١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا نوع آخر من شرح فضائح أولئك الكفار، فالضمير في قوله {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } عائد إلى المذكور السابق، وذلك هو قوله: { أية : وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيّئَاتِ } تفسير : [يونس: 27] فلما وصف الله هؤلاء الذين يحشرهم بالشرك والكفر، دل على أن المراد من قوله: {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيّئَاتِ } الكفار، وحاصل الكلام: أنه تعالى يحشر العابد والمعبود، ثم إن المعبود يتبرأ من العابد، ويتبين له أنه ما فعل ذلك بعلمه وإرادته، والمقصود منه أن القوم كانوا يقولون: { أية : هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [يونس: 18] فبين الله تعالى أنهم لا يشفعون لهؤلاء الكفار، بل يتبرؤن منهم، وذلك يدل على نهاية الخزي والنكال في حق هؤلاء الكفار، ونظيره آيات منها قوله تعالى: { أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ } تفسير : [البقرة: 166] ومنها قوله تعالى: { أية : ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَـٰئِكَةِ أَهَـؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ * قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ } تفسير : [سبأ: 40،41]. واعلم أن هذا الكلام يشير على سبيل الرمز إلى دقيقة عقلية، وهي أن ما سوى الواحد الأحد الحق ممكن لذاته، والممكن لذاته محتاج بحسب ماهيته، والشيء الواحد يمتنع أن يكون قابلاً وفاعلاً معاً، فما سوى الواحد الأحد الحق لا تأثير له في الإيجاد والتكوين، فالممكن المحدث لا يليق به أن يكون معبوداً لغيره، بل المعبود الحق ليس إلا الموجد الحق، وذلك ليس إلا الموجود الحق الذي هو واجب الوجود لذاته، فبراءة المعبود من العابدين، يحتمل أن يكون المراد منه ما ذكرناه. والله أعلم بمراده. المسألة الثانية: (ٱلْحَشْرِ ) الجمع من كل جانب إلى موقف واحد و {جَمِيعاً } نصب على الحال أي نحشر الكل حال اجتماعهم. و {مَكَانَكُمْ } منصوب بإضمار الزموا. والتقدير: الزموا مكانكم و {أَنتُمْ } تأكيد للضمير {وَشُرَكَاؤُكُمْ } عطف عليه. واعلم أن قوله: {مَكَانَكُمْ } كلمة مختصة بالتهديد والوعيد والمراد أنه تعالى يقول للعابدين والمعبودين مكانكم أي الزموا مكانكم حتى تسألوا، ونظيره قوله تعالى: { أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوٰجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مسؤولون } تفسير : [الصافات: 22 ـ 24]. أما قوله: { فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ } ففيه بحثان: البحث الأول: أن هذه الكلمة جاءت على لفظ المضي بعد قوله: {ثُمَّ نَقُولُ } وهو منتظر، والسبب فيه أن الذي حكم الله فيه، بأن سيكون صار كالكائن الراهن الآن، ونظيره قوله تعالى: { أية : وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ } تفسير : [الأعراف: 44]. البحث الثاني: (زيلنا) فرقنا وميزنا. قال الفراء: قوله: {فَزَيَّلْنَا } ليس من أزلت، إنما هو من زلت إذا فرقت. تقول العرب: زلت الضأن من المعز فلم تزل. أي ميزتها فلم تتميز، ثم قال الواحدي: فالزيل والتزييل والمزايلة، والتمييز والتفريق. قال الواحدي: وقرىء {فزايلنا بَيْنَهُمْ } وهو مثل {فَزَيَّلْنَا } وحكى الواحدي عن ابن قتيبة أنه قال في هذه الآية: هو من زال يزول وأزلته أنا، ثم حكى عن الأزهري أنه قال: هذا غلط، لأنه لم يميز بين زال يزول، وبين زال يزيل، وبينهما بون بعيد، والقول ما قاله الفراء، ثم قال المفسرون: {فَزَيَّلْنَا } أي فرقنا بين المشركين وبين شركائهم من الآلهة والأصنام، وانقطع ما كان بينهم من التواصل في الدنيا. وأما قوله: {وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } ففيه مباحث: البحث الأول: إنما أضاف الشركاء إليهم لوجوه: الأول: أنهم جعلوا نصيباً من أموالهم لتلك الأصنام، فصيروها شركاء لأنفسهم في تلك الأموال، فلهذا قال تعالى: {وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ } الثاني: أنه يكفي في الإضافة أدنى تعلق، فلما كان الكفار هم الذين أثبتوا هذه الشركة، لا جرم حسنت إضافة الشركاء إليهم. الثالث: أنه تعالى لما خاطب العابدين والمعبودين بقوله: {مَكَانَكُمْ } صاروا شركاء في هذا الخطاب. البحث الثاني: اختلفوا في المراد بهؤلاء الشركاء. فقال بعضهم: هم الملائكة، واستشهدوا بقوله تعالى: { أية : يَوْمٍ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَـٰئِكَةِ أَهَـؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ } تفسير : [سبأ: 40] ومنهم من قال: بل هي الأصنام، والدليل عليه: أن هذا الخطاب مشتمل على التهديد والوعيد، وذلك لا يليق بالملائكة المقربين، ثم اختلفوا في أن هذه الأصنام كيف ذكرت هذا الكلام. فقال بعضهم: إن الله تعالى يخلق الحياة والعقل والنطق فيها، فلا جرم قدرت على ذكر هذا الكلام. وقال آخرون إنه تعالى يخلق فيها الكلام من غير أن يخلق فيها الحياة حتى يسمع منها ذلك الكلام، وهو ضعيف، لأن ظاهر قوله: {وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ } يقتضي أن يكون فاعل ذلك القول هم الشركاء. فإن قيل: إذا أحياهم الله تعالى فهل يبقيهم أو يفنيهم؟ قلنا: الكل محتمل ولا اعتراض على الله في شيء من أفعاله، وأحوال القيامة غير معلومة، إلا القليل الذي أخبر الله تعالى عنه في القرآن. والقول الثالث: إن المراد بهؤلاء الشركاء، كل من عبد من دون الله تعالى، من صنم وشمس وقمر وأنسي وجني وملك. البحث الثالث: هذا الخطاب لا شك أنه تهديد في حق العابدين، فهل يكون تهديداً في حق المعبودين؟ أما المعتزلة: فإنهم قطعوا بأن ذلك لا يجوز. قالوا: لأنه لا ذنب للمعبود، ومن لا ذنب له، فإنه يقبح من الله تعالى أن يوجه التخويف والتهديد والوعيد إليه. وأما أصحابنا، فإنهم قالوا إنه تعالى لا يسئل عما يفعل. البحث الرابع: أن الشركاء قالوا: {مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } وهم كانوا قد عبدوهم، فكان هذا كذباً، وقد ذكرنا في سورة الأنعام اختلاف الناس في أن أهل القيامة هل يكذبون أم لا، وقد تقدمت هذه المسألة على الاستقصاء، والذي نذكره ههنا، أن منهم من قال: إن المراد من قولهم {مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } هو أنكم ما عبدتمونا بأمرنا وإرادتنا؟ قالوا: والدليل على أن المراد ما ذكرناه وجهان: الأول: أنهم استشهدوا بالله في ذلك حيث قالوا: {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } والثاني: أنهم قالوا: {إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَـٰفِلِينَ } فأثبتوا لهم عبادة، إلا أنهم زعموا أنهم كانوا غافلين عن تلك العبادة، وقد صدقوا في ذلك، لأن من أعظم أسباب الغفلة كونها جمادات لا حس لها بشيء ولا شعور ألبتة. ومن الناس من أجرى الآية على ظاهرها. وقالوا: إن الشركاء أخبروا أن الكفار ما عبدوها، ثم ذكروا فيه وجوهاً: الأول: أن ذلك الموقف موقف الدهشة والحيرة، فذلك الكذب يكون جارياً مجرى كذب الصبيان، ومجرى كذب المجانين والمدهوشين. والثاني: أنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزنا وجعلوها لبطلانها كالعدم، ولهذا المعنى قالوا: إنهم ما عبدونا. والثالث: أنهم تخيلوا في الأصنام التي عبدوها صفات كثيرة، فهم في الحقيقة إنما عبدوا ذوات موصوفة بتلك الصفات، ولما كانت ذواتها خالية عن تلك الصفات، فهم ما عبدوها وإنما عبدوا أموراً تخيلوها ولا وجود لها في الأعيان، وتلك الصفات التي تخيلوها في أصنامهم أنها تضر وتنفع وتشفع عند الله بغير إذنه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} أي نجمعهم، والحشر الجمع. {جَمِيعاً} حال. {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} أي اتخذوا مع الله شريكاً. {مَكَانَكُمْ} أي الزموا وٱثبتوا مكانكم، وقِفوا مواضعكم. {أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ} وهذا وعيد. {فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} أي فرّقنا وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا؛ يقال: زيّلته فتزيّل، أي فرّقته فتفرّق، وهو فعّلت؛ لأنك تقول في مصدره تزييلاً، ولو كان فَيْعَلْت لقلت زَيّلَةً. والمزايلة المفارقة؛ يقال: زايله الله مزايلة وزِيالاً إذا فارقه. والتزايل التباين. قال الفراء: وقرأ بعضهم «فزايلنا بينهم»؛ يقال: لا أزايل فلاناً، أي لا أُفارقه؛ فإن قلت: لا أُزاوله فهو بمعنى آخر، معناه لا أُخاتله. {وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ} عنى بالشركاء الملائكة. وقيل: الشياطين، وقيل: الأصنام؛ فينطقها الله تعالى فتكون بينهم هذه المحاورة. وذلك أنهم ٱدعوا على الشياطين الذين أطاعوهم والأصنام التي عبدوها أنهم أمروهم بعبادتهم ويقولون ما عبدناكم حتى أمرتمونا. قال مجاهد: ينطق الله الأوثان فتقول ما كنا نشعر بأنكم إيانا تعبدون، وما أمرناكم بعبادتنا. وإن حُمل الشركاء على الشياطين فالمعنى أنهم يقولون ذلك دَهَشا، أو يقولون كذبا واحتيالاً للخلاص، وقد يجري مثل هذا غداً؛ وإن صارت المعارف ضرورية.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} أي: أهل الأرض كلهم من جن وإنس، وبر وفاجر؛ كقوله: {أية : وَحَشَرْنَـٰهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} تفسير : [الكهف: 47]، {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} الآية، أي: الزموا أنتم وهم مكاناً معيناً امتازوا فيه عن مقام المؤمنين؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} تفسير : [يس: 59] وقوله: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ } تفسير : [الروم: 14] وفي الآية الأخرى: {أية : يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} تفسير : [الروم: 43] أي: يصيرون صدعين، وهذا يكون إذا جاء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء، ولهذا قيل ذلك يستشفع المؤمنون إلى الله تعالى أن يأتي لفصل القضاء ويريحنا من مقامنا هذا، وفي الحديث الآخر: «حديث : نحن يوم القيامة على كوم فوق الناس» تفسير : وقال الله تعالى في هذه الآية الكريمة إخباراً عما يأمر به المشركين وأوثانهم يوم القيامة: {مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} الآية، أنهم أنكروا عبادتهم، وتبرؤوا منهم؛ كقوله: {أية : كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَـٰدَتِهِمْ} تفسير : [مريم: 82] الآية وقوله: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ} تفسير : [البقرة: 166] وقوله: {أية : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَـٰفِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ }تفسير : [الأحقاف:5-6] الآية، وقوله في هذه الآية إخباراً عن قول الشركاء فيما راجعوا فيه عابديهم عند ادعائهم عبادتهم: {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} الآية، أي: ما كنا نشعر بها ولا نعلم بها، وإنما كنتم تعبدوننا من حيث لا ندري بكم، والله شهيد بيننا وبينكم أنا ما دعوناكم إلى عبادتنا، ولا أمرناكم بها، ولا رضينا منكم بذلك. وفي هذا تبكيت عظيم للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره؛ ممن لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني عنهم شيئاً، ولم يأمرهم بذلك، ولا رضي به، ولا أراده، بل تبرأ منهم وقت أحوج ما يكونون إليه، وقد تركوا عبادة الحي القيوم السميع البصير القادر على كل شيء، العليم بكل شيء، وقد أرسل رسله، وأنزل كتبه آمراً بعبادته وحده لا شريك له، ناهياً عن عبادة ما سواه؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ} تفسير : [النحل: 36] وقال تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِىۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء: 25] وقال: {أية : وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ } تفسير : [الزخرف:45] والمشركون أنواع وأقسام كثيرون، قد ذكرهم الله في كتابه، وبين أحوالهم وأقوالهم، ورد عليهم فيما هم فيه أتم رد، وقال تعالى: {هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ} أي: في موقف الحساب يوم القيامة تختبر كل نفس، وتعلم ما سلف من عملها من خير وشر؛ كقوله تعالى: { أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ } تفسير : [الطارق: 9] وقال تعالى: {أية : يُنَبَّأُ ٱلإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} تفسير : [القيامة: 13] وقال تعالى: {أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَابًا يَلْقَـٰهُ مَنْشُورًا. ٱقْرَأْ كَتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} تفسير : [الإسراء:13-14] وقد قرأ بعضهم: (هنالك تتلو كل نفس ما أسلفت) وفسرها بعضهم بالقراءة، وفسرها بعضهم بمعنى تتبع ما قدمت من خير وشر، وفسرها بعضهم بحديث: «حديث : لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت» تفسير : الحديث، وقوله: {وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقِّ} أي: ورجعت الأمور كلها إلى الله الحكم العدل، ففصلها، وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار {وَضَلَّ عَنْهُمْ} أي: ذهب عن المشركين {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي: ما كانوا يعبدون من دون الله افتراء عليه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } أي الخلق {جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ } نُصِبَ بـ(الزموا) مقدّراً {أَنتُمْ } تأكيد للضمير المستتر في الفعل المقدّر ليعطف عليه {وَشُرَكَآؤُكُمْ } أي الأصنام {فَزَيَّلْنَا } ميَّزنا {بَيْنَهُمْ } وبين المؤمنين كما في آية { أية : وَٱمْتـٰزُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ } تفسير : [59:36] {وَقَالَ } لهم {شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } «ما» نافية، وقدّم المفعول للفاصلة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ} فيه قراءتان: إحداهما: بتاءين قرأ بها حمزة والكسائي، وفي تأويلها ثلاثة أوجه: أحدها: تتبع كل نفس ما قدمت في الدنيا، قاله السدي، ومنه قول الشاعر: شعر : إن المريب يتبع المريبا كما رأيت الذيب يتلو الذيبا تفسير : الثاني: تتلو كتاب حسناتها وكتاب سيئاتها، ومن التلاوة. والثالث: تعاين كل نفس جزاء ما عملت. والقراءة الثانية: وهي قراءة الباقين تتلو بالباء وفي تأويلها وجهان: أحدهما: تسلم كل نفس. الثاني: تختبر كل نفس، قاله مجاهد. {وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِ} أي مالكهم، ووصف تعالى نفسه بالحق، لأن الحق منه، كما وصف نفسه بالعدل، لأن العدل منه. فإن قيل فقد قال تعالى {أية : وَأَنَّ الْكَافرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ} تفسير : [محمد: 11] فكيف صار ها هنا مولى لهم؟ قيل ليس بمولى في النصرة والمعونة، وهو مولى لهم في الملكية. {وَضلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي بطل عنهم ما كانوا يكذبون.
