Verse. 1388 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

اِنَّمَا مَثَلُ الْحَيٰوۃِ الدُّنْيَا كَمَاۗءٍ اَنْزَلْنٰہُ مِنَ السَّمَاۗءِ فَاخْتَلَطَ بِہٖ نَبَاتُ الْاَرْضِ مِمَّا يَاْكُلُ النَّاسُ وَالْاَنْعَامُ۝۰ۭ حَتّٰۗي اِذَاۗ اَخَذَتِ الْاَرْضُ زُخْرُفَہَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ اَہْلُہَاۗ اَنَّھُمْ قٰدِرُوْنَ عَلَيْہَاۗ۝۰ۙ اَتٰىھَاۗ اَمْرُنَا لَيْلًا اَوْ نَہَارًا فَجَعَلْنٰھَا حَصِيْدًا كَاَنْ لَّمْ تَغْنَ بِالْاَمْسِ۝۰ۭ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ الْاٰيٰتِ لِقَوْمٍ يَّتَفَكَّرُوْنَ۝۲۴
Innama mathalu alhayati alddunya kamain anzalnahu mina alssamai faikhtalata bihi nabatu alardi mimma yakulu alnnasu waalanAAamu hatta itha akhathati alardu zukhrufaha waizzayyanat wathanna ahluha annahum qadiroona AAalayha ataha amruna laylan aw naharan fajaAAalnaha haseedan kaan lam taghna bialamsi kathalika nufassilu alayati liqawmin yatafakkaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنما مَثَل» صفة «الحياة الدنيا كماء» مطر «أنزلناه من السماء فاختلط به» بسببه «نبات الأرض» واشتبك بعضه ببعض «مما يأكل الناس» من البرّ والشعير وغيرهما «والأنعام» من الكلأ «حتى إذا أخذت الأرض زخرفها» بهجتها من النبات «وازَّيَّنت» بالزهر، وأصله تزينت، أبدلت التاء زايا وأدغمت في الزاي «وظن أهلها أنهم قادرون عليها» متمكنون من تحصيل ثمارها «أتاها أمرنا» قضاؤنا أو عذابنا «ليلا أو نهارا فجعلناها» أي زرعها «حصيدا» كالمحصود بالمناجل «كأن» مخففة أي كأنها «لم تغن» تكن «بالأمس كذلك نفصَّل» نبين «الآيات لقوم يتفكرون».

24

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما قال: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [يونس: 23] أتبعه بهذا المثل العجيب الذي ضربه لمن يبغي في الأرض ويغتر بالدنيا، ويشتد تمسكه بها، ويقوي إعراضه عن أمر الآخرة والتأهب لها، فقال: {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاء فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلاْرْضِ } وهذا الكلام يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المعنى فاختلط به نبات الأرض بسبب هذا الماء النازل من السماء، وذلك لأنه إذا نزل المطر ينبت بسببه أنواع كثيرة من النبات، وتكون تلك الأنواع مختلطة، وهذا فيما لم يكن نابتاً قبل نزول المطر. والثاني: أن يكون المراد منه الذي نبت، ولكنه لم يترعرع، ولم يهتز. وإنما هو في أول بروزه من الأرض ومبدأ حدوثه، فإذا نزل المطر عليه، واختلط بذلك المطر، أي اتصل كل واحد منهما بالآخر اهتز ذلك النبات وربا وحسن، وكمل واكتسى كمال الرونق والزينة، وهو المراد من قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ ٱلاْرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ } وذلك لأن التزخرف عبارة عن كمال حسن الشيء. فجعلت الأرض آخذة زخرفها على التشبيه بالعروس إذا لبست الثياب الفاخرة من كل لون، وتزينت بجميع الألوان الممكنة في الزينة من حمرة وخضرة وصفرة وذهبية وبياض، ولا شك أنه متى صار البستان على هذا الوجه، وبهذه الصفة، فإنه يفرح به المالك ويعظم رجاؤه في الانتفاع به، ويصير قلبه مستغرقاً فيه، ثم إنه تعالى يرسل على هذا البستان العجيب آفة عظيمة دفعة واحدة في ليل أو نهار من برد، أو ريح أو سيل، فصارت تلك الأشجار والزروع باطلة هالكة كأنها ما حصلت ألبتة. فلا شك أنه تعظم حسرة مالك ذلك البستان ويشتد حزنه، فكذلك من وضع قلبه على لذات الدنيا وطيباتها، فإذا فاتته تلك الأشياء يعظم حزنه وتلهفه عليها. واعلم أن تشبيه الحياة الدنيا بهذا النبات يحتمل وجوهاً لخصها القاضي رحمه الله تعالى. الوجه الأول: أن عاقبة هذه الحياة الدنيا التي ينفقها المرء في باب الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي حين عظم الرجاء في الانتفاع به وقع اليأس منه، لأن الغالب أن المتمسك بالدنيا إذا وضع عليها قلبه وعظمت رغبته فيها يأتيه الموت. وهو معنى قوله تعالى: { أية : حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } تفسير : [الأنعام: 44] خاسرون الدنيا، وقد أنفقوا أعمارهم فيها، وخاسرون من الآخرة، مع أنهم متوجهون إليها. والوجه الثاني: في التشبيه أنه تعالى بين أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة تحمد، فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد. والوجه الثالث: أن يكون وجه التشبيه مثل قوله سبحانه: { أية : وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } تفسير : [الفرقان:23] فلما صار سعي هذا الزراع باطلاً بسبب حدوث الأسباب المهلكة، فكذلك سعي المغتر بالدنيا. والوجه الرابع: أن مالك ذلك البستان لما عمره بأتعاب النفس وكد الروح، وعلق قلبه على الانتفاع به، فإذا حدث ذلك السبب المهلك، وصار العناء الشديد الذي تحمله في الماضي سبباً لحصول الشقاء الشديد له في المستقبل، وهو ما يحصل له في قلبه من الحسرات. فكذلك حال من وضع قلبه على الدنيا وأتعب نفسه في تحصيلها، فإذا مات، وفاته كل ما نال، صار العناء الذي تحمله في تحصيل أسباب الدنيا، سبباً لحصول الشقاء العظيم له في الآخرة. والوجه الخامس: لعله تعالى إنما ضرب هذا المثل لمن لا يؤمن بالمعاد، وذلك لأنا نرى الزرع الذي قد انتهى إلى الغاية القصوى في التربية، قد بلغ الغاية في الزينة والحسن. ثم يعرض للأرض المتزينة به آفة، فيزول ذلك الحسن بالكلية، ثم تصير تلك الأرض موصوفة بتلك الزينة مرة أخرى. فذكر هذا المثال ليدل عل أن من قدر على ذلك، كان قادراً على إعادة الأحياء في الآخرة ليجازيهم على أعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. المسألة الثانية: المثل: قول يشبه به حال الثاني بالأول، ويجوز أن يكون المراد من المثل الصفة. والتقدير: إنما صفة الحياة الدنيا. وأما قوله: {وَٱزَّيَّنَتْ } فقال الزجاج: يعني تزينت فأدغمت التاء في الزاي وسكنت الزاي فاجتلب لها ألف الوصل، وهذا مثل ما ذكرنا في قوله: { أية : ادارأتم } تفسير : [البقرة: 72] { أية : ٱدَّارَكُواْ } تفسير : [الأعراف: 38]. وأما قوله: {وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا } فقال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أن أهل تلك الأرض قادرون على حصادها وتحصيل ثمراتها. والتحقيق أن الضمير وإن كان في الظاهر عائداً إلى الأرض، إلا أنه عائد إلى النبات الموجود في الأرض. وأما قوله: {أَتَاهَا أَمْرُنَا } فقال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد عذابنا. والتحقيق أن المعنى أتاها أمرنا بهلاكها. وقوله: {فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا } قال ابن عباس: لا شيء فيها، وقال الضحاك: يعني المحصود. وعلى هذا، المراد بالحصيد الأرض التي حصد نبتها، ويجوز أن يكون المراد بالحصيد النبات، قال أبو عبيدة: الحصيد المستأصل، وقال غيره: الحصيد المقطوع والمقلوع. وقوله: {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلاْمْسِ } قال الليث: يقال للشيء إذا فنى: كأن لم يغن بالأمس. أي كأن لم يكن من قولهم غني القوم في دارهم، إذا أقاموا بها، وعلى هذا الوجه يكون هذا صفة للنبات. وقال الزجاج: معناه: كأن لم تعمر بالأمس، وعلى هذا الوجه فالمراد هو الأرض، وقوله: {كَذٰلِكَ نُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ } أي نذكر واحدة منها بعد الأخرى، على الترتيب. ليكون تواليها وكثرتها سبباً لقوة اليقين، وموجباً لزوال الشك والشبهة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} معنى الآية التشبيه والتمثيل، أي صفة الحياة الدنيا في فنائها وزوالها وقلة خطرها والملاذ بها كماء؛ أي مثل ماء، فالكاف في موضع رفع. وسيأتي لهذا التشبيه مزيد بيان في «الكهف» إن شاء الله تعالى. «أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ» نعت لـ «ماء». {فَٱخْتَلَطَ} روي عن نافع أنه وقف على «فَٱخْتَلَطَ» أي فاختلط الماء بالأرض، ثم ابتدأ «بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ» أي بالماء نبات الأرض؛ فأخرجت ألواناً من النبات، فنبات على هذا ابتداء، وعلى مذهب من لم يقف على «فَاخْتَلَطَ» مرفوع باختلط؛ أي ٱختلط النبات بالمطر، أي شرب منه فتندّى وحَسُن وٱخضرّ. والاختلاط تداخل الشيء بعضه في بعض. قوله تعالى: {مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ} من الحبوب والثمار والبقول. {وَٱلأَنْعَامُ} من الكلإ والتبن والشعير. {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا} أي حسنها وزينتها. والزخرف كمال حسن الشيء؛ ومنه قيل للذهب: زخرف. {وَٱزَّيَّنَتْ} أي بالحبوب والثمار والأزهار؛ والأصل تزينت أدغمت التاء في الزاي وجيء بألف الوصل؛ لأن الحرف المدغم مقام حرفين الأوّل منهما ساكن والساكن لا يمكن الابتداء به. وقرأ ٱبن مسعود وأُبيّ بن كعب «وتزينت» على الأصل. وقرأ الحسن والأعرج وأبو العالية «وأَزْيَنَت» أي أتت بالزينة عليها، أي الغَلّة والزرع؛ وجاء بالفعل على أصله ولو أعلّه لقال وٱزّانت. وقال عوف بن أبي جميلة الأعرابي: قرأ أشياخنا «وٱزْيانّت» وزنه ٱسوادّت. وفي رواية المُقَدّمي «وٱزّاينت» والأصل فيه تزاينت، وزنه تقاعست ثم أدغم. وقرأ الشعبيّ وقتادة «وأزْينت» مثل أفعلت. وقرأ أبو عثمان النَّهدِيّ «وٱزْيَنَتْ» مثل ٱفعلت، وعنه أيضاً «وٱزيانت» مثل ٱفعالت، وروي عنه «ٱزيأنت» بالهمزة؛ ثلاث قراءات. قوله تعالى: {وَظَنَّ أَهْلُهَآ} أي أيقن. {أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ} أي على حصادها والانتفاع بها؛ أخبر عن الأرض والمعنِيّ النبات إذا كان مفهوماً وهو منها. وقيل: ردّ إلى الغلة، وقيل: إلى الزينة. {أَتَاهَآ أَمْرُنَا} أي عذابنا، أو أمرنا بهلاكها. {لَيْلاً أَوْ نَهَاراً} ظرفان. {فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً} مفعولان، أي محصودة مقطوعة لا شيء فيها. وقال «حَصيداً» ولم يؤنّث لأنه فعيل بمعنى مفعول. قال أبو عبيد: الحصيد المستأصَل. {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ} أي لم تكن عامرة؛ من غَنِي إذا أقام فيهِ وعمرَه. والمغاني في اللغة: المنازل التي يعمرها الناس. وقال قتادة: كأن لم تنعم. قال لبِيد:شعر : وغَنِيتُ سَبْتاً قبل مَجْرَى داحسٍ لو كان للنفس اللَّجُوج خلودُ تفسير : وقراءة العامة «تَغْنَ» بالتاء لتأنيث الأرض. وقرأ قتادة «يغن» بالياء، يذهب به إلى الزخرف؛ يعني فكما يهلك هذا الزرع هكذا كذلك الدنيا. {نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} أي نبيّنُها. {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} في آيات الله.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} حالها العجيبة في سرعة تقضيها وذهاب نعيمها بعد إقبالها واغترار الناس بها. {كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاء فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ} فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضاً. {مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلأَنْعَـٰمُ} من الزروع والبقول والحشيش. {حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا} حسنها وبهجتها. {وَٱزَّيَّنَتْ} تزينت بأصناف النبات وأشكالها وألوانها المختلفة كعروس أخذت من ألوان الثياب والزين فتزينت بها، {وَٱزَّيَّنَتْ} أصله تزينت فأدغم وقد قرىء على الأصل {وَٱزَّيَّنَتْ} على أفعلت من غير اعلال كاغيلت، والمعنى صارت ذات زينة «وازيانت» كابياضت. {وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا} متمكنون من حصدها ورفع غلتها. {أَتَاهَا أَمْرُنَا} ضرب زرعها ما يحتاجه. {لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا} فجعلنا زرعها. {حَصِيداً} شبيهاً بما حصد من أصله. {كَأَن لَّمْ تَغْنَ} كأن لم يغن زرعها أي لم يلبث، والمضاف محذوف في الموضعين للمبالغة وقرىء بالياء على الأصل. {بِٱلأَمْسِ} فيما قبيله وهو مثل في الوقت القريب والممثل به مضمون الحكاية وهو زوال خضرة النبات فجأة وذهابه حطاماً بعدما كان غضاً والتف، وزين الأرض حتى طمع فيه أهله وظنوا أنه قد سلم من الجوائح لا الماء وإن وليه حرف التشبيه لأنه من التشبيه المركب. {كَذٰلِكَ نُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فإنهم المنتفعون به.

