Verse. 1394 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

ہُنَالِكَ تَبْلُوْا كُلُّ نَفْسٍ مَّاۗ اَسْلَفَتْ وَرُدُّوْۗا اِلَى اللہِ مَوْلٰىھُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْھُمْ مَّا كَانُوْا يَفْتَرُوْنَ۝۳۰ۧ
Hunalika tabloo kullu nafsin ma aslafat waruddoo ila Allahi mawlahumu alhaqqi wadalla AAanhum ma kanoo yaftaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«هنالك» أي ذلك اليوم «تبلوا» من البلوى، وفي قراءة بتاءين من التلاوة «كل نفس ما أسلفت» قدمت من العمل «وردوا إلى الله مولاهم الحق» الثابت الدائم «وضل» غاب «عنهم ما كانوا يفترون» عليه من الشركاء.

30

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن هذه الآية كالتتمة لما قبلها. وقوله: {هُنَالِكَ } معناه: في ذلك المقام وفي ذلك الموقف أو يكون المراد في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان، وفي قوله: {تَبْلُواْ } مباحث: البحث الأول: قرأ حمزة والكسائي {تَتْلُواْ } بتاءين، وقرأ عاصم {نبلوكُلُّ نَفْسٍ } بالنون ونصب كل والباقون {تَبْلُواْ } بالتاء والباء. أما قراءة حمزة والكسائي فلها وجهان: الأول: أن يكون معنى قوله: {تَتْلُواْ } أي تتبع ما أسلفت، لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة وإلى طريق النار. الثاني: أن يكون المعنى: أن كل نفس تقرأ ما في صحيفتها من خير أو شر ومنه قوله تعالى: { أية : ٱقْرَأْ كَتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } تفسير : [الإسراء: 14] وقال: { أية : فَأُوْلَـئِكَ يَقْرَءونَ كِتَـٰبَهُمْ } تفسير : [الإسراء: 71] وأما قراءة عاصم فمعناها: أن الله تعالى يقول في ذلك الوقت نختبر كل نفس بسبب اختبار ما أسلفت من العمل، والمعنى: أنا نعرف حالها بمعرفة حال عملها، إن كان حسناً فهي سعيدة، وإن كان قبيحاً فهي شقية، والمعنى نفعل بها فعل المختبر، كقوله تعالى: { أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } تفسير : [الملك: 2] وأما القراءة المشهورة فمعناها: أن كل نفس نختبر أعمالها في ذلك الوقت. البحث الثاني: الابتلاء عبارة عن الاختبار قال تعالى: { أية : وَبَلَوْنَـٰهُمْ بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيّئَاتِ } تفسير : [الأعراف: 168] ويقال: البلاء ثم الابتلاء أي الاختبار ينبغي أن يكون قبل الابتلاء. ولقائل أن يقول: إن في ذلك الوقت تنكشف نتائج الأعمال وتظهر آثار الأفعال، فكيف يجوز تسمية حدوث العلم بالابتلاء؟ وجوابه: أن الابتلاء سبب لحدوث العلم، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز مشهور. وأما قوله: {وَرُدُّواْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقّ } فاعلم أن الرد عبارة عن صرف الشيء إلى الموضع الذي جاء منه، وههنا فيه احتمالات: الأول: أن يكون المراد من قوله: {وَرُدُّواْ إِلَى ٱللَّهِ } أي وردوا إلى حيث لا حكم إلا لله على ما تقدم من نظائره. والثاني: أن يكون المراد {وَرُدُّواْ } إلى ما يظهر لهم من الله من ثواب وعقاب، منبهاً بذلك على أن حكم الله بالثواب والعقاب لا يتغير. الثالث: أن يكون المراد من قوله: {وَرُدُّواْ إِلَى ٱللَّهِ } أي جعلوا ملجئين إلى الإقرار بإلهيته، بعد أن كانوا في الدنيا يعبدون غير الله تعالى، ولذلك قال: {مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقّ } أعني أعرضوا عن المولى الباطل ورجعوا إلى المولى الحق. وأما قوله: {مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقّ } فقد مر تفسيره في سورة الأنعام. وأما قوله: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } فالمراد أنهم كانوا يدعون فيما يعبدونه أنهم شفعاء وأن عبادتهم مقربة إلى الله تعالى، فنبه تعالى على أن ذلك يزول في الآخرة، ويعلمون أن ذلك باطل وافتراء واختلاق.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {هُنَالِكَ} في موضع نصب على الظرف. {تَبْلُواْ} أي في ذلك الوقت. «تبلو» أي تذوق. وقال الكَلْبِيّ: تعلم. مجاهد: تختبر. {كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ} أي جزاء ما عملت وقدّمت. وقيل: تسلم، أي تسلم ما عليها من الحقوق إلى أربابها بغير اختيارها. وقرأ حمزة والكسائيّ «تتلو» أي تقرأ كل نفس كتابها الذي كُتب عليها. وقيل: «تتلو» تتبع؛ أي تتبع كل نفس ما قدّمت في الدنيا؛ قاله السُّدِّي. ومنه قول الشاعر:شعر : إن المُرِيبَ يتبع المُرِيبَا كما رأيت الذِّيب يتلو الذِّيبا تفسير : قوله تعالى: {وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ} بالخفض على البدل أو الصفة. ويجوز نصب الحق من ثلاث جهات؛ يكون التقدير: وردوا حقاً، ثم جيء بالألف واللام. ويجوز أن يكون التقدير: مولاهم حقاً لا ما يعبدون من دونه. والوجه الثالث أن يكون مدحاً؛ أي أعني الحق. ويجوز أن يرفع «الحق»، ويكون المعنى مولاهم الحق ـ على الابتداء والخبر، والقطع مما قبل ـ لا ما يشركون من دونه. ووصف نفسه سبحانه بالحق لأن الحق منه كما وصف نفسه بالعدل لأن العدل منه؛ أي كل عدل وحق فمن قِبله، وقال ٱبن عباس: «مَوْلاَهُمُ بالْحَق» أي الذي يجازيهم بالحق. {وَضَلَّ عَنْهُمْ} أي بطل. {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} «يفترون» في موضع رفع وهو بمعنى المصدر، أي افتراؤهم. فإن قيل: كيف قال «وردوا إلى الله مولاهم الحق» وقد أخبر بأن الكافرين لا مولى لهم. قيل: ليس بمولاهم في النصرة والمعونة، وهو مولى لهم في الرزق وإدرار النعم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {هُنَالِكَ } أي ذلك اليوم {تَبْلُواْ } من البلوى. وفي قراءة (تتلو) بتاءين من التلاوة {كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ } قدّمت من العمل {وَرُدُّواْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَٰهُمُ ٱلْحَقِّ } الثابت الدائم {وَضَلَّ } غاب {عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } عليه من الشركاء.

