Verse. 1391 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

وَالَّذِيْنَ كَسَبُوا السَّيِّاٰتِ جَزَاۗءُ سَـيِّئَۃٍؚبِمِثْلِہَا۝۰ۙ وَتَرْہَقُھُمْ ذِلَّۃٌ۝۰ۭ مَا لَھُمْ مِّنَ اللہِ مِنْ عَاصِمٍ۝۰ۚ كَاَنَّمَاۗ اُغْشِيَتْ وُجُوْہُھُمْ قِطَعًا مِّنَ الَّيْلِ مُظْلِمًا۝۰ۭ اُولٰۗىِٕكَ اَصْحٰبُ النَّارِ۝۰ۚ ھُمْ فِيْہَا خٰلِدُوْنَ۝۲۷
Waallatheena kasaboo alssayyiati jazao sayyiatin bimithliha watarhaquhum thillatun ma lahum mina Allahi min AAasimin kaannama oghshiyat wujoohuhum qitaAAan mina allayli muthliman olaika ashabu alnnari hum feeha khalidoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين» عطف على الذين أحسنوا، أي وللذين «كسبوا السيئات» عملوا الشرك «جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من» زائدة «عاصم» مانع «كأنما أغشيت» أُلبست «وجوههم قطعا» بفتح الطاء جمع قطعة، وإسكانها جزءًا «من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون».

27

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه كما شرح حال المسلمين في الآية المتقدمة، شرح حال من أقدم على السيئات في هذه الآية، وذكر تعالى من أحوالهم أموراً أربعة أولها: قوله: {جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا } والمقصود من هذا القيد التنبيه على الفرق بين الحسنات وبين السيئات، لأنه تعالى ذكر في أعمال البر أنه يوصل إلى المشتغلين بها الثواب مع الزيادة وأما في عمل السيئات، فإنه تعالى ذكر أنه لا يجازي إلا بالمثل، والفرق هو أن الزيادة على الثواب تكون تفضلاً وذلك حسن، ويكون فيه تأكيد للترغيب في الطاعة، وأما الزيادة على قدر الاستحقاق في عمل السيئات، فهو ظلم، ولو فعله لبطل الوعد والوعيد والترهيب والتحذير، لأن الثقة بذلك إنما تحصل إذا ثبتت حكمته، ولو فعل الظلم لبطلت حكمته. تعالى الله عن ذلك، هكذا قرره القاضي تفريعاً على مذهبه. وثانيها: قوله: {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } وذلك كناية عن الهوان والتحقير، واعلم أن الكمال محبوب لذاته، والنقصان مكروه لذاته، فالإنسان الناقص إذا مات بقيت روحه ناقصة خالية عن الكمالات، فيكون شعوره بكونه ناقصاً، سبباً لحصول الذلة والمهانة والخزي والنكال. وثالثها: قوله: {مَّا لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ } واعلم أنه لا عاصم من الله لا في الدنيا ولا في الآخرة، فإن قضاءه محيط بجميع الكائنات، وقدره نافذ في كل المحدثات إلا أن الغالب على الطباع العاصية، أنهم في الحياة العاجلة مشتغلون بأعمالهم ومراداتهم. أما بعد الموت فكل أحد يقر بأنه ليس له من الله من عاصم. ورابعها: قوله: {كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً} والمراد من هذا الكلام إثبات ما نفاه عن السعداء حيث قال: { أية : وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ } تفسير : [يونس: 26]. واعلم أن حكماء الإسلام قالوا: المراد من هذا السواد المذكور ههنا سواد الجهل وظلمة الضلالة، فإن العلم طبعه طبع النور، والجهل طبعه طبع الظلمة، فقوله: { أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَـٰحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ } تفسير : [عبس:39] المراد منه نور العلم، وروحه وبشره وبشارته، وقوله: { أية : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ } تفسير : [عبس:40] المراد منه ظلمة الجهل وكدورة الضلالة. المسألة الثانية: قوله: {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيّئَاتِ } فيه وجهان: أحدهما: أن يكون معطوفاً على قوله: { أية : لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } تفسير : [يونس:26] كأنه قيل: للذين أحسنوا الحسنى وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها والثاني: أن يكون التقدير وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها. على معنى أن جزاءهم أن يجازي سيئة واحدة بسيئة مثلها لا يزاد عليها، وهذا يدل على أن حكم الله في حق المحسنين ليس إلا بالفضل، وفي حق المسيئين ليس إلا بالعدل. المسألة الثالثة: قال بعضهم: المراد بقوله: {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيّئَاتِ } الكفار واحتجوا عليه بأن سواد الوجه من علامات الكفر، بدليل قوله تعالى: { أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ } تفسير : [آل عمران: 106] وكذلك قوله: { أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ } تفسير : [عبس:40 - 42] ولأنه تعالى قال بعد هذه الآية { أية : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } تفسير : [يونس: 28] والضمير في قوله: {هُمْ } عائد إلى هؤلاء، ثم إنه تعالى وصفهم بالشرك، وذلك يدل على أن هؤلاء هم الكفار، ولأن العلم نور وسلطان العلوم والمعارف هو معرفة الله تعالى، فكل قلب حصل فيه معرفة الله تعالى لم يحصل فيه الظلمة أصلاً، وكان الشبلي رحمة الله تعالى عليه يتمثل بهذا ويقول: شعر : كل بيت أنت ساكنه غير محتاج إلى السرج وجهك المأمول حجتنا يوم يأتي الناس بالحجج تفسير : وقال القاضي: إن قوله: {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيّئَاتِ } عام يتناول الكافر والفاسق. إلا أنا نقول: الصيغة وإن كانت عامة إلا أن الدلائل التي ذكرناها تخصصه: المسألة الرابعة: قال الفراء: في قوله: {جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا } وجهان: الأول: أن يكون التقدير: فلهم جزاء السيئة بمثلها، كما قال: { أية : فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ } تفسير : [البقرة: 196] أي فعليه. والثاني: أن يعلق الجزاء بالباء في قوله: {بِمِثْلِهَا } قال ابن الأنباري: وعلى هذا التقدير الثاني فلا بد من عائد الموصول. والتقدير: فجزاء سيئة منهم بمثلها. أما قوله: {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } فهو معطوف على يجازي، لأن قوله: {جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا } تقديره: يجازي سيئة بمثلها، وقرىء {وَلاَ ذِلَّةٌ } بالياء. أما قوله تعالى: {كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً} ففيه مسائل: المسألة الأولى: {أُغْشِيَتْ } أي ألبست {وُجُوهُهُمْ قِطَعًا } قرأ ابن كثير والكسائي {قِطَعًا } بسكون الطاء، وقرأ الباقون بفتح الطاء، والقطع بسكون القطعة. وهي البعض، ومنه قوله تعالى { أية : فأسر بأهلك بقطع من الليل } تفسير : [هود: 81] أي قطعة. وأما قطع بفتح الطاء، فهو جمع قطعة، ومعنى الآية: وصف وجوههم بالسواد، حتى كأنها ألبست سواداً من الليل، كقوله تعالى: { أية : تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ } تفسير : [الزمر: 60] وكقوله: { أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ } تفسير : [آل عمران: 106] وكقوله: { أية : يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ } تفسير : [الرحمن: 41] وتلك العلامة هي سواد الوجه وزرقة العين. المسألة الثانية: قوله: {مُظْلِماً } قال الفراء والزجاج: هو نعت لقوله: {قِطَعًا } وقال أبو علي الفارسي: ويجوز أن يجعل حالاً كأنه قيل: أغشيت وجوههم قطعاً من الليل في حال ظلمته.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي عملوا المعاصي. وقيل: الشرك. {جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} «جزاء» مرفوع بالابتداء، وخبره «بمثلها». قال ٱبن كَيْسان: الباء زائدة؛ والمعنى جزاء سيئة مثلها. وقيل: الباء مع ما بعدها الخبر، وهي متعلقة بمحذوف قامت مقامه، والمعنى: جزاء سيئة كائن بمثلها؛ كقولك: إنما أنا بك؛ أي إنما أنا كائن بك. ويجوز أن تتعلق بجزاء، التقدير: جزاء سيئة بمثلها كائن؛ فحذف خبر المبتدأ. ويجوز أن يكون «جَزَاءُ» مرفوعاً على تقدير فلهم جزاء سيئة؛ فيكون مثل قوله: {أية : فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}تفسير : [البقرة: 184 و 185] أي فعليه عدّة، وشبهه؛ والباء على هذا التقدير تتعلق بمحذوف، كأنه قال لهم جزاء سيئة ثابت بمثلها، أو تكون مؤكدة أو زائدة. ومعنى هذه المِثلِية أن ذلك الجزاء مما يعدّ مماثلاً لذنوبهم، أي هم غير مظلومين، وفعل الرب جلت قدرته وتعالى شأنه غير معلَّل بعلة. {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أي يغشاهم هوان وخِزي. {مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ} أي من عذاب الله. {مِنْ عَاصِمٍ} أي مانع يمنعهم منه. {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ} أي ألبست. {وُجُوهُهُمْ قِطَعاً} جمع قطعة، وعلى هذا يكون {مُظْلِماً} حال من «اللّيْلِ» أي أغشيت وجوههم قطعاً من الليل في حال ظلمته. وقرأ الكسائي وٱبن كثير «قطْعاً» بإسكان الطاء؛ فـ «مُظْلِماً» على هذا نعت، ويجوز أن يكون حالاً من الليل. والقِطْع اسم ما قُطع فسَقط. وقال ٱبن السِّكيت: القِطْع طائفة من الليل؛ وسيأتي في «هود» إن شاء الله تعالى.