ابن كثير

تفسير : ضرب تبارك وتعالى مثلاً لزهرة الحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض، بماء أنزل من السماء، مما يأكل الناس من زروع وثمار على اختلاف أنواعها وأصنافها، وما تأكل الأنعام من أبَ وقضب وغير ذلك، {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا} أي: زينتها الفانية {وَٱزَّيَّنَتْ} أي: حسنت بما خرج من رباها من زهور نضرة مختلفة الأشكال والألوان {وَظَنَّ أَهْلُهَآ} الذين زرعوها وغرسوها {أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ} أي: على جذاذها وحصادها، فبينما هم كذلك، إِذ جاءتها صاعقة أو ريح شديدة باردة، فأيبست أوراقها، وأتلفت ثمارها، ولهذا قال تعالى: {أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا} أي: يابساً بعد الخضرة والنضارة {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ} أي: كأنها ما كانت حسناء قبل ذلك. وقال قتادة: كأن لم تغن: كأن لم تنعم، وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن. ولهذا جاء في الحديث: «حديث : يؤتى بأنعم أهل الدنيا، فيغمس في النار غمسة، فيقال له: هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا، ويؤتى بأشد الناس عذاباً في الدنيا، فيغمس في النعيم غمسة، ثم يقال له: هل رأيت بؤساً قط؟ فيقول: لا» تفسير : وقال تعالى إِخباراً عن المهلكين: {أية : فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ} تفسير : [هود:94-95] ثم قال تعالى: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَـٰتِ} أي: نبين الحجج والأدلة {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فيعتبرون بهذا المثل في زوال الدنيا من أهلها سريعاً، مع اغترارهم بها، وتمكنهم وثقتهم بمواعيدها، وتفلتها عنهم، فإن من طبعها الهرب ممن طلبها، والطلب لمن هرب منها، وقد ضرب الله تعالى مثل الدنيا بنبات الأرض في غير ما آية من كتابه العزيز، فقال في سورة الكهف: {أية : وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ مُّقْتَدِرًا} تفسير : [الكهف: 45] وكذا في سورة الزمر والحديد، يضرب الله بذلك مثل الحياة الدنيا. وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت مروان، يعني: ابن الحكم، يقرأ على المنبر: (وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها، وما كان الله ليهلكهم إِلا بذنوب أهلها) قال: قد قرأتها، وليست في المصحف، فقال عباس بن عبد الله بن عباس هكذا يقرؤها ابن عباس، فأرسلوا إلى ابن عباس، فقال: هكذا أقرأني أبي بن كعب، وهذه قراءة غريبة، وكأنها زيدت للتفسير. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ} الآية. لما ذكر تعالى الدنيا وسرعة زوالها، رغب في الجنة، ودعا إِليها، وسماها دار السلام، أي: من الآفات، والنقائص والنكبات، فقال: { وَٱللَّهُ يَدْعُوۤ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} قال أيوب عن أبي قلابة: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قيل لي: لتنم عينك، وليعقل قلبك، ولتسمع أذنك، فنامت عيني، وعقل قلبي، وسمعت أذني. ثم قيل لي: مثلي ومثل ما جئت كمثل سيد بنى داراً، ثم صنع مأدبة وأرسل داعياً، فمن أجاب الداعي، دخل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد، ومن لم يجب الداعي، لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ولو يرض عنه السيد، والله السيد، والدار الإسلام، والمأدبة الجنة، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم» تفسير : وهذا الحديث مرسل، وقد جاء متصلاً من حديث الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال: «حديث : إِني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلي، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلاً، فقال: اسمع سمعت أذنك، واعقل عقل قلبك، إِنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ داراً، ثم بنى فيها بيتاً، ثم جعل فيها مأدبة، ثم بعث رسولاً يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه، فالله الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد الرسول، فمن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة، أكل منها» تفسير : رواه ابن جرير، وقال قتادة: حدثني خليد العصري عن أبي الدرداء مرفوعاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من يوم طلعت فيه الشمس، إلا وبجنبيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم، إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى» تفسير : قال: وأنزل في قوله: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم: {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ} الآية. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّمَا مَثَلُ } صفة { ٱلْحَيَوٰةِ ٱلْدُّنْيَا كَمَاءٍ } مطرٍ {أَنزَلْنـَٰهُ مِنَ ٱلسَّمآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ } بسببه {نَبَاتُ ٱلأَرْضِ } واشتبك بعضه ببعض {مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ } من البُرِّ والشعير وغيرهما {وَٱلأَنْعَٰمُ } من الكلأ {حَتَّىٰ إِذآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا } بهجتها من النبات {وَٱزَّيَّنَتْ } بالزهر، وأصله: (تزينت)، أُبدلت التاء زاياً وأدغمت في الزاي {وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَٰدِرُونَ عَلَيْهَا } متمكنون من تحصيل ثمارها {أَتـَٰهَا أَمْرُنَا } قضاؤنا أو عذابنا {لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَٰهَا } أي زرعها {حَصِيداً } كالمحصود بالمناجل {كَأَنَ } مخففة أي كأنها {لَّمْ تَغْنَ } تكن {بِٱلأَمْسِ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ } نبيِّن {ٱلأَيَٰتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }.

