١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
25
Tafseer
الرازي
تفسير : المسألة الأولى: في كيفية النظم. اعلم أنه تعالى لما نفر الغافلين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق، رغبهم في الآخرة بهذه الآية. ووجه الترغيب في الآخرة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : مثلي ومثلكم شبه سيد بنى داراً ووضع مائدة وأرسل داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المائدة ورضي عنه السيد. ومن لم يجب لم يدخل ولم يأكل ولم يرض عنه السيد فالله السيد، والدار دار الإسلام، والمائدة الجنة، والداعي محمد عليه السلام . تفسير : وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنيبها ملكان يناديان بحيث يسمع كل الخلائق إلا الثقلين. أيها الناس؛ هلموا إلى ربكم والله يدعوا إلى دار السلام » تفسير : . المسألة الثانية: لا شبهة أن المراد من دار السلام الجنة، إلا أنهم اختلفوا في السبب الذي لأجله حصل هذا الاسم على وجوه: الأول: أن السلام هو الله تعالى، والجنة داره. ويجب علينا ههنا بيان فائدة تسمية الله تعالى بالسلام، وفيه وجوه: أحدها: أنه لما كان واجب الوجود لذاته فقد سلم من الفناء والتغير، وسلم من احتياجه في ذاته وصفاته إلى الافتقار إلى الغير، وهذه الصفة ليست إلا له سبحانه كما قال: { أية : وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَاء } تفسير : [محمد: 38] وقال: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَاء إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [فاطر: 15] وثانيها: أنه تعالى يوصف بالسلام بمعنى أن الخلق سلموا من ظلمه، قال: { أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } تفسير : [فصلت: 46] ولأن كل ما سواه فهو ملكه وملكه، وتصرف الفاعل في ملك نفسه لا يكون ظلماً. ولأن الظلم إنما يصدر إما عن العاجز أو الجاهل أو المحتاج، ولما كان الكل محالاً على الله تعالى، كان الظلم محالاً في حقه. وثالثها: قال المبرد: إنه تعالى يوصف بالسلام بمعنى أنه ذو السلام، أي الذي لا يقدر على السلام إلا هو، والسلام عبارة عن تخليص العاجزين عن المكاره والآفات. فالحق تعالى هو الساتر لعيوب المعيوبين، وهو المجيب لدعوة المضطرين، وهو المنتصف للمظلومين من الظالمين. قال المبرد: وعلى هذا التقدير: السلام مصدر سلم. القول الثاني: السلام جمع سلامة، ومعنى دار السلام: الدار التي من دخلها سلم من الآفات. فالسلام ههنا بمعنى السلامة، كالرضاع بمعنى الرضاعة. فإن الإنسان هناك سلم من كل الآفات، كالموت والمرض والألم والمصائب ونزعات الشيطان والكفر والبدعة والكد والتعب. والقول الثالث: أنه سميت الجنة بدار السلام لأنه تعالى يسلم على أهلها قال تعالى: { أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } تفسير : [يس: 58] والملائكة يسلمون عليهم أيضاً، قال تعالى: { أية : وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ } تفسير : [الرعد: 23، 24] وهم أيضاً يحيي بعضهم بعضاً بالسلام قال تعالى: { أية : تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ } تفسير : [يونس: 10] وأيضاً فسلامهم يصل إلى السعداء من أهل الدنيا، قال تعالى: { أية : وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ فَسَلَـٰمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ } تفسير : [الواقعة: 90، 91]. المسألة الثالثة: اعلم أن كمال جود الله تعالى وكمال قدرته وكمال رحمته بعباده معلوم، فدعوته عبيده إلى دار السلام، تدل على أن دار السلام قد حصل فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لأن العظيم إذا استعظم شيئاً ورغب فيه وبالغ في ذلك الترغيب، دل ذلك على كمال حال ذلك الشيء، لا سيما وقد ملأ الله هذا الكتاب المقدس من وصف الجنة مثل قوله: { أية : فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةٍ نَعِيمٍ } تفسير : [الواقعة: 89] ونحن نذكر ههنا كلاماً كلياً في تقرير هذا المطلوب، فنقول: الإنسان إنما يسعى في يومه لغده. ولكل إنسان غدان، غد في الدنيا وغد في الآخرة. فنقول: غد الآخرة خير من غد الدنيا من وجوه أربعة: أولها: أن الإنسان قد لا يدرك غد الدنيا وبالضرورة يدرك غد الآخرة. وثانيها: أن بتقدير أن يدرك غد الدنيا فلعله لا يمكنه أن ينتفع بما جمعه، إما لأنه يضيع منه ذلك المال أو لأنه يحصل في بدنه مرض يمنعه من الانتفاع به. أما غد الآخرة فكلما اكتسبه الإنسان لأجل هذا اليوم، فإنه لا بد وأن ينتفع به. وثالثها: أن بتقدير أن يجد غد الدنيا ويقدر على أن ينتفع بماله، إلا أن تلك المنافع مخلوطة بالمضار والمتاعب، لأن سعادات الدنيا غير خالصة عن الآفات، بل هي ممزوجة بالبليات، والاستقراء يدل عليه. ولذلك قال عليه السلام: « حديث : من طلب مالم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق » تفسير : فقيل يا رسول الله وما هو؟ قال: « حديث : سرور يوم بتمامه » تفسير : وأما منافع عز الآخرة فهي خالصة عن الغموم والهموم والأحزان سالمة عن كل المنفرات. ورابعها: أن بتقدير أن يصل الإنسان إلى عز الدنيا وينتفع بسببه، وكان ذلك الانتفاع خالياً عن خلط الآفات، إلا أنه لا بد وأن يكون منقطعاً. ومنافع الآخرة دائمة مبرأة عن الانقطاع، فثبت أن سعادات الدنيا مشوبة بهذه العيوب الأربعة، وأن سعادات الآخرة سالمة عنها. فلهذا السبب كانت الجنة دار السلام. المسألة الرابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر والإيمان بقضاء الله تعالى قالوا: إنه تعالى بين في هذه الآية أنه دعا جميع الخلق إلى دار السلام، ثم بين أنه ما هدى إلا بعضهم فهذه الهداية الخاصة يجب أن تكون مغايرة لتلك الدعوة العامة، ولا شك أيضاً أن الأقدار والتمكين وإرسال الرسل وإنزال الكتب أمور عامة، فوجب أن تكون هذه الهداية الخاصة مغايرة لكل هذه الأشياء، وما ذاك إلا ما ذكرناه من أنه تعالى خصه بالعلم والمعرفة دون غيره. واعلم أن هذه الآية مشكلة على المعتزلة وما قدروا على إيراد الأسئلة الكثيرة، وحاصل ما ذكره القاضي في وجهين: الأول: أن يكون المراد ويهدي الله من يشاء إلى إجابة تلك الدعوة، بمعنى أن من أجاب الدعاء وأطاع واتقى فإن الله يهديه إليها. والثاني: أن المراد من هذه الآية الألطاف. وأجاب أصحابنا عن هذين الوجهين بحرف واحد، وهو أن عندهم أنه يجب على الله فعل هذه الهداية، وما كان واجباً لا يكون معلقاً بالمشيئة، وهذا معلق بالمشيئة، فامتنع حمله على ما ذكروه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ} لما ذكر وصف هذه الدار وهي دار الدنيا وصف الآخرة فقال: إن الله لا يدعوكم إلى جمع الدنيا بل يدعوكم إلى الطاعة لتصيروا إلى دار السلام، أي إلى الجنة. قال قتادة والحسن: السلام هو الله، وداره الجنة؛ وسميت الجنة دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات. ومن أسمائه سبحانه «السلام»، وقد بيناه في (الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى). ويأتي في سورة «الحشر» إن شاء الله. وقيل: المعنى والله يدعو إلى دار السلامة. والسلام والسلامة بمعنًى كالرضاع والرّضاعة؛ قاله الزجاج. قال الشاعر:شعر : تُحَيي بالسلامة أُمُّ بكرٍ وهل لكِ بعد قومِك من سلام تفسير : وقيل: أراد والله يدعو إلى دار التحية؛ لأن أهلها ينالون من الله التحية والسلام، وكذلك من الملائكة. قال الحسن: إن السلام لا ينقطع عن أهل الجنة، وهو تحيتهم؛ كما قال: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ}. وقال يحيى بن معاذ: يابن آدم، دعاك الله إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه، فإن أجبته من دنياك دخلتها، وإن أجبته من قبرك مُنِعتَها. وقال ابن عباس: الجِنان سبع: دار الجلال، ودار السلام، وجنة عدن، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة الفردوس، وجنة النعيم. قوله تعالى: {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} عمّ بالدعوة إظهاراً لحجته، وخصّ بالهداية استغناء عن خلقه. والصراط المستقيم، قيل: كتاب الله؛ رواه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : الصراط المستقيم كتاب الله تعالى»تفسير : . وقيل: الإسلام؛ رواه النوّاس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: الحق؛ قاله قتادة ومجاهد. وقيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. وروى جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال «حديث : رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي فقال أحدهما لصاحبه ٱضرب له مثلاً فقال له ٱسمع سمعتْ أذناك وٱعْقِل عَقَل قلبك إنما مثَلُك ومَثَلُ أُمتك كمثل ملِك ٱتخذ داراً ثم بنى فيها بيتاً ثم جعل فيها مأدَبة ثم بعث رسولاً يدعو الناس إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه فاللَّهُ الملِكُ والدارُ الإسلامُ والبيتُ الجنةُ وأنت يا محمد الرسول فمن أجابك دخل في الإسلام ومن دخل في الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل مما فيها»تفسير : ثم تلا يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم «وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ». ثم تلا قتادة ومجاهد: «وَاللَّهُ يَدْعُوا إلَى دَارِ السَّلاَمِ». وهذه الآية بينة الحجة في الردِّ على القدرية؛ لأنهم قالوا: هدى الله الخلق كلَّهم إلى صراط مستقيم، والله قال: «وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» فردّوا على الله نصوص القرآن.
