانه لعباده إلى الحق هي بما نصبه لهم من الآيات في المخلوقات، وإرساله للرسل، وإنزاله للكتب، وخلقه لما يتوصل به العباد إلى ذلك من العقول والأفهام، والأسماع والأبصار، والاستفهام في قوله: {أَفَمَن يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن مَّن لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ } للتقرير وإلزام الحجة. وقد اختلف القراء في {لاَّ يَهِدِّى } فقرأ أهل المدينة إلا نافعاً «يهدي» بفتح الياء وإسكان الهاء وتشديد الدال فجمعوا في قراءتهم هذه بين ساكنين. قال النحاس: والجمع بين ساكنين لا يقدر أحد أن ينطق به. قال محمد بن يزيد: لا بدّ لمن رام مثل هذا أن يحرك حركة خفيفة إلى الكسر، وسيبويه يسمي هذا اختلاساً. وقرأ أبو عمرو، وقالون، في رواية بين الفتح والإسكان. وقرأ ابن عامر، وابن كثير، وورش، وابن محيصن، بفتح الياء والهاء وتشديد الدال. قال النحاس: هذه القراءة بينة في العربية، والأصل فيها يهتدى، أدغمت التاء في الدال وقلبت حركتها إلى الهاء. وقرأ حفص، ويعقوب، والأعمش مثل قراءة ابن كثير، إلا أنهم كسروا الهاء، قالوا: لأن الكسر هو الأصل عند التقاء الساكنين. وقرأ أبو بكر، عن عاصم "يهديِ" بكسر الياء والهاء وتشديد الدال، وذلك للاتباع. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ويحيـى بن وثاب "يهْديَ" بفتح الياء وإسكان الهاء، وتخفيف الدال من هدي يهدي. قال النحاس: وهذه القراءة لها وجهان في العربية، وإن كانت بعيدة: الأوّل: أن الكسائي والفراء قالا: إن {يهدي} بمعنى يهتدي. الثاني: أن أبا العباس قال: إن التقدير أم من لا يهدي غيره، ثم تمّ الكلام، وقال بعد ذلك {إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ } أي: لكنه يحتاج أن يهدى، فهو استثناء منقطع، كما تقول: فلان لا يسمع غيره إلا أن يسمع: أي لكنه يحتاج أن يسمع، والمعنى على القراءات المتقدمّة: أفمن يهدي الناس إلى الحق، وهو الله سبحانه أحق أن يتبع ويقتدي به، أم الأحق بأن يتبع ويقتدي به من لا يهتدي بنفسه إلا أن يهديه غيره، فضلاً عن أن يهدي غيره؟ والاستثناء على هذا، استثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال. قوله: {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } هذا تعجيب من حالهم باستفهامين متواليين، أي أيّ شيء لكم كيف تحكمون باتخاذ هؤلاء شركاء لله، وكلا الاستفهامين للتقريع والتوبيخ، و{كيف} في محل نصب بـ {تحكمون}، ثم بيّن سبحانه ما هؤلاء عليه في أمر دينهم، وعلى أيّ شيء بنوه. وبأيّ شيء اتبعوا هذا الدين الباطل، وهو الشرك فقال: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّا إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقّ شَيْئًا } وهذا كلام مبتدأ غير داخل في الأوامر السابقة. والمعنى: ما يتبع هؤلاء المشركون في إشراكهم بالله، وجعلهم له أنداداً إلا مجرّد الظن، والتخمين والحدس، ولم يكن ذلك عن بصيرة، بل ظن من ظن من سلفهم أن هذه المعبودات تقرّبهم إلى الله، وأنها تشفع لهم، ولم يكن ظنه هذا لمستند قط، بل مجرد خيال مختل وحدس باطل، ولعل تنكير الظن هنا للتحقير: أي إلا ظناً ضعيفاً لا يستند إلى ما تستند إليه سائر الظنون. وقيل: المراد بالآية: إنه ما يتبع أكثرهم في الإيمان بالله والإقرار به إلا ظناً. والأوّل: أولى. ثم أخبرنا الله سبحانه: بأن مجرد الظن لا يغني من الحق شيئاً، لأن أمر الدين إنما يبنى على العلم، وبه يتضح الحق من الباطل، والظن لا يقوم مقام العلم، ولا يدرك به الحق، ولا يغني عن الحق في شيء من الأشياء، ويجوز انتصاب شيئاً على المصدرية، أو على أنه مفعول به، و{من الحق} حال منه والجملة مستأنفة لبيان شأن الظن وبطلانه {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } من الأفعال القبيحة الصادرة لا عن برهان. قوله: {وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ } لما فرغ سبحانه من دلائل التوحيد وحججه، شرع في تثبيت أمر النبوّة: أي وما صح وما استقام أن يكون هذا القرآن المشتمل على الحجج البيّنة، والبراهين الواضحة، يفترى من الخلق من دون الله، وإنما هو من عند الله عزّ وجلّ، وكيف يصح أن يكون مفترى، وقد عجز عن الإتيان بسورة منه القوم الذين هم أفصح العرب لساناً وأدقهم أذهاناً {وَلَـٰكِنِ } كان هذا القرآن {تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } من الكتب المنزلة على الأنبياء، ونفس هذا التصديق معجزة مستقلة؛ لأن أقاصيصه موافقة لما في الكتب المتقدمة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يطلع على ذلك ولا تعلمه ولا سأل عنه، ولا اتصل بمن له علم بذلك، وانتصاب {تصديق} على أنه خبر لكان المقدرة بعد لكن، ويجوز أن يكون انتصابه على العلية لفعل محذوف، أي لكن أنزله الله تصديق الذي بين يديه. قال الفراء: ومعنى الآية، وما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى، كقوله: {أية : وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } تفسير : [آل عمران: 161]، {أية : وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً } تفسير : [التوبة: 122]. وقيل: إن {أن} بمعنى اللام، أي: وما كان هذا القرآن ليفترى. وقيل: بمعنى لا: أي لا يفترى، قال الكسائي والفراء: إن التقدير في قوله: {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ } ولكن كان تصديق، ويجوز عندهما الرفع، أي: ولكن هو تصديق. وقيل: المعنى: ولكن القرآن تصديق {ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } من الكتب، أي أنها قد بشرت به قبل نزوله، فجاء مصدّقاً لها. قيل: المعنى: ولكن تصديق النبيّ الذي بين يدي القرآن، وهو محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم شاهدوه قبل أن يسمعوا منه القرآن. قوله: {وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ } عطف على قوله: {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } فيجيء فيه الرفع والنصب على الوجهين المذكورين في {تصديق}، والتفصيل: التبيين، أي يبين ما في كتب الله المتقدّمة، والكتاب للجنس. وقيل: أراد ما بين في القرآن من الأحكام، فيكون المراد بالكتاب: القرآن. قوله: {لاَ رَيْبَ فِيهِ } الضمير عائد إلى القرآن، وهو داخل في حكم الاستدراك خبر ثالث، ويجوز أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال من الكتاب، ويجوز أن تكون الجملة استئنافية لا محلّ لها، و {مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } خبر رابع: أي كائن من ربّ العالمين، ويجوز أن يكون حالاً من الكتاب، أو من ضمير القرآن في قوله: {لاَ رَيْبَ فِيهِ } أي: كائناً من ربّ العالمين، ويجوز أن يكون متعلقاً بتصديق وتفصيل، وجملة {لاَ رَيْبَ فِيهِ } معترضة. قوله: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } الاستفهام للإنكار عليهم، مع تقرير ثبوت الحجة، و"أم" هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة، أي بل أيقولون افتراه واختلقه. وقال أبو عبيدة: أم بمعنى الواو: أي ويقولون افتراه. وقيل: الميم زائدة، والتقدير: أيقولون افتراه، والاستفهام للتقريع والتوبيخ. ثم أمره الله سبحانه أن يتحدّاهم حتى يظهر عجزهم ويتبيّن ضعفهم فقال: {قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ } أي: إن كان الأمر كما تزعمون من أن محمداً افتراه، فأتوا أنتم على جهة الافتراء بسورة مثله في البلاغة، وجودة الصناعة، فأنتم مثله في معرفة لغة العرب وفصاحة الألسن وبلاغة الكلام {وَٱدْعُواْ } بمظاهريكم ومعاونيكم {مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ } دعاءه والاستعانة به، من قبائل العرب، ومن آلهتكم التي تجعلونهم شركاء لله. وقوله: {مِن دُونِ ٱللَّهِ } متعلق بـ {ادعوا}: أي ادعوا من سوى الله من خلقه {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } في دعواكم أن هذا القرآن مفترى. وسبحان الله العظيم ما أقوى هذه الحجة وأوضحها، وأظهرها للعقول، فإنهم لما نسبوا الافتراء إلى واحد منهم في البشرية والعربية، قال لهم: هذا الذي نسبتموه إليّ وأنا واحد منكم، ليس عليكم إلا أن تأتوا، وأنتم الجمع الجمّ، بسورة مماثلة لسورة من سوره، واستعينوا بمن شئتم من أهل هذه اللسان العربية على كثرتهم وتباين مساكنهم، أو من غيرهم من بني آدم، أو من الجنّ، أو من الأصنام، فإن فعلتم هذا بعد اللتيا والتي، فأنتم صادقون فيما نسبتموه إليّ وألصقتموه بي، فلم يأتوا عند سماع هذا الكلام المنصف، والتنزّل البالغ، بكلمة ولا نطقوا ببنت شفة، بل كاعوا عن الجواب، وتشبثوا بأذيال العناد البارد، والمكابرة المجردة عن الحجة، وذلك مما لا يعجز عنه مبطل، ولهذا قال سبحانه عقب هذا التحدّي البالغ {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ } فأضرب عن الكلام الأوّل، وانتقل إلى بيان أنهم سارعوا إلى تكذيب القرآن، قبل أن يتدبروه ويفهموا معانيه، وما اشتمل عليه، وهكذا صنع من تصلب في التقليد، ولم يبال بما جاء به من دعا إلى الحق وتمسك بذيول الإنصاف، بل يردّه بمجرد كونه لم يوافق هواه، ولا جاء على طبق دعواه قبل أن يعرف معناه، ويعلم مبناه، كما تراه عياناً وتعلمه وجداناً. والحاصل أن من كذب بالحجة النيرة، والبرهان الواضح، قبل أن يحيط بعلمه، فهو لم يتسمك بشيء في هذا التكذيب، إلا مجرد كونه جاهلاً لما كذب به غير عالم به، فكان بهذا التكذيب منادياً على نفسه بالجهل بأعلى صوت، ومسجلاً بقصوره عن تعقل الحجج بأبلغ تسجيل، وليس على الحجة ولا على من جاء بها من تكذيبه شيء:شعر : ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه تفسير : قوله: {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } معطوف على: {لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ } أي: بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وبما لم يأتهم تأويله، أو هذه الجملة في محل نصب على الحال، أي كذبوا به حال كونهم لم يفهموا تأويل ما كذبوا به، ولا بلغته عقولهم. والمعنى: أن التكذيب منهم وقع قبل الإحاطة بعلمه، وقبل أن يعرفوا ما يؤول إليه من صدق ما اشتمل عليه من حكاية ما سلف من أخبار الرسل المتقدّمين، والأمم السابقين، ومن حكايات ما سيحدث من الأمور المستقبلة التي أخبر عنها قبل كونها، أو قبل أن يفهموه حق الفهم، وتتعقله عقولهم، فإنهم لو تدبروه كلية التدبر لفهموه كما ينبغي، وعرفوا ما اشتمل عليه من الأمور الدالة أبلغ دلالة على أنه كلام الله، وعلى هذا فمعنى تأويله ما يؤول إليه لمن تدبره من المعاني الرشيقة، واللطائف الأنيقة، وكلمة التوقع أظهر في المعنى الأوّل: {كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي: مثل ذلك التكذيب كذب الذين من قبلهم من الأمم عند أن جاءتهم الرسل بحجج الله وبراهينه، فإنهم كذبوا به قبل أن يحيطوا بعلمه، وقبل أن يأتيهم تأويله: {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ } من الأمم السالفة من سوء العاقبة، بالخسف والمسخ ونحو ذلك من العقوبات التي حلت بهم، كما حكى ذلك القرآن عنهم، واشتملت عليه كتب الله المنزّلة عليهم. قوله: {وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ } أي: ومن هؤلاء الذين كذبوا بالقرآن من يؤمن به في نفسه، ويعلم أنه صدق وحق، ولكنه كذب به مكابرة وعناداً. وقيل: المراد: ومنهم من يؤمن به في المستقبل، وإن كذب به في الحال، والموصول مبتدأ، وخبره منهم {وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ } ولا يصدّقه في نفسه، بل كذب به جهلاً كما مرّ تحقيقه، أو لا يؤمن به في المستقبل، بل يبقى على جحوده وإصراره. وقيل: الضمير في الموضعين للنبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد قيل: إن هذا التقسيم خاص بأهل مكة، وقيل: عام في جميع الكفار {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ } فيجازيهم بأعمالهم، والمراد بهم: المصرّون المعاندون، أو بكلا الطائفتين، وهم الذين يؤمنون به في أنفسهم، ويكذبون به في الظاهر، والذين يكذبون به جهلاً، أو الذين يؤمنون به في المستقبل، والذين لا يؤمنون به. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم إن أصرّوا على تكذيبه واستمرّوا عليه: {لّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ } أي لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم، فقد أبلغت إليكم ما أمرت بإبلاغه، وليس عليّ غير ذلك، ثم أكد هذا بقوله: {أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تَعْمَلُونَ } أي: لا تؤاخذون بعملي، ولا أؤاخذ بعملكم. وقد قيل: إن هذا منسوخ بآية السيف كما ذهب إليه جماعة من المفسرين. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ } يقول: سبقت كلمة ربك. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، قال: صدقت. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {أَم مَّنْ لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ } قال: الأوثان. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لّى عَمَلِى } الآية، قال: أمره بهذا، ثم نسخه، فأمره بجهادهم.

ابن عطية

تفسير : هذا توقيف وتوبيخ واحتجاج لا محيد عن التزامه، و {من السماء } يريد بالمطهر ومن {الأرض } يريد بالإنبات ونحو ذلك، و {يملك السمع والأبصار } ، لفظ يعم جملة الإنسان ومعظمه حتى أن ما عداهما من الحواس تبع، {ويخرج الحي من الميت } الجنين من النطفة، والطائر من البيضة، والنبات من الأرض إذ له نمو شبيه بالحياة، {ويخرج الميت من الحي } ، مثل البيضة من الطائر ونحو ذلك، وقد تقدم فيما سلف إيعاب القول في هذه المعاني، و" تدبير الأمر " عام لهذا وغيره من جميع الأشياء، وذلك استقامة الأمور كلها عن إرادته عز وجل، وليس تدبيره بفكر ولا روية وتغيرات تعالى عن ذلك بل علمه محيط كامل دائم، {فسيقولون الله } لا مندوحة لهم عن ذلك، ولا تمكنهم المباهتة بسواه، فإذا أقروا بذلك {فقل أفلا تتقون } . في افترائكم وجعلكم الأصنام آلهة: وقوله تعالى {فذلكم الله ربكم } الآية، يقول: فهذا الذي هذه صفاته {ربكم الحق } أي المستوجب للعبادة والألوهية، وإذا كان ذلك فتشريك غيره ضلال وغير حق، وعبارة القرآن في سوق هذه المعاني تفوت كل تفسير براعة وإيجازاً وإيضاحاً، وحكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والضلال منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله وكذلك هو الأمر في نظائرها، وهي مسائل الأصول التي الحق فيها في طرف واحد، لأن الكلام فيها إنما هو في تقرير وجود ذات كيف وهي، وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال الله تعالى فيها {أية : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} تفسير : [المائدة:48] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات " تفسير : ، و" {الحق } في هذه في الطرفين لأن المتعبدين إنما طلبوا بالاجتهاد لا بعين في كل نازلة ويدلك على أن " الحق" في الطرفين اختلاف الشرائع بتحليل وتحريم في شيء واحد، والكلام في مسائل الفروع إنما هو في أحكام طارئة على وجود ذات متقررة لا يختلف فيها وإنما يختلف في الأحكام المتعلقة بالمشترع، وقوله: {فأنى تصرفون} تقرير كما قال {أية : فأين تذهبون} تفسير : [التكوير: 26] ثم قال: {كذلك حقت} أي كما كانت صفات الله كما وصف وعبادته واجبة كما تقرر وانصراف هؤلاء كما قدر عليهم وتكسبوا {كذلك حقت } ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم، وحمزة والكسائي هنا وفي آخر السورة " كلمة " على الإفراد الذي يراد به الجمع كما يقال للقصيدة كلمة، فعبر عن وعيد الله تعالى بكلمته، وقرأ نافع وابن عامر في الموضعين المذكورين " كلمات "، وهي قراءة أبي جعفر وشيبة بن نصاح، وهذه الآية إخبار أن في الكفار من حتم بكفره وقضى بتخليده، وقرأ ابن أبي عبلة، " إنهم " بكسر الألف.

