١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
26
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما دعا عباده إلى دار السلام، ذكر السعادات التي تحصل لهم فيها فقال: {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ } فيحتاج إلى تفسير هذه الألفاظ الثلاثة. أما اللفظ الأول: وهو قوله: {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } فقال ابن عباس: معناه: للذين ذكروا كلمة لا إله إلا الله. وقال الأصم: معناه: للذين أحسنوا في كل ما تعبدوا به، ومعناه: أنهم أتوا بالمأمور به كما ينبغي، واجتنبوا المنهيات من الوجه الذي صارت منهياً عنها. والقول الثاني: أقرب إلى الصواب لأن الدرجات العالية لا تحصل إلا لأهل الطاعات. وأما اللفظ الثاني: وهو {ٱلْحُسْنَىٰ } فقال ابن الأنباري: الحسنى في اللغة تأنيث الأحسن، والعرب توقع هذه اللفظة على الحالة المحبوبة والخصلة المرغوب فيها، ولذلك لم تؤكد، ولم تنعت بشيء، وقال صاحب «الكشاف»: المراد: المثوبة الحسنى. ونظير هذه الآية قوله: { أية : هَلْ جَزَاء ٱلإحْسَـٰنِ إِلاَّ ٱلإحْسَـٰنُ } تفسير : [الرحمن: 60]. وأما اللفظ الثالث: وهو الزيادة. فنقول: هذه الكلمة مبهمة، ولأجل هذا اختلف الناس في تفسيرها، وحاصل كلامهم يرجع إلى قولين: القول الأول: أن المراد من منها رؤية الله سبحانه وتعالى. قالوا: والدليل عليه النقل والعقل. أما النقل: فالحديث الصحيح الوارد فيه، وهو أن الحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى الله سبحانه وتعالى. وأما العقل: فهو أن الحسنى لفظة مفردة دخل عليها حرف التعريف، فانصرف إلى المعهود السابق، وهو دار السلام. والمعروف من المسلمين والمتقرر بين أهل الإسلام من هذه اللفظة هو الجنة، وما فيها من المنافع والتعظيم. وإذا ثبت هذا، وجب أن يكون المراد من الزيادة أمراً مغايراً لكل ما في الجنة من المنافع والتعظيم، وإلا لزم التكرار. وكل من قال بذلك قال: إنما هي رؤية الله تعالى. فدل ذلك على أن المراد من هذه الزيادة: الرؤية. ومما يؤكد هذا وجهان: الأول: أنه تعالى قال: { أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ } تفسير : [القيامة: 22، 23] فأثبت لأهل الجنة أمرين: أحدهما: نضرة الوجوه والثاني: النظر إلى الله تعالى، وآيات القرآن يفسر بعضها بعضاً فوجب حمل الحسنى ههنا على نضرة الوجوه، وحمل الزيادة على رؤية الله تعالى. الثاني: أنه تعالى قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: { أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً } تفسير : [الإنسان: 20] أثبت له النعيم، ورؤية الملك الكبير، فوجب ههنا حمل الحسنى والزيادة على هذين الأمرين. القول الثاني: أنه لا يجوز حمل هذه الزيادة على الرؤية. قالت المعتزلة ويدل على ذلك وجوه: الأول: أن الدلائل العقلية دلت على أن رؤية الله تعالى ممتنعة. والثاني: أن الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه، ورؤية الله تعالى ليست من جنس نعيم الجنة. الثالث: أن الخبر الذي تمسكتم به في هذا الباب هو ما روي أن الزيادة، هي النظر إلى وجه الله تعالى، وهذا الخبر يوجب التشبيه، لأن النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جهة المرئي. وذلك يقتضي كون المرئي في الجهة، لأن الوجه اسم للعضو المخصوص، وذلك أيضاً يوجب التشبيه. فثبت أن هذا اللفظ لا يمكن حمله على الرؤية، فوجب حمله على شيء آخر، وعند هذا قال الجبائي: الحسنى عبارة عن الثواب المستحق، والزيادة هي ما يزيده الله تعالى على هذا الثواب من التفضل. قال: والذي يدل على صحته، القرآن وأقوال المفسرين. أما القرآن: فقوله تعالى: { أية : لِيُوَفّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } تفسير : [فاطر: 30]. وأما أقوال المفسرين: فنقل عن علي رضي الله عنه أنه قال: الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة. وعن ابن عباس: أن الحسنى هي الحسنة، والزيادة عشر أمثالها وعن الحسن: عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وعن مجاهد: الزيادة مغفرة الله ورضوانه. وعن يزيد بن سمرة: الزيادة أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ما تريدون أن أمطركم. فلا يريدون شيئاً إلا أمطرتهم. أجاب أصحابنا عن هذه الوجوه فقالوا: أما قولكم إن الدلائل العقلية دلت على امتناع رؤية الله تعالى فهذا ممنوع، لأنا بينا في كتب الأصول أن تلك الدلائل في غاية الضعف ونهاية السخافة، وإذا لم يوجد في العقل ما يمنع من رؤية الله تعالى وجاءت الأخبار الصحيحة بإثبات الرؤية، وجب إجراؤها على ظواهرها. أما قوله الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه. فنقول: المزيد عليه، إذا كان مقدراً بمقدار معين، وجب أن تكون الزيادة عليه مخالفة له. مثال الأول: قول الرجل لغيره: أعطيتك عشرة أمداد من الحنطة وزيادة، فههنا يجب أن تكون تلك الزيادة من الحنطة. ومثال الثاني: قوله أعطيتك الحنطة وزيادة، فههنا يجب أن تكون تلك الزيادة غير الحنطة، والمذكور في هذه الآية لفظ {ٱلْحُسْنَىٰ } وهي الجنة، وهي مطلقة غير مقدرة بقدر معين، فوجب أن تكون تلك الزيادة عليها شيئاً مغايراً لكل ما في الجنة. وأما قوله: الخبر المذكور في هذا الباب، اشتمل على لفظ النظر، وعلى إثبات الوجه لله تعالى، وكلاهما يوجبان التشبيه. فنقول: هذا الخبر أفاد إثبات الرؤية، وأفاد إثبات الجسمية. ثم قام الدليل على أنه ليس بجسم، ولم يقم الدليل على امتناع رؤيته، فوجب ترك العمل بما قام الدليل على فساده فقط، وأيضاً فقد بينا أن لفظ هذه الآية يدل على أن الزيادة هي الرؤية من غير حاجة تنافي تقرير ذلك الخبر، والله أعلم. واعلم أنه تعالى لما شرح ما يحصل لأهل الجنة من السعادات، شرح بعد ذلك الآفات التي صانهم الله بفضله عنها، فقال: {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ } والمعنى: لا يغشاها قتر، وهي غبرة فيها سواد {وَلاَ ذِلَّةٌ } ولا أثر هوان ولا كسوف. فالصفة الأولى: هي قوله تعالى: { أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ } تفسير : [عبس: 40]. والصفة الثانية: هي قوله تعالى: { أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـٰشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ } تفسير : [الغاشية: 2، 3] والغرض من نفي هاتين الصفتين، نفي أسباب الخوف والحزن والذل عنهم، ليعلم أن نعيمهم الذي ذكره الله تعالى خالص غير مشوب بالمكروهات، وإنه لا يجوز عليهم ما إذا حصل غير صفحة الوجه، ويزيل ما فيها من النضارة والطلاقة، ثم بين أنهم خالدون في الجنة لا يخافون الانقطاع. واعلم أن علماء الأصول قالوا: الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فقوله: { أية : وَٱللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ } تفسير : [يونس: 25] يدل على غاية التعظيم. وقوله: {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ } يدل على حصول المنفعة وقوله: {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ } يدل على كونها خالصة وقوله: {أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } إشارة إلى كونها دائمة آمنة من الانقطاع والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} روُي من حديث أنس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى «وَزِيَادَةٌ» قال؛ «للذين أحسنوا العمل في الدنيا لهم الحسنى وهي الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم» وهو قول أبي بكر الصديق وعليّ بن أبي طالب في رواية. وحذيفة وعُبادة ابن الصامت وكعب بن عُجْرة وأبي موسى وصُهيب وابن عباس في رواية، وهو قول جماعة من التابعين، وهو الصحيح في الباب. وروى مسلم في صحيحه عن صُهيب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا دخل أهلُ الجنة الجنةَ قال الله تبارك وتعالى تريدون شيئاً أزيدكم فيقولون ألم تبيّض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار قال فيكشِف الحجاب فما أُعْطُوا شيئاً أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل ـ وفي رواية ثم تلا ـ «للذين أحسنوا الحسنى وزيادة» تفسير : وخرّجه النسائي أيضاً عن صُهيب قال:حديث : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه الآية: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} قال: «إذا دخل أهلُ الجنة الجنةَ وأهلُ النار النارَ نادى منادٍ يا أهل الجنة إن لكم موعداً عند الله يريد أن يُنْجِزكُموه قالوا ألم يبيّض وجوهنا ويُثقل موازينَنا ويُجِرْنا من النار قال فيكشِف الحجابَ فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر ولا أقَرّ لأعينهم»تفسير : . وخرّجه ابن المبارك في دقائقه عن أبي موسى الأشعري موقوفاً، وقد ذكرناه في كتاب التذكرة، وذكرنا هناك معنى كشف الحجاب، والحمد لله. وخرّج الترمذي الحكيم أبو عبد الله رحمه الله: حدّثنا علي بن حجر حدّثنا الوليد بن مسلم عن زُهير عن أبي العالية حديث : عن أُبَيّ بن كعب قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزيادتين في كتاب الله؛ في قوله: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} قال: «النظر إلى وجه الرحمن» وعن قوله: «وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ» [الصافات: 147] قال: «عشرون ألفاً»تفسير : . وقد قيل: إن الزيادة أن تضاعف الحسنة عشر حسنات إلى أكثر من ذلك؛ رُوي عن ٱبن عباس. ورُوي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة آلاف باب. وقال مجاهد: الحسنى حسنة مثل حسنة، والزيادة مغفرة من الله ورضوان. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الحسنى الجنة، والزيادة ما أعطاهم الله في الدنيا من فضله لا يحاسبهم به يوم القيامة. وقال عبد الرحمن بن سابط: الحسنى البشرى، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم؛ قال الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}. وقال يزيد بن شجرة: الزيادة أن تمرّ السحابة بأهل الجنة فتُمطرهم من كل النوادر التي لم يروها، وتقول: يا أهل الجنة، ما تريدون أن أُمطركم؟ فلا يريدون شيئاً إلا أمطرتهم إياه. وقيل: الزيادة أنه ما يمرّ عليهم مقدار يوم من أيام الدنيا إلا حتى يطيف بمنزل أحدهم سبعون ألف مَلَك، مع كل ملك هدايا من عند الله ليست مع صاحبه، ما رأُوا مثل تلك الهدايا قَطّ؛ فسبحان الواسع العليم الغني الحميد العلي الكبير العزيز القدير البر الرحيم المدبر الحكيم اللطيف الكريم الذي لا تتناهى مقدوراته. وقيل: «أَحْسَنُوا» أي معاملة الناس، و «الْحُسْنَى»: شفاعتهم، والزيادة: إذن الله تعالى فيها وقبوله. قوله تعالى: {وَلاَ يَرْهَقُ} قيل: معناه يلحق؛ ومنه قيل: غلام مراهق إذا لحِق بالرجال. وقيل: يعلو. وقيل: يغشى؛ والمعنى متقارب. {قَتَرٌ} غبار. {وَلاَ ذِلَّةٌ} أي مذلة؛ كما يلحق أهل النار؛ أي لا يلحقهم غبار في محشرهم إلى الله ولا تغشاهم ذِلة. وأنشد أبو عبيدة للفرزدق:شعر : مُتَوَّجٌ برداء الملك يتبعه مَوْج ترى فوقه الراياتِ والقَتَرا تفسير : وقرأ الحسن «قَتْرٌ» بإسكان التاء. والقَتَر والقَتَرة والقَتْرة بمعنى واحد؛ قاله النحاس. وواحد القتَر قَتَرة؛ ومنه قوله تعالى: {أية : تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ}تفسير : [عبس: 41] أي تعلوها غَبرة. وقيل: قَتَرٌ كآبةٌ وكسوف. ٱبن عباس: القتر سواد الوجوه. ٱبن بحر: دخان النار؛ ومنه قُتار القِدْر. وقال ٱبن أبي ليلى: هو بُعْدُ نظرهم إلى ربهم عزّ وجل. قلت: هذا فيه نظر؛ فإن الله عزّ وجل يقول: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} ـ إلى قوله ـ {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} وقال في غير آية: {أية : وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [البقرة: 62] وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ}تفسير : [فصلت: 30] الآية. وهذا عامّ فلا يتغير بفضل الله في موطن من المواطن لا قبل النظر ولا بعده وجهُ المحسن بسواد من كآبة ولا حزن، ولا يعلوه شيء من دخان جهنم ولا غيره. {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} تفسير : [آل عمران: 107].
البيضاوي
تفسير : {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ} المثوبة الحسنى. {وَزِيَادَةٌ} وما يزيد على المثوبة تفضلاً لقوله: {أية : وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ }تفسير : [النور: 38] وقيل الحسنى مثل حسناتهم والزيادة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وأكثر، وقيل الزيادة مغفرة من الله ورضوان، وقيل الحسنى الجنة والزيادة هي اللقاء. {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ} لا يغشاها. {قَتَرٌ} غبرة فيها سواد. {وَلاَ ذِلَّةٌ} هوان، والمعنى لا يرهقهم ما يرهق أهل النار أو لا يرهقهم ما يوجب ذلك من حزن وسوء حال. {أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} دائمون لا زوال فيها ولا انقراض لنعيمها بخلاف الدنيا وزخارفها. {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيّئَاتِ جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا} عطف على قوله {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ} على مذهب من يجوز: في الدار زيد والحجرة عمرو، أو {لّلَّذِينَ} مبتدأ والخبر {جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا} على تقدير: وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، أي أن تجازى سيئة بسيئة مثلها لا يزاد عليها، وفيه تنبيه على أن الزيادة هي الفضل أو التضعيف أو {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ}، أو أولئك أصحاب النار وما بينهما اعتراض فـ {جَزَاء سَيّئَةٍ} مبتدأ وخبره محذوف أي فجزاء سيئة بمثلها واقع، أو بمثلها على زيادة الباء أو تقدير مقدر بمثلها. {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} وقرىء بالياء. {مَّا لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} ما من أحد يعصمهم من سخط الله، أو من جهة الله ومن عنده كما يكون للمؤمنين. {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ} غطيت. {وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ ٱلَّيْلِ مُظْلِماً } لفرط سوادها وظلمتها ومظلماً حال من الليل والعامل فيه {أُغْشِيَتْ} لأنه العامل في {قِطَعًا} وهو موصوف بالجار والمجرور، والعامل في الموصوف عامل في الصفة أو معنى الفعل في {مِّنَ ٱلَّيْلِ }. وقرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب "قِطَعًا" بالسكون فعلى هذا يصح أن يكون {مُظْلِماً} صفة له أو حالاً منه. {أُولَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} مما يحتج به الوعيدية. والجواب أن الآية في الكفار لاشتمال السيئات على الكفر والشرك ولأن الذين أحسنوا يتناول أصحاب الكبيرة من أهل القبلة فلا يتناولهم قسيمة. {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} يعني الفريقين جميعاً. {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ} ألزموا مكانكم حتى تنظروا ما يفعل بكم. {أَنتُمْ} تأكيد للضمير المنتقل إليه من عامله. {وَشُرَكَاؤُكُمْ} عطف عليه وقرىء بالنصب على المفعول معه. {فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} ففرقنا بينهم وقطعنا الوصل التي كانت بينهم. {وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} مجاز عن براءة ما عبدوه من عبادتهم فإنهم إنما عبدوا في الحقيقة أهواءهم لأنها الآمرة بالإِشراك لا ما أشركوا به. وقيل ينطق الله الأصنام فتشافههم بذلك مكان الشفاعة التي يتوقعون منها. وقيل المراد بالشركاء الملائكة والمسيح وقيل الشياطين. {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} فإنه العالم بكنه الحال. {إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَـٰفِلِينَ} {إِن} هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة. {هُنَالِكَ} في ذلك المقام. {تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ} تختبر ما قدمت من عمل فتعاين نفعه وضره. وقرأ حمزة والكسائي «تتلو» من التلاوة أي تقرأ ذكر ما قدمت، أو من التلو أي تتبع عملها فيقودها إلى الجنة أو إلى النار. وقرىء «نبلو» بالنون ونصب {كُلٌّ} وإبدال {مَا} منه والمعنى نختبرها أي نفعل بها فعل المختبر لحالها المتعرف لسعادتها وشقاوتها بتعرف ما أسلفت من أعمالها، ويجوز أن يراد به نصيب بالبلاء أي بالعذاب كل نفس عاصية بسبب ما أسلفت من الشر فتكون {مَا} منصوبة بنزع الخافض. {وَرُدُّواْ إِلَى ٱللَّهِ} إلى جزائه إياهم بما أسلفوا. {مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقّ} ربهم ومتولي أمرهم على الحقيقة لا ما اتخذوه مولى، وقرىء {ٱلْحَقّ } بالنصب على المدح أو المصدر المؤكد. {وَضَلَّ عَنْهُم} وضاع عنهم. {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من أن آلهتهم تشفع لهم، أو ما كانوا يدعون أنها آلهة.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى: أن لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح الحسنى في الدار الآخرة؛ كقوله تعالى: {أية : هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَـٰنِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ} تفسير : [الرحمن: 60] وقوله: {وَزِيَادَةٌ} هي تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وزيادة على ذلك أيضاً، ويشمل ما يعطيهم الله في الجنان من القصور والحور والرضا عنهم، وما أخفاه لهم من قرة أعين، وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم؛ فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه، لا يستحقونها بعملهم، بل بفضله ورحمته، وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الرحمن بن سابط ومجاهد وعكرمة وعامر بن سعد وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق، وغيرهم من السلف والخلف، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عفان، أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} وقال: «حديث : إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ - قال: - فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم» تفسير : وهكذا رواه مسلم وجماعة من الأئمة من حديث حماد بن سلمة به. وقال ابن جرير: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني شبيب عن أبان عن أبي تميمة الهجيمي، أنه سمع أبا موسى الأشعري يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله يبعث يوم القيامة منادياً ينادي: يا أهل الجنة - بصوت يسمع أولهم وآخرهم - إن الله وعدكم الحسنى وزيادة، فالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الرحمن عز وجل» تفسير : ورواه أيضاً ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر الهذلي عن أبي تميمة الهجيمي به. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا ابن حميد، حدثنا إبراهيم بن المختار عن ابن جريج عن عطاء عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} قال: «حديث : النظر إلى وجه الرحمن عز وجل» تفسير : وقال أيضاً: حدثنا ابن عبد الرحيم، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، سمعت زهيراً عمن سمع أبا العالية، حدثنا أبي بن كعب: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} قال: «حديث : الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إِلى وجه الله عز وجل» تفسير : ورواه ابن أبي حاتم أيضاً من حديث زهير به. وقوله تعالى: {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ} أي: قتام وسواد في عرصات المحشر؛ كما يعتري وجوه الكفرة الفجرة من القترة والغبرة {وَلاَ ذِلَّةٌ} أي: هوان وصغار، أي: لا يحصل لهم إهانة في الباطن ولا في الظاهر، بل هم كما قال تعالى في حقهم: {أية : فَوَقَـٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ وَلَقَّـٰهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} تفسير : [الإنسان: 11] أي: نضرة في وجوههم، وسروراً في قلوبهم، جعلنا الله منهم بفضله ورحمته آمين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } بالإِيمان {ٱلْحُسْنَىٰ } الجنة {وَزِيَادَةٌ } هي النظر إليه تعالى كما في حديث مسلم {وَلاَ يَرْهَقُ } يغشى {وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ } سواد {وَلاَ ذِلَّةٌ } كآبة {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} يعني عبادة ربهم. {الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أن الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى.وهذا قول أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وأبي موسى الأشعري. والثاني: أن الحسنى واحدة من الحسنات، والزيادة مضاعفتها إلى عشر أمثالها، قاله ابن عباس. الثالث: أن الحسنى حسنة مثل حسنة. والزيادة مغفرة ورضوان، قاله مجاهد. والرابع: أن الحسنى الجزاء في الآخرة والزيادة ما أعطوا في الدنيا، قاله ابن زيد. والخامس: أن الحسنى الثواب، والزيادة الدوام، قاله ابن بحر. ويحتمل سادساً: أن الحسنى ما يتمنونه، والزيادة ما يشتهونه. {وَلاَ يَْرهَقُ وَجُوهَهُمْ قَتَرٌ} في معنى يرهق وجهان: أحدهما: يعلو. الثاني: يلحق، ومنه قيل غلام مراهق إذا لحق بالرجال. وفي قوله تعالى: {قَتَرٌ} أربعة أوجه: أحدها: أنه سواد الوجوه، قاله ابن عباس. الثاني: أنه الحزن، قاله مجاهد. الثالث: أنه الدخان ومنه قتار اللحم وقتار العود وهو دخانه، قاله ابن بحر. الرابع: أنه الغبار في محشرهم إلى الله تعالى، ومنه قول الشاعر: شعر : متوجٌ برداء الملك يتبعه موجٌ ترى فوقه الرايات والقترا تفسير : {وَلاَ ذِلَّةٌ} فيها ها هنا وجهان: أحدهما: الهوان. الثاني: الخيبة.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَحْسَنُواْ} عبادة ربهم {الْحُسْنَى} الجنة، والزيادة: النظر إلى الله ـ تعالى ـ، أو الحسنى واحدة الحسنات والزيادة مضاعفتها إلى عشرة "ع"، أو الحسنى حسنة بحسنة، والزيادة: مغفرة ورضوان، أو الحسنى: جزاء الآخرة، والزيادة: ما أعطوا في الدنيا، أو الحسنى: الثواب والزيادة: الدوام. {يَرْهَقُ} يعلو، أو يلحق، غلام مراهق: لحق بالرجال. {قَتَرٌ} سواد الوجه "ع"، أو الجزاء، أو الدخان، قتار اللحم والعود دخانهما، أو الغبار في محشرهم إلى الله. {ذِلَّةٌ} هوان أو خيبة.