البيضاوي
تفسير : {وَٱللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ} دار السلام من التقضي والآفة، أو دار الله وتخصيص هذا الاسم أيضاً للتنبيه على ذلك، أو دار يسلم الله والملائكة فيها على من يدخلها والمراد الجنة. {وَيَهْدِى مَن يَشَاء} بالتوفيق. {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} هو طريقها وذلك الإسلام والتدرع بلباس التقوى، وفي تعميم الدعوة وتخصيص الهداية بالمشيئة دليل على أن الأمر غير الإرادة وأن المصر على الضلالة لم يرد الله رشده.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ } أي السلامة وهي الجنة بالدعاء إلى الإِيمان {وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ } هدايته {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } دين الإِسلام.
ابن عطية
تفسير : نصت هذه الآية أن الدعاء إلى الشرع عام في كل بشر، والهداية التي هي الإرشاد مختصة بمن قدر إيمانه، و{السلام } قيل: هو اسم الله عز وجل، فالمعنى يدعو إلى داره التي هي الجنة، وإضافتها إليه إضافة ملك الى مالك، وقيل: {السلام } بمعنى السلامة، أي من دخلها ظفر بالسلامة وأمن الفناء والآفات، وهذه الآية رادة على المعتزلة، وقد وردت في دعوة الله تعالى عباده أحاديث منها رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم إذ رأى في نومه جبريل وميكائيل ومثلا دعوة الله ومحمداً الداعي والملة المدعو إليها والجنة التي هي ثمرة الغفران بالمادية يدعو إليها ملك إلى منزله. وقال قتادة في كلامه على هذه الآية ذكر لنا أن في التوراة مكتوباً " يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر انته ". وقوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } الآية، قالت فرقة وهي الجمهور: {الحسنى } الجنة و" الزيادة " النظر إلى وجه الله عز وجل، وروي في نحو ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه صهيب، وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وحذيفة وأبي موسى الأشعري وعامر بن سعد وعبد الرحمن ابن أبي ليلى، وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: " الزيادة " غرفة من لؤلؤة واحدة، وقالت فرقة {الحسنى } هي الحسنة، و" الزيادة " هي تضعيف الحسنات إلى سبعمائة فدونها حسبما روي في نص الحديث، وتفسير قوله تعالى: {أية : والله يضاعف لمن يشاء} تفسير : [البقرة: 261]، وهذا قول يعضده النظر ولولا عظم القائلين بالقول الأول لترجح هذا القول، وطريق ترجيحه أن الآية تتضمن اقتراناً بين ذكر عمال الحسنات وعمال السيئات، فوصف المحسنين بأن لهم حسنى وزيادة من جنسها، ووصف المسيئين بأن لهم بالسيئة مثلها فتعادل الكلامان، وعبر عن الحسنات بـ {الحسنى } مبالغة، إذ هي عشرة، وقال الطبري: {الحسنى } عام في كل حسنى فهي تعم جميع ما قيل، ووعد الله تعالى على جميعها بالزيادة، ويؤيد ذلك ذلك أيضاً قوله: {أولئك أصحاب الجنة }، ولو كان معنى {الحسنى } الجنة لكان في القول تكرير بالمعنى، على أن هذا ينفصل عنه بأنه وصف المحسنين بأن لهم الجنة وأنهم لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة، ثم قال {أولئك أصحاب الجنة } على جهة المدح لهم، أي أولئك مستحقوها وأصحابها حقاً وباستيجاب، و {يرهق} معناه يغشى مع ذلة وتضييق، والقتر الغبار المسود، ومنه قول الشاعر [الفرزدق]: [البسيط ] شعر : متوج برداء الملك يتبعه موج ترى وسطه الرايات والقترا تفسير : وقرأ الحسن وعيسى بن عمر والأعمش وأبو رجاء " قتْر " بسكون التاء، وقوله: {والذين كسبوا السيئات } الآية، اختلف النحويون في رفع " الجزاء " بم هو؟ فقالت فرقة: التقدير لهم جزاء سيئة بمثلها، وقالت فرقة: التقدير جزاء سيئة مثلها والباء زائدة. قال القاضي أبو محمد: ويتوجه أن يكون رفع " الجزاء" على المبتدأ وخبره في {الذين } لأن {الذين} معطوف على قوله {للذين أحسنوا} فكأنه قال والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، وعلى الوجه الآخر فقوله {والذين كسبوا السيئات } رفع بالابتداء، وتعم {السيئات } ها هنا الكفر والمعاصي، فمثل سيئة الكفر التخليد في النار، ومثل سيئة المعاصي مصروف إلى مشيئة الله تعالى. و" العاصم " المنجي "، ومنه قوله تعالى {أية : إلى جبل يعصمني من الماء} تفسير : [هود: 43]. و {أغشيت } كسيت ومنه الغشاوة، و" القطع " جمع قطعة، وقرأ ابن كثير والكسائي " قطْعاً " من الليل بسكون الطاء، وقرأ الباقون بفتح الطاء، و" القطع " الجزء من الليل ومنه قوله تعالى: {أية : فاسر بأهلك بقطع من الليل} تفسير : [هود:81] وهذا يراد به الجزء من زمان الليل، وفي هذه الآية الجزء من سواده. و {مظلماً }، نعت لـ" قطع"، ويجوز أن يكون حالاً من الذكر الذي في قوله {من الليل }، فإذا كان نعتاً فكان حقه أن يكون قبل الجملة ولكن قد يجيء بعدها، وتقدير الجملة قطعاً استقر من الليل مظلماً على نحو قوله تعالى: {أية : وهذا كتاب أنزلناه مبارك} تفسير : [الأنعام: 155] ومن قرأ "قطعاً" على جمع قطعة فنصب "مظلماً" على الحال {من الليل } والعامل في الحال {من } إذ هي العامل في ذي الحال، وقرأ أبي بن كعب، " كأنما يغشى وجوههم قطع من الليل وظلم"، وقرأ ابن أبي عبلة "قطَع من الليل مظلم" بتحريك الطاء في قطع.
ابن عبد السلام
تفسير : {دَارِ السَّلامِ} السلامة، أو اسم الله ـ تعالى ـ والجنة داره. {وَيَهْدِى} بالتوفيق والإعانة، أو بإظهار الأدلة. {صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} القرآن، أو الإسلام، أو الحق، أو الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحباه ـ رضي الله تعالى عنهما ـ من بعده.