ابن كثير

تفسير : لما أخبر تعالى عن حال السعداء الذين يضاعف لهم الحسنات، ويزدادون على ذلك، عطف بذكر حال الأشقياء، فذكر تعالى عدله فيهم، وأنه يجازيهم على السيئة بمثلها، لا يزيدهم على ذلك، {وَتَرْهَقُهُمْ} أي: تعتريهم وتعلوهم ذلة؛ من معاصيهم، وخوفهم منها، كما قال: {أية : وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَـٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىٍّ} تفسير : [الشورى: 45] الآية وقال تعالى: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَـٰر مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ} تفسير : [إبراهيم:42-43] الآيات، وقوله: {مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} أي: مانع، ولا واق يقيهم العذاب؛ كقوله تعالى: {أية : يَقُولُ ٱلإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ كَلاَّ لاَ وَزَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ} تفسير : [القيامة:10-12] وقوله: {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ} الآية إخبار عن سواد وجوههم في الدار الآخرة؛ كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [آل عمران:106-107] وقوله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَـٰحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ } تفسير : [عبس:38-40] الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ } عطف على (الذين أحسنوا)، أي وللذين {كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ } عملوا الشرك {جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ } زائدة {عَاصِمَ } مانع {كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ } أُلبست {وُجُوهُهُمْ قِطَعًا } بفتح الطاء جمع (قطعة)، وإسكانها أي جزءاً {مِّنَ ٱلَّيْلِ مُظْلِمَاً أُوْلَٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ }.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏ {‏والذين كسبوا السيئات‏} ‏ قال‏:‏ الذين عملوا الكبائر ‏ {‏جزاء سيئة بمثلها‏} ‏ قال‏:‏ النار ‏ {‏وترهقهم ذلة‏} ‏ قال‏:‏ الذل ‏ {‏كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلما‏ً}‏ والقطع السواد، نسخها الآية في البقرة {أية : ‏بلى من كسب سيئة‏}‏ تفسير : ‏[‏البقرة: 81‏]‏ الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏وترهقهم ذلة‏} ‏ قال‏:‏ يغشاهم ذلة وشدة‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ رضي الله عنهما ‏ {‏ما لهم من الله من عاصم‏} ‏ يقول‏:‏ من مانع‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏ما لهم من الله من عاصم‏} ‏ قال‏:‏ من نصير ‏ {‏كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل‏}‏ قال‏:‏ ظلمة من الليل‏.

القشيري

تفسير : والذين كسبوا السيئاتِ وعملوا الزَّلاتِ لهم جزاء سيئة مثلها، والباء في "بمثلها": صلة أي للواحد واحد. {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ}: هو تأبيد العقوبة. {مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} أي ما لهم من عذابه من عاصم، سِيمُوا ذُلَّ الحجاب، ومُنُوا بتأبيد العذاب، وأصابهم هوان البعاد، وآثارُ الحجاب على وجوههم لائحة فإنَّ الأَسِرَّةَ تدلُّ على السريرة.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين كسبوا السيآت} اى ارتكبوا الشرك والمعاصى وهو مبتدأ بتقدير المضاف خبره قوله تعالى {جزاء سيئة بمثلها} والجزاء مصدر من المبنى للمفعول والباء فى بمثلها متعلقة بجزاء. والمعنى وجزاء الذين كسبوا السيآت ان يجازى سيئة واحدة بسيئة مثلها لا يزاد عليها كما يزداد فى الحسنة. قال فى الكشاف فى هذا دليل على ان المراد بالزيادة الفضل لانه دل بترك الزيادة على السيئة على عدله ودل ثمة باثبات الزيادة على المثوبة على فضله انتهى. يقول الفقير تبعه على هذا جمهور المفسرين ولكن تفسير رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كما سبق احق بان يتبع ويرجح ويقدم على الكل ولا مانع من ان يراد بالزيادة الفضل واللقاء فان اللقاء الذى هو افضل الكرامات اذا حصل فلأن يحصل ما هو دونه من الفضل والتضعيف اظهر {وترهقهم} [وببوشد ايشانرا] اذا عاينوا النار {ذلة} [خوارى ورسوايى يعنى آثار مذلت برايشان هويدا كردد] وفى اسناد الرهق الى انفسهم دون وجوههم ايذان بانها محيطة بهم غاشية لهم جميعا {ما لهم من الله من عاصم} اى لا يعصمهم احد من سخطه تعالى وعذابه ولا يمنعه {كأنما اغشيت} البست. وبالفارسية [كوبيا بوشيده شده است] {وجوههم قطعا من الليل} لفرط سوادها وظلمتها {مظلما} حال من الليل والعامل فيه معنى الفعل اى قطعت كائنة من الليل فى حال كونه مظلما: يعنى [سياه كردد رويهاى ايشان ازغم واندوه جون شب تيره] وقطعا بفتح الطاء جمع قطعة مفعول ثان لأغشيت وقرئ قطعا بسكون الطاء وهو اسم مفرد للشيء المقطوع فحينئذ يصح ان يكون مظلما صفة له لتطابقهما فى الافراد والتذكير {اولئك} [آن كروه كه كاسب سيآتند] يعنى مشركان ومنافقان {اصحاب النار هم فيها خالدون} اعلم ان دخول الجنة برحمة الله تعالى وقسمة الدرجات بالاعمال والخلود بالنيات فهذه ثلاثة مقامات وكذلك فى دار الشقاوة دخول اهلها فيها بعدل الله وطبقات عذابها بالاعمال وخلودهم بالنيات. يعنى ان المؤمن لما كانت نيته فى الدنيا ان يعبد الله ابدا ما عاش وكذا الكافر لما كانت نيته عبادة الاصنام ابدا ما عاش جوزى كل احد بتأبيد النية واصل ما استوجبوا به هذا العذاب المؤبد المخالفة كما كانت فى السعادة الموافقة وكذلك من دخل من العاصين النار لولا المخالفة ما عذبهم الله شرعا نسال الله لنا ولك وللمسلمين ان يستعملنا بصالح الاعمال ويرزقنا الحياء منه تعالى. قال ابو العباس الاقليشى لم اجد فى مقدار بقاء العصاة فى النار حدا فى صحيح الآثار غير ان الغزالى ذكر فى الاحياء حال عصاة الموحدين فقال ان بقاء العاصى فى النار لحظة واكثره سبعة آلاف عام لما ورد به الاخبار انتهى. يقول الفقير لعل الحكمة فى ذلك كون تلك المدة عمر النوع الانسانى فاقتضى التشديد فى التربية بقاءه فى النار تلك المدة فالظاهر ان تلك السنين انما هى باعتبار سنى الآخرة التى كل يوم منها الف سنة كما فى حق الكفرة الا ان يتفضل الله تعالى على المؤمنين والله اعلم. وعذاب كل عاص كيفية وكمية انما هو على حسب حجابه كيفية وكمية ألا ترى الى قوله تعالى {كأنما اغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما} فانه باعتبار توجههم الى السفليات وهى الصفات الحيوانية والسبعية والشيطانية ظلمات بعضها فوق بعض نسال الله تعالى ان يجعلنا من الذين انتقلوا من معادنهم الطينية وخرجوا من رعونة البشرية والتحقوا بالعالم الاعلى وكل من صفت جوهرته ولطف معناه يكون هكذا بخلاف من انكدرت جوهرته وكثف معناه فلا بد لك من ان تضرم على النفس نار المجاهدة وتلقيها فى ابواط الرياضة فان الرجال الانجاد رضى الله عنهم ما اشتغلوا بتدبير جسومهم من حيث الشهوات وانما اشتغلوا بنفوسهم ان يخلصوها من رعونة الطبع حتى يلحقوها بعالمها ألا ترى سهلا التسترى وهو من رؤساء هذا الطريق وساداته لما قيل له ما القوت فقال ذكر الحى الذى لا يموت قيل له هذا قوت الارواح فما قوت الاشباح فقال دع الديار لى بانيها ان شاء عمرها وان شاء خربها فما احرم عبدا لم يوفقه الله لتخليص جوهرته نعوذ بالله من الحرمان: وفى المثنوى شعر : اين رياضتها درويشان جراست كان بلا برتن بقاى جانهاست مردن تن دررياضت زند كيست رنج اين تن روحرا بايند كيست بس رياضت رابجان شو مشترى جون سبردى تن بخدمت جان برى