النسفي

تفسير : {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء } بالمطر {وٱلأَرْضِ } بالنبات {أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَـٰرَ } من يستطيع خلقهما وتسويتهما على الحد الذي سويا عليه من الفطرة العجيبة، أومن يحميهما من الآفات مع كثرتها في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء {وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيّتَ مِنَ ٱلْحَىّ } أي الحيوان والفرخ والزرع، والمؤمن والعالم من النطفة، والبيضة والحب والكافر والجاهل وعكسها {وَمَن يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ } ومن يلي تدبير أمر العالم كله جاء بالعموم بعد الخصوص {فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ } فسيجيبونك عند سؤالك إن القادر على هذه هو الله {فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } الشرك في العبودية إذ اعترفتم بالربوبية {فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ } أي من هذه قدرته هو الله {رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ } الثابت ربوبيته ثباتاً لا ريب فيه لمن حقق النظر {فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ } أي لا واسطة بين الحق والضلال، فمن تخطى الحق وقع في الضلال {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ } عن الحق إلى الضلال وعن التوحيد إلى الشرك {كَذٰلِكَ } مثل ذلك الحق {حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } {كلمات} شامي ومدني، أي كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق فكذلك حقت كلمة ربك {عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ } تمردوا في كفرهم وخرجوا إلى الحد الأقصى فيه {أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } بدل من «الكلمة» أي حق عليهم انتفاء الإيمان، أو حق عليهم كلمة الله أن إيمانهم غير كائن، أو أراد بالكلمة العدة بالعذاب أنهم لا يؤمنون تعليل أي لأنهم لا يؤمنون