النسفي
تفسير : {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } آمنوا بالله ورسله {ٱلْحُسْنَىٰ } المثوبة الحسنى وهي الجنة {وَزِيَادَةٌ } رؤية الرب عز وجل كذا عن أبي بكر وحذيفة وابن عباس وأبي موسى الأشعري وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم، وفي بعض التفاسير أجمع المفسرون على أن الزيادة النظر إلى الله تعالى. وعن صهيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا دخل أهل الجنة يقول الله تبارك وتعالى: أتريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ ــــ قال: ــــ فنرفع الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم»تفسير : ثم تلا{للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} والعجب من صاحب الكشاف أنه ذكر هذا الحديث لا بهذه العبارة وقال: إنه حديث مدفوع مع أنه مرفوع قد أورده صاحب المصابيح في الصحاح. وقيل: الزيادة المحبة في قلوب العباد. وقيل: الزيادة مغفرة من الله ورضوان {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ } ولا يغشى وجوههم {قَتَرٌ } غبرة فيها سواد {وَلاَ ذِلَّةٌ } ولا أثر هوان، والمعنى ولا يرهقهم ما يرهق أهل النار {أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ } عطف على{ للذين أحسنوا} أي وللذين كسبوا {ٱلسَّيّئَاتِ } فنون الشرك {جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا } الباء زائدة كقوله {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها } تفسير : [الشورى:40] أو التقدير جزاء سيئة مقدر بمثلها {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } ذل وهوان {مَا لَهُم مِنَ ٱللَّهِ } من عقابه {مِنْ عَاصِمٍ } أي لا يعصمهم أحد من سخطه وعقابه {كأنما أُغشيت وجوهُهم قِطعاً من الليل مظلماً} أي جعل عليها غطاء من سواد الليل أي هم سود الوجوه. و{قطعاً} جمع قطعة وهو مفعول ثان{ أُغشيت}. قِطْعاً مكي وعلي من قوله {أية : بِقِطْعٍ مّنَ ٱلَّيْلِ }تفسير : [هود: 81] وعلى هذه القراءة {مظلماً} صفة لقطع، وعلى الأول حال من {الليل} والعامل فيه {أغشيت} لأن {من الليل} صفة لـ {قطعاً} فكان إفضاؤه إلى الموصوف كإفضائه إلى الصفة، أو معنى الفعل في {من الليل} {أُولَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ.}
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {للذين أحسنوا الحسنى} قال ابن عباس: للذين شهدوا أن لا إله إلا الله الجنة. وقيل: معناه للذين أحسنوا عبادة الله في الدنيا من خلقه وأطاعوه فيما أمرهم ونهاهم عنه الحسنى، قال ابن الأنباري: الحسنى في اللغة، تأنيث الأحسن والعرب توقع هذه اللفظة على الخلة المحبوبة والخلصة المرغوب فيها. وقيل: معناه للذين أحسنوا المثوبة الحسنى {وزيادة} اختلف المفسرون في معنى هذه الحسنى وهذه الزيادة على أقوال: القول الأول: إن الحسنى هي الجنة والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم وهذا قول جماعة من الصحابة منهم أبو بكر الصديق وحذيفة وأبو موسى الأشعري وعبادة بن الصامت وهو قول الحسن وعكرمة والضحاك ومقاتل والسدي ويدل على صحة هذا القول المنقول والمعقول فما روي عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك وتعالى أتريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار قال فيكشف الحجاب قال فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم تبارك وتعالى"تفسير : زاد في رواية "حديث : ثم تلا هذه الآية: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة"تفسير : أخرجه مسلم. وروى الطبري بسنده عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال: الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم. وعن أبي بن كعب أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله سبحانه وتعالى: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة. قال: الحسنى: الجنة وزيادة: قال النظر إلى وجه الله. وعن أبي موسى الأشعري قال: "إن كان يوم القيامة بعث الله إلى أهل الجنة منادياً ينادي هل أنجزكم الله ما وعدكم به فينظرون إلى ما أعد الله لهم من الكرامات فيقولون نعم فيقول للذين أحسنوا الحسنى وزيادة النظر إلى وجه الرحمن تبارك وتعالى وفي رواية رفعها أبو موسى قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الله يبعث يوم القيامة"تفسير : وذكره بمعناه. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله لهم: هل بقي من حقكم شيء لم تعطوه قال: فيتجلى لهم عز وجل قال فيصغر عندهم كل شيء أعطوه ثم قال للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال الحسنى الجنة والزيادة هي النظر إلى وجه ربهم" فهذه الأخبار والآثار قد دلت على أن المراد بهذه الزيادة هي النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى. وأما المعقول فنقول: إن الحسنى لفظة مفردة دخل عليها حرف التعريف فانصرفت إلى المعهود السابق وهو الجنة في قوله سبحانه وتعالى والله يدعو إلى دار السلام فثبت بهذا أن المراد من لفظة الحسنى هي الجنة وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من الزيادة أمراً مغايراً لكل ما في الجنة من النعيم وإلا لزم التكرار وإذا كان كذلك وجب حمل هذه الزيادة على رؤية الله تبارك وتعالى ومما يؤكد ذلك قوله سبحانه وتعالى:{أية : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}تفسير : [القيامة: 22-23] فأثبت لأهل الجنة أمرين أحدهما النضارة وهو حسن الوجوه وذلك من نعيم الجنة، والثاني النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى وآيات القرآن يفسر بعضها بعضاً فوجب حمل الحسنى على الجنة ونعيمها وحمل الزيادة على رؤية الله تبارك وتعالى. وقالت المعتزلة: لا يجوز حمل هذه الزيادة على الرؤية، لأن الدلائل العقلية دلت على أن رؤية الله سبحانه وتعالى ممتنعة، ولأن الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه ورؤية الله ليست من جنس نعيم الجنة ولأن الأخبار التي تقدمت توجب التشبيه ولأن جماعة من المفسرين حملوا هذه الزيادة على غير الرؤية فانتفى ما قلتم. أجاب أصحابنا عن هذه الاعتراضات بأن الدلائل العقلية قد دلت على إمكان وقوع رؤية الله تعالى في الآخرة وإذا لم يوجد في العقل ما يمنع من رؤية الله تعالى وجاءت الأحاديث الصحيحة بإثبات الرؤية وجب المصير إليها وإجراؤها على ظواهرها من غير تشبيه ولا إحاطة. وأجيب عن قولهم ولأن الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه بأن المزيد عليه إذا كان بمقدار معين كانت الزيادة من جنسه وإذا لم يكن بمقدار معين وجب أن تكون الزيادة مخالفة له فالمذكور في الآية لفظ الحسنى وهي الجن ونعيمها غير مقدر بقدر معين فوجب أن الزيادة تكون شيئاً مغايراً لنعيم الجنة وذلك المغاير هو الرؤية. وأجيب عن قولهم ولأن جماعة من المفسرين حملوا الزيادة على غير الرؤية بأنه معارض بقول جماعة من المفسرين: بأن الزيادة هي الرؤية والمثبت مقدم على النافي والله أعلم. القول الثاني: في معنى هذه الزيادة ما روي عن علي بن أبي طالب أنه قال الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب. القول الثالث: إن الحسنى واحدة الحسنات والزيادة التضعيف إلى تمام العشرة إلى سبعمائة. قال ابن عباس: هو مثل قوله سبحانه وتعالى:{أية : ولدينا مزيد}تفسير : [ق: 35] يقول يجزيهم بعملهم ويزيدهم من فضله. قال قتادة: كان الحسن يقول: الزيادة الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. القول الرابع: إن الحسنى حسنة مثل حسنة والزيادة مغفرة من الله ورضوان قاله مجاهد. القول الخامس: قول ابن زيد أن الحسنى هي الجنة والزيادة ما أعطاهم في الدنيا لا يحاسبهم به يوم القيامة وقوله سبحانه وتعالى: {ولا يرهق وجوههم} يعني ولا يغشى وجوه أهل الجنة {قتر} أي كآبة ولا كسوف ولا غبار. وقال ابن عباس: هو سواد الوجوه {ولا ذلة} يعني ولا هوان. قال ابن أبي ليلى: هذا بعد نظرهم إلى ربهم تبارك وتعالى: {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} يعني أن هؤلاء الذين وصفت صفتهم هم أصحاب الجنة لا غيرهم وهم فيها مقيمون لا يخرجون منها أبداً. قوله سبحانه وتعالى: {والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها} اعلم أنه لما شرح الله سبحانه وتعالى أحوال المحسنين وما أعد لهم من الكرامة شرح في الآية حال من أقدم على السيئات والمراد بهم الكفار فقال سبحانه وتعالى: والذين كسبوا السيئات. يعني: والذين عملوا السيئات والمراد بها الكفر والمعاصي جزاء سيئة بمثلها يعني فلهم جزاء السيئة التي عملوها مثلها العقاب. والمقصود من هذا التقييد، التنبيه على الفرق بين الحسنات والسيئات لأن الحسنات يضاعف ثوابها لعاملها من الواحدة إلى العشرة إلى السبعمائة إلى أضعاف كثيرة وذلك تفضلاً منه وتكرماً. وأما السيئات، فإنه يجازي عليها بمثلها عدلاً منه سبحانه وتعالى: {وترهقهم ذلة} قال ابن عباس: يغشاهم ذل وشدة. وقيل: يغشاهم ذل وهوان لعقاب الله إياهم {ما لهم من الله من عاصم} يعني ما لهم مانع يمنعهم من عذاب الله إذا نزل بهم {كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً} يعني كأنما ألبست وجوههم سواداً من الليل المظلم {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} قوله سبحانه وتعالى: {ويوم نحشرهم جميعاً} الحشر الجمع من كل جانب وناحية إلى موضع واحد والمعنى ويوم نجمع الخلائق جميعاً لموقف الحساب وهو يوم القيامة {ثم نقول للذين أشركوا مكانكم} أي الزموا مكانكم واثبتوا فيه حتى تسألوا وفي هذا وعيد وتهديد للعابدين والمعبودين {أنتم وشركاؤكم} يعني أنتم أيها المشركون والأصنام التي كنتم تعبدونها من دون الله {فزيلنا بينهم} يعني: ففرقنا بين العابدين والمعبودين وميزنا بينهم وانقطع ما كان بينهم من التواصل في الدنيا. فإن قلت قوله سبحانه وتعالى فزيلنا بينهم جاء على لفظ الماضي بعد قوله ثم نقول للذين أشركوا وهو منتظر في المستقبل فما وجهه. قلت: السبب فيه، أن الذي حكم الله فيه بأنه سيكون صار كالكائن الآن. قوله: {وقال شركاؤهم} يعني الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله وإنما سماهم شركاءهم، لأنهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم أو لأنه سبحانه وتعالى لما خاطب العابدين والمعبودين بقوله: مكانكم فقد صاروا شركاء في هذا الخطاب {ما كنتم إيانا تعبدون} تبرأ المعبودون من العابدين. فإن قلت: كيف صدر هذا الكلام من الأصنام وهي جماد لا روح فيها ولا عقل لها؟ قلت: يحتمل أن الله تعالى خلق لها في ذلك اليوم من الحياة والعقل والنطق حتى قدرت على هذا الكلام فإن قلت إذا أحياهم الله في ذلك اليوم فهل يفنيهم أو يبقيهم. قلت: الكل محتمل ولا اعتراض على الله في شيء من أفعاله وأحوال القيامة غير معلومة إلا ما دل عليه الدليل من كتاب أو سنة. فإن قلت: إن الأصنام قد أنكرت أن الكفار كانوا يعبدونها وقد كانوا يعبدونها؟ قلت: قد تقدمت هذه المسألة وجوابها في تفسير سورة الأنعام ونقول هنا قال مجاهد: تكون في يوم القيامة ساعة تكون فيها شدة تنصب لهم الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله، فتقول الآلهة: والله ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل ولا نعلم أنكم تعبدوننا فيقولون والله إياكم كنا نعبد فتقول لهم الآلهة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ }: قال الجمهور: {ٱلْحُسْنَىٰ }: الجنةُ، والــ {زِيَادَةٌ }: النَّظَر إِلَى وجهِ اللَّه عزَّ وجلَّ؛ وفي «صحيح مسلمٍ» من حديثِ صُهَيْبٍ: « حديث : فَيَكْشِفُ الحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئاً أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ » تفسير : ، وفي رواية: ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةِ: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} وأخرج هذه الزيادةَ النَّسَائِيُّ عن صُهَيْبٍ، وأَخْرَجَهَا عن صُهَيْبٍ أَيضاً أَبو دَاوُدَ الطَّيَالِسي انتهى. من «التذكرة». وقوله سبحانه: {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ...} الآية. و{يَرْهَقُ } معناه: يَغْشَى مع غلبةٍ وتضييقٍ، والــ {قَتَرٌ }: الغُبَار المُسْوَدُّ. وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} قالت فِرْقَةٌ: التقديرُ لهم جزاءُ سيئةٍ بمثلها، وقالت فرقة: التقديرِ جزاءُ سيِّئة مثلها، والباء زائدةٌ، وتعم السيئاتُ هٰهنا الكُفْرَ والمعاصِيَ، والـــ {عَاصِمٍ}: المنجِّي والمُجير، و{أُغْشِيَتْ }: كُسَيَتْ، و«القَطْع»: جمع قِطْعة، وقرأ ابن كثيرٍ والكِسَائِيُّ: «قَطْعاً مِنَ اللَّيْلِ» - بسكون الطاء -، وهو الجُزْء من الليل، والمراد: الجُزْء من سواده، وباقي الآية بيِّن. و{مَكَانَكُمْ }: ٱسْمُ فعلِ الأَمْرِ، ومعناه: قِفُوا وَٱسْكُنوا، * ت *: قال * ص *: وقدِّر بـــ «اثبتوا» وأما من قدَّره بـــ «ٱلْزَمُوا مكانَكُمْ»، فمردودٌ، لأن «الزموا» متعدٍّ، وَ{مَكَانَكُمْ }: لا يتعدَّى، فلا يقدَّر به، وإلا لكان متعدياً، واسم الفعل عَلَى حَسَب الفعلِ إِنْ متعدياً فمتعدٍّ، وإِنْ لازماً فلازِمٌ، ثم ٱعتذر بأنه يمكن أن يكون تقديره بـــ «ٱلْزَمُوا» تقديرَ معنًى، لا تقديرَ إِعرابٍ، فلا ٱعتراضَ، انتهى. قال * ع *: فأخبر سبحانَهُ عن حالةٍ تكُونُ لعبدة الأوثانِ يوم القيامة يُؤْمَرُوْنَ بالإِقامة في موقف الخِزْيِ مع أصنامهم، ثم يُنْطِقُ اللَّه شركاءهم بالتبريِّ منهم. وقوله: {فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ }: معناه: فرَّقنا في الحُجَّةِ، والمذهب روي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّ الكُفَّار، إِذَا رَأَوا العَذَابَ، وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ، قِيلَ لَهُمُ: اتَّبِعُوا مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَعْبُدُ هَؤُلاَءِ، فَتَقُولُ الأَصْنَامُ: وَاللَّهِ، مَا كُنَّا نَسْمَعُ، وَلاَ نَعْقِلُ، وَمَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: واللَّهِ، لإِيَّاكُمْ كُنَّا نَعْبُد، فَتَقُولُ الآلِهَةُ: {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ...} الآية، وظاهر الآية أنَّ محاورتهم إِنما هي مَعَ الأصنام دون المَلاَئِكَةِ وَعِيسَى؛ بدليل القوْلِ لهم: {مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ }، ودون فِرْعَونَ ومَنْ عُبِدَ من الجنِّ؛ بدليل قولهم: {إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَـٰفِلِينَ }، و«إنْ» هذه عند سيبَوَيْه المخَفَّفَةُ من الثقيلة موجبَةٌ، ولزمتها اللام، فرقاً بينها وبين «إِنِ» النافيةِ، وعندَ الفَرَّاء: «إِنْ» نافيةٌ بمعنَى «مَا»، واللامُ بمعنى «إِلاَّ»، وقرأ نافعٌ وغيره: «تَبْلُوا» - بالباء الموحَّدة -؛ بمعنى: تختبر، وقرأ حمزة والكسائي: «تَتْلُوا» - بتاءين -؛ بمعنى تَتْبَعُ وتطلب ما أَسْلَفَتْ من أعمالها * ت *: قال * ص *: كقوله: [الرجز] شعر : إِنَّ المُرِيبَ يَتْبَعُ المُرِيبَا كَمَا رَأَيْتَ الذِّيَبِ يَتْلُو الذِّيَبَا تفسير : أي: يتبعه. انتهى. ويصحُّ أَن يكون بمعنى تَقْرَأُ كُتُبَهَا التي تُدْفَع إِليها. وقوله: {وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ...} الآية: تدبيرُ الأمْرِ عامٌّ في جميع الأشياءِ، وذلك ٱستقامةُ الأمور كلِّها على إِرادته عزَّ وجلَّ، وليس تدبيره سبحانه بفكْرٍ ورويَّةٍ وتغييراتٍ - تعالَى عن ذلك - بل علمه سبحانه محيطٌ كاملٌ دائمٌ. {فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ}: أي: لا مَنْدُوحَةَ لهم عن ذلك، ولا تُمْكِنهم المباهَتَةُ بسواه، فإِذا أقرُّوا بذلك، {فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} في ٱفترائكم، وجَعْلِكم الأصنام آلهة.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} الآية. لمَّا دعا عبادهُ إلى دار السَّلام، ذكر السَّعادات الحاصلة لهم فيها، فقال: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ} أي: أحسنوا العمل في الدُّنيا، فأتوا المأمورات، واجتنبوا المنهيات. وقال ابن عبَّاسٍ: للذين ذكرُوا كلمة لا إله إلاَّ الله، فأمَّا الحُسْنَى: فهي الجنَّة وأمَّا الزيادة: فقال أبو بكر الصِّدِّيق، وحذيفة، وأبو موسى، وعبادة بن الصامت: هي النَّظرُ إلى وجه الله الكريم، وبه قال الحسن، وعكرمة، وعطاء، ومقاتل، والضحاك، والسدي. روى ابن أبي ليلى، عن صهيبٍ قال: حديث : قرأ رسُول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} قال: إذا دخل أهلُ الجنَّةِ الجنَّة، وأهلُ النَّارِ النَّارَ، نادى منادٍ: يا أهل الجنَّة: إنَّ لكم عند الله موعداً، قالوا: ما هذا الموعدُ، ألمْ يُثقِّل موازِيننا، ويُبيض وُجوهنا، ويدخِلْنَا الجنَّة، ويُنْجِنَا من النَّارِ؟ قال: فيرفعُ الحجابَ فينظرون إلى وجهِ الله - عزَّ وجلَّ -، قال: "فما أعْطُوا شَيْئاً أحَبَّ إليهم من النَّظر إليْهِ"تفسير : . ويؤيد هذا قوله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}تفسير : [القيامة:22، 23]. وقالت المعتزلةُ: لا يجوزُ حملُ الزِّيادة على الرؤية، لوجوه: أحدها: أنَّ الدلائل العقليَّة دلَّت على أنَّ رؤية الله - تعالى - ممتنعةٌ. وثانيها: أنَّ الزيادة يجبُ أن تكون من جنس المزيد عليه، ورؤيةُ الله - تعالى - ليست من جنس نعيم الجنَّة. وثالثها: أنَّ الحديث المرويَّ يوجب التشبيه؛ لأنَّ النظر: عبارةٌ عن تقليب الحدقة، إلى جهة المرئيِّ، وذلك يقتضي كون المرئيِّ في الجهة؛ لأنَّ الوجه اسم للعضو المخصوص، وذلك يوجبُ التشبيه، فثبت أنَّ هذا اللفظ، لا يمكن حملُه على الرُّؤية، فوجب حملهُ على شيء آخر. قال الجبائي: الحُسْنَى: هي الثَّواب المستحق، والزِّيادة: ما يزيده الله على ذلك الثَّواب من التفضُّل، كقوله - تعالى -: {أية : لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ}تفسير : [فاطر:30]، ونقل عن عليٍّ - رضي الله عنه -، أنه قال: "الزِّيادة: غرفة من لُؤلؤة واحدة". وعن ابن عبَّاسٍ: "الحُسْنَى: هي الحسنة، والزِّيادة عشرُ أمثالها"، وعن الحسن: "عشُر أمثالها إلى سبْعمائة ضعف"، وعن مجاهد: "الزيادة: مغفرة من الله ورضوان". وعن يزيد بن سمرة: "الزِّيادة: أن تمُرَّ السَّحابة بأهْلِ الجنَّة، فتقول: ما تُرِيدُون أن أمطركُم، فلا يُريدُون شيئاً إلاَّ أمطرتهم". وأجاب أهل السُّنَّة عن هذه الوجوه، فقالوا: أمَّا قولهم: إنَّ الدلائل العقليَّة دلَّت على امتناع رؤية الله - تعالى -، فهذا ممنوع؛ لأنَّا بيَّنا في كتب الأصُول: أن تلك الدلائل في غاية الفُتُور، وثبت بالأخبارِ الصحيحة إثبات الرُّؤية، كقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : هل تُمَارُونَ في رُؤْيةِ الشَّمْسِ ليس دُونهَا سَحَاب؟" تفسير : حين سألوه عن رؤية الله - تعالى -، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : هل تُمارُونَ في رُؤيةِ القمرِ ليلة البدر؟"تفسير : . فوجب إجراؤها على ظواهرها. وقولهم: "الزِّيادة يجبُ أن تكُون من جنْسِ المزيد عليه"، فنقول: المزيد عليه إذا كان مقدراً بمقدار معيَّن، كانت الزِّيادةُ من جنسها، وإذا كان مقدراً بمقدار غير معيَّن، وجب أن تكون الزِّيادة مخالفة له، مثال الأول: قول الرَّجُل لغيره: أعطيْتُك عشرة أمدادٍ من الحنطة وزيادة، فتكون تلك الزيادة من الحنطة، ومثال الثاني: قوله أعطيتك الحنطة وزيادة، فيجبُ أن تكون الزِّيادة غير الحنطة. فلفظ: "الحُسْنَى": وهي الجنَّة، مطلقة، وهي غير مقدَّرة بقدر معيَّن، فتكون الزِّيادة شيئاً مغايراً لما في الجنة. وقولهم: "الحديثُ يدلُّ على إثبات الوجه، وذلك يوجب التشبيه"، فنقولُ: قام الدَّليل على أنَّه - تعالى - ليس بجسم، ولم يقم الدَّليلُ على امتناع الرُّؤية، فوجب ترك العمل بما قام الدَّليل على فساده. فصل قال أبو العبَّاس المقري: وردت الحُسْنَى على أربعة معان: الأول: بمعنى الجنَّة، قال - تعالى -: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} [يونس:26]. الثاني: الحسنى: الصَّلاح، قال - تعالى -: {أية : وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [التوبة:107] أي: الصَّلاح. الثالث: البنون، قال - تعالى -: {أية : وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [النحل:62] أي: البنُون. الرابع: الخلف في النفقة، قال - تعالى -: {أية : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [الليل:5-6] أي: بالخلف، ومثله {أية : وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [الليل:9]. قوله: "وَلاَ يَرْهَقُ" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها مستأنفةٌ. والثاني: أنها في محل نصب على الحال، والعامل في هذه الحال: الاستقرار الذي تضمَّنَهُ الجارُّ، وهو "للَّذين" لوقوعه خبراً عن "الحُسْنَى"، قاله أبو البقاء، وقدَّره بقوله: "استقرَّ لهم الحسنى، مضموناً لهم السَّلامة"، وهذا ليس بجائزٍ؛ لأنَّ المضارع متى وقع حالاً منْفيَّا بـ "لا"، امتنع دخولُ واو الحال عليه كالمثبت، وإن ورد ما يُوهم ذلك، يُؤوَّل بإضمار مبتدأ، وقد تقدَّم تحقيقه مراراً [المائدة:54]. والثالث: أنها في محلِّ رفع نسقاً على "الحُسْنَى"، ولا بدَّ حينئذٍ من إضمار حرفٍ مصدريٍّ، يصحُّ جعلُه معه مخبراً عنه بالجارِّ، والتقدير: للذين أحسنوا الحسنى، وأنْ لا يرهق، أي: وعدم رهقهم، فلمَّا حذفت "أنْ" رفع الفعلُ المضارع؛ لأنَّه ليس من مواضع إضمار "أن" الناصبة، وهذا كقوله - تعالى -: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ}تفسير : [الروم:24] أي: أن يريكم، وقوله: "تسْمَع بالمُعَيدي، خيرٌ من أن تراه". وقوله: [الطويل] شعر : 2889- ألاَ أيُّهَا الزَّاجري أحْضُرُ الوغَى ....................... تفسير : أي. أن أحضر، روي برفع "أحْضُر" ونصبه، ومنع أبو البقاء هذا الوجه، وقال: "ولا يجوز أن يكون معطوفاً على "الحُسْنَى"؛ لأنَّ الفعل إذا عطف على المصدر، احتاج إلى "أنْ" ذكراً، أو تقديراً، و "أنْ" غير مقدَّرة؛ لأن الفعل مرفوعٌ". فقوله: "وأنْ غيرُ مقدَّرةٍ؛ لأنَّ الفعل "مرفوع" ليس بجيِّد؛ لأن قوله - تعالى -: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ}تفسير : [الروم:24] معه "أنْ" مقدَّرة، مع أنه مرفوع، ولا يلزم من إضمار "أنْ" نصب المضارع، بل المشهور أنَّهُ: إذا أضمرت "أنْ" في غير المواضع التي نصَّ النحويُّون على إضمارها فيها ناصبة، ارتفع الفعلُ، والنصب] قليلٌ جدّاً. فصل والرَّهق: الغشيان، يقال: رَهِقَهُ يَرْهقُه رَهَقاً، أي: غشيهُ بسرعة، ومنه {أية : وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي}تفسير : [الكهف:73]، {أية : فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً}تفسير : [الجن:13]. يقال: رَهِقْتُه وأرْهَقْتُه نحو: رَدِفْتُه وأرْدَفْتُه، ففعل وأفعل بمعنًى، ومنه: "أرْهَقْت الصَّلاة"، إذا أخَّرْتَها، حتى غَشِي وقتُ الأخرى، ورجلٌ مُرْهقٌ، أي: يغشاه الأضياف. وقال الأزهريُّ: "الرَّهَقُ: اسم من الإرهاق، وهو أن يحمل الإنسان على نفسه ما لا يطيقُ، ويقال: أرْهَقْتُهُ عن الصَّلاةِ، أي: أعْجَلْتُه عنها". وقال بعضهم: أصل الرَّهقِ، المقاربةُ، ومنه غلامٌ مراهقٌ، أي: قارب الحلم، ومنه الحديث "ارْهَقُوا القبلة"، أي: أقربُوا منها، ومنه: رهقت الكلابُ الصَّيدَ، أي: لحقته، والقَتَر والقَتَرة، الغُبَارُ معه سوادٌ؛ وأنشدوا للفرزدق: [البسيط] شعر : 2890- مُتَوَّجٌ بِرِدَاءِ المُلْكِ يتْبَعُهُ مَوْجٌ تَرَى فوقَهُ الرَّاياتِ والقَتَرَا تفسير : أي: غبار العسكر، وقيل: القَتَرُ: الدُّخان، ومنه: قُتارُ القِدْر، وقيل: القَتْر: التَّقليل، ومنه {أية : لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ}تفسير : [الفرقان:67]، ويقال: قَتَرْتُ الشَّيء وأقْتَرْتُهُ وقتَّرته، أي: قَلَّلتُه، ومنه {أية : وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ}تفسير : [البقرة:236] وقد تقدَّم، والقترة، نامُوس الصَّائد، وقيل: الحفرة، ومنه قول امرىء القيس: [المديد] شعر : 2891- رُبَّ رامٍ من بَنِي ثُعلٍ مُتْلِجٍ كَفَّيْهِ في قُتَرِه تفسير : أي: في حُفرتهِ التي يحفُرها، وقرأ الحسن، وعيسى بن عمر، وأبو رجاء، والأعمش: "قَتْرٌ"، بسكون التاء، وهما لغتان: قَتْر وقَتَر، كقَدْر وقَدَر. فصل المعنى: لا يَغْشَى وجوههم قتر: غبار، جمع قترة، وقال ابن عبَّاس، وقتادة: سواد الوُجُوه، "ولا ذلَّةٌ": هوان، وقال قتادة: "كآبة" قال ابن أبي ليلى: "هذا بعد نظرهم إلى ربِّهم"، {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} إشارة إلى كونها دائمة، آمنة من الانقطاع. قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} الآية. لمَّا شرح حال المسلمين، شرح بعدهُ حال المُسيئين. قوله: {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ}: فيه سبعةُ أوجه: أحدها: أن يكون "والذين": نسقاً على "لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ"، أي: لِلَّذينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى، والذين كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جزاءُ سيِّئةٍ بمثلها، فيتعادل التَّقسيم، كقولك: في الدَّار زيدٌ، والحجرة عمرٌو، وهذا يسمِّيه النحويُّون: عطفاً على معمولي عاملين، وفيه ثلاثة مذاهب: أحدها: الجواز مطلقاً، وهو قول الفرَّاء. والثاني: المنعُ مطلقاً، وهو مذهبُ سيبويه. والثالث: التفصيل بين أن يتقدَّم الجارُّ نحو: في الدَّار زيدٌ، والحجرة عمرو، فيجوز، أو لا، فيمتنع نحو: إن زيداً في الدَّار، وعمراً في القصر، أي: وإنَّ عمراً في القصر، وسيبويه وأتباعهُ يُخَرِّجُون ما ورد منه على إضمار الجارِّ، كقوله - تعالى -: {وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ آيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الجاثية:5] بنصب "آيَات" في قراءة الأخوين، على ما سيأتي؛ كقوله: [المتقارب] شعر : 2892- أكُلَّ امرىءٍ تَحْسَبينَ امْرَأ ونَارٍ توقَّدُ باللَّيْلِ نَارَا تفسير : وقول الآخر: [الرجز] شعر : 2893- أوْصَيْتَ مَنْ تَوَّه قَلْباً حُرَّا بالكَلْبِ خَيْراً والحَمَاةِ شَرَّا تفسير : وسيأتي لهذا مزيد بيان - إن شاء الله -، وممَّن ذهب إلى أنَّ هذا الموصول مجرورٌ عطفاً على الموصول قبله: ابن عطيَّة، وأبو القاسم الزمخشري. الثاني: أن "الَّذينَ" مبتدأ، و"جَزَآءُ سَيِّئةٍ" مبتدأ ثانٍ، وخبره "بِمثلها"، والباء فيه زائدةٌ، أي: وجزاءُ سيئةٍ مثلها، كقوله - تعالى -: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى:40] كما زيدتْ في الخبرِ، كقوله: [الوافر] شعر : 2894- فَلاَ تَطْمَعْ - أبَيْتَ اللَّعنَ - فيها ومنْعُكُهَا بشيءٍ يُسْتَطَاعُ تفسير : أي: شيء يُستطاع. وكقول امرىء القيس: [الطويل] شعر : 2895أ- فإنْ عنْهَا حِقْبَةً لا تُلاقِهَا فإنَّكَ ممَّا أحْدَثَتْ بالمُجَرِّبِ تفسير : أي: المُجرِّب، وهذا قولُ ابن كيسان في الآية. الثالث: أنَّ الباء ليست بزائدةٍ، والتقدير: مقدَّر بمثلها، والمبتدأ الثاني وخبرُهُ خَبَرٌ عن الأول. والرابع: أنَّ خبر "جزاء سيَّئةٍ" محذوفٌ، فقدَّرهُ الحُوفيُّ بقوله: "لهم جزاءُ سيئة"، قال: ودلَّ على تقدير "لَهُمْ"، قوله: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ} حتى تتشاكل هذه بهذه، وقدَّرهُ أبو البقاء: جزاءُ سيِّئة مثلها واقع، وهُو وخبرُهُ أيضاً خبرٌ عن الأول، وعلى هذين التقديرين، فالباء متعلقةٌ بنفس "جزاءُ"؛ لأنَّ هذه المادَّة تتعدَّى بالباءِ، قال - تعالى -: {أية : جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ}تفسير : [سبأ:17]، {أية : وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ}تفسير : [الإنسان:12] إلى غير ذلك. فإن قلت: أين الرَّابطُ بين هذه الجملة، والموصول الذي هو المبتدأ. قلت: على تقدير الحوفيِّ، هو الضمرُ المجرور باللاَّم المقدَّر خبراً، وعلى تقدير أبي البقاء: هو محذوفٌ، تقديره: جزاءُ سيئة بمثلها منهُم واقعٌ، نحو: "السَّمْنُ منوانِ بدرهم"، وهو حذفٌ مُطَّرِد، لما عرف. الخامس: أن يكون الخبرُ، الجملة المنفيَّة من قوله: {مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ}، ويكون "مِنْ عَاصمٍ" إمَّا فاعلاً بالجارِّ قبله؛ لاعتماده على النَّفي، وإمَّا مبتدأ، وخبرُه الجارُّ مقدماً عليه، و "مِنْ" مزيدة فيه على كلا القولين، و "مِنَ الله" متعلِّق بـ "عَاصِم"، وعلى كون هذه الجملة خبر الموصول يكون قد فصل بين المبتدأ وخبره بجملتي اعتراضٍ، وفي ذلك خلافٌ عن الفارسيِّ تقدَّم التنبيهُ عليه، وما استدلَّ به عليه. السادس: أنَّ الخبر هو الجملةُ التشبيهيَّة، من قوله: {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ}، و "كأنَّما" حرف مكفوف، و "مَا" هذه زائدة، تُسمَّى كافَّة ومُهيئة، وتقدَّم ذلك [البقرة:11]. وعلى هذا الوجه، فيكون قد فصل بين المبتدأ وخبره بثلاث جمل اعتراضٍ. السابع: أنَّ الخبر هو الجملة من قوله: {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ}، وعلى هذا القول، فيكون قد فصل بأربع جمل معترضة. وهي: {جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا}. والثانية: {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ}. والثالثة: {مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ}. الرابعة: {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ}، وينبغي أن لا يجُوزَ الفصل بثلاث جُمل فضلاً عن أربع. قوله: "وَتَرْهَقُهمْ" فيها وجهان: أحدهما: أنَّها في محلِّ نصب على الحال، ولم يُبيِّنْ أبو البقاء صاحبها، وصاحبها هو الموصولُ أو ضميره، وفيه ضعفٌ؛ لمباشرته الواو، إلاَّ أنْ يجعل خبر مبتدأ محذوف. الثاني: أنَّها معطوفةٌ على "كَسَبُوا". قال أبو البقاء: وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ المستقبل لا يعطفُ على الماضي، فإن قيل: هو بمعنى الماضي فضعيفٌ جداً، وقرىء: "ويرْهَقُهمْ" بالياء من تحت؛ لأنَّ تأنيثها مجازيٌّ. قوله: "قطعاً" قرأ ابنُ كثير، والكسائي، "قِطْعاً" بسكون الطاء، والباقون بفتحها: "فأمَّا القراءة الأولى فاختلفت عبارات النَّاس فيها: فقال أهل اللغة: "القِطْع": ظُلْمَة آخر الليل. وقال الأخفش في قوله: {أية : بِقِطْعٍ مِّنَ ٱللَّيْلِ}تفسير : [الحجر:65] بسواد من الليل، وقال بعضهم: "طائف من الليل"، وأنشد الأخفش: شعر : 2895ب- افتحي الباب فانظري في النجومِ كم علينا من قطعِ ليلٍ بهيم تفسير : وأمَّا قراءةُ الباقين فجمعُ "قطعة" نحو: دِمْنة ودِمَن، وكِسْرة وكِسَر وعلى القراءتين يختلف إعراب "مظلماً"، فإنه على قراءة الكسائي وابن كثير يجوز أن يكون نعتاً لـ "قِطْعاً"، ووصف بذلك مبالغة في وصف وجوههم بالسواد، ويجوز أن يكون حالاً ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه حالٌ من "قِطْعاً"، وجاز ذلك لتخصُّصه بالوصف بالجارِّ بعده وهو "من الليل". والثاني: أنه حالٌ من "الليل". والثالث: أنه حالٌ من الضمير المستتر في الجارِّ لوقوعه صفة. قال الزمخشري: فإن قلت: إذا جعلت "مظلماً" حالاً من "الليل" فما العاملُ فيه؟ قلت: لا يخلو: إما أن يكون "أغْشِيَتْ" من قبل أنَّ "من الليل" صفةٌ لقوله: "قِطْعاً"، وكان إفضاؤه إلى الموصوف كإفضائه إلى الصفة، وإما أن يكون معنى الفعل في "من الليل". قال أبو حيان: "أمَّا الوجه الأول فهو بعيدٌ لأنَّ الأصل أن يكون العاملُ في الحال هو العامل في ذي الحال، والعاملُ في "من الليل" هو الاستقرار، و "أغْشِيَتْ" عاملٌ في قوله: "قطعاً" الموصوف بقوله: "من الليل" فاختلفا، فلذلك كان الوجهُ الأخير أولى، أي: قطعاً مستقرة من الليل، أو كائنة من الليل في حال إظلامه". وقال شهاب الدِّين: ولا يعني الزمخشري بقوله: "إنَّ العامل أغْشِيَتْ"، إلاَّ أن الموصوف، وهو "قِطْعاً" معمول لـ "أغْشِيَتْ"، والعامل في الموصوف هو عاملٌ في الصِّفة. قال شهاب الدين: والصِّفةُ هي "مِنَ الليل" فهي معمولةٌ لـ "أغْشِيَتْ"، وهي صاحبةُ الحال، والعامل في الحالِ هو العاملُ في ذي الحال، فجاء من ذلك أنَّ العامل في الحال هو العاملُ في صاحبها بهذه الطريقة، ويجوز أن يكون "قِطْعاً": جمع قِطْعَة، أي: اسم جنسٍ لها، فيجُوزُ حينئذٍ وصفُه بالتَّذكير، نحو: {أية : نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ}تفسير : [القمر:20]، والتأنيث، نحو: {أية : نَخْلٍ خَاوِيَةٍ}تفسير : [الحاقة:7]. وأمَّا قراءة الباقين، فقال مكِّي، وغيره: إنَّ "مظلماً" حالٌ من "اللَّيْلِ" فقط، ولا يجوز أن يكون صفة لـ "قِطعاً"، ولا حالاً منه، ولا من الضمير في "مِنَ اللَّيل"؛ لأنَّه كان يجبُ أن يقال فيه: مظلمةٌ، يعنُون: أنَّ الموصوف حينئذ جمعٌ، وكذا صاحب الحال، فتجب المطابقةُ. وأجاز بعضهم ما منعهُ هؤلاء، وقالوا: جَازَ ذلك؛ لأنَّه في معنى الكثير، وهذا فيه تعسُّفٌ. وقرأ أبيٌّ "يَغْشَى وجوههم قطع" بالرفع، و "مُظْلمٌ"، وقرأ ابن أبي عبلة كذلك، إلاَّ أنَّه فتح الطَّاء. وإذا جعلتَ "مُظْلماً"، نعتاً لـ "قِطْعاً"، فتكون قد قدَّمتَ النَّعْتَ غير الصَّريح على الصَّريح. قال ابن عطيَّة: فإذا كان نعتاً - يعني: مُظلماً: نعتاً لقطع - فكان حقه أن يكون قبل الجملة، ولكن قد يجيء بعد هذا، وتقدير الجملة: قطعاً استقرَّ مظلماً، على نحو قوله: {أية : وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}تفسير : [الأنعام:92]. قال أبو حيَّان: "ولا يتعيَّن تقدير العامل في المجرور بالفعل، فيكون جملة، بل الظاهرُ تقديره باسم الفاعل، فيكون من قبيل الوصف بالمفرد، والتقدير: قطعاً كائناً من اللَّيل مُظْلِماً". قال شهاب الدِّين: "المحذُورُ تقديمُ غير الصَّريح على الصَّريح، ولو كان مُقدَّراً بمفرد"، و "قِطَعاً": منصوبٌ بـ "أغْشِيتْ"، مفعولاً ثانياً. فصل المعنى: {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا}؛ لقوله: {أية : وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا}تفسير : [الأنعام:160]. والفرق بين الحسنات والسيئات: أنَّه إذا زاد في الحسنات يكون تفضُّلاً، وذلك حسن، وفيه ترغيبٌ في الطَّاعة، وأمَّا الزِّيادة على قدر الاستحقاق على السيئات، فهو ظلمٌ، والله منزه عنه، ثم قال: {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أي: هوانٌ وتحقير {مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} أي: ما لهم عاصمٌ من الله في الدُّنيا، ولا في الآخرة، {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ} أي: أُلْبِسَتْ وجوههم، {قِطَعاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ مُظْلِماً} والمراد: سوادُ الوجه. وقال حكماء الإسلام: المرادُ من هذا السَّواد، سوادُ الجَهْل، وظلمةُ الضَّلالة، فإنَّ العلم طبعه طبع النُّور، والجهل طبعُه طبع الظُّلْمَة. قيل: المراد بقوله: {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ}: الكفار؛ لأن سواد الوجه من علامات الكفر، قال تعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}تفسير : [آل عمران:106] وقال: {أية : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ}تفسير : [عبس:40-42]. وقال القاضي: {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} عامٌّ يتناول الكافر، والفاسق، وأجيبُ: بأن الصيغة وإن كانت عامَّة، إلاَّ أن الدلائل التي ذكرناها مخصِّصة، ثم قال: {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
السيوطي
تفسير : أخرج الطيالسي وهناد وأحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والدارقطني في الرؤية وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن صهيب رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه. فيقولون: وما هو، ألم تثقل موازيننا، وتبيض وجوهنا، وتدخلنا الجنة، وتزحزحنا عن النار؟ وقال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم ". تفسير : وأخرج الدارقطني وابن مردويه عن صهيب رضي الله عنه في الآية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الزيادة: النظر إلى وجه الله ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والدارقطني في الرؤية وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أن الله يبعث يوم القيامة منادياً ينادي: يا أهل الجنة - بصوت يسمعه أولهم وآخرهم - إن الله وعدكم الحسنى وزيادة، فالحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الرحمن ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه واللالكائي في السنة والبيهقي في كتاب الرؤية عن كعب بن عجرة رضي الله عنه حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} قال: الزيادة: النظر إلى وجه الرحمن . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والدارقطني وابن مردويه واللالكائي والبيهقي في كتاب الرؤية عن أبي بن كعب رضي الله عنه "حديث : أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} قال: الذين أحسنوا أهل التوحيد، والحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} قال "أحسنوا شهادة أن لا إله إلا الله، والحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى الله" . تفسير : وأخرج أبو الشيخ وابن منده في الرد على الجهمية والدارقطني في الرؤية وابن مردويه واللالكائي والخطيب وابن النجار عن أنس رضي الله عنه "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} فقال: للذين أحسنوا العمل في الدنيا لهم الحسنى وهي الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم ". تفسير : وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن أنس رضي الله عنه قال "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} قال: ينظرون إلى ربهم بلا كيفية ولا حدود ولا صفة معلومة ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من كبَّر على سيف البحر تكبيرة رافعاً بها صوته لا يلتمس بها رياء ولا سمعة كتب الله له رضوانه الأكبر، ومن كتب له رضوانه الأكبر جمع بينه وبين محمد وإبراهيم عليهما السلام في داره، ينظرون إلى ربهم في جنة عدن كما ينظر أهل الدنيا إلى الشمس والقمر في يوم لا غيم فيه ولا سحابة، وذلك قوله {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} فالحسنى لا إله إلا الله، والزيادة الجنة والنظر إلى الرب ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن خزيمة وابن المنذر وأبو الشيخ والدارقطني وابن منده في الرد على الجهمية وابن مردويه واللالكائي والآجري والبيهقي كلاهما في الرؤية عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قوله {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} قال: الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله. وأخرج ابن مردويه من طريق الحرث عن علي رضي الله عنه في قوله {للذين أحسنوا الحسنى} قال: يعني الجنة، والزيادة يعني النظر إلى الله تعالى. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والدارقطني واللالكائي والآجري والبيهقي عن حذيفة رضي الله عنه في الآية قال: والزيادة النظر إلى وجه ربهم. وأخرج هناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والدارقطني واللالكائي والبيهقي عن أبي موسى الأشعري في الآية قال: الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه ربهم. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما {للذين أحسنوا الحسنى} قال: قول لا إله إلا الله، والحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجهه الكريم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي من طريق علي عن ابن عباس رضي الله عنهما {للذين أحسنوا} قال: الذين شهدوا أن لا إله إلا الله، الحسنى: الجنة. وأخرج ابن أبي حاتم واللالكائي عن ابن مسعود رضي الله عنه في الآية قال: أما الحسنى فالجنة، وأما الزيادة فالنظر إلى وجه الله، واما القتر فالسواد. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الرؤية من طريق الحكم بن عتيبة عن علي رضي الله عنه في الآية قال: الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب غرفها وأبوابها من لؤلؤة واحدة. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه {للذين أحسنوا} قال: شهادة أن لا إله إلا الله {الحسنى} قال: الجنة {وزيادة} قال: النظر إلى وجه الله. وأخرج ابن جرير والدارقطني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه في قوله {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة اعطوا منها ما شاؤوا، ثم يقال لهم: إنه قد بقي من حقكم شيء لم تعطوه، فيتجلى الله تعالى لهم فيصغر ما اعطوا عند ذلك، ثم تلا {للذين أحسنوا الحسنى} قال: الجنة {والزيادة} نظرهم إلى ربهم عز وجل. وأخرج ابن جرير والدارقطني عن عامر بن سعد البجلي رضي الله عنه في قوله {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} قال: النظر إلى وجه الله. وأخرج الدارقطني عن السدي رضي الله عنه في قوله {للذين أحسنوا الحسنى} قال: الجنة {وزيادة} قال: النظر إلى وجه الرب عز وجل. وأخرج الدارقطني عن الضحاك رضي الله عنه قال: الزيادة النظر إلى وجه الله. وأخرج ابن جرير والدارقطني عن عبد الرحمن بن سابط قال: الزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل. وأخرج ابن جرير والدارقطني عن أبي إسحق السبيعي رضي الله عنه في قوله {للذين أحسنوا الحسنى} قال: الجنة {وزيادة} قال: النظر إلى وجه الرحمن عز وجل. وأخرج ابن جرير والدارقطني عن قتادة رضي الله عنه قال: ينادي المنادي يوم القيامة أن الله وعد الحسنى وهي الجنة، فأما الزيادة فهي النظر إلى وجه الرحمن. قال: فيتجلى لهم حتى ينظروا إليه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} قال: هو مثل قوله {أية : ولدينا مزيد} تفسير : [ق: 35] يقول: يجزيهم بعملهم ويزيدهم من فضله، وقال {أية : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} تفسير : [الأنعام: 160]. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {للذين أحسنوا الحسنى} قال: مثلها. قال {وزيادة} قال: مغفرة ورضوان. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علقمة بن قيس رضي الله عنه في الآية قال: الزيادة العشر {أية : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} تفسير : [الأنعام: 160]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال: الزيادة الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في الآية قال: الزيادة ما أعطاهم في الدنيا لا يحاسبهم به يوم القيامة. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في الرؤية عن سفيان رضي الله عنه قال: ليس في تفسير القرآن اختلاف انما هو كلام جامع يراد به هذا وهذا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولا يرهق وجوههم} قال: لا يغشاهم {قتر} قال: سواد الوجوه. وأخرج أبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه في الآية قال: القتر سواد الوجه. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ولا يرهق وجوههم قتر} قال: خزي. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم {ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة} قال: بعد نظرهم إلى الله عز وجل. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والدارقطني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه في قوله {ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة} قال: بعد نظرهم إلى ربهم.