ابن عبد السلام

تفسير : {تتلو} تقرأ كتاب الحسنات والسيئات، أو تتبع ما قدمته في الدنيا، أو تعاين جزاءه {تَبْلُواْ} تسلم لك نفس، أو تختبر {مَوْلاهُمُ} مالكهم {الْحَقِّ} لأن الحق منه كالعدل لأنه العدل منه.

البقاعي

تفسير : ولما أخبر عن حال المشركين، تشوفت النفس إلى الاطلاع على حال غيرهم فقال مستأنفاً مخبراً عن كِلا الفريقين: {هنالك} أي في ذلك الموقف من المكان والزمان العظيم الأهوال المتوالي الزلزال {تبلوا} أي تخبر وتخالط مخالطة مميلة محلية {كل نفس} طائعة وعاصية {مآ أسلفت} أي قدمت من العمل فيعرف هل كان خيراً أو شراً وهل كان يؤدي إلى سعادة أو شقاوة. ولما كان مطلق الرد - وهو صرف الشيء إلى الموضع الذي ابتدأ منه - كافياً في الرهبة لمن له اب، بُني للمفعول قوله: {وردوآ} أي بالبعث بالإحياء كما كانوا أولاً {إلى الله} أي الملك الأعظم {مولاهم الحق} فلم يكن لهم قدرة على قصدِ غيره ولا الالتفات إلى سواه من تلك الأباطيل، بل انقطع رجاءهم من كل ما كانوا يدعونه في الدنيا، وهو المراد بقوله: {وضَلَّ عنهم} أي بطل وذهب وضاع {ما كانوا} أي كوناً هو جبلة لهم {يفترون} أي يتعمدون كذبه من أن معبوداتهم شركاء، وتيقنوا في ذلك المقام أن توليهم لغير الله كان باطلاً غير حق؛ والتزييل: تفريق يزول به كل واحد عن مكانه، وهو من تفريق الجثث، وليس من الواوي، بل من اليائي، يقال: زلته عن الشيء أزيله - إذا فرقت بينه وبينه؛ والكفاية: بلوغ مقدار الحاجة في دفع الأذية أو حصول المنفعة؛ والإسلاف: تقديم أمر لما بعده؛ والرد: الذهاب إلى الشيء بعد الذهاب عنه كالرجع؛ والمولى: من يملك تولى أمر مولاه. ولما قدم سبحانه أن شركاءهم مربوبون مقهورون، لا قدرة لهم إلاّ على ما يقدرهم الله عليه، وأنه وحده المولى الحق، وبانت بذلك فضائحهم، أتبعه ذكر الدلائل على فساد مذهبهم، فوبخهم بأن وجه السؤال إليهم عما هم معترفون بأنه مختص به ويدل قطعاً على تفرده بجميع الأمر الموجب من غير وقفة لاعتقاد تفرده بالإلهية فقال: {قل} أي يا أكرم خلقنا وأرفقهم بالعباد {من يرزقكم} أي يجلب لكم الخيرات أيها المنكرون للبعث المدعون للشركة {من السمآء} أي بالمطر وغيره من المنافع {والأرض} بالنبات وغيره لتعيشوا {أمّن يملك السمع} أي الذي تسمعون به الآيات، ووحده للتساوي فيه في الغالب {والأبصار} التي تبصرون بها ما أنعم عليكم به في خلقها ثم حفظها في المدد الطوال على كثرة الآفات فيفيضها عليكم لتكمل حياتكم الحسية ببقاء الروح، والمعنوية بوجود العلم؛ روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: سبحان من بصر بشحم، وأسمع بعظم، وأنطق بلحم. فلما سألهم عن أوضح ما هم فيه وأقربه، نبههم على ما قبله من بدء الخلق فقال: {ومن يخرج الحي} من الحيوان والنبات {من الميت} أي من النطفة ونحوها {ويخرج الميت} أي من النطفة ونحوها مما لا ينمو {من الحي} أي فينقل من النقص إلى الكمال؛ ثم عم فقال: {ومن يدبر الأمر} أي كله التدبير العام. ولما كانوا مقرين بالرزق وما معه من الخلق والتدبير، أخبر عن جوابهم إذا سئلوا عنه بقوله: {فسيقولون الله} أي مسمى هذا الاسم الذي له الكمال كله بالحياة والقيومية بخلاف ما سيأتي من الإعادة والهداية {فقل} أي فتسبب عن ذلك أنا نقول لك: قل لهم مسبباً عن جوابهم هذا الإنكار عليهم في عدم التقوى: {أفلا تتقون} أي تجعلون وقاية بينكم وبين عقابه على اعترافكم بتوحده في ربوبيته وإشراككم غيره في إلهيته؛ ثم علل إنكار عدم تقواهم بقوله: {فذلكم} أي العظيم الشأن {الله} أي الذي له الجلال والإكرام، فكانت هذه قدرته وأفعاله {ربكم} أي الموجد لكم المدبر لأموركم الذي لا إحسان عندكم لغيره {الحق} أي الثابته ربوبيته ثباتاً لا ريب فيه لاجتماع الصفات الماضية له لا لغيره لأنه لا تكون الربوبية حقيقة لمن لم تجتمع له تلك الصفات {فما} أي فتسبب عن ذلك أن يقال لكم: ما {ذا بعد الحق} أي الذي له أكمل الثبات {إلاّ الضلال} فإنه لا واسطة بينهما - بما أنبأ عنه إسقاط الجار، ولا يعدل عاقل عن الحق إلى الضلال فانّى تصرفون أنتم عن الحق إلى الضلال؛ ولذلك سبب عنه قوله: {فأنى} أي فكيف ومن أيّ جهة {تصرفون} أي أنتم من صارف ما كائناً ما كان، عن الحق إلى الضلال. ولما كانوا جديرين عند تقريرهم بهذه الآية وإقرارهم بمضمونها بأن يقولوا: سلمنا فأسلمنا ولا نصرف عن الحق أبداً، فلم يقولوا، كانوا حقيقين بأن يقال لهم: حقت عليكم كلمة الله لفسقكم وزوغانكم عن الحق. فقيل: هل خصوا بذلك؟ فقيل: بل {كذلك} أي مثل ذلك الحقوق العظيم {حقت كلمت ربك} أي المحسن إليك بإهلاك أعدائك: الكلمة الواحدة النافذة التي لا تردد فيها، ومعنى الجمع في قراءة نافع وابن عامر أنه لا شيء من كلماته يناقض الكلمة التي أوجبت عذابهم، بل كلها توافقها فالمراد واحد، أو يكون ذلك كناية عن أن عذابهم دائم فإن كلماته لا تنفذ {على} كل {الذين} فعلوا فعلهم لأنهم {فسقوا} أي أوقعوا الترك لأمر الله وأوجدوا عصيانه وفعلوا الخروج عن طريق الحق والخروج عن دائرة الصلاح، وهو كونهم أمة واحدة إلى دين أبيهم آدم صَفيُ الله عليه السلام؛ثم علل ذلك الحقوق بقوله: {أنهم لا يؤمنون*} أي لا يتجدد منهم إيمان أصلاً، وعبر بالفسق المراد به الكفر لأن السياق للخروج عن دائرة الدين الحق في قوله {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا} وهذا المعنى أحق بالتعبير للفسق الذي أصله الخروج عن محيط في قولهم: فسقت الرطبة عن قشرها - أي خرجت، أو يكون المعنى: حقت الربوبية له سبحانه بهذا الليل، وهو فعل هذه الأمور المختتمة بالتدبير المقتضي للوحدانية له سبحانه قطعاً لأنه لو كان قادر يساويه في مقدوره لأمكن أن يمانعه، وبطل أن يكون قادراً، وحق أن من زاغ عن الحق كان في الضلال كما حق هذا {كذلك حقت} أي ثبتت ثباتاً عظيماً {كلمت ربك على} كل {الذين} قضى بفسقهم منهم. و{أنهم لا يؤمنون} تفسير لكلمته التي حقت؛ والرزق: جعل العطاء الجاري.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ} [الآية: 30]. قال: يطالب كل مدعٍ بحقيقة ما ادعاه.