النسفي
تفسير : {وَٱللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ } هي الجنة أضافها إلى اسمه تعظيماً لها، أو السلام السلامة لأن أهلها سالمون من كل مكروه. وقيل: لفشو السلام بينهم وتسليم الملائكة عليهم {أية : إلا قيلا سلاماً سلاماً} تفسير : [الواقعة:26] {وَيَهْدِى مَن يَشَاء } ويوفق من يشاء {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } إلى الإسلام أو طريق السنة، فالدعوة عامة على لسان رسول الله بالدلالة، والهداية خاصة من لطف المرسل بالتوفيق والعناية، والمعنى يدعو العباد كلهم إلى دار السلام ولا يدخلها إلا المهديون
البقاعي
تفسير : ولما قرر سبحانه هذه الآيات التي حذر فيها من أنواع الآفات، بين أن الدار التي رضوا بها وأطمأنوا إليها دار المصائب ومعدن الهلكات والمعاطب وأنها ظل زائل تحذيراً منها وتنفيراً عنها، بين تعالى أن الدار التي دعا إليها سالمة من كل نصب وهم ووصب، ثابته بلا زوال، فقال تعالى عاطفاً على قوله {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض} ترغيباً في الآخرة وحثاً عيها: {والله} أي الذي له الجلال والإكرام {يدعوا} أي يعلق دعاءه على سبيل التجدد والاستمرار بالمدعوين {إلى دار السلام} عن قتادة أنه سبحانه أضافها إلى اسمه تعظيماً لها وترغيباً فيها، يعني بأناه لا عطب فيها أصلاً، والسلامة فيها دائمة، والسلام فيها فاش من بعضهم على بعض ومن الملائكة وغيرهم؛ والدعاء: طلب الفعل بما يقع لأجله، والدواعي إلى الفعل خلاف الصوارف عنه. ولما أعلم - بالدعوة بالهداية بالبيان وأفهم ختم الآية بقوله: {ويهدي من يشاء} أي بما يخلق في قلبه من الهداية {إلى صراط مستقيم*} أن من الناس من يهديه ومنهم من يضله. وأن الكل فاعلون لما يشاء - كان موضع أن يقال: هل هم واحد في جزائه كما هم واحد في الانقياد لمراده؟ فقيل: لا، بل هم فريقان: {للذين أحسنوا} أي الأعمال في الدنيا منهم وهم من هداه {الحسنى} أي الخصلة التي هي في غاية الحسن من الجزاء {وزيادة} أي عظيمة من فضل الله فالناس: مزيد خرجت هدايته من الجهاد{أية : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} تفسير : [العنكبوت: 69]، ومراد خرجت هدايته من المشيئة، فالدعوة إلى الجنة بالبيان عامة، والهداية إلى الصراط خاصة لأنها الطريق إلى المنعم. ولما كان النعيم لا يتم إلاّ بالدوام بالأمن من المضار قال: {ولا يرهق} أي يغشي ويلحق {وجوههم قتر} أي غبرة كغبره الموت وكربة، وهو تغير في الوجه معه سواد وعبوسة تركبهما غلبة {ولا ذلة } أي كآبة وكسوف يظهر منه الانكسار والهوان. ولما كان هذا واضحاً في أنهم أهل السعادة، وصل به قوله: {أولئك} أي العالو الرتبة {أصحاب الجنة} ولما كانت الصحبة جديرة بالملازمة، صرح بها في قوله: {هم} أي لا غيرهم {فيها} أي خاصة {خالدون} أي مقيمون لا يبرحون، لأنهم لا يريدون ذلك لطيبها ولا يراد بهم. ولما بين حال الفضل فيمن أحسن، بين حال العدل فيمن أساء فقال: {والذين كسبوا} أي منهم {السيئات} أي المحيطة بهم {جزآء سيئة} أي منهم {بمثلها} بعدل الله من غير زيادة {وترهقهم ذلة} أي من جملة جزائهم، فكأنه قيل: أما لهم انفكاك عن ذلك؟ فقيل جواباً: {ما لهم من الله} أي الملك الأعظم؛ وأغرق في النفي فقال: {من عاصم} أي يمنعهم من شيء يريده بهم. ولما كان من المعلوم أن ذلك مغير لأحوالهم، وصل به قوله: {كأنما} ولما كان المكروه مطلق كونها بالمنظر السيىء، بني للمفعول قوله: {أغشيت وجوههم} أي أغشاها مغش لشدة سوادها لما هي فيه من السوء {قطعاً} ولما كان القطع بوزن عنب مشتركاً بين ظلمة آخر الليل وجمع القطعة من الشيء. بين وأكد فقال: {من الليل} أي هذا الجنس حال كونه {مظلماً} ولما كان ذلك ظاهراً في أنهم أهل الشقاوة، وصل به قوله: {أولئك} أي البعداء البغضاء {أصحاب النار} ولما كانت الصحبة الملازمة، بينها بقوله: {هم فيها} أي خاصة {خالدون} أي لا يمكنون من مفارقتها؛ والرهق: لحق الأمر،ومنه: راهق الغلام - إذا لحق حال الرجال؛ والقتر:الغبار، ومنه الإقتار في الإنفاق لقتله؛ والذلة: صغر النفس بالإهانة؛ والكسب: الفعل لاجتلاب النفع إلى النفس أو النفس أو استدفاع الضر. ولما بين سبحانه مآل الفريقين، نبه على بعض مقدمات ذلك المانعة أن يشفع أحد من غير إذنه بقوله: {ويوم} أي وفرقنا بينهم لأنه لا أنساب هناك ولا أسباب فلا تناصر يوم {نحشرهم} أي الفريقين: الناجين والهالكين العابدين منهم والمعبودين حال كونهم {جميعاً} ثم يقطع ما بين المشركين وشركائهم فلا يشفع فيهم شيء مما يعتقدون شفاعته ولا ينفعهم بنافعة، بل يظهرون الخصومة ويبارزون بالعداوة وهو ناظر إلى قوله تعالى{أية : إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده}تفسير : [يونس: 4] وإلى قوله{أية : ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم}تفسير : [يونس: 18] والحشر: الجمع بكره من كل جانب إلى موقف واحد؛وأشار سبحانه إلى طول وقوفهم بقوله: {ثم نقول للذين أشركوا} أي بنا من لم يشارك في خلقهم؛وقوله: {مكانكم} نقل أبو حيان عن النحوين أنهم جعلوه اسماً لأثبتوا، ورد على الزمخشري تقديره بألزموا لأنه متعد ويجب أن يساوي بين الاسم والمسمى في التعدي واللزوم، أي نقول لهم: قفوا وقوف الذل {أنتم وشركآؤكم} حتى ينفذ فيكم أمرنا إظهار لضعف معبوداتهم التي كانوا يترجونها وتحسيراً لهم، فلا يمكنهم مخالفة ذلك. ولما كان التقدير: فوقفوا موافقة للأمر على حسب الإرادة، عطف عليه مسبباً عنه قوله: {فزيلنا} أي أزلنا إزالة كثيرة مفرقة ما كان {بينهم} في الدنيا من الوصلة والألفة حتى صارت عداوة ونفرة فقال الكفار: ربنا هؤلاء الذين أضلونا، وكنا ندعو من دونك {وقال شركاؤهم} لهم متبرئين منهم بما خلق لهم سبحانه من النطق {ما كنتم} أي أيها المشركون، وأضاف الشركاء إليهم لأنهم هم الذين نصبوهم بغير أمر ولا دليل ولأنهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم {إيانا تعبدون} أي تخصوننا بالعبادة لأنا لا نستحق ذلك إشارة لى أنه لا يعبد إلاّ من يستحق الإخلاص في ذلك بأن يعبد وحده من غير شريك، ومن لا يستحق ذلك لا يستحق مطلق العبادة ولا يصلح لها، وكل عبادة فيها شرك لا تعد أصلاً ولا يرضى بها جماد لو نطق، فمتى نفي المقيد بالخلوص نفي المطلق لأنه لا اعتداد به أصلاً، ومن المعلوم أن ما كان بهذه الصفة لا يقدم عليه أحد، فنحن نظن أنه لم يعبدنا عابد فضلاً عن أن يخصنا بذلك، والشخص يجوز له أن ينفي ما يظن نفيه ونحن لم نعلم شيئاً من ذلك. ولما نفوا ذلك عطفوا عليه مسببين عنه قولهم: {فكفى بالله} أي المحيط علماً وقدرة {شهيداً } أي هو يكفينا كفاية عظيمة جداً من جهة الشهادة التي لا غيبة فيه بوجه ولا ميل أصلاً {بيننا وبينكم} في ذلك يشهد لنا وعلينا؛ ثم استأنفوا خبراً يصحح نفيهم فقالوا مؤكدين لأنهم كانوا يعتقدون علمهم: {إن} أي إنا {كنا} أي كوناً هو جبلة لنا {عن عبادتكم} لنا أو لغيرنا مخلصة أو مشوبة؛ ولما كانت "إن" هي المخففة من الثقيلة تلقيت باللام الفارقة بينها وبين النافية فقيل: {لغافلين} لأنه لا أرواح فينا، فلم تكن بحيث نأمر بالعبادة ولانرضاها فاللوم عليكم دوننا، وذلك افتداء من موقف الذل أو أنهم لما تخيلوا في الشركاء صفات عبدوها لأجلها وكانت خالية عنها صح النفي لأنهم عبدوا ذوات موصوفة بصفات لا وجود لها في الأعيان، وأيضاً فإنهم ما عبدوا إلاّ الشياطين التي كانت تزين لهم ذلك وتغويهم، ويكون التقدير على ما دل عليه السياق: {فزيلنا بينهم} أي منعناهم مما كانونا فيه من التواصل والتواد المقتضي للتناصر بعبادة الأوثان، فقال المشركون لشركائهم لما أبطأ عنهم نصرهم: إنا كنا نعبدكم من دون الله فأغنوا عنا كما كنا نذب عنكم وننصر دينكم {وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون} أي كُشِف لنا اليوم بتفهيم الله أنه ليس الأمر كما زعمتم وأنكم لم تخصونا بالعبادة حتى يلزمنا منعكم على أنكم لو خصصتمونا ما قدرنا على ذلك قال الشيطان{أية : ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي} تفسير : [إبراهيم: 22] {فكفى} أي فتسبب عن نفينا لذلك على ما كشف لنا من العلم أن نقول: كفى {بالله شهيداً بيننا وبينكم} في ذلك، يشهد أنكم لم تخصوا أحداً منه ومنا بعبادة بل كنتم مذبذبين، وهذا كله إشارة إلى أن العبادة المشوبة لا اعتداد بها ولا يرضاها جماد لو نطق، وإن من استحق العبادة استحق الإخلاص فيها وأن لا يشرك به أحد وأنه لا يستحق ذلك إلاّ القادر على كشف الكرب والمنع من أن يقطع بينه وبين متوليه وعابده قاطع؛ ولما كانت فائدة الشاهد ضبط ما قد ينساه المتشاهدان، عللوا اكتفاءهم بشهادة الله بقوله: {إن كنا عن عبادتكم} في تلك الأزمان {لغافلين} فأقروا لهم بما هو الحق مما كان يعلمه كل من له تأمل صحيح أنهم لم يشعروا بعبادتهم ساعة من الدهر قبل ساعتهم هذه، فهم أجدر الخلق بالاكتفاء بشهادة الشهيد لأنهم أسوأ حالاً ممن يعلم المشهود به ويخشى النسيان، أو يقال: فقال المشركون لشركائهم: إنا كنا نعبدكم فهل أنتم ناصرونا أو شافعون لنا فنجونا مما وقعنا فيه {وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا} وحدنا {تعبدون} أي ما كنتم تخلصون لنا العبادة حتى يلزمنا أن نخلصكم كما أعلمنا بذلك الله ربنا وربكم المحيط بكل شيء علماً {فكفى} أي فتسبب عن ذلك أنه كفى {بالله شهيداً بيننا وبينكم} في ذلك، فكأن المشركين قالوا: قد تضمن كلامكم أن عبدناكم على غير منهج الإخلاص، أفليس قد عبدناكم؟ أفلا تغنون عنا شيئاً؟ فأجاب الشركاء بقولهم: {إن كنا عن عبادتكم} خالصة كانت أو مشوبة {لغافلين} فلا نقر لكم بعبادة أصلاً وإن تيقنا الإخلاص لسلب العلم عنا بما كنا فيه من الجمادية فضلاً عن أن نأمركم أو نرضى بعبادتكم على أنه لا غناء عندنا على تقدير من التقادير؛ أو يقال - وهو أحسن مما مضى -: {وقال شركاؤهم} لما تحققوا العذاب طلباً لأن يخفف عنهم منه بتوزيعه عليهم وعلى كل من عبدوه من غيرهم {ما كنتم} أيها العابدون لنا {إيانا} أي خاصة {تعبدون} بل كنتم تعبدون أيضاً غيرنا، وهذا يعم والله كل من يرائيه غيره بعمل وهو يعلم أنه يرائيه فيقره ولا ينكره عليه؛ ولما أفهموا بنفي العبادة بقيد الخصوص أنهم كانوا يعبدون معهم غيرهم، وكان المخلوق قاصر العلم غير محيطه بوجه بأحوال نفسه فكيف يعبدون بأحوال غيره، سببوا عن ذلك قولهم: {فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم إن} أي في أنا {كنا عن عبادتكم} أي في الجملة {لغافلين} والحاصل أن هذا ترجمة كلام الكفار وهو ناشىء منهم عن محض غلبة ودهش وفرط غم وندم وقلق، فلا يشترط أن يكون معناه على الوجه الأسدّ والطريق الأبلغ،فالإعجاز في نظمه، ومرادهم به أن يخفف عنهم من العذاب ولو بمشاركة من كانوا يعبدونهم معهم، فهو من وادي قوله تعالى {أية : فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء} تفسير : [إبراهيم: 21]، {أية : فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار}تفسير : [غافر: 47] {أية : فآتاهم عذاباً ضعفاً من النار} تفسير : [الأعراف: 38] ونحوه{أية : فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب} تفسير : [الأعراف: 39] - والله أعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو نعيم والدمياطي في معجمه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما {والله يدعوا إلى دار السلام} يقول يدعو إلى عمل الجنة، والله السلام والجنة داره. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله {ويهدي من يشاء} قال: يهديهم للمخرج من الشبهات والفتن والضلالات. وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الايمان عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من يوم طلعت شمسه إلا وكل بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا آبت شمسه إلا وكل بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم غير الثقلين: اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً. فأنزل الله في ذلك كله قرآناً في قول الملكين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم {والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} وأنزل في قولهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً {والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى} [الليل: 1-2] إلى قوله {للعسرى} [الليل: 10] . تفسير : وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن سعيد بن أبي هلال رضي الله عنه. سمعت أبا جعفر محمد بن علي رضي الله عنه وتلا {والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} فقال: حديث : حدثني جابر رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال "إني رأيت في المنام كان جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه: ضرب له مثلاً فقال: اسمع سمعت أذناك، واعقل عقل قلبك، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ داراً، ثم بنى فيها بيتاً، ثم جعل فيها مأدبة، ثم بعث رسولاً يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول ومنهم فيها مأدبة، فالله هو الملك، والدار الإِسلام، والبيت الجنة وأنت يا محمد رسول، فمن أجابك دخل الإِسلام، ومن دخل الإِسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل منها" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال "حديث : استتبعني النبي صلى الله عليه وسلم فانطلقنا حتى أتينا موضعاً لا ندري ما هو؟ فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه في حجري، ثم إن نفراً أتوا عليهم ثياب بيض طوال وقد أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله رضي الله عنه: فارعبت منهم. فقالوا: لقد أعطى هذا العبد خيراً إن عينه نائمة والقلب يقظان، ثم قال بعضهم لبعض: اضربوا له ونَتَأوَّلَ نحن أو نضرب نحن وتَتَأَوَّلون أنتم. فقال بعضهم: مثله كمثل سيد اتخذ مأدبة، ثم ابتنى بيتاً حصيناً، ثم أرسل إلى الناس فمن لم يأت طعامه عذبه عذاباً شديداً. قال الآخرون: أما السيد فهو رب العالمين، وأما البنيان فهو الإِسلام، والطعام الجنة، وهذا الداعي فمن اتبعه كان في الجنة ومن لم يتبعه عذب عذاباً أليماً، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استيقظ فقال: ما رأيت يا ابن أم عبد؟ فقلت: رأيت كذا وكذا! فقال: أُخفِيَ علي مما قالوا شيء، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم نفر من الملائكة ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن سيداً بنى داراً واتخذ مأدبة وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد، ألا وإن السيد الله، والدار الإِسلام، والمأدبة الجنة، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: ما من ليلة إلا ينادي منادياً يا صاحب الخير هلم ويا صاحب الشر اقصر. فقال رجل للحسن رضي الله عنه: أتجدها في كتاب الله؟ قال: نعم {والله يدعوا إلى دار السلام} قال: ذكر لنا أن في التوراة مكتوباً: يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر انته. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه. أنه كان إذا قرأ {والله يدعوا إلى دار السلام} قال: لبيك ربنا وسعديك.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[25] قال: الدعوة عامة والهداية خاصة، فإنه رد الهداية إلى المشيئة وهي سابقة القدر من الله تعالى.
السلمي
تفسير : قال أبو سعيد القرشى فى هذه الآية: خرجت هداية المريدين من الاجتهاد فى قوله: { أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا } تفسير : [العنكبوت: 69]. وخرجت هداية المراد من المشيئة وهو قوله {يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وهو الفرق بين المريد والمراد. قال القاسم: الدعوة عامة والهداية خاصة، بل الهداية عامة والصحبة خاصة، بل الصحبة عامة والاتصال خاص. قال ابن عطاء: عَمَّ خَلْقه بالدعوة واختص من شاء منهم بالرحمة فمن اختصه قبل خلقه، فهو المحمود فى سعايته، ومن خذله قبل كون خلقه، فهو المذموم لا عذر، فمن قصد بنفسه صرف عن حظه، ومن قصده به فهو المحجوب عن نفسه. قال بعضهم: لا تنفع الدعوة لمن لم تسق له من الله الهداية. قال جعفر: الدعوة عامة والهداية خاصة. وقال أيضًا: ما طابت الجنة إلا بالسلم، وإنما اختارك بهذه الخصائص لكى لا تختار عليه أحدًا. وقال أيضًا: عملت الدعوة فى السرائر فتحللت بها وركبت إليها. وقال بعضهم: يدعو إلى دار السلام بالآيات، ويهدى من يشاء للحقائق والمعارف. قال بعضهم: الدعوة لله والهداية من الله.
القشيري
تفسير : دعاهم إلى دار السلام، وفي الحقيقة دعاهم إلى ما يوجب لهم الوصول إلى دار السلام؛ وهو اعتناق أوامره والانتهاء عن زواجره. والدعاء من حيث التكليف، وتخصيص الهداية لأهلها من حيث التشريف. ويقال الدعاء تكليف والهداية تعريف؛ فالتكليف على العموم والتعريف على الخصوص. ويقال التكليف بحقِّ سلطانه، والتعريف بِحُكْمِ إحسانه. ويقال الدعاء قوْلُه والهداية طَوْلُه؛ دَخَلَ الكلُّ تحت قوله، وانفرد الأولياءُ بتخصيص طَوْلِه. دار السلام دار الله لأن السلام اسم مِنْ أسمائه. ويكون السلام بمعنى السلامة فهي دار السلامة أي أهلها سالمون فيها؛ سالمون من الحُرقَة وسالمون من الفُرقة؛ سَلِموا من الحرقة فحصلوا على لذة عطائه، وسَلِموا من الفُرْقَة فوصلوا إلى عزيز لقائه. ويقال لا يصل إلى دار السلام إلا من سَلِمَتْ نَفْسُه عن السجود للِصَنَم، وَسلِمَ قلبُه عن الشِّرْكِ والظُلم. ويقال تلك الدار درجات؛ والذي سَلِمَ قلبُه عن محبة الأغيار درجتُه أعلى من درجة مَنْ سَلِمَتْ نَفْسُه من الذنوب والأوضار. ويقال قوم سلمت صدورُهم من الغِلّ والحسد والحقد؛ وسَلِمَ الخْلقُ منهم، فليس بينهم وبين أحدٍ محاسبة، وليس لهم على أحد شيء؛ "فالمسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده، والمحسنُ من سَلِمَ الخْلقُ بأجمعهم من قلبه". {صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}: طريق المسلمين، فهذا للعوام بشرط علم اليقين، ثم طريق المؤمنين وهو طريق الخواص بشرط عين اليقين، ثم طريق المحسنين وهو طريق خاص الخاص بشرط حق اليقين؛ فهؤلاء بنور العقل أصحاب البرهان، وهؤلاء بكشف العلم أصحاب البيان، وهؤلاء بضياء المعرفة بالوصف كالعيان، وهم الذين قال صلى الله عليه وسلم فيهم: "حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ".