ابن عطية
تفسير : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم والحسن وشيبة وغيرهم، " نحشرهم" بالنون، وقرأت فرقة: " يحشرهم " بالياء، والضمير في " يحشرهم " عائد على جميع الناس محسنين ومسيئين، و {مكانكم } نصب على تقدير لازموا مكانكم وذلك مقترن بحال شدة وخزي، و{مكانكم} في هذا الموضع من أسماء الأفعال إذ معناه قفوا واسكنوا، وهذا خبر من الله تعالى عن حالة تكون لعبدة الأوثان يوم القيامة يؤمرون بالإقامة في موقف الخزي مع أصنامهم ثم ينطق الله الأصمام بالتبري منهم. وقوله: {وشركاؤكم }، أي الذين تزعمون أنتم أنهم شركاء لله، فأضافهم إليهم لأن كونهم شركاء إنما هو بزعم هؤلاء، وقوله {فزيلنا بينهم} معناه فرقنا في الحجة والمذهب وهو من زلت الشيء عن الشيء أزيله، وهو تضعيف مبالغة لا تعدية، وكون مصدر زيل تزييلاً، يدل على أن زيل إنما هو فعل لا فيعل، لأن مصدره كان يجيء على فيعلة، وقرأت" فزايلنا "، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الكفار إذ رأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب قيل لهم اتبعوا ما كنتم تعبدون فيقولون كنا نعبد هؤلاء فتقول الأصنام: والله ما كنا نسمع ولا نعقل: {ما كنتم إيانا تعبدون } فيقولون والله لإياكم كنا نعبد فتقول الألهة {كفى بالله شهيداً } الآية. قال القاضي أبو محمد: وظاهر هذه الآية أن محاورتهم إنما هي مع الأصنام دون الملائكة وعيسى بن مريم بدليل القول لهم {مكانكم أنتم وشركاؤكم } ودون فرعون ومن عبد من الجن بدليل قولهم {إن كنا عن عبادتكم لغافلين}، وهؤلاء لم يغفلوا قط عن عبادة من عبدهم، و{أنتم } رفع بالابتداء والخبر موبخون أو مهانون، ويجوز أن يكون {أنتم} تأكيداً للضمير الذي في الفعل المقدر الذي هو قفوا أو نحوه. و {شهيداً} نصب على التمييز، وقيل على الحال، "وإنْ" هذه عند سيبويه هي مخففة موجبة حرف ابتداء ولزمتها اللام فرقاً بينها وبين "إن" النافية، وقال الفراء: "إن" بمعنى ما واللام بمعنى إلا، و {هنالك } نصب على الظرف، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر "تبلوا" بالباء بواحدة بمعنى اختبر، وقرأ حمزة والكسائي "تتلوا" بالتاء بنقطتين من فوق بمعنى تتبع أي تطلب وتتبع ما أسلفت من أعمالها، ويصح أن يكون بمعنى تقرأ كتبها التي ترفع إليها، وقرأ يحيى بن وثاب "ورِدوا" بكسر الراء والجمهور "وردوا إلى الله"، أي ردوا إلى عقاب مالكهم وشديد بأسه، فهو مولاهم في الملك والإحاطة لا في الرحمة والنصر ونحوه.
النسفي
تفسير : {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } أي الكفار وغيرهم {جَمِيعاً } حال {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ } أي الزموا مكانكم لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل بكم {أَنتُمْ } أكد به الضمير في {مكانكم} لسده مسد قوله الزموا {وَشُرَكَاؤُكُمْ } عطف عليه {فَزَيَّلْنَا } ففرَّقنا {بَيْنَهُمْ } وقطعنا أقرانهم والوصل التي كانت بينهم في الدنيا {وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ } من عبدوه من دون الله من أولي العقل أو الأصنام ينطقها الله عز وجل {مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } إنما كنتم تعبدون الشياطين حيث أمروكم أن تتخذوا الله أنداداً فأطعتموهم وهو قوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلَـٰئِكَةِ أَهَـؤُلاَء إِيَّاكُمْ } إلى قوله: {أية : بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ )} تفسير : سبأ:41) {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } أي كفى الله شهيداً وهو تمييز {إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَـٰفِلِينَ } {إن} مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية {هُنَالِكَ } في ذلك المكان أو في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان {تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ } تختبر وتذوق {مَّا أَسْلَفَتْ } من العمل فتعرف كيف هو أقبيح أم حسن، أنافع أم ضار، أمقبول أم مردود، وقال الزجاج: تعلم كل نفس ما قدمت. {تتلو} حمزة وعلي، أي تتبع ما أسلفت لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة أو النار، أو تقرأ في صحيفتها ما قدمت من خير أو شر، كذا على الأخفش {وَرُدُّواْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقّ } ربهم الصادق في ربوبيته لأنهم كانوا يتلون ما ليس لربوبيته حقيقة، أو الذي يتولى حسابهم وثوابهم العدل الذي لا يظلم أحداً {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } وضاع عنهم ما كانوا يدّعون أنهم شركاء لله، أو بطل عنهم ما كانوا يختلقون من الكذب وشفاعة الآلهة .
ابن عادل
تفسير : قوله - تعالى -: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} الآية. "يَوْمَ" منصوب بفعلٍ مقدَّر، أي: خوَّفهم، أو ذكرهم يوم، والضميرُ عائد على الفريقين أي: الذين أحسنوا، والذين كسبوا. و "جَمِيعاً": حال، ويجُوزُ أن يكون تأكيداً، عند من عدَّها من ألفاظ التَّأكيد. قوله: "مَكَانكُمْ" اسمٌ فعلٍ، ففسَّره النحويُّون بـ "اثبُتُوا" فيحمل ضميراً، ولذلك أكَّد بقوله: "أنْتُم"، وعطف عليه "شُرَكاؤكُم"؛ ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : 2896- وقَولِي كُلَّمَا جَشَأتْ وجاشَتْ مكانكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحي تفسير : أي: اثبتي، ويدلُّ على ذلك جزمُ جوابه، وهو "تُحْمَدي"، وفسَّره الزمخشري: بـ "الزمُوا" قال: مكانكُم، أي: الزموا مكانكُم، لا تبرَحُوا حتى تنظروا ما يفعل بكم". قال أبو حيَّان: وتقديره له بـ "الزمُوا" ليس بجيِّد، إذ لو كان كذلك؛ لتعدَّى كما يتعدَّى ما ناب هذا عنهُ، فإنَّ اسمَ الفعل يُعَامل معاملة مُسمَّاة، ولذلك لمَّا قدَّرُوا "عليك"، بمعنى: "الزم" عدَّوْه تعديته نحو: عليْكَ زيداً. قال شهابُ الدِّين "فالزمخشري قد سبق بهذا التَّفسير، والعُذرُ لمن فسَّرهُ بذلك، أنه قصد تفسير المعنى"، قال الحوفي: "مكانكُم نُصب بإضمار فعل، أي: الزمُوا مكانَكُم أو اثبُتوا". وكذلك فسرهُ أبو البقاء، فقال: "مَكَانَكُمْ" ظرفٌ مبنيٌّ؛ لوقوعه موقع الأمر، أي: "الزمُوا". وهذا الذي ذكره من كونه مبنيّاً، فيه خلاف للنحويين: منهم من ذهب إلى ما ذكر، ومنهم من ذهب إلى أنَّها حركةُ إعراب، وهذان الوجهان مبنيان على خلاف في أسماء الأفعال هل لها محلٌّ من الإعراب أو لا؟ فإن قلنا لها محلٌّ، كانت حركاتُ الظرفِ حركاتِ إعراب، وإن قلنا لا موضع لها، كانت حركاتِ بناءٍ، وأمَّا تقديره: بـ "الزَمُوا"، فقد تقدَّم جوابه. قوله: "أنْتُم" فيه وجهان: أحدهما: أنَّه تأكيدٌ للضمير المستتر في الظرف، لقيامه مقام الفاعل، كما تقدَّم التنبيه عليه. والثاني: أجازهُ ابن عطيَّة، وهو أن يكون مبتدأ، و "شُرَكاؤُكُم" معطوفٌ عليه، وخبرُهُ محذوفٌ، قال: "تقديره: أنتم وشركاؤكم مهانون، أو معذبون"، وعلى هذا فيوقفُ على قوله: "مَكَانَكُم" ثم يبتدأ بقوله: "أنتُم"، وهذا لا ينبغي أن يقال، لأنَّ فيه تفكيكاً لأفصحِ كلام، وتبتيراً لنظمه، من غير داعيةٍ إلى ذلك؛ ولأنَّ قراءة من قرأ "وشُرَكاءكُمْ" نصباً، تدل على ضعفه، إذ لا تكونُ إلاَّ من الوجه الأوَّل؛ ولقوله: "فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ"، فهذا يدلُّ على أنَّهم أمروا هُم وشُركاؤهم بالثّبات في مكانٍ واحدٍ، حتى يحصل التَّنزيل بينهم. وقال ابن عطية أيضاً: "ويجوزُ أن يكون "أنتُمْ" تأكيداً للضمير الذي في الفعل المقدَّر الذي هو "قفوا" ونحوه". قال أبُو حيَّان: وهذا ليس بجيّدٍ، إذ لو كان تأكيداً لذلك الضمير المتصل بالفعل، لجاز تقديمُه على الظَّرفِ، إذ الظرفُ لم يتحمَّل ضميراً على هذا القول، فيلزمُ تأخيره عنهُ، وهو غير جائزٍ، لا تقول: "أنت مكانك" ولا يحفظ من كلامهم. والأصحُّ: أنَّه لا يجوز حذفُ المؤكَّد في التَّأكيد المعنويِّ، فكذا هذا؛ لأنَّ التأكيد ينافي الحذف، وليس من كلامهم: "أنت زيداً" لمن رأيته قد شهر سيفاً، وأنت تُريد "اضرب أنت زيداً"، إنَّما كلامُ العرب: "زيداً" تُريدُ: اضرب زيداً. قال شهاب الدِّين: "لَمْ يَعْنِ ابنُ عطيَّة، أنَّ "أنْتَ" تأكيد لذلك الضمير في "قِفُوا" من حيث إنَّ الفعل مرادٌ غير منُوبٍ عنهُ؛ بل لأنَّه ناب عنه هذا الظرفُ، فهو تأكيدٌ له في الأصل؛ قبل النِّيابة عنه بالظرف، وإنَّما قال: الذي