القشيري

تفسير : إنما يقفون على خسرانهم إذا ذاقوا طَعْمَ هوانِهم؛ فإذا رُدُّوا إلى الله لم يجدوا إلا البعدَ عن الله، والطرْدَ من قِبَلِ الله، وذلك جزاءُ مَنْ آثَرَ على اللَّهِ غيرَ الله.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ} اخبر الله سبحانه عن مواطن امتحانه وتمييزه بغيرته القديمة بين الصادق فى دعوى محبته وبين الكاذب لان الصادق فى محبته هناك لا يفرغ من النيران ولا يطمع فى الجنان لغلبة شوقه الى جمال الرحمن والكاذب تبدوا سرائر ضلاله وتنكشف فساد ضمائره بين جميع الخلايق فيرد الصادق الى لطف مولاهم ويرد الكاذبون الى قهر جبارهم بقوله {وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ} فيبقى للصادقين خصوصية درجاتهم فى المحبة والوصال مع حقائق معناهم ويضل سعى المرائين الذين يراؤن الناس باعمال الضادقين وايضا يمتحن نفوس الحدثان عند بوادى سطوات سبحات جلال الرحمن حيث يضمحل الحادث فى القديم ويبقى القدم للقدم ويكون الحدث مقدما فى القدم قال تعالى كل شئ هالك الا وجهه قيل يطالب كل مدع حقيقة ما ادعاه.

اسماعيل حقي

تفسير : {هنالك} ظرف مكان اى فى ذلك المقام الدهش او فى ذلك الوقت على استعارة ظرف المكان للزمان {تبلو} من البلوى والاختبار. فى الفارسية [بيازمودن] اى تختبر وتذوق {كل نفس} مؤمنة كانت او كافرة سعيدة او شقية {ما اسلفت} اى قدمت من العمل فتعاين نفعه وضره واما ما عملت من حالها من حين الموت والابتلاء بالعذاب فى البرزخ فامر مجمل {وردوا} الضمير للذين اشركوا على انه معطوف على زيلنا وما عطف عليه وقوله تعالى {هنالك تبلو} الخ اعتراض فى اثناء المقرر لمضمونها {الى الله} اى جزائه وعقابه فان الرجوع الى ذاته تعالى مما لا يتصور {مولاهم} ربهم {الحق} اى المتحقق الصادق ربوبيته لا ما اتخذوه ربا باطلا. قال الشيخ فى تفسيره مولاهم الحق الذى يتولى ويملك امرهم حقيقة ولا يشكل بقوله (وان الكافرين لا مولى لهم) لان المعنى فيه المولى الناصر وفى الاول المالك {وضل عنهم} وضاع اى ظهر ضياعه وضلاله الا انه كان قبل ذلك غير ضال او ضل فى اعتقادهم الجازم ايضا {ما كانوا يفترون} من ان آلهتهم تشفع لهم اوما كانوا يدعون انهم شركاء الله. واعلم ان اكثر ما اعتمد عليه اهل الايمان يتلاشى ويضمحل عند ظهور حقيقة الامر يوم القيامة فكيف ما استند اليه الشرك والعصيان -كما حكى- ان الجنيد قدس سره رؤى فى المنام بعد موته فقيل له ما فعل الله بك فقال طاحت تلك الاشارات وفنيت تلك العبارات وابيدت تلك الرسوم وغابت تلك العلوم وما نفعنا الا ركيعات كنا نركعها فى السحر شعر : هر كنج سعادت كه خداداد بحافظ ازيمن دعاى شب وورد سحرى بود تفسير : ثم ان الآية الشريفة اشارت الى ان النفس انما تعبد الهوى ولا محراب لها فى توجهها الا ما سوى المولى. قال بعض السادة رحمه الله نحت الجبال بالاظافر ايسر من زوال الهوى اذا تمكن وكما لا يحب الله العمل المشترك بالالتفات لغيره نفسا كان او غيرها كذا لا يحب القلب المشترك بمحبة غيره من شهوة او غيرها. قال محمد بن حسان رحمه الله بينا انا ادور فى جبل لبنان اذ خرج على شاب قد احرقته السموم والرياح فلما رآنى ولى هاربا فتبعته وقلت عظنى بكلمة انتفع بها قال احذره فانه غيور لا يحب ان يرى فى قلب عبده سواه. قال ابن نجيد رحمه الله لا يصفو لاحد قدم فى العبودية حتى يكون افعاله كلها عنده رياء واحواله كلها عنده دعاوى وانما يفتضح المدعون بزوال الاحوال: وفى المثنوى شعر : جون بباطن بنكرى دعوى كجاست اوودعوى بيش آن سلطان فناست تفسير : وقال الحافظ قدس سره شعر : حديث مدعيان وخيال همكاران همان حكايت زردوز وبوريافست تفسير : فعلى العبد ان يفنى عن جميع الاوصاف ويغتسل عن كل الاوساخ وينقطع عن التشبث بكل حجر وشجر فان الظفر انما هو بعناية الله خالق القوى والقدر ونعم ما قال بعضهم استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون وفى التأويلات النجمية {أية : ويوم نحشرهم جميعا} تفسير : اى اجتماع ارواح الانسان وحقائق الاشياء التى يعبدون من دون الله مثل الدنيا والهوى والاصنام {أية : ثم نقول للذين اشركوا مكانكم} تفسير : اى نخاطب ارواح المشركين بان قفوا مكانكم الذى اخترتم بالجهل بعد ان كنتم فى علو المكان {أية : انتم وشركاؤكم} تفسير : اى انزلوا انتم وشركاؤكم الى المكان السفل وهو مكان شركائكم اذا تعلقتم بهم {أية : فزيلنا بينهم} تفسير : اى فرقنا بين المشركين وشركائهم بان نعذب المشركين بعذاب البعد والطرد عن الحضرة والم المفارقة وحسرة ابطال استعداد المواصلة ولا نعذب الشركاء بهذه العقوبات لعدم استعدادهم فى قبول كمال القرب{أية : وقال شركاؤهم ما كنتم ايانا تعبدون} تفسير : بل كنتم تعبدون هواكم لانه ما عبد فى الارض اله ابغض الا بالهوى فلهذا قال عليه الصلاة والسلام "حديث : ما عبد فى الارض اله ابغص على الله من الهوى" تفسير : وقال تعالى {أية : أرأيت من اتحذ الهه هواه} {أية : فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم} تفسير : فيما شاهد {أية : ان كنا عن عبادتكم لغافلين} تفسير : اى كنا فى غفلة عن ذوق عبادتكم ايانا وحفظها ومشربها بل كان الحظ والمشرب والذوق لهواكم فى استيفاء اللذات والشهوات والتمتعات الدنيوية والاخروية عند عبادتنا بلا شعور منا بخلاف عبادة الله فان فى عبادة الله رضاه وشعوره بها ومنه المدد والتوفيق وعليه الجزاء والثواب {هنالك تبلو كل نفس ما اسلفت} اى فى ذلك الحال تبتلى كل نفس ما قدمت من التعلقات بالاشياء والتمسكات بها {وردوا الى الله} فى الحكم والقرب والبعد واللذة والالم {مولاهم الحق} اى متوليهم فى ذلك هو الله اى فى اذاقة اللذات من القرب والالم من البعد لا غيره من الشركاء