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (والذين): مبتدأ على حذف مضاف، أي: جزاء الذين كسبوا، (وجزاء): خبر، أو على تقدير "لهم" أو معطوف على (للذين أحسنوا) على مذهب من يُجوز: في الدار زيد والحجرةِ عمرو. أو (جزاء): مبتدأ، و(بمثلها): خبر، والجملة حينئذٍ كبرى. ومن قرأ (قِطعَاً) بفتح الطاء فجمع قطيع، وهو مفعول ثان، و(مظلماً): حال من الليل، ومن قرأ (قِطعَاً) بالسكون فمصدر، و(مظلماً) نعت له، أو حال منه أو من الليل. يقول الحق جل جلاله: {والذين كسَبوا السيئات} كالكفر والشرك، وما يتبعهما من المعاصي، جزاؤهم {سيئة بمثلها } لا يزاد عليها، فلا تضاعف سيئاتهم، عدلاً منه سبحانه، {وترهقُهم ذِلةٌ} أي: هوان عند حشرهم للنار، {ما لهم من الله من عاصم} يعصمهم من عذاب الله وغضبه، {كأنما أُغشيَت وجوهُهُم قِطعَاً من الليل مظلماً}، أي: يحشرون مسودة وجوههم، كأنما أُكْسِيَتْ وجوههم قطْعاً كثيرة من الليل المظلم، أو قطْعاً مظلماً من الليل {أولئك أصحابُ النار هم فيها خالدون}. قال البيضاوي: هذا مما يحتج به الوعيدية ـ يعني المعتزلة ـ في تخليد العصاة. والجواب: أن الآية في الكفار؛ لاشتمال السيئات على الكفر والشرك، ولأن الذين أحسنوا يتناول الكثير من أهل القبلة، فلا يتناوله قسيمُه. هـ. الإشارة: جزاء المعاصي البُعد والهوان، وتسْويد وجوه القلوب والأبدان، كما أن جزاء الطاعة التقريب والإبرار، وتنوير وجوه القلوب والأسرار والإحسان، وفي ذلك يقول ابن النحوي في منفرجته: شعر : وَمَعَاصِي اللَّهِ سَماجَتُها تَزَدَانُ لِذي الخُلْقِ السَّمِج وَلِطَاعَتِه وَصَبَاحَتِهَا أنْوارُ صَبَاحٍ مُنْبَلِجِ تفسير : قيل لبعض الصالحين: ما بال المجتهدين من أحسن الناس خلَقاً؟ قال: لأنهم خلَوْا بالرحمن فألبسهم نوراً من نوره. هـ. نعم، إن صحب المعصية توبةٌ وانكسارٌ، وصحب الطاعة عز واستكبارُ، انقلبت حقيقتهما، فقد تُقرب المعصية وتبعد الطاعة. وفي الحكم: "معصية أورثت ذلاً وافتقاراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً، وقال أيضاً: "وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول". ثم ذكر موطن وعد المحسنين ووعيد المسيئين، فقال: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ}.

الطوسي

تفسير : لما وصف الله تعالى المطيعين، وما لهم من الثواب الجزيل في الجنة والخلود فيها، ذكر حكم العصاة الذين يرتكبون السيئات ويكسبونها وأن لهم جزاء كل سيئة مثلها يعني قدر ما يستحق عليها من غير زيادة، لأن الزيادة على قدر المستحق من العقاب ظلم، وليس كذلك الزيادة على قدر المستحق من الثواب، لأن ذلك تفضل يحسن فعله ابتداء. فالمثل - في الآية - المراد به مقدار المستحق من غير زيادة ولا نقصان. والكسب فعل يجتلب به نفع او يدفع به ضرر، وقد يكتسب الانسان الحسنة والسيئة، ولهذا لا يوصف الله تعالى بالكسب. وقوله {وترهقهم ذلة} اي يلحقهم هوان في أنفسهم. {وما لهم من الله من عاصم} أي ما لهم مانع من عقاب الله. وفي رفع {جزاء} في الآية وجهان: احدهما - ان تقديره فلهم جزاء سيئة بمثلها ليشاكل {للذين أحسنوا}. والآخرة - ان يكون الخبر بمثلها والباء زيادة كزيادتها في قولك ليس زيد بقائم. وقوله {كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً} شبه سواد وجوههم بقطع من الليل المظلم وانما ذكّر ووحّد مظلم لاحد أمرين: احدهما - ان يكون حالا من الليل. والثاني - على قول الشاعر: شعر : لو أن مدحة حي تنشرن أحداً أحيا أبا كن يا ليلى الأماديح تفسير : و (القطع) قرأه بتسكين الطاء ابن كثير والكسائي. الباقون بالتحريك، وهما لغتان. وقوله {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} اخبار منه تعالى بأن من وصفهم ملازمون للنار خالدون فيها غير زائل عنهم عذابها. قال ابو عبيدة {قطعاً من الليل} وهو بعض الليل تقول اتيته لقطع من الليل اي ساعة من الليل، وقطع واقطاع. وقال ابو علي: القطع الجزء من الليل الذي فيه ظلمة. فأما قوله {مظلماً} اذا اجريته على (قطع) فيحتمل نصبه وجهين: احدهما - ان يكون صفة من القطع وهو احسن، لانه على قياس قوله { أية : وهذا كتاب أنزلناه مبارك} تفسير : وصف الكتاب بالمفرد بعد ما وصفه بالجملة واجراه على النكرة. والثاني - يجوز أن يكون حالا من الذكر الذي في الظرف. ومن قرأ {قطعاً} لم يكن مظلماً صفة لـ (قطع) ولا حالا من الذكر الذي في قوله {من الليل} ولكن يكون حالا من الليل المظلم فلما حذف الألف واللام نصب على ا لحال.

