١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
29
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} «شَهِيداً» مفعول، أي كفى الله شهيداً، أو تمييز، أي اكتف به شهيداً بيننا وبينكم إن كنا أمرناكم بهذا أو رضيناه منكم. {إِن كُنَّا} أي ما كنا {عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} إلا غافلين لا نسمع ولا نبصر ولا نعقل؛ لأنا كنا جماداً لا رُوح فينا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن } مخففة أي إنا {كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَٰفِلِينَ }.
الخازن
تفسير : {فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين}. والمعنى قد علم الله وكفى به شهيداً أما ما علمنا أنكم كنتم تعبدوننا وما كنا عن عبادتكم إيانا من دون الله إلا غافلين ما نشعر بذلك أما قوله سبحانه وتعالى: {هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت} فهو كالتتمة للآية المتقدمة والمعنى في ذلك المقام أو ذلك الموقف أو ذلك الوقت على معنى استعارة إطلاق اسم المكان على الزمان وفي قوله تبلوا قراءات قرئ بتاءين ولها معنيان أحدهما أنه من تلاه إذا تبعه أي تبع كل نفس ما أسلفت لأن العمل هو الذي يهدي النفس إلى الثواب أو العقاب. الثاني: أن يكون من التلاوة والمعنى أن كل نفس تقرأ صحيفة عملها من خير أو شر. وقرئ: تبلو بالتاء المثناة والباء الموحدة ومعناه تخبر وتعلم. والبلو: الاختبار ومعناه: اختبارها ما أسلفت يعني: أنه إن قدم خيراً أو شراً قدم عليه وجوزي به {وردوا إلى الله مولاهم الحق} الرد: عبارة عن صرف الشيء إلى الموضع الذي جاء منه. والمعنى: وردوا إلى ما ظهر لهم من الله الذي هو مالكهم ومتولي أمرهم. فإن قلت: قد قال الله سبحانه وتعالى في آية أخرى {أية : وأن الكافرين لا مولى لهم}تفسير : [محمد: 11] فما الفرق؟ قلت: المولى في اللغة يطلق على المالك ويطلق على الناصر، فمعنى المولى هنا المالك ومعنى المولى هناك الناصر فحصل الفرق بين الآيتين {وضل عنهم ما كانوا يفترون} يعني وبطل وذهب ما كانوا يكذبون فيه في الدنيا وهو قولهم إن هذه الأصنام تشفع لنا. قوله عز وجل: {قل من يرزقكم من السماء والأرض} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين من يرزقكم من السماء يعني المطر والأرض يعني النبات {أم من يملك السمع والأبصار} يعني ومن أعطاكم هذه الحواس التي تسمعون بها وتبصرون بها {ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} يعني أنه تعالى يخرج الإنسان حياً من النطفة وهي ميتة وكذلك الطير من البيضة وكذلك يخرج النطفة الميتة من الإنسان الحي ويخرج البيضة الميتة من الطائر الحي. وقيل: معناه أنه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، والقول الأول أقرب إلى الحقيقة {ومن يدبر الأمر} يعني أن مدبر أمر السموات ومن فيها ومدبر أمر الأرض وما فيها هو الله تعالى وذلك قوله {فسيقولون الله} يعنى أنهم يعترفون أن فاعل هذه الأشياء هو الله وإذا كانوا يقرون بذلك {فقل} أي قل لهم يا محمد {أفلا تتقون} يعني: أفلا تخافون عقابه حيث تعبدون هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ولا تقدر على شيء من هذه الأمور {فذلكم الله ربكم الحق} يعني: فذلكم الذي يفعل هذه الأشياء ويقدر عليها هو الله ربكم الحق الذي يستحق العبادة لا هذه الأصنام {فماذا بعد الحق إلا الضلال} يعني: إذا ثبت بهذه البراهين الواضحة والدلائل القطعية أن الله هو الحق وجب أن يكون ما سواه ضلالاً وباطلاً {فأنى تصرفون} يعني: إذا عرفتم هذا الأمر الظاهر الواضح فكيف تستخيرون العدول عن الحق إلى الضلال الباطل.