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة الا عاصما {تتلوا} بالتاء من التلاوة. الباقون بالباء. من قرأ بالباء فمعناه تختبر من قوله {أية : وبلوناهم بالحسنات والسيئات} تفسير : اي اختبرناهم، ومنه قولهم البلاء ثم الثناء أي الاختبار للثناء عليه ينبغي أن يكون قبل الثناء ليكون عن علم بما يوجبه. ومعنى اختبار النفس ما اسلفت إن قدّم خيراً أو شراً جزي عليه، كما قال {أية : فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} تفسير : وغير ذلك. ومن قرأ بالتاء فمن التلاوة. ويقوي ذلك قوله {أية : فأولئك يقرؤن كتابهم}تفسير : وقوله {أية : اقرأ كتابك}تفسير : وقوله {أية : ورسلنا لديهم يكتبون} تفسير : ويكون (تتلو) بمعنى تتبع ويكون المعنى هنالك تتبع كل نفس ما أسلفت من حسنة وسيئة، فمن أحسن جوزي بالحسنات ومن أساء جوزي به، فعلى هذا يكون المعنى مثل قراءة من قرأ بالباء. وقال ابن زيد: معنى "تتلو" تعاين. وقال الفراء: معناه تقرأ، وقال غيره تتبع. وقال ابن عباس معنى (تتلو) تخبر قال الشاعر: شعر : قد جعلت دلوي تستتليني ولا أحب تبع القرين تفسير : اي تتبعني من ثقلها، ومعنى {هنالك} في ذلك المكان، وهو ظرف فـ (هنا) للقريب و (هنالك) للبعيدو (هناك) لما بينهما قال زهير: شعر : هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا وإن يسألوا يعطوا وإن ييسيروا يغلوا تفسير : والاسلاف تقديم امر لما بعده، فمن أسلف الطاعة لله جزي بالثواب. ومن أسلف المعصية جزي بالعقاب. وقوله {وردّوا إلى الله} فالرد هو الذهاب إلى الشيء بعد الذهاب عنه، فهؤلاء ذهبوا عن أمر الله فأعيدوا اليه. والرد والرجع نظائر، ويجوز أن يكون الرد بمعنى النشأة الثانية، وهو الاليق ها هنا. وقوله {مولاهم الحق} فالمولى المالك للعبيد، ومعناه مالكهم لأنه يملك أمرهم، وهو أملك بهم من أنفسهم. وقوله {وضل عنهم ما كانوا يفترون} يعني ما كانوا يدعونهم - بافترائهم من الشركاء - مع الله يضلون عنهم يوم القيامة ويبطلون.

الجنابذي

تفسير : {هُنَالِكَ} المقام او الزّمان {تَبْلُواْ} تختبر {كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ} فتعرف حقّها عن باطلها او صحيحها عن سقيمها وجيّدها عن مغشوشها لحدّة بصرهم وصفاء ادراكهم فيدركون ايّها صدر عن النّفس الامّارة والشّيطان وايّها صدر عن العقل بشركة النّفس وايّها صدر عن العقل ثمّ طرء عليه اغراض النّفس {وَرُدُّوۤاْ} بعد ما عرفوا اعمالهم {إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ} التّوصيف بالحقّ تعريض ببطلان معبوداتهم {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من الشّركاء لكونها باطلة.