هو "قفوا" تفسيراً للمعنى المقدر". وقرأ فرقة "وشُرَكاءكُمْ" نصباً على المعيَّة، والنَّاصب له اسم الفعل. قوله: "فَزَيَّلْنَا"، أي: فرَّقنا وميَّزنا؛ كقوله - تعالى -: {أية : لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا}تفسير : [الفتح:25]. واختلفوا في "زيَّل" هل وزنه فعَّل أو فيعل؟. والظاهر الأول، والتضعيفُ فيه للتَّكثيرِ، لا للتَّعدية، لأنَّ ثلاثيه مُتعدِّ بنفسه، حكى الفراء: "زِلْتُ الضَّأن من المعز، فلم تَزِل" ويقال زلتُ الشَّيء من مكانه أزيلُهُ، وهو على هذا من ذوات الياء. والثاني: أنه فَيْعَل كبيطر وبيقر، وهو من زالَ يزولُ، والأصل: "زَيْوَلْنَا"، فاجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسُّكون، فأعلت بقلب الواو ياء، وإدغام الياء فيها، كـ "مَيِّت وسيِّد" في: ميوت سَيْود، وعلى هذا فهو من مادة الواو، وإلى هذا ذهب ابنُ قتيبة، وتبعه أبو البقاء. وقال مكِّي: "ولا يجوز أن يكون فعَّلنا من زال يزول؛ لأنَّه يلزم في الواو فيكون زَوَّلنا". وهذا صحيحٌ، وقد تقدَّم تحرير ذلك في قوله: {أية : أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ}تفسير : [الأنفال:16]. وردَّ أبو حيَّان كونه "فَيْعَل"، بأنَّ "فَعَّلَ" أكثر من "فَيْعَل"؛ ولأنَّ مصدره التَّنزيل، ولو كان "فَيْعل"، لكان مصدره "فَيْعلة" كبيطرة؛ لأن "فَيْعَل" ملحقٌ "بفَعْلَلَ"، ولقولهم في معناه: "زَايَل"، ولم يقولوا: "زاول"، بمعنى: "فارق"، إنَّما قالوه بمعنى: "حَاول وخالط"، وحكى الفرَّاء: "فَزايَلْنا"، وبها قرأت فرقة، قال الزمخشري: "مثل صَاعَرَ خدَّه، وصعَّره، وكالمتُه وكلَّمتُه". يعني: أنَّ "فاعل" بمعنى: "فعَّل"، و "زَايلَ" بمعنى: "فَارَقَ". قال: [الطويل] شعر : 2897- وقَالَ العَذَارَى: إنَّما أنْتَ عَمُّنَا وكَانَ الشَّبَابُ كالخَليطِ يُزايلُهْ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 2898- لعَمْري لمَوْتٌ لا عُقُوبةَ بعدَهُ لِذي البَثِّ أشْفَى من هَوًى لا يُزايلهْ تفسير : أي: يفارقه. وقوله - تعالى -: "فَزيَّلْنا"، و "قال" هذان الفعلان ماضيان لفظاً، مستقبلان معنًى؛ لعطفهما على مستقبل، وهو "ويَوْمَ نَحْشُرهُمْ"، وهما نظيرُ قوله - تعالى -: {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ}تفسير : [هود:98]. و "إِيَّانَا": مفعولٌ مقدمٌ، قُدِّم للاهتمام به والاختصاص، وهو واجبُ التَّقديم على ناصبه؛ لأنَّه ضميرٌ منفصلٌ، لو تأخَّر عنه، لزم اتِّصاله، وقد تقدَّم الكلامُ على ما بعد هذا من "كَفَى" المخففة، واللاَّم التي بعدها، بما يُغْنِي عن الإعادة. [البقرة198]. فصل المعنى "ويَوْمَ نَحْشُرهُمْ" العابد والمعبُود، ثمَّ إن المعبود يتبرَّأ من العابد، ويتبيَّن لهُ أنَّه ما فعل ذلك بعلمه وإرادته، ونظيرهُ قوله - تعالى -: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ}تفسير : [البقرة:166]، وقوله: {أية : ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ}تفسير : [سبأ:40]. و "الحَشْر": الجمع من كل جانبٍ إلى موقفٍ واحدٍ {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ} أي: الزَمُوا مكانكم "وشُرَكاؤكُم" يعني: الأوثان، حتَّى تسألوا، "فزيَّلْنَا بَيْنَهُم" أي: ميَّزنا وفرَّقنا بينهم، وجاءت هذه الكلمة على لفظ الماضي، بعد قوله: "ثُمَّ نقُولُ" وهو مستقبل؛ لأنَّ ما جاءكم الله بِهِ، سيكون صار كالكائن الآن، كقوله: {أية : وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ}تفسير : [الأعراف:44]. وأضاف الشُّركاء إليهم؛ لأنَّهم جعلُوا لهم نصيباً من أموالهم. وقيل: لأنَّ الإضافة يكفي فيها أدنى تعليق، فلمَّا كان الكُفَّار هُم الذين أثبتُوا هذه الشَّركة، حسنت إضافة الشركاءِ إليهم، وقيل: لمَّا خاطب العابدين والمعبودين بقوله "مَكانَكُم" صارُوا شُركاء في هذا الخطاب. قال بعض المُفسِّرين: المراد بهؤلاء الشُّركاء: الملائكة، واستشهدُوا بقوله - تعالى -: {أية : ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ}تفسير : [سبأ:40]، وقيل: هم الأصنام، ثم اختلف هؤلاء كيف ذكرت الأصنام هذا الكلام؟ فقيل: إن الله - تعالى - يخلقُ فيها الحياة والعقل والنُّطق، وقيل: يخلق فيهم الرُّوح من غير حياةٍ، حتَّى يسمعُوا منهم ذلك. فإن قيل: إذا أحياهُم الله هل يبقيهم أو يفنيهم؟. فالجوابُ: أنَّ الكلَّ محتملٌ، ولا اعتراض على الله في أفعاله، وأحوال القيامة غير معلومة، إلاَّ القليل، ولا شك أن هذا خطاب تهديدٍ في حق العابدين، فهل يكُون تهديداً في حق المعبودين؟ قالت المعتزلة: لا يجُوزُ ذلك؛ لأنَّه لا ذنب للمعبود، ومن لا ذنب له، لم يصحَّ تهديده، وتخويفه، وقال أهلُ السُّنَّة: لا يسأل عما يفعل. فإن قيل: قول الشركاء: {مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} وهم كانوا قد عبدوهم، يكون كذباً، وقد تقدَّم في سورة الأنعام، اختلاف الناس في أنَّ أهل القيامة هل يكذبون أم لا؟. والجواب ههنا: أنَّ منهم من قال: المراد من قولهم: "مَا كُنتُمْ إيَّانَا تَعْبُدُونَ": هو أنَّكُم ما عبدْتُمُونَا بأمرنا وإرادتنا؛ لأنَّهم استشهدوا بالله في ذلك بقولهم: {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}، وبقولهم: {إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ}، ومن النَّاس من أجْرَى الآية على ظاهرها، وقالوا: إنَّ الشُّركاء أخبروا أنَّ الكفار ما عبدوها لوجوه: الأول: أنَّ ذلك الموقف موقفُ دهشة وحيرة، فذلك الكذبُ جارٍ مجرى كذب الصبيان، والمجانين والمدهوشين. الثاني: أنَّهم ما أقامُوا لأعمال الكُفَّار وزناً، وجعلوها لبطلانها كالعدم، فلهذا قالوا: ما عبدونا. الثالث: أنهم تخيَّلوا في الأصنام التي عبدوها صفات كثيرة، فهم في الحقيقة إنَّما عبدوا ذواتاً موصوفة بتلك الصفات، ولمَّا كانت ذواتها خالية عن تلك الصفات، فهم ما عبدوها، وإنما عبدوا أموراً تخيَّلُوها ولا وجود لها في الأعيان، وتلك الصِّفات التي تخيَّلوها في الأصنام: أنها تضرُّ، وتنفع، وتشفع عند الله. قوله تعالى: {هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ} الآية. في "هُنالِكَ" وجهان: أظهرهما: بقاؤه على أصله، من دلالته على ظرف المكان، أي: في ذلك الموقف الدَّحض، والمكان الدَّهش. وقيل: هو هنا ظرف زمان على سبيل الاستعارة، ومثله {أية : هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}تفسير : [الأحزاب:11]، أي: في ذلك الوقت؛ وكقوله: [الكامل] شعر : 2899- وإذَا الأمُورُ تَعاظَمَتْ وتَشاكَلَتْ فهُناكَ يَعْترِفُون أيْنَ المفْزعُ تفسير : وإذا أمكن بقاء الشيء على موضوعه، فهو أولى. وقرأ الأخوان "تَتْلُو" بتاءين منقوطتين من فوق، أي: تطلب وتتبع ما أسلفته من أعمالها، ومن هذا قوله: [الرجز] شعر : 2900- إنَّ المُريبَ يتْبَعُ المُرِيبَا كَمَا رَأيْتَ الذِّيبَ يتلُو الذِّيبَا تفسير : أي: يتبعه ويتطلَّبه، ويجوز أن يكون من التلاوة المتعارفة، أي: تقرأ كلُّ نفس ما عملته مسطَّراً في صحف الحفظة، لقوله - تعالى -: {أية : يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا}تفسير : [الكهف:49]، وقوله: {أية : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً}تفسير : [الإسراء:13]. وقرأ الباقون: "تَبْلُو" من البلاء، وهو الاختبار، أي: يعرف عملها: أخيرٌ هو أم شر، وقرأ عاصم في رواية "نَبلو" بالنُّون والباء الموحَّدة، أي: نَخْتَبر نحنُ، و "كُلَّ" منصُوب على المفعول به، وقوله "مَا أسْلفَتْ" على هذا القراءة يحتمل أن يكون في محلِّ نصبٍ، على إسقاطِ الخافض، أي: بما أسْلفَتْ، فلمَّا سقط الخافض، انتصب مَجْرُوره؛ كقوله: [الوافر] شعر : 2901- تَمُرُّونَ الدِّيارَ فَلَمْ تَعُوجُوا كلامُكُمُ عليَّ إذنْ حَرَامُ تفسير : ويحتمل أن يكون منصوباً على البدل من "كُلُّ نَفْسٍ" ويكون من بدل الاشتمال. ويجُوزُ أن يكون "نَبْلُو" من البلاء، وهو العذاب. أي: نُعَذِّبها بسبب ما أسلفت، و "مَا" يجوز أن تكون موصولةً اسمية، أو حرفية، أو نكرة موصوفة، والعائدُ محذوفٌ على التقدير الأول، والآخر دون الثاني على المَشْهُور. وقرأ ابنُ وثَّاب: "وَرِدُّوا" بكسر الرَّاء، تشبيهاً للعين المضعفة بالمعتلَّة، نحو: "قيل" و "بيع"، ومثله: [الطويل] شعر : 2902- ومَا حِلَّ مِنْ جَهْلٍ حُبَا حُلمائِنَا ................................ تفسير : بكسر الحاء، وقد تقدَّم بيانُ ذلك [البقرة:11]. قوله: "إِلَى ٱللَّهِ" لا بُدَّ من مضاف، أي: إلى جزاءِ الله، أو موقف جزائه. والجمهور على "الحقِّ" جرًّا، وقرئ منصوباً على أحد وجهين: إمَّا القطع، وأصله أنَّه تابعٌ، فقطع بإضمار "أمدح"، كقولهم: الحمدُ لله أهل الحمد. وإمَّا أنَّه مصدرٌ مؤكِّدٌ لمضمونِ الجملة المتقدمة، وهو "رُدُّوا إلى الله" وإليه نحا الزمخشريُّ. قال: كقولك: "هذا عبدُ الله الحَقُّ، لا الباطل" على التَّأكيد؛ لقوله: "رُدُّوا إلى اللهِ". وقال مكِّي: "ويجوزُ نصبهُ على المصدر، ولم يُقرأ به"، وكأنَّه لم يطلع على هذه القراءة، وقوله: "مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ" "مَا" تحتمل الأوجُه الثلاثة. المعنى: "هُنالِكَ": في ذلك الوقت، "نَبْلُو" أي: نختبر، والمعنى: يفعلُ بها فعل المختبر، وعلى القراءة الأخرى: أنَّ كلَّ نفس نختبر أعمالها، في ذلك الوقت. {وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} أي: رُدُّوا إلى جزاءِ الله، قال ابن عبَّاسٍ: "مولاهُمُ الحقّ" أي: الذي يجازيهم بالحق، وقيل: جعلوا ملجئين إلى الإقرار بإلاهيته "مولاهُمُ الحقِّ" أي: أعرضُوا عن المولى الباطل، ورجعُوا إلى المولى الحقِّ، وقد تقدَّم تفسير {أية : مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ}تفسير : [الأنعام:62] في الأنعام. "وضلَّ عَنْهُم": زال وبطل، "مَّا كانُوا يفْتَرون" أي: يعبدون، ويعتقدُون أنهم شفعاء، فإن قيل: قد قال: {أية : وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ}تفسير : [محمد:11]، قيل: المولى هناك هو الناصر، وههنا بمعنى الملك.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ويوم نحشرهم} قال: الحشر الموت. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {فزيلنا بينهم} قال: فرقنا بينهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال: يأتي على الناس يوم القيامة ساعة فيها لين، يرى أهل الشرك أهل التوحيد يغفر لهم فيقولون {أية : والله ربنا ما كنا مشركين} تفسير : [الأنعام: 23] قال الله {أية : أنظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} تفسير : [الأنعام: 24] ثم يكون من بعد ذلك ساعة فيها شدة، تنصب لهم الآلهة التي كانوا يعبدون من دون الله فيقول: هؤلاء الذين كنتم تعبدون من دون الله؟ فيقولون: نعم، هؤلاء الذين كنا نعبد. فتقول لهم الآلهة: والله ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا. فيقولون: بلى، والله لإِياكم كنا نعبد. فتقول لهم الآلهة {فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين} . وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يمثل لهم يوم القيامة ما كانوا يعبدون من دون الله فيتبعونهم حتى يوردوهم النار، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت} ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه. أنه كان يقرأ "هنالك تتلو" بالتاء قال: هنالك تتبع. وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه "هنالك تتلو" يقال: تتبع. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه {هنالك تبلوا} يقول: تختبر. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه {هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت} قال: عملت. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه {هناك تبلوا} قال: تعاين {كل نفس ما أسلفت} قال: عملت {وضل عنهم ما كانوا يفترون} قال: ما كانوا يدعون معه من الأنداد. وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله {وردوا إلى الله مولاهم الحق} قال: نسختها قوله {أية : مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم} تفسير : [محمد: 11]. وأخرج ابن أبي حاتم عن حرملة بن عبد العزيز قال: قلت لمالك بن أنس رضي الله عنه: ما تقول في رجل أمره يقيني؟ قال: ليس ذلك من الحق. قال الله {فماذا بعد الحق إلا الضلال} . وأخرج ابن أبي حاتم عن أشهب رضي الله عنه قال: سئل مالك عن شهادة اللعاب بالشطرنج والنرد فقال: أما من أدمنها فما أرى شهادتهم طائلة. يقول الله {فماذا بعد الحق إلا الضلال} والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} كلامٌ مسأنفٌ مسوقٌ لبـيان بعضٍ آخرَ من أحوالهم الفظيعةِ، وتأخيرُه في الذكر مع تقدمه في الوجود على بعض أحوالِهم المحكيةِ سابقاً للإيذان باستقلال كلَ من السابق واللاحقِ بالاعتبار، ولو روعيَ الترتيبُ الخارجيُّ لعُدَّ الكلُّ شيئاً واحداً كما مر في قصة البقرة ولذلك فصل عما قبله، ويومَ منصوبٌ على المفعولية بمضمر أي أنذرْهم أو ذكرْهم، وضمير نحشُرهم لكلا الفريقين الذين أحسنوا والذين كسبوا السيئاتِ لأنه المتبادرُ من قوله تعالى: {جَمِيعاً} ومن أفراد الفريقِ الثاني بالذكر في قوله تعالى: {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} أي نقول للمشركين من بـينهم ولأن توبـيخَهم وتهديدَهم على رؤوس الأشهادِ أفظعُ والإخبارُ بحشر الكلِّ في تهويل اليومِ أدخل، وتخصيصُ وصفِ إشراكهم بالذكر في حيز الصلةِ من بـين سائر ما اكتسبوه من السيئات لابتناء التوبـيخِ والتقريعِ عليه مع ما فيه من الإيذان بكونه معظمَ جناياتِهم وعمدةَ سيئاتِهم، وقيل: للفريق الثاني خاصةً فيكون وضعُ الموصولِ موضعَ الضميرِ لما ذكر آنفاً {مَكَانَكُمْ} نُصب على أنه في الأصل ظرفٌ لفعيل أقيم مُقامه لا على أنه اسمُ فعل، وحركتُه حركةُ بناءٍ كما هو رأيُ الفارسي، أي الزَموه حتى تنظُروا ما يفعل بكم {أَنتُمْ} تأكيدٌ للضمير المنتقل إليه من عامله لسده مسدَّه {وَشُرَكَاؤُكُمْ} عطفٌ عليه وقرىء بالنصب على أن الواوَ بمعنى مع {فَزَيَّلْنَا} من زيّلت الشيء مكانه أُزيِّله أي أزلتُه، والتضعيف للتكثير لا للتعدية وقرىء فزايلنا بمعناه نحو كلّمتُه وكالمته وهو معطوفٌ على نقول، وإيثارُ صيغةِ الماضي للدِلالة على التحقق المورِّثِ لزيادة التوبـيخِ والتحسيرِ، والفاءُ للدِلالة على وقوع التزيـيل ومباديه عقيبَ الخطابِ من غير مُهلةٍ إيذاناً بكمال رخاوةِ ما بـين الفريقين من العلاقة والوصلةِ أي ففرقنا {بَيْنَهُمْ} وقطّعنا أقرانَهم والوصائل التي كانت بـينهم في الدنيا لكن لا من الجانبـين بل من جانب العبَدةِ فقط لعدم احتمالِ شمولِ الشركاءِ للشياطين كما سيجيء فخابت آمالُهم وانصرمت عُرى أطماعِهم وحصل لهم اليأسُ الكليُّ من حصول ما كانوا يرجونه من جهتهم، والحالُ وإن كانت معلومةً لهم من حين الموتِ والابتلاءِ بالعذاب لكن هذه المرتبةَ من اليقين إنما حصلت عند المشاهدةِ والمشافهةِ، وقيل: المرادُ بالتزيـيل التفريقُ الحسيُّ أي فباعدنا بـينهم بعد الجمعِ في الموقفِ وتبرُّؤ شركائِهم منهم ومن عبادتهم كما في قوله تعالى: {أية : أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا }تفسير : [غافر: 73] فالواو حينئذ في قوله تعالى: {وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ} حاليةٌ بتقدير كلمةِ قد عند من يشترطها وبدونه عند غيرِه ولا عاطفة كما في التفسير الأول لاستدعاء المحاورةِ المحاضرةَ الفائتةَ بالمباعدة وليس في ترتيب التزيـيلِ بهذا المعنى على الأمر بلزوم المكانِ ما في ترتيبه عليه بالمعنى الأول من النكتة المذكورةِ ليُصار لأجل رعايتِها إلى تغيـير الترتيبِ الخارجيِّ فإن المباعدةَ بعد المحاورةِ حتماً، وأما قطعُ الأقران والعلائق فليس كذلك بل ابتداؤُه حاصلٌ من حين الحشر، بل بعضُ مراتبه حاصلٌ قبله أيضاً وإنما الحاصلُ عند المحاورةِ أقصاها كما أشير إليه اعتداداً بما في تقديمه من التغيـير لا سيما مع رعاية ماذكر من النكتة، ولو سلم تأخرُ جميعِ مراتبِه عن المحاورة فمراعاةُ تلك النكتةِ كافيةٌ في استدعاء تقديمِه عليها ويجوز أن تكون حاليةً على هذا التقديرِ أيضاً، والمرادُ بالشركاء قيل: الملائكةُ وعُزيرٌ والمسيحُ وغيرُهم ممن عبدوه من أولي العلم ففيه تأيـيدٌ لرجوع الضميرِ إلى الكل. وقولهم: {مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} عبارةٌ عن تبرئهم من عبادتهم وأنهم إنما عبدوا في الحقيقة أهواءَهم وشياطينَهم الذين أغوَوْهم لأنها الآمرةُ لهم بالإشراك دونهم كقولهم: {أية : سُبْحَـٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ } تفسير : [سبأ: 41] الآية، وقيل: الأصنامُ يُنطِقها الله الذي أنطق كلَّ شيء فتُشافِهُهم بذلك مكانَ الشفاعةِ التي كانوا يتوقعونها.