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {كلمات ربك} وكذلك في آخر السورة على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر {لا يهدي } مثل {يرمي}: حمزة وعلي وخلف {يهدي} بسكون الهاء وتشديد الدال: أبو جعفر ونافع غير ورش وعباس وأبو عمرو غير عباس بإشمام الفتحة قليلاً {يهدي} بكسر الهاء وتشديد الدال: عاصم غير يحيى وجبلة ورويس {يهدي} بكسرتين والتشديد: يحيى {يهدي} بفتحتين والتشديد: ابن كثير وابن عامر وورش وسهل ويعقوب غير رويس. الوقوف: {يدبر الأمر} ط {الله} ج {تتقون} ه ج ط {ربكم الحق} ج ط للاستفهام مع الفاء {إلا الضلال} ج ط {تصرفون} ه {لا يؤمنون} ه {ثم يعيده} الأول ط {تؤفكون} ه {إلى الحق} ط {للحق} ط {أن يهدي} ج ط لما مر {فما لكم} ص لحق الاستفهام الثاني {تحكمون} ه ط {إلا ظناً} ط {شيئاً} ط {شيئاً} ط {يفعلون} ه {العالمين} ه {افتراء} ط {صادقين} ه {تأويله} ط {الظالمين} ه {لا يؤمن به} ط {بالمفسدين} ه {عملكم} ج لأن {أنتم} مبتدأ والعامل واحد {تعملون} ه. التفسير: لما بين فضائح عبدة الأوثان أكدها بالحجج اللامعة والبراهين القاطعة من أحوال الرزق والموت والحياة والإبداء والإعادة والإرشاد والهداية، وقد بنى الحجج على الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤول ليكون أبلغ في إلزام الحجة وأوقع في النفوس. فالحجة الأولى قوله: {قل من يرزقكم من السماء والأرض} بإنزال الأمطار النافعة الموجبة لتولد الأغذية النباتية والحيوانية في الأرض بعد رعاية شرائط تربيتها وإنمائها وحفظها من العاهات. {أمن يملك السمع والأبصار} خص الحاستين بالذكر لما في خلقهما وتسويتهما من الفطرة العجيبة، وكان صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : سبحان من بَصَّرَ بشحم وأسمع بعظم وأنطق بلحم"تفسير : ولما في تحصينهما في الآفات في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء مزيد قدرة ورأفة. {ومن يخرج الحي من الميت} الحيوان الماشي والطائر من النطفة والبيضة وقد مر سائر الأقوال في سورة الأنعام. {ومن يدبر الأمر} عمم بعدما خصص لأن أقسام تدبيره تعالى في العالم العلوي والعالم السفلي وعالمي الغيب والشهادة أمور لا نهاية لها. وذكر كلها كالمتعذر. {فسيقولون الله} وفيه دليل على أنهم كانوا يعبدون الأصنام بناء على أنها شفعاؤهم وأنها تقربهم إلى الله زلفى، ولكنهم كانوا مخطئين في هذا الاعتقاد فلهذا ختم الآية بقوله {فقل أفلا تتقون} الله الذي اعترفتم بأنه سبب فيضان جميع الخيرات فكيف أشركتم بعبادته الجمادات التي لا تقدر على نفع أو ضر. {فذلكم} الموصوف بالقدرة الكاملة والرحمة الشاملة {الله ربكم الحق} الثابت ربوبيته بالوجدان والبرهان. {فماذا بعد الحق} "ذا" مزيدة و "ما" نافية أو استفهامية أو مجموع "ماذا" كلمة واحدة معناها أي شيء بعد الحق {إلا الضلال} والمراد أنه لما ثبت وجود الواجب الحق كان ما سواه ممكناً لذاته باطلاً دعوى الإلهية فيه، لأن واجب الوجود يجب أن يكون واحداً في ذاته وفي صفاته وفي جميع اعتباراته وإلا لزم افتقاره إلى ما انقسم إليه فلا يكون واجباً هف محال ولهذا ختم الآية بقوله: {فأنى تصرفون} كيف تستجيزون العدول عن هذا الحق الظاهر وتقعون في الضلال، إذ لا واسطة بين الأمرين، فمن يخطىء أحدهما وقع في الآخر. {كذلك} أي كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق فكذلك {حقت كلمة ربك}. وتفسير الكلمة {أنهم لا يؤمنون} على أنه بدل أي حق عليهم انتفاء الإيمان وقد علم الله منهم ذلك في الأزل، وأراد بالكلمة العدة بالعذاب وأنهم لا يؤمنون تعليل على حذف اللام. احتجت المعتزلة بمثل قوله تعالى: {فأنى تصرفون} أن الصارف لو كان هو الله تعالى لم يصح منه هذا التعجيب والإنكار. وقالت الأشاعرة: قد تعلق علمه تعالى بأنهم لا يؤمنون كما قال: {حقت كلمة ربك} وتعلق خبره بأنهم لا يؤمنون وقدرته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه بل بخلق الكفر فيه، وأثبت ذلك في اللوح المحفوظ وأشهد عليه ملائكته وأنزله على أنبيائه وأشهدهم عليه، فلو حصل الإيمان لبطلت هذه الأشياء فينقلب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً وقدرته عجزاً وإرادته عبثاً وإشهاده باطلاً. الحجة الثانية {قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده} وإنما قال: {ثم يعيده} مع أن الخصم لا يعترف به لأنه قدم في هذه السورة دلال الإعادة بحيث لا يتمكن العاقل من دفعها إذا تأمل وأنصف فبنى الأمر على ذلك. وإنما أمر نبيه أن ينوب عنهم في الجواب بقوله {قل الله} الآية. تنبيهاً على أن هذا المعنى بلغ في الوضوح إلى حيث لا حاجة فيه الى إقرار الخصم المكابر، فكأنه قيل: تكلم عنهم إذ لا يدعهم لحاجهم أن ينطقوا بكلمة الحق. وقوله: {فأنى تؤفكون} كقوله: {فأنى تصرفون} وقد مر في "المائدة". الحجة الثالثة {قل هل من شركائكم من يهدي} الآية. الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أوّلاً ثم بالهداية عادة مطردة في القرآن، فحكى عن الخليل صلى الله عليه وسلم{أية : الذي خلقني فهو يهدين}تفسير : [الشعراء: 78] وعن موسى{أية : ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}تفسير : [طه: 5] وأمر محمداً صلى الله عليه وسلم{أية : سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى}تفسير : [الأعلى: 1 - 3] والسر فيه أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح وارتسام العلوم والمعارف فيه بإرشاد الحق سبحانه من الطرق المنحرفة كثيرة والظنون والأغاليط غير محصورة، فتحصيل الوسط الحقيقي لا يمكن إلا بتوفيقه وهدايته، ولا مدخل في ذلك بالاستقلال لملك أو إنسي أو جني فضلاً عن الأصنام التي هي في أدنى مراتب الوجود لأنها جمادات لا شعور لها هذا تقرير الحجة الثالثة. وقال الزجاج: يقال: هديت للحق وإلى الحق بمعنى، فجمع بين العبارتين. ويقال: هدى بنفسه بمعنى اهتدى كما يقال شرى بمعنى اشترى ومنه قوله: {أمن لا يهدي} وسائر القراآت أصلها "يهتدي" فأدغم وفتحت الهاء بحركة التاء أو كسرت لالتقاء الساكنين، وقد كسرت الياء لاتباع ما بعدها. قيل: هذه الشركاء جمادات فكيف قال في حقها {إلا أن يهدى} وأجيب بوجوه منها: أن المراد في الآية رؤساؤهم وأشرافهم كقوله: {أية : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً}تفسير : [التوبة: 31] والمراد أن الله سبحانه هو الذي يهدي الخلق إلى الدين الحق بالدلائل النقلية وبما يمكنهم منه من الدلائل العقلية، وأما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون على أن يهدوا غيرهم إلا إذا هداهم الله. ومنها أنهم لما اتخذوها آلهة وصفهم الله تعالى بصفة من يعقل كقوله:{أية : إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم} تفسير : [فاطر: 14] ومنها أن ذلك بالفرض والتقدير يعني أنها لو كانت بحيث يمكنها أن تهتدي فإنها لا تهدي غيرها إلا أن تهدى. ومنها أن البنية عندنا ليست بشرط في صحة الحياة والعقل فيصح من الله تعالى أن يجعلها حية عاقلة، ثم إنها تشتغل بهداية الغير، ومنها أن المراد من الهدي النقل والحركة يقال: هديت المرأة زوجها أي نقلت إليه، فالمعنى لا ينتقل إلى مكان إلا إذا نقل إليه. ثم عجب من مذهبهم الفاسد باستفهامين متواليين فقال: {فما لكم كيف تحكمون}. ثم بين ما بنوا عليه أمر دينهم فقال: {وما يتبع أكثرهم إلا ظناً} أي في إقرارهم بالله لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم بل سمعوه من أسلافهم أو في قولهم للأصنام أنها آلهة أو شفعاء، وعلى هذا فالمراد بالأكثر الجميع. {إن الظن} في معرفة الله وفيما يجب تحقيقه {لا يغني من الحق} وهو العلم والتحقيق {شيئاً} من الغناء. والمعنى أن الظن لا يقوم مقام العلم في شيء من الأحوال. ثم أوعدهم على اتباعهم الظن وتقليد الآباء بقوله: {إن الله عليم بما يفعلون}. وتمسك نفاة القياس بالآية ظاهر من قبل أن القياس لا يفيد إلا الظن. وأجيب بأن التمسك بالعمومات لا يفيد إلا الظن وهذه الآية من العمومات فلم يجب اتباعها بزعمكم، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان متروكاً. ولما فرغ من دلائل التوحيد شرع في إثبات النبوة فقال: {ما كان هذا القرآن أن يفترى} أي افتراء من دون الله أو كلمة "أن" بمعنى اللام أي ما ينبغي له وما استقام أن يكون مفترى. والحاصل أن وصفه ليس وصف شيء يمكن أن يفترى به على الله لأنه معجز لا يقدر البشر على إتيان مثله وإنما القادر عليه هو الله تعالى. {ولكن} كان {تصديق الذي بين يديه} من الكتب المنزلة لإعجازه دونها فهو عيار عليها شاهد بصحتها، ونفس هذا التصديق أيضاً معجز لأن أقاصيصه موافقه لما في كتب الأولين مع أنه لم يتعلم قط ولم يتلمذ، ولأن بشارته جاءت في تلك الكتب على وفق دعواه، ولأنه يخبر عن الغيوب المستقبلة فيقع مطابقاً فظهر أن القرآن معجز من قبل اشتماله على الغيوب الماضية والمستقبلة. أما أنه معجز من جهة اشتماله على العلوم الجمة فذلك قوله: {وتفصيل الكتاب} أي يبين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع كقوله:{أية : كتاب الله عليكم}تفسير : [النساء: 24] قال في الكشاف قوله: {لا ريب فيه من رب العالمين} داخل في حيز الاستدراك كأنه قال: ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريب كائناً من رب العالمين، وجوز أن يكون {من رب العالمين} متعلقاً بتصديق وتفصيل و {لا ريب فيه} اعتراض كقولك: زيد لا شك فيه كريم. والمعنى ولكن كان تصديقاً من رب العالمين وتفصيلاً منه لا ريب فيه. ثم أعاد بيان إعجازه مرة أخرى فقال مستفهماً على سبيل الإنكار {أم يقولون افتراه قل} إن كان الأمر كما تزعمون {فأتوا} أنتم على وجه الافتراء {بسورة مثله} في البلاغة وحسن النظم فأنتم مثلي في العربية والفصاحة {وادعوا من استطعتم من دون الله} أي لا تستعينوا بالله وحده ثم استعينوا بكل من سواه {إن كنتم صادقين} أنه افتراه. قال بعض العلماء: هذه الآية في سورة يونس وهي مكية، فلعل المراد بالسورة المتحدّي بها هذه السورة. والأصح أن التحدي واقع على أقصر سورة. قالت المعتزلة: لو لم يكن الإتيان بمثل القرآن صحيح الوجود في الجملة لم يتحدّ العرب به لكنهم تحدّوا بذلك فدل على أن القرآن محدث إذ لو كان قديماً والإتيان بالقديم محال لم يصح هذا التحدي. وأجيب بأن القرآن يقال بالاشتراك على الصفة القديمة القائمة بذات الله وعلى هذه الحروف والأصوات المحدثة، والتحدي إنما وقع بهذه لا بتلك {بل كذبوا} سارعوا إلى التكذيب {بما لم يحيطوا بعلمه} وهو القرآن {ولما يأتهم تأويله} ومعنى التوقع فيه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل تقليداً للآباء، وكذبوا به بعد التدبر وتكرير التحدي عليهم واستيقان عجزهم عن هذا بغياً وحسداً وعناداً. وذلك إنما حملهم على التكذيب أوّلا وآخراً وجوه منها: أنهم وجدوا في القرآن أقاصيص الأولين ولم يعرفوا المقصود منها فقالوا أساطير الأوّلين، وخفي عليهم أن الغرض منها بيان قدرة الله تعالى على التصرف في هذا العالم ونقل الأمم من العز إلى الذل وبالعكس، ليعرف المكلف أن الدنيا ليست مما يبقى، فنهاية كل حركة سكون وغاية كل سكون أن لا يكون كقوله: عز من قائل{أية : لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب}تفسير : [يوسف: 111]. ومنها أنهم كلما سمعوا حروف التهجي في أوائل السور ولم يفهموا منها شيئاً ساء ظنهم بالقرآن فأجاب الله تعالى عنه بقوله: {أية : هو الذي أنزل عليك الكتاب} تفسير : [آل عمران:7] إلى قوله: {أية : وأخر متشابهات} تفسير : [آل عمران:7] الآية. ومنها أنهم رأوا القرآن يظهر شيئاً فشيئاً فاتهموا النبي وقالوا:{أية : لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة} تفسير : [الفرقان: 32] ومنها أنهم وجدوا القرآن مملوءاً من حديث الحشر والنشر، وكانوا قد ألفوا المحسوسات فاستبعدوا ذلك. وأنهم وجدوا فيه تكاليف كثيرة من الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وكانوا يقولون. إن إله العالم غني عنا وعن طاعاتنا {كذلك كذب الذين من قبلهم} يعني قبل النظر في معجزات أنبيائهم. قال أهل التحقيق: في الآية دلالة على أن من كان غير عارف بوجوه التأويل قد يقع في الكفر والبدعة، لأن ظواهر النصوص قد تتعارض فيفتقر هنالك إلى تطبيق التنزيل على التأويل. وقيل: معنى الآية أن القرآن كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه ومن جهة ما فيه من الأخبار بالغيوب ومن جملتها أحوال الآخرة. فقوله: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه} إشارة إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز، وقوله: {ولما يأتهم تأويله} إشارة إلى تكذيبهم قبل أن يمتحنوا غيوبه هل تطابق الواقع أم لا. ثم ختم الآية بقوله: {فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} والمراد أنهم طلبوا الدنيا وأعرضوا عن الآخرة فلم تبق عليهم الدنيا وفاتتهم الآخرة فبقوا في خسران الدارين. وقيل: المقصود عذاب الاستئصال الذي نزل بالمكذبين قبلهم. ثم قسم طوائف الأمم المكذبين فقال: {ومنهم من يؤمن به} أي بالقرآن أو بالرسول أي يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكنه يعاند {ومنهم} من يشك فيه لا يصدق به لا ظاهراً ولا باطناً، ويمكن أن يقال: المراد به قسمتهم في الاستقبال أي ومنهم من سيؤمن به ومنهم من يبقى على الكفر فتكون الآية كالعذر في تبقيتهم وعدم استئصالهم {وربك أعلم بالمفسدين} فيجازيهم على حسب مراتبهم في التكذيب ويعلم طوياتهم هل يتوبون أو يصرفون. ثم بين اختصاص كل مكلف بأفعاله وبنتائج أعماله من الثواب والعقاب فقال: {وإن كذبوك فقل لي عملي} أي جزاء عملي على الطاعة والإيمان وتبليغ الرسالة {ولكم عملكم} قال مقاتل والكلبي: هي منسوخة بآية القتال. والتحقيق أن آية القتال لا تدفع شيئاً من مدلولات هذه فلا نسخ والله أعلم. التأويل: {قل من يرزقكم} أي من ينزل من سماء النفس مطر الهواجس ويخرج من أرض النفس نبات الأفعال والأعمال، وينزل من سماء القلب مطر أثار فيض الروح ويخرج من أرض النفس نبات الصفات البشرية والحيوانية. أو ينزل من سماء الروح مطر فيض الروح ويخرج من أرض القلب نبات الأوصاف الحميدة، أو ينزل من سماء القدرة مطر تجلي الصفات والفيض الرباني ويخرج من أرض الروح المحبة والأخلاق الإلهية، أو ينزل من سماء الذات مطر تجلي الصفات ويخرج من أرض الوجود نبات الفناء في الله وثمرات البقاء بالله {أمن يملك السمع والأبصار} فيكون سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر. {يخرج الحي من الميت} النفس من القالب والقلب من الروح والروح من القلب وبالعكوس {ومن يدبر} أمر الإنسان بالتربية من التراب إلى أن يصل إلى رب الأرباب. فسيقولون هذه الأحوال كلها من الله فقل لمن بلغ نظره إلى هذه المراتب العلية وإنها عتبة باب التوحيد والمعرفة {أفلا تتقون} بالله من غيره لتدخلوا بيت الوحدة {كذلك حقت كلمة ربك} هكذا جرى القلم في الأزل على الذين خرجوا عن قبول فيض النور حين رش على الخلق من نوره. {وتفصيل الكتاب} وتفصيل الجملة التي هي مكتوبة عنده في أم الكتاب وهو علمه القائم بذاته. {وربك أعلم بالمفسدين} الذين أفسدوا استعدادهم الفطري والله أعلم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} الآية. لمَّا ذكر فضائح عبدة الأوثان، أتبعها بذكر الدَّلائل الدَّالَّة على فسادِ هذا المذهب: وهي أحوال الرزق، وأحوال الحواس، وأحوال الموْتِ والحياة: أمَّا الرزقُ، فإنَّه إنَّما يحصل من السماء والأرض: أمَّا من السَّماء، فبنُزُول المطر الموافق، وأمَّا من الأرض، فلأنَّ الغذاء إمَّا أن يكون نباتاً، أو حيواناً: أمَّا النبات فلأنَّ الأرض تُنبتُه، وأمَّا الحيوانُ، فهو محتاجٌ أيضاً إلى الغذاء، ولا يمكن أن يكون غذاء كل حيوانٍ، حيواناً آخر، وإلا لزم التَّسلسل، وهو محالٌ، فثبت أنَّ غذاء الحيوان، يجب انتهاؤه إلى النَّبات، والنبات إنما يتولَّد من الأرض، فثبت أنَّ الرزق إنما يحصلُ من السَّماء والأرض، ولا مُدَبِّر لهما إلاَّ الله - تعالى -، وأمَّا أحوال الحواسِّ فكذلك، قال عليٌّ - رضي الله عنه -: سبحان من بصر بشحم، وأسمع بعظمٍ، وأنْطَق بلحم. قوله: "مِّنَ ٱلسَّمَآءِ": "مِنْ" يجُوزُ أن تكون لابتداء الغاية، وأن تكون للتبعيض، وأن تكون لبيان الجنس، ولا بُدَّ على هذين الوجهين من مضاف محذوف، أي: من أهل السَّماء، قوله: "أمْ" المنقطعة؛ لأنَّهُ لم تتقدَّمها همزةُ استفهام ولا تسوية، ولكن إنَّما تُقدَّر هنا بـ "بل" وحدها، دون الهمزة، وقد تقرَّر أنَّ المنقطعة عند الجمهور تُقدَّر بهما، وإنما لم تتقدَّر هنا بـ "بل" والهمزة؛ لأنَّها وقع بعدها اسم استفهام صريح، وهو "مَنْ"، فهو كقوله - تعالى -: {أية : أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [النمل:84]، والإضرابُ هنا على القاعدةِ المقررة في القرآن، أنه إضرابُ انتقالٍ، لا إضرابُ إبطالٍ. قوله: {وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ}. قيل: يخرج الإنسان من النطفة، والطائر من البيضة، {وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ}: يخرج النُّطفة والبيضة من الإنسان، والطَّائر، وقيل: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، ثم قال: {وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} وهذا كلام كليٌّ؛ لأنَّ تدبير أقسام الله في العالم العُلويِّ، والسُّفلي أمور لا نهاية لها، وذكرها كالمُتعذِّر، فلمَّا ذكر بعض تلك التفاصيل؛ عقَّبها بالكلام الكلِّي ليدلَّ على الباقي، ثم بيَّن أنَّ الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام -، إذا سألهم عن مُدَبِّر هذه الأمور، فسيقولون هو الله، وهذا يدلُّ على أنَّ المخاطبين بهذا الكلام، كانُوا يعرفون الله تعالى، ويقرون به، وهم الذين قالوا في عبادتهم الأصنام: إنَّها تُقربنا إلى الله زُلْفَى، وأنَّهم شفعاؤنا عند الله، وكانوا يعلمُون أنَّ هذه الأصنام، لا تنفع ولا تضرُّ، فعند ذلك قال لرسوله: {فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} الشرك مع هذا الإقرار، وقيل: أفلا تخافون عقابه في شِرْكِكُم؟. قوله: {فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ} الذي يفعل هذه الأشياء، هو ربُّكم الحقُّ. قوله: {فَمَاذَا بَعْدَ} يجوز أن يكون "مَاذَا" كلُّه اسماً واحداً؛ لتركُّبهما، وغُلِّب الاستفهامُ على اسم الإشارة، وصار معنى الاستفهام هنا النَّفْيَ، ولذلك أوجب بعده بـ "إلاَّ"، ويجوز أن يكون "ذَا" موصولاً بمعنى: "الَّذي"، والاستفهام أيضاً بمعنى: النَّفْي؛ والتقدير: ما الذي بعد الحقِّ إلاَّ الضَّلال؟. وإذا ثبت أنَّ الله هو الحقُّ، وجب أن يكون ما سواه ضلالاً، أي: باطلاً؛ لأنَّ النَّقيضين يمتنع أن يكونا حقَّين، وأن يكونا باطلين، فإذا كان أحدهما حقّاً، وجب كون ما سواه باطلاً، ثم قال {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} أي: كيف تَعْدلُون عن عبادته، وأنتُم مُقِرُّون بذلك. قال الجُبَّائي: دلَّت هذه الآية على بطلان قول المُجبِّرة: أنَّه - تعالى - يصرف الكُفَّار عن الإيمان؛ لأنَّه لو كان كذلك، لما جاز أن يقول {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} كما لا يقول إذا عمي أحدهم إني عميتُ، وسيأتي جوابه. فصل المعنى: أنَّ الذي يفعل هذه الأشياء، هو ربُّكم الحقُّ، لا ما أشركتُم معه. قال بعضُ المتقدِّمين: ظاهرُ هذه الآية، يدلُّ على أنَّ ما بعد الله، هو الضلالُ؛ لأنَّ أوَّلها {فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ}، وآخرها {فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} فهذا في الإيمان، والكفر ليس في الأعمال، وقال بعضهم: إنَّ الكفر تغطية الحقِّ، وكل ما كان غير الحقِّ، جرى هذا المجرى، فالحرام ضلالٌ، والمُبَاحُ هُدًى، فإن الله هو المبيحُ، والمحرِّم. فصل قال القرطبي: "رُوي عن مالك، في قوله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} قال اللَّعبُ بالشطرنج والنَّرد من الضلال، وسئل مالكٌ: عن الرَّجُل يلعبُ في بيته، مع امرأته بأربعة عشرة، فقال: ما يُعْجِبني، ليس من شأن المُؤمن، قال - تعالى -: {فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ}، وسئل مالكٌ: عن اللَّعبِ بالشطرنج، فقال: لا خَيْرَ فيه وهو من الباطل، واللَّعبُ كلُّه من الباطل". وقال الشَّافعيُّ: "لاعب الشطرنج، وغيره - إذا لم يكن على وجه القمار - لا تُرَدّ شهادتهُ إذا كان عدْلاً، ولمْ تظهرْ منه ريبةٌ، ولا كبيرةٌ، فإن لعب بها قُماراً، وكان معروفاً بذلك، سقطت عدالتُهُ، لأكله المال بالباطل، وقال أبُو حنيفة: "يُكرَه اللعب بالشطرنج، والنَّرد، والأربعة عشر، وكل اللَّهْو فإن لم تظهر من اللاَّعب بها كبيرةٌ، وكانت مساوئه قليلة، قُبلتْ شهادته". قال ابن العربي: "قال الشَّافعية: إنَّ الشطرنج يخالف النَّرد، لأنَّ فيه إكدار الفكر، واستعمال القريحة، وأمَّا النَّرْد: فلا يعلم ما يخرجُ له، فهو كالاستقسام بالأزلام". وأنَّ النَّرد هو الذي يعرفُ بالباطل، ويعرف في الجاهليَّة بالأزلام، ويعرف أيضاً بالنَّردشير، وروي أنَّ ابن عمر، مرَّ بغلمان يعلبُون بالكجَّة، وهي حُفَر فيها حصى، يلعبُون بها، فسدَّها ابنُ عمر، ونهاهم عنها. ذكر الهروي في باب الكاف مع الجيم، في حديث ابن عبَّاس: في كل شيءٍ قمار، حتى في لعب الصبيان بالكُجَّةِ، وقال ابن الأعرابي: "الكجَّة هي: أنْ يأخذ الصبيُّ خرقةً، فيدورها كأنَّها كُرةً ثم يتقامرُون بها". قوله: "كَذَلِكَ حَقَّتْ": الكافُ في محلِّ نصبٍ، نعتاً لمصدرٍ محذوف، والإشارةُ بذلك إلى المصدر المفهوم من "تُصْرَفُون"، أي: مثل صَرْفِهم عن الحقِّ، بعد الإقرار به، في قوله - تعالى -: {فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ}، وقيل إشارةٌ إلى الحقِّ. قال الزمخشري: "كذلك: مثل ذلك الحقِّ حقَّت كلمةُ ربِّك". قوله: {أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنَّها في محلِّ رفع؛ بدلاً من "كَلِمةُ"، أي: حقَّ عليهم انتفاءُ الإيمان. الثاني: أنَّها في محلِّ رفعٍ، خبراً لمبتدأ محذوف، أي: الأمر عدمُ إيمانهم. الثالث: أنَّها في محلِّ نصب، بعد إسقاطِ الحرف الجارِّ. الرابع: أنَّها في محلِّ جرٍّ، على إعماله محذوفاً، إذ الأصل: لأنَّهم لا يُؤمِنُون. قال الزمخشري: "أو أراد بالكلمة، العِدَة بالعذاب، و {أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} تعليلٌ، أي: لأنَّهم"، وهذا إنباء على مذهبهم. وقرأ أبو عمرو، وابن كثير، والكوفيون: "كَلِمَات" بالجمع، وكذا في آخر السورة [يونس:96]، وتقدَّم ذلك في الأنعام، وقرأ ابنُ أبي عبلة: "إَِنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ" بكسر "إنَّ" على الاستئناف، وفيها معنى التَّعليل، وهذا يُقَوِّي الوجه الصَّائر إلى التَّعليل. فصل احتجَّ أهل السنة بهذه الآية: على أنَّ الكفر بقضاء الله، وإرادته، لأنه - تعالى - أخبر عنهم قطعاً أنَّهم لا يؤمنون، فلو آمنوا، لكان إمَّا أن يبقى ذلك الخبر صدقاً، أو لا، والأوَّل باطلٍ؛ لأنَّ الخبر بأنَّه لا يؤمن، يمتنع أن يبقى صدقاً حال ما يُوجد الإيمان. والثاني باطلٌ؛ لأنَّ انقلاب خبر الله - تعالى - كذباً محالٌ، فثبت أنَّ صدور الإيمان منهم محالٌ، والمحالُ لا يكون مراداً، فثبت أنَّه - تعالى - ما أراد الإيمان من هذا الكافر، وأنَّه أرادَ الكُفْر منه. ثم نقول إن كان قوله: {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} يدلُّ على صحَّة مذهب القدريَّة، فهذه الآيةُ الموضوعة بجنبه تدلُّ على فساده، وقد كان الواجبُ على الجُبَّائيِّ مع قوة خاطره، حين استدلَّ بتلك الآية على صحَّة قوله، أن يذكُر هذه الحجَّة، ويجيب عنها حتى يحصل مقصوده، والمراد بـ "الكلمة": حكمةُ السَّابق على الذينَ فَسَقُوا، أي: كفرُوا.