ابو السعود
تفسير : {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} فإنه العليمُ الخبـير {إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَـٰفِلِينَ} أي عن عبادتكم لنا، وتركهُ للظهور وللإيذان بكمال الغفلةِ عنها، والغفلةُ عبارةٌ عن عدم الارتضاءِ وإلا فعدمُ شعورِ الملائكةِ بعبادتهم لهم غيرُ ظاهرٍ وهذا يقطع احتمالَ كونِ المرادِ بالشركاء الشياطينَ كما قيل فإن ارتضاءَهم بإشراكهم مما لا ريب فيه وإن لم يكونوا مُجْبِرين لهم على ذلك وإنْ مخففةٌ من إنّ واللامُ فارقة {هُنَالِكَ} أي في ذلك المقام الدهِش، أو في ذلك الوقت على استعارة ظرفِ المكان للزمان {تبلو} أي تختبر وتذوق {تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} مؤمنةً كانت أو كافرةً سعيدةً أو شقية {مَّا أَسْلَفَتْ} من العمل وتعاينه بكُنهه مستتبِعاً لآثاره من نفع أوضُرَ وخيرٍ أو شر، وأما ما علِمتْ من حالها من حين الموتِ والابتلاءِ بالعذاب في البرزخ فأمرٌ مجملٌ وقرىء نبلو بنونِ العظمةِ ونصبِ كلُّ وإبدالِ ما منه أي نعاملها معاملةَ من يبلوها ويتعرّفُ أحوالَها من السعادة والشقاوةِ باختبار ما أسلفت من العمل، ويجوزُ أن يُراد نُصيب بالبلاء أي العذاب كلَّ نفسٍ عاصيةٍ بسبب ما أسلفت من الشر فيكون ما منصوبةً بنزع الخافضِ وقرىء تتلو أي تتبع لأن عملَها هو الذي يهديها إلى طريق الجنةِ أو إلى طريق النارِ، أو تقرأ في صحيفه أعمالِها ما قدمت من خير أو شر {وَرُدُّواْ} الضمير الذين أشركوا على أنه معطوفٌ على زيلنا وما عطف عليه قوله عز وجل: {هُنَالِكَ تَبْلُواْ} الخ، اعتراضٌ في أثناء الحكايةِ مقرّرٌ لمضمونها {إِلَى ٱللَّهِ} أي جزائه وعقابه {مَوْلَـٰهُمُ} ربِّهم {ٱلْحَقّ} أي المتحقق الصادِق ربوبـيتُه لا ما اتخذوه باطلاً وقرىء الحقَّ بالنصب على المدح كقولهم: الحمدُ لله أهلَ الحمد أو على المصدر المؤكد. {وَضَلَّ عَنْهُم} وضاع أي ظهر ضَياعُه وضلالُه لا أنه كان قبل ذلك غيرَ ضالٍ، أو ضل في اعتقادهم أيضاً {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من أن آلهتَهم تشفع لهم أو ما كانوا يدعون أنها آلهةٌ، هذا وجُعل الضميرُ في رُدوا للنفوسِ المدلولِ عليها بكل نفسٍ على أنه معطوفٌ على تبلو وأن العدولَ إلى الماضي للدِلالة على التحقق والتقرر، وأن إيثارَ صيغةِ الجمعِ للإيذان بأن ردّهم إلى الله يكون على طريقة الاجتماعِ ـ لا يلائمه التعرُّض لوصف الحقيةِ في قوله تعالى: {مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقّ} فإنه للتعريض بالمردودين حسبما أشير إليه، ولئن اكتُفيَ فيه بالتعريض ببعضهم أو حُمل (الحقِّ) على معنى العدل في الثواب والعقاب فقوله عز وجل: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} مما لا مجال فيه للتدارك قطعاً، فإن ما فيه من الضمائر الثلاثةِ للمشركين فليزم التفكيكُ حتماً وتخصيصُ (كلُّ نفس) بالنفوس المشتركةِ مع عموم البلوى للكل يأباه مقامُ تهويلِ المقام والله تعالى أعلم.