الهواري

تفسير : قوله: { هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ}. ذكروا أن مجاهداً قال: هنالك تختَبِر كل نفس ما أسلفت، أي تختَبِر ثواب ما أسلفت في الدنيا. وقال بعضهم عن مجاهد: تخبُر. وهي تقرأ على وجه آخر: {هُنَالِكَ تَتْلُوا} أي تتبع كل نفس ما أسلفت. ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: تحشر الأمم بأوثانها وما كانت تعبد من دون الله. قوله: { وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الحَقِّ} والحق اسم من أسماء الله. وهو كقوله {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ المُبِينُ}. وكقوله: (أية : ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ البَاطِلُ) تفسير : [لقمان:30]. قوله: { وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} عن عبادتهم الأوثان. ثم قال للنبي عليه السلام: { قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} وهو على الاستفهام { أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ} أي: أن يذهبهما أو يبقيهما. { وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ} يعني النطفة والحبة. أي: يخرج من النطفة الميتة الخلق الحي، ويخرج من الخلق الحي النطفة الميتة، ويخرج من الحبة اليابسة النبات الحي، ويخرج من النبات الحي الحبة اليابسة. وهذا تفسير مجاهد. وقال الحسن: يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن. { وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ} أي فيما يحيي ويميت، ويقبض ويبسط، وينزل الغيث، ويدبّر الأمر في السماوات والأرض. { فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أي: الله. وأنتم تقرون بالله عزّ وجلّ أنه هو الذي يفعل هذه الأشياء ثم لا تتقونه، وتعبدون هذه الأوثان من دون الله. { فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ} أي الذي تقرون أنه خلقكم؛ والأوثان هي الباطل، أي: الأموات، لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون. { فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ} والحق هو الله. يقول: فماذا بعد الحق { إِلاَّ الضَّلاَلُ} أي: إلا هذه الأوثان. وقال بعضهم: الباطل: إبليس. قوله في سبأ:{قُلْ جَاءَ الحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ البَاطِلُ} يعني إبليس، يقول: وما يبدىء إبليس خلقاً (أية : وَمَا يُعِيدُ) تفسير : [سبأ:49] أي: وما يعيده كما لم يبدئه، فكذلك لا يعيده، والله هو المبدىء وهو المعيد. قوله: { فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} أي: فكيف تصرف عقولكم فتعبدون غيره، وأنتم مقِرّون أنه خالق هذه الأشياء.

اطفيش

تفسير : {هُنالِكَ} أى فى ذلك الموقف، أو فى ذلك اليوم على استعارة اسم المكان للزمان، لشبه المكان بالزمان فى الظرفية {تبْلُوا كلُّ نفْسٍ} تختبر {ما أسْلَفتْ} ما قدمت من عمل، فتعرف أقبيح أم حسن، ضار أم نافع، مردود أو مقبول، وقرأ حمزة، والكسائى: تتلوا بتائين تقرأ وما قدمت أو نليه، وتجازى به أو تتبعه فيقودها إلى الجنة أو النار، وعن عاصم: نبلوا بالنون، ونصب كل، وعليه فما بدل اشتمال من كل، أى نختبر ما قدمت: هل هو موجب لسعادتها أو موجب لشقاوتها؟ أو منصوب على نزع الخافض أى نصيب كل نفس عاصية بما أسلفت. {ورُدُّوا} وقرأ يحيى بن وثاب بكسر الراء {إلى اللهِ} أى إلى جزاء الله {مَولاهُم} بدل أو نعت، لأنه بمعنى متولى أمرهم ومالكهم، ومعنى لا مولى لهم لا ناصر لهم {الحَقِّ} نعت للمولى أى الصادق ألوهية وربوبية، لا كأوثانهم، فلاحظ لها فى الألوهية والربوبية، أو الثابت الدوام، أو المعنى إلى الله متولى حسابهم العدل الذى لا يجوز، وقرئ بنصب الحق على المدح، أو على المصدرية المؤكدة للجملة قبله، فهو مؤكد للرد، كقولك: هذا عبد الله الحق، وناصبه على الأول أعنى، وعلى الثانى حق أو أحق. {وضَلَّ عَنْهم} غاب أو ضاع {مَا كانُوا يفْتَرونَ} من أنها تشفع لهم، أو من أنها آلهتهم، أو غاب أو ضاع ما زعموا أنهم آلهتهم أى بطلت آلهتهم ولم تنفعهم، فكأنها غابت عنهم أو فقدت.

اطفيش

تفسير : {هُنَالِكَ} فى ذلك المقام المهول المدهش أَى المكان الحقيق وهو أَرض الموقف أَو الشأْن، وهو مكان مجازا ويجوز أَن تكون ظرف مكان أَى فى ذلك اليوم على الاستعارة كقوله هنالك ابتلى المؤمنون وقدم هنالك لتقديم المقام {تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ} تختبر كل نفس مؤمنة أَو كافرة ما قدمت من خير أَو شر، ويجوز أَن يراد المشركون خاصة ووجه الاختبار أَن النفس قد تنسى فتترقب ما لها أَو عليها فذلك الترقب كالاختبار، أَو تبلو مجاز عن تعرف لأَن الاختبار سبب للمعرفة وملزوم لها، ومعرفة ما أَسلفت من العمل معرفة لجزائِه من خير أَو شر، أَو يقدر مضاف أَى جزاءَ مَا أَسلفت أَو ما أَسلفت هو الجزاءُ، لأَن تقديم موجبه فى الدنيا تقديم له {وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ} عطف على تبلو والضميران لكل نفس والجمع باعتبار أَن الرد على طريق الاجتماع لا كل نفس على حدة، رد الذين أَشركوا إلى جزاءِ الله والرد معنوى أَو ردوا إِلى موضع جزاءٍ الله فالرد حسى وأُضيف المولى إِليهم باعتبار أَنه مآلهم يردون إِليه للعقاب، رد العبد العاصى إِلى مولاه ليضربه ويسجنه مثلا، وإِذا قيل ليس الله مولى لهم فمعناه أَنه لا ينصرهم فلا منافاة بين قوله مولاهم الحق وقوله تعالى: {أية : إِن الكافرين لا مولى لهم} تفسير : [محمد: 11]، لأَن معنى الآية فى كل واحدة غيره فى الأُخرى ولا يصح القول عن السدى، أَن الأُولى منسوخة بالثانية، لأَن الإِخبار لا يدخله النسخ ولأَنه لا بد أَن الله مولى الذين آمنوا فى نفعهم وأَنه لابد أَنه غير مولى للذين كفروا فى نفعهم فى الآخرة وأَمر الدين ووصفه بالحق رداً عليهم فى اتخاذ الآلهة الباطلة التى ليست بحق التى لا تتولى أَمرهم وإِنما متولى أَمرهم الله {وَضَلَّ عَنْهُمْ} الضمير للمشركين خاصة فى الموقف فلا ينافى قوله عز وجل: {أية : إِنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} تفسير : [الأنبياء: 98]، ولا وجه للتوقف فى الأَصنام هل تبقى بعد إِحضارها أَو تفنى مع هذه الآية ويظهر لى أَنها تعقل فى المحشر وتنطق بإِذن الله عز وجل، ثم يزال عقلها ونطقها كحالها قبل، وتدخل معهم النار يعذبون بها ويستحسرون بها {مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} يثبتونه آلهة على الكذب ويجوز أَن يراد بالضلال عدم النفع أَو المعنى ضل عنهم كونهم يفترون أَن آلهتهم تشفع لهم.