ابو السعود

تفسير : {قُلْ} أي لأولئك المشركين الذين حُكيت أحوالُهم وبـيّن ما يؤدي إليه أعمالُهم احتجاجاً على حقية التوحيدِ وبُطلانِ ما هم عليه من الإشراك {مَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ} أي منهما جميعاً فإن الأرزاقَ تحصُل بأسباب سماوية وموادَّ أرضيةٍ أو من كل واحدة منهما توسعةً عليكم وقيل: مِنْ لبـيان كلمة مَنْ على حذف المضافِ أي مِنْ أهل السماء والأرض {أَم مَّنْ يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَـٰرَ} أم منقطعةٌ وما فيها من كلمة بل للإضراب عن الاستفهام الأولِ لكن لا على طريقة الإبطالِ بل على وجه الانتقالِ وصرفِ الكلام عنه إلى استفهام آخرَ تنبـيهاً على كفايته فيما هو المقصودُ، أي من يستطيع خلقَهما وتسويتَهما على هذه الفطرةِ العجبـيةِ أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتها وسرعة انفعالِهما من أدنى شيءٍ يصيبهما {وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيّتَ مِنَ ٱلْحَىّ} أي ومن يحيـي ويميت أو ومن ينشىء الحيوانَ من النطفة والنطفةَ من الحيوان {وَمَن يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ} أي ومن يلي تدبـيرَ أمرِ العالم جميعاً، وهو تعميمٌ بعد تخصيصِ بعضِ ما اندرج تحته من الأمور الظاهرةِ بالذكر {فَسَيَقُولُونَ} بلا تلعثم ولا تأخير {ٱللَّهِ} إذ لا مجال للمكابرة لغاية وضوحِه، والخبرُ محذوف أي الله يفعل ما ذكر من الأفاعيل لا غيرُه. {فَقُلْ} عند ذلك تبكيتاً لهم {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} الهمزةُ لإنكار عدمِ الاتقاء بمعنى إنكارِ الواقع كما في أتضرب أباك؟ لا بمعنى إنكار الوقوع في أأضربُ أبـي؟ والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه النظمُ الكريمُ أي أتعلمون ذلك فلا تقون أنفسَكم عذابَه الذي ذَكر لكم بما تتعاطَونه من إشراككم به ما لا يشاركه في شيء مما ذُكر من خواصّ الإلٰهية.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} [الآية: 31]. قيل: أى تقلب الأكوان. قال الواسطى رحمة الله عليه: من يبدئ أمره ويعيده، ويبديه فى أوقاته السائرة، فإذا قال: من يدبر الأمر أزال الأملاك، فكيف يجوز لقائل أن يقول: فعلى وعملى.

القشيري

تفسير : كما تَوَحَّد الحقُّ - سبحانه - بكونه خالقاً تَفَرَّدَ بكونه رازقاً، وكما لا خالِقَ سواه فلا رازقَ سواه. ثم الرزق على أقسام: فللأشباح رزق: وهو لقوم توفيق الطاعات، ولآخرين خذلان الزَّلات. وللأرواح رزق: وهو لقومٍ حقائق الوصلة، ولآخرين - في الدنيا - الغفلة وفي الآخرة العذاب والمهلة. {أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ}: فيكمل بعض الأبصار بالتوحيد، وبعضها يعميها عن التحقيق. {وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ}: يخرج المؤمنَ من الكافر، والكافرَ من المؤمن. {فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ}: ولكنْ ظَنَّا...لا عن بصيرة، ونَطْقاً..لا عن تصديق سريرة.

اسماعيل حقي

تفسير : {وضل عنهم ما كانوا يفترون} ان للشركاء اثرا فى القربة والشفاعة انتهى ما فى التأويلات النجمية. {قل} للمشركين احتجاجا على حقيقة التوحيد وبطلان الشرك {من يرزقكم} [كيست كه شمارا روزى ميدهد] {من السماء} [از آسمانكه باران مى باراند] {والارض} [واز زمين كه كياه مى روياند] {أم من} ام منقطعة لانه لم يتقدمها همزة استفهام ولا همزة تسوية وتقدر هنا ببل وحده دون الهمزة بعدها كما فى سائر المواضع لانها وقع بعدها اسم استفهام صريح وهو من فلا حاجة الى الهمزة وبل اضراب انتقال من الاستفهام الاول الى استفهام آخر لا اضراب ابطال اذ ليس فى القرآن ذلك. والمعنى بالفارسية [آيا كيست كه] {يملك السمع والابصار} اى يستطيع خلقهما وتسويتهما على هذه الفطرة العجيبة او من يحفظهما من الآفات مع كثرتها وسرعة انفعالهما من ادنى شيء يصيبهما. وكان على رضى الله عنه يقول سبحان من بصر بشحم واسمع بعظم وانطق بلحم ولما كانت حاجة الانسان الى السمع والبصر اكثر من حاجته الى الكلام خلق الله له اذنين وعينين ولسانا واحدا {ومن يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى} اى من ينشئ الحيوان من النطفة والنطفة من الحيوان وكذا من يخرج الطائر من البيضة ويخرج البيضة من الطائر {ومن يدبر الامر} اى امر جميع العالم علويا كان او سفليا روحانيا او جسمانيا {فسيقولون} بلا تأخير {الله} يفعل ما ذكر من الافاعيل لا غيره اذ لا مجال للمكابرة لغاية وضوحه {فقل} عند ذلك تبكيتا لهم {أفلا تتقون} اى أتعلمون ذلك فلا تتقون عقابه باشراككم به الاصنام

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلاله: {قل} لهم: {من يرزقُكُم من السماء} بإنزال الأمطار، وإنبات الحبوب، فإن الأرزاق تحْصل بأسباب سماوية ومواد أرضية، أو من كل واحد منهما؛ توسعة عليكم، أو من السماء لأهل التوكل، {و} من {الأرض} لأهل الأسباب. وقل لهم أيضاً: {أمَّن يملك السمعَ والأبصارَ} أي: من يستطيع خلقهما وتسويتهما، أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتهما، وسرعة انفعالهما من أدنى شيء، أو مَن أمرهُما بيده، إن شاء ذهب بهما؟ وقل لهم أيضاً: {ومن} يقدر أن {يُخرج الحيَّ من الميت ويخرجُ الميت من الحيَّ}، فيخرج الحيوان من النطفة من الحيوان؟ وهكذا. وقل لهم أيضاً: {ومن يُدبَّرُ الأَمرَ} أي: ومن يلي تدبير العالم، من عرشه إلى فرشه؟ وهو تعميم بعد تخصيص، {فسيقولون الله}، لا محيص لهم عن الإقرار بسواه؛ إذ لا يقدرون على المكابرة والعناد في ذلك؛ لفرط وضوحُه. {فقل أفلا تتقون} عقاب الله وغضبه؟ بسبب إشراككم معه ما لا يشاركه في شيء من ذلك، {فذلكم الله ربكم الحقُّ} أي: المتولي لهذه الأمور هو ربكم، الذي يستحق أن تعبدوه، الثابت ربوبيته، لأنه هو الذي أنشأكم وأحياكم ورزقكم ودبر أموركم، دون من تعبدوه، الثابت ربوبيته، لأنه هو الذي أنشأكم وأحياكم ورزقكم ودبر أموركم، دون من تعبدونه من الأوثان. {فماذا بعد الحقِّ إلا الضلال} أي: ليس بعد الحق إلا الضلال، فمن تخطى الحق ـ الذي هو عبادة الله ـ وقع في الضلال. قال ابن عطية: حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والضلال منزلة ثالثة في هذه المسألة ـ التي هي توحيد الله تعالى ـ وكذلك هو الأمر في نظائرها، وهي مسائل الأصول التي الحقّ فيها في طرف واحد، لأن الكلام فيها إنما هو في تقرير وجود ذات كيف هي، وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال تعالى فيها: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً}تفسير : [المائدة: 48]. هـ. {فأَنَّى تُصرَفُون} عن الحق إلى الضلال. {كذلك حقت كلمة ربك من الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون} أي: كما حق الحق في الاعتقادات؛ {كذلك حقتْ} أي: وجبت وثبتت ـ {كلمةُ ربك} في اللوح المحفوظ {أنهم لا يؤمنون}، وذلك في قوم مخوصين. قال البيضاوي: أي: كما حقت الربوبية لله، أو أن الحق بعده الضلال، أو أنهم مصروفون عن الحق، كذلك حقت كلمة الله وحكمه، {على الذين فسقوا}: تمردوا في كفرهم، وخرجوا عن حد الإصلاح {أنهم لا يؤمنون}، وهو بدل من الكلمة، أو تعليل لها، والمراد بها العِدَة بالعذاب. وقرأ نافع وابن عامر: "كلمات" بالجمع هنا، وفي آخر السورة، وفي غافر. هـ. الإشارة: قل من يرزقكم من سماء الأرواح علوم الأسرار والحقائق. ومن أرض النفوس علوم الشرائع والطرائق؟ أمَّن يملك السمع والابصار فيصرفهما إلى سماع الوعظ والتذكار، ونظر التفكر والاعتبار؛ ليلتحق صاحبهما بالمقربين والأبرار، وقدَّم السمع لأنه أنفع لإيصال النفع إلى القلب من البصر. أم من يخرج الحي من الميت، فيخرج العارف من الجاهل، والذاكر من الغافل، أو يخرج القلب الحي من الميت؛ بحيث يحييه بالمعرفة بعد الجهل؟ ومن يدبر الأمر لخواص عباده؟ أي: تدبيراً خاصاً، بحيث يقوم لهم بتدبير شؤونهم، حيث لم يدبروا معه. فمن لم يدبر دبر له، فالفاعل لهذه الأمور هو الحق المنفرد بالوجود، فكل ما سواه باطل، كما قال القائل: شعر : ألا كُلُّ شَيءٍ مَا خَلاَ اللًّه بَاطِلُ وَكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحَالَةَ زَائِلُ تفسير : قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَصْدَقُ كَلِمَةُ قَالَها الشاعِرُ كَلَِمَةُ لَبيدٍ: أَلا كُلُ شيءٍ..."تفسير : الخ. فكل من صُرف عن شهود الحق إلى نظر السِّوى فهو في ضلال. قال تعالى: {فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون}، لكن من حقت عليه كلمة الشقاء لا يُؤمن بأهل الفناء والبقاء، فلا يزال في تعب وشقاء؛ إذ لا طريق إلى شهود الحق وإفراده بالوجود إلا بصحبة أهل الفناء والبقاء، الموصوفين بالكرم والجود، واعلم أن كل من لم يصل إلى مقام الشهود، فهو ضال عندهم في مذهبهم، وبالله التوفيق. ثم ذكر عجز آلهتهم، احتجاجاً عليهم، فقال: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}.

الطوسي

تفسير : أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهؤلاء الكفار وغيرهم من خلقه {من يرزقكم من السماء} بانزال المطر والغيث، ومن الارض باخراج النبات وانواع الثمار. والرزق العطاء الجاري يقال: رزق السلطان الجند، الا ان كل رزق، فالله رازق به، لانه لو لم يطلقه على يد الانسان لم يجئ منه شيء. والواحد منا يرزق غيره إلا أنه لا يطلق اسم رازق إلا على الله، كما لا يقال: (ربّ) بالاطلاق إلا في الله وفي غيره يقيد، فيقال رب الدار ورب الفرس. ويطلق فيه، لأنه يملك الجميع غير مملك، وكذلك هو تعالى رازق الجميع غير مرزوق، ولا يجوز أن يخلق الله حيواناً يريد تبقيته إلا ويرزقه، لانه إذا أراد بقاءه فلا بدّ له من الغذاء، فان لم يرد تبقيته كالذي يولد ميتاً فانه لا رزق له في الدنيا. وقوله {أم من يملك السمع والأبصار} يعني من الذي له التصرف فيها بلا مانع يمنعه منها وان شاء اصحها وان شاء امرضها. و {من يخرج الحي من الميت} معناه من الذي يخلق الحيوان ويخرجه من امه حياً سوّياً اذا ماتت أمه {ويخرج الميت من الحي} يعني من يخرجه غير تام ولا بالغ حدّ الكمال. وقيل: معناه انه يخرج الحي من النطفة، وهي ميتة ويخرج النطفة من الحي. وقيل: يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. و {من يدبر الأمر} اي ومن الذي يدبر جميع الامور في السما والأرض؟ وليس جواب ذلك لمن انصف ولم يكابر الا ان يقول: الله الفاعل لجميع ذلك. واذا قالوا ذلك واعترفوا به قيل لهم {أفلا تتقون} ومعناه فهلا تتقون خلافه وتحذرون معاصيه؟ وفي الاية دلالة على التوحيد؛ لأن ما ذكره في الاية يوجب أن المدبر واحد ولا يجوز أن يقع ذلك إتفاقاً، لاحالة العقل ذلك، ولا يجوز أن يقع بالطبيعة؛ لأنها في حكم الموات لو كانت معقولة، فلم يبق بعد ذلك إلا ان الفاعل لذلك قادر عالم يدبره على ما يشاء، وهو الله تعالى، مع ان الطبيعة مدَّبرة - مفعولة - فكيف تكون هي المدَّبرة. وإنما دخلت (أم) على (من) لأن (من) ليست أصل الاستفهام بل أصله الألف، فلذلك جاز الجمع بينهما.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} بالرّزق الانسانىّ {وَٱلأَرْضِ} بالرّزق الحيوانىّ او بكليهما باعداد كليهما {أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ} اقتصر على المدارك الجزئيّة المحسوسة ومنها على اشرفها وانفعها للانسان اعنى السّمع والبصر افادة لمملوكيّة غيرها بالطّريق الاولى والمراد بمالكيّته تعالى لها كونها تحت قدرته بحيث لا مدخليّة لاحد غيره فيها فيعطى ويمنع ويأخذ ويبقى ويجعل سليماً ومأوفا وقويّاً وضعيفاً ما يشاء منها لمن يشاء {وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ} والمراد باخراج الحىّ اعمّ من اخراج الحيوان من مادّته الميتة وانشاء النّفس الحيّة بالّذات من البدن الميتة واخراجها منه بالموت او بالنّوم واخراج المؤمن الّذى هو حىّ بالحياة الانسانيّة من الكافر الّذى هو ميّت عنها واخراج المثال الصّاعد من عالم الطّبع وهكذا اخراج الميّت من الحىّ {وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} قد مضى تفسير هذه الكلمة فى اوّل السّورة {فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ} الفاء زائدة والجملة جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ او الفاء جواب شرط محذوف او خالصة للسبيّة {فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} توبيخاً لهم او امراً لهم بالتّقوى بعد اقرارهم يكون الكلّ بقدرته.