اسماعيل حقي
تفسير : {فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم} فانه العالم بكنه الحال {ان} مخففة من ان واللام فارقة {كنا عن عبادتكم} لنا {لغافلين} والغفلة عبارة عن عدم الارتضاء والا فعدم شعور الملائكة بعبادتهم لهم غير ظاهر وهذا يقطع احتمال كون المراد بالشركاء الشياطين كما قيل فان ارتضاءهم باشراكم مما لا ريب فيه وان لم يكونوا مجبرين لهم على ذلك كذا فى الارشاد وهذا بالنسبة لى كون المراد بالشركاء ذوى العلم واما ان كان المراد الاصنام فمن اعظم اسباب الغفلة كونها جمادات لا حس لها ولا شعور البتة
الطوسي
تفسير : هذا اخبار من الله تعالى عن شركاء المشركين من الآلهة والأوثان يوم القيامة حين قال المشركون إنا إنما إياكم كنا نعبد، وأنهم يجحدون ذلك ويقولون: حسبنا الله شاهداً بيننا وبينكم أيها المشركون بأنه تعالى عالم أنا ما علمنا ما تقولون، وأنا كنا عن عبادتكم إيانا غافلين، لا نشعر به ولا نعلمه. وإنما قال {شهيداً بيننا} ولم يقل علينا، لأنه إذا قال بيننا فمعناه لنا وعلينا، فهو أعم وأحسن. ونصب {شهيداً} على التمييز، وتقديره وكفى بالله من الشهداء. وقال الزجاج: نصب على الحال وتقديره كفى بالله في حال الشهادة. وقوله {إن كنا} فهذه (إن) المخففة عن الثقيلة بدلالة دخول اللام في الخبر للفرق بين (إن) الجحد و (إن) المؤكدة. وقال الزجاج: هي بمعنى (ما) ومعناه ما كنا عن عبادتكم إلا غافلين.
الجنابذي
تفسير : {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} عطف على ما كنتم ولمّا كان مرتبة الاستشهاد بعد ابراز الدّعوى عطفه بالفاء واستشهد شركاءهم بالله على نفى عبادة المشركين لهم، لانّه كان العالم بحقيقة الحال وانّهم بعبادة الشّركاء واطاعتهم ما كانوا عابدين الاّ اهويتهم وما ارادوا بذلك الاّ حصول مشتهياتهم فهم كانوا عابدين لانفسهم الخبيثة مصدراً ومرجعاً، اعاذنا الله من ان يقول يوم العرض لنا: ما كنتم ايّاى تعبدون، لانّ الدّاعى لعبادتكم كان اهوتيكم لا امرى والمقصود كان حصول اغراضكم لارضاى {إِن كُنَّا} ان هى المخفّفة {عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} نفوا دعوى المعبوديّة لانفسهم كما نفوا عبادة المشركين لهم.
اطفيش
تفسير : {فكَفَى بالله شَهيداً} حال أو تمييز، والأول أولى لأنه وصف {بَيْننا وبينَكم} فإنه العالم بحقيقة كل شىء (إنْ) مخففة واللام بعد ذلك فارقة أو نافية، واللام بمعنى إلا والراجح الأول {كنَّا عَنْ عِبادتكُم} مصدر مضاف لفاعله {لغَافلينَ} وهذا يؤيد أن الشركاء فى ذلك هى الأوثان، لأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل، فهى أولى وأنسب بالغفلة. وقد روى أنهم يذكرون عبادتها فتنفيها فيقولون: والله كنا نعبدكم، فتقول: فكفى بالله الخ، ومن عبدوه أيضا ولم يشعر كالملائكة وعيسى أيضا غافل عن عبادتهم، وأما من أمرهم أن يعبدوه أو عبدوه ورضى فادعاء الغفلة كذب، كأنه يقول: إنا لم نأمركم بالعبادة، ولم نشعر بها، فنحن عنها فى غفلة.