ابو السعود
تفسير : {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} أي أعمالَهم أي عمِلوها على الوجه اللائقِ وهو حسنُها الوصفيُّ المستلزمُ لحسنها الذاتي، وقد فسره رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : أن تعبدَ الله كأنك تراه فإن لم تكنْ تراه فإنه يراك» تفسير : {ٱلْحُسْنَىٰ} أي المثوبةُ الحسنى {وَزِيَادَةٌ} أي ما يزيد على تلك المثوبة تفضلاً لقوله عز اسمه: {أية : وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ} تفسير : [النور: 38] وقيل: الحسنى مثلُ حسناتِهم والزيادةُ عشرُ أمثالهِا إلى سبعمائة ضعفٍ وأكثر، وقيل: الزيادةُ مغفرةٌ من الله ورِضوانٌ، وقيل: الحُسنى الجنةُ والزيادة اللقاء {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ} أي لا يغشاها {قَتَرٌ} غبرةٌ فيها سوادٌ {وَلاَ ذِلَّةٌ} أي أثرُ هوانٍ وكسوفُ بالٍ، والمعنى لا يرهقهم ما يرهَق أهلَ النار أو لا يرهَقُهم ما يوجب ذلك من الحزن وسوءِ الحالِ، والتنكيرُ للتحقير أيْ شيءٌ منهما والجملةُ مستأنفةٌ لبـيان أمنِهم من المكاره إثرَ بـيان فوزِهم بالمطالب والثاني وإن اقتضى الأولَ إلا أنه ذُكر إذكاراً بما ينقذهم الله تعالى منه برحمته، وتقديمُ المفعولِ على الفاعل للاهتمام بـيان أن المصونَ من الرهَق أشرفُ أعضائِهم وللتشويق إلى المؤخر فإن ما حقُّه التقديمُ إذا أُخّر تبقى النفسُ مترقبةً لوروده فعند ورودِه عليها يتمكن عندها فضلُ تمكن ولأن في الفاعل ضربَ تفصيلٍ كما في قوله تعالى: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} تفسير : [الرحمن: 22] وقوله عز وجل: {أية : وَجَاءكَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [هود: 120] {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى المذكروين باعتبار اتصافِهم بالصفات المذكورةِ، وما في اسم الإشارةِ من معنى البُعدِ للإيذان بعلو درجتِهم وسموّ طبقتِهم أي أولئك الموصوفون بما ذكر من النعوت الجميلةِ الفائزون بالمثوبات الناجون عن المكاره {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} بلا زوالٍ دائمون بلا انتقال. {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيّئَاتِ} أي الشركَ والمعاصيَ وهو مبتدأٌ بتقدير المضافِ خبرُه قوله تعالى: {جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا} أي جزاءُ الذين كسبوا السيئاتِ أن يجازىٰ سيئةً واحدةً بسيئة مثلها، لا يزاد عليها كما يزاد في الحسنة، وتغيـيرُ السبكِ حيث لم يقل: وللذين كسبوا السيئاتِ السوآى لمراعاة ما بـين الفريقين من كمال التنائي والتبايُن، وإيرادُ الكسب للإيذان بأن ذلك إنما هو لسوء صنيعِهم وبسبب جنايتِهم على أنفسهم، أو الموصولُ معطوفٌ على الموصول الأولِ كأنه قيل: وللذين كسبوا السيئاتِ جزاءُ سيئةٍ بمثلها كقولك: في الدار زيدٌ والحجرةِ عمروٌ وفيه دلالةٌ على أن المرادَ بالزيادة الفضلُ {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} وأيُّ ذلةٍ كما ينبىء عنه التنوينُ التفخيميُّ، وفي إسناد الرَهق إلى أنفسهم دون وجوهِهم إيذانٌ بأنها محيطةٌ بهم غاشيةٌ لهم جميعاً وقرىء يرهَقهم بالياء التحتانية {مَّا لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} أي لا يعصِمُهم أحدٌ من سُخطه وعذابِه تعالى أو ما لهم من عنده تعالى مَن يعصمهم كما يكون للمؤمنين، وفي نفي العاصمِ من المبالغة في نفي العصمةِ ما لا يخفى، والجملةُ مستأنفةٌ أو حال من ضمير ترهقهم {كَأَنَّمَا أُغْشِيَت وُجُوههم قطعاً مِنَ اللَّيْلِ} لفرط سوادِها وظلمتِها {مُظْلِماً} حالٌ من الليل والعاملُ فيه أغشيت لأنه العاملُ في قِطَعاً وهو موصوفٌ بالجار والمجرور والعاملُ في الموصوف عاملٌ في الصفة، أو معنى الفعلِ في (مِنَ الليل) وقرىء قِطْعاً بسكون الطاء وهو طائفة من الليل قال: شعر : افتحي الباب وانظُري في النجوم كم علينا من قِطْع ليلٍ بهيم تفسير : فيجوزُ كونُ مظلماً صفةً له أو حالاً منه وقرىء كأنما يغشىٰ وجوهَهم قِطعٌ من الليل مظلمٌ، والجملةُ كما قبلها مستأنفةٌ أو حال من ضمير ترهقهم {أُوْلَـٰئِكَ} أي الموصوفون بما ذكر من الصفات الذميمة {أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} وحيث كانت الآيةُ الكريمةُ في حق الكفارِ بشهادة السياقِ والسباقِ لم يكن فيها تمسك للوعيدية.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} [الآية: 26]. قال الواسطى رحمة الله عليه: معاملة الله على المشاهدة الحسنى الالتذاذ فى المعاملة، والزيادة هى النظر إلى الله. قوله تعالى: {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ}. قال بعضهم: كيف تذل الوجوه وقد تلقاها الحق منه بالحسنى والإحسان، وكيف تدل شواهد من هو مشاهد للحق على الدوام بل هو على زيادة الأوقات، يزيد نورًا وضياءً وعزًا وسناءً. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ}. قال ابن عطاء: تظهر عليهم بركات إقرارهم عند إيجاد الذر بقولهم: بلى، فمن بركتها لزوم الطاعات والفرائض واتباع السنن وتحقيق الإيمان وتصحيح الأعمال. قوله تعالى: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ}. قال ذو النون: مقام المتحققين من العارفين التنزيه والتبرى من جميع ما لهم من أنواع الأفعال والأقوال والأحوال وغير ذلك والرجوع إلى الحق على حد التنزيه له، أن يقصده أحد بسببه، أو يتوصل إليه بطاعته، أو يعمل كل لإظهار سعادة الأزل على السعداء وسمات الشقاوة على الأشقياء.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} {أَحْسَنُواْ}: أي عَمِلُوا وأحسنوا إذ كانت أفعالُهم على مقتضى الإذن. ويقال:"أحسنوا": لم يُقَصِّروا في الواجبات، ولم يُخِلُّوا بالمندوبات. ويقال:"أحسنوا": أي لم يَبْقَ عليهم حقٌّ إلا قاموا به؛ إن كان حقَّ الحقِّ فَمِنْ غير تقصير، وإن كان من حقِّ الخَلْق فأداءٌ من غير تأخير. ويقال: "أحسنوا": في المآل كما أحسنوا في الحال؛ فاستداموا بما فيه واستقاموا، والحسنى التي لهم هي الجنة وما فيها من صنوف النِّعم. ويقال:الحسنى في الدنيا توفيق بدوام، وتحقيق بتمام، وفي الآخرة غفران مُعَجَّل، وعيان على التأبيد مُحَّصل. قوله: {وَزِيَادَةٌ}: فعلى موجِب الخبر وإجماعِ السلف النظرُ إلى الله، ويحتمل أن تكون "الحسنى": الرُّؤية، "والزيادة": دوامُها، ويحتمل أن تكون "الحسنى": اللقاء، "والزيادةُ": البقاء في حال اللقاء. ويقال الحسنى عنهم لا مقطوعة ولا ممنوعة، والزيادة لهم لا عنهم محجوبة ولا مسلوبة. قوله جلّ ذكره: {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. لا يقع عليهم غبارُ الحجاب، وبعكسه حديث الكفار حيث قال:{أية : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ}تفسير : [عبس:40]. "والذلة" التي لا تصيبهم أي لا يُرَدُّوا مِنْ غير شهودٍ إلى رؤية غيره، فهم فيها خالدون في فنون أفضالهم، وفي جميع أحوالهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {للذين احسنوا} اعمالهم اى عملوها على الوجه اللائق وهو حسنها الوصفى المستلزم لحسنها الذاتى وقد فسره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله "حديث : ان تعبد الله كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك" تفسير : يقول الفقير العبادة على وجه رؤية الله تعالى وشهوده والحضور معه لا تكون الا بعد غيبوبة الغير عن القلب وارتفاع ملاحظته جدا فيأول المعنى الى قولنا للذين اخلصوا اعمالهم عن الرياء وقلوبهم عن غير الله تعالى {الحسنى} اى المثوبة الحسنى وهى فى اللغة تأنيث الاحسن والعرب تطلق هذا اللفظ على الخصلة المرغوب فيها {وزيادة} اى وما يزيد على تلك المثوبة تفضلا لقوله تعالى {أية : ويزيدهم من فضله} تفسير : فالمثوبة ما اعطاه الله فى مقابلة الاعمال والزيادة ما اعطاه الله لا فى مقابلتها والكل فضل عندنا وقيل الحسنى مثل حسناتهم والزيادة عشر امثالها الى سبعمائة ضعف واكثر جمهور المحققين على ان الحسنى الجنة والزيادة اللقاء والنظر الى وجه الله الكريم وفى الحديث "حديث : اذا دخل اهل الجنة الجنة يقول الله تعالى تريدون شيئا ازيدكم فيقولون الم تبيض وجوهنا الم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار قال فيكشف لهم الحجاب فما اعطوا شيئا احب اليهم من النظر الى ربهم ثم تلا هذه الآية للذين احسنوا الحسنى وزيادة" تفسير : رواه مسلم والترمذى والنسائى. فان قيل لم سمى الله الرؤية زيادة والجنة الحسنى والنظر الى وجهه اكبر من الجنة والزيادة فى الدنيا تكون اقل من رأس المال قيل المراد بالزيادة فى الآية الزيادة الموعودة والموعودة الجنة فالزيادة ههنا ليست من جنس المزيد عليه وهى الجنة ودرجاتها فالزيادة من العزيز الاكبر اكبر واعز كما ان الرضوان من الكريم الاجود اكبر واجل وفي الخبر (ان اهل الجنة اذا رأوا الحق نسوا نعيم الجنة) وهذه الرؤية بعين الرأس واما فى الدنيا فبعين العين لغير نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم كما سبق عند قوله تعالى {أية : لا تدركه الابصار} تفسير : الآية وانما تحصل بارتفاع الموانع وهى حجب التعينات جسمانية او روحانية: قال الحافظ شعر : جمال يار ندارد نقاب وبرده ولى غبار ره بنشان تا نظر توانى كرد تفسير : وذلك لان الله تعالى ليس بمحجوب لانه لو حجبه لستره وهو ليس فى جهة ولا مكان وانما المحجوب انت ولو ازال الحق الحجاب عنا وشاهدناه نسينا الكون وما فيه كما ينسى اهل الجنة نعيمها عند التجلى فكان يفوت آن التعبد الشرعى ولذا لا نشاهد الحق فى دار الدنيا لانها مقام التكليف {ولا يرهق وجوههم} اى لا يغشاها. وبالفارسية [بوشيدة نكر داند رويها بهشتيانرا] {قتر} غبرة فيها سواد والقتر اشد من الغبار {ولا ذلة} اى اثر هوان وكسوف بال والغرض من نفى هاتين الصفتين نفى اسباب الخوف والحزن والذل عنهم ليعلم ان نعيمهم الذى ذكره الله خالص لا يشوبه شيء من المكروهات وانه لا يتطرق اليهم ما اذا حصل بغير صفحة لوجه ويزيل ما فيها من النضارة والحسن. والجملة مستأنفة لبيان امنهم من المكاره اثر بيان فوزهم بالمطالب والثانى وان اقتضى الاول الا انه ذكر اذكارا بما ينقذهم الله منه برحمته وتقديم المفعول على الفاعل للاهتمام ببيان ان المصون من الرهق اشرف اعضائهم {اولئك} [آن كروه محسنان] {اصحاب الجنة هم فيها خالدون} بلا زوال دائمون بلا انتقال. وفى التأويلات النجمية {للذين احسنوا الحسنى وزيادة} اى للذين عاملوا الله على مشاهدته فان الاحسان ان تعبد الله كانك تراه الحسنى وهى شواهد الحق والنظر اليه وزيادة والزيادة ما زاد على النظر بالوصول الى العلم الازلى مجذوبا من انانيته الى هويته بافناء الناسوتية فى اللاهوتية {ولا يرهق وجوههم قتر} اى لا يصيبهم غبار الحجاب {ولا ذلة} وجود يقتضى الاثنينية {اولئك اصحاب الجنة} جنة السير فى الله {هم فيها خالدون} دائمون فى السير بجذبات العناية
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {للذين أحسنوا} فيما بينهم وبين ربهم بتوحيده وعبادته، وفيما بينهم وبين عباده بكف أذاهم وحمل جفاهم، لهم {الحسنى} أي: المثوبة الحسنى، وهي الجنة وزيادة، وهي النظر إلى وجهه الكريم، أو الحسنى: ما يثيب به على العمل، والزيادة: ما يزيد على ما يستحق العبد تفضلاً كقوله: {أية : وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ}تفسير : [النساء: 173]، أو الحسنى: مثل حسناتهم، والزيادة: التضعيف بعشر أمثالها إلى سبعمائة أو أكثر، {ولا يرهقُ وجوهَهم:} لا يغشاها {قَتَرٌ}: غبرة فيها سواد تغبر الوجه {ولا ذِلَّةٌ} أي: هوان، والمعنى لا يرهقهم ما يرهق أهل النار، أو لا يرهقهم ما يوجب ذلك من خزي وسوء حال، {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون}: دائمون، لا زوال لهم عنها، ولا انقراض لنعيمها، بخلاف الدنيا وزخرفها فقد تقدم مثالها. الإشارة: للذين أحسنوا بالانقطاع إلى الله والزهد فيما سواه الحسنى، وهي المعرفة، وزيادة، وهي الترقي في المقامات، والعروج في سماء المشاهدات، والازدياد من الأسرار والمكاشفات، وترادف المناجاة والمكالمات ولا يغشى وجوههم قتر ولا ذلة، بل وجوههم بنور البقاء مستبشرة، وهم خالدون في نعيم الفكرة والنظرة. ثم ذكر أضدادهم، فقال: {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا}.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى بأن للذين يفعلون الحسن من الطاعات التي أمرهم الله بها جزاء على ذلك {الحسنى} وهي الجنة ولذاتها. وقيل: جامعة المحاسن من السرور واللذات على أفضل ما يكون وهي تأنيث الأحسن. وقوله {وزيادة} معناه إن لهم زيادة التفضل على قدر المستحق على طاعاتهم من الثواب، وهي المضاعفة المذكورة في قوله {أية : فله عشر أمثالها} تفسير : ذهب اليه ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وعلقمة ابن قيس. وقال ابو جعفر عليه السلام {وزيادة} معناه ما أعطاهم الله في الدنيا لا يحاسبهم به في الآخرة. وقوله {ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة} فالرهق لحاق الأمر، ومنه راهق الغلام إذا لحق حال الرجال، ورهقه في الحرب إذا أدركه. و (الرهاق) الاعجال. و (القتر) الغبار. والقترة الغبرة. ومنه الاقتار في النفقة لقلته، قال الشاعر: شعر : متوج برداء الملك يتبعه موج ترى فوقه الرايات والقترا تفسير : والذلة صغر النفس بالاهانه. والذلة نقيض العزة. وقد يكون صغر النفس بضيق المقدرة. وقوله {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} اخبار منه تعالى بأن الذين وصفهم الملازمون للجنة على وجه الخلود والنعيم فيها ولا زوال لذلك عنهم.
الجنابذي
تفسير : {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما لمن انتفع بالآيات وقبل الدّعوة واهتدى؟ - فقال: للّذين احسنوا منهم العاقبة الحسنى، او المثوبة الحسنى، واصل الاحسان قبول الولاية وكلّ قول وفعل وحال وخلق يكون للانسان من جهة الولاية كان احساناً لانّ الحسن الحقيقىّ هو الولاية المطلقة الّتى مظهرها علىّ (ع)، والولايات الجزئيّة حسنة بحسنها وكلّ من اتّصل بالبيعة الخاصّة بعلىّ (ع) بلا واسطة او بواسطة الاولياء الجزئيّة صار ذا حسنٍ، وهو المراد بالاحسان هنا، ومن صار ذا حسن ولم ينقطع حبل اتّصاله ولا ينقطع الاّ نادراً اتصل اتّصاله البشرىّ بالاتّصال الملكوتّى والجبروتّى بملكوت علىٍّ (ع) وجبروته، وهو العاقبة الحسنى والمثوبة الحسنى لا احسن منها {وَزِيَادَةٌ} هى لوازم الاتّصال بملكوت ولىّ الامر من الرّاحة فى الدّنيا والخلاص من آلامها والجنّة ونعيمها فى الآخرة، واختلاف الاخبار فى تفسيرها يرفعه ما ذكرنا {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ} لا يغشيها {قَتَرٌ} غبرة فيها سواد {وَلاَ ذِلَّةٌ} وهما كناية عمّا يعروها من اثر الحزن وشدّة الحاجة وذلك لما عرفت من انّ المتّصل بملكوت ولىّ الامر ليس له الم حزن ولا حاجة {أُوْلَـٰئِكَ} التّأدية باسم الاشارة البعيدة للتّفخيم ولتصويرهم بما ذكر من الاوصاف {أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} عطف على جملة للّذين احسنوا الحسنى من قبيل عطف الجملة او على الّذين احسنوا الحسنى بتقدير اللاّم من قبيل العطف على معمولى عاملين مختلفين عطف المفرد وهو اولى لموافقته لسياق الكلام ولسلامته عن الحذف {جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} قد سبق انّ السّيّئة لمّا كانت مخالفة لمقتضى الفطرة لا تقوى على تنزيل الانسان زيادة على قدر قوّتها، والحسنة لمّا كانت موافقة لفطرته ترفعه زائداً على قدر قوّتها عشر امثالها الى سبعمائة والله يضاعف لمن يشاء {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ} من سخط الله او من جانب الله {مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ مُظْلِماً} لغاية الحزن وشدّة الالم {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} يعنى المؤمنين والكافرين، او الكافرين وشركاءهم، او المؤمنين وأئمّتهم والكافرين وشركاءهم {جَمِيعاً} عطف على محذوفٍ متعلّق بالجمل السّابقة من قوله للّذين احسنوا الى اغشيت وجوههم اى فى الدّنيا او يوم الموت او يوم الرّجعة ويوم نحشرهم او المعطوف والمعطوف عليه كلاهما محذوفان والتّقدير ذكّرهم بما ذكر وذكّرهم يوم نحشرهم او متعلّق بزّيلنا على تقدير امّا او توهّمه او زيادة الفاء، او متعلّق بزّيلنا المذكور تفسيره {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} بالله او بالولاية {مَكَانَكُمْ} الزموا ولا تبرحوا او هو اسم فعل و {أَنتُمْ} تأكيد للمستتر فيه تصحيحاً للعطف عليه {وَشُرَكَآؤُكُمْ} فى الالهة او فى العبادة او فى الولاية او فى الطّاعة او فى المحبّة او فى الوجود {فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} اوقعنا التّفرقة بين المؤمنين والكفّار او بين الكفّار وشركاءهم {وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ} باحد الوجوه {مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} المراد بالعبادة ههنا اعمّ من العبادة المعروفة، او المراد بشركاؤهم الشّركاء فى العبادة لانّهم فى الحقيقة عبدوا اهواءهم ومن عبادة اهواءهم تولّد عبادة الشّركاء الظّاهرة.
اطفيش
تفسير : {للَّذينَ أحْسنُوا} آمنوا وعملوا الصالحات، لأن من آمن وأصر على معصية لا يسمى محسناً {الحُسْنى} أى المثوبة الحسنى، جزاء مقابلا لإحسانهم، كأنه قال: حسنة بحسنة {وَزِيادَةٌ} وهى تسع حسنات أخرى وأكثر، إلى سبعمائة ضعف وأكثر، كما قال الحسن، وابن عباس، أو الحسنى ما يعطونه مضاعفاً فى مقابلة إحسانهم، والزيادة غير ذلك، يتفضل الله به. كما روى أيضا عن ابن عباس كقوله: {أية : ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله} تفسير : وقوله: {أية : ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله} تفسير : وقوله: {أية : ولدينا مزيد} تفسير : قال ابن عباس: يجزيهم بعملهم ويزيدهم من فضله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أهل الجنة لا يزالون متعجبين مما هم فيه، حتى يُفتح لهم باب المزيد، فإذا فتح لهم كان لا يأتيهم منه شىء إلا كان أحسن مما فى جنتهم" تفسير : قال جابر بن زيد: سئل ابن عباس عن قوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} فقال: غرفة من لؤلؤة واحدة، لها أربعة أبواب، روى ابن عباس، عن منصور بن المعتمر، عن الحكم، عن عيينة، عن على. وقال مجاهد: الزيادة مغفرة ورضوان، والحسنى جزاء حسناتهم، وقال ابن زيد: الحسنى الجنة، والزيادة ما أعطاهم فى الدنيا لم يحاسبهم، والذى يظهر لى من الآية هو الوجه الأول، لموافقته آيتى زيادة المذكورتين ونحوهما، ويليه الوجه الثانى، ويدل لهما المقابلة بقوله: {أية : جزاء سيئة بمثلها} تفسير : ولا مانع مما سواها من تلك الأقوال، ولا من قول يزيد بن شجرة: الزيادة أن تمر السحابة فتقول: ما تريدون أن أمطركم؟ فلا يريدون شيئا إلا أمطرته، وهو داخل فى بعض تلك الأقوال، ولا مانع من حمل الآية على ذلك كله. وزعم قومنا أن الزيادة رؤية الله سبحانه، فتراهم قبحهم الله متى سمعوا بذكر شىء قريب أو بعيد من الذى بنوا عليه اعتقادهم، ذهبت إليه أهواءهم، وتعسفوا إليه تعسفا شديدا، واستخرجوه منه إخراجاً قبيحا، وكذبوا عليه هم أو سلفهم أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن الصحابة عنه، ينبئ القرآن عن أنها لم تصح عنه كقوله: {أية : لا تدركه الأبصار} تفسير : وقد علموا أنهم يلزمهم التشبيه، فكانوا يقولون: يرى من غير تشبيه ولا إحاطه، فكلامهم لو عقلوا متناقض، إذ لا تثبت الرؤية بوجه ما إلاَّ وقد ثبت التشبيه فى التحيز والإدراك وغيره، فلهذا تعين حمل: {أية : إلى ربها ناظرة} تفسير : على معنى انتظار رحمته. وأما ما زعم بعض أن أل للحسنى للعهد، والمعهود دار السلام وهى الجنة، وأنه يلزم بذلك أن تكون الزيادة أمراً مغايرا لكل ما فى الجنة، فعلى تسليم العهد فيه، فلا مانع من زيادة أمر فى الجنة لم يكن فيها، فهو مغاير لكل ما رأوا فيها قبل ذلك، وأيضا مغفرته غير ما فيها ورضاه كذلك، ودوامها كذلك، فإن دوام الجنة غير الجنة، ولا مانع من تفسير الزيادة به، بل لا دليل على العهد، ولا مقوى له لاختلاف لفظ الدار، ولفظ الحسنى، فإن العهد الذكرى ولو كان يجئ أيضا مع اختلاف اللفظ، لكن يتعين أو يتقوى مع اتفاقه، ولا مانع من كون أل للحسنى للجنس أو للحقيقة، والأمر سهل، سواء حملت على العهد أو الجنس أو الحقيقة. وقد اختلفوا فيما احتمل أن المعرف العهدية أو الجنسية، فقيل: يحمل على العهدية وهو مذهب عمار، وقيل: على الجنسية، واختار بعضنا الأول، لكن حيث لا مانع ولا مضعف، والأصل فى الزيادة أن تكون من جنس المزيد عليه، فإذا كانوا فيها فى مقدرة لهم ومعينة، فيكون ما يزاد على ذلك القدر الذى هم فيه هو المراد بالزيادة، ولئن قلنا: إنها غير مقدرة لتكون الزيادة من غير جنسها لنقولن: الزيادة المغفرة أو الرضا أو الدوام، أو ما فى الدنيا، وكل ذلك ليس من جنس الجنة، ولو كان ما فى الدنيا يمثل به لما فى الجنة، ولا يقال: إن المفسر للرؤية مثبت، والمفسر بغيرها ناف، والمثبت مقدم على النافى، لأنا نقول: ليس أحدهما أولى باسم المثبت أو النافى عن الآخر، لأن كلا منهما مثبت لما يقول، ونافٍ لما يقول الآخر، وكما أثبت المفسر بالرؤية أحاديث لها، قد أثبت الآخر أحاديث تبين أن تلك أكاذيب، وإنما يقدم المثبت إذا لم يتبين كذبه. {ولا يرْهَقُ} لا يغشى، وعن بعضهم الرهق أن يغشى شىء شيئا على غلبة وتضييق {وُجوهَهُم قَترٌ} غبار مسودّ، وقرأ الحسن، وعيسى بن عمرو، والأعمش، وأبو رجاء بإسكان التاء، وهو لغة لا تخفيف، لأن فعل كجبل وعسل لا يخفف إلا ضرورة {ولا ذلةٌ} ذلّ وهو أن ذكر الله سبحانه لهم أنهم ينجوا مما لا ينجوا منه أهل النار، أو والمراد أنهم لا يرهقهم ما يكون به القتر والذلة من كآبة وكسوف. {أولئكَ أصْحاب الجنَّة هُم فيها خَالدُونَ} بخلاف الدنيا، فإنها تنقرض هى وما فيها.