اسماعيل حقي
تفسير : {والله} اسم للذات الاحدية جامع لجميع الاسماء والصفات ومن ثمه توسل به بعضهم الى دخول عالم الحقيقة. وقال رجل للشبلى قدس سره لم تقول الله ولا تقول لا اله الا الله فقال اخشى ان اوخذ فى وحشة الجحد {يدعو} الناس جميعا على لسان رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى السنة ورثته الكمل الذين اتبعوه قولا وفعلا وحالا من الدار التى اولها البكاء واوسطها العناء وآخرها الفناء {الى دار السلام} اى الى دار السلامة من كل مكروه وآفة وهى الجنة اولها العطاء واوسطها الرضاء وآخرها اللقاء -حكى- ان بعض ملوك الامم السالفة بنى مدينة وتأنق وتغالى فى حسنها وزينتها ثم صنع طعاما ودعا الناس اليه واجلس اناسا على ابوابها يسألون كل من خرج هل رأيتم عيبا فيقولون لا حتى جاء اناس فى آخر الناس عليهم اكسية فسألوهم هل رأيتم عيبا فقالوا عيبين اثنين فحبسوهم ودخلوا على الملك فاخبروه بما قالوا فقال ما كنت ارضى بعيب واحد فائتونى بهم فادخلوهم عليه فسألهم عن العيبين ما هما فقالوا تخرب ويموت صاحبها فقال أفتعلمون دارا لا تخرب ولا يموت صاحبها قالوا نعم فذكروا له الجنة ونعيمها وشوقوه اليها وذكروا النار وعذابها وخوفوه منها ودعوه الى عبادة الله تعالى فاجابهم الى ذلك وخرج من ملكه هاربا تائبا الى الله تعالى شعر : والله يدعو آمده آزادئ زندانيان زندانيان غمكين شده كويى بزندان ميكشى شاهان سفيهانرا همه دربند زنداد ميكشند توازجه اززندان شان سوى كلستان ميكثى تفسير : وفى الحديث"حديث : ما من يوم تطلع فيه الشمس الا وبجنبيها ملكان يناديان بحيث يسمع كل الخلق الا الثقلين ايها الناس هلموا الى ربكم والله يدعو الى دار السلام" تفسير : والمقصود الى العمل المؤدى الى دخول الجنة. ولذا قال بعض المشايخ اوجب الله عليك وجود طاعته فى ظاهر الامر وما اوجب عليك بالحقيقة الا دخول جنته اذ الامر آيل اليها والاسباب عدمية وانما احتاجوا الى الدعوة والايجاب اذ ليس فى اكثرهم من المروءة ما يردهم اليه بلا علة بخلاف اهل المروءة والمحبة والوفاء فانه لو لم يكن وجوب لقاموا للحق بحق العبودية وراعوا ما يجب ان يراعى من حرمة الربوبية ويجوز ان يكون المعنى الى دار الله تعالى فان السلام اسم من اسمائه سبحانه والاضافة للتشريف كبيت الله ومعنى السلام فى حقه تعالى انه اسلم ذاته من العيب وصفاته من النقص وافعاله من الشر وفى حق العبد انه سلم من الغش والحقد والحسد وارادة الشر قلبه وسلم من الآثام والمحظورات جوارحه ولن يوصف بالسلام والاسلام الا من سلم المسلمون من لسانه ويده. او المعنى الى دار يسلم الله تعالى والملائكة على من يدخلها او يسلم بعضهم على بعضهم يقول الفقير دار السلام اشارة الى دار القلب السليم الذى سلم من التعلق بغير الله تعالى ومن دخلها كان آمنا من التكدر مطلقا بشيء من الامور المكروهة صورة وصارت النار عليه نورا وقد قيل جنة معجلة وهى جنة المعارف والعلوم وجنة مؤجلة وهى الموعودة فى دار القرار والجنة مطلقا دار السلامة لاولياء الله تعالى {ويهدى من يشاء} هدايته منهم {الى صراط مستقيم} موصل اليها وهو الاسلام والتزود بالتقوى عم بالدعوة لاظهار الحجة وخص بالهداية لاستغنائه عن الخلق وهذا العموم والخصوص فى سماع الدعوة وقبولها بالنسبة الى من كان له سمع كالعموم والخصوص فى رؤية المسك وشمعه بالاضافة الى من كان له بصر فرب رائى مزكوم ليس له الا الرؤية وكذا رب سامع ليس له من القبول شيء فمن تعلقت بهدايته ارادة الحق تعالى يسرت اسبابه وطوى له الطريق وحمل على الجادة فالداعى اولا وبالذات هو الله تعالى وثانيا وبالعرض هو الانبياء ومن اتبعهم على الحق اتباعا كاملا والمدعو هو الناس والمدعو اليه هو الجنة وكذا الهادى هو الله والمهدة بالهداية الخاصة هو الخواص والمهدى اليه هو الصراط المستقيم ومشيئته تعالى ارادته وهي صفة قديمة اتصفت بها ذاته تعالى كعلمه وقدرته وكلامه وسائر صفاته ويسمى متعلقها المراد المعبر عنه بالعناية فمن سأل بلسان الاستعداد كونه مظهرا للجلال امسك فى هذه النشأة عن اجابة الدعوة ومن سأل كونه مظهرا للجمال اسرع للاجابة والله تعالى يعطى كل شيء ما يستعده وهذه المشيئة والسؤال لا بد فى توفيقهما من قوة الحال: قال الحافظ شعر : درين جمن نكتم سرزنش بخود رويى جنانكه برورشم مى دهند مى رويم تفسير : واعلم ان قبول الدعوة لا بد فيه من علامة وهى التزهد فى الدنيا والسلوك الى طريق الفردوس الاعلى والتوجه الى الحضرة العليا ألا ترى الى ابن ادهم خرج يوما يصطاد فاثار ثعلبا او ارنبا فبينما هو فى طلبه هتف به هاتف ألهذا خلقت ام بهذا امرت ثم هتف به من قربوس سرجه والله ما لهذا خلقت ولا بهذا امرت فنزل عن مركوبه وصادف راعيا لابيه فاخذ جبة الراعى وهى من صوف فرسه وما معه ثم دخل البادية وكان من شانه ما كان شعر : در راه عشق وسوسه اهر من بسيست هش دار وكوش دل بييام سروش كن تفسير : والانتباه الصورى اى من المنام مثال للانتباه القلبى اى من الغفلة فالقاعدون فى مقامات طبائعهم ونفوسهم كمن بقى فى النوم ابدا واليه الاشارة بقوله تعالى {أية : فيمسك التى قضى عليها الموت} تفسير : والسالكون هم المنتبهون من رقدة هذه الغفلة واليه الاشارة بقوله تعالى {أية : ويرسل الاخرى الى اجل مسمى} تفسير : وهو اللائح بالبال والله اعلم بحقيقة الحال. قال فى التأويلات النجمية {والله يدعو الى دار السلام} يدعو الله ازلا وابدا عباده الى دار السلام وهى العدم صورة ظاهرا وعلم الله وصفته معنى وحقيقة وانما سمى العدم والعلم دار السلام لان العدم كان دارا قد سلم المعدوم فيها من آفة الاثنينية والشركة مع الله فى الوجود وهى دار الوحدانية وايضا لان السلام هو الله تبارك وتعالى والعلم صفته القائمة بذاته فالله تعالى بفضله وكرمه يدعو عباده ازلا من العدم الى الوجود ومن العلم وهو الصفة الى الفعل وهو الخلق ويدعوهم ابدا من الوجود الى العدم ومن الفعل الى العلم يدعوهم الى الوجود بالنفخة وهى قوله تعالى {أية : ونفخت فيه من روحى}تفسير : ويدعوهم من الوجود الى العدم والعلم بالجذبة وهى قوله تعالى {أية : ارجعى الى ربك} تفسير : ولما دعى النبي صلى الله عليه وسلم بالجذبة الى علم الله الازلى الابدى قال "حديث : قد علمت ما كان وما سيكون" تفسير : وذلك لانه صار عالما بعلم الله تعالى لا بعلم نفسه وهو سر قوله تعالى {أية : وعلمك ما لم تكن تعلم} تفسير : وانما علمه حين قال {فاعلم انه لا اله الا الله} اى فاعلم بعلم الله الذى دعيت بالجذبة اليه ان لا اله فى الوجود الا الله فان العلم الآلهى محيط بالوجود كله قال تعالى {أية : قد احاط بكل شيء علما}تفسير : فانت بعلمه محيط بالوجود كله فتعلم حقيقة ان ليس فى الوجود اله غير الله انتهى. يقول الفقير المتلقف من فم حضرة الشيخ سلمه الله تعالى ان الانتباه الصورى اشارة الى يقظة القلب. ثم الحركة الى الوضوء اشارة الى التوبة والانابة. ثم التكبيرة الاولى اشارة الى التوجه الالهى فحاله من الانتباه الى هنا اشارة الى عبوره من عالم الملك وهو الناسوت والدخول فى عالم الملكوت ثم الانتقال الى الركوع اشارة الى عبوره من عالم الملكوت الى عالم الجبروت ثم الانتقال الى السجدة اشارة الىعبوره من عالم الجبروت والوصول الى عالم اللاهوت. وهو نقام الفناء الكلى وعند ذلك يحصل الصعود الى وطنه الاصلى العلوى فالانتقالات تصعد فى صورة التنزل ثم القيام من السجدة اشارة الى حالة البقاء فانه رجوع الى القهقري وفيه تنزل فى صورة التصعد والركوع مقام قاب قوسين وهو مقام الصفات اى الذات الواحدية والسجدة مقام او ادنى وهو مقام الذات الاحدية ومن هذا التفصيل عرفت ما في التأويلات من الصعود والهبوط مرة بالدعوة من العلم الى الوجود ومرة بالدعوة من الوجود الى العلم فاذا لم يقطع السالك عقبات لعروج والنزول فهو ناقص فى برزخ بالنسبة لى من قطعها كلها وتلك العقبات هى تعينات الاجسام والارواح والعلم والعين على حسب تفصيل المراتب فيها فانظر الى قوله تعالى {أية : لا يمسه الا المطهرون} تفسير : تجد الاشارة الى ان الهوية الذاتية لا يمسها الاالمطهرون من دنس تعلق كل تعين روحانيا كان او جسمانيا والله المعين. قال فى التأويلات {ويهدى من يشاء الى صراط مستقيم} فلما جعل الله دعوة الخلق من العلم الى الفعل ومن الوجود الى العدم ولعلم عامة جعل الهداية بالمشيئة الى العلم وهى الصراط المستقيم خاصة يعنى هو يهديهم بالجذبة الكاملة الى علمه القديم بمشيئته الازلية خاصة وهذا مقام السير فى الله بالله انتهى كلامه