اطفيش

تفسير : {والَّذينَ} عطف على الذين {كسبوا السَّيئات} عملوا كبائر شرك أو نفاق، فهو شامل لغير المشرك، والمشرك كما مر أن من أصر على معصية غير داخل فى الذين أحسنوا، فليدخل هنا، ولا مانع من حملنا هنا على المشركين، واستفاد من الآى الأخر، والأحاديث، أن المنافقين مثلهم {جزاءُ سيئةٍ بمِثْلها} عطف على الحسنى، فيكون ذلك من عطف معمولين على معمولى عاملين مختلفين، أحدهما جار، فكأنه قيل: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة، وبمثلها نعت لسيئة، أو متعلق بجزاء. ومعنى جزاء السيئة مقابلتها، والجزاء عليها، وجواز ذلك العطف مذهب الأخفش، والكسائى والفراء، والزجاج ومنعه سيبويه، والمبرد، وابن السراج، وهشام. وقال قوم منهم: الأعلم بالجواز أن والى المحفوظ العاطفة كالآية على ذلك التخريج، وكقولك: فى الدار عمرو والحجرة بكر، بجر الحجرة ورفع بكر إن لم يله نحو: فى الدار زيد وعمرو الحجرة بجر الحجرة لعدم وروده، وعدم تعادل المتعاطفات، وإن كان أحد العاملين غير جار، فقال ابن مالك: يمنع إجماعا نحو: كان أكلا طعامك عمرو وتمرك بكر، فإن طعامك معمول لأكلا، وعمر ومعمول لكان، ونقل الفارسى الجواز عن جماعة قيل: منهم الأخفش، وهذه الجماعة والأخفش تجيزه إذا كان أحد العاملين جارا متأخرا أيضا نحو: زيد فى الدار والحجرة عمرو، وليس كما قال المهدوى إنه إذا كان أحدهما جارا متأخرا يمنع إجماعا. ويجوز أن يكون الذين مبتدأ على حذف مضاف خبره جزاء، وجزاء الذين كسبوا الخ، أو خبره {كأنما أغشيت وجوههم} أو {أولئك أصحاب النار} وعليهما فما بين ذلك معترض فيكون جزاء مبتدأ خبر محذوف، أى واقع بمثلها، أو مقدر بمثلها، أو مذكور وهو مثل على أن الباء زائدة. {وترْهقُهم ذِلَّةٌ} وقرء بالمثنات التحتية للفصل، وظهور الفاعل المجازى التأنيث {مَا لَهم مِنَ اللهِ} من متعلق بعاصم بعده {مِنْ} صلة للتأكيد {عَاصمٍ} مانع، أى ما لهم عن سخط الله وعذابه، أو من الأولى متعلقة بمحذوف حال من ضمير الاستقرار فى لهم، على أن عاصم مبتدأ، ولهم خبر، أو بمحذوف حال من عاصم على أنه فاعل للظرف، لاعتماده على النفى، على هذين الوجهين يكون المعنى ليس لهم عند الله عاصم، كما أن للمؤمنين عنده عاصم وهو الملائكة، أو عملهم الحسن، أو توفيق الله سبحانه وتعالى. {كأنَّما أغْشِيتْ وجُوهُهم قِطَعاً} مفعول ثان، والأول نائب الفاعل، وذلك أن أغشى تعدى إلى اثنين بالهمزة، أى جعلت القطع غاشية وجوههم، والمعنى كسيت وجوههم قطعا، والقطع جمع قطعة وهى الجزء من الليل، وقرأ ابن كثير والكسائى ويعقوب بإسكان الطاء {مِنَ اللَّيل} نعت قطع {مُظْلماً} حال من الليل، أى قطعا ثابتة من الليل مظلما، فناصب قطعا أغشيت، وناصب ثابتة أغشيت أيضا، لأن العامل فى المنعوت هو العامل فى النعت، وناصب محل الليل ثابتة، أو من الليل بنيابته عن ثابتة، وعلى إسكان الطاء فمظلما نعت قطعا أو حال منه بوصفه أو من ضميره فى قوله: {من الليل} والقطع بإسكان مفرد بمعنى المقطوع كالقطعة، أو جمع كسدرة وسدر، وباب كلم وسدر وشجر يجوز فيه الإفراد والتنكير. وقرأ أبىّ كأنما يغشى بفتح الياء والشين، وجوههم بالنصب قطع بالرفع وإسكان الطاء من الليل، مظلم بالرفع على أنه نعت قطع، وكذا قرأ ابن أبى عبلة إلا أنه يتخطى، وإنما وصف الجمع وهو القطع بفتح الطاء، بمفرد، لأنه ملحق بباب سدرة وسدر، وكلمة وكلم، وشجرة وشجر ونحو ذلك. وهو يجوز فيه الوصف بالمفرد المذكر، مع أنه جمع أو اسم، ولو لم يكن من ذلك الباب، والمراد القطع من سواد الليل، كان وجه كل واحد عليه قطع متراكمة من سواد الليل، بعضها فوق بعض، قال الحسن: لم يخلق الله شيئاً أشد من سواد الليل. {أولئِكَ أصْحابُ النَّار هُم فيها خَالدُونَ} لا انقطاع لها ولا لهم عنها.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ} الشرك أَو الكبائِر ومن الكبائِر الصغائِر المصر عليها، وكل ذلك موجب للخلود فى النار، وهو مبتدأٌ ولا يخبر عنه بقوله {جَزَاءُ} لأَن الذوات لا يخبر عنها بالمعانى والأَوائِل تأْخذ مكانها فيعتبر ما يلحق بها فإِن لم يوجد قدر فى الأَخر لأَنها محل التغيير والتقدير فى الأَوائل تقدير قبل الحاجة إِليه، فيقدر هنا ذوو جزاءِ أَولى من أَن يقدر وجزاء الذين كسبو السيئات جزاءُ {سَيِّئَةٍ} وقوله {بِمِثْلِهَا} متعلق بجزاء أَو سيئة مبتدأٌ وخبره محذوف، أَى مقدر بمثلها أَو مثل خبر، والباءُ زائِدة والجملة خبر الذين والرابط محذوف، أَى جزاءُ سيئَة منهم أَو سيئَة لهم، وهذا المقدر نعت لسيئَة أَو جزاءٌ مبتدأُ خبره محذوف، أَى لهم جزاءٌ سيئة بمثلها، والجملة خبر الذين وهو أَنسب بقوله للذين أَحسنو الحسنى أَى لهؤُلاءِ الحسنى ولهؤُلاءِ جزاء سيئَة بمثلها، وهذا فى معنى عطف الذين على الذين وسيئَة على الحسنى عطف معمولين على معمولى عاملين مختلفين، منعه سيبويه مطلقا وأَجازه الفراءُ مطلقاً وأَجازه الجمهور بشرط تقدم المجرور كما فى الآية، فيجوز: فى الدار عمرو والحجرة زيد، بجر الحجرة، ولا يجوز عمرو فى الدار والحجرة زيد، أَو خبر الذين ما لهم إِلخ أَو كأَنما إِلخ وفيه الفصل بثلاث جمل أَو أُولَئِك إلخ بالفصل بأَربع {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} عطف على كسبوا عطف مضارعية على ماضوية ولا ضعف فى ذلك لأَن حاصله الإِخبار بأَنه كان كذا فيما مضى ويكون كذا فى المستقبل، أَو عطف على ما قبله عطف معنوياً كعطف التوهم كأَنه قيل والذين كسبوا السيئات تجازى سيئَتهم بمثلها وترهقهم ذلة {مَا لَهُمْ مِّنَ اللهِ} أَى من عذاب الله على حذف مضاف، ويجوز أَن لا يقدر مضافاً كما تقول جاءَنى كتاب من زيد، ويتعلق بمحذوف من ضمير الاستقرار، وقيل حال من عاصم وفيه مجىءُ الحال من المبتدإِ دون وجود شرطه والمشهور منعه لأَن عامله الابتداءُ وكيف يعمل الابتداءُ فى الحال ويكون مقيدا بالحال {مِنْ عَاصِمٍ} الجملة حال من هاءِ ترهقهم مالهم عاصم من عذابه إِذا جاءَهم أَى مانع بخلاف المؤمنين فإِن عملهم عاصم برحمة الله من عذابه والأَنبياءُ والعلماءُ والشهداءُ يشفعون {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وَجُوهُهُمْ قِطْعاً} فيه نيابة المفعول الثانى من باب أَعطى لعدم اللبس كقوله أُعطى درهم زيداً فإِن قطعا هو الأَول لأَنه الفاعل فى المعنى فلا تهم فإِن المصير غاشياً هو قطع تغشى الوجوه لا الوجوه تغشاها اللهم إِلا مبالغة فى استحقاق السوء، كأَن الوجوه هى الطالبة لأَن تغشى القطع والمفرد قطعة بكسر القاف كسدرة وسدر {مِنَ اللَّيْلِ} نعت قطعا ومن للتبعيض أَو للبيان {مُظْلِماً} حال من الليل وناصبه أُغشيت إِن جعلنا من الليل متعلقاً بأَغشيت ومن للابتداء أَومتعلق الليل أَى ثابتة من الليل حال كونه مظلماً. {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ* وَيَوْمَ} اذكر لهم أَو ذكرهم يوم {نَحْشُرُهُمْ} أَى الخلق، وأَخر ذكر يوم الحشر مع أَنه متقدم على ما قبله من الخزى والعذاب والنار تلويحاً بأَن كلا من السابق واللاحق مستقبل بالاعتبار ولو قدم ذكره على ما ذكر قبله لكان مساق الآية أَن ذلك كله معتبر واحد {جَمِيعاً} المشركين والموحدين وإِن أُريد المشركون فالإِظهار فى قوله {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ} للتشنيع بالشرك فمقتضى الظاهر ثم نقول لهم، وإِن أُريد بها نحشر الخلق المؤمن والكافر فالتقدير للذين أَشركوا منهم وشركاءُ معطوف على المستتر فى مكانكم لأَن المعنى الزموا مكانكم حتى تروا ما يفعل بكم، وقد فصل بتأْكيده وهو أَنتم، وقال الفارسى مكانكم اسم فعل وفتحه بناء ومعناه اثبتوا ولا تنتقلوا {فَزَيَّلْنَا} فرقنا {بَيْنَهُمْ} وقطعنا الوصل الذى كان بينهم والمفعول به محذوف تقديره الوصل، وبين ظرف، وأَجاز بعض أَن يكون مفعولا به ومعناه الوصل وشد للمبالغة لأَنه يقال زال ضانه من معزه، ويزيلها بفتح الياءِ الأُولى وعينه ياءٌ، ولا يجوز أَن يقال من زال يزول وهو من لازم شدد للتعدية، وإِن أَصله زولنا بشد الواو لأَنه لو كان كذلك لم يكن بياءٍ مشددة بل يكون بواو مشددة، إِذ لا موجب للقلب، ولا أَن يقال أَصله زَيْوَلْنَا قلبت الواو ياءً وأُدغمت فيها ياءُ الإِلحاق على زيد تدحرج إِلحاق يدحرج لأَن باب الإِلحاق خلاف الأَصل فلا يرتكب بلا حجة. وعلى فرض الإِلحاق يكون المصدر فيعلة كدحرجة، ولا تفعيل كتقديس إِذا استعملناه، ومقتضى الظاهر فنزيل بينهم بشد الياءِ وصيغة المضارع كنقول ونحن لكن الماضى لتحقيق الوقوع كأَنه وقع وكذا فى قوله: {وَقَالَ} بلسان الحال أَو لسان المقال {شُرَكَاءُهُمْ مَّا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} وأَضاف الشركاءُ هناك وهنا إِليهم لأَنهم هم المثبتون الشركة بين الله وبين أَصنامهم والإِضافة تسوغ لأَدنى ملابسة أَو لأَنها شريكة لهم فى مالهم باختيارهم إِذ جعلوا لها نصيباً فى أَموالهم ينطقها الله فتنفى أَن تكون معبودة لأَنها لا شعور لها، وعلى فرض أَن الله أَعلم الشركاءَ يوم القيامة باَن المشركين فى الدنيا عبدوها يكون إِنكارها دهشاً أَو باعتبار نفى منفعة عبادتهم لها فكأَنهم لم يعبدوها أَو باعتبارهم عبدوا الشياطين والأَهواءَ لأَنها الآمرة بالإِشراك، وأَما الشركاءُ فلم تأْمرهم بعبادتها ولا أَرادت أَن تعبد، وقيل الشركاءُ عيسى والملائِكة، وقيل الشياطين وفيه أَن الشياطين عالمون بعبادة المشركين لهم وقيل الملائِكة، ولا يلزم علمهم بها، وقد تعلم الشياطين لأَنهم يوسوسون ويمضون فى شأْنهم. قال الله عز وجل "أية : ثم نقول للملائِكة أَهَٰؤُلآءِ الذين"تفسير : [سبأ: 40] إِلخ، "أية : أَأَنت قلت للناس" تفسير : [المائدة: 116] إِلخ، إِلا أَن دعوتكم فاستجبتم لى، والعرب ما عبدت عيسى بل النصارى عبدته، وخزاعة خاصة من العرب عبدت الملائِكة، ويدل على أَن مراد الأَصنام قبل قوله تعالى: {فَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} حيث اشتشهدوا به تعالى وقوله تعالى {إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} سبحانك أَنت ولينا من دونهم حيث أَثبتوا لهم عبادة إِلا أَنهم زعموا أَنهم غافلون عنها، وقد يقال: نطقت الأَصنام بذلك بعد إِعلام الله تعالى لها ولا علم لها حال العبادة إِذ لا شعور للجماد، فالمشركون فى الحقيقة عبدوا الشياطين وأَهواءَهم، وأَن مخففة أَى أَنه أَى الشأْن أَو أَننا، وقدم إِيانا للاهتمام والفاصلة وقصر القلب، وفى الآية تلقى الشدة من الشركاءِ بالإِنكار فى مقام ترجى الشفاعة وذلك من أَعظم شىءٍ أَن يكون الشر حيث يرجى الخير، وإِيضاح القلب أَنهم يقولون ما عبدنا إِلا إِياكم الأَصنام فتقول الأَصنام: ما إِيانا عبدتم كما قلتم بل عبدتم الشياطين والأَهواءَ، فصح الحصر لا كما قيل لا يصح تنصب الأَصنام فتقول والله ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل ولا نعلم أَنكم عبدتمونا، فيقولون والله إِياكم كنا نعبد فكفى بالله إِلخ، كما قاله مجاهد فهو صريح فى الحصر والمراد بالغفلة عدم علمها بالعبادة وعدم الرضا بها.