اطفيش
تفسير : {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا} بالعمل والتقوى {الْحُسْنَى} بمعنى الجنة {وَزِيَادَةٌ} دوام رضاءِ الله عليهم، أَو غرفة من لؤلؤة واحدة لها أَربعة أَبواب، كما روى عن على وجابر بن زيد، أَو ما فى الدنيا لا يحاسبهم عليه كما حاسب الكفار، أَو المغفرة أَو الحسنى مقابل الحسنة والزيادة فصاعداً، فإِن الحسنة بعشر إِلى سبع مائة وأَكَثر، كقوله تعالى {أية : ولدينا مزيد} تفسير : [ق: 35]، ويدل له أَنه قابله بقوله جزاءُ سيئَة بمثلها والحسنى تأْنيث الأَحسن كأَنه قيل الجنة الحسنة أَو المثوبة الحسنى، أَو الزيادة سحابة تمر وتقول يا أَهل الجنة ما تريدون أَن أَمطركم فكل ما شاءُوا أَمطرته {وَلاَ يَرْهَقُ وَجُوهَهُمْ} لا يغشاها أَو يقربها كقوله غلام مراهق أَى قارب البلوغ {قَتَرٌ} غبرة فيها سواد أَو دخان {وَلاَ ذِلَّةٌ} من الحزن وسوء الحال وما يظهر على الوجه، وذلك مجاز لعلاقة اللزوم والتسبب وهذا مدح فإِن نفى التسبب واللزوم فى السوءِ أَبلغ من نفى السوءِ وإِنما أَخر ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة عن قوله {للذين أَحسنوا الحسنى وزيادة} مع أَن التخلى قبل التحلى، ومع أَن دخول الجنة بعد النجاة من النار لأَن ذلك سيق مساق التذكير للنعمة التى فاتت العدو فإِن الرهق والذلة نعمة فاتت الأَعداءَ، وهم أَهل النار، فكأَنه قيل أَبشروا بالفوز والنجاة مما عليهم من الرهق والذل وخزى العدو، ولذة ومسرة لأَهل الجنة، وفى الآية دليل على خلود الفاسق فى النار، فلو كان يخرج لنافى هذه الآية لأَنه إِذا دخلها يرهق بالقتر ويذل، وكذلك إِذا قلنا المعنى لا يرهقهم ما يوجب ذلك من حزن وسوءِ حال وقولهم المراد فى الآية نفى الدوام حتى لا تنافى خروج الفاسق دعوى بلا دليل وجملة لا ترهق إِلخ عطفت على للذين أَحسنوا إِلخ عطف فعلية على اسمية ولا بأْس بذلك أَو عطف مصدرها على الحسنى على حذف أَن المصدرية ورفع الفعل كما فى قوله تعالى: {أية : ومن آياته يريكم البرق} تفسير : [الروم: 24]، فى أَحد أَوجهه، أَى للذين أَحسنوا الحسنى وانتفاءُ رهق وجوههم قتراً وانتفاءُ ذلة ولا النافية من الجملة والمصدر من معناها مضاف للمصدر من رهق {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} لا كالدنيا تخرج عن أَهلها ويخرجون عنها والعاقل يرغب فى الدائِم الخالص لا فى سريع الفناءِ المتكدر.
الالوسي
تفسير : {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} أي العمل بأن فعلوا المأمور به واجتنبوا المنهي عنه، وفسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الإحسان بقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : أن تعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» تفسير : {ٱلْحُسْنَىٰ} أي المنزلة الحسنى وهي الجنة {وَزِيَادَةٌ} وهي النظر إلى وجه ربهم الكريم جل جلاله وهو التفسير المأثور عن أبـي بكر وعلي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وحذيفة وابن مسعود وأبـي موسى الأشعري وخلق آخرين، وروي مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق شتى، وقد أخرج الطيالسي وأحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم / وابن خزيمة وابن حبان وأبو الشيخ والدارقطني في «الرؤية» وابن مردويه والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن صهيب «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} الخ فقال إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة أن لكم عند الله تعالى موعداً يريد أن ينجزكموه فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه سبحانه فوالله ما أعطاهم الله تعالى شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم» تفسير : فحكاية هذا التفسير بقيل كما فعل البيضاوي عفا الله تعالى عنه مما لا ينبغي، وقول الزمخشري عامله الله تعالى بعدله: إن الحديث مرقوع ـ بالقاف ـ أي مفترى لا يصدر إلا عن رقيع فإنه متفق على صحته وقد أخرجه حفاظ ليس فيهم ما يقال. نعم جاء في تفسير ذلك غير ما ذكر لكن ليس في هذه الدرجة من الصحة ولا رفع فيه صريحاً، فقد أخرج ابن جرير عن مجاهد قال: الزيادة المغفرة والرضوان، وأخرج عن الحسن أنها تضعيف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وأخرج عن ابن زيد أنها أن لا يحاسبهم على ما أعطاهم في الدنيا، وأخرج عن الحكم بن عتيبة عن علي كرم الله تعالى وجهه أنها غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب. وتعقبه ابن الجوزي بأنه لا يصح، وقيل: الزيادة أن تمر السحابة بهم فتقول: ما تريدون أن أمطركم فلا يريدون شيئاً إلا أمطرتهم. وجمع بعضهم بين الروايات بأنه لا مانع من أن يمن الله تعالى عليهم بكل ما ذكر ويصدق عليه أنه زيادة على ما من به عليهم من الجنة، وأيد ذلك بما أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي عن سفيان أنه قال: ليس في تفسيرالقرآن اختلاف إنما هو كلام جامع يراد به هذا وهذا، والذي حمل الزمخشري على عدم الاعتماد على الروايات الناطقة بحمل الزيادة على رؤية الله تعالى زعمه الفاسد كأصحابه أن الله تعالى لا يرى وقد علمت منشأ ذلك الزعم وقد رده أهل السنة بوجوه. {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ} أي لا يغشاها غبرة ما فيها سواد ولا أثر هوان ما وكسوف بال، والمعنى لا يعرض عليهم ما يعرض لأهل النار أو لا يعرض لهم ما يوجب ذلك من الحزن وسوء الحال، والكلام على الأول حقيقة وعلى الثاني كناية لأن عدم غشيان ذلك لازم لعدم غشيان ما يوجبهما فذكر اللازم لينتقل منه إلى الملزوم، ورجح هذا بأنه أمدح، والمقصود بيان خلوص نعيمهم من شوائب المكاره إثر بيان ما من سبحانه به عليهم من النعيم، وقيل: إن ذكر ذلك لتذكيرهم بما ينقذهم منه فإنهم إذا ذكروا ذلك زاد ابتهاجهم ومسرتهم كما أن أهل النار فإن الإنسان متى علم أن عدوه في الهوان وسوء الحال ازداد سروراً، وقد شاهدنا من يكتفي بمضرة عدوه عن حصول المنفعة له بل من يسره ضرر عدوه وإن تضرر هو. وتقديم المفعول على الفاعل للاهتمام ببيان أن المصون من الرهق أشرف أعضائهم وللتشويق إلى المؤخر ولأن في الفاعل ضرب تفصيل. {أُوْلَـٰئِكَ} أي المذكورون باعتبار اتصافهم بما تقدم {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} دائمون بلا زوال ويلزم ذلك عدم زوال نعيمها.
سيد قطب
تفسير : هذا الدرس كله لمسات وجدانية متتابعة، تنتهي كلها إلى هدف واحد: مواجهة الفطرة البشرية بدلائل توحيد الله وصدق الرسول، واليقين باليوم الآخر. والعدل فيه. لمسات وجدانية تأخذ النفس من أقطارها، وتأخذ بها إلى أقطار الكون، في جولة واسعة شاملة. جولة من الأرض إلى السماء. ومن آفاق الكون إلى آفاق النفس. ومن ماضي القرون إلى الحاضر القريب. ومن الدنيا إلى الآخرة.. في سياق.. وفي الدرس الماضي لمسات من هذه، وجولات من هذه.. ولكنها في هذا الدرس أظهر.. فمن معرض الحشر، إلى مشاهد الكون، إلى ذات النفس، إلى التحدي بالقرآن، إلى التذكير بمصائر المكذبين من الماضين. ومن ثم لمحة عابرة من الحشر في مشهد جديد، إلى تخويف من المفاجأة بالعذاب في صورة موحية للحس بالتوجس، إلى تصوير علم الله الشامل الذي لا يند عنه شيء، إلى بعض آيات الله في الكون، إلى الإنذار بما ينتظر المفترين على الله يوم الحساب.. إنها جملة من اللمسات العميقة الصادقة، لا تملك فطرة سليمة التلقي، صحيحة الاستجابة، ألا تستجيب لها، وألا تتذاوب الحواجز والموانع فيها دون هذا الفيض من المؤثرات المستمدة من الحقائق الواقعة، ومن فطرة الكون وفطرة النفس وطبائع الوجود.. لقد كان الكفار صادقين في إحساسهم بخطر القرآن على صفوفهم وهم يتناهون عن الاستماع إليه خيفة أن يجرفهم تأثيره ويزلزل قلوبهم! وهم يريدون أن يظلوا على الشرك صامدين! {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة، ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة، أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون. والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة، ما لهم من الله من عاصم، كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.. كانت آخر آية في الدرس السابق:{أية : والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط المستقيم }.. تفسير : فهنا يبين عن قواعد الجزاء للمهتدين ولغير المهتدين. ويكشف عن رحمة الله وفضله، وعن قسطه وعدله في جزاء هؤلاء وهؤلاء. فأما الذين أحسنوا. أحسنوا الاعتقاد، وأحسنوا العمل، وأحسنوا معرفة الصراط المستقيم، وإدراك القانون الكوني المؤدي إلى دار السلام.. فأما هؤلاء فلهم الحسنى جزاء ما أحسنوا، وعليها زيادة من فضل الله غير محدودة: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}.. وهم ناجون من كربات يوم الحشر، ومن أهوال الموقف قبل أن يفصل في أمر الخلق: {ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة}.. والقتر: الغبار والسواد وكدرة اللون من الحزن أو الضيق. والذلة: الانكسار والمهانة أو الإهانة. فلا يغشى وجوههم قتر ولا تكسو ملامحهم الذلة.. والتعبير يوحي بأن في الموقف من الزحام والهول والكرب والخوف والمهانة ما يخلع آثاره على الوجوه، فالنجاة من هذا كله غنيمة، وفضل من الله يضاف إلى الجزاء المزيد فيه.. {أولئك}.. أصحاب هذه المنزلة العالية البعيدة الآفاق {أصحاب الجنة} وملاكها ورفاقها {هم فيها خالدون}. {والذين كسبوا السيئات}.. فكانت هي الربح الذي خرجوا به من صفقة الحياة! هؤلاء ينالهم عدل الله، فلا يضاعف لهم الجزاء، ولا يزاد عليهم السوء. ولكن: {جزاء سيئة بمثلها}.. {وترهقهم ذلة}.. تغشاهم وتركبهم وتكربهم. {ما لهم من الله من عاصم}.. يعصمهم ويمنعهم من المصير المحتوم، نفاذاً لسنة الله الكونية فيمن يحيد عن الطريق، ويخالف الناموس.. ثم يرسم السياق صورة حسية للظلام النفسي والكدرة التي تغشى وجه المكروب المأخوذ المرعوب: {كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً}.. كأنما أخذ من الليل المظلم فقطع رقعاً غشيت بها هذه الوجوه! وهكذا يغشى الجو كله ظلام من ظلام الليل المظلم ورهبة من رهبته، تبدو فيه هذه الوجوه ملفعة بأغشية من هذا الليل البهيم.. {أولئك}.. المبعدون في هذا الظلام والقتام {أصحاب النار}.. ملاكها ورفاقها {هم فيها خالدون}. ولكن أين الشركاء والشفعاء؟ وكيف لم يعصموهم من دون الله؟ هذه هي قصتهم في يوم الحشر العصيب: {ويوم نحشرهم جميعاً، ثم نقول للذين أشركوا: مكانكم أنتم وشركاؤكم. فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم: ما كنتم إيانا تعبدون. فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين.. هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت، وردوا إلى الله مولاهم الحق. وضل عنهم ما كانوا يفترون}.. هذه هي قصة الشفعاء والشركاء في مشهد من مشاهد القيامة، مشهد حي أبلغ من الإخبار المجرد بأن الشركاء والشفعاء لن يعصموا عبادهم من الله، ولن يملكوا لهم خلاصاً ولا نجاة. هؤلاء هم محشورون جميعاً.. الكفار والشركاء.. وهم كانوا يزعمونهم شركاء لله، ولكن القرآن يسميهم {شركاءهم} تهكماً من وجهة، وإشارة إلى أنهم من صنعهم هم ولم يكونوا يوماً شركاء لله. هؤلاء هم جميعاً كفاراً وشركاء. يصدر إليهم الأمر: {مكانكم أنتم وشركاؤكم}.. قفوا حيث أنتم. ولا بد أن يكونوا قد تسمروا في أماكنهم! فالأمر يومئذ للنفاذ. ثم فرق بينهم وبين شركائهم وحجز بينهما في الموقف: {فزيلنا بينهم}.. وعندئذ لا يتكلم الذين كفروا ولكن يتكلم الشركاء يتكلمون ليبرئوا أنفسهم من الجريمة. جريمة أن عبدهم هؤلاء الكفار مع الله، أو من دون الله، وإعلان أنهم لم يعلموا بعبادتهم إياهم ولم يشعروا، فهم إذن لم يشتركوا في الجناية، ويشهدون الله وحده على ما يقولون: {وقال شركاؤهم: ما كنتم إيانا تعبدون. فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين}.. هؤلاء هم الشركاء الذين كانوا يعبدون. هؤلاء هم ضعاف يطلبون البراءة من إثم أتباعهم. ويجعلون الله وحده شهيداً، ويطلبون النجاة من إثم لم يشاركوا فيه! عندئذ، وفي هذا الموقف المكشوف، تختبر كل نفس ما أسلفت من عمل، وتدرك عاقبته إدراك الخبرة والتجربة: {هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت}.. وهنالك يتكشف الموقف عن رب واحد حق يرجع إليه الجميع، وما عداه باطل: {وردوا إلى الله مولاهم الحق}.. وهنالك لا يجد المشركون شيئاً من دعاويهم ومزاعمهم وآلهتهم، فكله شرد عنهم ولم يعد له وجود: {وضل عنهم ما كانوا يفترون}.. وهكذا يتجلى المشهد الحي، في ساحة الحشر، بكل حقائقه، وبكل وقائعه، وبكل مؤثراته واستجاباته. تعرضه تلك الكلمات القلائل، فتبلغ من النفس ما لا يبلغه الإخبار المجرد، ولا براهين الجدل الطويل! ومن جولة الحشر الذي تسقط فيه الدعاوى والأباطيل، ويتجلى فيه أن المولى هو الله المهيمن على الموقف وما فيه. إلى جولة في واقعهم الذي يعيشون فيه، وإلى أنفسهم التي يعلمونها، وإلى المشاهد التي يرونها في الحياة. بل إلى اعترافهم هم أنفسهم بأنها من أمر الله ومن خلق الله: {قل: من يرزقكم من السماء والأرض؟ أم من يملك السمع والأبصار؟ ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي؟ ومن يدبر الأمر؟ فسيقولون: الله. فقل: أفلا تتقون؟ فذلكم الله ربكم الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ فأنى تصرفون؟}.. ولقد مر أن مشركي العرب لم يكونوا ينكرون وجود الله، ولا أنه الخالق، والرازق، والمدبر. إنما كانوا يتخذون الشركاء للزلفى، أو يعتقدون أن لهم قدرة إلى جانب قدرة الله. فهو هنا يأخذهم بما يعتقدونه هم أنفسهم، ليصحح لهم - عن طريق إيقاظ وعيهم وتدبرهم ومنطقهم الفطري - ذلك الخلط والضلال. {قل: من يرزقكم من السماء والأرض؟}.. من المطر الذي يحيي الأرض وينبت الزرع، ومن طعام الأرض نباتها وطيرها وأسماكها وحيوانها، ثم سائر ما كانوا يحصلون عليه من الأرض لهم ولأنعامهم. وذلك بطبيعة الحال ما كانوا يدركونه حينذاك من رزق السماء والأرض. وهو أوسع من ذلك بكثير. وما يزال البشر يكشفون كلما اهتدوا إلى نواميس الكون عن رزق بعد رزق في السماء والأرض، يستخدمونه أحياناً في الخير ويستخدمونه أحياناً في الشر حسبما تسلم عقادهم أو تعتل. وكله من رزق الله المسخر للإنسان. فمن سطح الأرض أرزاق ومن جوفها أرزاق. ومن سطح الماء أرزاق ومن أعماقه أرزاق. ومن أشعة الشمس أرزاق ومن ضوء القمر أرزاق. حتى عفن الأرض كشف فيه عن دواء وترياق! {أم من يملك السمع والأبصار؟}.. يهبها القدرة على أداء وظائفها أو يحرمها، ويصححها أو يمرضها، ويصرفها إلى العمل أو يلهيها، ويسمعها ويريها ما تحب أو ما تكره.. ذلك ما كانوا يدركونه يومئذ من ملك السمع والأبصار. وهو حسبهم لإدراك مدلول هذا السؤال وتوجيهه. وما يزال البشر يكشفون من طبيعة السمع والبصر، ومن دقائق صنع الله في هذين الجهازين ما يزيد السؤال شمولاً وسعة. وإن تركيب العين وأعصابها وكيفية إدراكها للمرئيات، أو تركيب الأذن وأجزائها وطريقة إدراكها للذبذبات، لعالم وحده يدير الرؤوس، عندما يقاس هذا الجهاز أو ذاك إلى أدق الأجهزة التي يعدها الناس من معجزات العلم في العصر الحديث! وإن كان الناس يهولهم ويروعهم ويبهرهم جهاز يصنعه الإنسان، لا يقاس في شيء إلى صنع الله. بينما هم يمرون غافلين بالبدائع الإلهية في الكون وفي أنفسهم كأنهم لا يبصرون ولا يدركون! {ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي؟}.. وكانوا يعدون الساكن هو الميت، والنامي أو المتحرك هو الحي. فكان مدلول السؤال عندهم مشهوداً في خروج النبتة من الحبة، والحبة من النبتة، وخروج الفرخ من البيضة، والبيضة من الفرخ.. إلى آخر هذه المشاهدات. وهو عندهم عجيب. وهو في ذاته عجيب حتى بعد أن عرف أن الحبة والبيضة وأمثالهما ليست في الموتى بل في الأحياء؛ بما فيها من حياة كامنة واستعداد. فإن كمون الحياة بكل استعداداتها ووراثاتها وسماتها وشياتها لأعجب العجب الذي تصنعه قدرة الله.. وإن وقفة أمام الحبة والنواة، تخرج منهما النبتة والنخلة، أو أمام البيضة والبويضة يخرج منهما الفرخ والإنسان، لكافية لاستغراق حياة في التأمل والارتعاش! وإلا فأين كانت تكمن السنبلة في الحبة؟ وأين كان يكمن العود؟ وأين كانت تلك الجذور والساق والأوراق؟.. وأين في النواة كان يكمن اللب واللحاء، والساق السامقة والعراجين والألياف؟ وأين يكمن كان الطعم والنكهة واللون والرائحة، والبلح والتمر، والرطب والبسر...؟ وأين في البيضة كان الفرخ؟ وأين يكمن كان العظم واللحم، والزغب والريش، واللون والشيات، والرفرفة والصوات...؟ وأين في البويضة كان الكائن البشري العجيب؟ أين كانت تكمن ملامحه وسماته المنقولة عن وراثات موغلة في الماضي متشعبة المنابع والنواحي؟ أين كانت نبرات الصوت، ونظرات العين، ولفتات الجيد، واستعدادات الأعصاب، ووراثات الجنس والعائلة والوالدين؟ وأين أين كانت تكمن الصفات والسمات والشيات؟ وهل يكفي أن نقول: إن هذا العالم المترامي الأطراف كان كامناً في النبتة والنواة وفي البيضة والبويضة، لينقضي العجب العاجب الذي لا تفسير له ولا تأويل إلا قدرة الله وتدبير الله؟ وما يزال البشر يكشفون من أسرار الموت وأسرار الحياة، وإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي، وتحول العناصر في مراحل إلى موت أو حياة، ما يزيد مساحة السؤال وعمقه وشموله كل يوم وكل لحظة. وإن تحول الطعام الذي يموت بالطهي والنار إلى دم حي في الجسم الحي، وتحول هذا الدم إلى فضلات ميتة بالاحتراق، لأعجوبة يتسع العجب منها كلما زاد العلم بها. وهي بعد كائنة في كل لحظة آناء الليل وأطراف النهار. وإن الحياة لأعجوبة غامضة مثيرة تواجه الكينونة البشرية كلها بعلامات استفهام لا جواب عليها كلها إلا أن يكون هناك إله، يهب الحياة! {ومن يدبر الأمر؟}.. في هذا الذي ذكر كله وفي سواه من شؤون الكون وشؤون البشر؟ من يدبر الناموس الكوني الذي ينظم حركة هذه الأفلاك على هذا النحو الدقيق؟ ومن يدبر حركة هذه الحياة فتمضي في طريقها المرسوم بهذا النظام اللطيف العميق؟ ومن يدبر السنن الاجتماعية التي تصرف حياة البشر، والتي لا تخطئ مرة ولا تحيد؟ ومن ومن؟ {فسيقولون الله}.. فهم لم يكونوا ينكرون وجود الله، أو ينكرون يده في هذه الشؤون الكبار. ولكن انحراف الفطرة كان يقودهم مع هذا الاعتراف إلى الشرك بالله، فيتوجهون بالشعائر إلى سواه، كما يتبعون شرائع لم يأذن بها الله. {فقل: أفلا تتقون؟}.. أفلا تخشون الله الذي يرزقكم من السماء والأرض، والذي يملك السمع والأبصار، والذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، والذي يدبر الأمر كله في هذا وفي سواه؟ إن الذي يملك هذا كله لهو الله، وهو الرب الحق دون سواه: {فذلكم الله ربكم الحق}.. والحق واحد لا يتعدد، ومن تجاوزه فقد وقع على الباطل، وقد ضل التقدير: {فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ فأنى تصرفون}.. وكيف توجهون بعيداً عن الحق وهو واضح بين تراه العيون؟ بمثل هذا الانصراف عن الحق الواضح الذي يعترف المشركون بمقدماته وينكرون نتائجة اللازمة، ولا يقومون بمقتضياته الواجبة، قدر الله في سننه ونواميسه أن الذين يفسقون وينحرفون عن منطق الفطرة السليم وسنة الخلق الماضية لا يؤمنون: {كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون}.. لا لأنه يمنعهم من الإيمان. فهذه دلائله قائمة في الكون، وهذه مقدماته قائمة في اعتقادهم. ولكن لأنهم هم يحيدون عن الطريق الموصل إلى الإيمان، ويجحدون المقدمات التي في أيديهم، ويصرفون أنفسهم عن الدلائل المشهودة لهم، ويعطلون منطق الفطرة القويم فيهم. ثم عودة إلى مظاهر قدرة الله، وهل للشركاء فيها من نصيب. {قل: هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده؟ قل: الله يبدأ الخلق ثم يعيده. فأنى تؤفكون؟ قل: هل من شركائكم من يهدي إلى الحق؟ قل: الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدِّي إلا أن يهدى؟ فما لكم؟ كيف تحكمون؟}.. وهذه الأمور المسؤول عنها - من إعادة الخلق وهدايتهم إلى الحق - ليست من بدائه مشاهداتهم ولا من مسلمات اعتقاداتهم كالأولى. ولكنه يوجه إليهم فيها السؤال ارتكاناً على مسلماتهم الأولى، فهي من مقتضياتها بشيء من التفكر والتدبر. ثم لا يطلب إليهم الجواب، إنما يقرره لهم اعتماداً على وضوح النتائج بعد تسليمهم بالمقدمات. {قل: هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده؟}.. وهم مسلمون بأن الله هو الذي يبدأ الخلق غير مسلمين بإعادته، ولا بالبعث والنشور والحساب والجزاء.. ولكن حكمة الخالق المدبر لا تكمل بمجرد بدء الخلق؛ ثم انتهاء حياة المخلوقين في هذه الأرض، ولم يبلغوا الكمال المقدر لهم، ولم يلقوا جزاء إحسانهم وإساءتهم، وسيرهم على النهج أو انحرافهم عنه. إنها رحلة ناقصة لا تليق بخالق مدبر حكيم. وإن الحياة الآخرة لضرورة من ضرورات الاعتقاد في حكمة الخالق وتدبيره وعدله ورحمته. ولا بد من تقرير هذه الحقيقة لهم وهم الذين يعقتدون بأن الله هو الخالق، وهم الذين يسلمون كذلك بأنه يخرج الحي من الميت. والحياة الأخرة قريبة الشبه بإخراج الحي من الميت الذي يسلمون به: {قل: الله يبدأ الخلق ثم يعيده}.. وإنه لعجيب أن يصرفوا عن إدراك هذه الحقيقة ولديهم مقدماتها: {فأنى تؤفكون}.. فتوجهون بعيداً عن الحق إلى الإفك وتضلون؟ {قل: هل من شركائكم من يهدي إلى الحق؟}.. فينزل كتاباً، ويرسل رسولاً، ويضع نظاماً، ويشرع شريعة، وينذر ويوجه إلى الخير؛ ويكشف عن آيات الله في الكون والنفس؛ ويوقظ القلوب الغافلة، ويحرك المدارك المعطلة. كما هو معهود لكم من الله ومن رسوله الذي جاءكم بهذا كله وعرضه عليكم لتهتدوا إلى الحق؟ وهذه قضية ليست من سابق مسلماتهم، ولكن وقائعها حاضرة بين أيديهم. فليقررها لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وليأخذهم بها: {قل: الله يهدي للحق}.. ومن هذه تنشأ قضية جديدة، جوابها مقرر: {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع؟ أم من لا يهدي إلا أن يهدى؟}.. والجواب مقرر. فالذي يهدي الناس إلى الحق أولى بالاتباع، ممن لا يهتدي هو بنفسه إلا أن يهديه غيره.. وهذا ينطبق سواء كان المعبودون حجارة أو أشجاراً أو كواكب. أو كانوا من البشر - بما في ذلك عيسى عليه السلام، فهو ببشريته محتاج إلى هداية الله له، وإن كان هو قد بعث هادياً للناس - ومن عدا عيسى عليه السلام أولى بانطباق هذه الحقيقة عليه: {فما لكم؟ كيف تحكمون؟}.. ما الذي وقع لكم وما الذي أصابكم؟ وكيف تقدرون الأمور، فتحيدون عن الحق الواضح المبين؟ فإذا فرغ من سؤالهم وإجابتهم، وتقرير الإجابة المفروضة التي تحتّمها البديهة وتحتّمها المقدمات المسلمة.. عقب على هذا بتقرير واقعهم في النظر والاستدلال والحكم والاعتقاد. فهم لا يستندون إلى يقين فيما يعتقدون أو يعبدون أو يحكمون، ولا إلى حقائق مدروسة يطمئن إليها العقل والفطرة، إنما يتعلقون بأوهام وظنون، يعيشون عليها ويعيشون بها؛ وهي لا تغني من الحق شيئا. {وما يتبع أكثرهم إلا ظناً، إن الظن لا يغني من الحق شيئاً. إن الله عليم بما يفعلون..}. فهم يظنون أن لله شركاء. ولا يحققون هذا الظن ولا يمتحنونه عملاً ولا عقلاً. وهم يظنون أن آباءهم ما كانوا ليعبدوا هذه الأصنام لو لم يكن فيها ما يستحق العبادة: ولا يمتحنون هم هذه الخرافة، ولا يطلقون عقولهم من إسار التقليد الظني. وهم يظنون أن الله لا يوحي إلى رجل منهم، ولا يحققون لماذا يمتنع هذا على الله. وهم يظنون أن القرآن من عمل محمد ولا يحققون إن كان محمد - وهو بشر - قادراً على تأليف هذا القرآن، بينما هم لا يقدرون وهم بشر مثله.. وهكذا يعيشون في مجموعة من الظنون لا تحقق لهم من الحق شيئاً. والله وحده هو الذي يعلم علم اليقين أفعالهم وأعمالهم.. {إن الله عليم بما يفعلون}.. وتفريعاً على هذا التعقيب، يأخذ بهم السياق في جولة جديدة حول القرآن تبدأ بنفي التصور لإمكان أن يكون القرآن مفترى من دون الله، وتحديهم أن يأتوا بسورة مثله. وتثني بوصمهم بالتسرع في الحكم على ما لم يعلموه يقيناً أو يحققوه. وتثلث بإثبات حالتهم في مواجهة هذا القرآن، وتثبيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - على خطته أياً كانت استجابتهم أو عدم استجابتهم له، وتنتهي بالتيئيس من الفريق الضال والإيماء إلى مصيرهم الذي لا يظلمهم الله فيه؛ وإنما يستحقونه بما هم فيه من ضلال: {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله؛ ولكن تصديق الذي بين يديه، وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون: افتراه؟ قل: فأتوا بسورة مثله، وادعوا استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين. بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله. كذلك كذب الذين من قبلهم، فانظر كيف كان عاقبة الظالمين. ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به، وربك أعلم بالمفسدين. وإن كذبوك فقل: لي عملي ولكم عملكم؛ أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون. ومنهم من يستمعون إليك، أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون؟ ومنهم من ينظر إليك، أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون؟ إن الله لا يظلم الناس شيئاً. ولكن الناس أنفسهم يظلمون}.. {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله}.. فهو بخصائصه، الموضوعية والتعبيرية. بهذا الكمال في تناسقه؛ وبهذا الكمال في العقيدة التي جاء بها وفي النظام الإنساني الذي يتضمن قواعده؛ وبهذا الكمال في تصوير حقيقة الألوهية، وفي تصوير طبيعة البشر، وطبيعة الحياة، وطبيعة الكون.. لا يمكن أن يكون مفترى من دون الله، لأن قدرة واحدة هي التي تملك الإتيان به هي قدرة الله. القدرة التي تحيط بالأوئل والأواخر، وبالظواهر والسرائر، وتضع المنهج المبرأ من القصور والنقص من آثار الجهل والعجز.. {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله}.. ما كان من شأنه أصلاً أن يفترى. فليس الافتراء هو المنفي، ولكن جواز وجوده هو المنفي. وهو أبلغ في النفي وأبعد. {ولكن تصديق الذي بين يديه}.. من الكتب التي سبق بها الرسل. تصديقها في أصل العقيدة، وفي الدعوة إلى الخير. {وتفصيل الكتاب}.. الواحد الذي جاء به الرسل جميعاً من عند الله، تتفق أصوله وتختلف تفصيلاته.. وهذا القرآن يفصل كتاب الله ويبين وسائل الخير الذي جاء به، ووسائل تحقيقه وصيانته. فالعقيدة في الله واحدة، والدعوة إلى الخير واحدة. ولكن صورة هذا الخير فيها تفصيل، والتشريع الذي يحققه فيه تفصيل، يناسب نمو البشرية وقتها، وتطورات البشرية بعدها، بعد أن بلغت سن الرشد فخوطبت بالقرآن خطاب الراشدين، ولم تخاطب بالخوارق المادية التي لا سبيل فيها للعقل والتفكير. {لا ريب فيه، من رب العالمين}.. تقرير وتوكيد لنفي جواز افترائه عن طريق إثبات مصدره: {من رب العالمين}.. {أم يقولون افتراه؟