الشوكاني

. تفسير : لما ذكر الله سبحانه ما تقدّم من متاع الدنيا، جاء بكلام مستأنف يضمن بيان حالها وسرعة تقضيها، وأنها تعود بعد أن تملأ الأعين برونقها، وتجتلب النفوس ببهجتها. وتحمل أهلها على أن يسفكوا دماء بعضهم بعضاً، ويهتكوا حرمهم حباً لها، وعشقاً لجمالها الظاهري، وتكالباً على التمتع بها، وتهافتاً على نيل ما تشتهي الأنفس منها بضرب من التشبيه المركب، فقال: {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاء } إلى آخر الآية. والمعنى: أن مثلها في سرعة الذهاب والاتصاف بوصف يضادّ ما كانت عليه ويباينه، مثل ما على الأرض من أنواع النبات في زوال رونقه، وذهاب بهجته، وسرعة تقضيه، بعد أن كان غضاً مخضراً طرياً قد تعانقت أغصانه المتمايلة، وزهت أوراقه المتصافحة، وتلألأت أنوار نوره، وحاكت الزهر أنواع زهره، وليس المشبه به هو ما دخله الكاف في قوله: {كَمَآء أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاء } بل ما يفهم من الكلام، والباء في: {فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ } للسببية، أي فاختلط بسببه نبات الأرض بأن اشتبك بعضه ببعض، حتى بلغ إلى حدّ الكمال، ويحتمل أن يراد أن النبات كان في أوّل بروزه، ومبدأ حدوثه غير مهتز ولا مترعرع، فإذا نزل الماء عليه اهتز وربا، حتى اختلط بعض الأنواع ببعض {مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلأَنْعَـٰمُ } من الحبوب والثمار، والكلأ والتبن، وأخذت الأرض زخرفها. قال في الصحاح الزخرف: الذهب، ثم يشبه به كل مموّه مزوّر. انتهى. والمعنى: أن الأرض أخذت لونها الحسن المشابه بعضه للون الذهب، وبعضه للون الفضة، وبعضه للون الياقوت، وبعضه للون الزمرّد. وأصل ازينت: تزينت أدغمت التاء في الزاي، وجىء بألف الوصل؛ لأن الحرف المدغم مقام حرفين أولهما ساكن. والساكن لا يمكن الابتداء به. وقرأ ابن مسعود، وأبيّ بن كعب «وتزينت» على الأصل. وقرأ الحسن والأعرج وأبو العالية «وأزينت» على وزن أفعلت: أي أزينت بالزينة التي عليها، شبهها بالعروس التي تلبس الثياب الجيدة المتلونة ألواناً كثيرة. وقال عوف بن أبي جميلة: قرأ أشياخنا «وازيانت» على وزن اسوادّت، وفي رواية المقدمى «وازانت» والأصل فيه تزاينت على وزن تفاعلت. وقرأ الشعبي، وقتادة «أزينت»، ومعنى هذه القراءات كلها هو ما ذكرنا {وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا } أي: غلب على ظنونهم أو تيقنوا أنهم قادرون على حصادها والانتفاع بها، والضمير في عليها للأرض، والمراد: النبات الذي هو عليها {أَتَاهَا أَمْرُنَا } جواب إذا، أي: جاءها أمرنا بإهلاكها واستئصالها وضربها ببعض العاهات {فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا } أي: جعلنا زرعها شبيهاً بالمحصود في قطعه من أصوله. قال أبو عبيدة: الحصيد: المستأصل {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ } أي: كأن لم يكن زرعها موجوداً فيها بالأمس: مخضرّاً طرياً، من غنى بالمكان بالكسر يغنى بالفتح إذا أقام به، والمراد بالأمس الوقت القريب، والمغاني في اللغة: المنازل. وقال قتادة: كأن لم تنعم، قال لبيد:شعر : غنيت سنيناً قبل مجرى داحس لو كان للنفس اللجوج خلود تفسير : وقرأ قتادة "كن لم يغن" بالتحتية بإرجاع الضمير إلى الزخرف. وقرأ من عداه {تَغْنَ } بالفوقية بإرجاع الضمير إلى الأرض {كَذٰلِكَ } أي: مثل ذلك التفصيل البديع {نُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ } القرآنية التي من جملتها هذه الآية {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فيما اشتملت عليه، ويجوز أن يراد الآيات التكوينية. قوله: {وَٱللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ } لما نفر عباده عن الميل إلى الدنيا بما ضربه لهم من المثل السابق، رغبهم في الدار الآخرة بإخبارهم بهذه الدعوة منه عزّ وجلّ إلى دار السلام، قال الحسن وقتادة: السلام هو: الله تعالى، وداره الجنة. وقال الزجاج: المعنى والله يدعو إلى دار السلامة. ومعنى السلام والسلامة واحد كالرضاع والرضاعة. ومنه قول الشاعر:شعر : تحيـى بالسلامة أمّ بكر وهل لك بعد قومك من سلام تفسير : وقيل: أراد دار السلام الذي هو: التحية؛ لأن أهلها ينالون من الله السلام بمعنى: التحية، كما في قوله: {أية : تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ } تفسير : [إبراهيم: 23]. وقيل: السلام اسم لأحد الجنان السبع: أحدها: دار السلام، والثانية: دار الجلال، والثالثة: جنة عدن، والرابعة: جنة المأوى، والخامسة: جنة الخلد، والسادسة: جنة الفردوس، والسابعة: جنة النعيم. وقيل المراد: دار السلام الواقع من المؤمنين بعضهم على بعض في الجنة، وقد اتفقوا على أن دار السلام هي الجنة، وإنما اختلفوا في سبب التسمية بدار السلام {وَيَهْدِى مَن يَشَاء إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } جعل سبحانه الدعوة إلى دار السلام عامة، والهداية خاصة بمن يشاء أن يهديه، تكميلاً للحجة وإظهاراً للاستغناء عن خلقه. ثم قسم سبحانه أهل الدعوة إلى قسمين، وبين حال كل طائفة فقال: {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ } أي: الذين أحسنوا بالقيام بما أوجبه الله عليهم من الأعمال، والكفّ عما نهاهم عنه من المعاصي، والمراد بالحسنى المثوبة الحسنى. قال ابن الأنباري: العرب توقع هذه اللفظة على الخصلة المحبوبة المرغوب فيها، ولذلك ترك موصوفها؛ وقيل المراد بالحسنى: الجنة، وأما الزيادة فقيل المراد بها: ما يزيد على المثوبة من التفضل، كقوله: {أية : لِيُوَفّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } تفسير : [فاطر: 30] وقيل الزيادة: النظر إلى وجهه الكريم. وقيل: الزيادة: هي: مضاعفة الحسنة إلى عشر أمثالها. وقيل: الزيادة: غرفة من لؤلؤ، وقيل الزيادة: مغفرة من الله ورضوان. وقيل: هي أنه سبحانه يعطيهم في الدنيا من فضله ما لا