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى بأنه الذي يدعو عباده إلى دار السلام. والدعاء طلب الفعل بما يقع لأجله، والداعي إلى الفعل خلاف الصارف عنه. وقد يدعو اليه باستحقاق المدح عليه. والفرق بين الدعاء والأمر أن في الأمر ترغيباً في الفعل، وزجراً عن تركه، وله صيغة تنبئ عنه، وليس كذلك الدعاء، وكلاهما طلب. وايضاً الأمر يقتضي أن يكون المأمور دون الآمر في الرتبة. والدعاء يقتضي أن يكون فوقه. وفي معنى دار السلام قولان: احدهما - قال الحسن: السلام هو الله. وداره الجنة. وبه قال قتادة. الثاني - قال الجبائي والزجاج: معناه دار السلامة. وقوله {ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} قيل في الهداية ها هنا ثلاثة اقوال: احدها - يفعل الألطاف التي تدعوهم إلى طريق الحق لمن كان المعلوم أن له لطفاً. الثاني - الأخد بهم في الآخرة إلى طريق الجنة. الثالث - قال ابو علي: يريد به نصب الأدلة لجميع المكلفين دون الأطفال والمجانين. والاستقامة المرور في جهة تؤدي إلى البغية، فالادلة طرق إلى العلم على الاستقامة لأنها تؤدي اليه.
الجنابذي
تفسير : {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ} عطف على نفصّل الآيات او على كذلك نفصّل الآيات ومقتضى المقام ان يقول وندعو الى دار السّلام ليتوافق المتعاطفان فى الفعليّة وفى المسند اليه لكنّه عدل عن التّكلّم وعن الفعليّة الى الاسميّة ولذا يتراءى المنافرة بين المتعاطفين للاشارة الى علّة الحكم وانّ الآلهيّة تقتضى ذلك، وتقديم المسند اليه لتأكيد الحكم ولشرافته وللاشارة من اوّل الامر الى علّة الحكم، ودار السّلام دار الله لانّ السّلام من اسمائه تعالى، او دار السّلامة من جملة الآفات البدنيّة والنّفسانيّة، ولمّا كان الدّعوة عامّةً بخلاف الهداية الخاصّة اطلق هذه وقيّد الهداية {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} والمراد بالدّعوة الدّعوة الظّاهرة الجارية على السنة الانبياء ولذا كانت عامّة وبالهداية الهداية الخاصّة الى ولىّ الامر وهو الصّراط المستقيم ولذا اتى بها بعد الدّعوة، لانّ تلك الهداية تكون بعد قبول النّبوّة والبيعة العامّة النبويّة وقيّدها بمن يشاء لانّ الدّعوة الباطنة والبيعة الخاصّة خاصّة بمن شاء ان يتّخذ الى ربّه سبيلاً.
فرات الكوفي
تفسير : [قال: حدثنا. أ، ب] فرات بن إبراهيم الكوفي قال: حدّثنا الحسين بن سعيد [عن محمد بن مروان عن عامر السراج عن فضيل بن الزبير. ش]: عن زيد بن علي في هذه الآية: {والله يدعو إِلى دار السلام ويهدي من يشاء إِلى صراطٍ مستقيم} قال: إِلى ولاية [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب [عليه السلام. أ، ر]. فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد [عن هشام بن يونس اللؤلؤي، عن عامر السراج]: عن فضيل بن الزبير قال: قال زيد بن علي: {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إِلى صراطٍ مستقيم} قال: ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام.
الهواري
تفسير : قوله: {وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلاَمِ} والسلام هو الله، وداره الجنة. ذكروا أن أبا الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ما طلعت شمس إلا بُعِثَ بجنبتيها ملكان يناديان، يسمعان من على الأرض. إلا الثقلين الجن والإِنس: أيها الناس، هلموا إلى ربكم، فإنه ما قل وكفى خير مما كثر وألهى. ولا غابت إلا بعث بجنبتيها ملكان يناديان، يسمعان من على الأرض إلا الثقلين: اللهم أعطِ كل منفق خلفاً، وكل ممسك تلفاً تفسير : . وزاد بعضهم: {وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلاَمِ}. قوله: {وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: إلى الجنة. قوله: { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى} أي الجنة. { وَزِيَادَةٌ} يعني الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قوله: { وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ} أي: ولا يغشى وجوههم { قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ} القتر: السواد، والذلة: الذل. {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ} أي: أهل الجنة. { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي لا يخرجون منها ولا يموتون. قوله: { وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ} أي والذين عملوا السيئات. والسيئات ها هنا الشرك. { جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} أي: جزاء الشرك النار. وهو مثل قوله: {وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ} أي الشرك: (أية : فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا) تفسير : [الأنعام:160] أي: النار. قوله: { وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أي: وتغشاهم ذلة، أي: إنهم أذلاء. { مَّا لَهُم مِّنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ} أي: يعصمهم من عذاب الله. { كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ الَّيْلِ مُظْلِماً}. قال الحسن: لم يخلق الله شيئاً أشد سواداً من الليل. قال: {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ الَّيْلِ مُظْلِماً} قطعة، ثم قطعة، ثم قطعة، الله أعلم كم ذلك بعضها فوق بعض، وهو أشد لسواد وجوههم. {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} أي: أهل النار {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي لا يخرجون منها ولا يموتون.
اطفيش
تفسير : {واللهُ يَدْعُو} كل أحد، أى يأمرهم ويدلهم على ما يتوصلون به من فعل وترك {إلَى دَارِ السَّلام} أى دار السلامة وهى الجنة، وقيل: السلام جمع السلامة، وقيل: اسم الله، وأضيفت الدار إلى ذلك تنبيهاً على أنها سالمة من الآفات، من دخلها لا يخرج منها، ولا تنقضى عنه، ولا يمرض، ولا يقع به نحو ذلك من الآفات، ومعنى: إن الله سلام، أنه يسلم الخلق من جوره، ويخلصهم من الآفات، وقيل: السلام التحية، لأن من يدخل الجنة يسلم الله عليه والملائكة، ولا يخفى ما فى ذلك من تعظيم الجنة، حيث أضافها إلى السلام على الأوجه المذكورة، وحيث دعى إليها، فإن العظيم إنما يدعو إلى عظيم. {ويَهْدِى مَنْ يَشاءُ} يوفقه {إلى صِراطٍ مُستَقيمٍ} وهو دين الله، وهو الواسطة إلى دخول الجنة، ومن لم يوفقه أصر على الكفر فلا يدخلها، وفى التوراة، يا باغى الخير هلمَّ، ويا باغى الشر انته. وروى عن جبريل قعد عند رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم فى نومه، وميكائيل عند رجليه، ومعهما ملائكة، فقال أحدهما: إنه نائم، وقال الآخر: إن قلبه يقظان، إنه صاحبكم فاضربوا له مثلا، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى داراً، وجعل فيها مائدة، وبعث داعيا، فمن أجابه دخلها وأكل من المائدة، ومن لم يجب لم يدخل ولم يأكل منها، فقالوا: أولوها يفقهها، فقال بعض: الدار الجنة، والداعى محمد صلى الله عليه وسلم، والمائدة الإيمان، ومن أطاع محمداً فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، ومحمد فرَّق بين الناس. وروى أبو الدرداء، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تطلع الشمس إلا وبجنبها ملكان يناديان، أيها الناس هلموا إلى ربكم، فإنه ما قل وكفى، خير مما كثر وألهى، ولا غابت إلا وبجنبها ملكان يناديان: اللهم أعط كل منفق خلفا، وكل ممسك تلفاً يسمعهم ما على الأرض غير الثقلين" تفسير : والمشهور أنها تطلع ومعها ملكان يقولان: اللهم أعط المنفق خلفاً والممسك تلفاً.