الالوسي
تفسير : على عدم الارتضاء لا على عدم الشعور لأن عدم شعور الملائكة بعبادتهم غير ظاهر بل لو قيل بوجوب هذا الحمل على القول بأن المراد المسيح عليه السلام أيضاً لم يبعد لأن عدم شعوره بعبادتهم مع أنه سينزل ويكسر الصليب كذلك، ولا يكاد يصح الحمل على الظاهر إلا إذا كان المراد الأصنام فإن عدم شعورهم بذلك ظاهر، وتعقب بأنه لا دليل على شعور الملائكة عليهم السلام بعبادتهم ليصرف له اللفظ عن حقيقته، وليس هؤلاء المعبودون هم الحفظة أو الكتبة بل ملائكة آخرون ولعلهم مشغلون بأداء ما أمروا به عن الالتفات إلى ما في هذا العالم ونحن لا ندعي في الملائكة عليهم السلام ما يدعيه الفلاسفة فإنهم الذين قالوا يوم استنبئوا عن الأسماء: {أية : سُبْحَـٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } تفسير : [البقرة: 32] وهذا جبريل عليه السلام من أجلهم قدراً كان كثيراً ما يسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء فيقول: لا أعلم وسوف أسأل ربـي، وكذا لا دليل على شعور المسيح عليه السلام بعبادة هؤلاء المخاطبين عند إيقاعها وكونه سينزل ويكسر الصليب لا يستدعي الشعور بها كذلك كما لا يخفى، وقد يستأنس لعدم شعوره بما حكى الله تعالى عنه في الجواب عن سؤاله له عليه السلام من قوله: {أية : مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِى بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } تفسير : [المائدة: 117]. واعترض على القول الأخير بأنه لا يصح مع هذا القول / مطلقاً لأن الشياطين هم الذين زينوا لهم هذه الشنيعة الشنعاء وأغروهم عليها فكيف يتأتى القول بأنهم غافلون حقيقة عنها أو أنهم غير مرتضين لها، ولعل من ذهب إلى ذلك يلتزم الكذب ويقول بجواز وقوعه يوم القيامة. وقيل: إن القول الأول لا يصح مع هذا القول أيضاً مطلقاً لأن الأوثان لا تتصف بالغفلة حقيقة لأنها كما يفهم من «القاموس» اسم لترك الشيء وذهاب القلب عنه إلى غيره وهذا شأن ذوي القلوب والأوثان ليست من ذلك وكذا لا تتصف بها مجازاً عن عدم الارتضاء إذ الظاهر أن مرادهم من عدم الارتضاء السخوط والكراهة وظاهر أن الأوثان لا تتصف بسخط ولا ارتضاء إذ هما تابعان للإدراك ولا إدراك لها ومن أثبته للجمادات حسب عالمها فالأمر عنده سهل ومن لا يثبته يقول: إنها مجاز عن عدم الشعور، وقد يقال: إن المراد بغفلتهم عن عبادة المشركين عدم طلبهم الاستعدادي لها ويرجع ذلك بالآخرة إلى نفي استحقاق العبادة عن أنفسهم وإثبات الظلم لعابديهم. وحينئذ فالأظهر أن يراد بالشركاء جميع ما عبد من دون الله تعالى من ذوي العقول وغيرهم والكل صادق في قوله ذلك، وقد يراد من عدم الطلب ما يشمل عدم الطلب الحالي والقالي إذا اعتبر كون القائل ممن يصح نسبة ذلك له كالملائكة عليهم السلام وهذا الوجه لا يتوقف على شعور الشركاء بعبادتهم ولا على عدمه فيجوز أن يكون لهم شعور بذلك ويجوز أن لا يكون لهم شعور، والظاهر أن تفسير الغفلة بعدم الارتضاء المراد منهم على ما قيل السخط والكراهة يستدعي الشعور إذ كراهة الشيء مع عدم الشعور به مما لا يكاد يعقل وإثباته لجميع الشركاء ولو إجمالاً في وقت من الأوقات الدنيوية غير مسلم، ولعل التعبير بالغفلة أكثر تهجيناً للمخاطبين ولعبادتهم من التعبير بعدم الطلب مثلاً فتأمل . والباء في {بِٱللَّهِ} صلة و {شَهِيداً} تمييز، و {إِن} مخففة من إن واللام هي الفارقة بين المخففة والنافية والظرف متعلق بغافلين، والتقديم لرعاية الفاصلة، أي كفى الله شهيداً فإنه العليم الخبير المطلع على كنه الحال انا كنا غافلين عن عبادتكم. والظاهر من كلام بعض المحققين أن {فَكَفَىٰ} الخ استشهاد على النفي السابق لا على الإثبات اللاحق.