الالوسي

تفسير : {هُنَالِكَ} أي في ذلك المقام الدحض والمكان الدهش وهو مقام الحشر فهنالك باق على أصله وهو الظرفية المكانية، وقيل: إنه استعمل ظرف زمان مجازاً أي في ذلك الوقت {تَبْلُواْ} أي تختبر {كُلُّ نَفْسٍ} مؤمنة كانت أو كافرة {مَّآ أَسْلَفَتْ} من العمل فتعاين نفعه وضره أتم معاينة. وقرأ حمزة والكسائي {تتلو} من التلاوة بمعنى القراءة، والمراد قراءة صحف ما أسلفت، وقيل: إن ذلك كناية عن ظهور الأعمال. وجوز أن يكون من التلو على معنى أن العمل يتجسم ويظهر فيتبعه صاحبه حتى يرد به الجنة أو النار أو هو تمثيل. وقرأ عاصم في رواية عنه {نبلو} بالباء الموحدة والنون ونصب {كُلَّ} على أن فاعل ـ نبلو ـ ضميره تعالى و {كُلَّ} مفعوله و {مَا} بدل منه بدل إشتمال، والكلام استعارة تمثيلية أي هنالك نعامل كل نفس معاملة من يبلوها ويتعرف أحوالها من السعادة والشقاوة باختبار ما أسلفت من العمل، ويجوز أن يراد نصيب بالبلاء أي العذاب كل نفس عاصية بسبب ما أسلفت من الشر فتكون (ما) منصوبة بنزع الخافض وهو الباء السببية. {وَرُدُّواْ إِلَى ٱللَّهِ} عطف على{أية : فَزَيَّلْنَا} تفسير : [يونس: 28] والضمير{أية : لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ}تفسير : [يونس: 28] وما في البين اعتراض في أثناء الحكاية مقرر لمضمونها، والمعنى ردوا إلى جزائه وعقابه أو إلى موضع ذلك، فالرد إما معنوي أو حسي. وقال الإمام: المعنى جعلوا ملجئين إلى الإقرار بألوهيته سبحانه وتعالى {مَوْلَـٰهُمُ} أي ربهم {ٱلْحَقّ} أي المتحقق الصادق في ربوبيته لا ما اتخذوه / رباً باطلاً. وقرىء {الحق} بالنصب على المدح، والمراد به الله تعالى وهو من أسمائه سبحانه أو على المصدر المؤكد والمراد به ما يقابل الباطل، ولا منافاة بين هذه الآية وقوله سبحانه: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ}تفسير : [محمد: 11] لاختلاف معنى المولى فيهما. وأخرج أبو الشيخ عن السدي أن الأولى منسوخة بالثانية ولا يخفى ما فيه. {وَضَلَّ} أي ضاع وذهب {عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من أن آلهتهم تشفع لهم أو ما كانوا يدعون أنها شركاء لله عز وجل، و {مَا} يحتمل أن تكون موصولة وأن تكون مصدرية والجملة معطوفة على قوله سبحانه: {رُدُّواْ} ومن الناس من جعلها عطفاً على ـ{أية : زَيَّلْنَا}تفسير : [يونس: 28] ـ وجملة ـ {رُدُّوْا} ـ معطوفة على جملة ـ {تَبْلُواْ} ـ الخ داخلة في الاعتراض وضمير الجمع للنفوس المدلول عليها بكل نفس، والعدول إلى الماضي للدلالة على التحقق والتقرر، وإيثار صيغة الجمع للإيذان بأن ردهم إليه سبحانه يكون على طريق الاجتماع وما ذكرناه أولى لفظاً ومعنى. وتعقب شيخ الإسلام جعل الضمير للنفوس وعطف {رُدُّواْ} على {تَبْلُواْ} الخ بأنه لا يلائمه التعرض لوصف الحقية في قوله سبحانه: {مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقّ} فإنه للتعريض بالمردودين ثم قال: ولئن اكتفى فيه بالتعريض ببعضهم أو حمل {ٱلْحَقّ} على معنى العدل في الثواب والعقاب أي مع تفسير المولى بمتولي الأمور فقوله سبحانه: {وَضَلَّ} الخ مما لا مجال فيه للتدارك قطعاً فإن ما فيه من الضمائر الثلاثة للمشركين فيلزم التفكيك حتماً، وتخصيص كل نفس بالنفوس المشركة مع عموم البلوي للكل يأباه مقام تهويل المقام انتهى، والظاهر أنه اعتبر عطف {وَضَلَّ عَنْهُم} الخ على {رُدُّواْ} مع رجوع ضميره للنفوس وهو غير ما ذكرناه فلا تغفل.