يحاسبهم عليه. وقيل: غير ذلك، مما لا فائدة في ذكره، وسيأتي بيان ما هو الحق في آخر البحث: {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ } معنى {يرهق}: يلحق، ومنه قيل: غلام مراهق، إذا لحق بالرجال، وقيل يعلو، وقيل يغشى، والمعنى متقارب؛ والقتر: الغبار، ومنه قول الفرزدق:شعر : متوّج برداء الملك يتبعه موج ترى فوقه الرايات والقترا تفسير : وقرأ الحسن «قتر» بإسكان المثناة، والمعنى واحد، قاله النحاس، وواحد القتر قترة، والذلة: ما يظهر على الوجه من الخضوع والإنكسار والهوان، والمعنى: أنه لا يعلو وجوههم غبرة، ولا يظهر فيها هوان؛ وقيل القتر: الكآبة، وقيل: سواد الوجوه، وقيل: هو دخان النار {أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } الإشارة إلى المتصفين بالصفات السابقة هم أصحاب الجنة الخالدون فيها، المتنعمون بأنواع نعيمها {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيّئَاتِ جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا } هذا الفريق الثاني من أهل الدعوة، وهو معطوف على {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } كأنه قيل: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، أو يقدر. وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها: أي يجازي سيئة واحدة بسيئة واحدة، لا يزاد عليها، وهذا أولى من الأوّل، لكونه من باب العطف على معمولي عاملين مختلفين، والمراد بالسيئة: إما الشرك، أو المعاصي التي ليست بشرك، وهي ما يتلبس به العصاة من المعاصي، قال ابن كيسان: الباء زائدة، والمعنى: جزاء سيئة مثلها؛ وقيل: الباء مع ما بعدها الخبر، وهي متعلقة بمحذوف قامت مقامه، والمعنى: جزاء سيئة كائن بمثلها، كقولك إنما أنا بك، ويجوز أن يتعلق بجزاء، والتقدير جزاء سيئة بمثلها كائن، فحذف خبر المبتدأ، ويجوز أن يكون {جَزَاء } مرفوعاً على تقدير: فلهم جزاء سيئة، فيكون مثل قوله: {أية : فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }تفسير : [البقرة: 184] أي: فعليه عدّة. والباء على هذا التقدير متعلقة بمحذوف، كأنه قال: لهم جزاء سيئة ثابت بمثلها، أو تكون مؤكدة أو زائدة. قوله: {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } أي يغشاهم هوان وخزي. وقرىء «يرهقهم» بالتحتية {لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ } أي: لا يعصمهم أحد كائناً من كان من سخط الله وعذابه، أو مالهم من جهة الله ومن عنده من يعصمهم كما يكون للمؤمنين، والأوّل: أولى، والجملة في محل نصب على الحالية، أو مستأنفة {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ مُظْلِماً} قطعاً جمع قطعة، وعلى هذا يكون مظلماً منتصباً على الحال من الليل: أي أغشيت وجوههم قطعاً من الليل في حالة ظلمته. وقد قرأ بالجمع جمهور القراء. وقرأ الكسائي وابن كثير "قطعا" بإسكان الطاء، فيكون {مظلماً} على هذا صفة لـ {قطعا}، ويجوز أن يكون حالاً من {الليل}. قال ابن السكيت: القطع طائفة من الليل {أُوْلَـٰئِكَ } أي: الموصوفون بهذه الصفات الذميمة {أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } وإطلاق الخلود هنا مقيد بما تواتر في السنة من خروج عصاة الموحدين. قوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } الحشر الجمع، وجميعاً منتصب على الحال {وَيَوْمَ } منصوب بمضمر: أي أنذرهم يوم نحشرهم، والجملة مستأنفة لبيان بعض أحوالهم القبيحة. والمعنى: أن الله سبحانه يحشر العابد والمعبود لسؤالهم {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } في حالة الحشر، ووقت الجمع تقريعاً لهم على رءوس الأشهاد، وتوبيخاً لهم مع حضور من يشاركهم في العبادة، وحضور معبوداتهم {مَكَانَكُمْ } أي: الزموا مكانكم، واثبتوا فيه، وقفوا في موضعكم {أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ } هذا الضمير تأكيد للضمير الذي في مكانكم لسدّه مسدّ الزموا، و{شركاؤكم} معطوف عليه. وقرىء بنصب {شركاؤكم} على أن الواو واو مع. قوله: {فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ } أي: فرّقنا وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا: يقال زيلته فتزيل: أي فرقته فتفرق، والمزايلة المفارقة، يقال زايله مزايلة، وزيالاً إذا فارقه، والتزايل التباين. قال الفراء: وقرأ بعضهم:"فزايلنا" والمراد بالشركاء هنا: الملائكة. وقيل الشياطين، وقيل الأصنام، وإن الله سبحانه ينطقها في هذا الوقت. وقيل: المسيح، وعزير، والظاهر أنه كل معبود للمشركين كائناً ما كان، وجملة: {وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } في محل نصب على الحال بتقدير قد، والمعنى: وقد قال شركاؤهم الذين عبدوهم وجعلوهم شركاء لله سبحانه ما كنتم إيانا تعبدون، وإنما عبدتم هواكم وضلالكم، وشياطينكم الذين أغووكم، وإنما أضاف الشركاء إليهم مع أنهم جعلوهم شركاء لله سبحانه، لكونهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم، فهم شركاؤهم في أموالهم من هذه الحيثية. وقيل: لكونهم شركاؤهم في هذا الخطاب، وهذا الجحد من الشركاء وإن كان مخالفاً لما قد وقع من المشركين من عبادتهم، فمعناه إنكار عبادتهم إياهم عن أمرهم لهم بالعبادة {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } إن كنا أمرناكم بعبادتنا، أو رضينا ذلك منكم {إِن كُنَّا عَن عِبَادَتِكُمْ لَغَـٰفِلِينَ } "إن" هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، والقائل لهذا الكلام هم: المعبودون. قالوا لمن عبدهم من المشركين: إنا كنا عن عبادتكم لنا لغافلين، والمراد بالغفلة هنا: عدم الرضا بما فعله المشركون من العبادة لهم، وفي هذا دليل على أن هؤلاء المعبودين غير الشياطين، لأنهم يرضون بما فعله المشركون من عبادتهم، ويمكن أن يكونوا من الشياطين، ويحمل هذا الجحد منهم على أنهم لم يجبروهم على عبادتهم، ولا أكرهوهم