القشيري
تفسير : يجمع بين الكفار والأصنام التي عبدوها من دون الله، فتقول الأصنام: ما أمرناكم بعبادتنا. فيدعون على الشياطين التي أطاعوها، وعلى الأصنام التي أمرتهم أن يعبدوها، وتقول الأصنام: كفى بالله شهيداً، على أنَّا لم نأمركم بذلك؛ إذ كُنَّا جماداً. وذلك لأنَّ اللَّهِ يُحْيِيها يوم القيامة ويُنْطِقها. وفي الجملة.. يتبرَّأُ بعضُهم مِنْ بعض، ويذوقُ كلُّ وبالَ فِعْلِه. وفائدةُ هذا التعريف أنه ما ليس لله فهو وبالٌ عليهم؛ فاشتغالُهم - اليوم - بذلك مُحَالٌ، ولهم في المآلِ - مِنْ ذلك - وبالُ.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويوم نحشرهم} يوم منصوب على المفعولية بفعل مضمر اى انذرهم او ذكرهم وضمير نحشرهم لكلا الفريقين الذين احسنوا والذين كسبوا السيآت لانه المتبادر من قوله {جميعا} حال من الضمير اى مجتمعين لا يشذ منهم فريق {ثم نقول للذين اشركوا} اى نقول للمشركين من بينهم {مكانكم} نصب على انه فى الاصل ظرف لفعل اقيم مقامه لا على انه اسم فعل وحركته حركة بناء كما هو رأى الفارسى اى الزموا مكانكم حتى تنظروا ما يفعل بكم {أنتم} تأكيد للضمير المنتقل اليه من عامله لسده مسده {وشركاؤكم} عطف عليه {فزيلنا} من زلت الشيء عن مكانه ازيله اى ازالته والتضعيف فيه للتكثير لا للتعدية لان ثلاثيه متعد بنفسه وهذا التزييل وان كان مما سيكون يوم القيامة الا انه لتحقق وقوعه صار كالكائن الآن فلذلك جاء بلفظ الماضي بعد قوله نحشر ونقول اى ففرقتا {بينهم} وبين الآلهة التى كانوا يعبدونها وقطعنا العلائق والوصل التى كانت بينهم فى الدنيا فخابت اعمالهم وانصرمت عرى اطماعهم وحصل لهم اليأس الكلى من حصول ما كانوا يرجونه من جهتهم والحال وان كانت معلومة لهم من حين الموت والابتلاء بالعذاب لكن هذه المرتبة من اليقين انما حصلت عند المشاهدة والمشافهة {وقال شركاؤهم} التى كانوا يعبدونها ويثبتون الشركة لها وهم الملائكة وعزير والمسيح وغيرهم ممن عبدوه من اولى العلم. وقبل الاصنام ينطقها الله الذى انطق كل شيء {ما كنتم ايانا تعبدون} مجاز من براءة الشركاء من عبادة المشركين حيث لم تكن تلك العبادة بامر الشركاء وارادتهم وانما الامر بها هو اهواؤهم والشياطين فالمشركون انما عبدوا فى الحقيقة اهواءهم وشياطينهم الذين اغووهم
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (مكانكم): مفعول، أي: الزموا مكانكم، و(أنتم) تأكيد للضمير المنتقل إليه، و(شركاؤكم) عطف عليه. يقول الحق جل جلاله: {و} اذكر {يوم نحشرهم جميعاً} يعني فريق الحسنى، وفريق النار، {ثم نقول للذين أشركوا} الزموا {مكانَكم} من الخزي والهوان، حتى تنظروا ما يُفعل بكم، {أنتم شركاؤُكم} معكم، تمثيل حينئذ معهم، {فزَيَّلنا}: فرَّقنا {بينهم} وقطعنا الوُصل التي كانت بينهم، {وقال شركاؤهم}، ينطقها الله تعالى تكذيباً لهم فتقول: {ما كنتم إيانا تعبدون}، وإنما عبدتم في الحقيقة أهواؤكم؛ لأنها الأمارة لكم بالإشراك. وقيل: المراد بالشركاء: الملائكة والمسيح. {فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم}، فإنه العالم بحقيقة الحال، {إن كنا} أي: إنه الأمر والشأن كنا {عن عبادتكم لغافلين}، لم نأمركم بها ولم نرضها. قال ابن عطية: وظاهرة هذه الآية أن محاورتهم إنما هي مع الأصنام دون الملائكة وعيسى، بدليل القول لهم: {مكانكم أنتم وشركاؤكم}. ودون فرعون، ومن عُبد من الجن، بدليل قوله: {إن كنا عن عبادتكم لغافلين}، وهؤلاء لم يغفلوا قط عن عبادة من عبدهم. هـ. {هنالك تَبْلُو}: في ذلك المقام تبلو {كلُّ نفس ما أسلفتْ} أي: تختبر ما قدمت من الأعمال خيراً أو شراً؛ فتعاين نفعه وضرره، وقرأ الأخوان: "تتلوا" من التلاوة، أي: تقرأه في صحائف أعمالها، أو من التلوِ، أي: تتبع عملها فتقودها إلى الجنة أو النار. والمعنى: تفعل بها فعل المختبر لحالها المعرّف لسعادتها وشقاوتها، فتعرف ما أسلفت من أعمالها، {ورُدُّوا إلى النار}: إلى جزائه إياها بما أسلفوا، {مولاهُمُ الحقّ} أي: متولِّي أمورهم على الحقيقة، لا ما اتخذوه مَولى بافترائهم، {وضلَّ} أي: ضاع وغاب {عنهم ما كانوا يفترون} من أن آلهتهم تشفع لهم، أو كانوا يدّعون أنها آلهة. الإشارة: من أحب شيئاً كان عبداً له، ومن عبد شيئاً حُشر معه. رُوي: أن الدنيا تبعث على صورة عجوز شمطاء زرقاء، تنادي: أين أولادي وأحبابي؟ ثم تذهب إلى جهنم فيذهبون معها. فمن عبد دنياه وهواه وقف موقف الهوان، ومن أحب مولاه ولم يحب معه شيئاً سواه، وقف موقف العز والتقريب في مواطن الإحسان. فهناك تفضح السرائر، وتكشف الضمائر، وتظهر مقامات الرجال، ويفتضح من أسر النقص وادعى الكمال فيرتفع المقربون إلى شهود مولاهم الحق، ويبقى المدعون مع حظوظهم في حجاب الحس والخلق. والله تعالى أعلم. ثم عرّفهم من يستحق العبادة، فقال: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}.
الطوسي
تفسير : اخبر تعالى في هذه الآية أنه يوم يحشر الخلائق أجمعين. والحشر هو الجمع من كل أوب إلى الموقف، وإنما يقومون من قبورهم إلى ارض الموقف {ثم نقول للذين أشركوا} يعني من اشرك مع الله في عبادته غيره، والمشرك بالاطلاق لا يقال إلا فيمن أشرك في العبادة، لانها صفة ذم مثل كافر وظالم وقوله {مكانكم} معناه انتظروا مكانكم. {جميعاً} نصب على الحال و {مكانكم} نصب على الامر كأنه قال انتظروا مكانكم حتى نفصل بينكم. ويقول المتوعد لغيره: مكانك فانتظر، يستعمل ذلك في الوعيد. وقوله {أنتم وشركاؤكم} يعني انتظروا انتم مع شركائكم الذين عبدتموهم من دون الله. وقوله {فزيلنا بينهم} مأخوذ من قولهم زلت الشيء عن مكانه ازيله - وزيلنا للكثرة من هذا - اذا نحيته عن مكانه وزايلت فلاناً إذا فارقته. وقال القتيبي: وهو مأخوذ من زال يزول، وهو غلط وخلاف لقول جميع المفسرين وأهل اللغة. والتزييل التفريق. والمعنى فرقنا بين المشركين بالله وما أشركوا به. وقوله {وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون} قيل في معناه قولان: احدهما - قال مجاهد: انه ينطق الأوثان يوم القيامة فيقولوا: ما كنا نشعر بأنكم إيانا تعبدون. والثاني - ان ذلك قول من كانوا يعبدونهم من الشياطين. وفي كيفية جحدهم لذلك قولان: احدهما - انهم يقولون ذلك على وجه الاهانة بالرد عليهم. والمعنى ما اعتذرنا بذلك لكم. والآخر - انه في حال دهش ككذب الصبي. وقال الجبائي: يريد انكم لم تعبدونا بأمرنا ودعائنا ولم يرد انهم لم يعبدوها أصلا، لأن ذلك كذب وهو لا يقع في الآخرة لكونهم ملجئين إلى ترك القبيح. وهذه الاية نظيرة قوله {أية : إذ تبرّأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } تفسير : وكان مجاهد يقول: الحشر ها هنا هو الموت. والأول اولى.
الهواري
تفسير : قوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} أي نحشر المشركين من قبورهم وما كانوا يعبدون من دون الله جميعاً. {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ} يعني الأوثان التي عبدها المشركون في الدنيا. قال الحسن: إن الله يحشر الأوثان المعبودة في الدنيا بأعيانها، فتخاصم عُبَّادها الذين عبدوها في الدنيا. قال: { فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} أي بالمسألة؛ فسألنا المشركين على حدة، والأوثان على حدة. { وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم} يعني الأوثان تقول للمشركين { مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ}. أي ما كانت عبادتكم إيانا دعاء منا لكم، وإنما كان دعاكم إلى عبادتنا الشيطانُ. وهو كقوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} يعني الصابين ومن عبد الملائكة {وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ} يعني الملائكة {فَيَقُولُ} للملائكة {ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} على الاستفهام، وهو أعلم بذلك، تعالى وتقدّس. {قَالُوا} أي الملائكة {سُبْحَانَكَ} ينزهون الله عن ذلك {أية : مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ}تفسير : [الفرقان:17-18] أي: ما كان ينبغي لنا أن نتولاهم على عبادتهم إيانا دونك، ولم نفعل ذلك. وبعضهم يقرأها: {مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ}. يقول: ما كان ينبغي لنا أن يتخذونا أولياء من دونك يعبدوننا. قوله: { فَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا} [أي لقد كنا] { عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} أي إنا لم نأمركم بذلك.
اطفيش
تفسير : {ويَومَ} أى واذكر يوم {نحْشُرهم} أى يجمع الناس كلهم مؤمنهم وكافرهم من مواضعهم وقبورهم المتفرقة، وقرأت فرقة: يحشرهم بالمثناة التحتية، أى الله {جَمِيعاً} حال مؤكدة {ثم نقُولُ للذِينَ أشْركُوا} منهم، وإن أعدنا الهاء إلى الكفار فقط، فالذين موضوع موضع ضمير ليذكر شركهم لشركائهم، وما يناسب ذلك، ومفعول أشركوا محذوف، أى أشركوا بالله غيره، أو لا يقدر له مفعول، لأن المراد مجرد نسبة الإشراك إليهم. {مَكانَكُم} اسم فعل بمعنى الزموا بوصل الهمزة وفتح الزاى ففيه ضمير مستتر وهو فاعله، وقيل: هو ظرف مكان ناب مناب الزموا فاستتر فيه ضمير الزموا، أو الأصل الزموا مكانكم بنصبه على المفعولية، فلما حذف عامله ناب عنه واستتر فيه ضمير، ويجوز تقدير لازموا فى تلك الأوجه، ويجوز كونه اسم فعل بمعنى قفوا، أو ظرف نائب عن قفوا، وفيه ضمير مستتر، والفتح إعراب فى النيابة والظرفية، وبناء فى كونه اسم فعل. {أنتُم} تذكيد للضمير المستتر {وشُركاؤكم} عطف على المستتر للفصل بأنتم، وقرئ بالنصب على المعية، والشركاء الأوثان، وفى أمرهم بالوقوف تهديد لهم، كأنه قيل: مكانكم أنتم وشركاؤكم حتى تنظروا ما يفعل بكم، ويجوز أن يكون أنتم مبتدأ، والجزم محذوف، أى أنتم وشركاؤكم مهانون أو مسئولون، وقيل: الشركاء الجن المعبودون، والآدميون المعبودون كفرعون، فأنتم أيضا تأكيد أو مبتدأ محذوف الخبر، يقدر كما مر، أو يقدر موبخون أو معذبون، وقيل: هم الملائكة والمسيح ومريم وعزير ونحوهم، فعلى جعل أنتم مبتدأ يقدر الخبر مسئولون. {فزيَّلْنا بينَهم} فرقنا بينهم، وقطعنا الوصل التى كانت بينهم، وذلك على تناول الكفرة الاتصال بالأوثان ونحو الجن وفرعون، والاجتماع بهم فى الدنيا، أو تناولهم الاجتماع والاتصال المعنونيين بالملائكة وعيسى ونحوه، أزال الله ذلك بإظهار الحق فى الآخرة، فكانوا لا يتناولون ذلك فيها، فذلك هو التزييل للاتصال الذى ادعوه بدون أن ترضى به الملائكة ونحو عيسى، وبدون أن يتناولوا الاتصال بهؤلاء الكفرة، وربما لم يعلموا بعبادتهم، ويجوز أن يراد بالتزييل التفريق بعد الجمع فى المحشر، أو تبرؤ المعبودين من العابدين وعبادتهم والتشديد للمبالغة من زال ظانه من معزة يزيله بفتح الياء الأولى وكسر الزاى، أى أزاله منه، وفرق بينهما، وقرأت فرقة فزايلنا بينهم، والماضى مستعمل فى معنى المضارع، أو صور يوم القيامة، كأنه قد وقع التزييل لتحقق وقوعه بعد لا محالة. {وقالَ شُرَكاؤهُم} إضافة الشركاء فى الموضعين، إنما هى على زعمهم الفاسد، كأنه قيل: الذين هم شركاء الله فى زعمهم {ما كُنْتُم إيَّانا} مفعول قدم للفاصلة {تعْبدُونَ} شبه حال الشركاء بالنطق، فأسند إليها القول، كما تقول: نطقت الحال بكذا، وذلك فى الأوثان، وقيل: ينطقها الله لهم بذلك ليشتد خزيهم، لأنهم يرجون شفاعتها، واما إن كان الشركاء عقلاء فالقول حقيقة، أما الجن وفرعون ونحوهم فينفون العبادة كذباً، وأما الملائكة ونحو عيسى فينفونها، لأنهم لم يدروا بها، وإن دروا بها فمعنى نفيها إنما فعلتم من العبادة ليس عبادة لنا، لأنا لم نأمركم به، وإنما هو عبادة وطاعة للشياطين الذين أمروكم به وأهواءكم، وأما نفى الأوثان إياها فلعدم علمها، ولأنها لم تأمرهم فيكون ذلك طاعة لأمرها، وذلك أن العبادة طاعة، ويلقيهم الله مع الأوثان فى النار يعذبون بها أبدا، ولا تتألم الأوثان.