}. بعد هذا النفي والتقرير، فهو إذان من صنع محمد، ومحمد بشر ينطق باللغة التي ينطقون بها، ولا يملك من حروفها إلا ما يملكون. (ألف. لام. ميم).. (ألف. لام. را.).. (ألف. لام. ميم. صاد)... الخ. فدونهم إذن - ومعهم من يستطيعون جمعهم - فليفتروا، كما افترى (زعمهم) محمد. فليفتروا سورة واحدة لا قرآناً كاملاً: {قل: فأتوا بسورة مثله، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين}.. وقد ثبت هذا التحدي؛ وثبت العجز عنه، وما يزال ثابتاً ولن يزال. والذين يدركون بلاغة هذه اللغة، ويتذوقون الجمال الفني والتناسق فيها، يدركون أن هذا النسق من القول لا يستطيعه إنسان. وكذلك الذين يدرسون النظم الاجتماعية، والأصول التشريعية، ويدرسون النظام الذي جاء به هذا القرآن، يدركون أن النظرة فيه إلى تنظيم الجماعة الإنسانية ومقتضيات حياتها من جميع جوانبها، والفرص المدخرة فيه لمواجهة الأطوار والتقلبات في يسر ومرونة.. كل أولئك أكبر من أن يحيط به عقل بشري واحد، أو مجموعة العقول في جيل واحد او في جميع الأجيال. ومثلهم الذين يدرسون النفس الإنسانية ووسائل الأصول إلى التأثير فيها وتوجيهها ثم يدرسون وسائل القرآن وأساليبه.. فليس هو إعجاز اللفظ والتعبير وأسلوب الأداء وحده، ولكنه الاعجاز المطلق الذي يلمسه الخبراء في هذا وفي النظم والتشريعات والنفسيات وما إليها.. والذين زاولوا فن التعبير، والذين لهم بصر بالأداء الفني، يدركون أكثر من غيرهم مدى ما في الأداء القرآني من إعجاز في هذا الجانب. والذين زاولوا التفكير الاجتماعي والقانوني والنفسي، والإنساني بصفة عامة، يدركون أكثر من غيرهم مدى الإعجاز الموضوعي في هذا الكتاب أيضاً. ومع تقدير العجز سلفاً عن بيان حقيقة هذا الإعجاز ومداه؛ والعجز عن تصويره بالأسلوب البشري. ومع تقدير أن الحديث المفصل عن هذا الإعجاز - في حدود الطاقة البشرية - هو موضوع كتاب مستقل. فسأحاول هنا أن ألم إلمامة خاطفة بشيء من هذا.. إن الأداء القرآني يمتاز ويتميز من الأداء البشري.. إن له سلطاناً عجيباً على القلوب ليس للأداء البشري؛ حتى ليبلغ أحياناً أن يؤثر بتلاوته المجردة على الذين لا يعرفون من العربية حرفاً.. وهناك حوادث عجيبة لا يمكن تفسيرها بغير هذا الذي نقول - وإن لم تكن هي القاعدة - ولكن وقوعها يحتاج إلى تفسير وتعليل.. ولن أذكر نماذج مما وقع لغيري؛ ولكني أذكر حادثاً وقع لي وكان عليه معي شهود ستة، وذلك منذ حوالي خمسة عشر عاماً.. كنا ستة نفر من المنتسبين إلى الإسلام على ظهر سفينة مصرية تمخر بنا عباب المحيط الأطلسي إلى نيويورك؛ من بين عشرين ومائة راكب وراكبة أجانب ليس فيهم مسلم.. وخطر لنا أن نقيم صلاة الجمعة في المحيط على ظهر السفينة! والله يعلم - أنه لم يكن بنا أن نقيم الصلاة ذاتها أكثر مما كان بنا حماسة دينية إزاء مبشر كان يزاول عمله على ظهر السفينة؛ وحاول أن يزاول تبشيره معنا!.. وقد يسر لنا قائد السفينة - وكان إنجليزياً - أن نقيم صلاتنا؛ وسمح لبحارة السفينة وطهاتها وخدمها - وكلهم نوبيون مسلمون - أن يصلي منهم معنا من لا يكون في "الخدمة" وقت الصلاة! وقد فرحوا بهذا فرحاً شديداً، إذ كانت المرة الأولى التي تقام فيها صلاة الجمعة على ظهر السفينة.. وقمت بخطبة الجمعة وإمامة الصلاة؛ والركاب الأجانب - معظمهم - متحلقون يرقبون صلاتنا!.. وبعد الصلاة جاءنا كثيرون منهم يهنئوننا على نجاح "القدَّاس!!! فقد كان هذا أقصى ما يفهمونه من صلاتنا! ولكن سيدة من هذا الحشد - عرفنا فيما بعد أنها يوغسلافية مسيحية هاربة من جحيم "تيتو" وشيوعيته! - كانت شديدة التأثر والانفعال، تفيض عيناها بالدمع ولا تتمالك مشاعرها. جاءت تشد على أيدينا بحرارة؛ وتقول: - في إنجليزية ضعيفة - إنها لا تملك نفسها من التأثر العميق بصلاتنا هذه وما فيها من خشوع ونظام وروح!.. وليس هذا موضع الشاهد في القصة.. ولكن ذلك كان في قولها: أي لغة هذه التي كان يتحدث بها "قسيسكم"! فالمسكينة لا تتصور أن يقيم "الصلاة" إلا قسيس - أو رجل دين - كما هو الحال عندها في مسيحية الكنيسة! وقد صححنا لها هذا الفهم!.. وأجبناها: فقالت: إن اللغة التي يتحدث بها ذات إيقاع موسيقي عجيب، وإن كنت لم أفهم منها حرفاً.. ثم كانت المفاجأة الحقيقية لنا وهي تقول: ولكن هذا ليس الموضوع الذي أريد أن أسأل عنه.. إن الموضوع الذي لفت حسي، هو أن "الإمام" كانت ترد في أثناء كلامه - بهذه اللغة الموسيقية - فقرات من نوع آخر غير بقية كلامه! نوع أكثر موسيقية وأعمق إيقاعاً.. هذه الفقرات الخاصة كانت تحدث في رعشة وقشعريرة! إنها شيء آخر! كما لو كان - الإمام - مملوءاً من الروح القدس! - حسب تعبيرها المستمد من مسيحيتها! - وتفكرنا قليلاً. ثم أدركنا أنها تعني الآيات القرآنية التي وردت في أثناء خطبة الجمعة وفي أثناء الصلاة! وكانت - مع ذلك - مفاجأة لنا تدعو إلى الدهشة، من سيدة لا تفهم مما تقول شيئاً! وليست هذه قاعدة كما قلت. ولكن وقوع هذه الحادثة - ووقوع أمثالها مما ذكره لي غير واحد - ذو دلالة على أن في هذا القرآن سرّاً آخر تلتقطه بعض القلوب لمجرد تلاوته. وقد يكون إيمان هذه السيدة بدينها، وفرارها من الجحيم الشيوعي في بلادها، قد أرهف حسها بكلمات الله على هذا النحو العجيب.. ولكن ما بالنا نعجب وعشرات الألوف ممن يستمعون إلى القرآن من عوامنا لا يطرق عقولهم منه شيء، ولكن يطرق قلوبهم إيقاعه - وسره هذا - وهم لا يفترقون كثيراً من ناحية فهم لغة القرآن عن هذه السيدة اليوغسلافيةّ!!! ولقد أردت أن أقدم للحديث عن القرآن بسلطانه هذا الخفي العجيب. قبل أن أتحدث عن الجوانب المدركة التي يعرفها أكثر من غيرهم من يزاولون فن التعبير. ومن يزاولون التفكير والشعور! * إن الأداء القرآني يمتاز بالتعبير عن قضايا ومدلولات ضخمة في حيز يستحيل على البشر أن يعبروا فيه عن مثل هذه الأغراض، وذلك بأوسع مدلول، وأدق تعبير، وأجمله وأحياه أيضاً! مع التناسق العجيب بين المدلول والعبارة والإيقاع والظلال والجو. ومع جمال التعبير دقة الدلالة في آن واحد، بحيث لا يغني لفظ عن لفظ في موضعه، وبحيث لا يجور الجمال على الدقة ولا الدقة على الجمال. ويبلغ من ذلك كله مستوى لا يدرك إعجازه أحد، كما يدرك ذلك من يزاولون فن التعبير فعلاً؛ لأن هؤلاء هم الذين يدركون حدود الطاقة البشرية في هذا المجال. ومن ثم يتبينون بوضوح أن هذا المستوى فوق الطاقة البشرية قطعاً. * وينشأ عن هذه الظاهرة ظاهرة أخرى في الأداء القرآني.. هي أن النص الواحد يحوي مدلولات متنوعة متناسقة في النص؛ وكل مدلول منها يستوفي حظه من البيان والوضوح دون اضطراب في الأداء أو اختلاط بين المدلولات؛ وكل قضية وكل حقيقة تنال الحيز الذي يناسبها. بحيث يستشهد بالنص الواحد في مجالات شتى؛ ويبدو في كل مرة أصيلاً في الموضع الذي استشهد به فيه؛ وكأنما هو مصوغ ابتداء لهذا المجال ولهذا الموضع! وهي ظاهرة قرآنية بارزة لا تحتاج منا إلى أكثر من الإشارة إليها (ولو راجع القارئ المقتطفات الواردة في التعريف بهذه السورة لوجد أن النص الواحد يرد للدلالة على أغراض شتى، وهو في كل مرة أصيل في موضعه تماماً. وليس هذا إلا مثالاً). * وللأداء القرآني طابع بارز كذلك في القدرة على استحضار المشاهد، والتعبير المواجه كا لو كان المشهد حاضراً، بطريقة ليست معهودة على الإطلاق في كلام البشر؛ ولا يملك الأداء البشري تقليدها. لأنه يبدو في هذه الحالة مضطرباً غير مستقيم مع أسلوب الكتابة! وإلا فكيف يمكن للأداء البشري أن يعبر على طريقة الأداء القرآني مثلاً في مثل هذه المواضع: {أية : وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده - بغياً وعدواً - حتى إذا أدركه الغرق قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين}.. تفسير : (وإلى هنا هي قصة تحكى.. ثم يعقبها مباشرة خطاب موجه في مشهد حاضر..{أية : آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين؟! فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية}..تفسير : ثم يعود الأداء للتعقيب على المشهد الحاضر:{أية : وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون }.. {أية : قل: أي شيء أكبر شهادة. قل الله، شهيد بيني وبينكم، وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ}تفسير : وإلى هنا أمر يوجه ورسول يتلقى.. ثم فجأة نجد الرسول يسأل القوم:{أية : أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى؟}تفسير : وإذا به يعود للتلقي في شأن هذا الذي سأل عنه قومه - وأجابوه! -: {أية : قل: لا أشهد. قل: إنما هو إله واحد، وإنني بريء مما تشركون }.. تفسير : وكذلك هذه الالتفاتات المتكررة في مثل هذه الآيات:{أية : ويوم يحشرهم جميعاً.. يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس.. وقال أولياؤهم من الإنس: ربنا استمتع بعضنا ببعض، وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا. قال: النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله، إن ربك حكيم عليم.. وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون.. يا معشر الجن والإنس، ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي، وينذرونكم لقاء يومكم هذا؟.. قالوا: شهدنا على أنفسنا، وغرتهم الحياة الدنيا، وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين.. ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون }.. تفسير : وأمثالها كثير في القرآن كله. وهو أسلوب متميز تماماً من الأسلوب البشري. وإلا فمن شاء أن يماري، فليحاول أن يعبر على هذا النحو، ثم ليأت بكلام مفهوم مستقيم؛ فضلاً على أن يكون له هذا الجمال الرائع، وهذا الإيقاع المؤثر، وهذا التناسق الكامل! هذه بعض جوانب الإعجاز في الأداء نلم بها سراعاً. ويبقى الإعجاز الموضوعي؛ والطابع الرباني المتميز من الطابع البشري فيه. إن هذا القرآن يخاطب الكينونة البشرية بجملتها؛ فلا يخاطب ذهنها المجرد مرة. وقلبها الشاعر مرة. وحسها المتوفز مرة. ولكنه يخاطبها جملة، ويخاطبها من أقصر طريق؛ ويطرق كل أجهزة الاستقبال والتلقي فيها مرة واحدة كلما خاطبها.. وينشئ فيها بهذا الخطاب تصورات وتأثرات وانطباعات لحقائق الوجود كلها، لا تملك وسيلة أخرى من الوسائل التي زاولها البشر في تاريخهم كله أن تنشئها بهذا العمق، وبهذا الشمول، وبهذه الدقة وهذا الوضوح، وبهذه الطريقة وهذا الأسلوب أيضاً! وأنا أستعير هنا فقرات مقتبسة من القسم الثاني من كتاب: "خصائص التصور ومقوماته" تعين على توضيح هذه الحقيقة؛ وهي تتحدث عن "المنهج القرآني في عرض مقومات التصور الإسلامي" في صورتها الجميلة الكاملة الشاملة المتناسقة المتوازنة، وأبرز خصائص هذا المنهج في العرض: أنه يمتاز عن كل المناهج: * أولاً: بكونه يعرض الحقيقة - كما هي في عالم الواقع - في الأسلوب الذي يكشف كل زواياها، وكل جوانبها، وكل ارتباطاتها، وكل مقتضياتها.. وهو - مع هذا الشمول - لا يعقد هذه الحقيقة، ولا يلفها بالضباب! بل يخاطب بها الكينونة البشرية في كل مستوياتها.. ولم يشأ الله - سبحانه - رحمة منه بالعباد أن يجعل مخاطبتهم بمقومات هذا التصور أو إدراكهم لها، متوقفاً على سابق علم لهم.. إطلاقاً.. لأن العقيدة هي حاجة حياتهم الأولى؛ والتصور الذي تنشئه في عقولهم وقلوبهم هو الذي يحدد لهم طريقة تعاملهم مع الوجود كله؛ ويحدد لهم كذلك طريقة اتجاههم لتعلم أي علم، ولطلب أية معرفة.. لهذا السبب لم يجعل الله إدراك هذه العقيدة متوقفاً على علم سابق. ولسبب آخر هو أن الله يريد أن يكون هذا التصور الذي تنشئه حقائق العقيدة هو قاعدة علم البشر ومعرفتهم - بما أنه هو قاعدة تصورهم وتفسيرهم للكون من حولهم، ولما يجري فيه ولما يجري فيهم - كي يقوم علمهم وتقوم معرفتهم على أساس من الحق المستيقن الذي ليس هنالك غيره حق مستيقن. ذلك أن كل ما يتلقاه الإنسان وكل ما يصل إليه - عن غير هذا المصدر - هو معرفة - "ظنية" ونتائج "محتملة" لا "قطعية" حتى ذلك "العلم التجريبي". فطريق العلم التجريبي هو القياس - لا الاستقراء والاستقصاء - فما يتسنى للبشر الاستقصاء والاستقراء في أية تجربة. هذا على فرض صحة جميع الملاحظات والاستنتاجات والأحكام البشرية على الظواهر! إنما قصارى "العلم" أن يقوم بعدد من التجارب، ثم يقيس على نتائجها. والعلم نفسه يسلم بأن النتائج الناشئة عن هذا القياس ظنية محتملة لا يقينية قطعية (وذلك بالإضافة إلى أن كل تجربة على حدة، تقوم على ترجيح أحد "الاحتمالات" لا على القطع الحتمي).. فلم يبق من علم مستيقن يمكن أن يحصل عليه البشر إلا العلم الذي يأتيهم من عند العليم الخبير، والذي يقصه عليهم من يقص الحق وهو خير الفاصلين. * ثانياً: بكونه مبرأ من الانقطاع والتمزق الملحوظين في الدراسات "العلمية" والتأملات "الفلسفية" والومضات "الفنية" جميعاً. فهو لا يفرد كل جانب من جوانب (الكل) الجميل المتناسق بحديث مستقل. كما تصنع أساليب الأداء البشرية. وإنما هو يعرض هذه الجوانب في سياق موصول؛ يرتبط فيه عالم الشهادة بعالم الغيب. وتتصل فيه حقائق الكون والحياة والإنسان بحقيقة الألوهية. وتتصل فيه الدنيا بالآخرة. وحياة الناس في الأرض بحياة الملأ الأعلى.. في أسلوب تتعذر مجاراته أو تقليده؛ لأن الأسلوب البشري عندما يحاول تقليده في هذه الخاصية تبدو فيه الحقائق مختلطة مضطربة غامضة، غير واضحة ولا محددة ولا منسقة، كما تبدو في المنهج القرآني! "وهذا الاتصال والارتباط في عرض جملة الحقائق في السياق القرآني الواحد؛ قد يختلف فيه التركيز على أي منها بين موضع وموضع. ولكن هذا الترابط يبدو دائماً. فعندما يكون التركيز في موضع من السياق القرآني مثلاً على تعريف الناس بربهم الحق، تتجلى هذه الحقيقة الكبيرة في آثار القدرة الإلهية الفاعلة في الكون والحياة والإنسان. في عالم الغيب وعالم الشهادة سواء.. وعندما يكون التركيز في موضع آخر على التعريف بحقيقة الكون، تتجلى العلاقة بين "حقيقة الألوهية" و "حقيقة الكون"، ويتطرق السياق كثيراً إلى حقيقة الحياة والأحياء، وإلى سنن الله في الكون والحياة.. وعندما يكون التركيز على "حقيقة الإنسان" يتجلى ارتباطها بحقيقة الألوهية وبالكون والأحياء، وبعالم الغيب وعالم الشهادة على السواء.. وعندما يكون التركيز على الدار الآخرة تذكر الحياة الدنيا وترتبطان بالله وبسائر الحقائق الأخرى.. وكذلك عندما يكون التركيز على قضايا الحياة الدنيا.. إلى آخر هذا النسق من العرض، الواضح الملامح في القرآن. * ثالثاً: بكونه - مع تماسك جوانب "الحقيقة" وتناسقها - يحافظ تماماً على إعطاء كل جانب من جوانبها - في الكل المتناسق - مساحته التي تساوي وزنه الحقيقي في ميزان الله - وهو الميزان - ومن ثم تبدو "حقيقة الألوهية" وخصائصها، وقضية "الألوهية والعبودية" بارزة مسيطرة محيطة شاملة؛ حتى ليبدو أن التعريف بتلك الحقيقة وتجلية هذه القضية هو موضوع القرآن الأساسي.. وتشغل حقيقة عالم الغيب - بما فيه القدر والدار الآخرة - مساحة بارزة. ثم تنال حقيقة الإنسان، وحقيقة الكون، وحقيقة الحياة، أنصبة متناسقة تناسق هذه الحقائق في عالم الواقع.. وهكذا لا تدغم حقيقة من الحقائق، ولا تهمل، ولا تضيع معالمها في المشهد الكلي الذي تعرض فيه هذه الحقائق.. وكما أن هذه الحقائق لا يطغى بعضها على بعض في التصور الإسلامي ذاته - كما بينا في فصل "التوازن" في القسم الأول - حيث لا ينتهي الإعجاب بالكون المادي ودقة نواميسه وتناسق أجزائه وقوانينه إلى تألهه - كمؤلهة العوالم المادية والأكوان الطبيعية قديماً وحديثاً! - ولا ينتهي الإعجاب بعظمة الحياة واهتدائها إلى وظائفها وتناسقها مع نفسها ومع المحيط الكوني إلى تأليهها - كأصحاب المذهب الحيوي! - ولا ينتهي الإعجاب بالإنسان، وتفرده في خصائصه والاستعدادات الكامنه في كيانه المنطلقة في تعامله مع الكون، إلى تأليه الإنسان - أو العقل - في صورة من الصور - كالمثاليين في عمومهم! - ولا ينتهي الإجلال للحقيقة الإلهية في ذاتها إلى إنكار وجود العوالم المادية أو احتقارها أو احتقار الكائن الإنساني - كالمذاهب الهندوكية والبوذية والنصرانية المحرفة -.. كما أن هذا التوازن هو طابع التصور الإسلامي ذاته، فكذلك هو طابع منهج العرض القرآني لمقومات هذا التصور والحقائق التي يقوم عليها بحيث تبدو كلها واضحة في المشهد الفريد الذي يرسمه للكل في السياق القرآني الواحد! وهي خاصية قرآنية لا يملكها الأداء الإنساني! * رابعاً: بتلك الحيوية الدافقة المؤثرة الموحية - مع الدقة والتقرير والتحديد الحاسم، وهي تمنح هذه الحقائق حيوية وإيقاعاً وروعة وجمالاً، لا يتسامى إليها المنهج البشري في العرض ولا الأسلوب البشري في التعبير. ثم هي في الوقت ذاته تعرض في دقة عجيبة، وتحديد حاسم؛ ومع ذلك لا تجور الدقة على الحيوية والجمال، ولا يجور التحديد على الإيقاع والروعة! "ولا يمكن أن نصف نحن في أسلوبنا البشري، ملامح المنهج القرآني، فنبلغ من ذلك ما يبلغه تذوق هذا المنهج. كما أنه لا يمكن أن نبلغ بهذا البحث كله عن "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته" شيئاً مما يبلغه القرآن في هذا الشأن.. وما نحاول تقديم هذا البحث للناس إلا لأن الناس قد بعدوا عن القرآن ببعدهم عن الحياة في مثل الجو الذي تنزل فيه القرآن؛ ولم يعودوا يزاولون تلك الملابسات، ولا يعانون تلك الاهتمامات التي كان يزاولها ويعانيها من كان يتنزل عليهم القرآن، بينما هم ينشئون المجتمع المسلم في وجه كل الملابسات القائمة حينذاك. ومن ثم لم يعد الناس قادرين على تذوق المنهج القرآني ذاته، والاستمتاع بخصائصه ومذاقاته"... انتهت المقتطفات.. والقرآن يقدم حقائق العقيدة - إحياناً - في مجالات لا يخطر للفكر البشري عادة أن يلم بها، لأنها ليست من طبيعة ما يفكر فيه عادة أو يلتفت إليه على هذا النحو. من هذا القبيل ما جاء في سورة الأنعام في تصوير حقيقة العلم الإلهي ومجالاته.. {أية : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين }.. تفسير : فهذه المطارح المترامية، الخفية والظاهرة، ليست مما يتوجه الفكر البشري إلى ارتيادها على هذا النحو؛ وهو في معرض تصوير شمول العلم؛ مهما أراد تصوير هذا الشمول. ولو أن فكراً بشرياً هو الذي يريد تصوير شمول العلم لاتجه اتجاهات أخرى تناسب اهتمامات الإنسان وطبيعة تصوراته.. وذلك كما قلنا في تفسير هذه الآية من قبل في الجزء السابع: "ننظر إلى هذه الآية القصيرة من أي جانب فنرى هذا الإعجاز الناطق بمصدر هذا القرآن. ننظر إليها من ناحية موضوعها، فنجزم للوهلة الأولى بأن هذا كلام لا يقوله بشر فليس عليه طابع البشر.. إن الفكر البشري - حين يتحدث عن مثل هذا الموضوع - موضوع شمول العلم وإحاطته - لا يرتاد هذه الآفاق.. إن مطارح الفكر البشري وانطلاقاته في هذا المجال لها طابع تآخر ولها حدود. إنه ينتزع تصوراته التي يعبر عنها من اهتماماته.. فما اهتمام الفكر البشري بتقصي وإحصاء الورق الساقط من الشجر، في كل أنحاء الأرض؟ إن المسألة لا تخطر على بال الفكر البشري ابتداء. لا يخطر على باله أن يتتبع ويحصي ذلك الورق الساقط في أنحاء الأرض. ومن ثم لا يخطر له أن يتجه هذا الاتجاه، ولا أن يعبر هذا التعبير عن العلم الشامل! إنما الورق الساقط شأن يحصيه الخالق ويعبر عنه الخالق! "وما اهتمام الفكر البشري بهذا الإطلاق: {ولا رطب ولا يابس}. إن أقصى ما يتجه إليه تفكير البشر هو الانتفاع بالرطب واليابس ما بين أيديهم.. فأما التحدث عنه كدليل للعلم الشامل فهذا ليس معهوداً في اتجاه البشر وتعبيراتهم كذلك! إنما كل رطب وكل يابس شأن يحصيه الخالق، ويعبر عنه الخالق! "ولا يفكر البشر أن تكون كل ورقة ساقطة؛ وكل حبة مخبوءة، وكل رطب وكل يابس في كتاب مبين، وفي سجل محفوظ فما شأنهم بهذا؟ وما فائدته لهم؟ وما احتفالهم بتسجيله؟ إنما الذي يحصيه ويسجله هو صاحب الملك، الذي لا يند عنه شيء في ملكه.. الصغير كالكبير، والحقير كالجليل، والمخبوء كالظاهر، والمجهول كالمعلوم، والبعيد كالقريب.. "إن هذا المشهد الشامل الواسع العميق الرائع.. مشهد الورق الساقط من شجر الأرض جميعاً، والحب المخبوء في أطواء الأرض جميعاً، والرطب واليابس في أرجاء الأرض جميعاً.. إن هذا المشهد كما أنه لا يتجه إليه الفكر البشري والاهتمام البشري؛ وكذلك لا تلحظه العين البشرية؛ ولا تلم به النظرة البشرية.. إن هذا المشهد إنما يتكشف هكذا بجملته لعلم الله وحده، المشرف على كل شيء، المحيط بكل شيء، الحافظ لكل شيء، الذي تتعلق مشيئته وقدره بكل شيء.. الصغير كالكبير، والحقير كالجليل، والمخبوء كالظاهر، والمجهول كالمعلوم، والبعيد كالقريب.. "والذين يزاولون الشعور ويزاولون التعبير من بني البشر يدركون جيداً حدود التصور البشري وحدود التعبير البشري أيضاً. ويعلمون - من تجربتهم البشرية - أن مثل هذا المشهد، لا يخطر على القلب البشري؛ كما أن مثل هذا التعبير لا يتأتى له أيضاً.. والذين يمارون في هذا عليهم أن يراجعوا قول البشر كله، ليروا إن كانوا قد اتجهوا مثل هذا الاتجاه أصلاً! "وهذه الآية وأمثالها في القرآن الكريم تكفي وحدها لمعرفة مصدر هذا الكتاب الكريم.. "كذلك ننظر إليها من ناحية الإبداع الفني في التعبير ذاته، فنرى آفاقاً من الجمال والتناسق لا تعرفها أعمال البشر، على هذا المستوى السامق:{أية : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو}تفسير : آماد وآفاق وأغوار في "المجهول" المطلق. في الزمان والمكان، وفي الماضي و الحاضر والمستقبل وفي أحداث الحياة وتصورات الوجدان. {أية : ويعلم ما في البر والبحر}تفسير : آماد وآفاق وأغوار في "المنظور" على استواء وسعة وشمول.. تناسب في عالم الشهود المشهود تلك الآماد والآفاق والأغوار في عالم الغيب المحجوب. {أية : وما تسقط من ورقة إلا يعلمها}تفسير : حركة الموت والفناء؛ وحركة السقوط والانحدار من علو إلى سفل، ومن حياة إلى اندثار. {أية : ولا حبة في ظلمات الأرض}تفسير : حركة البزوغ والنماء، المنبثقة من الغور إلى السطح، ومن كمون وسكون إلى اندفاع وانطلاق. {أية : ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين}تفسير : التعميم الشامل، الذي يشمل الحياة والموت. والأزدهار والذبول، في كل حي على الإطلاق.. فمن ذا الذي يبدع ذلك الاتجاه والانطلاق؟ من ذا الذي يبدع هذا التناسق والجمال؟.. من ذا الذي يبدع هذا كله وذلك كله، في مثل هذا النص القصير.. من؟ إلا الله؟! كذلك هذا النص الآخر عن شمول علم الله: {أية : يعلم ما يلج في الأرض، وما يخرج منها، وما ينزل من السماء، وما يعرج فيها، وهو الرحيم الغفور } تفسير : ويقف الإنسان أمام هذه الصفحة المعروضة في كلمات قليلة؛ فإذا هو أمام حشد هائل عجيب من الأشياء، والحركات، والأحجام، والأشكال، والصور، والمعاني، والهيئات، لا يصمد لها الخيال! ولو أن أهل الأرض جميعاً وقفوا حياتهم كلها يتتبعون ويحصون ما يقع في لحظة واحدة، مما تشير إليه الآية لأعجزهم تتبعه وإحصاؤه عن يقين! فكم من شيء في هذه اللحظة الواحدة يلج في الأرض؟ وكم من شيء في هذه اللحظة يخرج منها؟ وكم من شيء في هذه اللحظة ينزل من السماء؟ وكم من شيء في هذه اللحظة يعرج فيها؟ كم من شيء يلج في الأرض؟ كم من حبة تختبئ أو تخبأ في جنبات هذه الأرض؟ كم من دودة ومن حشرة ومن هامة ومن زاحفة تلج في الأرض في أقطارها المترامية؟ كم من قطرة ماء ومن ذرة غاز، ومن إشعاع كهرباء تندس في الأرض في أرجائها الفسيحة؟ وكم وكم مما يلج في الأرض، وعين الله عليه ساهرة لا تنام؟! وكم يخرج منها؟ كم من نبتة تنبثق؟ وكم من نبع يفور؟ وكم من بركان يتفجر؟ وكم من غاز يتصاعد؟ وكم من مستور يتكشف؟ وكم من حشرة تخرج من بيتها المستور؟ وكم وكم مما يرى ومما لا يرى، ومما يعلم البشر ومما يجهلونه وهو كثير؟؟ وكم مما ينزل من السماء؟ كم من نقطة مطر؟ وكم من شهاب ثاقب؟ وكم من شعاع محرق؟ وكم من شعاع منير؟ وكم من قضاء نافذ ومن قدر مقدور؟ وكم من رحمة تشمل الوجود وتخص بعض العبيد؟ وكم من رزق يبسطه الله لمن يشاء من عباده ويقدر؟.. وكم وكم مما لا يحصيه إلا الله؟ وكم مما يعرج فيها؟ كم من نفس صاعد من نبات أو حيوان أو إنسان أو خلق آخر مما لا يعرفه الإنسان؟ وكم من دعوة إلى الله معلنة أو مستسرة لم يسمعها إلا الله في علاه؟ وكم من روح من أرواح الخلائق التي نعلمها أو نجهلها متوفاة؟ وكم من ملك يعرج بأمر من روح الله؟ وكم من روح يرف في هذا الملكوت لا يعلمه إلا الله؟ ثم كم من قطرة بخار صاعدة من بحر، ومن ذرة غاز صاعدة من جسم؟ وكم وكم مما لا يعلمه سواه؟! كم في لحظة واحدة؟ وأين يذهب علم البشر وإحصاؤهم لما في اللحظة الواحدة ولو قضوا الأعمار الطوال في العد والإحصاء؟ وعلم الله الكامل الهائل اللطيف العميق يحيط بهذا كله في كل مكان وفي كل زمان.. وكل قلب وما فيه من نوايا وخواطر وماله من حركات وسكنات تحت عين الله، وهو مع هذا يستر ويغفر.. {أية : وهو الرحيم الغفور }.. تفسير : وإن آية واحدة من القرآن كهذه الآية لمما يوحي بأن هذا القرآن ليس من قول البشر. فمثل هذا الخاطر الكوني لا يخطر بطبيعته على قلب بشر. ومثل هذا التصور الكوني لا دافع إليه من طبيعة تصور البشر، ومثل هذه الإحاطة باللمسة الواحدة تتجلى فيها صنعة الله بارئ هذا الوجود التي لا تشبهها صنعة العبيد! كذلك يبدو الطابع الإلهي في هذا القرآن في طريقة استدلاله بأشياء وأحداث مثيرة صغيرة في ظاهرها؛ وهي ذات حقيقة ضخمة تناسب الموضوع الضخم الذي يستدل بها عليه.. كما يبدو في قوله تعالى: {أية : نحن خلقناكم فلولا تصدقون! أفرأيتم ما تمنون؟ أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون؟ نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين. على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون. ولقد علمتم النشأة الأولى، فلولا تذكرون! } {أية : أفرأيتم الماء الذي تشربون؟ أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجاً، فلولا تشكرون! } {أية : أفرأيتم النار التي تورون؟ أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين }. {أية : فسبح باسم ربك العظيم }. تفسير : إن هذا القرآن يجعل من مألوفات البشر وحوادثهم المكرورة، قضايا كونية كبرى يكشف فيها عن النواميس الإلهية في الوجود، وينشئ بها عقيدة ضخمة شاملة وتصوراً كاملاً لهذا الوجود، كما يجعل منها منهجاً للنظر والتفكير، وحياة للأرواح والقلوب، ويقظة في المشاعر والحواس. يقظة لظواهر هذا الوجود التي تتطالع الناس صباح مساء وهم غافلون، ويقظة لأنفسهم وما يجري من العجائب والخوارق فيها! إنه لا يكل الناس إلى الحوادث الفذة الخارقة والمعجزات الخاصة المعدودة. كذلك لا يكلفهم أن يبحثوا عن الخوارق والمعجزات والآيات والدلائل بعيداً عن أنفسهم، ولا عن مألوف حياتهم، ولا عن الظواهر الكونية القريبة منهم المعروفة لهم.. إنه لا يبعد بهم في فلسفات معقدة، أو مشكلات عقلية عويصة، أو تجارب علمية لا يملكها كل أحد.. لكي ينشئ في نفوسهم عقيدة، وتصوراً للكون والحياة قائماً على هذه العقيدة. إن أنفسهم من صنع الله؛ وظواهر الكون حولهم من إبداع قدرته. والمعجزة كامنة في كل ما تبدعه يده. وهذا القرآن قرآنه. ومن ثم يأخذهم إلى هذه المعجزات الكامنة فيهم، والمبثوثة في الكون من حولهم. يأخذهم إلى هذه الخوارق المألوفة لهم، التي يرونها ولا يحسون حقيقة الإعجاز فيها. لأنهم لطول ألفتهم بها غفلوا عن مواضع الإعجاز فيها. يأخذهم إليها ليفتح عيونهم عليها، فتطلع على السر الهائل المكنون فيها. سر القدرة المبدعة، وسر الوحدانية المفردة، وسر الناموس الأزلي الذي يعمل في كيانهم هم أنفسهم كما يعمل في الكون من حولهم؛ والذي يحمل دلائل الإيمان؛ وبراهين العقيدة فيبثها في كيانهم، أو يوقظها في فطرتهم بتعبير أدق. وعلى هذا المنهج يسير، وهو يعرض عليهم آيات القدرة المبدعة في خلقهم هم أنفسهم. وفي زرعهم الذي تزاوله أيديهم. وفي الماء الذي يشربون. وفي النار التي يوقدون - وهي أبسط ما يقع تحت أبصارهم من مألوفات حياتهم - كذلك يصور لهم لحظة النهاية. نهاية الحياة على هذه الأرض وبدء الحياة في العالم الآخر. اللحظة التي يواجهها كل أحد، والتي تنتهي عندها كل حيلة، والتي تقف الأحياء وجهاً لوجه أمام القدرة المطلقة المتصرفة وقفة فاصلة، لا محاولة فيها ولا مجال! حيث تسقط جميع الأقنعة، وتبطل جميع التعلات. إن طريقة القرآن في مخاطبة الفطرة البشرية تدل بذاتها على مصدره.. إنه المصدر الذي صدر منه الكون. فطريقة بنائه هي طريقة بناء الكون. فمن أبسط المواد الكونية تنشأ أعقد الأشكال، وأضخم الخلائق.. الذرة يظن أنها مادة بناء الكون؛ والخلية يظن أنها مادة بناء الحياة.. والذرة على صغرها معجزة في ذاتها؛ والخلية على ضآلتها آية في ذاتها.. وهنا في القرآن يتخذ من أبسط المشاهدات المألوفة للبشر مادة لبناء أضخم عقيدة دينية وأوسع تصور كوني.. المشاهدات التي تدخل في تجارب كل إنسان: النسل. الزرع. والماء. والنار. والموت.. أي إنسان على ظهر هذه الأرض لم تدخل هذه المشاهدات في تجاربه؟ أي ساكن كهف لم يشهد نشأة حياة جنينية، ونشأة حياة نباتية. ومسقط ماء. وموقد نار. ولحظة وفاة؟.. من هذه المشاهدات التي رآها كل إنسان ينشئ القرآن العقيدة، لأنه يخاطب كل إنسان في كل بيئة.. وهذه المشاهدات البسيطة الساذجة بذاتها هي أضخم الحقائق الكونية، وأعظم الأسرار الربانية؛ فهي في بساطتها تخاطب فطرة كل إنسان؛ وهي في حقيقتها موضوع دراسة أعلم العلماء إلى آخر الزمان. ولسنا نملك المضي أبعد من هذا في بيان طبيعة "هذا القرآن" الدالة على مصدره. ففي هذا القدر كفاية لنعود إلى سياق السورة.. وصدق الله العظيم: {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله...}. {أم يقولون افتراه؟ قل: فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين}. ويضرب السياق عن المضي في الجدل بعد هذا التحدي، ليقرر أنهم لا يتبعون إلا الظن، فهم يحكمون على ما لم يعلموه. والحكم يجب أن يسبقه العلم، وألا يعتمد على مجرد الهوى أو مجرد الظن. والذي حكموا عليه هنا هو الوحي بالقرآن وصدق ما فيه من الوعد والوعيد. لقد كذبوا بهذا وليس لديهم من علم يقوم عليه التكذيب، ولما يأتهم تأويله الوقعي بوقوعه: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، ولما يأتهم تأويله}.. شأنهم في هذا شأن المكذبين من قبلهم، الظالمين المشركين بربهم. فليتأمل المتأمل كيف كان مصير الأولين ليعرف حقيقة مصير الآخرين: {كذلك كذب الذين من قبلهم، فانظر كيف كان عاقبة الظالمين}.. وإذا كان أكثرهم لا يتبعون إلا الظن، ويكذبون بما لم يحصل لهم عنه علم، فإن هناك منهم من يؤمن بهذا الكتاب، فليسوا جميعهم من المكذبين: {ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به. وربك أعلم بالمفسدين}.. والمفسدون هم الذين لا يؤمنون. وما يقع الفساد في الأرض كما يقع بضلال الناس عن الإيمان بربهم والعبودية له وحده. وما نجم الفساد في الأرض إلا من الدينونة لغير الله، وما يتبع هذا من شر في حياة الناس في كل اتجاه. شر اتباع الهوى في النفس والغير؛ وشر قيام أرباب أرضية تفسد كل شيء لتستبقي ربوبيتها المزيفة.. تفسد أخلاق الناس وأرواحهم وأفكارهم وتصوراتهم.. ثم تفسد مصالحهم وأموالهم. في سبيل بقائها المصطنع الزائف. وتاريخ الجاهلية في القديم والحديث فائض بهذا الفساد الذي ينشئه المفسدون الذين لا يؤمنون. ويعقب على تقرير مواقفهم من هذا الكتاب بتوجيه الخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - بألا يتأثر بتكذيب المكذبين، وأن ينفض يديه منهم، ويعلنهم ببراءته من عملهم، ويفاصلهم على ما معه من الحق في وضوح وفي حسم وفي يقين: {وإن كذبوك فقل: لي عملي ولكم عملكم. أنتم بريئون مما أعمل، وأنا بريء مما تعملون}.. وهي لمسة لوجدانهم، باعتزالهم وأعمالهم، وتركهم لمصيرهم منفردين، بعد بيان ذلك المصير المخيف. وذلك كما تترك طفلك المعاند الذي يأبى أن يسير معك، وفي وسط الطريق وحده يواجه مصيره فريداً لا يجد منك سنداً. وكثيراً ما يفلح هذا الأسلوب من التهديد! ويمضي السياق يستعرض حال بعضهم من الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهم يستمعون إليه بآذانهم وقلوبهم مغلقة. وينظرون إليه بعيونهم وبصيرتهم مطموسة، فلا يئوبون من السمع والنظر بشيء، ولا يهتدون إلى الطريق: {ومنهم من يستمعون إليك. أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون؟ ومنهم من ينظر إليك. أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون؟}.. إن هؤلاء الخلائق الذين يستمعون ولا يعقلون ما سمعوا، وينظرون ولا يميزون ما نظروا.. إن هؤلاء لكثير، في كل زمان وفي كل مكان. والرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يملك لهم شيئاً. لأن حواسهم وجوارحهم مطموسة الاتصال بعقولهم وقلوبهم، فكأنها معطلة لا تؤدي حقيقة وظيفتها. والرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يسمع الصم، ولا يبصر العمي. فذلك من شأن الله وحده عز وجل. والله سن سنة وترك الخلق لمقتضى السنة. وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول ليهتدوا بها؛ فإذا هم عطلوها حقت عليهم سنته التي لا تتخلف ولا تحابي، ولقوا جزاءهم عدلاً، ولم يظلمهم الله شيئاً: {إن الله لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون}.. وفي هذه الآيات الأخيرة تسرية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يجده في نفسه من ضيق بهذا التكذيب لما معه من الحق، وبهذا العناد الصفيق بعد تكرار البيان والإعلام، وذلك بما يقرره له ربه من أن إباءهم الهدى لم يكن عن تقصير منه في الجهد. ولا قصور فيما معه من الحق. ولكن هؤلاء كالصم العمي. وما يفتح الآذان والعيون إلا الله. فهو شأن خارج عن طبيعة الدعوة والداعية داخل في اختصاص الله. وفيها كذلك تحديد حاسم لطبيعة العبودية ومجالها - حتى ولو تمثلت في شخص رسول الله. فهو عبد من عباد الله لا قدرة له خارج مجال العبودية. والأمر كله لله. بعد ذلك يلمس وجدانهم لمسة خاطفة بمشهد من مشاهد القيامة، تبدو فيه الحياة الدنيا التي تزحم حسهم، وتشغل نفوسهم، وتأكل اهتماماتهم.. رحلة سريعة، قضاها الناس هناك، ثم عادوا إلى مقرهم الدائم ودارهم الأصيلة. {ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم. قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله، وما كانوا مهتدين}.. وفي هذه الجولة الخاطفة ننظر فإذا المحشورون مأخوذون بالمفاجأة، شاعرون أن رحلتهم الدنيوية كانت قصيرة قصيرة، حتى لكأنها ساعة من نهار قضوها في التعارف، ثم أسدل الستار. أو هذا مجرد تشبيه لهذا الحياة الدنيا، وللناس الذين دخلوا ثم خرجوا، كأن لم يفعلوا شيئاً سوى اللقاء والتعارف؟ إنه لتشبيه، ولكنه حق اليقين وإلا فهل ينتهي البشر في هذه الأرض من عملية التعارف؟ إنهم يجيئون ويذهبون وما يكاد أحدهم ينتهي من التعرف إلى الآخرين، وما تكاد الجماعة فيهم تنتهي من التعرف إلى الجماعات الأخرى. ثم يذهبون. وإلا فهل هؤلاء الأفراد الذين يتنازعون ويتعاركون ويقع من سوء التفاهم بينهم وبين بعضهم في كل ساعة ما يقع.. هل هؤلاء تم تعارفهم كما ينبغي أن يكون؟ وهذه الشعوب المتناحرة، والدول المتخاصمة - لا تتخاصم على حق عام، ولا على منهج سليم، إنما تتعارك على الحطام والأعراض - هذه. هل عرف بعضها بعضاً؟ وهي ما تكاد تفرغ من خصام حتى تدخل في خصام. إنه تشبيه لتمثيل قصر الحياة الدنيا. ولكنه يصور حقيقة أعمق فيما يكون بين الناس في هذه الحياة.. ثم يرحلون! وفي ظل هذا المشهد تبدو الخسارة الفادحة لمن جعلوا همهم كله هو هذه الرحلة الخاطفة، وكذبوا بلقاء الله، وشغلوا عنه واستغرقوا في تلك الرحلة - بل تلك الومضة - فلم يستعدوا لهذا اللقاء بشيء يلقون به ربهم؛ ولم يستعدوا كذلك بشيء للإقامة الطويلة في الدار الباقية: {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله، وما كانوا مهتدين}.. ومن هذا المشهد الخاطف ليوم الحشر، وما سبقه من أيام الحياة في الأرض إلى حديث مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في شأن وعيد الله للمكذبين؛ ذلك الوعيد الغامض، لا يدرون إن كان سيعاجلهم غداً، أم إنهم سينظرون إلى يوم الدين. ليبقى مصلتاً فوق رؤوسهم لعلهم يتقون ويهتدون.. وشيئاً فشيئاً تنتهي الجولة التي بدأت بالحديث عن الوعيد إلى نهايتها يوم لا ينفع الفداء ولو كان ما في الأرض كله، ويوم يقضي الله بالقسط لا يظلم أحداً.. وذلك على طريقة القرآن في وصل الدنيا بالآخرة، في كلمات ولحظات، في تصوير حي يلمس القلوب، ويصور في الوقت ذاته حقيقة الاتصال بين الدارين والحياتين كما هما في الواقع، وكما ينبغي أن يكونا في التصور الإسلامي الصحيح: {وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم، ثم الله شهيد على ما يفعلون. ولكل أمة رسول، فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون. ويقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ قل: لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله، لكل أمة أجل، إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. قل أرأيتم: إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً ماذا يستعجل منه المجرمون. أثم إذا ما وقع آمنتم به؟ آلآن وقد كنتم به تستعجلون؟ ثم قيل للذين ظلموا: ذوقوا عذاب الخلد، هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون. ويستبئونك أحق هو؟ قل: إي وربي إنه لحق، وما أنتم بمعجزين. ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به، وأسروا الندامة لما رأوا العذاب، وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون}. تبدأ هذه الجولة بتقرير أن مرجع القوم إلى الله، سواء وقع بعض الوعيد الذي كلف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغه لهم، في حياته أو بعد وفاته. فالمرجع إلى الله في الحالين. وهو شهيد على ما يفعلون في حضور الرسول بالحياة، وفي غيبته بالوفاة. فلن يضيع شيء من أعمالهم ولن تعفيهم وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مما يوعدون. {وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم، ثم الله شهيد على ما يفعلون}.. فالأمور مدبرة سائرة حسب التدبير، لا يخرج منها حرف، ولا يتغير بالطوارئ والظروف. ولكن كل قوم يُنظرون حتى يجيء رسولهم، فينذرهم ويبين لهم، وبذلك يستوفون حقهم الذي فرضه الله على نفسه بألا يعذب قوماً إلا بعد الرسالة، وبعد الإعذار لهم بالتبيين. وعندئذ يقضي بينهم بالقسط حسب استجابتهم للرسول: {ولكل أمة رسول، فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون}. ونقف من هاتين الآيتين أمام حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية التي يرتكز عليها التصور الإسلامي كله. وعناية المنهج القرآني بتوضيحها وتقريرها في كل مناسبة، وفي صور شتى متنوعة.. إنه يقال للرسول - صلى الله عليه وسلم - إن أمر هذه العقيدة، وأمر القوم الذين يخاطبون بها. كله لله، وأن ليس لك من الأمر شيء. دورك فيها هو البلاغ، أما ما وراء لك فكله لله. وقد ينقضي أجلك كله ولا ترى نهاية القوم الذين يكذبونك ويعاندونك ويؤذونك، فليس حتماً على الله أن يريك عاقبتهم، وما ينزله بهم من جزاء.. هذا له وحده سبحانه! أما أنت - وكل رسول - فعليك البلاغ.. ثم يمضي الرسول ويدع الأمر كله لله.. ذلك كي يعلم العبيد مجالهم، وكي لا يستعجل الدعاة قضاء الله مهما طال عليهم في الدعوة ومهما تعرضوا فيها للعذاب!! {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟}.. وقد كانوا يسألون في تحد واستعجال، طالبين وقوع ما يوعدهم به النبي - صلى الله عليه وسلم - من قضاء الله فيهم، كما قضى الله بين الأمم التي جاءتها رسلها فكذبت، فأخذ الله المكذبين: والجواب: {قل: لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله، لكل أمة أجل، إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}.. وإذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، فهو لا يملك لهم الضر والنفع بطبيعة الحال. (وقد قدم ذكر الضر هنا، وإن كان مأموراً أن يتحدث عن نفسه، لأنهم هم يستعجلون الضر، فمن باب التناسق قدم ذكر الضر، أما في موضع آخر في سورة الأعراف فقدم النفع في مثل هذا التعبير، لأنه الأنسب أن يطلبه لنفسه وهو يقول: {أية : ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء }. تفسير : {قل: لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً.. إلا ما شاء الله..}. فالأمر إذن لله يحقق وعيده في الوقت الذي يشاؤه. وسنة الله لا تتخلف، وأجله الذي أجله لا يستعجل: {لكل أمة أجل، إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}.. والأجل قد ينتهي بالهلاك الحسي. هلاك الاستئصال كما وقع لبعض الأمم الخالية، وقد ينتهي بالهلاك المعنوي. هلاك الهزيمة والضياع. وهو ما يقع للأمم، إما لفترة تعود بعدها للحياة، وإما دائماً فتضمحل وتنمحي شخصيتها وتنتهي إلى اندثارها كأمة، وإن بقيت كأفراد.. وكل أولئك وفق سنة الله التي لا تتبدل، لا مصادفة ولا جزافاً ولا ظلماً ولا محاباة. فالأمم التي تأخذ بأسباب الحياة تحيا والأمم التي تنحرف عنها تضعف أو تضمحل أو تموت بحسب انحرافها. والأمة الإسلامية منصوص على أن حياتها في اتباع رسولها، والرسول يدعوها لما يحييها. لا بمجرد الاعتقاد، ولكن بالعمل الذي تنص عليه العقيدة في شتى مرافق الحياة. وبالحياة وفق المنهج الذي شرعه الله لها، والشريعة التي أنزلها، والقيم التي قررها. وإلا جاءها الأجل وفق سنة الله. ثم يبادرهم السياق بلمسة وجدانية تنقلهم من موقف السائل المستهزئ المتحدي، إلى موقف المهدَّد الذي قد يفاجئه المحظور في كل لحظة من الليل أو النهار: {قل: أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً، ماذا يستعجل منه المجرمون؟}.. فهذا العذاب المغيب الذي لا يُعلم موقعه وموعده؛ والذي قد يحل بياتاً وأنتم نيام، أو نهاراً وأنتم أيقاظ، لا يجديكم في رده الصحو.. ما الذي يستعجل منه المجرمون؟ وهو عذاب لا خير لهم في استعجاله على كل حال. وبينما هم في مفاجأة السؤال الذي ينقل مشاعرهم إلى تصور الخطر وتوقعه، تفجؤهم الآية التالية بوقوعه فعلاً.. وهو لم يقع بعد.. ولكن التصور القرآني يرسمه واقعاً، ويغمر به المشاعر، ويلمس به الوجدان: {أثم إذا ما وقع آمنتم به؟ آلآن وقد كنتم به تستعجلون؟!}. فكأنما قد وقع. وكأنما قد آمنوا به، وكأنما يخاطبون بهذا التبكيت في مشهد حاضر يشهدونه الآن! وتتمة المشهد الحاضر: {ثم قيل للذين ظلموا: ذوقوا عذاب الخلد. هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون؟}.. وهكذا نجدنا مع السياق في ساحة الحساب والعذاب، وقد كنا منذ لحظات وفقرات في الدنيا نشهد خطاب الله لرسوله عن هذا المصير!! وختام هذه الجولة، هو استنباء القوم للرسول: إن كان هذا الوعيد حقاً. فهم مزلزلون من الداخل تجاهه يريدون أن يستوثقوا وليس بهم من يقين. والجواب بالإيجاب حاسم مؤكد بيمين: {ويستنبئونك: أحق هو؟ قل: إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين}.. {إي وربي}.. الذي أعرف قيمة ربوبيته فلا أقسم به حانثاً، ولا أقسم به إلا في جد وفي يقين.. {إنه لحق وما أنتم بمعجزين}.. ما أنتم بمعجزين أن يأتي بكم، وما أنتم بمعجزين أن يحاسبكم، وأن يجازيكم. وبينما نحن معهم على هذه الأرض في استنباء وجواب. إذا نحن فجأة - مع السياق في نقلة من نقلات الأسلوب القرآني المصور - في ساحة الحساب والجزاء. مبدئياً على وجه الفرض والتقدير. {ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به}.. فلا يقبل منها حتى على فرض وجوده معها. ولا تكتمل الآية حتى يكون الفرض قد وقع وقضى الأمر: {وأسروا الندامة لما رأوا العذاب}.. أخذتهم وهلة المفاجأة فسقط في أيديهم، والتعبير يرسم للخيال صورة الكمد يظلل الوجوه، دون أن تنطق الشفاه! {وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون}.. وانتهى المشهد الذي بدأ منذ نصف آية فرضاً وانتهى واقعاً، على طريقة التصوير القرآني المؤثر المثير. والتعقيب المؤكد للحشر والحساب، جولة أخرى مع القدرة في بعض مجاليها في السماء والأرض وفي الحياة والموت. جولة عابرة لتوكيد معنى القدرة الكفيلة بتحقق الوعد. ثم نداء عام للناس أجمعين للانتفاع بهذا القرآن الذي يحمل لهم الموعظة والهدى وشفاء الصدور. {ألا إن لله ما في السماوات والأرض. ألا إن وعد الله حق، ولكن أكثرهم لا يعلمون. هو يحيي ويميت. وإليه ترجعون. يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين، قل: بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}.. {ألا... } بهذا الإعلان المدوي. {ألا إن لله ما في السماوات والأرض}. والذي يملك ما في السماوات والأرض يملك أن يجعل وعده حقاً فلا يعجزه عن تحقيقه معجز، ولا يعوقه عن تصديقه معوق: {ألا إن وعد الله حق}.. {ولكن أكثرهم لا يعلمون}.. وهم لجهلهم يشكون أو يكذبون. {هو يحيي ويميت}.. والذي يملك الحياة والموت، يملك الرجعة والحساب.. {وإليه ترجعون}.. إنه تعقيب سريع للتوكيد السريع بعد الاستعراض المثير. ثم يعقبه النداء الجامع للبشرية جميعاً: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم، وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين}... جاءتكم في ذلك الكتاب الذي ترتابون فيه. وجاءتكم الموعظة {من ربكم} فليس هو كتاباً مفترى، وليس ما فيه من عند بشر. جاءتكم الموعظة لتحيي قلوبكم، وتشفي صدوركم من الخرافة التي تملؤها، والشك الذي يسيطر عليها، والزيغ الذي يمرضها، والقلق الذي يحيرها. جاءت لتفيض عليها البرء والعافية واليقين والاطمئنان والسلام مع الإيمان. وهي لمن يرزق الإيمان هدى إلى الطريق الواصل، ورحمة من الضلال والعذاب: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون}.. فبهذا الفضل الذي آتاه الله عباده، وبهذه الرحمة التي أفاضها عليهم من الإيمان.. فبذلك وحده فليفرحوا. فهذا هو الذي يستحق الفرح. لا المال ولا أعراض هذه الحياة. إن ذلك هو الفرح العلوي الذي يطلق النفس من عقال المطامع الأرضية والأعراض الزائلة، فيجعل هذه الأعراض خادمة للحياة لا مخدومة؛ ويجعل الإنسان فوقها وهو يستمتع بها لا عبداً خاضعاً لها. والإسلام لا يحقر أعراض الحياة الدنيا ليهجرها الناس ويزهدوا فيها. إنما هو يزنها بوزنها ليستمتع بها الناس وهم أحرار الإرادة طلقاء اليد، مطمحهم أعلى من هذه الأعراض، وآفاقهم أسمى من دنيا الأرض. الإيمان عندهم هو النعمة، وتأدية مقتضيات الإيمان هي الهدف. والدنيا بعد ذلك مملوكة لهم لا سلطان لها عليهم. عن عقبة بن الوليد عن صفوان بن عمرو: سمعت أيفع بن عبد الله الكلاعي يقول: لما قدم خراج العراق إلى عمر - رضي الله عنه - خرج عمر ومولى له، فجعل عمر يعد الإبل فإذا هي أكثر من ذلك، فجعل يقول: الحمد لله تعالى. ويقول مولاه: هذا والله من فضله الله ورحمته، فقال عمر: كذبت ليس هذا هو الذي يقول الله تعالى: {قل: بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}. هكذا كان الرعيل الأولون ينظرون إلى قيم الحياة. كانوا يعدون الفضل الأول والرحمة الأولى هي ما جاءهم من الله من موعظة وهدى. فأما المال، وأما الثراء، وأما النصر ذاته فهو تابع. لذلك كان النصر يأتيهم، وكان المال ينثال عليهم، وكان الثراء يطلبهم.. إن طريق هذه الأمة واضح. إنه في هذا الذي يسنه لها قرآنها، وفي سيرة الصدر الأول الذين فهموه من رجالها.. هذا هو الطريق. إن الأرزاق المادية، والقيم المادية، ليست هي التي تحدد مكان الناس في هذه الأرض.. في الحياة الدنيا فضلاً عن مكانهم في الحياة الأخرى.. إن الأرزاق المادية، والتيسيرات المادية، والقيم المادية، يمكن أن تصبح من أسباب شقوة البشرية - لا في الآخرة المؤجلة ولكن في هذه الحياة الواقعة - كما نشهد اليوم في حضارة المادة الكالحة! إنه لا بد من قيم أخرى تحكم الحياة الإنسانية؛ وهذه القيم الأخرى هي التي يمكن أن تعطي للأرزاق المادية والتيسيرات المادية قيمتها في حياة الناس؛ وهي التي يمكن أن تجعل منها مادة سعادة وراحة لبني الإنسان. إن المنهج الذي يحكم حياة مجموعة من البشر هو الذي يحدد قيمة الأرزاق المادية في حياتهم. هو الذي يجعلها عنصر سعادة أو عنصر شقاء. كما يجعلها سبباً للرقي الإنساني أو مزلقاً للارتكاس! ومن هنا كان التركيز على قيمة هذا الدين في حياة أهله: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم، وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين. قل: بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}.. ومن هنا كان الذين تلقوا هذا القرآن أول مرة يدركون هذه القيمة العليا، فيقول عمر - رضي الله عنه - عن المال والأنعام: "ليس هذا هو الذي يقول الله تعالى: {قل: بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}.. لقد كان عمر - رضي الله عنه - يفقه دينه. كان يعرف أن فضل الله ورحمته يتمثلان بالدرجة الأولى في هذا الذي أنزله الله لهم: موعظة من ربهم، وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين. لا فيما يجمعون من المال والإبل والأرزاق! لقد كانوا يدركون قيمة النقلة البعيدة التي نقلها لهم هذا الدين، من وهدة الجاهلية التي كانوا فيها.. وإنها لنقلة بعيدة بالقياس إلى الجاهلية في كل زمان ومكان.. بما فيها جاهلية القرن العشرين. إن النقلة الأساسية التي تتمثل في هذا الدين هي إعتاق رقاب العباد من العبودية للعباد؛ وتحريرهم من هذه العبودية، وتعبيدهم لله وحده، وإقامة حياتهم كلها على أساس هذا الانطلاق الذي يرفع تصوراتهم، ويرفع قيمهم، ويرفع أخلاقهم. ويرفع حياتهم كلها من العبودية إلى الحرية: ثم تجيء الأرزاق المادية والتيسيرات المادية، والتمكين المادي، تبعاً لهذا التحرر وهذا الانطلاق. كما حدث في تاريخ العصبة المسلمة، وهي تكتسح الجاهليات حولها، وتهيمن على مقاليد السلطان في الأرض، وتقود البشرية إلى الله، لتستمتع معها بفضل الله.. والذين يركزون على القيم المادية، وعلى الإنتاج المادي، ويغفلون تلك القيمة الكبرى الأساسية، هم أعداء البشرية الذين لا يريدون لها أن ترتفع على مستوى الحيوان وعلى مطالب الحيوان. وهم لا يطلقونها دعوة بريئة؛ ولكنهم يهدفون من ورائها إلى القضاء على القيم الإيمانية، وعلى العقيدة التي تعلق قلوب الناس بما هو أرفع من مطالب الحيوان - دون أن تغفل ضروراتهم الأساسية - وتجعل لهم مطالب أساسية أخرى إلى جوار الطعام والمسكن والجنس التي يعيش في حدودها الحيوان! وهذا الصياح المستمر بتضخيم القيم المادية، والإنتاج المادي، بحيث يطغى الانشغال به على حياة الناس وتفكيرهم وتصوراتهم كلها.. وبحيث يتحول الناس إلى آلات تلهث وراء هذه القيمة، وتعدها قيمة الحياة الكبرى؛ وتنسى في عاصفة الصياح المستمر.. الإنتاج.. الإنتاج.. كل القيم الروحية والأخلاقية؛ وتدوس هذه القيم كلها في سبيل الإنتاج المادي.. هذا الصياح ليس بريئاً؛ إنما هو خطة مدبرة لإقامة أصنام تعبد بدل أصنام الجاهلية الأولى؛ وتكون لها السيادة العليا على القيم جميعاً! وعندما يصبح الإنتاج المادي صنماً يكدح الناس حوله ويطوفون به في قداسة الأصنام؛ فإن كل القيم والاعتبارات الأخرى تداس في سبيله وتنتهك.. الأخلاق. الأسرة. الأعراض. الحريات الضمانات... كلها.. كلها إذا تعارضت مع توفير الإنتاج يجب أن تداس! فماذا تكون الأرباب والأصنام إن لم تكن هي هذه؟ إنه ليس من الحتم أن يكون الصنم حجراً أو خشباً. فقد يكون قيمة واعتباراً ولافتة ولقباً! إن القيمة العليا يجب أن تبقى لفضل الله ورحمته المتمثلين في هداه الذي يشفي الصدور، ويحرر الرقاب، ويعلي من القيم الإنسانية في الإنسان. وفي ظل هذه القيمة العليا يمكن الانتفاع برزق الله الذي أعطاه للناس في الأرض؛ وبالتصنيع الذي يوفر الإنتاج المادي؛ وبالتيسيرات المادية التي تقلل من شدة الكدح؛ وبسائر هذه القيم التي تدق الجاهلية حولها الطبول في الأرض! وبدون وجود تلك القيمة العليا وسيادتها تصبح الأرزاق والتيسيرات والإنتاج لعنة يشقى بها الناس؛ لأنها يومئذ تستخدم في إعلاء القيم الحيوانية والآلية، على حساب القيم الإنسانية العلوية. وصدق الله العظيم: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم، وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين. قل: بفضل الله وبرحمته فبذلك فيلفرحوا هو خير مما يجمعون}.. وفي ظل هذا الحديث عن فضل الله ورحمته، المتمثلين فيما جاء للناس من موعظة وهدى وشفاء لما في الصدور، يتعرض السياق للجاهلية، وهي تزاول حياتها العملية، لا وفق ما جاء من عند الله؛ ولكن وفق أهواء البشر، واعتدائهم على خصائص الله سبحانه، ومزاولتهم أمر التحليل والتحريم فيما رزقهم الله: {قل: أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً! قل: آلله أذن لكم؟ أم على الله تفترون؟ وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة؟ إن الله لذو فضل على الناس، ولكن أكثرهم لا يشكرون}.. قل: ماذا ترون في رزق الله الذي أنزله إليكم؟ - وكل ما جاء من عند الله في عليائه إلى البشر فهو منزل من ذلك المقام الأعلى - ماذا ترون في هذا الرزق الذي أعطاه لكم، لتتصرفوا فيه وفق إذنه وشرعه، فإذا أنتم - من عند أنفسكم ودون إذن من الله لكم - تحرمون منه أنواعاً وتحلون منه أنواعاً. والتحريم والتحليل تشريع. والتشريع حاكمية. والحاكمية ربوبية، وأنتم تزاولونها من عند أنفسكم: {قل: آلله أذن لكم؟ أم على الله تفترون؟}.. إنها القضية التي يتكرر ذكرها في القرآن الكريم؛ وتواجه بها الجاهلية بين الحين والحين.. ذلك أنها القضية الكبرى التالية لشهادة أن لا إله إلا الله. بل إنها هي هي في حالة التطبيق الواقعي في الحياة. إن الاعتراف بأن الله هو الخالق الرازق يستتبعه حتماً أن يكون الله هو الرب المعبود؛ وأن يكون هو الذي يحكم في أمر الناس كله.. ومنه أمر هذه الأرزاق التي أعطاها الله للبشر، وهي تشمل كل ما يرزقهم من السماء والأرض.. والجاهليون العرب كانوا يعترفون بوجود الله - سبحانه - وبأنه الخالق الرازق - كما يعترف اليوم ناس يسمون أنفسهم "المسلمين!". ثم كانوا مع هذا الاعتراف يزاولون التحريم والتحليل لأنفسهم فيما رزقهم الله - كما يزاول ذلك اليوم ناس يسمون أنفسهم "المسلمين!" - وهذا القرآن يواجههم بهذا التناقض بين ما يعترفون به من وجود الله ومن أنه الخالق الرازق؛ وما يزاولونه في حياتهم من ربوبية لغير الله تتمثل في التشريع الذي يزاوله نفر منهم! وهو تناقض صارخ يدمغهم بالشرك؛ كما يدمغ كل من يزاول هذا التناقض اليوم وغداً وإلى آخر الزمان. مهما اختلفت الأسماء واللافتات. فالإسلام حقيقة واقعة لا مجرد عنوان! ولقد كان الجاهليون العرب يزعمون - كما يزعم اليوم ناس ممن يسمون أنفسهم "المسلمين" - أن هذا الذي يزاولونه من التحريم والتحليل إنما أذن لهم به الله. أو كانوا يقولون عنه: شريعة الله! وقد ورد في سورة الأنعام ادعاؤهم أن هذا الذي يحرمونه وهذا الذي يحلونه شرعه الله.. وذلك في قوله تعالى:{أية : وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء - بزعمهم - وأنعام حرمت ظهورها، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه. سيجزيهم بما كانوا يفترون}تفسير : فهم كانوا يقولون: إن الله يشاء هذا، ولا يشاء هذا.. افتراء على الله.. كما أن ناساً اليوم يدعون أنفسهم "مسلمين" يشرعون من عند أنفسهم ثم يقولون: شريعة الله! والله يجبههم هنا بالافتراء، ثم يسألهم ماذا تظنون بربكم يوم القيامة وأنتم تفترون عليه: {وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة؟}.. وصيغة الغائب تشمل جنس الذين يفترون على الله الكذب وتنتظمهم جميعاً.. فما ظنهم يا ترى؟ ما الذي يتصورون أن يكون في شأنهم يوم القيامة!! وهو سؤال تذوب أمامه حتى الجبلات الصلدة الجاسية! {إن الله لذو فضل على الناس، ولكن أكثرهم لا يشكرون}.. والله ذو فضل على الناس برزقه هذا المادي الذي أودعه هذا الكون من أجلهم؛ وأودع فيهم القدرة على معرفة مصادره؛ والنواميس التي تحكم هذه المصادر، وأقدرهم كذلك على التنويع في أشكاله، والتحليل والتركيب في مادته لتنويع هذه الأشكال.. وكله في الكون وفيهم من رزق الله.. والله ذو فضل على الناس بعد ذلك بزرقه وفضله ورحمته التي أنزلها في منهجه هدى للناس وشفاء لما في الصدور؛ ليهدي الناس إلى منهج الحياة السليم القويم؛ الذي يزاولون به خير ما في إنسانيتهم من قوى وطاقات؛ ومشاعر واتجاهات؛ والذي ينسقون به بين خير الدنيا وخير الآخرة؛ كما ينسقون به بين فطرتهم وفطرة الكون الذي يعيشون فيه ويتعاملون معه. ولكن أكثر الناس لا يشكرون على هذا الرزق وذاك.. فإذا هم يحيدون عن منهج الله وشرعه؛ وإذا هم يشركون به غيره.. ثم يشقون في النهاية بهذا كله.. يشقون لأنهم لا ينتفعون بهذا الذي هو شفاء لما في الصدور! وإنه لتعبير عجيب عن حقيقة عميقة.. إن هذا القرآن شفاء لما في الصدور بكل معنى من معاني الشفاء.. إنه يدب في القلوب فعلاً دبيب الشفاء في الجسم المعلول! يدب فيها بإيقاعه ذي السلطان الخفي العجيب. ويدب فيها بتوجيهاته التي توقظ أجهزة التلقي الفطرية، فتهتز وتتفتح وتتلقى وتستجيب. ويدب فيها بتنظيماته وتشريعاته التي تضمن أقل احتكاك ممكن بين المجموعات البشرية في الحياة اليومية. ويدب فيها بإيحاءاته المطمئنة التي تسكب الطمأنينة في القلوب إلى الله، وإلى العدل في الجزاء، وإلى غلبة الخير، وإلى حسن المصير.. وإنها لعبارة تثير حشداً وراء حشد من المعاني والدلائل، تعجز عنها لغة البشر ويوحي بها هذا التعبير العجيب! لا يشكرون.. والله هو المطلع على السرائر، المحيط بكل مضمر وظاهر، الذي لا يغيب عن علمه ولا يبعد عن متناوله مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.. هذه هي اللمسة الجديدة للمشاعر والضمائر في السياق، ليخرج منها إلى طمأنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه بأنهم في رعايته وولايته، لا يضرهم المكذبون، الذين يتخذون مع الله شركاء وهم واهمون: {وما تكون في شأن، وما تتلو منه من قرآن، ولا تعملون من عمل، إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه؛ وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين. ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون. لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا تبديل لكلمات الله، ذلك هو الفوز العظيم، ولا يحزنك قولهم، إن العزة لله جميعاً، هو السميع العليم، ألا أن لله من في السماوات ومن في الأرض، وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء، إن يتبعون إلا الظن، وإن هم إلا يخرصون. هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً، إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون}.. إن الشعور بالله على النحو الذي تصوره الآية الأولى من هذا السياق: {وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن، ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه...} شعور مطمئن ومخيف معاً، مؤنس ومرهب معاً.. وكيف بهذا المخلوق البشري وهو مشغول بشأن من شؤونه يحس أن الله معه، شاهد أمره وحاضر شأنه. الله بكل عظمته، وبكل هيبته، وبكل جبروته، وبكل قوته. الله خالق هذا الكون وهو عليه هين. ومدبر هذا الكون ما جل منه وما هان.. الله مع هذا المخلوق البشري. الذرة التائهة في الفضاء لولا عناية الله تمسك بها وترعاها! إنه شعور رهيب. ولكنه كذلك شعور مؤنس مطمئن. إن هذه الذرة التائهة ليست متروكة بلا رعاية ولا معونة ولا ولاية.. إن الله معها: {وما تكون في شأن، وما تتلو منه من قرآن، ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه..} إنه ليس شمول العلم وحده، ولكن شمول الرعاية، ثم شمول الرقابة.. {وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين}.. ويسبح الخيال مع الذرات السابحة في الأرض أو في السماء - ومعها علم الله - ومع ما هو أصغر من الذرة وأكبر محصوراً في علم الله.. ويرتعش الوجدان إشفاقاً ورهبة، ويخشع القلب إجلالاً وتقوى، حتى يطامن الإيمان من الروعة والرهبة، ويهدهد القلب الواجف بأنس القرب من الله. وفي ظل هذا الأنس، وفي طمأنينة هذا القرب.. يأتي الإعلان الجاهر: {ألا أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون. لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة. لا تبديل لكلمات الله. ذلك هو الفوز العظيم}.. وكيف يخاف أولياء الله أو يحزنون والله معهم هكذا في كل شأن وفي كل عمل وفي كل حركة أو سكون؟ وهم أولياء الله، المؤمنون به الأتقياء المراقبون له في السر والعلن: {الذين آمنوا وكانوا يتقون}.. كيف يخافون وكيف يحزنون، وهم على اتصال بالله لأنهم أولياؤه؟ وعلام يحزنون ومم يخافون، والبشرى لهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة؟ إنه الوعد الحق الذي لا يتبدل - لا تبديل لكلمات الله-: {ذلك هو الفوز العظيم}.. إن أولياء الله الذين يتحدث عنهم السياق هم المؤمنون حق الإيمان المتقون حق التقوى. والإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل. والعمل هو تنفيذ ما أمر الله به واجتناب ما نهى الله عنه.. هكذا يجب أن نفهم معنى الولاية لله. لا كما يفهمه العوام، من أنهم المهبولون المخبولون الذين يدعونهم بالأولياء! وفي ظل هذه الرعاية والحماية لأولياء الله يخاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أولى الأولياء، بما يطمئنه تجاه المكذبين والمفترين، وكانوا في ذلك الوقت هم أصحاب القوة والجاه: {ولا يحزنك قولهم. إن العزة لله جميعاً. هو السميع العليم}.. ويفرد الله بالعزة هنا، ولا يضيفها إلى الرسول والمؤمنين - كما في الموضع الآخر - لأن السياق سياق حماية لله لأوليائه. فيفرده بالعزة جميعاً - وهي أصلاً لله وحده، والرسول والمؤمنون يستمدونها منه - ليجرد منها الناس جميعاً، ومشركو قريش العتاة داخلون في الناس. أما الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو في الحماية الإلهية التي أضفاها على أوليائه. فلا يحزن لما يقولون. والله معه وهو السميع العليم. الذي يسمع قولهم ويعلم كيدهم ويحمي أولياءه مما يقال ومما يكاد. وفي ملك يده كل من في السماوات وكل من في الأرض من إنس وجن وملائكة، ومن عصاة وتقاة، فكل ذي قوة من خلقه داخل في سلطانه وملكه: {ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض}.. وهذه حكمة ذكر "من" هنا لا "ما" لأن المقصود إثبات أن الأقوياء كالضعفاء كلهم في ملك يده سواء. فالسياق جار فيها مجراه. {وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء}.. فهؤلاء الشركاء الموهومون ليسوا في حقيقتهم شركاء لله في شيء؛ وعبادهم ليسوا على يقين مما يزعمون لهم من شركة: {إن يتبعون إلا الظن. وإن هم إلا يخرصون.}.. ثم لفتة إلى بعض مجالي القدرة في المشاهد الكونية التي يغفل عنها الناس بالتكرار: {هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً. إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون}.. والمالك للحركة وللسكون، الذي يجعل الليل ليسكن فيه الناس، ويجعل النهار مبصراً يقود الناس فيتحركون! ويبصرهم فيبصرون.. ممسك بمقاليد الحركة والسكون، قادر على الناس، قادر على حماية أوليائه من الناس. ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في مقدمة أوليائه. ومن معه من المؤمنين.. {إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون}.. يسمعون فيتدبرون ما يسمعون. والمنهج القرآني يستخدم المشاهدة الكونية كثيراً في معرض الحديث عن قضية الألوهية والعبودية. ذلك أن هذا الكون بوجوده وبمشاهده شاهد ناطق للفطرة لا تملك لمنطقه رداً. كذلك يخاطب الناس بما في علاقتهم بهذا الكون من تناسق. وهم يجدون هذا في حياتهم فعلاً. فهذا الليل الذي يسكنون فيه، وهذا النهار الذي يبصرون به، هما ظاهرتان كونيتان شديدتا الاتصال بحياتهم. وتناسق هذه الظواهر الكونية مع حياة الناس يحسونه هم - ولو لم يتعمقوا في البحث و"العلم". ذلك أن فطرتهم الداخلية تفهم عن هذا الكون لغته الخفية! وهكذا لم يكن البشر في عماية عن لغة الكون حتى جاءتهم "العلوم الحديثة!" لقد كانوا يفهمون هذه اللغة بكينونتهم كلها. ومن ثم خاطبهم بها العليم الخبير منذ تلك القرون. وهي لغة متجددة بتجدد المعرفة، وكلما ارتقى الناس في المعرفة كانوا أقدر على فهمها، متى تفتحت قلوبهم بالإيمان ونظرت بنور الله في هذه الآفاق! والافتراء على الله بالشركاء يكون بنسبة ولد لله - سبحانه - وقد كان مشركو العرب يزعمون أن الملائكة بنات الله. وختام هذا الدرس جولة مع هذا النوع من الشرك والافتراء تبدأ بالحجة في الدنيا وتنتهي بالعذاب في الآخرة على طريقة القرآن: {قالوا: اتخذ الله ولداً، سبحانه هو الغني، له ما في السماوات وما في الأرض، إن عندكم من سلطان بهذا، أتقولون على الله ما لا تعلمون؟ قل: إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون. متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم، ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون}.. وعقيدة أن لله - سبحانه - ولداً، عقيدة ساذجة، منشؤها قصور في التصور، يعجز عن إدراك الفارق الهائل بين الطبيعة الإلهية الأزلية الباقية، والطبيعة البشرية المخلوقة الفانية؛ والقصور كذلك عن إدراك حكمة السنة التي جرت بتوالد أبناء الفناء، وهو التكملة الطبيعية لما فيهم من نقص وقصور لا يكونان لله. فالبشر يموتون، والحياة باقية إلى أجل معلوم، فإلى أن ينقضي هذا الأجل فحكمة الخالق تقتضي امتداد البشر، والولد وسيلة لهذا الامتداد. والبشر يهرمون ويشيخون فيضعفون. والولد تعويض عن القوة الشائخة بقوة فتية، تؤدي دورها في عمارة الأرض - كما شاء الله - وتعين الضعفاء والشيوخ على بقية الحياة. والبشر يكافحون فيما يحيط بهم، ويكافحون أعداؤهم من الحيوان والناس. فهم في حاجة إلى التساند، والولد أقرب من يكون إلى العون في هذه الأحوال. والبشر يستكثرون من المال الذي يجلبونه لأنفسهم بالجهد الذي يبذلونه، والولد يعين على الجهد الذي يجلب المال.. وهكذا إلى سائر ما اقتضته حكمة الخالق لعمارة هذه الأرض، حتى ينقضي الأجل، ويقضي الله أمراً كان مفعولاً. وليس شيء من ذلك كله متعلقاً بالذات الإلهية، فلا الحاجة إلى الامتداد، ولا الحاجة إلى العون عند الشيخوخة، ولا الحاجة إلى النصير، ولا الحاجة إلى المال. ولا الحاجة إلى شيء ما مما يخطر أو لا يخطر على البال متعلقة بذات الله تعالى.. ومن ثم تنتفي حكمة الولد، لأن الطبيعة الإلهية لا يتعلق بها غرض خارج عن ذاته، يتحقق بالولد. وما قضت حكمة الله أن يتولد البشر إلا لأن طبيعتهم قاصرة تحتاج إلى هذا النوع من التكملة. فهي تقتضي الولد اقتضاء. وليست المسألة جزافاً. ومن ثم كان الرد على فرية: {قالوا اتخذ الله ولداً}.. هو: {سبحانه! هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض}. {سبحانه!..} تنزيها لذاته العلية عن مستوى هذا الظن أو الفهم أو التصوّر. {هو الغني}.. بكل معاني الغنى، عن الحاجات التي أسلفنا وعن سواها مما يخطر ومما لا يخطر على البال. مما يقتضي وجود الولد. والمقتضيات هي التي تسمح بوجود المقتضيات، فلا يوجد شيء عبثاً بلا حاجة ولا حكمة ولا غاية. {له ما في السماوات وما في الأرض}. فكل شيء ملكه. ولا حاجة به - سبحانه - لأن يملك شيئاً بمساعدة الولد. فالولد إذن عبث. تعالى الله سبحانه عن العبث! ولا يدخل القرآن الكريم في جدل نظري حول الطبيعة الإلهية والطبيعة الناسوتية، مما جد عند المتكلمين، وفي الفلسفات الأخرى. لأنه يلمس الموضوعات في واقعها القريب إلى الفطرة. ويتعامل مع الموضوع ذاته لا مع فروض جدلية قد تترك الموضوع الحاصر نهائياً وتصبح غرضاً في ذاتها! فيكتفي هنا بهذه اللمسة التي تمس واقعهم، وحاجتهم إلى الولد، وتصورهم لهذه الحاجة، وانتفاء وجودها بالقياس إلى الله الغني الذي يملك ما في السماوات وما في الأرض، ليبلغ من نفوسهم موضع الاقتناع أو موضع الإفحام، بلا جدل نظري يضعف أثر اللمسة النفسية التي تستجيب لها الفطرة في يسر وهوادة. ثم يجبههم بالواقع، وهو أنهم لا يملكون برهاناً على ما يدعون. ويسمي البرهان سلطاناً، لأن البرهان قوة، وصاحب البرهان قوي ذو سلطان: {إن عندكم من سلطان بهذا}.. ما عندكم من حجة ولا برهان على ما تقولون. {أتقولون على الله ما لا تعلمون؟}.. وقول الإنسان ما لا يعلم منقصة لا تليق. فكيف إذا كان هذا القول بلا علم على الله - سبحانه -! إنه جريمة إذن أكبر من كل جريمة. فهو أولاً ينافي ما يستحقه الله من عباده من تنزيه وتعظيم، لأنه وصف له بمقتضيات الحدوث والعجز والنقص والقصور. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ولأنه ضلال في تصور العلاقة بين الخالق والمخلوق، ينشأ عنه ضلال في تصور كل علاقات الحياة والناس والمعاملات. فكلها فرع من تصور هذه العلاقة. وكل ما ابتدعه الكهنة لأنفهسم في الوثنيات من سلطان؛ وكل ابتدعته الكنيسة لها من سلطان، إنما نشأ عن تصور العلاقة بين الله تعالى وبناته الملائكة: أو بين الله تعالى وعيسى بن مريم من صلة الأبوة والبنوة، وحكاية الخطيئة، ومنها نشأت مسألة الاعتراف، ومسألة قيام كنيسة المسيح بتوصيل الناس بأبي المسيح (بزعمهم).. إلى نهاية السلسلة التي متى بدأت الحلقة الأولى فيها بفساد تصور العلاقة بين الخالق والمخلوق فسدت الحلقات التالية كلها في كل ضروب الحياة. فليست المسألة مجرد فساد في التصور الاعتقادي، ولكنه مسألة الحياة برمتها. وكل ما وقع بين الكنيسة وبين العلم والعقل من عداء، انتهى إلى تخلص المجتمع من سلطان الكنيسة بتخلصه من سلطان الدين نفسه! إنما نشأ من هذه الحلقة. حلقة فساد تصور العلاقة بين الله وخلقه. وجر في ذيوله شراً كثيراً تعاني البشرية كلها ويلاته في التيارات المادية وما وراءها من بلايا وأرزاء. ومن ثم كان حرص العقيدة الإسلامية على تجلية هذه العلاقة تجلية كاملة لا لبس فيها ولا إبهام.. الله خالق أزلي باق، لا يحتاج إلى الولد. والعلاقة بينه وبين الناس جميعاً هي علاقة الخالق بخلقه دون استثناء. وللكون والحياة والأحياء سنن ماضية لا تتخلف ولا تحابي. فمن اتبع هذه السنن أفلح وفاز، ومن حاد عنها ضل وخسر.. الناس في هذا كلهم سواء. وكلهم مرجعهم إلى الله. وليس هنالك من شفعاء ولا شركاء. وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً. ولكل نفس ما عملت. ولا يظلم ربك أحداً. عقيدة بسيطة واضحة، لا تدع مجالاً لتأويل فاسد، ولا تنحني أو تنحرف بالقلب في دروب ومنحنيات، وفي في سحب وضباب! ومن ثم يقف الجميع سواء أمام الله وكلهم مخاطب بالشريعة، وكلهم مكلف بها، وكلهم حفيظ عليها، وبذلك تستقيم العلاقات بين الناس بعضهم وبعض، نتيجة استقامة العلاقة بينهم وبين الله. {قل: إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون}.. لا يفلحون أي فلاح. لا يفلحون في شِعب ولا طريق. لا يفلحون في الدنيا ولا في الأخرى. والفلاح الحقيقي هو الذي ينشأ من مسايرة سنن الله الصحيحة، المؤدية إلى الخير وارتقاء البشر وصلاح المجتمع، وتنمية الحياة، ودفعها إلى الإمام. وليس هو مجرد الإنتاج المادي مع تحطم القيم الإنسانية، ومع انتكاس البشر إلى مدارج الحيوانية. فذلك فلاح ظاهري موقوت، منحرف عن خط الرقي الذي يصل بالبشرية إلى أقصى ما تطيقه طبيعتها من الاكتمال. {متاع في الدنيا. ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون}.. مجرد متاع واط. وهو متاع قصير الأمد. وهو متاع مقطوع لأنه لا يتصل بالمتاع اللائق بالبشرية في الدار الآخرة. إنما يعقبه {العذاب الشديد} ثمرة للانحراف عن سنن الله الكونية المؤدية إلى المتاع العالي اللائق ببني الإنسان.
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة بدل اشتمال من جملة {أية : ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}تفسير : [يونس: 25] لأن الهداية بمن يشاء تفيد مهدياً وغير مهدي. ففي هذه الجملة ذِكر ما يشتمل عليه كلا الفريقين، ولك أن تجعلها بدل مفصَّل من مجمل. ولما أوقع ذكر الذين أحسنوا في جملة البيان عَلم السامع أنهم هم الذين هداهم الله إلى صراط مستقيم وأن الصراط المستقيم هو العمل الحسن، وأن الحُسنى هي دار السلام. ويشرح هذه الآية قوله تعالى في سورة [الأنعام: 125 ـ 127]: {أية : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون وهذا صراط ربك مستقيماً قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون}تفسير : . والحسنى: في الأصل صفةُ أثنى الأحسن، ثم عوملت معاملة الجنس فأدخلت عليها لام تعريف الجنس فبعدت عن الوصفية ولَم تَتبع موصوفها. وتعريفها يفيد الاستغراق، مثل البُشرى، ومثل الصالحة التي جمعها الصالحات. والمعنى: للذين أحسنوا جنسُ الأحوال الحسنى عندهم، أي لهم ذلك في الآخرة. وبذلك تعين أن ماصْدقها الذي أريد بها هو الجنة لأنها أحسن مثوبة يصير إليها الذين أحسنوا وبذلك صيرها القرآن علماً بالغلبة على الجنة ونعيمها من حصول الملاذ العظيمة. والزيادة يتعين أنها زيادة لهم ليست داخلة في نوع الحُسنى بالمعنى الذي صار علماً بالغلبة، فلا ينبغي أن تفسر بنوع مما في الجنة لأنها تكون حينئذٍ مما يستغرقه لفظ الحسنى فتعين أنها أمر يرجع إلى رفعة الأقدار، فقيل: هي رضى الله تعالى كما قال: {أية : ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر}تفسير : [التوبة: 72]، وقيل: هي رؤيتهم الله تعالى. وقد ورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في «صحيح مسلم» و«جامع الترمذي» عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، قالوا: ألم تبيض وجوهنا وتنجنا من النار وتدخلنا الجنة، قال: فيُكشف الحجاب، قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه. وهو أصرح ما ورد في تفسيرها. والرهق: الغشيان. وفعله من باب فرح. والقَتَرُ: لوْنٌ هو غُبرة إلى السواد. ويقال له قترة والذي تخلص لي من كلام الأيمة والاستعمال أن القترة لون يغشى جلدة الوجه من شدة البؤس والشقاء والخوفِ. وهو من آثار تهيج الكَبد من ارتجاف الفؤاد خوفاً وتوقعاً. والذلة: الهوان. والمراد أثر الذلة الذي يبدو على وجه الذليل. والكلام مستعمل في صريحه وكنايته، أي لا تتشوه وجوههم بالقتر وأثر الذلة ولا يحصل لهم ما يؤثر القتر وهيئة الذلة. وليس معنَى نفي القتر والذلة عنهم في جملة أوصافهم مديحاً لهم لأن ذلك لا يخطر بالبال وقوعاً بعد أن أثبت لهم الحسنى وزيادة بل المعنى التعريض بالذين لم يهدهم الله إلى صراط مستقيم وهم الذين كسبوا السيئات تعجيلاً للمساءة إليهم بطريق التعريض قبل التصريح الذي يأتي في قوله: {أية : وتَرهقهم ذلة }تفسير : [يونس: 27] إلى قوله: {أية : مظلماً}تفسير : [يونس: 27]. وجملة: {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} نتيجة للمقدمة، فبينها وبين التي قبلها كمال الاتصال ولذلك فصلت عنها ولم تعطف. واسم الإشارة يرجع إلى {الذين أحسنوا}. وفيه تنبيه على أنهم استحقوا الخلود لأجل إحسانهم نظير قوله: {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الحسنى وزيادة: الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم. ولا يرهق وجوههم: أي لا يغشى وجوههم. قتر: غَبرة من الكآبة والحزن. السيآت: جمع سيئة ما يُسيء إلى النفس من ذنوب الشرك والمعاصي. مكانكم: أي الزموا مكانكم لا تفارقوه. فزيلنا بينهم: فرقنا بينهم. هنالك: أي ثَمَّ. تبلو كل نفس: أي تَختبر. ما أسلفت: أي ما قدمت. وضل عنهم ما كانوا يفترون: أي غاب عنهم ما كانوا يكذبون. معنى الآيات: بعد أن ذكر تعالى في الآية السابقة أنه يدعو إلى دار السلام ذكر جزاء من أجاب الدعوة ومن لم يجبها فقال للذين أحسنوا فآمنوا وعبدوا الله بما شرع ووحدوه تعالى في عبادته وربوبيته وأسمائه وصفاته فهؤلاء جزاؤهم الحسنى وهي الجنة وزيادة وهي النظر إلى وجهه الكريم في دار السلام، وأنهم إذا بعثوا لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة كما يكون ذلك لمن لم يجب دعوة الله تعالى، وقرر جزاءهم ووضحه بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} وذكر جزاء من أعرض عن الدعوة ورفضها فأصر على الكفر والشرك والعصيان فقال {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} فالذين كسبوا سيآت الشرك والمعاصي فأساء ذلك إلى نفوسهم فدساها وخبثها جزاؤهم جهنم وترهقهم ذلة في عرصات القيامة وليس لهم من الله من عاصم يعصمهم من عذاب الله. كأنما وجوههم لسوادها قد أغشيت قطعاً من الليل مظلماً وقوله تعالى {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} تقرير لمصيرهم والعياذ بالله وهو ملازمة النار وعدم الخروج منها بخلودهم فيها. هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى [26] والثانية [27] أما الآيات الثالثة والرابعة والخامسة فإنها تضمنت عرضاً سريعاً لحشر الناس يوم القيامة، والمراد بذلك تقرير عقيدة الإِيمان باليوم الآخر فقال تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} أي في عرصات القيامة {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} أي بِنا آلهة عبدوها دوننا {مَكَانَكُمْ} أي قفوا لا تبرحوا مكانكم {أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ}، ثم يزايل الله تعالى أي يفرق بينهم وهو معنى قوله تعالى {فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} ولا شك أنهم يقولون ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين ندعو من دونك فلذا ذكر تعالى ردهم عليهم في قوله {وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} أي لأننا ما كنا نسمعكم ولا نبصركم ولا أمرناكم بعبادتنا وهذا قول كل من عُبد من دون الله من سائر الأجناس {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا} أي والله {إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} غير شاعرين بحال من الأحوال بعبادتكم. قال تعالى: {هُنَالِكَ} أي في ذلك الموقف الرهيب {تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ} أي تَختبر ما قدمت في دنياها وتعرفه هل هو ضارٌ بها أو نافع لها {وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} هكذا يجدون أنفسهم أمام مولاهم ومالك أمرهم ومعبودهم الحق والذي طالما كفروا به وتنكروا له وجحدوا آياته ورسله وضل أي غاب عنهم ما كانوا يفترونه من الأكاذيب والترهات والأباطيل من تلك الأصنام التي سموها آلهة وعبدوها وندموا يوم لا ينفع الندم وجزاهم بما لم يكونوا يحتسبون. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان فضل الحسنة وما تعقبه من نيل الحسنى. 2- بيان سوء السيئة وما تورثه من حسرة وندامة وما توجبه من خسران. 3- تقرير معتقد البعث والجزاء بعرض صادق واضح له. 4- تبرؤ ما عُبد من دون الله من عابديه وسواء كان المعبود ملكاً أو إنساناً أو جاناً أو شجراً أو حجراً الكل يتبرأ من عابديه ويستشهد الله تعالى عليه. 5- في عرصات القيامة تعلم كل نفس ما أحضرت، وما قدمت وأخرت وتبلو ما أسلفت فتعرف وأنى لها أن تنتفع بما تعرف؟.