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيّئَـٰتِ} أي الشرك والمعاصي، وهو مبتدأ بتقدير المضاف خبره قوله سبحانه: {جَزَآءُ سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا} والباء متعلقة بجزاء وهو مصدر المبني للمفعول لا اسم للعوض كما في بعض الأوجه الآتية / على ما قيل أي جزاء الذين كسبوا السيئات أن تجازى سيئة واحدة بسيئة مثلها على معنى عدم الزيادة بمقتضى العدل وإلا فلا مانع عن العفو بمقتضى الكرم لكن ذلك في غير الشرك ويجوز أن يكون (جزاء سيئة بمثلها) جملة من مبتدأ وخبر هي خبر المبتدأ وحينئذٍ لا حاجة إلى تقدير المضاف لكن العائد محذوف أي جزاء سيئة منهم بمثلها على حد ـ السمن منوان بدرهم ـ. وأجاز أبو الفتح أن يكون (جزاء) مبتدأ محذوف الخبر أي لهم جزاء سيئة بمثلها وحذف لهم لقرينة {أية : لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ }تفسير : [يونس: 26]والجملة خبر {ٱلَّذِينَ كَسَبُواْ} وحينئذٍ لا حاجة إلى تقدير عائد كما لا حاجة إلى تقدير مضاف، وجوز غير واحد أن يكون {ٱلَّذِينَ} عطفا على {أية : لِّلَّذِينَ}تفسير : [يونس:26] المجرور الذي هو مع جاره خبر و{جَزَآءُ سَيِّئَةٍ} معطوف على{ أية : ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [يونس:26] الذي هو المبتدأ، وفي ذلك العطف على معمولي عاملين مختلفين وفيه مذاهب المنع مطلقاً وهو مذهب سيبويه والجواز مطلقاً وهو مذهب الفراء والتفصيل بين أن يتقدم المجرور نحو في الدار زيد والحجرة عمرو فيجوز أو لا فيمتنع، والمانعون يحملون نحو هذا المثال على إضمار الجار ويجعلونه مطرداً كقوله: شعر : أكل امرىء تحسبين امرأ ونار توقد بالليل ناراً تفسير : وقيل: هو مبتدأ والخبر جملة {مَّا لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} أو {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ} أو {أُوْلَٰـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ} وما في البين اعتراض، وفي تعدد الاعتراض خلاف بين النحويين و {جَزَآءُ سَيِّئَةٍ} حينئذٍ مبتدأ و {بِمِثْلِهَا} متعلق به والخبر محذوف أي واقع أو {بِمِثْلِهَا} هو الخبر على أن الباء زائدة أو الجار والمجرور في موضع الخبر على أن الباء غير زائدة، والأولى تقدير المتعلق خاصاً كمقدر ويصح تقديره عاماً، والقول بأنه لا معنى له حاصل وهم ظاهر، وأياً ما كان لا دلالة في الآية على أن الزيادة هي الفضل دون الرؤية وقد علمت أن تفسيرها بذلك هو المأثور عن النبـي صلى الله عليه وسلم وجملة من السلف الصالح فلا ينبغي العدول عنه لما يتراءى منه خلافه لا سيما وقد أتى الإمام وغيره بدلائل جمة على أن المراد بها ذلك ولم يؤت بالآيتين على أسلوب واحد لمراعاة ما بين الفريقين من كمال التنائي والتباين، وإيراد الكسب للإيذان بأن ذلك إنما هو بسوء صنيعهم وجنايتهم على أنفسهم. {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أي هوان عظيم، فالتنوين هنا للتفخيم على عكس التنوين فيما قبل كما أشرنا إليه، وفي إسناد الرهق إلى أنفسهم دون وجوههم إيذان بأنها محيطة بهم غاشية لهم. وقرىء {يرهقهم} بالياء التحتانية لكون الفاعل ظاهراً وتأنيثه غير حقيقي، وقيل: التذكير باعتبار أن المراد من الذلة سببها مجازاً، ولا يحتاج إليه كما لا يخفى لأن التذكير في مجازي التأنيث لا سيما المفصول كثير جداً. والواو على ما قال غير واحد للعطف وما بعده معطوف على {كَسَبُواْ} وضعفه أبو البقاء بأن المستقبل لا يعطف على الماضي. وأجيب بالمنع، وفي العطف هٰهنا ما لا يخفى من المبالغة حيث أخرج نسبة الرهق إليهم يوم القيامة مخرج المعلوم حيث جعل ذلك بواسطة العطف صلة الموصول، وقيل: إنه عطف على ما قبله بحسب المعنى كأنه قيل: والذين كسبوا السيئات تجازى سيئتهم بمثلها وترهقهم ذلة ولعله أولى من الأول، وأما جعل الواو حالية والجملة في موضع الحال من ضمير {كَسَبُواْ} فلا يخفى حاله. {مَّا لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} أي ما لهم أحد يعصمهم ويمنعهم من سخط الله تعالى وعذابه فمن الأولى متعلقة بعاصم والكلام على حذف مضاف و {مِنْ} الثانية زائدة لتعميم النفي، أو ما لهم من جهته وعنده تعالى من يعصمهم كما يكون للمؤمنين فمن الأولى متعلقة بمحذوف وقع / حالاً من {عَاصِمَ} وقيل متعلقة بالاستقرار المفهوم من الظرف وليس في الكلام مضاف محذوف، و {مِنْ} الثانية على حالها والجملة مستأنفة أو حال من ضمير {تَرْهَقُهُمْ} وفي نفي العاصم من المبالغة في نفي العصمة ما لا يخفى. {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ} أي كأنما ألبست ذلك لفرط سوادها وظلمتها، والجار والمجرور صفة {قِطَعًا} وقوله سبحانه: {مُظْلِماً} حال من {ٱلَّيْلَ} والعامل فيه متعلق الجار والمجرور فعلاً كان أو اسماً. وجوز أبو البقاء كونه حالا من {قِطَعًا} أو صفة له، وكان الواجب الجمع لأن {قِطَعًا} جمع قطعة إلا أنه أفردت حاله أو صفته لتأويل ذلك بكثير ولا يخفى أنه تكلف مستغنى عنه، والظاهر أن {من} للتبعيض، وقال بعض المحققين: لليل معنيان زمان تخفى فيه الشمس قليلاً أو كثيراً كما يقال دخل الليل والآن ليل وما بين غروب الشمس إلى طلوعها أو قربها من الطلوع، فمن إما تبعيضية على الأول وبيانية على الثاني، وجوز الزمخشري أن يكون العامل في الحال {أُغْشِيَتْ} من قبل أن {ٱلْلَّيْلِ} صفة لقطعاً فكان إضفاؤه إلى الموصوف كإفضائه إلى الصفة. قال صاحب «التقريب»: وفيه نظر لأن {مِّنَ ٱلْلَّيْلِ} ليس صلة (أغشيت) حتى يكون عاملاً في المجرور بل التقدير أنه صفة فيكون العامل فيه الاستقرار، وأيضاً الصفة {مِّنَ ٱلَّيْلِ} وذو الحال هو ـ الليل ـ فلا يكون {أُغْشِيَتْ} عاملاً في ذي الحال مع أنه المقصود وقد يقال: إن {مِنْ} للتبيين والتقدير كائنة من الليل فأغشيت عامل في الصفة وهي كائنة فكأنه عامل في {ٱلَّيْلَ} وهو مبني على أن العامل في العامل في الشيء عامل فيه وهو فاسد فالوجه أن يقال: إن {مِنْ} للتبعيض أي بعض الليل ويكون بدلاً من {قِطَعًا} ويجعل {مُظْلِماً} حالا من البعض لا {مِّنَ ٱلَّيْلِ} فيكون العامل في ذي