الأعقم

تفسير : {قل من يرزقكم من السماء والأرض} منهما جميعاً فمن السماء المطر، ومن الأرض النبات والحبوب والفواكه {أم من يملك السمع والأبصار} أي من يستطيع خلقهما وتسويتهما {ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي}، قيل: النطفة من الإِنسان والإِنسان من النطفة، وقيل: من يحييكم إذا كنتم أحياء ومن يميتكم إذا متّم {ومن يدبر الأمر} في السماء والأرض بين الليل والنهار والاحياء والإماتة واختلاف أحوال السنة {فسيقولون الله} أي هو الله تعالى يفعل ما يشاء {فقل} يا محمد {أفلا تتقون} عقابه في شرككم {فذلكم الله ربكم} يعني فاعل هذه الأشياء ربكم خالقكم {الحق} تحق له العبادة وحده، وقيل: كل حق من جهته {فماذا بعد الحق إلا الضلال} أي قد ثبت أن توحيده وعبادته هو الحق وما بعد ذلك باطل وضلال، قوله تعالى: {فأنى تصرفون}، قيل: فأين يذهب بكم عن الحق، يعني فأنى تصرفون عن الحق إلى الضلال، وعن التوحيد إلى الشرك، وعن السعادة إلى الشقاوة {كذلك حقّت كلمة ربك} أي كلمة العذاب، وقيل: كلمة الوعيد، وقيل: حكمه {على الذين فسقوا} وخرجوا عن الايمان {إنهم لا يؤمنون} {قل هل من شركائكم} التي جعلتموها شركاء في العبادة {من يبدؤ الخلق} أي يخلقهم ابتداء على غير مثال وهي النشأة الأولى {ثم يعيده} في النشأة الثانية فإذا ثبت بالدليل أن الشركاء لا يقدرون عليها وأنه تعالى هو القادر {فأنى تؤفكون} يعني كيف تصرفون عن الحق {قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق} يعني من آلهتكم التي تعبدونها {أمّن لا يهدي} نفسه ولا يهدي غيره {إلا أن يهدى} أي إلا أن يهديه الله تعالى، وقيل: المراد به الملائكة والجن لأنهم يهتدون إذا هداهم غيرهم، وقيل: المراد به الرؤساء والمضلون الذين يدعون إلى الكفر، وقيل: أراد المسيح وعزير، وقيل: هم الأصنام، وقيل: معنى لا يهدي لا يمشي إلاَّ أن يحمل ولا ينتقل إلاَّ أن ينقل، قال الشاعر: شعر : حيث يهدي ساقه قدمه تفسير : أولا يهدي ولا يصح منه الاهتداء إلا أن ينقله الله من حاله إلى أن يجعله حيواناً مكلفاً يهديه، قوله تعالى: {فما لكم كيف تحكمون} بالباطل حيث تزعمون أنهم أندادٌ له {وما يتبع أكثرهم} في قولهم الأصنام أنها آلهة وأنهم شفعاء عند الله تعالى {إلا ظنَّاً} الباطل الذي لا حقيقة له {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه} وهو ما يقدمه من الكتب المنزلة لأنه معجز، قوله: {وتفصيل الكتاب} وتبيين ما فرض وكتب من الأحكام والشرائع.

اطفيش

تفسير : {قلْ مَنْ يرْزقُكُم} استفهام تقرير {مِنَ السَّماءِ والأرْضِ} أى من مجموعها، فإن الرزِّق يتحصل بأسباب سماوية، كالماء وحرارة الشمس، والمواد الأرضية كالقوة المنبتة، وكآلات الحديد المتخذة فيها للحرث، وكالنبات الذى تأكله الأنعام والوحش، وتأكلونها، أو المعنى: قل من بلغ من لطفه وسعة رحمته، أن أفاض عليكم الرزق من السماء ومن الأرض كلتيهما لا من إحداهما فقط، ومن على الوجهين للابتداء، وقيل: بتقدير مضاف، أى من يرزقكم من أهل السماء والأرض، فتكون من للبيان متعلقة بمحذوف حال من المستتر فى يرزق، ولا إشكال فى هذا خلافاً لمن توهم. ويكتب: {قل من يرزقكم} إلى: {أفلا تتقون} فى ورقة طومار، وحرز عليها خرقة زرقاء، وعلقها على عضده تسهلت عليه أسباب الرزق، وفى قشر قرع حلو، وعلقها على عضد المرأة اليمنى فتسهل ولادتها، وفى قصبة بماء كراث قبطى، ويمحوه بعسل منزوع الرغوة، ويعقده على النار، ويقطر منه فى الأذن الوجيعة ثلاث قطرات فتبرأ إن شاء الله. {أمَّنْ يملكُ السَّمعَ} أل للاستغراق، أى الأسماع والأبصار، أى من يستطيع خلقها كما هى، أو من يحفظها مع كثرتها وطول الزمان، وتضررها بأدنى شئ، أو من هى فى قبضته يبقيها لمن شاء، ويذهبها عمن شاء {ومَنْ يُخْرجُ الحىَّ} كالإنسان والأنعام والطير والنبات {مِنَ الميِّتِ} كالنطفة والبيضة، والأرض والحبة {ويُخْرجُ الميِّتَ} كالنطفة والبيضة، والأرض والحبة {مِنَ الحىِّ} كالإنسان والأنعام والطير، بل البيضة أيضا من النطفة، قال الحسن: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، وهو ضعيف عندى، لا يقبله السياق، لأنه لا يليق به قوله: {فسيقولون الله} لأنهم لا يقرون أن الإيمان كالحياة، والكفر كالموت. {ومَنْ يُدبِّر الأمْرَ} من يحكم أمور الخلق كلها، ويعلم عاقبتها، ويوجدها على مصلحة واستقامة، وهذا عموم بعد خصوص {فسَيقُولونَ} فاعل ذلك كله {اللهُ} لا غيره، إذ لا يمكنهم العناد فى ذلك، والفاء للاستئناف أو لعطف الأخبار على الطلب، وهو قل، والأول أولى {فقُلْ} جواب لمحذوف، أى إذ قالوا ذلك فقل لهم {أفلا تتَّقونَ} الفاء عاطفة على قولهم: فاعل ذلك هو الله، والهمزة من جملة المعطوف، تقدمت على العاطف، أو الفاء عاطفة على مقدر بعد الهمزة، أى أتقرون بذلك فلا تتقون، والمراد اتقاء ما يوجب سخط الله وعقابه من شرك ومعصية.

اطفيش

تفسير : {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} أَىْ يجمع لكم الرزق، منهما يحصله منهما معاً لا من واحد فقط فإِن الطعام بالماءِ وبالأَرض، فالإِنسان يشرب الماءَ ويعمل الطعام به، والطعام بالنبات بالماءِ والحيوان بالنبات والماءِ، وأَيضاً النبات باختلاف الفصول حرارة وبرداً وتوسطاً وحرارة الشمس والقمر والأَرض بحرارتها شتاءً وبردها صيفاً، ويجوز أَن يكون أَن لكم رزقاً من السماءِ وهو الماءُ ورزقاً من الأَرض، ومن للابتداءِ، ويجوز أَن يكون المعنى من يرزقكم من أَهل السماءِ أَو من أَهل الأَرض فمن للبيان والمراد بأَهل السماءِ والأَرض غير الله، فإِنه لا يجوز أَن يكون فيهما بل فى كل موضع بعلمه وقدرته وتصرفه والاستفهام للتقرير ويصح للإِنكار، أَى لا رازق لكم من أَهلهما، وعلى فرض وصف أَنه من أَهلهما باعتبار ملكه إِياهما فكأَنهم قالوا يرزقنا الله لا غيره منهما، والآية رد على القدرية أَن الحلال رزق من الله تعالى والحرام يرزقه الإِنسان نفسه، فإِن الحرام أَيضاً رزق من الله تعالى يعاقب الإِنسان على تناوله {أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ} أَى محال السمع وهى الأُذن ومحال البصر وهى الأَبصار أَى العيون والسمع بمعنى الأَسماع بفتح الهمزة، ويجوز أَن يكون معناه إِدراك الصوت فيقدر وبصر الأَبصار أَى من يملك إِدراك الأَصوات ونظر الأَبصار فيقدر مضاف، وكان عليّ يقول: سبحان من أَبصر بشحم وأَسمع بعظم وأَنطق بلحم. ويجوز تفسير الملك باستطاعة خلق السمع والبصر وتسويتهما أَو بالحفظ من الآفات مع سرعة تأَثرهما بالفساد بأَدْنى شىءٍ، وملك الشىءٍ سبب للتصرف فيه بلا يعجز عن التصرف والحفظ له وقوله: أَم من يملك السمع والأَبصار أَعم معنى من قولك أَم من يملك خلق السمع والأَبصار أَو حفظ السمع والأَبصار، وإِفراد السمع لفظاً لانفراد متعلقه وهو الأَصوات بخلاف البصر وأَخواتهما، أَو لأَنه مصدر وأَم منقطعة بمعنى الإِضراب الانتقالى بلا استفهام لوجوده بمن بعدها {وَمَنْ يُخْرِجُ الحَىَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَىِّ} الحيوان من النطفة ومن البيضة ومن الماءِ ومن العفونة الميتات، والنطفة وما فى البيضة وهما ميتات من الحى، وكذا الحيوان إذا مات فهو ميت خرج من حى هو نفسه قبل الموت فلا يخرج عند ذلك ما مات بعد خروجه من ميت وهو جميع الحيوانات والملائكة من ميت، وهو النور والتسبيح وإِبليس من ميت هو النار، بل الملائِكة حيوان بلا طعام ولا شراب ولا منهما والحيوانات خلقت من طعام وشراب ويصدق الميت على الوسائِط كالطعام والنطفة والعلقة والمضغة واللحم والعظم فكل ذلك ميتات، وفسر بعضهم الآية بالمؤمن من الكافر والعكس، وليس بظاهر لأَن الآية سيقت وعظاً للمشركين وهم لا يعتبرون ذلك، والآية شاملة للميت بلا تقدم حياة كالمتعفن الذى هو من تراب أَو وسخ إِذا تولد منه شىءٌ. {وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ} فى كل مخلوق وبين الخلائِق الأَجسام والأَعراض ما مضى وما حضر فى الدنيا وما قبلها وفى الآخرة وما يأْتى وهذا تعميم بعد تخصيص، ومعنى تدبير الأَمر تحصيله على حسن العاقبة أَو تحصيل أَسبابه وإِيجادها لا تفكر منه والقول به إِشراك لأَنه تضمن جهلا وعجزاً حاشاه، وهذه خمسة أَسئِلة جوابها منهم كما قال {فَسَيَقُولُونَ اللهُ} ويأْتى سؤال سادس وسابع وجوابهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعليم الله عز وجل له لعدم قدرتهم عليه، وجواب الثامن لم يذكر، وإِن جعلنا من يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى واحداً كانت سبعة، والله خبر لمحذوف تقديره فاعل ذلك كله الله، أَو هو الله أَو نحو ذلك، إذ لا يتمكنون من أَن يقولوا فعل ذلك غيره لظهوره وإِقرارهم به قديما وحديثاً {فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أَى أَتمهلون أَنفسكم فلا تتقون عقابه إِذا كان هو الفاعل لذلك وتتركون عبادة من لا يقدر على شىءٍ.