د. أسعد حومد
تفسير : {لَغَافِلِينَ} (29) - وَيُصِرُّ الشُّرَكَاءُ الذِينَ كَانَ المُشْرِكُونَ يَعُبُدونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ، عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَشْعُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُمْ، وَلاَ يَعْلَمُونَ بِهَا، وَيَقُولُونَ لَهُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَنَا وَنَحْنُ لاَ نَدْرِي بِكُمْ، وَاللهُ شَهِيدٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، إِنَّا مَا دَعَوْنَاكُمْ إِلى عِبَادَتِنا، وَلاَ أَمَرْنَاكُمْ بِهَا، وَلاَ رَضِينَا مِنْكُمْ بِذَلِكَ. وَفِي هَذا تَبْكِيتٌ عَظِيمٌ لِلَّذِينَ عَبَدُوا مَعَ اللهِ غَيْرَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن: فالكائنات التي عُبِدتْ من دون الله تعالى تعلن رفضها لمسألة عبادتها، فإذا كان الطير - ممثلاً في الهدهد - قد أعلن من قبل اندهاشه من أن بعضاً من البشر قد عبد غير الله تعالى. واستدل الهدهد - على قدرة الحق سبحانه - بما يخصُّه هو من الرزق، حيث يعلم أن الحق سبحانه قد عَلِمَ الخبء في السماوات والأرض، إذا كان الهدهد قد عرف ذلك فالاستنكَار أمر منطقي من غيره من المخلوقات، سواء أكانت من الملائكة، أو من عيسى عليه السلام، أو من الأصنام والأشجار والكواكب. ولذلك نجد الحق سبحانه يضرب المثال بسؤاله للملائكة: {أية : أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ..}تفسير : [سبأ: 40]. فيجيب الملائكةُ بقولهم: {أية : سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ ..}تفسير : [سبأ: 41]. والحق سبحانه وتعالى يعرض هذه المواقف في سُوَر القرآن الكريم عرضاً منثوراً مكرراً بما لا يدع للغفلة أن تصيب الإنسان، فمثلاً يقول الحق سبحانه: {أية : وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ ..}تفسير : [الأنعام: 128]. ويقول على ألسنة من اتخذوا الشياطين أولياء: {أية : وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا ..}تفسير : [الأنعام: 128]. وقولهم هذا يتضمن الحديث عن ذواتهم والحديث عن الجن. ولسائل أن يسأل: وكيف يأخذ الجن كثيراً من الإنس؟ ونقول: إن الحق سبحانه قد خلق الجن على هيئة تختلف عن هيئة الإنس، فجعل للجن خواصّاً تختلف عن خواص الإنس، ومن هذه الخواص ما قال عنه الحق سبحانه: {أية : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ..}تفسير : [الأعراف: 27]. وأعطى الحق سبحانه للجن قوة أكثر مما أعطى للإنس، وأعطاهم القدرة على النفاذ من السواتر الحديدية والجدران وغيرها، وهذا أمر منطقي مع أصل تكوين الجن، فالجن مخلوق من النار، والإنسان مخلوق من الطين. وهناك اختلاف بين طبيعة كل من النار والطين، فما يخرج من الطين قارٌّ، أي: لا يشع، وما يخرج من النار له إشعاع وحرارة. بمعنى: أنك لو كنت تجلس في حجرة، وخلف ظهرك في الحجرة الأخرى نار موقدة؛ فالساتر - أيا كان - سوف يحمل لك بعضاً من حرارة النار، إلا لو كان عازلاً للحرارة. أما لو كانت هناك تفاحة - وهي مخلوقة من الطين - موجودة في الحجرة الأخرى، فلن ينفذ طعمها أو رائحتها إليك. إذن: فالنار لها قانونها، والطين له قانونه. وقانون المادة المخلوقة من الطين لا ينتقل إلا إذا نَقلْتَ الجِرْم إلى المكان الذي توجد فيه. ونلمح هذه المسألة التقنينية في قصة سيدنا سليمان عليه السلام حين علم أن ملكة سبأ تسير في الطريق إليه لتعلن إسلامها، وأراد سيدنا سليمان عليه السلام أن يأتي لها بعرشها من مكانه قبل أن تصل. فقال لمن هو في مجلسه: {أية : أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ..}تفسير : [النمل: 38]. وهذا يدل على أنه كان في مجلسه أجناس مختلفة، ولكل جنس منهم قدرات مختلفة عن قدرات الجنس الآخر، ونقل العرش من اليمن إلى مكان سيدنا سليمان عليه السلام يحتاج إلى زمن وإلى قوة، فلو أنهم كانوا متساوين في قدراتهم ما قال: {أية : أَيُّكُمْ يَأْتِينِي ..}تفسير : [النمل: 38]. فكان أول من تقدم لتنفيذ ما أراده سليمان عفريت من الجن - لا جِنّاً عاديّاً، فمن الجن من هو خائب قليل الذكاء، ومنهم من هو ذكي، فهم وإن كانوا من جنس واحد فهم متفاوتون أيضاً، وكان عفريت الجن هو أول من تكلم، وقال: {أية : أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ..}تفسير : [النمل: 39]. ولكن مقام سليمان قد يستمر ساعة أو بضع ساعات، والمتكلم هو عفريت من الجن الذي يعلم أن له صفات أقوى من صفات الإنس. أما الإنس العادي - ممن كان حاضراً مجلس سليمان - فلم يتكلم؛ لأن المطلوب ليس في قدرته، أما الذي تكلم من الإنس فهو مَنْ عنده علم من الكتاب، فقال: {أية : أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ..}تفسير : [النمل: 40]. ولم يأخذ الأمر شيئاً من الزمن؛ لذلك عبَّر القرآن التعبير السريع بعد ذلك، فقال: {أية : فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي ..}تفسير : [النمل: 40]. إذن: فللجن قوة على أشياء لا يقوى عليها الإنس، ولم يأخذ الجنِّي خواصَّه في الخفة والقدرة ومهارة اختزال الزمن بذات تكوينه، ولكن بإرادة المكوِّن سبحانه؛ ولذلك شاء الحق أن يُذكِّر الجن أنهم قد أخذوا تلك الخصوصيات بمشيئته سبحانه، والحق هو القادر على أن يجعل الإنس وهو الأدنى قدرة، قادراً على تسخير الجن؛ ولذلك يحاول الإنس أن يأخذ من تسخير الجن قوة له فيقوى على نظيره من الإنس. ولكن الحق سبحانه أصدر الحكم على مَنْ يحاول ذلك بأن تسخير الجن يزيد رَهَقاً. واقرأوا قول الحق سبحانه: {أية : وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ ..}تفسير : [البقرة: 102]. إذن: فتعليم الجن السحر للإنس دليل على تفوق قدرات الجن وتميزها عن قدرات الإنس. ولكن الملكين هاروت وماروت حينما عَلَّمَا الإنسان السحر حذَّراه أولاً من أن يأخذ من ذلك فرصة زائدة تطغيه على بني جنسه ويظلم بها، إنما الأمر كله اختبار، فإن تعلَّمته فذلك لتقيَ نفسك من الشر لا لتوقعه بغيرك، ثم إنك - أيها الإنسان - من الأغيار قد تضمن نفسك وقت التحمُّل، ولكن ماذا عن وقت الأداء؟ مثلما يأتي لك إنسان ليُودِعَ عندك ألفاً من الجنيهات كأمانة، ولكن أتظل على الأمانة، أم أنك قد تنكر المال أصلاً حين يطالبك به صاحبه، أو قد تمر بك أزمة مالية فتتصرف بهذا المال؟ ولذلك تجد الذكي هو مَنْ يقول لمودع هذا المال: "احفظْ عليك مالك، لأني من الأغيار". وتلك هي القضية الإيمانية الأصيلة في الكون كله؛ لأن الحق سبحانه هو القائل: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}تفسير : [الأحزاب: 72]. والأمانة هي ما يكون في ذمة المؤتمن، ولا حجة للمؤتمن عنده إلا ذمته، ولا شهود عليه، ولا يوجد إيصال بتلك الأمانة، بل هي وديعة لا توثيق فيها؛ إلا ذمة المؤتمن، قد يقرُّ بها، وقد يُنكرها. وعلى ذلك فحقُّ المؤتمن عند المؤتمَن خاضعٌ لخيار المؤتمَن؛ ولذلك وجدنا السماء والأرض والجبال قالت: يا رب لا نريد أن نُدخِلَ أنفسنا في هذه التجربة، افعل بنا ما شئت واجعلْنّا مقهورين ولا