اطفيش
تفسير : {وَاللهُ يَدْعُوا} كل أَحد بأَمره بالإِيمان والتقوى وهو دعاءٌ يشمل السعداءَ والأَشقياءَ. {إِلَى دَارِ السَّلاَمِ} هى الجنة دار السلامة من الفناءِ والآيات، وسلام الله والملائكة على من يدخلها يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم، سلام قولا من رب رحيم، رغب الناس بما تبقى زينته بعد تنفيرهم عن الدنيا التى لا تبقى، وعنه صلى الله عليه وسلم: حديث : ما من يوم تطلع فيه الشمس إِلا وبجانبها ملكان يناديان يسمعهما كل شىءٍ إِلا الثقلين؛ يا أَيها الناس هلموا إلى ربكم والله يدعو إِلى دار السلامتفسير : ، ويجوز أَن يكون السلام الله عز وجل، السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، وخص من أَسمائِه ليدلهم على السلامة مما ذكره من الآفات {وَيَهْدِى} هداية توفيق، والشقى لم يرد الله إِهداءَه توفيقاً، وأَمر الله عز وجل كما فى قوله يدعو غير الإِرادة كما فى قوله يهدى، وإِرادته لا تتخلف وأَمره يتخلف أَعنى أَنه يأْمر ويعصى {مَنْ يَشَاءُ} هدايته {إِلَى صِرَاطٍ} يوصلهم إِلى دار السلام {مُسْتَقِيمٍ} دين الإِسلام، فعل الطاعة والتقوى وهى أَيضاً طاعة وفعل...
الالوسي
تفسير : {وَٱللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ} ترغيب للناس في الحياة الأخروية الباقية إثر ترغيبهم عن الحياة الدنيوية الفانية أي يدعو الناس جميعاً إلى الجنة حيث يأمرهم بما يفضي إليها، وسميت الجنة بذلك لسلامة أهلها عن كل ألم وآفة أو لأن الله تعالى يسلم عليهم أو لأن خزنتها يقولون لهم سلام عليكم طبتم أو لأن بعضهم يسلم فيها على بعض. فالسلام إما بمعنى السلامة أو بمعنى التسليم، أو لأن السلام من أسمائه تعالى ومعناه هو الذي منه وبه السلامة أو ذو السلامة عن جميع النقائص فأضيفت إليه سبحانه للتشريف كما في بيت الله تعالى للكعبة ولأنه لا ملك لغيره جل شأنه فيها ظاهراً وباطناً وللتنبيه على أن من فيها سالم عما مر للنظر إلى معنى السلامة في أصله، ويدل على قصده تخصيصه بالإضافة إليه دون غيره من أسمائه تعالى {وَيَهْدِي مَن يَشَآء} هدايته {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} موصل إلى تلك الدار وهو الدين الحق. وفي الآية دلالة على أن الهداية غير الدعوة إلى ذلك وعلى أن الأمر مغاير للإرادة حيث عمم سبحانه الدعوة إذ حذف مفعولها وخص الهداية بالمشيئة المساوية للإرادة على المشهور إذ قيدها بها وهو الذي ذهب إليه الجماعة، وقال المعتزلة: إن المراد بالهداية التوفيق والإلطاف ومغايرة الدعوة والأمر لذلك ظاهرة فإن الكافر مأمور وليس بموفق وأن من يشاء هو من علم سبحانه أن اللطف ينفع فيه لأن مشيئته تعالى شأنه تابعة للحكمة فمن علم أنه لا ينفع فيه اللطف لم يوفقه ولم يلطف به إذ التوفيق لمن علم الله تعالى أنه لا ينفعه عبث والحكمة منافية للعبث فهو جل وعلا يهدي من ينفعه اللطف وإن أراد اهتداء الكل.
ابن عاشور
تفسير : الجملة معطوفة على جملة {أية : كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون}تفسير : [يونس: 24]، أي نفصل الآيات التي منها آية حالة الدنيا وتقضيها، وندعو إلى دار السلام دارِ الخلد. ولما كانت جملة {أية : كذلك نفصل الآيات}تفسير : [يونس: 24] تذييلاً وكان شأن التذييل أن يكون كاملاً جامعاً مستقلاً جعلت الجملة المعطوفة عليها مثلها في الاستقلال فعُدل فيها عن الإضمار إلى الإظهار إذْ وضع قوله: {والله يدعو} موضع ندعو لأن الإضمار في الجملة يجعلها محتاجة إلى الجملة التي فيها المعاد. وحُذف مفعول {يدعو} لقصد التعميم، أي يدعو كل أحد. والدعوة هي: الطلب والتحريض. وهي هنا أوامر التكليف ونواهيه. ودار السلام: الجنة، قال تعالى: {أية : لهم دار السلام عند ربهم}تفسير : ، وقد تقدم وجه تسميتها بذلك في سورة [الأنعام: 127]. والهداية: الدلالة على المقصود النافع، والمراد بها هنا خَلْق الاهتداء إلى المقصود بقرينة قوله: {مَن يشاء} بعد قوله: {والله يدعُو} المفيد التعميمَ فإن الدعوة إلى الجنة دلالة عليها فهي هداية بالمعنى الأصلي فتعين أنَّ {يهدي} هنا معناه إيجاد الهداية بمعنى آخر، وهي حصول الاهتداء بالفعل، أي خلق حصوله بأمر التكوين، كقوله: {أية : فريقاً هدَى وفريقاً حق عليهم الضلالة}تفسير : [الأعراف: 30] وهذا التكوين يقع إما في كل جزئية من جزئيات الاهتداء على طريقة الأشاعرة، وإما بخلق الاستعداد له بحيث يقدر على الاهتداء عند حصول الأدلة على طريقة المعتزلة وهما متقاربان في الحال، وشؤون الغيب خَفية. وقد تقدم شيء من ذلك عند قوله تعالى: {أية : اهدنا الصراط المستقيم}تفسير : [الفاتحة: 6]. والصراط المستقيم: الطريق الموصل.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 25- والله يدعو عباده بالإيمان والعمل الصالح إلى الجنة دار الأمن والاطمئنان، وهو سبحانه يهدى من يشاء هدايته - لحسن استعداده وميله إلى الخير - إلى الطريق الحق وهو السلام. 26- للذين أحسنوا بالاستجابة لدعوة الله، فآمنوا وعملوا الخير لدينهم ودنياهم، لهم المنزلة الحسنى فى الآخرة وهى الجنة، ولهم زيادة على ذلك فضلا من الله وتكريماً، ولا يغشى وجوههم كآبة من همّ وهوان، وهؤلاء هم أهل الجنة الذين ينعمون فيها أبداً. 27- والذين لم يستجيبوا لدعوة الله، فكفروا واقترفوا المعاصى فسيجزون بمثل ما عملوا من سوء، ويغشاهم الهوان، وليس لهم واقٍ يمنعهم من عذاب الله، ووجوهم مسودة من الغم والكآبة كأنما أسدل عليها سواد من ظلمة الليل، وهم أهل النار يشقون فيها أبداً. 28- واذكر - أيها الرسول - هوْل الموقف، يوم نجمع الخلائق كافة، ثم نقول للذين أشركوا فى عبادتهم مع الله غيره: قفوا مكانكم أنتم ومن اتخذتموهم شركاء من دون الله، حتى تنظروا ما يفعل بكم، فوقعت الفرقة بين المشركين والشركاء، وتبرأ الشركاء من عابديهم، قائلين لهم: لم ندعكم إلى عبادتنا، وما كنتم تعبدوننا، وإنما كنتم تعبدون أهواءكم. 29- ويكفينا الله بعلمه وحكمه شهيداً وفاصلاً بيننا وبينكم. إنا كنا بمعزل عنكم لا نشعر بعبادتكم لنا. 30- فى ذلك الموقف تعلم كل نفس ما قدَّمت من خير أو شر، وتلقى جزاءها. وفى هذا الموقف أيقن المشركون بوحدانية الله الحق، وبطل كل ما كانوا يفترونه على الله.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَدْعُوۤاْ} {ٱلسَّلاَمِ} {صِرَاطٍ} (25) - لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى الدُّنيا وَسُرْعَةِ زَوَالِهَا، رَغَّبَ فِي الجَنَّةِ، وَدَعَا إِلَيْها، وَسَمَّاهَا دَارَ السَّلامِ، لِسَلاَمَتِهَا مِنَ الآفَّاتِ وَالنَّقَائِصِ وَالنَّكَبَاتِ، وَلِشُعُورِ مَنْ يَدْخُلُونَهَا بِالاطْمِئْنَانِ وَالسَّلاَمَةِ، وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلى الطَّرِيقِ المُوصِلِ إِلَيْهَا مِنْ أَقْصَرِ الطُّرُقِ، وَهُوَ الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ودار السلام: هي الآخرة التي تختلف عن دار الدنيا المليئة بالمتاعب، هذه الدنيا التي تزهو وتتزخرف، وتنتهي إلى حطيم؛ لذلك يدعو الله تعالى إلى دار أخرى، هي دار السلام؛ لأن من المنغِّصات على أهل الدنيا، أن الواحد منهم قد يأخذ حظه جاهاً، ومالاً، وصحة، وعافية، ولكن في ظل أرق من أمرين: الأول هو الخوف من أن يفوته هذا النعيم وهو حي، والثاني أن يفوت هو النعيم. أما الآخرة فالإنسان يحيا فيها في نعيم مقيم؛ ولذلك يقول الله سبحانه: {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ}. وهذه الآخرة لن يشاغب