الالوسي

تفسير : {قُلْ} أي لأولئك المشركين الذين حكيت أحوالهم وبين ما يؤدي إليه أفعالهم التي هي أفعى لهم احتجاجاً على حقية التوحيد وبطلان ما هم عليه من الإشراك. {مَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَآء وَٱلأَرْضِ} أي منهما جميعاً فإن الأرزاق تحصل بأسباب سماوية كالمطر وحرارة الشمس المنضجة وغير ذلك ومواد أرضية والأولى بمنزلة الفاعل والثانية بمنزلة القابل أو من كل واحد منهما بالاستقلال كالأمطار والمن والأغذية الأرضية توسعة عليكم ـ فمن ـ على هذا لابتداء الغاية، وقيل: هي لبيان من على تقدير المضاف، وقيل: تبعيضية على ذلك التقدير أي من أهل السماء والأرض {أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَـٰرَ} (أم) منقطعة بمعنى بل والإضراب انتقالي لا إبطالي وفيه تنبيه على كفاية هذا الاستفهام فيما هو المقصود أي من يستطيع خلقهما وتسويتهما على هذه الفطرة العجيبة ومن وقف على تشريحهما وقف على ما يبهر العقول أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتها وسرعة انفعالهما عن أدنى شيء يصيبهما أو من يتصرف بهما إذهاباً وإبقاء، والملك على كل مجاز، قيل: والمعنى الأول أوفق لنظم الخالقية مع الرازقية كقوله تعالى: {أية : هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ}تفسير : [فاطر: 3]. {وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ} أي ومن ينشىء الحيوان من النطفة مثلا والنطفة من الحيوان أو من يحيـي أو يميت بأن يكون المراد بالإخراج التحصيل من قولهم: الخارج كذا أي الحاصل أي من يحصل الحي من الميت بأن يفيض عليه الحياة ويحصل الميت من الحي بأن يفيض عليه الموت ويسلب عنه الحياة والمآل ما علمت، ومن الناس من فسر الحي والميت هنا بالمؤمن والكافر والأول أولى {وَمَن يُدَبّرُ ٱلاْمْرَ} أي ومن يلي تدبير أمر العالم جميعاً وهو تعميم بعد تخصيص ما اندرج تحته من الأمور الظاهرة بالذكر، وفيه إشارة إلى أن الكل منه سبحانه وإليه وأنه لا يمكنكم علم تفاصيله. {فَسَيَقُولُونَ} / بلا تلعثم ولا تأخير {ٱللَّهِ} إذ لا مجال للمكابرة والعناد في شيء من ذلك لغاية وضوحه، والاسم الجليل مبتدأ والخبر محذوف أي الله يفعل ما ذكر من الأفاعيل لا غيره {هَـٰذَا} وربما يستدل بالآية على تقدير أن لا تكون {مِنْ} لابتداء الغاية على جواز أن يقال الله سبحانه انه من أهل السماء والأرض، وكون المراد هناك غير الله تعالى لا يناسب الجواب ومن لم ير الجواز تعني ومن رآه بناء على ظواهر الآيات المفيدة لكونه تعالى في السماء وقوله صلى الله عليه وسلم في الجارية التي أشارت إلى السماء حين قيل لها: اين الله؟ «حديث : أعتقها فإنها مؤمنة» تفسير : وإقراره حصيناً حين قال له عليه الصلاة والسلام: «حديث : كم تعبد يا حصين؟ فقال: سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء فقال صلى الله عليه وسلم: فمن الذي أعددته لرغبتك ورهبتك؟ فقال حصين: الإله الذي في السماء»تفسير : أبقى الآية على ما يقتضيه ظاهرها. وأنت تعلم إنه لم يرد صريحاً كونه تعالى من أهل السماء والأرض وان ورد كونه جل وعلا في السماء على المعنى اللائق بجلاله جل جلاله فلا أرى جواز ذلك، ولا داعي لإخراج {مِنْ} عن ابتداء الغاية ليحتاج إلى العناية في رد الاستدلال كما لا يخفى. وفي «الانتصاف» ((أن هذه الآية كافحة لوجوه القدرية الزاعمين أن الارزاق منقسمة فمنها ما رزقه الله تعالى للعبد وهو الحلال ومنها ما رزقه العبد لنفسه وهو الحرام فهي ناعية عليهم هذا الشرك الخفي لو سمعوا {أية : أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ}تفسير : [يونس: 42] وكذا فيما قيل تكفح في وجوه أناس يزعمون أن الذي يدبر الأمر في كل عصر قطبه وهو عماد السماء عندهم ولولاه لوقعت على الأرض فكأني بك إذا سألتهم من يدبر الأمر يقولون القطب، وقد يعتذر عنهم بأن مرادهم أنه المدبر بإذن الله تعالى وجاء اطلاق المدبر بهذا المعنى على غيره تعالى في قوله سبحانه: {أية : فَٱلْمُدَبِّرٰتِ أَمْراً} تفسير : [النازعات: 5]. وربما يقال إنه لا فرق عندهم بين الله تعالى وبين القطب إلا بالاعتبار لأنه الذي فاز بقربـي النوافل والفرائض على أتم وجه فارتفعت الغيرية، فالقول بأن القطب هو المدبر كالقول بأن الله سبحانه هو المدبر بلا فرق. واعترض هذا بأنه ذهاب إلى القول بوحدة الوجود وأكثر المتكلمين وبعض الصوفية كالإمام الرباني قدس سره ينكرون ذلك، والأول بأنه هلا قال المشركون في جواب ذلك: الملائكة أو عيسى عليهم السلام مثلا على معنى أنهم المدبرون للأمر بإذن الله تعالى فيكون المذكورون عندهم بمنزلة الأقطاب عند أولئك، وأجيب بأن السؤال إنما هو عمن ينتهي إليه الأمر فلا يتسنى لهم إلا الجواب المذكور، ولعل غير أهل الوحدة لو سئلوا كذلك ما عدلوا في الجواب عنه سبحانه، وأما أهل الوحدة قدس الله تعالى أسرارهم فلهم كلمات لا يقولها المشركون وهي لعمري فوق طور العقل ولذا أنكرها أهل الظاهر عليهم. {فَقُلْ} لهم {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} الهمزة لإنكار عدم الاتقاء بمعنى إنكار الواقع كما في قولك: أتضرب إياك لا بمعنى إنكار الوقوع كما في قولك: أأضرب أبـي، والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه النظم الكريم أي أتعلمون ذلك فلا تتقون، والخلاف في مثل هذا التركيب شهير وما ذكرناه هو ما عليه البعض، ومفعول {تَتَّقُونَ} محذوف وهو متعد لواحد أي أفلا تتقون عذابه الذي لكم بما تتعاطونه من إشراككم به سبحانه ما لا يشاركه في شيء مما ذكر من خواص الأولوهية، وكلام القاضي يوهم أنه متعد إلى مفعولين وليس بذاك.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من غرض إلى غرض في أفانين إبطال الشرك وإثبات توحد الله تعالى بالإلهية. وهذه الجملة تتنزل منزلة الاستدلال لقوله: {أية : مولاهم الحق}تفسير : [يونس: 30] لأنها برهان على أنه المستحق للولاية. فاحتج على ذلك بمواهب الرزق الذي به قوام الحياة، وبموهبة الحواس، وبنظام التناسل والتوالد الذي به بقاء الأنواع، وبتدبير نظام العالم وتقدير المقدرات، فهذه كلها مواهب من الله وهم كانوا يعلمون أن جميع ما ذكر لا يفعله إلا الله إذ لم يكونوا ينسبون إلى أصنامهم هذه الأمور، فلا جرم أن كان المختص بها هو مستحق الولاية والإلهية. والاستفهام تقريري. وجاء الاستدلال بطريقة الاستفهام والجوابِ لأن ذلك في صورة الحوار، فيكون الدليل الحاصل به أوقع في نفوس السامعين، ولذلك كان من طرق التعليم مما يراد رسوخه من القواعد العلمية أن يؤتى به في صورة السؤال والجواب. وقوله: {من السماء والأرض} تذكير بأحوال الرزق؛ ليكون أقوى حضوراً في الذهن، فالرزق من السماء المطر، والرزق من الأرض النبات كله من حب وثمر وكلأ. و(أم) في قوله: {أم من يملك السمع} للإضراب الانتقالي من استفهام إلى آخر. ومعنى: {يملك السمع والأبصار} يملك التصرف فيهما، وهو مِلك إيجاد تينك الحاستين وذلك استدلال وتذكير بأنفع صنع وأدقه. وأفرد {السمع} لأنه مصدر فهو دال على الجنس الموجود في جميع حواس الناس. وأما {الأبصار} فجيء به جمعاً لأنه اسم، فهو ليس نصاً في إفادة العموم لاحتمال توهم بصر مخصوص فكان الجمع أدل على قصد العموم وأنفى لاحتمال العهد ونحوه بخلاف قوله: {أية : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً}تفسير : [الإسراء: 36] لأن المراد الواحد لكل مخاطب بقوله: {أية : ولا تقفُ ما ليس لك به علم}تفسير : [الإسراء: 36]. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم}تفسير : في سورة [الأنعام: 46]. وإخراجُ الحي من الميت: هو تولد أطفال الحيوان من النطف ومن البَيْض؛ فالنطفة أو البيضة تكون لا حياة فيها ثم تتطور إلى الشكل القابل للحياة ثم تكون فيها الحياة. و(مِن) في قوله: {مِن الميت} للابتداء. وإخراج الميت من الحي إخراج النطفةِ والبيضِ من الحيوان. والتعريف في {الحي} و{الميت} في المرتين تعريف الجنس. وقد نظم هذا الاستدلال على ذلك الصنع العجيب بأسلوب الأحاجي والألغاز وجعل بمحسن التضاد، كل ذلك لزيادة التعجيب منه. وقد تقدم الكلام على نظيره في قوله: {أية : وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي}تفسير : في سورة [آل عمران: 27]. غير أن ما هنا ليس فيه رمز إلى شيء. وقوله: {ومن يدبر الأمر} تقدم القول في نظيره في أوائل هذه السورة. وهو هنا تعميم بعد تخصيص ذكر ما فيه مزيد عبرة في أنفسهم كالعِبرة في قوله: {أية : وفي أنفسكم أفلا تبصرون وفي السماء رزقكم وما توعدون}تفسير : [الذاريات: 21، 22]. والفاء في قوله: {فسيقولون الله} فاء السببية التي من شأنها أن تقترن بجواب الشرط إذا كان غير صالح لمباشرة أداة الشرط، وذلك أنه قصد تسبب قولهم: {اللّهُ} على السؤال المأمور به النبيءُ عليه الصلاة والسلام، فنزل فعل {قل} منزلة الشرط فكأنه قيل: إن تَقل من يرزقكم من السماء والأرض فسيقولون الله، ومنه قوله تعالى: {أية : قل كونوا حجارة أو حديداً أو خلقاً مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا}تفسير : [الإسراء: 50، 51]. وهذا الاستعمال نظير تنزيل الأمر من القول منزلة الشرط في جزم الفعل المقول بتنزيله منزلة جواب الشرط كقوله تعالى: {أية : قل لعباديَ الذين آمنوا يقيمُوا الصلاة}تفسير : [إبراهيم: 31] وقوله: {أية : وقل لعبادِي يقولوا التي هي أحسن}تفسير : [الإسراء: 53]. التقدير: إن تقل لهم أقيموا الصلاة يقيموا وإن تقل لهم قولوا التي هي أحسن يقولوا. وهو كثير في القرآن على رأي المحققين من النحاة وعادة المعربين أن يُخَرّجوه على حذف شرط مقدر دل عليه الكلام. والرأيان متقاربان إلا أن ما سلكه المحققون تقدير معنى والتقدير عندهم اعتبار لا استعمال، وما سلكه المعربون تقدير إعراب والمقدر عندهم كالمذكور. ولو لم ينزل الأمر بمنزلة الشرط لما جَاءت الفاء كما في قوله تعالى: {أية : قل لِمَن الأرضُ ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله}تفسير : [المؤمنون: 84، 85] الآيات. والفاء في قوله: {فقل} فاء الفصيحة، أي إن قالوا ذلك فقل أفلا تتقون. والفاء في قوله: {أفلا تتقون} فاء التفريع، أي يتفرع على اعترافكم بأنه الفاعل الواحد إنكار عدم التقوى عليكم. ومفعول {تتقون} محذوف، تقديره تتقونه، أي بتنزيهه عن الشريك. وإنما أخبر الله عنهم بأنهم سيعترفون بأن الرازق والخالق والمدبر هو الله لأنهم لم يكونوا يعتقدون غير ذلك كما تكرر الإخبار بذلك عنهم في آيات كثيرة من القرآن. وفيه تحدّ لهم فإنهم لو استطاعوا لأنكروا أن يكون ما نسب إليهم صحيحاً، ولكن خوفهم عار الكذب صرفهم عن ذلك فلذلك قامتْ عليهم الحجة بقوله: {فقل أفلا تتقون}.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} إلى قوله: {فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ}. صرح الله تعالى في هذه الآية الكريمة، بأن الكفار يقرون بأنه جل وعلا، هو ربهم الرزاق المدير للأمور المتصرف في ملكه بما يشاء، وهو صريح في اعترافهم بربوبيته، ومع هذا أشركوا به جل وعلا. والآيات الدالة على أن المشركين مقرون بربوبيته جل وعلا. ولم ينفعهم ذلك لإشراكهم معه غيره في حقوقه جل وعلا كثيرة، كقوله: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّه}تفسير : [الزخرف: 87] وقوله: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيم} تفسير : [الزخرف: 9] وقوله: {أية : قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}تفسير : [المؤمنون: 84] {أية : سَيَقُولُونَ لِلَّهِ}تفسير : [المؤمنون: 85] إلى قوله: {أية : فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 89] إلى غير ذلك من الآيات، ولذا قال تعالى: {أية : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} تفسير : [يوسف: 106]. والآيات المذكورة صريحة في أن الاعتراف بربوبيته جل وعلا، لا يكفي في الدخول في دين الإسلام إلا بتحقيق معنى لا إله إلا الله نفياً وإثباتاً، وقد أوضحناه في سورة "الفاتحة" في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ} تفسير : [الفاتحة: 5]. أما تجاهل فرعون لعنه الله لربوبيته جل وعلا، في قوله: {أية : قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 23] فإنه تجاهل عارف لأنه عبد مربوب، كما دل عليه قوله تعالى: {أية : قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ} تفسير : [الإسراء: 102] الآية: وقوله: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّا}تفسير : [النمل: 14].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 31- ادع - أيها الرسول - إلى التوحيد الخالص، وقل: مَنْ الذى يأتيكم بالرزق من السماء بإنزال المطر، ومن الأرض بإخراج النبات والثمر؟ ومَن الذى يمنحكم السمع والأبصار؟ ومن يخرج الحى من الميت كالنبات وهو حى من الأرض وهى موات؟ ومن يخرج الميت من الحى كالإنسان يسلب عنه الحياة؟ ومن الذى يُدَبِّر ويصرف جميع أمور العالم كله بقدرته وحكمته؟ فسيعترفون - لا مناص - بأن الله - وحده - فاعل هذا كله. فقل لهم - أيها الرسول - عند اعترافهم بذلك: أليس الواجب المؤكد أن تذعنوا للحق وتخافوا الله مالك الملك. 32- فذلكم الله الذى أقررتم به، هو - وحده - ربكم الذى تحققت ربوبيته، ووجبت عبادته دون سواه، وليس بعد الحق من توحيد الله وعبادته إلا الوقوع فى الضلال، وهو الإشراك بالله وعبادة غيره. فكيف تنصرفون عن الحق إلى الباطل؟. 33- كما تحققت ألوهية الله ووجبت عبادته، حق قضاؤه على الذين خرجوا عن أمر الله متمردين بأنهم لا يذعنون للحق، لأن الله تعالى لا يهدى إلى الحق إلا من سلك طريقه، لا من تمرد عليه. 34- قل - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين: هل من معبوداتكم - التى جعلتموها شركاء لله - مَنْ يستطيع أن ينشئ الخلق ابتداء، ثم يعيده بعد فنائه؟ إنهم سيعجزون عن الجواب، فقل لهم حينئذ: الله - وحده - هو الذى ينشئ الخلق من عدم، ثم يعيده بعد فنائه، فكيف تنصرفون عن الإيمان به؟

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: من السماء: أي بالغيث والمطر. والأرض: أي بالنبات والحبوب والثمار. أمَّن يملك السمع والأبصار: أي يملك أسماعكم وأبصاركم إن شاء أبقاها لكم وإن شاء سلبها منكم. ومن يخرج الحي من الميت: أي الجسم الحي من جسم ميت والعكس كذلك. ومن يدبر الأمر: أي أمر الخلائق كلها بالحياة والموت والصحة والمرض والعطاء والمنع. أفلا تتقون: أي الله فلا تشركوا به شيئاً ولا تعصوه في أمره ونهيه. فأنى تصرفون: أي كيف تصرفون عن الحق بعد معرفته والحق هو أنه لا إله إلا الله. حقت: أي وجبت. أنهم لا يؤمنون: وذلك لبلوغهم حداً لا يتمكنون معه من التوبة البتة. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير عقيدة التوحيد فيقول تعالى لرسوله {قُلْ} يا رسولنا لأولئك المشركين مستفهما إياهم {مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} بإنزال المطر وبانبات الحبوب والثمار والفواكهة والخضر التي ترزقونها، وقل لهم {أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ} أي أسماعكم وأبصاركم بحيث إن شاء أبقاها لكم وأمتعكم بها، وإن شاء أخذها منكم وسلبكم إياها فأنتم عمي لا تبصرون وصم لا تسمعون {وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} كالفرخ من البيضة {وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ} كالبيضة من الدجاجة، والنخلة من النواة، والنواة من النخلة. {وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} في السماء والأرض كتعاقب الليل والنهار ونزول الأمطار، وكالحياة والموت والغنى والفقر والحرب والسلم والصحة والمرض إلى غير ذلك مما هو من مظاهر التدبير الإِلهي في الكون. {فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ}، إذ لا جواب لهم إلا هذا إذاً فما دام الله هو الذي يفعل هذا ويقدر عليه دون غيره كيف لا يُتَّقى عز وجل بتوحيده وعدم الإِشراك به، فلم لا تتقونه؟ وقوله تعالى {فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ} أي فذلكم الذي يرزقكم من السماء والأرض ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويدبر الأمر هو ربكم الحق الذي لا رب لكم سواه إذاً {فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} أي كيف يصرفون عن الحق بعد معرفته إلى الضلال؟ إنه أمر يدعو إلى الاستغراب والتعجب!. وقوله تعالى {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوۤاْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي مثل ذلك الصرف الذي يصرفه المشركون عن الحق بعد معرفته إلى الضلال أي كما حق ذلك حقت كلمة ربك وهي أن الله لا يهدي القوم الفاسقين فهم لا يهتدون، وذلك أن العبد إذا توغل في الشر والفساد بالإِدمان والاستمرار عليه يبلغ حداً لا يتأتىَّ له الرجوع منه والخروج بحال فهلك على فسقه لتحق عليه كلمة العذاب وهي {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 85]. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- مشركوا العرب كانوا يشركون في الألوهية ويوحدون في الربوبية. 2- وليس بنافع أن يوحد العبد في الربوبية ويشرك في الألوهية. 3- ليس بعد الحق إلا الضلال فلا واسطة بينهما فمن لم يكن على حق فهو على ضلال. 4- التوغل في الشر والفساد يصبح طبعاً لصاحبه فلا يخرج منه حتى يهلك به.

القطان

تفسير : فأنى تصرفون: كيف تعدلون عن عبادة الله. انى تؤفكون: كيف تُصرفون وتعدِلون عن عبادة الله. بعد عرضِ يوم الحشر وما فيه، وكيف تُكشَف الأعمال وتَسقُط الدعاوي والأباطيل، يؤكد الله هنا قدرته، وأنه مالكُ كلّ شيءٍ، يدبر الأمر في هذا الكون، ويسأل: كيف بعد هذا كله يعدِلون عن عبادته!!. {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ}. قل لهم أيها الرسول: من الذي يأتيكم بالرِزقِ من السماء بإنزال المطر، ومن الأرضِ بما تُنبته من شتّى أنواع النبات والثمر؟ من الذي يمنحُكم السمعَ والبصرَ، وانتم بدونها لا تدرون شيئا!! وقد خصّ هاتين الحاسّتين، لأنهما أهم الحواس. {وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ}. من ذا الذي بيده أمرُ الموت والحياة، فيخرج النباتَ الحيَّ من الأرض الميتة، ويُخرِج الميِّتَ من الحيّ فيما تعرِفون من المخلوقات وما لا تعرفون!؟. {وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ}. من الذي يصرّف جميع أمور هذا الكون بقدرته وحكمته؟. وهم يجيبون عن هذه الأسئلة الخمسة بأن فاعلَ هذا كلّهِ هو الله وحدَه، فقل لهم ايها الرسول: إذنْ، أفلا تخافونه وتتقون سخطه وعذابه، وتتركون عبادة غيره وترجعون اليه!! {فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ}. ان المتّصف بكل تلك الصفاتِ السالفة هو الله المربّي لكم بِنِعمه والمدبّر لأموركم، وهو الحقُ الثابت بذاتِه، والذي تجب عبادتُه دون سواه. ليس بعد الحق من توحيد الله وعبادته الا الضلال، وهو الشِرك بالله وعبادة غيره، فكيف تتحوّلون عن الحقّ الى الباطل!؟ {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوۤاْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. كما تحقّقت ألوهيةُ الله ووجبتْ عبادتُه، حقَّ قضاؤه على الذين خرجوا وتمردوا على أمرِه، بأنهم لا يؤمنون.. لأن الله تعالى لا يهدي إلى الحقّ إلاّ من سلَكَ طريقه المستقيم. قراءات: قرأ نافع وابن عامر: "حقت كلماتُ ربك" بالجمع، والباقون: "كلمة" كما هو في المصحف. ثم أقام الله الحجَّةَ على حقيقة التوحيد وبطلانِ الشرك بما هو من خصائصه تعالى من بدء الخلق واعادته فقال سبحانه: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ}. قل لهم أيها الرسول: هل مِن معبوداتِكم مَن يستطيعُ أن ينشئ الخلقَ ثم يعيدُه بعد فنائه؟ سيعجِزون عن الجواب، فقل لهم: اللهُ وحدّه يفعل ذلك، فكيف تنصرفون عن الحق الواضح والايمان بالله!!