الالوسي
تفسير : {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} كلام مستأنف مسوق لبيان بعض آخر من أحوالهم الفظيعة، وتأخيره في الذكر مع تقدمه في الوجود على بعض أحوالهم المحكية سابقاً كما قال بعض المحققين للإيذان باستقلال كل من السابق واللاحق بالاعتبار ولو روعي الترتيب الخارجي لعد الكل شيئاً واحداً ولذلك فصل عما قبله، وزعم الطبرسي أنه تعالى لما قدم ذكر الجزاء بين بهذا وقت ذلك، وعليه فالآية متصلة بما ذكر آنفاً لكن لا يخفى أن ذلك لم يخرج مخرج البيان، وأولى منه أن يقال: وجه اتصاله بما قبله أن فيه تأكيداً لقوله سبحانه: {أية : مَّا لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ}تفسير : [يونس: 27] من حيث دلالته على عدم نفع الشركاء لهم. و {يَوْمٍ} منصوب بفعل مقدر كذكرهم وخوفهم، وضمير {نَحْشُرُهُمْ} لكلا الفريقين من الذين أحسنوا الحسنى والذين كسبوا السيآت لأنه المتبادر من قوله تعالى: {جَمِيعاً} ومن إفراد الفريق الثاني بالذكر في قوله سبحانه: {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} أي للمشركين من بينهم ولأن توبيخهم وتهديدهم على رؤوس الأشهاد أفظع، والأخبار بحشر الكل في تهويل اليوم أدخل، وإلى هذا ذهب القاضي البيضاوي وغيره، وكون مراده بالفريقين فريقي الكفار والمشركين خلاف الظاهر جداً. وقيل: الضمير للفريق الثاني خاصة فيكون (الذين أشركوا) من وضع الموصول موضع الضمير. والنكتة في تخصيص وصف إشراكهم في حيز الصلة من بين سائر ما اكتسبوه من السيئات ابتناء التوبيخ والتقريع عليه مع ما فيه من الإيذان بكونه معظم جناياتهم وعمدة سيئاتهم، وهو السر في الاظهار في مقام الإضمار على القول الأخير {مَكَانَكُمْ} ظرف متعلق بفعل حذف فسد هو مسده وهو مضاف إلى الكاف، والميم علامة الجمع أي الزموا مكانكم. والمراد انتظروا حتى تنظروا ما يفعل بكم. وعن أبـي علي الفارسي أن مكان اسم فعل وحركته حركة بناء. وهل هو اسم فعل لالزم أو لأثبت ظاهر كلام بعضهم الأول والمنقول عن «شرح التسهيل» الثاني لأنه على الأول يلزم أن يكون متعدياً كالزم مع أنه لازم، وأجيب بمنع اللزوم، وقال السفاقسي: في كلام الجوهري ما يدل على أن الزم يكون لازماً ومتعدياً فلعل ما هو اسم له اللازم. وذكر الكوفيون / أنه يكون متعدياً وسمعوا من العرب مكانك زيداً أي انتظره. واختار الدماميني في «شرح التسهيل» عدم كونه اسم فعل فقال: لا أدري ما الداعي إلى جعل هذا الظرف اسم فعل إما لازماً وإما متعدياً وهلا جعلوه ظرفاً على بابه ولم يخرجوه عن أصله أي أثبت مكانك أو انتظر مكانك. وإنما يحسن دعوى اسم الفعل حيث لا يمكن الجمع بين ذلك الاسم وذلك الفعل نحوصه وعليك وإليك، وأما إذا أمكن فلا كوراءك وأمامك وفيه منع ظاهر. وقوله تعالى: {أَنتُمْ} توكيد للضمير المنتقل إلى الظرف من عامله على القول الأول وللضمير المستتر في اسم الفعل على القول الثاني، وقوله سبحانه: {وَشُرَكَآؤُكُمْ} عطف على ذلك، وقيل: إن {أَنتُمْ} مبتدأ خبره محذوف أي مهانون أو مجزيون وهو خلاف الظاهر مع ما فيه من تفكيك النظم، قيل: ولأنه يأباه قراءة {وشركاءكم} بالنصب إذ يصير حينئذ مثل ـ كل رجل وضيعته ـ ومثله لا يصح فيه ذلك لعدم ما يكون عاملاً فيه، والعامل على التوجيه الأول ظاهر لمكان {مَكَانَكُمْ}. {فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} أي ففرقنا، وهو من زلت الشيء عن مكانه أزيله أي أزلته، والتضعيف للتكثير لا للتعدية، وهو يائي ووزنه فعل بدليل زايل، وقد قرىء به وهو بمعناه نحو كلمته وكالمته وصعر خده وصاعر خده. وقال أبو البقاء: إنه واوي لأنه من زال يزول، وإنما قلبت الواو ياءاً لأنه فيعل، والأول أصح لما علمت ولأن مصدره التزييل لا الزيولة مع أن فعل أكثر من فيعل، ونصب ـ بين ـ على الظرفية لا على أنه مفعول به كما توهم، والمراد بالتفريق قطع الأقران والوصَل التي كانت بينهم وبين الشركاء في الدنيا. وقيل: التفريق الجسماني وظاهر النظم الجليل لا يساعده، والعطف على {نَّقُولُ} وإيثار صيغة الماضي للدلالة على التحقق [المورث] لزيادة التوبيخ والتحسير، والفاء للدلالة على وقوع التزييل ومباديه عقيب الخطاب من غير مهملة إيذاناً بكمال رخاوة ما بين الفريقين من العلاقة والوصلة. وقوله سبحانه: {وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ} عطف على ما قبله، وجوز أن يكون في موضع الحال بتقدير قد أو بدونها على الخلاف، والإضافة باعتبار أن الكفار هم الذين اتخذوهم شركاء لله سبحانه وتعالى: وقيل: لأنهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم فصيروهم شركاء لأنفسهم في ذلك، والمراد بهؤلاء الشركاء قيل: الأصنام فإن أهل مكة إنما كانوا يعبدونها وهم المعنيون بأكثر هذه الآيات، ونسبة القول لها غير بعيد من قدرته سبحانه فينطقها الله الذي أنطق كل شيء في ذلك الموقف فتقول لهم {مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} والمراد من ذلك تبريهم من عبادتهم وأنهم إنما عبدوا في الحقيقة أهواءهم الداعية لهم وما أعظم هذا مكان الشفاعة التي كانوا يتوقعونها منهم. وقيل: المراد بهم الملائكة والمسيح عليهم السلام لقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ }تفسير : [سبأ: 40] وقوله سبحانه: {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ }تفسير : [المائدة: 116] الآية، والمراد من ذلك القول ما أريد منه أولاً أيضاً لأن نفي العبادة لا يصح لثبوتها في الواقع والكذب لا يقع في القيامة ممن كان، وقيل: إن قول الشركاء مجرى على حقيقته بناء على أن ذلك الموقف موقف الدهشة والحيرة فذلك الكذب يكون جارياً مجرى كذب الصبيان والمجانين المدهوشين، ويمكن أن / يقال أيضاً: أنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزناً وجعلوها لبطلانها كالعدم فلذا نفوا عبادتهم إياهم أو يقال: إن المشركين لما تخيلوا فيما عبدوه أوصافاً كثيرة غير موجودة فيه في نفس الأمر كانوا في الحقيقة إنما عبدوا ذوات موصوفة بتلك الصفات ولما كانت ذوات الشركاء خالية عن تلك الصفات صدق أن يقال: إن المشركين ما عبدوا الشركاء وهذا أولى من الأولين بل لا يكاد يلتفت إليهما وكأن حاصل المعنى عليه أنكم عبدتم من زعمتم أنه يقدر على الشفاعة لكم وتخليصكم من العذاب وانه موصوف بكيت وكيت فاطلبوه فأنا لسنا كذلك. والمراد من ذلك قطع عرى أطماعهم وإيقاعهم في اليأس الكلي من حصول ما كانوا يرجونه ويعتقدونه فيهم ولعل اليأس كان حاصلاً لهم من حين الموت والابتلاء بالعذاب ولكن يحصل بما ذكر مرتبة فوق تلك المرتبة. وقيل: المراد بهم الشياطين وقطع الوصل عليه من الجانبين لا من جانب العبدة فقط كما يقتضيه ما قبل، والمراد من قولهم ذلك على طرز ما تقدم. وأورد على القول بأن المراد الملائكة والمسيح عليهم السلام بأنه لا يناسب قوله سبحانه: {مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ} حيث أن المراد منه الوعيد والتهديد، وظاهر العطف انصراف ذلك إلى الشركاء أيضاً، وتهديد أولئك الكرام عليهم الصلاة والسلام مما لا يكاد يقدم على القول به. واعترض بأن هذا مشترك الإلزام فإنه يرد على القول الأول أيضاً إذ لا معنى للوعيد والتهديد في حق الأصنام مع عدم صدور شيء منها يوجب ذلك، ولا مخلص إلا بالتزام أن التهديد والوعيد للمخاطبين فقط أو للمجموع باعتبارهم. وأجيب بجواز كون تهديد الأصنام نظير ادخالها النار مع عبدتها كما يدل عليه قوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}تفسير : [الأنبياء: 98] وكذا قوله سبحانه: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ}تفسير : [البقرة: 24] على ما عليه جمع من المفسرين، ودعوى الفرق بين التهديد والإدخال في النار تحتاج إلى دليل. نعم قالوا: يجب على القول بأن المراد الملائكة عليهم السلام أن تحمل الغفلة في قوله سبحانه: {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ...}.