اختيار لنا، ولا نريد تحمُّل الأمانة. أما الإنسان فقد ميَّزه الله بالعقل، وقدرة الاختيار بين البدائل؛ لذلك قَبلَ الإنسان حَمْل الأمانة، وحين جاء وقت الأداء لم يجد نفسه أميناً على الأَشياء مثلما ظَنَّ في نفسه وقت التحمُّل. وكذلك الذين يتعلمون السحر، يقول الواحد منهم لنفسه: سوف أتعلمه لأدفع الضُّرَّ عن نفسي، ونقول له: أنت لا تضمن نفسك؛ لأنك من الأغيار، فقد يغضبك أو يثير أعصابك إنسان؛ فتستخدم السحر فتصيب نفسك بالرَّهق. إذن: فحين قال الله سبحانه: {أية : يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ}تفسير : [الأنعام: 128]. أي: أخذتم من الإنس كثيراً بأن أعطيتموهم سلاحاً يحقق لهم فرصة وقوة على غيرهم من البشر. وقد ذكر الحق - سبحانه وتعالى - لنا أن بعض البشر الذين استجابوا للجن قالوا: {أية : ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ..}تفسير : [الأنعام: 128]. واستمتاع الإنس بالجن مصدره أن الإنس يأخذ قوة فوق غيره من البشر، واستمتاع الجن بالإنس مصدره أنه سوف يُعين هذا الإنسان على معصيته؛ تطبيقاً لِقَسَمِ إبليس اللعين: {أية : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ..}تفسير : [ص: 82]. ولكن هذا الاستمتاع في النهاية لا يعطي أمراً زائداً عن المقدور لكل جنس؛ ولذلك تجد أن كل مَنْ يعمل بالسحر وتسخير الجن إنما يعاني؛ مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : فَزَادُوهُمْ رَهَقاً ..}تفسير : [الجن: 6]. وأنت تجد رزق الذي يقوم بالسحر أو تسخير الجن يأتي من يد مَنْ لا يعلم السحر، ولو كان في تعلُّم ذلك ميزة فوق البشر؛ لجعل رزقه من مصدر آخر غير من لا يعلمون السحر أو تسخير الجن. وأنت حين ترى الواحد من هؤلاء، تجد على ملامحه غَبَرَةً، وفي ذريته آفة أو عيباً، فمنهم مَنْ هو أعور أو أكتع أو أعرج؛ لأنه أراد أن يأخذ فرصة في الحياة أكثر من غيره من البشر؛ بواسطة الجن، وهذه الفرصة تزيده رهقاً؛ ولذلك فليلزم كل إنسان أدبه وقدره الذي شاءه الله - سبحانه وتعالى - له؛ فلا يفكر في أخذ فرصة تزيد من رهقه. ونحن نرى في البشر مَنْ يستخدم صاحب القوة الجسدية أو قدرة تصويب السلاح؛ ليُرهِب غيره، وقد ينجح في ذلك مرة أو أكثر، ثم ينقلب هذا (الفتوَّة) أو ذلك القاتل المأجور على مَنْ استأجره. إذن: فلا بد أن يحترم كل إنسان قَدَر الله - سبحانه وتعالى - في نفسه، وألاّ يأخذ فرصة من جنس آخر؛ يظن أنها تزيده في دنياه شيئاً، لكنها في الواقع ستزيده تعباً وتزيده رهقاً. ولذلك نجد الحق - سبحانه وتعالى - يقول عنهم: {أية : رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ ..}تفسير : [الأنعام: 128]. وهكذا نرى أن مصير الاستمتاع بقوة الجن هو النار للإنس الذي استخدم الجن، وللجن الذي أغوى الإنس. ثم يعرض لنا الحق - سبحانه وتعالى - قضية أخرى في هذه المسألة؛ فيقول سبحانه: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الزخرف: 67]. والأخلاء: هم الجماعة التي يجمع أفرادها صحبة ومودَّة، ويتخلّل كل منهم حياة الآخر. وأنت تجد الناس صنفين: أناساً اتخذوا الخُلَّة في الله تعالى، فيذهبون إلى المساجد، ويستذكرون العلم، ولا يأكلون إلا من حلال، ويقرأون القرآن، وإن همَّ واحد منهم بمعصية وجد من صديقه ما يردّه عن المعصية، ويحجّون إلى بيت الله الحرام، ويعتمرون، وتدور حياتهم في إطار حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: "حديث : رجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه"تفسير : وهذا لون من الخُلَّة. واللون الآخر يضم أناساً يساعد بعضهم البعض على المعصية، ويشربون الخمر، ويلعبون الميسر، ويفعلون كل المعاصي، فإذا جاء يوم القيامة يقابلون حكم الله تعالى: {أية : لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ ..}تفسير : [البقرة: 254]. فلا خُلَّة إلا خُلَّة اللقاء في الله تعالى، فإذا التقى الأخلاء في الله تعالى فرحوا ببعضهم؛ لأن كلاّ منهم حمى أخاه من معصية، أما من كانوا يجتمعون في الدنيا على المعصية، فكل منهم يلعن الآخر، ويصدق حكم الله سبحانه وتعالى: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الزخرف: 67]. ولذلك نجد الحوار بين الذين استضعفوا والذين استكبروا، ونجد الحق سبحانه وتعالى يأتي لنا بهذا الحوار في القرآن: {أية : فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ..}تفسير : [إبراهيم: 21]. فيرد الآخرون: {أية : لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ..}تفسير : [إبراهيم: 21]. وبعد ذلك يأتي اعتراف الشيطان الذي يقول عنه الحق سبحانه: {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ..}تفسير : [إبراهيم: 22]. وهذا الحوار هو الذي يكشف لنا ما سوف يحدث يوم القيامة، ونجد الحق سبحانه يقول: {أية : كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ ..}تفسير : [الحشر: 16]. هذه كلها لقطات من مشاهد يوم القيامة، جاءت في خواطرنا ونحن نتناول قول الحق سبحانه: {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} [يونس: 29]. هكذا يعلن كل مَنْ عُبد من الملائكة أو الرسل أو الأصنام، وبذلك تتم فضيحة الذين عبدوهم من دون الله سبحانه ويأخذون طريقهم إلى النار. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ}تفسير : [الصافات: 22]. ولننتبه هنا إلى أن الأزواج متقدمون في الإغواء والتوجيه إلى الشر، قبل الأعداء؛ لأن الزوج أو الزوجة قد يكون هو الشيطان الملازم الذي يُهيِّىء الانحراف إلى ما يريد. ونجد الحق سبحانه يقول بعد ذلك: {أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ ..}تفسير : [الصافات: 24]. ومثلها مثل قوله سبحانه: {مَكَانَكُمْ} نفهم من ذلك أنهم كانوا معاً في الدنيا وهي دار الاختبار، وهم الآن في دار جبرية الاقتدار؛ لذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ}تفسير : [الصافات: 24-28]. أي: كنتم تستعملون قوتكم؛ لتجعلونا نتبعكم، فلا يظنن ظانٌّ أنها قوة البطش فقط، أو قوة التذليل، بل المقصود بذلك أيّ قوة، حتى وإن كانت قوة الإغواء. إذن: فالمواقف مفضوحة، وهذا لون ومقدمة من ألوان العذاب؛ ليبين الله - سبحانه وتعالى - صدقه في قوله: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الزخرف: 67]. وشاء الحق سبحانه ذلك؛ ليبين لنا كيف يختار الإنسان خليله في الدنيا، فلا يختار الخليل الذي يزيِّن الخطأ والمعصية، بل يختار الذي يعينه على الطاعة. ويذكر الحق سبحانه موقفاً من مواقف يوم القيامة فيقول سبحانه: {أية : وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ}تفسير : [فصلت: 29]. هكذا يكون حال الذين ضلُّوا يوم القيامة، يتبرأون ممن أوقفهم هذا الموقف بل يطلبون من أضلهم لإيقاع العذاب بهم بأنفسهم؛ لذلك يقول الحق سبحانه في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} [يونس: 29]. هكذا يتبرَّأ الملائكة والرسول الذي عُبِدَ، وحتى الأصنام، من الذين عَبَدُوهم في الدنيا. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):