ابن عاشور

تفسير : {هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ} تذييل وفذلكة للجمل السابقة من قوله: {أية : والله يدعو إلى دار السلام}تفسير : [يونس: 25] إلى هنا. وهو اعتراض بين الجمل المتعاطفة. والإشارة إلى المكان الذي أنبأ عنه قوله: {أية : نَحْشرهم}تفسير : [يونس: 28] أي في ذلك المكان الذي نحشرهم فيه. واسم الإشارة في محل نصب على الظرفية. وعامله (تبلو)، وقدم هذا الظرف للاهتمام به لأن الغرض الأهم من الكلام لعظم ما يقع فيه. و(تبلو) تختبر، وهو هنا كناية عن التحقق وعلم اليقين. و{أسلفت} قدّمتْ، أي عملاً أسلفته. والمعنى أنها تختبر حالته وثمرته فتعرف ما هو حسن ونافع وما هو قبيح وضار إذ قد وضح لهم ما يفضي إلى النعيم بصاحبه، وضدُه. وقرأ الجمهور (تبلو) بموحدة بعد المثناة الفوقية. وقرأه حمزة والكسائي وخلف بمثناة فوقية بعد المثناة الأولى على أنه من التلو وهو المتابعة، أي تتبع كل نفس ما قدمته من عمل فيسوقها إلى الجنة أو إلى النار. {وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ} يجوز أن تكون معطوفة على جملة: {هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت} فتكون من تمام التذييل، ويكون ضمير (ردوا) عائداً إلى (كل نفس). ويجوز أن تكون معطوفة على قوله و{أية : يوم نحشرهم جميعاً}تفسير : [يونس: 28] الآية فلا تتصل بالتذييل، أي ونردهم إلينا، ويكون ضمير (ردوا) عائداً إلى الذين أشركوا خاصة. والمعنى تحقق عندهم الحشر الذي كانوا ينكرونه. ويناسب هذا المعنى قوله: {مولاهم الحق} فإن فيه إشعاراً بالتورك عليهم بإبطال مواليهم الباطلة. والرد: الإرجاع. والإرجاع إلى الله الإرجاع إلى تصرفه بالجزاء على ما يرضيه وما لا يرضيه وقد كانوا من قبل حين كانوا في الحياة الدنيا ممهلين غير مجازين. والمولى: السيد، لأن بينه وبين عبده ولاء عهد الملك. ويطلق على متولي أمور غيره وموفر شؤونه. والحقّ: الموافق للواقع والصدق، أي ردوا إلى الاله الحق دون الباطل. والوصف بالحق هو وصف المصدر في معنى الحاق، أي الحاق المولوية، أي دون الأولياء الذين زعموهم باطلاً. {وضل عنهم ما كانوا يفترون} هذه الجملة مختصه بالمشركين كما هو واضح. والضلال: الضياع. و{ما كانوا يفترون} ما كانوا يكذبون من نسبتهم الإلهية إلى الأصنام، فيجوز أن يكون ماصْدق (ما) الموصولة الأصنام، فيكون قد حذف العائد مع حرف الجر بدون أن يجر الموصول بمثل ما جر به العائد والحق جوازه، فالتقدير: ما كانوا يكذبون عليه أو له. وضلاله: عدم وجوده على الوصف المزعوم له. ويجوز أن يكون ماصدق (ما) نفس الافتراء، أي الافتراء الذي كانوا يفترونه. وضلاله: ظهور نَفْيِه وكذبه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ} الآية: صرح في هذه الآية الكريمة، بأن كل نفس يوم القيامة تبلو، أي تخبر وتعلم ما أسلفت، أي قدمت من خير وشر، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: {أية : يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} تفسير : [القيامة: 13] وقوله: {أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ} تفسير : [الطارق: 9] وقوله: {أية : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ٱقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} تفسير : [الإسراء: 13-14] وقوله: {أية : وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلآَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرا} تفسير : [الكهف: 49] الآية: وأما على قراءة تتلو بتاءين ففي معنى الآية وجهان: أحدهما: أنها تتلو بمعنى تقرأ في كتاب أعمالها جميع ما قدمت، فيرجع إلى الأولى. والثاني: أن كل أمة تتبع عملها، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لتتبع كل أمة ما كانت تعبده فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس" تفسير : الحديث.