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلأَبْصَارَ} {أَمَّن} (31) - اسْأَلِ المُشْرِكِينَ يَا مُحَمَّدُ: مَنِ الذِي يُنْزِلُ المَطَرَ مِنَ السَّمَاءِ فَيَشُقُّ الأَرْضَ شَقّاً بِقُدْرَتِهِ وَمَشِئَتِهِ، وَيُخْرِجُ لَكُمُ الزرُوعَ وَالفَواكِهَ وَالنَّبَاتَ مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَِنْعَامِكُمْ؟ وَمَنِ الذِي وَهَبَكُمْ قُوَّةَ السَّمعِ وَالإِبْصَارِ، وَلَوْ شَاءَ لَذَهَبَ بِهَا، وَلَسَلَبَكُمْ إِيَّاهَا؟ وَمَنْ هُوَ الذِي يُخْرِجُ بِقُدْرَتِهِ العَظِيمَةِ، وَمنَّتِهِ الكُبْرى، الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ، وَالمَيِّتَ مِنَ الحَيِّ؟ وَمَنْ هُوَ الذِي يَتَوَلَّى تَدْبِيرَ أَمْرِ الخَلِيقَةِ جَمِيعاً بِمَا أَوْدَعَهُ فِي كُلٍّ مِنْهَا مِنَ السُّنَن، وَبِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ، وَهُوَ المُتَصَرِّفُ وَالحَاكِمُ المُطْلَقُ فِي الكَوْنِ كُلِّهِ، لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ؟ إِنَّهُمْ بِلاَ شَكٍّ سَيَعْتَرِفُونَ أَنَّهُ اللهُ وَحْدَهُ، وَهُمْ يَعِلَمُونَ ذَلِكَ، فَقُلْ لَهُمْ: أَفَلاَ تَخَافُونَ عِقَابَهُ أَنْ تَعْبُدُوا مَعَهُ آلِهَةً غَيْرَهُ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: أن الحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: اسألهم هذا السؤال، ولا يسأل هذا السؤال إلا مَنْ يثق في أن المسئول لو أدار في ذهنه كل الأجوبة، فلن يجد جواباً غير ما عند السائل. ومثال ذلك من حياتنا - والله المثل الأعلى - إن جاء لك من يقول: أبي يهملني، فتمسك به، وتسأله: من جاء لك بهذه الملابس وذلك القلم ويُطعمك ويُعلِّمك؟ سيقول لك: أبي. وأنت لا تسأله هذا السؤال إلا وأنت واثق أنه لو أدار كل الأجوبة فلن يجد جواباً إلا الذي تتوقعه منه، فليس عنده إجابة أخرى؛ لأنك لو كنت تعرف أنه سوف يجيبك إجابة مختلفة لما سألته فكأنك ارتضيت حكمه هو في المسألة. والحق سبحانه وتعالى قال في بداية هذه الآية الكريمة: {قُلْ} كما أنزل عليه مثيلاتها مما بُدىء بقوله سبحانه: {قُلْ} مثل قوله سبحانه: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}تفسير : [الصمد: 1]. وهذا ما اقتضاه خطاب الحق سبحانه دائماً للخَلْق، ويختلف عن خطاب الخَلْق للخَلْق، فحين تقول لابنك: "اذهب إلى عمِّك، وقُلْ له كذا". فالابن يذهب إلى العمِّ ويقول له منطوق رسالة الأب، دون أن يقول له: "قُلْ"، أما خطاب الحق سبحانه للخلق، فقد شاء سبحانه أن يبلِّغنا به رسوله الله صلى الله عليه وسلم كما نزل {قُلْ} فالرسول صلى الله عليه وسلم أمين في البلاغ عن الله تعالى، لا يترك كلمة واحدة من الوحي دون أن يبلِّغها للبشر، وما دام الحق سبحانه وتعالى هو الذي أمره، فهو يبلغ ما أمِرَ، حتى لا يحرم آذان خلق الله تعالى من كل لفظ صدر عن الله سبحانه. وكذلك أمر الحق - سبحانه - هنا لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول: {مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ..} [يونس: 31]. ونحن نعلم أن الرزق هو ما يُنتفع به، والانتفاع الأول مُقوِّم حياة، والثاني تَرَفٌ أو كماليات حياة، والرزق الذي هو أصل الحياة هو ماء ينزل من السماء، ونبات يخرج من الأرض. وهكذا قال الحق سبحانه السؤال والإجابة معروفة مقدَّماً، فلم يَقُلْ لرسوله صلى الله عليه وسلم: "أجِب أنت" بل ترك لهم أن يجيبوا بأنفسهم. وكذلك جاء الحق سبحانه بسؤال آخر: {أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ ..} [يونس: 31]. والسمع والبصر هما السيدان لملَكَات الإدراك؛ لأن إدراك المعلومات له وسائل متعددة، إنْ أردتَ أنْ تُدرك رائحة؛ فبأنفك، وإن أردتَ أنْ تدرك نعومة؛ فبلمسك وببشرتك، وإنْ أردتَ أن تدرك مذاق شيء فبلسانك، وإنْ أردت أن تتكلم فبأجهزة الكلام وعمدتها اللسان، وإنْ أردتَ أن تسمع فبأذنك. وكذلك تتجلَّى لك المرائي بعينيك، ثم تأتي إدراكات متعددة من الحواس؛ لتُكوِّن أشياء نسميها الخميرة، توجد منها القضية العقلية الأخيرة، فالطفل أمام النار يجد منظرها جميلاً جذاباً، لكن ما إن يلمسها حتى تلسعه؛ فلا يقرب منها أبداً من بعد ذلك؛ لأنه اختبرها بحواسه فارتكزت لديه القضية العقلية وهي أن هذه نار محرقة، واستقر هذا لديه يقيناً. وهكذا تكون الإدراكات الحسية إدراكات متعددة تصنع خميرة في النفس تتكون منها الإدراكات المعنوية. إذن: فوسائل العلم للكائن الحي هي الحواس، وهذه الحواس تعطي العقل معطيات تنغرز فيه لتستقر من بعد ذلك في الوجدان؛ فتصبح عقائد. إذن: فمراحل الإدراك هي: إدراك حسيٌّ، وتفكُّر عقليٌّ، فانتهاء عَقَدِيٌّ؛ ولذلك نسمِّي الدين عقيدة. أي: أنك عقدت الشيء في يقينك بصورة لا تحلُّه بعدها من جديد لتحلّله، فهذا يُسمى عقيدة. ولذلك حينما أراد الله - سبحانه وتعالى - أن يقصَّ علينا مراحل الإدراك في النفس الإنسانية؛ ليربي الإنسان معلوماته، قال الحق سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}تفسير : [النحل: 78]. لذلك يقال: "كما ولدته أمه"، أي: لم يُعْطَ القدرة على استخدام حواسِّه بعد، ثم يجعل له الحق سبحانه الحواس، ويجعله قادراً على استخدامها. ولم يذكر بقية الحواس، بل جاء بالسيدين، وهما السمع والبصر؛ لأن آيات الكون تحتاج إلى الرؤية، وإبلاغ الرسل يحتاج للسماع، وهما أهم آلتين في البلاغ، فأنت ترى بالعين آيات الكون ومعجزات الرسل، وتسمع البلاغ بمنهج الله سبحانه وتعالى من الرسل. وقد لفتنا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - إلى العجائب فقال: "اعجبوا لهذا الإنسان، ينظر بشحمٍ، ويتكلم بلَحْمٍ، ويسمع بعظمٍ، ويتنفس من خَرْمٍ". فالصوت يطرق عظمة الأذن، ويرنّ على طبلتها، ونرى بشحمة العين، وننطق بلحمة اللسان. وأضاف البعض: "ونشمْ بغضروف، ونلمس بجلد، ونفكر بعجين". فالإنسان يولد وكأن مخه قطعة من العجين التي تعمل في استقبال المعلومات من الكون وتخزينها فيه، وهي التي ستكون ركيزة لتشكيل الفؤاد من بعد ذلك. وجاء قول الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بوسيلتين من وسائل الإدراك، وترك بقية الوسائل الثلاث الأخرى الظاهرة، مع أن العلم الحديث حين تكلم عن وظائف الأعضاء، احتاط للأمر وقرر أن هذه الحواس هي الحواس الخمس الظاهرة. وهذا يعني أن هناك حواسّاً أخرى غير هذه سيكشف عنها، وهي حواس لم يكن القدماء يعرفونها، مثل حاسة البَيْنَ بَيْنَ، التي نفرق بها بين أنواع الأقمشة والأوراق وغيرها، وكثافة هذا النوع من ذاك، وهذه الحاسة توجد بين لمستين من إصبعين متقاربين. وكذلك حاسة العَضَل التي تزن ثقل الأشياء، وتعرف حين تحمل ثقلاً ما مدى الإجهاد الذي يسببه لك، وهل يختلف عن إجهاد حَمْل ثقلٍ آخر. وحين نظر العلماء في معاني الألفاظ قالوا: "النظائر حين تخالف فلا بد من علّة للمخالفة" فالسمع آلة إدراك، والبصر آلة إدراك، فلماذا قال الحق سبحانه في آلة الإدراك "السمع"، وقال في الآلة الثانية "الإبصار"؟، ولماذا جاء السمع بالإفراد، وجاء الإبصار بالجمع، ولم يأتْ بالاثنين على وتيرة واحدة؟ فنقول: إن المتكلم هو الله تعالى، وكل كلمة منه لها حكمة وموضوعة بميزان، وأنت حين تسمع، تسمع أي صوت قادم من أي مكان، لكنك بالعين ترى من جهة واحدة، فإنْ أردتَ أن ترى ما على يمينك فأنت تتجه بعينيك إلى اليمين، وإنْ أردت أن ترى ما خلفك، فأنت تغيِّر من وقفتك، فالأذن تسمع بدون عمل منك، لكن البصر يحتاج إلى عمليات متعددة؛ لترى ما تريد. وأيضاً فالسمع لا اختيار لك فيه، فأنت لا تستطيع أن تحجب أذنك عن سماع شيء، أما الإبصار فأنت تتحكم فيه بالحركة أو بإغلاق العين. وجاء الحق - سبحانه وتعالى - بالسمع أولاً؛ لأن الأذن هي أول وسيلة إدراك تؤدي مهمتها في الإنسان، أما العين فلا تبدأ في أداء مهمتها إلا من بعد ثلاثة أيام إلى عشرة أيام غالباً. وهنا يقول الحق سبحانه: {أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ ...} [يونس: 31]. والحق سبحانه يملكها؛ لأنه خالقها وهو القادر على أن يصونها، وهو القادر سبحانه على أن يُعَطِّلها، وقد أعطانا الحق مثالاً لهذا في القرآن فقال عن أصحاب الكهف: {أية : فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً}تفسير : [الكهف: 11]. فَعَطَّل الله سبحانه أسماعهم بأن ضرب على آذانهم، فذهبوا في نوم استمر ثلاثة قرون من الزمن وازدادوا تسعاً. كيف حدث هذا؟.. إن أقصى ما ينامه الإنسان العادي هو يوم وليلة، ولذلك عندما بعثهم الله تساءلوا فيما بينهم: {أية : قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ..}تفسير : [الكهف: 19]. ولكن هيئتهم لم تكن تدل على هذا، فإن شعورهم قد طالت جدّاً، بل إن لونها الأسود قد تبدل وأصبحوا شيباً وكهولاً، ولذلك قال الحق سبحانه: {أية : لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ..}تفسير : [الكهف: 18]. ونلحظ هنا ملحظاً يجب الانتباه إليه، ففي هذه الآية الكريمة يقول الحق سبحانه: {أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ ..} [يونس: 31]. بينما يقول في آية أخرى في سورة السجدة: {أية : وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ ..}تفسير : [السجدة: 9]. ولا بد أن ننتبه إلى الفارق بين "الخَلْق" و"الجَعْل"، و"الملْك"، فالخلق قد عرفنا أمره، وملكية كل شيء لله - تعالى - أمر مُلْزِمٌ في العقيدة، ومعروف، أما "الجَعْل"، فهو توجيه ما خلق إلى مهمته. فأنت تجعل الطين إبريقاً، والقماش جلباباً، هذا على المستوى البشري، أما الحق سبحانه وتعالى فقد خلق المادة أولاً، ثم جعل من المادة سمعاً وبصراً، وزاد من بعد ذلك {أَمَّن يَمْلِكُ}، فمن خَلَق هو الله تعالى، ومن جَعَلَ هو الله تعالى، ومن مَلَكَ هو الله تعالى. وهو سبحانه ينبهنا إلى ذلك، فالأشياء النافعة لابن آدم يخلقها الله سبحانه، ويجعلها، ثم يُملِّكها له. أما ذات الإنسان وأبعاضه من سمع وبصر وغيرهما وإن كانت قد خُلقت في الإنسان، وجُعلت له للانتفاع بها، ولكنها ستظل مِلْكاً لله، يبقيها على حالها، أو يخطفها أو يصيبها بآفة، أو يعطلها. إذن: فهي خُلقت لله، وجُعلت من الله، وتظل مملوكة لله، ويُصيِّرها كيف يشاء، فدقات القلب والحب والكراهية والأمور اللا إرادية التي تعمل لصالح الإنسان هي مملكة الله. والحق سبحانه - على سبيل المثال - جعل لكلِّ حيوان جلداً؛ ننتفع به وندبغه إلا جلدين اثنين: جلد الإنسان وجلد الخنزير، وقد حُرِّم استخدام جلد الإنسان؛ لكرامته عند خالقه، وحُرِّم استخدام جلد الخنزير؛ ليدُلَّ على حرمته ونجاسته. وعلينا أن ننتبه إلى أن الحق سبحانه قد خَلَقَ وجَعَلَ ومَلَكَ، ودليل ملكية الحق - سبحانه وتعالى - أنه حَرَّم الجنة على المُنتحِر؛ لأنه لا يأخذ الحياة إلا واهبُ الحياة، فأنت أيها الإنسان لستَ مِلْكَ نفسك. ولا عذر لأحد ما دام قد وصله هذا البلاغ، وعليه أن يستوعبه أما من لا يستوعب؛ فيلقى مصيره. لذلك فإنه سبحانه هو الذي رزق، وهو - سبحانه - الذي يملك. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ ..} [يونس: 31]. ونحن نعلم أن لكل كائن في الوجود حياة تناسبه، بدليل قول الحق سبحانه: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ..}تفسير : [القصص: 88]. وما دام كل شيء سيأتي له وقت يهلك فيه، فمعنى ذلك أن لكل شيء حياة، إلا أن حياتنا نحن في ظاهر الأمر عبارة عن الحس والحركة، والإنسان يأكل الخضروات والخبز والفاكهة، ومن هذه المأكولات وغيرها يكوِّن الجسمُ الحيوانات المنوية في الرجل، والبويضات في المرأة، ومنهما يأتي الإنسان، وكذلك يخرج الكتكوت من البيضة المخصَّبة؛ لأن البيضة غير المخصبة لا تُخرِج كتكوتاً؛ فهي بدون حياة؛ ولذلك لا يتكون منها جنين، فهناك فرق بين قابلية الحياة، وبين الحياة نفسها. وكذلك نواة التمرة، إذا ما ألقيتْ دون أن توضع في الأرض، فلن تكون نخلة أبداً، ولكن إذا ما زُرعتْ في الأرض، ووجدت لها البيئة المناسبة؛ خرجَتْ نخلة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ ..} [يونس: 31]. والتدبير هو عملية الإدارة لأي شيء؛ حتى يؤدي مهمته، وبالله من يُدير قلبك؟ ومن يدير حركة أمعائك؟ لتستخلص من الطعام ما يفيدك، ثم تخرج ما لا يفيدك. إياك أن تقول: إنني أنا الذي أدير ذلك؟ ونقول: كنت طفلاً في مرحلة الطفولة، فهل كنت تدير حركة قلبك أو أمعائك؟ ومَنْ الذي يدير حركة رئتيك؟ إن الذي يديرها هو خالقها؛ لذلك اطمئنوا على حركة أجهزتكم التي لا دخل لكم فيها؛ لأن الذي خلقها فيكم قيُّوم لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يؤوده حفظ ذلك. ويجيب مَنْ يسألهم الرسول صلى الله عليه وسلم على كل تلك الأسئلة - بأمر الله تعالى - الإجابة التي حددها الله سبحانه سلفاً {فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ ..} [يونس: 31]. إذن: أما كان يجب أن نرهف الآذان، ونُعْمِل الأبصار؛ لنرى قدرة الله سبحانه الذي وهب لنا كل تلك النعم من رزق، وسمع، وبصر، وإحياء، وإماتة، وإحياء من ميت، وتدبير الأمر كله؟ أما كان يجب أن نقول: يا مَنْ خَلَقْتَنَا ماذا تنتظر مِنَّا؛ لنعمِّر الكون الذي أوجدتنا فيه؟ فكيف - إذن - يتجه البعض بالعبَادة لغير الله تعالى؛ لشمسٍ أو قمرٍ، أو ملائكة، أو نبيّ، أو صنمٍ؟ كيف ذلك والعبادة معناها إطاعة العابد للمعبود فيما يأمر به؟ وهل هناك إله بغير منهج يأمر به عباده، ومن عبد الشمس هل كَلَّفته بشيء؟.. لا. إذن: يتساوى عندها مَنْ عبدها، ومَنْ لم يعبدها، وفي هذا نقض لألوهية كل معبود غير الله تعالى. ولذلك يُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ ..} [يونس: 31]. فما دام الله سبحانه هو الذي خلق كل ذلك، وأنزل منهجاً، فعليكم أن تجعلوا بينكم وبينه وقاية؛ تحميكم من صفات الجلال، وتقرّبكم من آثار صفات الجمال وأن تسمعوا إلى البلاغ من الرسل عليهم السلام، وإلى مطلوباته سبحانه. وما دام كل إنسان سيجيب عن أسئلة هذه الآية، ويعترف أن الخالف سبحانه والمالك هو الله تعالى، فعلى الإنسان أن يقي نفسه النار. والعجيب أن الجميع يجيب بأن الله سبحانه هو الذي خَلَق، فالحق سبحانه يقول: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..}تفسير : [الزخرف: 87]. ويقول أيضاً: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..}تفسير : [لقمان: 25]. وما دام الله تعالى هو الذي خلق، ورزق، ودبَّر الأمر، فكيف تتركون عبادته وتتجهون لعبادة غيره؟ ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ...}.