الحال {أُغْشِيَتْ} ولا يخفى أنه وجه أغشى قطعاً من ليل التكلف والتعسف مظلماً. وأجاب الإمام أمين الدين بأنه نسبة {أُغْشِيَتْ} إلى {قِطَعًا} إنما هي باعتبار ذاتها المبهمة المفسرة بالليل لا باعتبار مفهوم القطع في نفسها وإنما ذكرت لبيان مقدار ما أغشيت به وجوههم وهو الليل مظلماً فإفضاء الفعل إلى {قِطَعًا} باعتبار ما لا يتم معناها المراد إلا به كافضاء الفعل إليه كما إذا قيل: اشتريت أرطالاً من الزيت صافياً فإن المشترى فيه الزيت والأرطال مبينة لمقدار ما اشترى صافياً فالعامل في الحال إنما هو العامل اللفظي ولا يلاحظ معنى الفعل في الجار والمجرور من جهة العمل لغلبة العامل اللفظي عليه بالظهور ولا يخفى ما فيه. وقال في «الكشف»: إن الزمخشري ذهب إلى أن {أُغْشِيَتْ} له اتصال بقوله تعالى: {مِّنَ ٱلَّيْلِ} من قبل أن الصفة والموصوف متحدان لا سيما والقطع بعض الليل فجاز أن يكون عاملاً في الصفة بذلك الاعتبار وكأنه قيل أغشيت الليل مظلماً وهذا كما جوز في نحو {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا }تفسير : [الحجر:47] أن يكون حالاً من الضمير باعتبار اتحاده بالمضاف وكأنه قيل: ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً وكما جوز في {أية : مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفاً }تفسير : [البقرة: 135] لأن الملة كالجزء كأنه قيل: اتبعوا إبراهيم حنيفا وهذا الذي ذهب إليه الزمخشري وهو سر هذا الموضع لا ما طوله كثيرون لا سيما حمل {مِنْ} على التجريد فإنه مع أن المعنى على التبعيض لا البيان وليس كل بيان تجريداً لا يتم مقصوده انتهى. وقد عرض في ذلك بشيخه العلامة الطيبـي فإنه عليه الرحمة قد تكلف ما تكلف والإنصاف أن ما جوزه الزمخشري هنا مما لا ينبغي والسعي في إصلاحه مع وجود الوجه الواضح الذي لا ترهقه قترة يقرب من أن يكون عبثاً. وقرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب وسهل {قِطَعًا} بسكون الطاء وهو اسم مفرد معناه طائفة من الليل أو ظلمة آخره أو اسم جنس لقطعة وأنشدوا: <table><tr><td> شعر : / افتحي الباب وانظري في النجوم كم علينا من قطع ليل بهيم تفسير : وعلى هذا يجوز أن يكون {مُظْلِماً} صفة له أو حالاً منه بلا تكلف تأويل. وقرىء {كأنما يغشى وجوههم قطع من الليل مظلم} والكلام فيه ظاهر، والجملة كالتي قبلها مستأنفة أو حال من ضمير {تَرْهَقُهُمْ} {أُوْلَـٰئِكَ} أي الموصوفون بما ذكر من الصفات الذميمة {أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} لا يخرجون منها أبداً. واحتجت الوعيدية بهذه الآية على قولهم الفاسد بخلود أهل الكبائر. وأجيب بأن السيآت شاملة للكفر وسائر المعاصي وقد قامت الأدلة على أنه لا خلود لأصحاب المعاصي فخصصت الآية بمن عداهم، وأيضاً قد يقال إنهم داخلون في (الذين أحسنوا) بناء على ما أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن ابن عباس وأبو الشيخ عن قتادة أنهم الذين شهدوا أن لا إله إلا الله أي المؤمنون مطلقاً فلا يدخلون في القسم الآخر لتنافي الحكمين، وقيل: إن أل في {ٱلسَّيِّئَاتِ} للاستغراق فالمراد من عمل جميع ذلك؛ والقول بخلوده في النار مجمع عليه وليس بذاك.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : للذين أحسنوا الحسنى}تفسير : [يونس: 26]. وعبر في جانب المسيئين بفعل {كسبوا السيئات} دون فعل أساءوا الذي عبر به في جانب الذين أحسنوا للإشارة إلى أن إساءتهم من فِعلهم وسعيهم فما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون. والموصول مراد به خصوص المشركين لقوله بعده: {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}. فإن الخلود في النار لا يقع إلا للكافرين، كما دلت عليه الأدلة المتظافرة خلافاً للمعتزلة والخوارج. وجملة: {جزاءُ سيئة بمثلها} خبر عن {الذين كسبوا السيئات}. وتنكير (سيئة) للعموم، أي جزاء كل سيئة بمثلها، وهو وإن كان في سياق الإثبات فالعموم مستفاد من المقام وهو مقام عموم المبتدأ. كقول الحريري: شعر : يا أهلَ ذا المغنَى وُقيتم ضُرا تفسير : أي كل ضر. وذلك العموم مُغن عن الرابط بين الجملة الخبرية والمبتدأ، أو يقدر مجرور، أي جَزاء سيئةٍ منهم، كما قدر في قوله تعالى: {أية : فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ففدية من صيام}تفسير : [البقرة: 196] أي فعليه. واقتصر على الذلة لهم دون زيادة ويَرهقهم قَتر، لأنه سيجيء ما هو أشد منه وهو قوله: {كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً}. وجملة: {ما لهم من الله من عاصم} خبر ثان، أو حال من {الذين كسبوا السيئات} أو معترضة. وهو تهديد وتأييس. والعاصم: المانع والحافظ. ومعنى {من الله} من انتقامه وجزائه. وهذا من تعليق الفعل باسم الذات، والمرادُ بعض أحوال الذات مما يدل عليه السياق مثل {أية : حُرمت عليكم الميتة}تفسير : [المائدة: 3]. وجملة {كأنما أغشيت وجوهُهم} الخ بيان لجملة: {ترهقهم ذلة} بيانَ تمثيل، أو حالٌ من الضمير في قوله: {وترهقهم}. و{أغشيت} معدَّى غَشِي إذا أحاط وغَطا، فصار بالهمزة معدى إلى مفعولين من باب كسَا. وتقدم في قوله تعالى: {أية : يُغشي الليلَ النهارَ}تفسير : في [الأعراف: 54]، وقوله:{أية : إذ يُغْشِيكُم النعاس} تفسير : في [الأنفال: 11]. والقِطع بفتح الطاء في قراءة الجمهور: جمع قِطعة، وهي الجزء من الشيء، سمي قطعة لأنه يُقتطع من كل غالباً، فهي فعْلة بمعنى مفعولة نقلت إلى الاسمية. وقرأه ابن كثير والكسائي ويعقوب {قِطْعاً} بسكون الطاء. وهو اسم للجزء من زمن الليل المظلم، قال تعالى: {أية : فاسر بأهلك بقِطْع من الليل}تفسير : [هود: 81]. وقوله: {مظلماً} حال من الليل. ووصف الليل وهو زمن الظلمة بكونه مظلماً لإفادة تمكن الوصف منه كقولهم: ليل أليل، وظل ظليل، وشعر شاعر، فالمراد من الليل الشديد الإظلام باحتجاب نجومه وتمكّن ظلمته. وشُبهت قَترة وجوههم بظلام الليل. وجملة: {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} هي كجملة {أية : أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون}تفسير : [يونس: 26].