د. أسعد حومد

تفسير : {تَبْلُواْ} {مَوْلاَهُمْ} (30) - فِي ذَلِكَ المَوْقِفِ تَعْلَمُ كُلُّ نَفْسٍ مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَتَلْقَى جَزَاءَهُ، وَفِي هذا المَوْقِفِ المَهُولِ يُوقِنُ المُشْرِكُونَ بِوَحْدَانِيَّةِ اللهِ تَعَالَى، وَيَبْطُلُ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَهُ، فَلاَ يَجِدُونَ أَحَداً يُنْقِذُهُمْ، أَوْ يَنْصُرُهُمْ مِنْ بَأْسِ اللهِ. تَبْلُو - تَخْتَبِرُ أَوْ تَعْلَمُ أَوْ تُعَايِنُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقول الحق سبحانه: {هُنَالِكَ} يعني: في هذا الوقت، أو في هذا المكان. والزمان والمكان هما ظَرْفَا الحدث؛ لأن كل فعل يلزم له زمان ومكان، فإن كان الزمان هو الغالب، فيأتي ظرف الزمان، وإذا كان المكان هو الغالب فيأتي ظرف المكان. وجاءت {هُنَالِكَ} أيضاً في قصة سيدنا زكريا عليه السلام، إذ يقول الحق سبحانه: {أية : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ..}تفسير : [آل عمران: 38]. أي: في ذلك الوقت الذي قالت فيه مريم - رضي الله عنها - قولةً أدَّت بها قضية اعتقادية إيمانية لكفيلها، وهو سيدنا زكريا عليه السلام وهو الذي يأتي لها بالطعام، وشاء لها الحق - سبحانه وتعالى - أن تعلِّمه هي. يقول سبحانه: {أية : كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً ..}تفسير : [آل عمران: 37]. والرزق ما به انتفع، وكان زكريا - عليه السلام - يكفلها بكل شيء تحتاجه، لكنه فوجىء بوجود رزق لم يَأت هو به؛ بدليل أنه قال: {أية : أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا}تفسير : [آل عمران: 37]. وهذه ملحظية ويقظة الكفيل حين يجد مكفوله يتمتع بما لم يأتِ به. وهذه هي قضية "من أين لك هذا"؟، وهي قضية الكفيل العام للمجتمع حين يرى واحداً يتمتع بما لا تؤهله له حركته في الحياة، وبذلك يُكتشف مختلس الانتفاع بما يخص الغير دون أن يَعرف كافله، ولو أن كافله أصرَّ على معرفة من أين تأتي مصادر دخله؛ لَحَمى المجتمع من الفساد. وانظر إلى جواب مريم عليها السلام على قول زكريا عليه السلام الذي ذكره رب العزة سبحانه: {أية : أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ..}تفسير : [آل عمران: 37]. قالت مريم: {أية : هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [آل عمران: 37]. ثم تعلَّل الجواب: {أية : إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ..}تفسير : [آل عمران: 37]. قالت ذلك، لأنه وجد عندها أشياء لا توجد في مثل هذا الوقت من السنة، فعجَبُ سيدنا زكريا عليه السلام - إذن - كان من أمرين اثنين: شيء لم يأت هو به، وشيء مخالف للفترة التي هو فيها، كأنْ وجد عندها عنباً في زمن غير أوانه، أو وجد برتقالاً في غير أوانه، وسؤاله كان دليل يقظة الكفيل، وإجابتها كانت قضية إيمانية عقدية {أية : إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ..}تفسير : [آل عمران: 37]. وما دام {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} - سبحانه وتعالى - ما طرح حسابك أنت للأشياء في ضوء هذه القضية. ولكن هل غفل سيدنا زكريا - عليه السلام - عن قضية الإيمان بأن الله تعالى يرزق مَنْ يشاء بغير حساب؟ فنقول: لا، لم يغفل عنها، ولكنها لم تكن في بؤرة شعوره حينئذ؛ فجاءت بها قولة السيدة مريم لتذكر بهذه القضية، وهنا تذكَّر زكريا نفسه، كرجل بلغ من الكبر عتياً، وامرأته عاقر، وما دام الله سبحانه يرزق من يشاء بغير حساب، فليس من الضروري أن يكون شاباً أو تكون زوجته صغيرة لينجب، فجاء الحق معبراً عن خاطر زكريا في قوله: {أية : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ..}تفسير : [آل عمران: 38]. أي: في هذا الوقت أو ذلك المكان، أو في الاثنين معاً زماناً ومكاناً، وهنا جاءته الإجابة من ربه سبحانه وتعالى: {أية : قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً}تفسير : [مريم: 9]. وقد جاء الحق سبحانه بهذه القضية ليمنع أيَّ ظانٍّ من أن يسيء الظن بعفة مريم عليها السلام؛ لأنها في موقف اللجوء فأنطقها الحق بقوله: {أية : يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ..}تفسير : [آل عمران: 37]. وما دام الرزق بغير حساب وفي غير وقته وغير مكانه وبلا سبب وبغير علم كافلها، فعند ذلك تحقق اللجوء إلى الله بالقبول الحسن الذي دعت به امرأة عمران: {أية : وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ..}تفسير : [آل عمران: 36-37]. ويطبقها زكريا عليه السلام على نفسه، ثم تتعرض هي لها، حين يبشِّرها الحق سبحانه بغلام اسمه المسيح عيسى ابن مريم - عليهما السلام. فهي ستلد من غير أن يمسسها ذكر، وهي تعلم أن الأسباب جارية في أنه لا يوجد تناسل إلا بوجود ذكر وأنثى، وشاء الحق سبحانه أن يقدِّر لها أن تلد دون هذه العملية، فجاء سبحانه بتلك المقدمة على لسانها {أية : إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ..}تفسير : [آل عمران: 37]. وحين تساءلت: {أية : رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ..}تفسير : [آل عمران: 47]. جاءتها الإجابة بأن اسمه المسيح عيسى ابن مريم، يقول سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ..}تفسير : [آل عمران: 45]. فبيقظتها الإيمانية فطنت إلى أن هذا الطفل سينسب إلى أمه؛ فعرفت أن أباه ملغى؛ وأدركت أن هذا الولد لن يأتي نتيجة زواج ولو فيما بعد، وبذلك كان عليها أن تعود إلى القضية الإيمانية التي ذكرتها: {أية : إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [آل عمران: 37]. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: {هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ ..} [يونس: 30]. أي: في ذلك الوقت تُختبر كل نفس، وترى هل الجزاء طيب أم لا؟ فإن كانت قد عملت الشر؛ فستجد الجزاء شَرّاً. إذن: فالإنسان وقت النتائج يختبر نفسه بما كان منه. ثم يقول الحق سبحانه: {وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ ..} [يونس: 30]. وكأنهم كانوا في الدنيا عند مولىً آخر غير الإله الحقّ سبحانه، والمولى غير الحق هو الشريك أو الشركاء الذين اتخذهم بعض الناس مَوالِيَ لهم، وهنا في اليوم الآخر يُردُّون إلى الإله الحق والمولى الحق سبحانه. وكلمة "رُدُّوا إلى كذا" لا تدل على أنهم كانوا مع الضِّدِّ، وجاءوا له، بل تدل على أنهم كانوا معه أولاً، ثم ذهبوا إلى الضِّدِّ، ثم رُدُّوا إليه ثانياً، مثل قول الحق سبحانه عن موسى عليه السلام: {أية : فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ ..}تفسير : [القصص: 13]. فدلَّت على أنه كان مع أمه، ثم فارقها، ثم رُدَّ إليها. وقول الحق سبحانه هنا: {وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ ..} [يونس: 30]. أي: أنهم كانوا مع الله أولاً، ثم أخذهم الشركاء، وفي هذا اليوم الآخر يرجعون لربهم سبحانه. والإنسان يكون مع ربّه أولاً بالفطرة التكوينية المؤمنة، ثم يتجه به أبواه إلى المجوسية أو أيّ ديانة أخرى تحمل الشرك بالله تعالى، وهم في ظل تلك الديانات المشركة، كانوا عند مولىً وسيِّدٍ وآمِرٍ ومشرِّعٍ، لكنه مَوْلىً غير حق؛ لأن الحق هو الثابت الذي لا تدركه الأغيار. {هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ ..} [يونس: 30]. أي: عرفت كل نفس ما فعلت، ويُعرف كل إنسان بفضيحته في جزئيات ذاته، وكذلك الفضيحة العامة لكل إنسان أشرك بالله سبحانه. ثم يقول الحق سبحانه: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [يونس: 30]. أي: أن الآلهة التي عبدوها لا تتعرف إلى أمكنتهم ومواقعهم، وأنهم في خطر؛ فتأخذ بأيديهم؛ لأن هذه الآلهة لا علم لها بهم، ولو أن هذه الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله - سبحانه - على شيء من الحق؛ ووجدوهم في مأزق؛ لكان يجب أن يدافعوا عنهم، لكنهم لم يعرفوا أماكنهم {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ..} [يونس: 30]. أي: ما كانوا يكذبونه كذباً متعمداً. وبعد أن كشف - سبحانه - المسألة وما سوف يحدث في الآخرة، وخوَّفهم وبشَّع لهم ما سوف ينتظرهم من مصير إنْ ظلوا على الكفر؛ لعلَّهم يرتدعون، ويتذكرون ضرورة العودة إلى عبادة الإله الحق سبحانه، يأتي الحق سبحانه وتعالى بما يعيد إليهم رُشْدَ الإيمان في نفوسهم، فيقول: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ} [الآية: 30]. يقول: تختبر كل نفس ما أَسلفت. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {أَفَمَن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ}، وهو الله، {أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ} [الآية: 35]. وهي الأَوثان. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ} يعني: يوم القيامة، {قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} [الآية: 47]. يعني: بالعدل. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ}: يعني من العذاب في حياتك يا محمد {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } [الآية: 46]. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ / 31ظ / عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً} [الآية: 59]. قال: يعني البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [الآية: 61]. يعني: في الحق بما كان.