الأندلسي

تفسير : {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم} الآية، لما بين فضائح عبدة الأوثان، أتبعها بذكر الدلائل على فساد مذهبهم بما يوبّخهم ويحجهم بما لا يمكن إلا الاعتراف به من حال رزقهم وحواسهم، وإظهار القدرة الباهرة في الموت والحياة، فبدأ بما فيه قوام حياتهم وهو الرزق الذي لا بد منه فمن السماء بالمطر ومن الأرض بالنبات. فمن لابتداء الغاية هُيّءَ الرزق بالعالم العلوي والعالم السفلي معاً لم يقتصر على جهة واحدة توسعة منه وإحساناً، ثم ذكر ملكه لهاتين الحاستين الشريفتين السمع والبصر الذي هو سبب مدارك الأشياء، والبصر الذي يرى ملكوت السماوات والأرض. ومعنى ملكهما أنه متصرف فيهما كما يشاء من إبقاء وحفظ وذهاب. {وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} تقدم تفسيره. {وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} شامل لما تقدم من الأشياء الأربعة المذكورة ولغيرها، والأمور التي يدبرها تعالى لا نهاية لها، فلذلك جاء بالأمر الكلي بعد تفصيل بعض الأمور واعترافهم بأنّ الرازق والمالك والمخرج والمدبر هو الله تعالى أمر لا يمكنهم إنكاره ولا المباهتة فيه. {فَذَلِكُمُ} إشارة إلى من اختص بهذه الأوصاف السابقة. {فَمَاذَا} استفهام معناه النفي، ولذلك دخلت إلاّ وصحبه التقرير والتوبيخ، كأنه قيل: ما بعد الحق إلا الضلال. وماذا: مبتدأ ركبت ذا مع ما فصار مجموعهما استفهام. كأنه قيل: أي شىء والخبر بعد الحق. {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} أي كيف يقع صرفكم بعد وضوح الحق وقيام حججه عن عبادة من يستحق العبادة، وكيف يشركون معه غيره وهو لا يشاركه في شىء من تلك الأوصاف. {كَذَلِكَ حَقَّتْ} الكاف: للتشبيه في موضع نصب. الإِشارة بذلك إلى المصدر المفهوم من تصرفون، أي مثل صرفهم عن الحق بعد الإِقرار به في قوله: فسيقولون الله. حق العذاب عليهم، أي جازاهم مثل أفعالهم. {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ} لما استفهم عن أشياء من صفات الله واعترفوا بها، ثم أنكر عليهم صرفهم عن الحق وعبادة الله تعالى، استفهم عن شىء هو سبب العبادة وهو إبداء الخلق وهم يسلمون ذلك لقوله: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [لقمان: 25، الزمر: 38] ليقولن الله، ثم إعادة الخلق وهم منكرون ذلك، لكنه عطف على ما يسلمونه ليعلم أنهما سواء بالنسبة إلى قدرة الله تعالى وأن ذلك لوضوحه وقيام برهانه قرن بما يسلمونه إذ لا يدفعه إلا مكابر إذ هو من الواضحات التي لا يختلف في إمكانها العقلاء. وجاء الشرع بوجوبه فوجب اعتقاده، ولما كانوا لمكابرتهم لا يقرون بذلك أمر تعالى نبيه عليه السلام أن يجيب فقال: {قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} وأبرز الجواب في جملة مبتدأة مصرح بجزأيها فعاد الخبر فيها مطابقاً لخبر اسم الاستفهام، وذلك تأكيد وتثبت ولما كان الاستفهام قبل هذا لا مندوحة لهم عن الاعتراف به، جاءت الجملة محذوفاً منها أحد جزأيها في قوله: فسيقولون الله ولم يحتج إلى التأكيد بتصريح جزأيها. ومعنى تؤفكون: تصرفون وتقلبون عن اتباع الحق. {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ} الآية، لما بين تعالى عجز أصنامهم عن الإِبداء والإِعادة اللذين هما من أقوى أسباب القدرة وأعظم دلائل الألوهية، بيّن عجزهم عن هذا النوع من صفات الإِله وهو الهداية للحق وإلى منهاج الصواب، وقد أعقب الخلق بالهداية في القرآن في مواضع فقال تعالى حكاية عن الكليم قال: {أية : رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}تفسير : [طه: 50]، فاستدل بالخلق والهداية على وجود الصانع وهما حالان للجسد والروح. وقرىء: لا يهدي مخففاً مضارع هدى ويهدّي بفتح الهاء وتشديد الدال، وأصله يهتدي نقلت حركة التاء إلى الهاء وأدغمت التاء في الدال. وقرىء: يهدي بكسر الهاء وتشديد الدال. وقرىء: بكسر الياء اتباعاً. بحركة الهاء وتشديد الدال يهدّي. {فَمَا لَكُمْ} استفهام ومعناه التعجيب والإِنكار أي: أيّ شىء لكم في اتخاذ هؤلاء الشركاء إذا كانوا عاجزين عن هداية أنفسهم فكيف يمكن أن يهدوا غيرهم. {كَيْفَ تَحْكُمُونَ} استفهام آخر، أي كيف تحكمون بالباطل وتجعلون لله أنداداً وشركاء، وهاتان جملتان: أنكر في الأولى وتعجب من اتباعهم من لا يهدي ولا يهتدي، وأنكر في الثانية حكمهم بالباطل وتسوية الأصنام برب العالمين. {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً} الظاهر أن أكثرهم على بابه لأن منهم من تبصر في الأصنام فرفضها كما قال بعضهم: شعر : أَرَبٌ يبول الثعلبانُ برأسه لقد هان من بالت عليه الثعالبَ تفسير : والمعنى ما يتبع أكثرهم في اعتقادهم في الله وفي صفاته إلا ظناً ليسوا متبصرين ولا مستندين فيه إلى برهان إنما ذلك شىء تلقوه من آبائهم. والظن في معرفة الله لا يغني من الحق شيئاً، أي من إدراك الحق ومعرفته على ما هو عليه، لأنه تجويز لا قطع.

الجيلاني

تفسير : {قُلْ} يا أكمل الرسل لمن أنكر توحيد الحق، واستقلاله في الآثار والتدبيرات الواقعة في الأقطار إلزاماً لهم وتبكيتاً: {مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} بإمطار الأمطار، وتصعيد البخار {وَٱلأَرْضِ} بالإنبات والإخراج {أَمَّن يَمْلِكُ} ويستطيع أن يخلق {ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ} اللتين هما من أعظم أسباب حفظكم وحضانتكم {وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ} الحيوان السوي {مِنَ ٱلْمَيِّتِ} أي: النطفة {وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ} أي: النطفة الجامدة من الحيوان {وَ} بالجملة: {مَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} في عالم الأسباب والمسببات {فَسَيَقُولُونَ} اضطراراً لغاية ظهوره ووضوحه، لا يمكنهم أن يكابروا: {ٱللَّهُ} المدبر لجميع الأمور الكائنة في الآفاق والأنفس؛ إذ من غاية ظهوره لا يعاندون، ولا يكابرون {فَقُلْ} لهم بعدما اعترفوا بالله المدبر لجميع الكوائن والفواسد؛ توبيخاً وتقريعاً: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} [يونس: 31] وتحذرون من بطشه وانتقامه، تشركون له ما لايسمع ولا يضر، ولا يغني من الحق شيئاً. {فَذَلِكُمُ} الذي اعترفتم به، هو {ٱللَّهُ} المتوحد، المستحق للألوهية والمعبودية؛ إذ هو{رَبُّكُمُ} أي: مربيكم ومدبر أمركم؛ لأنه {ٱلْحَقُّ} الثابت، الحقيق بالحقية {فَمَاذَا بَعْدَ} وحدة {ٱلْحَقِّ} مما اتخذتم آلهة ظلماً وزوراً {إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} الباطل {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} [يونس: 32] أي: فكيف تصرفون وترجعون إلى غيره من الأضلال الهالكة، وتنسبونها إلى الألوهية والربوبية. {كَذَلِكَ} أي: كما ثبت الربوبية والألوهية للحق سباحنه {حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} أي: ثبتت وتمت صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته {عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوۤاْ} أي: خرجوا من عبادة الله ظلماً وعدواناً {أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [يونس: 33] أي: لا يوقنون بالله، ولا يصلون إلى مرتبة التوحيد أصلاً، لا علماً ولا عيناً. {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل إلزاماً وتبكيتاً: {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ} أي: في وسعه وقدرتهم {مَّن يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ} أي: يوجده ثم يعدمه {ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} كما هو شأن الإله، المنفرد بالألوهية {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} [يونس: 34] أي: كيف تشكون وتصرفون عن جادة التوحيد بالميل إلى هؤلاء التماثيل الزائفة، العاطلة المعطلة. {قُلْ} لهم أيضاً تبكيتاً وإلزاماً: {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِيۤ إِلَى} طريق {ٱلْحَقِّ} وصراط مستقيم، موصل إلى توحيده، فإن بهتوا {قُلِ ٱللَّهُ} الهادي لعباده {يَهْدِي لِلْحَقِّ} وطريق توحيده من يشاء من عباده، ويوصله إلى مرتبة حق اليقين {أَفَمَن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ} أي: اليقين الحقي {أَحَقُّ} أي: أليق وأحرى {أَن يُتَّبَعَ} أي: يطاع ويقاد له {أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ} بنفقسه إلى شيء أصلاً {إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ} فاهتدا إن كان من أهل الاستهداء كبعض آلهتكم، مث عزير وعيسى {فَمَا} عرض ولحق {لَكُمْ} أيها العقلاء، والمعزولون عن مقتضى العقل {كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [يونس: 35] بألوهيتهم وشركتهم، مع أن بديهة العقل يأبى عن ذلك.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { قُلْ } لهؤلاء الذين أشركوا بالله، ما لم ينزل به سلطانًا - محتجًا عليهم بما أقروا به من توحيد الربوبية، على ما أنكروه من توحيد الألوهية- { مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ } بإنزال الأرزاق من السماء، وإخراج أنواعها من الأرض، وتيسير أسبابها فيها؟ { أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ } أي: من هو الذي خلقهما وهو مالكهما؟، وخصهما بالذكر من باب التنبيه على المفضول بالفاضل، ولكمال شرفهما ونفعهما. { وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ } كإخراج أنواع الأشجار والنبات من الحبوب والنوى، وإخراج المؤمن من الكافر، والطائر من البيضة، ونحو ذلك، { وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ } عكس هذه المذكورات، { وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ } في العالم العلوي والسفلي، وهذا شامل لجميع أنواع التدابير الإلهية، فإنك إذا سألتهم عن ذلك { فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ } لأنهم يعترفون بجميع ذلك، وأن الله لا شريك له في شيء من المذكورات. { فَقُلْ } لهم إلزامًا بالحجة { أَفَلا تَتَّقُونَ } الله فتخلصون له العبادة وحده لا شريك له، وتخلعون ما تعبدون من دونه من الأنداد والأوثان. { فَذَلِكُمُ } الذي وصف نفسه بما وصفها به { اللَّهُ رَبُّكُم } أي: المألوه المعبود المحمود، المربي جميع الخلق بالنعم وهو: { الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ }. فإنه تعالى المنفرد بالخلق والتدبير لجميع الأشياء، الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو، ذو الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العظيمة والجلال والإكرام. { فَأَنَّى تُصْرَفُونَ } عن عبادة من هذا وصفه، إلى عبادة الذي ليس له من وجوده إلا العدم، ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا. فليس له من الملك مثقال ذرة، ولا شركة له بوجه من الوجوه، ولا يشفع عند الله إلا بإذنه، فتبا لمن أشرك به، وويحًا لمن كفر به، لقد عدموا عقولهم، بعد أن عدموا أديانهم، بل فقدوا دنياهم وأخراهم. ولهذا قال تعالى عنهم: { كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } بعد ما أراهم الله من الآيات البينات والبراهين النيرات، ما فيه عبرة لأولي الألباب، وموعظة للمتقين وهدى للعالمين.