الواحدي

تفسير : {والذين كسبوا السيئات} عملوا الشِّرك {جزاء سيئة} أَيْ: فهلم جزاء سيئةٍ {بمثلها وترهقهم ذلة} يُصيبهم ذلٌّ وخزيٌ وهوانٌ {ما لهم من الله} من عذاب الله {من عاصم} من مانعٍ يمنعهم {كأنما أغشيت} أُلبست {وجوههم قطعاً} طائفةً {من الليل} وهو مظلم. {ويوم نحشرهم جميعاً} نجمعهم جميعاً: الكفَّارَ وآلهتَهم {ثمَّ نقول للذين أشركوا مكانكم} قفوا والزموا مكانكم {أنتم وشركاؤكم فزيلنا} فرَّقنا وميَّزنا {بينهم} بين المشركين وبين شركائهم، وانقطع ما كان بينهم من التَّواصل في الدُّنيا {وقال شركاؤهم} وهي الأوثان: {ما كنتم إيانا تعبدون} أنكروا عبادتهم، وقالوا: ما كنَّا نشعر بأنَّكم إيَّانا تعبدون، والله يُنطقها بهذا. {فكفى بالله شهيداً...} الآية. هذا من كلام الشُّركاء. قالوا: شهد الله على علمه فينا، ما {كنا عن عبادتكم} إلاَّ غافلين؛ لأنَّا كنَّا جماداً لم يكن فينا روحٌ. {هنالك} في ذلك الوقت {تبلو} تختبر {كلُّ نفس ما أسلفت} جزاء ما قدَّمَتْ من خيرٍ أو شرٍّ {ورُدُّوا إلى الله مولاهم الحق} أَي: الذي يملك تولِّي أمرهم ويجازيهم بالحقِّ {وضلَّ عنهم} زال وبطل {ما كانوا يفترون} في الدُّنيا من التَّكذيب. {قل مَنْ يرزقكم من السماء والأرض} مَنْ يُنزِّل من السَّماء المطر، ويُخرج النَّبات من الأرض؟ {أم مَنْ يملك السمع والأبصار} مَنْ جعلها وخلقها لكم؟ على معنى: مَنْ يملك خلقها {ومن يخرج الحيَّ من الميت} المؤمن من الكافر، والنَّبات من الأرض، والإِنسان من النُّطفة، وعلى الضدِّ من ذلك {يخرج الميِّتَ من الحيِّ ومَنْ يدبر} أمر الدُّنيا والآخرة {فسيقولون الله} أَي: الله الذي يفعل هذه الأشياء، فإذا أقرُّوا بعد الاحتجاج عليهم {فقل أفلا تتقون} أفلا تخافون الله، فلا تشركوا به شيئاً. {فذٰلكم الله ربكم الحق} أَي: الذي هذا كلُّه فِعْلُه هو الحقُّ، ليس هؤلاء الذين جعلتم معه شركاء {فماذا بعد الحق} بعد عبادة الله {إلاَّ الضلال} يعني: عبادة الشَّيطان {فأنى تصرفون} يريد: كيف تُصرف عقولكم إلى عبادة ما لا يرزق ولا يحيي ولا يميت. {كذلك} هكذا {حقت} صدَّقت {كلمت ربك} بالشَّقاوة والخذلان {على الذين فسقوا} تمرَّدوا في الكفر {أنَّهم لا يؤمنون}.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْلَّيْلِ} {أُوْلَـٰئِكَ} {أَصْحَابُ} {ٱلنَّارِ} {خَالِدُونَ} (27) - أَمَّا المُجْرِمُونَ الذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا، وَكَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، فَإِنَّهُ تَعَالَى سَيَجْزِيهِمْ عَلَى السَّيِّئَةِ بِمِثْلِهَا مِنْ عِقَابٍ فِي الآخِرَةِ، دُونَ زِيَادَةٍ أَوْ مُضَاعَفَةٍ، وَتَعْتَرِيهِمْ (تَرْهَقُهُمْ) ذِلَّةٌ مِنْ مَعَاصِيهِمْ، وَيَعْلُوهُمْ الخَوْفُ مِنْهَا، وَلَنْ يَجِدُوا، فِي ذلِكَ اليَوْمِ، مَنْ يَعْصِمُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَتُصْبحُ وُجُوهُهُمْ سُوداً مِنَ الغَمِّ وَالكَآبَةِ، كَأَنَّمَا عَلَتْهَا قِطَعٌ مِنْ ظَلاَمِ اللْيلِ الحَالِكِ، وَهؤُلاءِ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ يَدْخُلُونَهَا وَيَخْلُدُونَ فِيهَا أَبَداً. عَاصِمٍ - مَانِعٍ يَمْنَعُ سُخْطَهُ وَعَذَابَهُ. أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ - كُسِيَتْ وَأُلْبِسَتْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وما دام الحق سبحانه قد جاء بمن دعاهم إلى دار السلام وأعطاهم الجنة جزاء للعمل الحسن، فذكر مقابل الشيء يجعله ألصق بالذّهن، والحق سبحانه هو القائل: {أية : فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً ..}تفسير : [التوبة: 82]. وأيضاً من أمثلة المقابلة في القرآن قوله الحق: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}تفسير : [الانفطار: 13-14]. إذن: فمجيء المقابل للشيء إنما يرسِّخه في الذهن؛ ولأن الحق سبحانه قد تكلم عن الدعوة إلى دار السلام، ومن دخل هذه الدعوة؛ فله الجنة خالداً فيها، لا يرهق وجهه قتر ولا ذلة، كان لا بد أن يأتي بالمقابل، وأن يبشِّع رفض الدعوة لدار السلام، ويحسِّن الأمر عند من يقبلون الدعوة. ولا بد - إذن - أن يفرح المؤمن؛ لأنه لن يكون من أهل النار، ولا بد أيضاً أن يخرج بعض من الذين ضلّوا عن الغفلة؛ ليهربوا من مصير النار، ويتحولوا إلى الإيمان. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ..} [يونس: 27]. ونحن نعلم أن الكسب إنما يكون في الأمر الفطري ويناسب الطاعات؛ لأن الطاعة أمر مناسب وملائم للفطرة، فلا أحد يستحي أن يصلِّي، أو يتصدق، أو يصوم، أو يحج، لكن من الناس من يستحي أن يُعرف عنه أنه كاذب، أو مُرَابٍ، أو شارب خمر. والإنسان حين يرتكب السيئة يمر بتفاعلات متضاربة؛ فالذي يسرق من دولاب والده وهو نائم، تجده يتسلل على أطراف أصابعه ويكون حذراً من أن يرتطم بشيء يفضح أمره، كذلك الذي ينظر إلى محارم غيره. كل هذا يدل على أن ارتكاب الشيء المخالف فيه افتعال، أي: يحتاج إلى اكتساب، ولكن الكارثة أن يستمر الإنسان في ارتكاب المعاصي حتى تصير دُرْبة، ويسهل اعتياده عليها؛ فيمارس المعصية باحتراف؛ فتتحول من اكتساب إلى كسب. أو أن يصل الفاسق من هؤلاء إلى مرتبة من الاستقرار على الانحلال؛ فيروي ما يفعله من معاصٍ وآثام بفخر، كأن يقول: "لقد سهرنا بالأمس سهرة تخلب العقل، وفعلنا كذا وكذا"، ويروى ذلك، وكأنه قد كسب تلك السهرة بما فيها من معاص وآثام. ومن رحمة الله سبحانه بالخلق أنه يجازي مرتكب السيئة بسيئة مثلها، فيقول سبحانه: {جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا}، وتتجلى أيضاً رحمة الحق سبحانه وتعالى حين يعطي من لا يرتكب السيئة مرتبة؛ فيصير ضمن من قال عنهم الحق سبحانه: {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ} لكن الذين لم يهتدوا منهم من يقول الحق سبحانه عنهم: {مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} أي: لن يجيرهم أحد عند الله تعالى، ولن يقول أحد لله سبحانه: لا تعذِّبْهم. أو أن (لا عاصم لهم) بمعنى: أن الله تعالى لن يأمر بعد ذلك بألاّ يُعذَّبوا. ولا يقتصر أمرهم على ذلك فقط، بل يقول الحق سبحانه: {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ ٱلَّيْلِ مُظْلِماً} أي: كأن قطعاً من الليل المظلم قد غطت وجوههم، ويكون مأواهم النار {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. هذا هو حال الذين كذَّبوا بآيات الله تعالى وكذبوا الرسل، وتأبَّوا عن دعة الله سبحانه وتعالى إلى دار السلام واتبعوا أهواءهم واتخذوا شركاء من دون الله تعالى. وشاء الحق سبحانه أن يُجلِّي لنا ذلك كله في الدنيا؛ حتى يكون الكون كله على بصيرة بما يحدث له في الآخرة؛ لأنه نتيجة حتمية لما حدث من هؤلاء في الدنيا. يقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {قِطَعاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ مُظْلِماً} معناه بعضٌ. والجَمعُ أَقطاعٌ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر أصحاب الجنة ذكر أصحاب النار، فذكر أن بضاعتهم التي اكتسبوها في الدنيا هي الأعمال السيئة المسخطة لله، من أنواع الكفر والتكذيب، وأصناف المعاصي، فجزاؤهم سيئة مثلها أي: جزاء يسوؤهم بحسب ما عملوا من السيئات على اختلاف أحوالهم. { وَتَرْهَقُهُمْ } أي: تغشاهم { ذِلَّةٌ } في قلوبهم وخوف من عذاب الله، لا يدفعه عنهم دافع ولا يعصمهم منه عاصم، وتسري تلك الذلة الباطنة إلى ظاهرهم، فتكون سوادًا في الوجوه. { كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } فكم بين الفريقين من الفرق، ويا بعد ما بينهما من التفاوت؟! {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ }.

همام الصنعاني

تفسير : 1160- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {قِطَعاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ مُظْلِماً}: [الآية: 27]، قال: ظلمة مِنَ الليل.