فيها أحدٌ الآخر، ولن تجد من يأكل عرق غيره مثلما يحدث في الدنيا، وإذا كنا نعيش في الدنيا بأسباب الله، فنحن في الآخرة نعيش بالله سبحانه وتعالى، فكل ما يخطر على بالك تجده. فإذا كانت الأسباب تتنوع في الدنيا وتختلف قدرات الناس فيها مع أخذهم بالأسباب، فإنهم في الآخرة يعيشون مع عطاء الله سبحانه دون جهد أو أسباب؛ لأن دار السلام هي دار الله تعالى، فالله تعالى هو السلام. ولله المثل الأعلى، فأنت إذا دعاك ولي أمرك إلى داره، فهو يُعدّ لدعوتك على قدره هو، وبما يناسب مقامه، فما بالك حين يدعوك خالقك سبحانه وقد اتبعت منهجه. إنه سبحانه هو القائل: {أية : إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ * سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}تفسير : [يس: 55-58]. وهذا السلام ليس من البشر؛ لأن من البشر من يعطيك السلام وهو يُكِنُّ لك غير السلام، أو قد يعطيك السلام وهو يريد بك السلام، ولكنه من الأغيار؛ فيتغير فلا يقدر أن يعطيك هذا السلام، لكن إذا ما جاء السلام من الله تعالى، فهو سلام من رب لا يعجزه شيء، ولا يُعوزه شيء، ولا تلحقه أغيار؛ لذلك يقول سبحانه: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم}تفسير : [الرعد: 23-24]. والملائكة حين يقولون ذلك إنما أخذوا سلامهم من باطن سلام الله تعالى، وحتى أصحاب الأعراف الذين لم يدخلوا الجنة، ويرون أهل الجنة وأهل النار، هؤلاء يلقون السلام على أهل الجنة. وهكذا يحيا أهل الجنة في سلام شامل ومحيط ومطمئن؛ لأن الداعي هو الله سبحانه، ولا أحد يجبره على أن ينقض سلامه. ودعوة الله سبحانه هي منهجه الذي أرسل به الرسل؛ ليحكم به حركة الحياة حركة إيمانية، يتعايش فيها الناس تعايشاً على وَفْق منهج الله تعالى، بما يجعل هذه الدنيا مثل الجنة، ولكن الذي يرهق الناس في الدنيا أن بعض الناس يعطلون جزئية أو جزئيات من منهج الله سبحانه. وأنت إذا رأيت مجتمعاً فيه لون من الشقاء في أي جهة؛ فاعلمْ أن جزءاً من منهج الله تعالى قد عُطِّل. ولو أن الناس قد ساروا على منهج الله سبحانه وتعالى؛ لما كان بالوجود عورة واحدة؛ فالذي يُظهر عورات الوجود هو غفلة بعض الناس عن منهج الله سبحانه. وأنت إنْ رأيت فقراء لا يجدون ما يأكلونه؛ فاعلمْ أن هناك مَنْ عطَّل منهج الله تعالى، إما من الفقراء أنفسهم، الذين استمرأ بعضهم الكسل، وإما أن الأغنياء قد ضنوا برعاية حق الله تعالى في هؤلاء الفقراء؛ وبذلك يتعطل منهج الله سبحانه. أما إذا سيطر منهج الله تعالى على الحياة؛ لصارت الحياة مثل الجنة. ويقول الحق سبحانه: {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ونعلم أن الهداية نوعان: هداية الدلالة بالمنهج، فمن أخذ المنهج سهَّل الله تعالى له طريق الصراط المستقيم؛ وبذلك انتقل العبد من مرحلة الهداية بالدلالة إلى الهداية بالمعونة، وحين تقوم القيامة يهديهم الله سبحانه بالنور إلى الجنة: {أية : يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ..}تفسير : [يونس: 9]. إذن: فمن أخذ هداية الله بالدلالة وهي المنهج، واتبع هذا المنهج؛ فالحق سبحانه يجعل له نوراً يسعى بين يديه: {أية : نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ..}تفسير : [التحريم: 8]. والحق سبحانه يقول: {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} [يونس: 25]. لأن كل شيء في هذا الكون لا يخرج عن مشيئته سبحانه، فالقوانين لا تحكمه، بل هو الذي يحكم كل شيء. وإذا كان الله قد بيّن من شاء هدايته، فهو أيضاً قد بيّن لنا من شاء إضلاله بقوله سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [التوبة: 37]. وقوله سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ}تفسير : [التوبة: 24]. إذن: فقد بيّن الحق سبحانه لنا من الذين يهديهم إلى الجنة ومن الذين لا يهديهم، فلا يقولن أحد: وما ذنب الكافرين والفاسقين؟ لأن الحق سبحانه قد بين منهجه، فمن أخذ به؛ جعل له نوراً يسعى بين يديه، ويدخله الجنة. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : عم تعالى عباده بالدعوة إلى دار السلام، والحث على ذلك، والترغيب، وخص بالهداية من شاء استخلاصه واصطفاءه، فهذا فضله وإحسانه، والله يختص برحمته من يشاء، وذلك عدله وحكمته، وليس لأحد عليه حجة بعد البيان والرسل، وسمى الله الجنة "دار السلام" لسلامتها من جميع الآفات والنقائص، وذلك لكمال نعيمها وتمامه وبقائه، وحسنه من كل وجه. ولما دعا إلى دار السلام، كأن النفوس تشوقت إلى الأعمال الموجبة لها الموصلة إليها، فأخبر عنها بقوله: { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } أي: للذين أحسنوا في عبادة الخالق، بأن عبدوه على وجه المراقبة والنصيحة في عبوديته، وقاموا بما قدروا عليه منها، وأحسنوا إلى عباد الله بما يقدرون عليه من الإحسان القولي والفعلي، من بذل الإحسان المالي، والإحسان البدني، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهلين، ونصيحة المعرضين، وغير ذلك من وجوه البر والإحسان. فهؤلاء الذين أحسنوا، لهم "الحسنى" وهي الجنة الكاملة في حسنها و "زيادة" وهي النظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، والفوز برضاه والبهجة بقربه، فبهذا حصل لهم أعلى ما يتمناه المتمنون، ويسأله السائلون. ثم ذكر اندفاع المحذور عنهم فقال: { وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ } أي: لا ينالهم مكروه، بوجه من الوجوه، لأن المكروه، إذا وقع بالإنسان، تبين ذلك في وجهه، وتغير وتكدر. وأما هؤلاء - فهم كما قال الله عنهم - {أية : تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيم } تفسير : { أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ } الملازمون لها { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } لا يحولون ولا يزولون، ولا يتغيرون.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [25] 253- أنا علي بن حُجر، وعمرو بن عثمان بن سعيد قالا: نا بقيَّة - وهو ابن الوليد، عن بَحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جُبير بن نُفير، عن النَّواس / بن سمعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله ضرب مثلا صراطا مستقيما، على كتفيِّ الصِّراط سُوران لهما أبوبا مفتحة، وعلى الأبواب سُورٌ، وداعٍ يدعو على رأس الصِّراط، وداع يدعو من فوقه {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [25] فالأبواب التي على كتفي الصراط حدود الله، لا يقع أحد في حدود الله حتى يكشف ستر الله، والذي يدعو من فوقه واعظ الله عز وجل ".
همام الصنعاني
تفسير : 1153- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}: [الآية: 25]، قال: الله هو السَّلام، والدَّارُ الجنَّة. 1154- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم حديث : أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: قيل لي لتنم عَيْنُكَ، وليعقل قَلْبُكَ، ولتسمع أذنك. قال: فنامت عيني، وعَقُلَ قلبي، وسمعت أُذُنايَ، ثم قيل لي: سيدٌ ابتنى دَاراً، وصنع مأدبةً، وأرسل دَاعياً فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السَّيِّدُ، ومن لم يُجب الدَّاعي لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة ولم يرض عنه السيد، فالله السَّيِّدُ، والدَّارُ الإسْلامُ، والمأدبة الجنَّة، والداعي: محمد صلى الله عليه وسلم .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):