القطان
تفسير : لا يرهق وجوههم: لا يغشيها ولا يغطيها. قتر: دخان ساطع الذلة: الهوان. العاصم: المانع. فزيلنا بينهم: فرقنا وميزنا بينهم. بعد أن بيّن الله تعالى في المثل الذي ضربَه غرور المشركين الجاهلين بمتاع الدنيا الزائل، ودعا الناس جميعا الى نشدان السعادة الأبدية - عقّب هنا ببيان حال المحسنين والمسيئين، وما أعدّ لكلٍ منهم في الآخرة فقال: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ}. للذين احسنوا اعمالهم في الدنيا، المنزلة الحسنى في الآخرة وهي الجنة، ولهم زيادة على ذلك فضلاً من الله وتكريما، كما قال تعالى: {أية : وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ} تفسير : [النساء: 173]، [النور: 38]، [فاطر: 30]، [الشورى: 26].وقد فسّر تلك الزيادة عدد من الصحابة والتابعين برؤية الله، روى ذلك الإمام أحمد في مُسْنَده، ومسلمُ في صحيحه. {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. لا يغشى وجوههم كآبة من هّمٍ أو ذُل، وهؤلاء هم اهل الجنة ينعمون فيها دائما. {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا}. أما الذين لم يتسجيبوا لدعوة الله، فكفروا وعصَوا أمر ربهم، فسيُجْزَون بمثل ما عملوا من سوء. {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ}. وتغشاهم ذلة الفضيحة والهوان، وليس لهم مانع يمنعهم من عذاب الله. {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. وجوهُهم مسودّةٌ عليها الغمُّ والكآبة كأنما أُسِدل عليها سوادٌ من ظلمة الليل، أولئك أهلُ النار هم فيها خالدون. قراءات: قرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب: "قطْعا" بسكون الطاء والباقون "قِطَعا". ثم بيّن الله ما ينال المشركين يوم الحشْر من التوبيخ والخزي بقوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ}. اذكُر أيها الرسول هول الموقف يوم نجمعُ الناس كافة، الذين أحسَنوا والذين أساءوا، ثم نقول لمن أشرك منهم: الزَموا مكانكم أنتم وشركاؤُكم لا تبرحوه حتى تنظُروا ما يُفعل بكم. {فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ}. فرّقنا بين المشرِكين والشركاء ووقعتْ بينهم الفُرقة. {وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ}. أيْ تبرّأ الشركاء من الذين عبدوهم، وقالوا لهم: إنكم ما كنتم تعبدوننا، بل كنتم تعبدون أهواءكم وشياطينكم. {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ}. تكفينا شهادةُ الله، واللهُ يعلم أنّنا ما أمرنْاكم بذلك، وما أردنا عبادتكم لنا، ولا نعلم بها ابدا. {هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}. هنالك في موقف الحساب تُختَبَر كلُّ نفسِ فتعلم ما قدّمت من خيرٍ أو شّرٍ وتلقى جزاءه، وأُرجِعوا الى الله ربِّهم الحق، وتكشَّف الموقفُ عن ربٍّ واحدٍ يرجع اليه الجميع، ولم يجد المشركون شيئاً مما كانوا يفترونه على الله. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: "هنالك تتلوا" بتاءين من التلاوة يعني تقرأ ما عملت، او تتلو تتبع عملها فيقودها الى الجنة او الى النار.
د. أسعد حومد
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} {أَصْحَابُ} {خَالِدُونَ} (26) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الذِينَ يَسْتَجِيبُونَ لِدَعْوَةِ اللهِ، وَيُحْسِنُونَ العَمَلَ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا، سَيَكُونُ جَزَاؤُهُمُ الحُسْنَى مِنَ اللهِ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ (وَهَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ)، وَسَيُضَاعِفُ اللهُ لَهُمْ ثَوَابَ أَعْمَالِهِمْ (وَزِيَادَةٌ)، وَسَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، وَسَيُعْطِيهِمْ مَا لاَ عَيْنَ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ}: (الحُسْنَى الجَنَّةُ. وَالزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ). وَلاَ يَغْشَى وُجُوهَهُمْ قَتَامٌ أَسْوَدُ، مِمَّا يَعْتَرِي وُجُوهَ الكَفَرَةِ، مِنَ القَتَرَةِ وَالغَبَرَةِ، وَلاَ يَلْحَقُ بِالمُؤْمِنينَ صَغَارٌ وَلاَ هَوَانٌ وَلا ذِلَّةٌ. وَقَالَ اللهُ تَعَالَى يَصِفُ المُؤْمِنينَ فِي آيَةٍ أُخْرَى {أية : فَوَقَاهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً}. تفسير : لاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ - لاَ يَغْشَى وُجُوهَهُمْ وَلاَ يَعْلُوهَا. قَتَرٌ - غُبَارٌ أَسْوَدُ. ذِلَّةٌ - أَثَرُ هَوَانٍ.
الثعلبي
تفسير : {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن يوسف بن يعقوب الفقيه في آخرين قالوا: حدثنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار. الحسين بن عرفة العبدي حدثني سلم بن سالم البلخي عن نوح عن أُبيّ عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} فقال: الذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى وهي الجنّة والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم ". تفسير : وهو قول أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) وحذيفة وأبي موسى وصهيب وعبادة بن الصامت وكعب ابن عجرة وعامر بن سعد وعبد الرحمن بن سابط والحسن وعكرمة وأبي الجوزاء والضحاك والسدي وعطاء ومقاتل، يدلّ عليه: ما أخبرنا أبو إسحاق بن الفضل القهندري أخبرنا أبو علي الصفار. الحسن بن عرفة. يزيد ابن هارون عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا أن: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً لم تروه، قال: فيقولون وما هو؟ ألم تبيّض وجوهنا وتزحزحنا عن النار وتدخلنا الجنة. قال: فيكشف الحجاب تبارك وتعالى - فينظرون إليه - قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم منه . تفسير : قال ابن عباس: الذين أحسنوا الحسنى يعني الذين شهدوا أن لا إله إلاّ الله الجنة. وروى عطية عنه هي أن واحدة من الحسنات واحدة والزيادة التضعيف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. وروى جويبر عن الليث عن عبد الرحمن بن سابط قال: الحسنى: النظرة، والزيادة: النظر. قال الله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}تفسير : [القيامة: 22-23]. وروى الحكم عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) قال: الزيادة غرفة من لؤلؤ واحدة لها أربعة ألف باب. مجاهد: الحسنى: حسنة مثل حسنة والزيادة مغفرة من الله ورضوان، ابن زيد: الحسنى: الجنة والزيادة ما أعطاهم في الدعاء لا يحاسبهم به يوم القيامة. حكى منصور بن عمار عن يزيد بن شجرة قال: الزيادة: هي أن تمرّ السحابة بأهل الجنة فتمطرهم من كل النوادر، وتقول لهم: ما تريدون ان أُمطركم؟ فلا يريدون شيئاً إلاّ مطرتهم. {وَلاَ يَرْهَقُ} يغشى ويلحق {وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ} غبار وهو جمع قترة. قال الشاعر: شعر : متوج برداء الملك يتبعه موج ترى فوقه الرايات والقترا تفسير : وقال ابن عباس وقتادة: سواد الوجوه، وقرأ الحسن: قتر بسكون التاء وهما لغتان كالقدْر والقدَر {وَلاَ ذِلَّةٌ} هوان، وقال قتادة: كآبة وكسوف. قال ابن أبي ليلى: هذا بعد نظرهم إلى ربهم {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} يجوز أن يكون الجزاء مرفوعاً بإضمار أي: لهم جزاء، ويجوز أن يكون مرفوعاً بالياء، فيجوز أن يكون إبتداء وخبره بمثلها أي: مثلها بزيادة الباء فيها كقولهم: بحسبك قول السوء. {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ} من عذاب الله {مِنْ عَاصِمٍ} أي من مانع، ومن صلة {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ} أُلبست {وُجُوهُهُمْ قِطَعاً} أكثر القراء على فتح الطاء وهو جمع قطعة ويكون «مظلماً» على هذه القراءة نصباً على الحال والقطع دون النعت كأنه أراد قطع من الليل المظلم فلما حذف الألف واللام نصب. يجوز أن يكون مظلماً صفة لقطع وسط الكلام كقول الشاعر: شعر : لو أن مدحة حي منشر أحداً تفسير : وقرأ أبو جعفر والكسائي وابن كثير {قِطَعاً} بإسكان الطاء وتكون {مُظْلِماً} على هذا نعت كقوله: بقطع من الليل، إعتباراً بقراءة أُبيّ: كأنما يغشى وجوههم قطع من الليل مظلم {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ} اثبتوا وقِفوا في موضعكم ولا تبرحوا {أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ} يعني الأوثان {فَزَيَّلْنَا} ميّزنا وفرقنا بين المشركين وشركائهم وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا بذلك حين [اتخذوا] كل معبود من دون الله من خلقه {وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} يقولون بلى كنا نعبدكم فيقول الأصنام: {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ} أي ما كنا عن عبادتكم إيّانا إلاّ غافلين، ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل. قال الله تعالى: {هُنَالِكَ تَبْلُواْ} أي تخبر وقيل: تعلم، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وطلحة وعيسى وحمزة والكسائي (تبلوا) بالتاء، وهي قراءة ابن مسعود في معنى: وتقرأ. {كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ} صحيفتها، وقيل: معناه تتبع ما قدمت من خير وشرّ، وقال ابن زيد [تعاون] {وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ وَضَلَّ} [بطل] {عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [من الآلهة] {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} المطر {وَٱلأَرْضِ} النبات {أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ} الذي فعل هذه الأشياء {فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أفلا تخافون عقابه في شرككم {فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ} الذي يفعل هذه الأشياء {رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} فمن أين تصرفون عن عبادته وأنتم مقرّون {كَذَلِكَ} فسرها الكلبي هكذا في جميع القرآن {حَقَّتْ} وجبت {كَلِمَتُ رَبِّكَ} حكمه وعلمه السابق. وقرأ الأعرج: كلمات {عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوۤاْ} كفروا {أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ} ينشىء من غير أصل ولا [مثال] {ثُمَّ يُعِيدُهُ} يحييه بهيئته بعد الموت [أي قل لهم يا محمد ذلك على وجهة التوبيخ والتقرير] فإن أجابوك وإلاّ {قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} تصرفون عن قصد السبيل {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ} أوثانكم {مَّن يَهْدِيۤ} يرشد {إِلَى ٱلْحَقِّ} فإذا قالوا: لا، فلابدّ لهم منه {قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ} أي إلى الحق {أَفَمَن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ}. اختلف القراء فيه، فقرأ أهل المدينة: مجزومة الهاء مشدّدة الدال لأن أصله يهتدي فأُدغمت التاء في الدال وتركت الهاء على [السكون] في قراءتهم بين ساكنين كما فعلوا في قوله: (تعدّوا وتخصّمون). وقرأ ابن كثير وابن عامر بفتح الهاء وتشديد الدال وقلبت الياء المدغمة الى الهاء، فاختاره أبو عبيد وأبو حاتم، وقرأ عاصم وورش بكسر الهاء وتشديد الدال فراراً من إلتقاء الساكنين. [لأن الجزم إذا اضطر إلى حركته] تحول إلى الكسر. قال أبو حاتم: هي لغة سفلى مضر. وروى يحيى ابن آدم عن أبي بكر عن عاصم بكسر الهاء والياء وتشديد الدال [لإتباع] الكسر الكسر وقيل: هو على لغة من يقرأ نعبد ونستعين ولن تمسّنا النار ونحوها، وقرأ أبو عمرو بين الفتح والجزم على مذهبه في الإخفاء، وقرأ حمزة والكسائي وخلف: بجزم الهاء وتخفيف الدال على معنى يهتدي، يقال: هديته فهدى أي اهتدى فقال: خبرته فخبر ونقصته فنقص. {إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ} في معنى الآية وجهان: فصرفها قوم إلى الرؤساء والمظلين. أراد لا يرشدون إلاّ أن يرشدوا وحملها الآخرون على الأصنام، قالوا: وجه الكلام والمعنى لا يمشي إلاّ أن يحمل وينتقل عن مكانه إلاّ أن ينقل كقول الشاعر: شعر : للفتى عقل يعيش به حيث تهدي ساقه قدمه تفسير : يريد حيث يحمل {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} تقضون لأنفسكم {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً} منهم إنها آلهة وأنها تشفع لهم في الآخرة وأراد بالأكثر الكل {إِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكلمة {ٱلْحُسْنَىٰ} مثلها مثل قولنا: "امرأة فُضْلى" ونقول أيضاً: امرأة كبرى، وهي أفعل تفضيل، أي: مبالغة في الفضل. والمقصود بقوله سبحانه: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ} أي: بالغوا في أداء الحسنات، والحسنة كما نعلم بعشرة أمثالها، وهنا يقول الحق سبحانه: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} فما هذه الزيادة؟ نقول: هي عطاء زائد في الحسنات، فهناك "كادر" للجزاء بالحسنات، يبدأ بعشرة أمثال الحسنة ويصل إلى سبعمائة ضعف، أما السيئة فبواحدة. وهذا "الكادر" لا يحدد فضل الله تعالى، بل الحق سبحانه يزيد من فضله مَنْ يشاء. ولذلك يجب ألا نفرق بين عدل الله سبحانه في أن الشيء يساوي الشيء، وفضل الله تعالى في أن يجزى على الشيء الحسن بأضعاف أضعاف ما نتصور. والحق سبحانه يقول: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ}تفسير : [يونس: 58]. وقال قوم من العارفين بالله: إن الزيادة المقصودة هي في العشرة الأمثال والسبعمائة ضعف، والفضل هو ما فوق ذلك. وهكذا تتعدد مراتب الجزاء: فهناك العشرة الأمثال، والسبعمائة ضعف، والحسنى، والزيادة عن الحسنى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك: "حديث : إذا دخل أهل الجنة الجنة قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم. فيقولون: ألم تُبيِّض وجوهنا؟ ألم تُدخلنا الجنة وتُنجِّنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل ". تفسير : ثم يقول الحق سبحانه: {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ} أي: لا يغطي وجوههم غبار، وهو سبحانه القائل: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}تفسير : [القيامة: 22-23]. وهو سبحانه القائل: {أية : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ}تفسير : [عبس: 40-41]. وترهقها: أي تغطيها، وقترة تعني: الغبار، وهي مأخوذة من القُتار وهو الهواء الذي يمتلىء بدخان الدُّهْن المحترق من اللحم المشوي، وقد تكون رائحته أخَّاذة ويسيل لها اللعاب، ولكن مَنْ يوضع على وجهه هذا القتار يصنع له طبقة سوداء. ويقول الحق سبحانه: {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ} [يونس: 26]. لأنهم اتقوا الله سبحانه وأحبوا منهجه. ويقول الحق سبحانه: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ..}تفسير : [آل عمران: 106]. فليس المقصود هو لون الوجه في الدنيا؛ لأنك قد تجد إنساناً أسود اللون لكنه بالإيمان قد أشرق وجهه، وأحاطت ملامحه هالة من البهاء. وهناك من هو أبيض الوجه ولكنه من فرط معصية الله صار وجهه بلا نور. ويقول الحق سبحانه: {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 26]. أي: أنهم ملازمون للجنة ملازمة الصاحب لصاحبه، أو "أصحاب الجنة" أي: مَنْ يملكونها. يقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} فالحُسنى: الجَنةُ والزِّيادةُ: غُرفةٌ من لُؤلؤةٍ لَهَا أَربعةُ أَبوابٍ. ويقالُ الزِّيادةُ: الحَسنةُ بعشرِ أَمثالِهَا. ويقال الزِّيادةُ: مَغفرةٌ ورِضوانٌ. ويقالُ الزِّيادةُ: نِعمُ الله تَعالى التي أَنعمَ عَليهِم. تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ} معناهُ لاَ يَغْشَاهَا. والقَترُ: الغُبَارُ.
الأندلسي
تفسير : {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} أي أحسنوا في كل ما تعبدوا به، أي أتوا بالمأمور كما ينبغي واجتنبوا المنهي عنه والحسنى هي الجنة. وزيادة هي النظر إلى الله تعالى في الجنة، ولا يلحقها خزي. والخزي يتغير به الوجه ويسود فكنى بالوجه عن الجملة لكونه أشرفها، ولظهور أثر السرور والحزن فيه. {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} والذين مبتدأ. و{جَزَآءُ} مبتدأ ثان، وخبره: {بِمِثْلِهَا} وقيل: الباء زائدة. والضمير العائد على المبتدأ محذوف تقديره جزاء سيئة منهم بمثلها. وقيل: خبر والذين قوله: {مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} والجملتان قبله اعتراض بين المبتدأ وخبره. {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ} هذه مبالغة في سواد الوجوه وقد جاء مصرحاً به في قوله: {أية : وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} تفسير : [آل عمران: 106]. وأغشيت: كسيت، ومنه الغشاء. وكون وجوههم مسودة هو حقيقة لا مجاز فتكون ألوانهم مسودة. وقرىء: قطعاً بسكون الطاء، ومظلماً صفة له: وقرىء: بفتح الطاء فيكون مظلماً حالاً من الليل. وقال الزمخشري: فإِن قلت: إذا جعلت مظلماً حالاً من الليل، فما العامل فيه؟ قلت: لا يخلو اما أن يكون اغشيت من قِبَل أنّ من الليل صفة لقوله: قطعاً فكان إفضاؤه إلى الموصوف كإِفضائه إلى الصفة، وأما أن يكون معنى الفعل في من الليل. "انتهى". أما الوجه الأول فهو بعيد لأن الأصل أن يكون العامل في الحال هو العامل في ذي الحال، والعامل هو مستقر الواصل إليه بمن وأغشيت عامل في قوله: قطعاً، الموصوف بقوله: من الليل، فاختلفا. فلذلك كان الوجه الأخير أولى أي قطعاً مستقرة أو كائنة من الليل في حال إظلامه. قال ابن عطية: وإذا كان نعتاً يعني مظلماً نعتاً لقطعاً فكان حقه أن يكون قبل الجملة، ولكن قد يجيءُ بعد هذا وتقدير الجملة قطعاً استقر من الليل مظلماً على نحو قوله: {أية : وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ} تفسير : [الأنعام: 92، 155]. "انتهى". لا يتعين تقدير العامل في المجرور بالفعل فتكون جملة بل الظاهر أن يقدر باسم الفاعل فيكون من قبيل الوصف بالمفرد، والتقدير قطعاً كائناً من الليل مظلماً. {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} الآية، الضمير في نحشرهم عائد على من تقدم من الفريقين وانتصب يوم على فعل محذوف، أي ذكرهم أو خوّفهم. ونحوُه وجميعاً: حال. والشركاء: هم من عُبد من دون الله كائناً من كان. ومكانكم: عده النحويون في أسماء الأفعال وقدر باثبتوا كما قال: شعر : وقولي كلما جشأت وجاشت مكانك تحمدي أو تستريحي تفسير : أي اثبتي. ولكونها بمعنى اثبتي جزم تحمدي وتحملت ضميراً فأكد. وعطف عليه في قوله: أنتم وشركاؤكم. قال الزمخشري: وأنتم أكد به الضمير في مكانكم لسده مسد قوله: الزموا وشركاؤكم عطف عليه. "انتهى". يعني عطفاً على الضمير المستكن، وتقديره الزموا. وان مكانكم قام مقامه فتحمل الضمير الذي في الزموا ليس بجيد، إذ لو كان كذلك لكان مكانكم الذي هو اسم فعل يتعدى كما يتعدى الزموا، ألا ترى أن اسم الفعل إذا كان الفعل لازماً كان اسم الفعل لازماً وإذا كان متعدياً مثال ذلك بنا عليك زيداً، لما ناب مناب الزم تعدى، وإليك لما ناب مناب تنح لم يتعد، ولكون مكانك لا يتعدى قدّره النحويون اثبتوا، واثبتوا لا يتعدى. قال ابن عطية: أنتم رفع بالابتداء، والخبر مخزيون أو مهانون ونحوه، فيكون مكانكم قد تم، ثم أخبر أنهم كذا، وهذا ضعيف لفك الكلام. الظاهر اتصال بعض أجزائه ببعض ولتقدير إضمار لا ضرورة تدعو إليه. ولقوله: فزيلنا بينهم إذ يدل على أنهم ثبتوا هم وشركاؤهم في مكان واحد حتى وقع التزييل بينهم وهو التفريق، ولقراءة من قرأ أنتم وشركاءكم بالنصب على أنه مفعول معه، والعامل فيه اسم الفعل. ولو كان أنتم مبتدأ وقد حذف خبره، لما جاز أن يأتي بعده مفعول معه، تقول: كل رجل وضيعته، بالرفع ولا يجوز فيه النصب. قال ابن عطية: ويجوز أن يكون أنتم تأكيداً للضمير الذي في الفعل المقدر الذي هو قفوا أو نحوه، وهذا ليس بجيد إذ لو كان تأكيداً لذلك الضمير المتصل بالفعل لجاز تقديمه على الظرف إذ الظرف لم يتحمل ضميراً على هذا القول، فيلزم تأخيره عنه وهو غير جائز لا تقول: أنت مكانك، ولا يحفظ من كلامهم. والأصح أنه لا يجوز حذف المؤكد في التأكيد المعنوي، فكذلك هذا لأن التأكيد ينافي الحذف، وليس من كلامهم: أنت زيداً لمن رأيته قد شهر سيفاً، وأنت تريد أضرب أنت زيداً، إنما كلام العرب زيداً، تريد اضرب زيداً فزيّلنا يقال: زلت الشىء عن مكانه أزيله، معيّن الكلمة ياء. وزعم ابن قتيبة وتبعه أبو البقاء ان قوله: زيّلنا من مادة زال يزول فتكون عين الكلمة واو، وزيلنا وزنه عندهما فيعل اجتمعت ياء وواو، وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء. والصحيح أنه من ذوات الياء وان وزنه فعّل ولذلك قالوا في مصدره تزييلاً على وزن تفعيل، وقالوا في الاشتقاق منه زايلنا بالياء. ونفي الشركاء عبادة المشركين هو رد لقولهم: إياكم كنا نعبد. وإياكم: مفعول بتعبدون، وحسن تقديمه كون تعبدون فصلاً ولما تنازعوا استشهد الشركاء بالله تعالى، وانتصب شهيداً على التمييز لقبوله صحة من، وانْ هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بين انْ النافية وبين ان التي للإِثبات. وتقدم الكلام على مثل ذلك في قوله: {أية : وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً} تفسير : [البقرة: 143]. {هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ} هنالك ظرف مكان، أي في ذلك الموقف والمقام المقتضي للحيرة والدهش. تبلوا، أي تختبر ما أسلفت من العمل فتعرف كيف هو أقبيح أم حسن، أنافع أم ضار، مقبول أو مردود. وقرىء: تبلو. وقرىء: تتلو. {وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} أي إلى جزائه. {وَضَلَّ عَنْهُمْ} أي ذهب وبطل. {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من الكذب.
الجيلاني
تفسير : لذلك قال سبحانه: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} في هذه النشأة مع الله ورسله، وامتثلوا جميع ما جاء من عنده في كتبه؛ تعبيراً وانقياداً، إيماناً واحتساباً {ٱلْحُسْنَىٰ} أي: المثوبة العظمة الدرجة العلا، بدل إحسانهم في الدنيا؛ عدلاً من الله {وَزِيَادَةٌ} عليها، وهي رضوان الله منهم غايةً وتفضلاً {وَ} صاروا من صغاء عقائدهم وإحسانهم مع الله {لاَ يَرْهَقُ} ويلحق {وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ} غيار الغفلة والندامة {وَلاَ ذِلَّةٌ} صغار وهوان من التواني والتكاسل في احتمال التكاليف الإلهية {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء، المقبولون عند الله {أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} المعدة لأرباب الفضل والعنابة {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 26] جزاءً بما كانوا يعملون من الخيرات والمبرات. {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} من طغيان نفوسهم، ولم يلتفتوا إلى ما أمرهم الحق، وهداهم إليه رسله، يجيزون على مقتضى ما افترقوا {جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} عدلاً منه سبحانه {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أي: تغطاهم غبار المذلة والخذلان، بدل ما اكتسبوا من البغي والعدوان {مَّا لَهُمْ} حينئذٍ {مِّنَ ٱللَّهِ} أي: من عذابه وعقابه {مِنْ عَاصِمٍ} حافظ يحفظهم، أو شفيع يشفع لهم ويخفف عنهم، بل صاروا من ظلمة كفرهم وفسقهم {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ} سترت وأحيطت {وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ مُظْلِماً} في غاية الظلمة لعدم استنارتهم بنور الإيمان والعمل الصالح {أُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء، الهالكون في تيه الغي والضلال {أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} المعدة لأهل الغفلة والأهواء {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 27] جزاءً بما كانوا يكسبون من الكفر والمعاصي. {وَ} اذكر لهم يا أكمل الرسل {يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} أي: كلا الفريقين {جَمِيعاً} في يوم العرض والجزاء {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} بنا غيرنا من التماثيل والأصنام: الزموا {مَكَانَكُمْ} واستقروا عليها {أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ} حتى تسألوا عمَّا أجرمتم {فَزَيَّلْنَا} فرَّقنا وفصلنا {بَيْنَهُمْ} أي: رفعنا رابطة العابدية والمعبودية التي بها وصلتهم وارتباطهم {وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ} مخاطبين إياه مشافهةً؛ برءة لنفوسهم: {مَّا كُنتُمْ} أيها الضالون، المنهمكون في الغي والضلال {إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} [يونس: 28] بعلمنا وأمرنا؛ إذ لسنا من ذوي العلم وأولي الأمر، بل تعبدون أنتم أهواءكم وشياطينكم الكامنة في نفوسكم قد افتريتم علينا ونسبتم بنا؛ عناداً ومكابرةً. {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ} اليوم وفيما مضى {شَهِيداً} على ما جرى {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} هو أعلم بعلمه القديم {إِن كُنَّا} أي: إنَّا كنَّا {عَنْ عِبَادَتِكُمْ} أي: توجهكم ورجوعكم إلينا {لَغَافِلِينَ} [يونس: 29] إذ لم نخلق من ذوي الشعور والإدراك في نشأة الاختبار حتى نضلكم ونستعبدكم. وبالجملة: {هُنَالِكَ} أي: حين أحضروا للسؤال والجواب، والجزاء والحساب {تَبْلُواْ} أي: تختبر وتتفطن {كُلُّ نَفْسٍ} جزاء {مَّآ أَسْلَفَتْ} وكسبت فيما سبقت {وَ} بعد تفطنهم وتنبههم {رُدُّوۤاْ} جميعاً {إِلَى ٱللَّهِ} المتوحد المتفرد للجزاء؛ إذ هو {مَوْلاَهُمُ} ومولى أمورهم {ٱلْحَقِّ} وما سواه من الآلهة الكاذبة الباطلة، ومع بطلانها {وَضَلَّ عَنْهُمْ} أي: غاب عنهم وضاع عنهم {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [يونس: 30] ظلماً وزوراً، وسموهم آلهة وشفعاء، ولم يبقَ إلا الله الواحد القهار، ولو كوشفوا بوحدة الحق في جميع الأحيان والأحياز لتحققوا بتوحيده دائماً بلا توقف إلى يوم القيامة، إلا أنهم لا نهماكهم في الغفلة والضلال لم ينتبهوا في النشأة الأولى.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ} [26] 254- أنا أحمد بن سليمان، نا عفَّان بن مسلم، نا حمَّاد بن سلمة، أنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صُهيب قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} قال: "حديث : إذا دخل أهل الجنَّة الجنَّة، وأهل النار النار، نادى مناديا: يا أهل الجنة إن لكم عند ربكم موعداً يريد أن يُنجزكموه، قالوا: ألم يُبيِّض وجوهنا، ويُثْقل موازيننا، ويُدخلنا الجنة، ويُجِرنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحبَّ إليهم من النظر إليه ولا أقرَّ لأعينهم ".
همام الصنعاني
تفسير : 1155- حدثنا عبد الرزاق، عن معمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ}: [الآية: 26]، قال: الحُسْنَى الجنة، والزيادة فيما بلغنا: النَّظَرُ إلَى وَجْهِ الله. 1156- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عوف، عن أبي رجاء الْعطاردِي، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : فَلاَ أَدْرِي أَقَالَ في الْمَنَامِ أمْ لاَ، وَكَانَ مَنَامُه وَحْياً رأيت رَجُلاً شقَّ أَحَدٌ شدقيه، حتى يَنْفَكَّ لِحْيُهُ وتَحوّلَ إلى الشّقِّ الآخر فَيشُقُّهُ ويلتئم هذا، ثم يعود إليه أيضاً فيشقه، فَقُلْتُ: من هذا؟ قال: هو الذي يكذب الكذبة تطير في الآفاق. قال: ورأيت رجلاً يرضخ رأسه بحجر، فكلما رضخ رضخة ثأت الحجر أو ثدأت ثم يعود رأسه فيرضخ، قال فقلت: من هذا؟ فقِيلَ: كَانَ يَنَامُ عن الصَّلاَةِ ولا يصلي من الليل شيئاً . تفسير : 1157- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن يحيى بن أبي كثير، قَالَ: حدثني عبد الرحمن بن البَيْلماني، قَالَ: حديث : ما مِنْ ليلة إلاَّ يَنْزِلُ رَبّكُمْ إلى السَّماءِ الدنيا وَمَا مِنْ سَماءٍ إلاَّ وَلَهُ فِيهَا كرْسيّ، فإذا نزل إلى سَمَاءٍ خَرَّ أهْلُهَا سجوداً حتى يَرْجع، فإذا أتى إلى السَّمَاء الدنيا تأطَّطَّت وتزعْزَعَتْ مِنْ خَشْيَةِ الله، وهُوَ باسط يديه يقول: "من يَدْعُنِي أُجِبْهُ، ومن يتب إليَّ أتُبْ عَلَيْهِ، ومَنْ يستغفرني فأغفر له ومن سألني فأعطيه، ومن يقرض غير عدومٍ ولاَ ظَلُومٍ ". تفسير : 1158- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق الهمداني، عن الأغَرِّ أبي مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن اللهَ تبارك وتعالى يُمْهِدُ حتَّى إذا كان ثلث الليل الآخر نزل إلى هذه السَّمَاءِ، فنَادَى يقول: "هلْ من مذنب يَتُوبُ، هل من مستغفر، هل من دَاعٍ، هَلْ من سائل"تفسير : إلى الفجر. 1159- عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى قال: {ٱلْحُسْنَىٰ}: الجنَّة، والـ{وَزِيَادَةٌ}: النظر إلى وجه الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):