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة معطوفة على جملة {أية : والذين كسبوا السيئات}تفسير : [يونس: 27] باعتبار كونها معطوفة على جملة {أية : للذين أحسنوا الحسنى}تفسير : [يونس: 26] فإنه لما ذكر في الجملتين السابقتين ما يختص به كل فريق من الفريقين من الجزاء وسماته جاءت هذه الجملة بإجمالِ حالةٍ جامعةٍ للفريقين ثم بتفصيل حَالة يمتاز بها المشركون ليحصل بذلك ذكر فظيع من أحوال الذين بلغوا الغاية في كسب السيئات، وهي سيئة الإشراك الذي هو أكبر الكبائر، وبذلك حصلت المناسبة مع الجملة التي قبلها المقتضية عطفها عليها. والمقصود من الخبر هو ذكر حشرهم جميعاً، ثم ما يقع في ذلك الحشر من افتضاح الذين أشركوا، فكان مقتضى الظاهر أن يقال، ونحشرهم جميعاً. وإنما زيد لفظ {يوم} في صدر الجملة لأن ذلك اليوم لما كان هو زمن الحشر وأعمالٍ عظيمة أريد التذكير به تهويلاً وموعظة. وانتصاب {يوم نحشرهم} إما على المفعولية بتقدير: اذْكر، وإما على الظرفية لفعل مقدر يدل عليه قوله: {ثم نقول للذين أشركوا مكانكم} والتقدير: ونقول للذين أشركوا مكانكم يوم نحشر الناس جميعاً. وضمير {نحشرهم} للذين تقدم الكلام عليهم وهم الذين أحسنوا والذين كسبوا السيئات. وقوله: {جميعاً} حال من الضمير البارز في {نحشرهم} للتنصيص على إرادة عموم الضمير. وذلك أن الحشر يعم الناس كلهم. ومن نكت ذِكر حشر الجميع هُنا التنبيهُ على أن فظيعَ حال المشركين وافتضاحهم يكون بمرأى ومسمع من المؤمنين، فتكون السلامة من تلك الحالة زيادة في النعمة على المسلمين وتقوية في النكاية للمشركين. والحشر: الجمع من أمكنة إلى مكان واحد. وتقدم في قوله تعالى: {أية : وحشرنا عليهم كل شيء}تفسير : في سورة [الأنعام: 111]. وقوله: {مكانَكم} منصوب على المفعولية بفعل محذوف تقديره: الزموا مكانكم، واستعماله هذا شائع في كلام العرب في الأمر بالملازمة مع التزام حذف العامل فيه حتى صار بمنزلة أسماء الأفعال الموضوعة للأمر، نحو: صَهْ، ويقترن بضمير مناسب للمخاطب من إفراد وغيره، قال عمرو بن الأطنابة: شعر : مكانَكِ تحمدي أو تستريحي تفسير : وأمرُهم بملازمة المكان تثقيف وحَبس. وإذ قد جمع فيه المخاطَبون وشركاؤهم عُلِم أن ذلك الحبس لأجل جريمة مشتركة بين الفريقين، وهي كون أحد الفريقين عابداً والآخرِ معبوداً. وقوله: {أنتم} تأكيد للضمير المتصل المقدر في الفعل المقدر، وهو المسوغ للعطف عليه وبهذا العطف صار الشركاء مأمورين باللبث في المكان. والشركاء: الأصنام. وصفوا بالشركاء لاعتقاد المخاطبين ذلك، ولذلك أضيف إلى ضميرهم، أي أنتم والذين زَعمتم أنهم شركاء. فإضافة شركاء إلى ضمير المخاطبين تهكم. وعطف {فزيلْنا} بفاء التعقيب لإفادة حصول ذلك في عقب وقت الأمر باللبث. ولما كانت الفاء تقتضي الترتيب الزمني في حصول معطوفها إثر المعطوف عليه وكان المقصود هنا أن التزييل حصل مقارناً لإلزامهم المكان عبر عن فعل التزييل بصيغة الماضي لإفادة تحقيق وقوع التزييل كقوله: {أية : أتى أمر الله}تفسير : [النحل: 1]. وزيَّل: مضاعف زال المتعدي. يقال: زَاله عن موضعه يَزِيله بمعنى أزاله فجعلوه يائي العين للتفرقة بينه وبين زال القاصر الذي هو واوي العين، فزيَّل فعل للمبالغة في الزيْل مثل فَرَّق مبالغة في فرق. والمعنى وقع بينهم تفريق قوي بحيث انقطعت جميع الوِصَل التي كانت بينهم. والتزييل هنا مجازي فيشمل اختلاف القول. وتعليق التزييل بالأصنام باعتبار خلق معناه فيها حين أنطقها الله بما يخالف زعم عبّادها. وجملة {وقال شركاؤهم} عطف على جملة: {فزيلنا} فهو في حيز التعقيب، ويجوز جعلها حالاً. ويقول الشركاء هذا الكلام بخَلق نطق فيها خارق للعادة يفهمه الناس لإشعار أولئك العابدين بأن أصنامهم تبرأوا منهم، وذلك مما يزيدهم ندامة. وكلام الأصنام يفيد نفي أن يكونوا عبدوهم بل عبدوا غيرهم. وفي استقامة ذلك إشكال لأن الواقع أنهم عبدوهم وعبدوا غيرهم فكيف ينفي كلامهم عبادتهم إياهم وهو كلام خلقه الله فيهم فكيف يكون كذباً. وقد تأول المفسرون هذا بوجوه لا ينثلج لها الصدر. والذي ظهر لي أن يكون آخر كلام الأصنام مُبيناً لما أجمله أوله بأنهم نفوا أن يكونوا عبدوهم عبادةً كاملة وهي العبادة التي يقصِد منها العابد امتثال أمر المعبود وإرضاءه فتقتضي أن يكون المعبود عالماً وآمراً بتلك العبادة. ولما كانت الأصنام غير عالمين ولا آمرين استقام نَفْيهم أن يكون عبدتهم قد عبدوهم تلك العبادة وإنما عبدوا غيرهم ممن أمروهم بالعبادة وهم الشياطين ولذلك قالوا: {إنْ كنا عن عبادتكم لغافلين} كما تفسره الآية الأخرى وهي قوله تعالى: {أية : أهؤلاء إياكم كانوا يعبُدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون}تفسير : [سبأ: 40، 41]. فالمراد بالشركاء الأصنام لا غيرها، ويجوز أن يكون نُطقها بجحد عبادة المشركين هو أن خلق لها عقولاً فكانت عقولها مستحدثة يومئذٍ لم يتقرر فيها علم بأن المشركين عَبدوها. ويفسر هذا قولهم بعد ذلك {إن كنا عن عبادتكم لغافلين}. وجملة: {فكفى بالله شهيدا} مؤكدة بالقسم ليُثبتوا البراءة مما ألصق بهم. وجواب القسم {إن كنا عن عبادتكم لغافلين}. وليس قولهم: {كفى بالله شهيدا} قسما على كلامهم المتقدم لأن شأن القسم أن يكون في صدر الجملة. وعطفت جملة القسم بالفاء للدلالة على أن القسم متفرع على الكلام المتقدم لأن إخبارهم بنفي أن يكونوا يعبدونهم خبرٌ غريب مخالف لما هو مشاهد فناسب أن يفرع عليه ما يحققه ويبينه مع تأكيد ذلك بالقسم. والإتيان بفاء التفريع عند تعقيب الكلام بجملة قسمية من فصيح الاستعمال، كقوله تعالى: {أية : كمَا أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون}تفسير : [الحجر: 90 ـــ 93]. ومن خصائصه أنه إذا عطف بفاء التفريع كان مُؤكداً لما قبله بطريق تفريع القسم عليه ومؤكِّداً لما بعده بطريق جواب القسم به. وهذه الآية لم تفسَّر حق تفسيرها. والشهيد: الشاهد، وهو المؤيد والمصدّق لدعوى مدع، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا}تفسير : [النساء: 6]. و(كفى] بمعنى أجزأ وأغنى عن غيره. وتقدم في قوله تعالى: {أية : وكفى بالله وليا}تفسير : في سورة [النساء: 45]. وهو صيغة خبر مستعمل في إنشاء القسم. والباء مزيدة للتأكيد. وأصله كفى الله شهيداً. وانتصب: {شهيدا} على التمييز لنسبة الكفاية إلى الله لما فيها من الإجمال. وجملة: {إن كنا عن عبادتكم لغافلين} جواب للقسم. (وإنْ) مخففة من (إنّ). واسمها ضمير شأن ملتزم الحذف. وجملة: {كنا عن عبادتكم لغافلين} مفسّرة لضمير الشأن. واللام فارقة بين (إنْ) المؤكدة المخففة و(إنْ) النافية. وتقديم قوله: {عن عبادتكم} على عامله للاهتمام وللرعاية على الفاصلة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} الآية: ذكر في هذه الآية الكريمة، أنه يوم القيامة يجمع الناس جميعاً، والآيات بمثل ذلك كثيرة. وصرح في "الكهف" بأنه لا يترك منهم أحداً، بقوله: {أية : وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} تفسير : [الكهف: 47].
د. أسعد حومد
تفسير : (28) - وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِمَنْ أَحْسَنُوا فِي الدُّنْيا، وَلِمَنْ أَسَاؤُوا فِيهَا، أهْوالَ يَوْمِ القِيَامَةِ، يَوْمَ يَحْشُرُ اللهُ أَهْلَ الأَرْضِ جَمِيعاً، مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ، وَمِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، ثُمَّ يَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا: الزَمُوا أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ مَكَاناً مُعَيَّناً لاَ تَبْرَحُونَهُ حَتَّى تَنْظُرُوا مَا يُفْعَلُ بِكُمْ، وَيُفْصَلُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ شُرَكَائِكُمْ فِيمَا كَانَ سَبَبَ عِبَادَتِكُمْ إِيَّاهُمْ، وَالحُجَّة التِي يُدْلِي بِهَا كُلُّ فَرِيقٍ. ثُمَّ يُفَرِّقُ اللهُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ، وَبَيْنَ مَنْ أَشْرَكُوهُمْ مَعَ اللهِ، وَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، لِتَقْطِيعِ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيا مِنْ صِلاتٍ وَرَوَابِطَ. وَقَالَ الشُّرَكَاءُ لِمَنْ أَشْرَكُوا: مَا كُنْتُمْ تَخُصُّونَنَا بِالعِبَادَةِ، وَإِنَّمَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَهْوَاءَكُمْ وَشَيَاطِينَكُمْ. مَكَانَكُمْ - الزَمُوا مَكَانَكُمْ. فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ - فَفَرَّقْنا بَيْنَهُمْ، وَقَطَعْنا وَصْلَهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والحشر: هو أخذ الناس من أمكنة متعددة إلى مكان واحد، وستقذف هذه الأمكنة المتعددة مَنْ فيها مِنَ الكَفَرة؛ ليصيروا في المكان الذي شاءه الله سبحانه لهم. وكلما اقترب الناس من هذا المكان؛ ازدحموا، وذلك شأن الدائرة بمحيطها، والمحيطات الداخلة فيها إلى أن تلتقي في المركز، فأنت إذا نظرت إلى محيط واسع في دائرة، وأخذت بعد ذلك الأفراد من هذا المحيط الواسع؛ لتلقي بهم في المركز؛ فلا شك أنك كلما اقتربت من المركز؛ فالدوائر تضيق، ويحدث الحشر. فكأننا سنكون مزدحمين ازدحاماً شديداً، ولهذا الازدحام متاعب، ولكن الناس سيكونون في شغل عنه بما هم فيه من أهوال يوم القيامة. وقوله الحق: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} تفيد الجمع المؤكد لحالات الذين لم يستجيبوا لمنهج الله تعالى، ولا لدعوة الله سبحانه لهم لدار السلام، وكذبوا رسلهم، واتخذوا من دون الله تعالى أنداداً، فيجمع الله سبحانه المُتَّخذَ أنداداً، والمُتَّخَذَ ندّاً، ويواجههم؛ لتكون الفضيحة تامة وعامَة، بين عابد عبد باطلاً، ومعبودٍ لم يطلب من عابده أن يعبده، أو معبود طلب من عابده أن يعبده. لذلك يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ} [يونس: 28]. وهكذا يتلاقى من عَبَدَ الملائكة مع الملائكة، ويتلاقى من عَبَدَ رسولاً وجعله إلهاً، ومن عبد صنماً، أو عبد شمساً، أو عبد قمراً، أو جِنّاً أو شيطاناً من شياطين الإنس أو شياطين الجن. إذن: فالمعبودون متعددون، وكل معبود من هؤلاء له حكم في ذلك الحشر، وستكون المواجهة علنية مكشوفة. فإذا نظرنا إلى العابد الذي اتخذ إلهاً باطلاً سواء أكان من الملائكة أو رسولاً أرسل إليهم؛ ليأخذهم إلى عبادة إله واحد - هو الله سبحانه وتعالى - ففتنوا في الرسول وعبدوه، أو عبدوا أشياء لا علم لها بمن يعبدها: كالأصنام، والشمس، والقمر، والأشجار. أما المعبود الذي له علْم، وله دعوة إلى أن يعبده غيره، فهو يتركز في شياطين الإنس، وشياطين الجن، وإبليس. أما الملائكة فإن الله - سبحانه وتعالى - يواجههم بمن عبدهم، فيسألهم: أأنتم وعدتم هؤلاء؛ ليتخذوكم آلهة، فيقولون: سبحانك أنت وليُّنا، ويتبرأون من هؤلاء الناس، مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ ..}تفسير : [البقرة: 166]. والملائكة لا علم لهم بمن اتخذهم آلهة، وإذا انتقلنا إلى البشر وعلى قمَّتهم الرسل عليهم السلام، فيأتي سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام، ويَقول الحق سبحانه له: {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [المائدة: 116]. فيقول سيدنا عيسى عليه السلام ما جاء على لسانه في القرآن الكريم: {أية : سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ..}تفسير : [المائدة: 116]. فكأن هؤلاء قد عبدوا من لا علم له بهذا التأليه، ولم يَدْعُ إليه. والأصنام كذلك ليس لها علم بمن ادَّعى ألوهيتها، ولكن الذي له علم بتلك الدعوة هو إبليس، ذلك أنه حينما عز عليه أنه عاص لله، أغوى آدم، ثم تاب آدم عليه السلام وقَبِل الله سبحانه وتعالى توبته، أما إبليس فلم يتب عليه الحق سبحانه؛ لأنه رد حكم المولى - عز وجل - بالسجود لآدم، واستكبر، وظن نفسه أعلى مكانة. أما آدم عليه السلام فلم يرد الحكم على الله تعالى. يقول الحق سبحانه: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}تفسير : [الأعراف: 11-12]. ومن ذلك نأخذ مبدأ إيمانياً موجزه أن الذين لا يقدرون على أنفسهم في أخضاعها لمنهج الله تعالى، فمن الخير لهم أن يقولوا: إن منهج الله سبحانه هو الصدق، وحكمه سبحانه هو الحق، ولكننا لم نستطع أن نُخضِعَ أنفسنا للحكم؛ وبذلك يخرجون من دائرة رد الأمر على الآمر، وبإمكانهم أن يتوبوا بنية عدم العودة إلى المعصية. إذن: فالمخاصمة والمحاجّة موجهة من إبليس لذرية آدم، فقد أقسم إبليس بعزة الله سبحانه أن يُغوِي كل أبناء آدم إلا الذين استخلصهم الله لعبادته سبحانه وتعالى؛ فقد علم إبليس أنه غير قادر على إغوائهم. وهكذا تكون عزة الله سبحانه هي التي تمكِّن إبليس - وذريته من الشياطين - من غواية أو عدم غواية خلق الله سبحانه وتعالى. والشياطين هم الجن العُصَاة؛ لأننا نعلم أن الجن جنس يقابل جنس البشر، ومن الجن من هو صالح طائع، ومنهم من هو عاصٍ، ويُسمّى شيطاناً، ويخدم إبليس في إغواء البشر، فيتسلَّط على الإنسان فيما يعلم أنها نقطة ضعف فيه. فمن يحب المال يدخل الشيطان إليه من ناحية المال، ومن يحب الجمال يدخل له الشيطان من ناحية الجمال، ومن يجب الجاه يجد الشيطان وهو يزيِّن له الوصول إلى الجاه بأية وسيلة تتنافى مع الأخلاق الكريمة ومنهج الله عز وجل. وكل إنسان له نقطة ضعف في حياته يعرفها الشيطان ويتسلل منها إليه، وقد يُجنِّد إبليس وذريته أناساً من البشر يعملون بهدف إغواء الإنسان لإفساده. فهناك - إذن - ثلاثة يطلبون أن ينصرف الناس عن منهج الله تعالى ودعوة الحق؛ وهؤلاء الثلاثة هم: إبليس، والعاصون من الجن (أي: الشياطين)، ثم البشر الذين يشاركون إبليس في الإغواء، وهم شياطين الإنس الذين يعملون أعمالاً تناهض منهج الرسل. وهل يكون الحوار - يوم القيامة - بين الملائكة ومَنْ عَبَدُوهم مِنَ البشر؟ وهل يكون الحوار بين الأصنام والذين عبدوها دون علمها؟ وهل يكون الحوار بين عيسى عليه السلام ومن اتخذوه إلهاً دون علمه؟ ها نحن نجد عارفاً بالله يقول على لسان الأصنام: شعر : "عَبَدُونا ونحن أعْبَدُ للهِ مِنَ القائمينَ بالأسْحَارِ" تفسير : لأن الحق سبحانه هو القائل: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ..}تفسير : [الإسراء: 44]. ويكمل العارف بالله: شعر : "اتَّخَذُوا صَمْتَنَا علينا دليلاً فَغَدَوْنا لَهُم وَقُودَ النارِ" تفسير : والحق سبحانه هو القائل: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ..}تفسير : [البقرة: 24]. ويتابع العارف بالله: شعر : "قَدْ تَجَنَّوا جهلاً كما تَجَنَّوا على ابنِ مَرْيم والحَوَارِي" تفسير : فما موقف الله سبحانه من هؤلاء وأولئك؟ فنقول: شعر : إن للمُغَالِي جَزَاءهُ، والمُغَالَى فيه تُنْجِيه رحمةُ الغَفَّارِ" تفسير : وهكذا وَضُحَ موقف كل من يعبد غير الله سبحانه أو يشرك به، هؤلاء الذين يشملهم قول الحق سبحانه: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ..} [يونس: 28]. وهكذا يُحشَر مَنْ عبدوا الأصنام أو الكواكب أو أشركوا بالله، وكذلك شياطين الجن والإنس، الجميع سيحشرون في الموقف يوم الحشر، وليتذكر الجميع في الدنيا أن في الحشر ستُكشَفُ الأمور ويُفضح فيه كل إنسان أشرك مع الله غيره، سبحانه، وستحدث المواجهة مع مَنْ أشركه بالعبادة مع الله سبحانه دون عِلْم من الملائكة أو الرسل أو الكواكب أو الحجارة بأمر هؤلاء، ويأتيهم جميعاً أمر الحق سبحانه: {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ ..} [يونس: 28]. وحين تسمع الأمر: "مكانك" فهو يعني: "الزمْ مكانك" وهي لا تُقال للتحية، بل تحمل التهديد والوعيد، وانتظار نتيجة موقف لن يكون في صالح من تُقال له، ونعرف أن الملائكة، والرسل، والكواكب، والحجارة ليس لها علم بأمر هؤلاء الذين عبدوهم. إذن: فالذين ينطبق عليهم هذا الأمر هم هؤلاء المشركون الذين ظنوا أن بإمكانهم الإفلاتَ من الحساب، لكنهم يسمعون الأمر {مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ}، فهل يعني ذلك أنهم سوف يأتون مع الملائكة ومَنْ عُبد من الرسل والكواكب والحجارة في موكب واحد؟ لا؛ لأن هؤلاء العبيد اتفقوا على موقف باطل، ويشاء الحق سبحانه أن يفصل بين الحق والباطل. لذلك يقول الحق سبحانه: {فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} [يونس: 28]. أي: جعل من المشركين فريقاً، وجعل من الذين عُبدُوا دون علمهم فريقاً آخر، وأعلن فريقُ مَنْ عُبِدوا دون علمهم: {مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ..} [يونس: 28]. أي: ما كنتم تعبدوننا بعلمنا. وانظروا إلى الموقف المُخْزِي لمن عبدوا غير الله سبحانه، أو أشركوا به، إن الواحد منهم قد عبد معبوداً دون أن يدري به المعبود، مع أن الأصل في العبادة هو التزام العابد بأمر المعبود، وهذا المسألة تَصْدُق على الملائكة وسيدنا عيسى عليه السلام، وتصدق أيضاً على الكواكب والأحجار؛ لأن الحق سبحانه الذي يُنطق أبعاض الإنسان يوم القيامة؛ لتشهد على صاحبها، قادر على أن يُنْطِق الأحجار. والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ..}تفسير : [فصلت: 19-21]. ونجد الصنم يوم القيامة وهو يلعن مَنْ عبده، تماماً مثلما يتبرأ الجلد من صاحبه إنْ عصى الله تعالى، فالحق سبحانه يقول: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [النور: 24]. ولكن لا تترك عقلك يتخيل كيفية تكلُّم الصنم، فأنت آمنت أن جوارح الإنسان من يد ورجل وجلد ستنطق يوم القيامة، فهل تعقَّلت كيف تنطق اليد، وكيف ينطق الجلد، وكيف تنطق الرِّجْل في الآخرة، أنت تؤمن بخبر الآخرة فلا تنظر إلى معطيات أمور الآخرة بقوانين الدنيا؛ لأن كل شيء يتبدَّل في الآخرة، ألم تخبرك السنة أنك ستأكل في الجنة، ولا تُخْرِج فضلات؟ وهذا أمر غير منطقيّ ـ بقوانين الدنيا ـ ولكننا نؤمن به، وإذا كان الحق سبحانه وتعالى يخبرنا بأشياء سوف تحدث في الجنة، لو قسْناها بعقولنا على ما نعرف في الدنيا لوقفت أمامها عاجزة، لكن القلب المؤمن يعقل أمور القيامة والآخرة على أساس أنها غيب، والمقاييس تختلف فيها؛ لأن الإنسان مظروف بين السماء والأرض. وللدنيا أرض وسماء، وللآخرة أيضاً أرض وسماء؟ والحق سبحانه يقول: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ}تفسير : [إبراهيم: 48]. إذن: فكل شيء يتبدّل يوم القيامة، فإذا حُدِّثْتَ أن الأصنام تنطق مستنكرة أن تُعبَد من دون الله تعالى، وأن الملائكة تلعن من عبدوها من دون الله سبحانه، فلا تتعجب. ثم يقول الحق سبحانه بعد ذلك: {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن حشر جميعهم ونشر صنيعهم بقوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} [يونس: 28] إلى قوله: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [يونس: 30]، {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} أي: اجتماع أوراح الإنسان وحقائق الأشياء التي تعبدونها من دون الله مثل الدنيا والهوى والأصنام، {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ} [يونس: 28] أي: تخاطب أرواح المشركين بأن قفوا مكانكم أي: المكان الذي اخترتم بالجهل بعد إذ كنتم علويي المكان. {أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ} [يونس: 28] أي: انزلوا أنتم وشركاؤكم إلى المكان السفلي وهو مكان شركائكم إذ تعلقتم بهم، {فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} [يونس: 28] أي: فرقنا بين المشركين وشركائهم بأن نعذب المشركين بعذاب العبد والطرد عن الحضرة وألم المفارقة وحسرة إبطال استعداد المواصلة ولا نعذب الشركاء بهذه العقوبات لعدم استعدادهم في قبول كمال القرب {وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} [يونس: 28] بل كنتم تعبدون هواكم لأنه ما عبد في الأرض إله ابغض إلا بالهوى فلهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما عبد في الأرض إله أبغض على الله من الهوى ". تفسير : وقال تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}تفسير : [الجاثية: 23]، {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [يونس: 29]، فيما شاهد {إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} [يونس: 29] أي: كنا في غفلة عن ذوق عبادتكم إيانا وحفظها ومشربها؛ بل كان الحظ والمشرب والذوق لهواكم في استيفاء اللذات والشهوات والتمتعات الدنيوية والأخروية عند عبادتنا بلا شعور منا بخلاف عبادة الله، فإن في عبادة الله رضاه وشعوره بها ومنه المدد والتوفيق وعليه الجزاء والثواب، {هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ} [يونس: 30] أي: في ذلك الحال تبتلي كل نفس ما قدمت من التعلقات بالأشياء والتمسكات بها، {وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} [يونس: 30] في الحكم والقرب والبعد واللذة والألم {مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ} [يونس: 30] أي: متوليهم في ذلك هو الله أي: في إذاقة اللذات من القرب والألم من البعد لا غيره من الشركاء، {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [يونس: 30] أن للشركاء أثراً في القربة والشفاعة. ثم أخبر عن مولاهم ليكون به تولاهم بقوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} [يونس: 31] إلى قوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ} [يونس: 33]، {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} أي: من ينزل من سماء النفس مطر الهواجس، ويخرج من أرض القلب نبات الأفعال والأعمال، وأيضاً من سماء القلب مطر آثار فيض الروح، ويخرج من أرض القلب عيان صفات البشرية الحيوانية، ومن سماء الروح مطر فيض الروح، ويخرج من أرض القلب نبات الأوصاف الحميدة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا } أي: نجمع جميع الخلائق، لميعاد يوم معلوم، ونحضر المشركين، وما كانوا يعبدون من دون الله. { ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ } أي: الزموا مكانكم ليقع التحاكم والفصل بينكم وبينهم. { فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ } أي: فرقنا بينهم، بالبعد البدني والقلبي، وحصلت بينهم العداوة الشديدة، بعد أن بذلوا لهم في الدنيا خالص المحبة وصفو الوداد، فانقلبت تلك المحبة والولاية بغضًا وعداوة. وتبرأ شُرَكَاؤُهُمْ منهم وقالوا: { مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } فإننا ننزه الله أن يكون له شريك، أو نديد. { فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ } ما أمرناكم بها، ولا دعوناكم لذلك، وإنما عبدتم من دعاكم إلى ذلك، وهو الشيطان كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ }. تفسير : وقال: {أية : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ }. تفسير : فالملائكة الكرام والأنبياء والأولياء ونحوهم يتبرؤون ممن عبدهم يوم القيامة ويتنصلون من دعائهم إياهم إلى عبادتهم وهم الصادقون البارون في ذلك، فحينئذ يتحسر المشركون حسرة لا يمكن وصفها، ويعلمون مقدار ما قدموا من الأعمال، وما أسلفوا من رديء الخصال، ويتبين لهم يومئذ أنهم كانوا كاذبين، وأنهم مفترون على الله، قد ضلت عبادتهم، واضمحلت معبوداتهم، وتقطعت بهم الأسباب والوسائل. ولهذا قال تعالى: { هُنَالِكَ } أي: في ذلك اليوم { تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ } أي: تتفقد أعمالها وكسبها، وتتبعه بالجزاء، وتجازي بحسبه، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وضل عنهم ما كانوا يفترون من قولهم بصحة ما هم عليه من الشرك وأن ما يعبدون من دون الله تنفعهم وتدفع عنهم العذاب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):