عليها. {هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ } أي: في ذلك المكان وفي ذلك الموقف، أو في ذلك الوقت على استعارة اسم الزمان للمكان تذوق كل نفس وتختبر جزاء ما أسلفت من العمل، فمعنى {تبلو}: تذوق وتختبر. وقيل: تعلم. وقيل: تتبع، وهذا على قراءة من قرأ «تبلو» بالمثناة الفوقية بإسناد الفعل إلى كل نفس؛ وأما على قراءة من قرأ: «نبلو» بالنون، فالمعنى: أن الله يبتلي كل نفس ويختبرها، ويكون ما أسلفت بدلاً من كل نفس. والمعنى: أنه يعاملها معاملة من يختبرها ويتفقد أحوالها. قوله: {وَرُدُّواْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقّ } معطوف على {زيلنا}، والضمير في {ردّوا} عائد إلى الذين أشركوا: أي ردّوا إلى جزائه، وما أعدّ لهم من عقابه، و{مولاهم}: ربهم، و{الحق} صفة له: أي الصادق الربوبية دون ما اتخذوه من المعبودات الباطلة، وقرىء «الحق» بالنصب على المدح، كقولهم الحمد لله أهل الحمد {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي: ضاع وبطل ما كانوا يفترون من أن الآلهة التي لهم حقيقة بالعبادة، لتشفع لهم إلى الله وتقرّبهم إليه. والحاصل أن هؤلاء المشركين يرجعون في ذلك المقام إلى الحق، ويعترفون به، ويقرّون ببطلان ما كانوا يعبدونه ويجعلونه إلهاً، ولكن حين لا ينفعهم ذلك. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله: {فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ } قال: اختلط فنبت بالماء كل لون {مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ } كالحنطة والشعير، وسائر حبوب الأرض والبقول والثمار، وما تأكله الأنعام والبهائم من الحشيش والمراعي. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله: {وَٱزَّيَّنَتْ } قال: أنبتت وحسنت، وفي قوله: {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ } قال: كأن لم تعش، كأن لم تنعم. وأخرج ابن جرير، عن أبيّ بن كعب، وابن عباس، ومروان بن الحكم، أنهم كانوا يقرءون بعد قوله: {وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا } وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه كان يقرأ: وما أهلكناها إلا بذنوب أهلها "كذلك نفصل الأيات". وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن أبي مجلز، قال: كان مكتوب في سورة يونس إلى حيث هذه الآية {حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا } إلى {يَتَفَكَّرُونَ }، ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمني وادياً ثالثاً، ولا يشبع نفس ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، فمحيت. وأخرج أبو نعيم، والدمياطي في معجمه من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قوله: {وَٱللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ } يقول: يدعو إلى عمل الجنة. والله: السلام، والجنة: داره. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية، في قوله: {وَيَهْدِى مَن يَشَاء } قال: يهديهم للمخرج من الشبهات والفتن والضلالات. وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من يوم طلعت شمسه إلا وكل بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين: يا أيها الناس، هلموا إلى ربكم، فما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى، ولا آبت شمسه إلا وكل بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم غير الثقلين: اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ } إلى قوله: {لِلْعُسْرَىٰ } [الليل: 1 ــ 10]"تفسير : . وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن سعيد بن أبي هلال، سمعت أبا جعفر محمد بن عليّ وتلا: {وَٱللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَاء إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } فقال: حدّثني جابر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: حديث : إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلي، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلاً، فقال: اسمع سمعت أذنك، واعقل عقل قلبك، إنما مثلك ومثل أمتك مثل ملك اتخذ داراً، ثم بنى فيها بيتاً، ثم جعل فيها مأدبة، ثم بعث رسولاً يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من ترك؛ فالله هو الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد رسول، فمن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل منها» تفسير : وقد روي معنى هذا من طرق. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله: {وَٱللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ } قال: ذكر لنا أن في التوراة مكتوباً: يا باغي الخير هلمّ، ويا باغي الشرّ اتقه. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، أنه كان إذا قرأ: {وَٱللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ } قال: لبيك ربنا وسعديك. وأخرج أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وغيرهم، عن صهيب: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ } قال: "حديث : إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويزحزحنا عن النار؛ قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحبّ إليهم من النظر إليه، ولا أقرّ لأعينهم»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والدارقطني في الرؤية، وابن مردويه، عن أبي موسى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله يبعث يوم القيامة منادياً ينادي بصوت يسمعه أوّلهم وآخرهم: إن الله وعدكم الحسنى وزيادة» تفسير : فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي في الرؤية، عن كعب بن عجرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، في قوله: {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ } قال: "حديث : الزيادة: النظر إلى وجه الرحمن"تفسير : . وأخرج هؤلاء والدارقطني، وابن أبي حاتم، عن أبيّ بن كعب، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ } قال: "حديث : الذين أحسنوا: أهل التوحيد، والحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله"تفسير : . وأخرج ابن مردويه، عن ابن عمر، مرفوعاً نحوه. وأخرج أبو الشيخ، والدارقطني، وابن مردويه، والخطيب، وابن النجار، عن أنس مرفوعاً نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي هريرة نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن خزيمة، وابن المنذر، وأبو الشيخ، والدارقطني، وابن مردويه، والبيهقي، عن أبي بكر الصدّيق، في الآية قال: الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله. وأخرج ابن مردويه، من طريق الحرث، عن عليّ بن أبي طالب في الآية مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، والدارقطني، والبيهقي، عن حذيفة في الآية قال: الزيادة: النظر إلى وجه الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والدارقطني، والبيهقي، عن أبي موسى نحوه. وأخرج ابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، من طريق عكرمة، عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، واللالكائي عن ابن مسعود، نحوه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي، عن عليّ قال: الزيادة: غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب غرفها وأبوابها من لؤلؤة واحدة. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، في قوله: {وَزِيَادَةٌ } قال: هو مثل قوله: {أية : وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } تفسير : [قۤ: 35] يقول: يجزيهم بعملهم، ويزيدهم من فضله. وقال: {أية : مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } تفسير : [الأنعام: 160]. وقد روى عن التابعين ومن بعدهم روايات في تفسير الزيادة غالبها أنها النظر إلى وجه الله سبحانه. وقد ثبت التفسير بذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يبق حينئذ لقائل مقال، ولا التفات إلى المجادلات الواقعة بين المتمذهبة الذين لا يعرفون من السنة المطهرة ما ينتفعون به، فإنهم لو عرفوا ذلك لكفوا عن كثير من هذيانهم، والله المستعان. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ } قال: لا يغشاهم {قَتَرٌ } قال: سواد الوجوه. وأخرج أبو الشيخ عن عطاء في الآية قال: القتر: سواد الوجه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد، في الآية قال: خزي. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن صهيب عن النبيّ: {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ } قال: "حديث : بعد نظرهم إليه عزّ وجلّ"تفسير : . وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ، في قوله: {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيّئَاتِ } قال: الذين عملوا الكبائر {جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا } قال: النار {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ مُظْلِماً} القطع: السواد. نسختها الآية في البقرة: {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيّئَةً } تفسير : [البقرة: 81] الآية. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، في قوله: {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } قال: تغشاهم ذلة وشدّة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، في قوله: {مَّا لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ } يقول: من مانع. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } قال: الحشر الموت. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن زيد، في قوله: {فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ } قال: فرّقنا بينهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال: تنصب الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله، فيقول: هؤلاء الذين كنتم تعبدون من دون الله؟ فيقولون: نعم، هؤلاء الذين كنا نعبد، فتقول لهم الآلهة. والله ما كنا نسمع ولا نبصر، ولا نعقل، ولا نعلم، أنكم كنتم تعبدوننا، فيقولون: بلى والله لإياكم كنا نعبد، فتقول لهم الآلهة: {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَـٰفِلِينَ }. وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يمثل لهم يوم القيامة ما كانوا يعبدون من دون الله، فيتبعونهم حتى يؤدّوهم النار»تفسير : ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ}. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ {هُنَالِكَ تَبْلُواْ } يقول: تتبع. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال: {تبلو}: تختبر. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن زيد، {تبلو} قال: تعاين {تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ } ما عملت {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } ما كانوا يدعون معه من الأنداد. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ في قوله: {وَرُدُّواْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقّ } قال: نسخها قوله: {أية : ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ } تفسير : [محمد: 11].

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {... فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً} فيه وجهان: أحدهما: ذاهباً. الثاني: يابساً. {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِألأَمْسِ} فيه أربعه تأويلات: أحدها: كأن لم تعمر بالأمس، قاله الكلبي. الثاني: كأنه لم تعش بالأمس، قاله قتادة، ومنه قول لبيد: شعر : وغنيت سبتاً بعد مجرى داحس لو كان للنفس اللجوج خلود تفسير : الثالث: كأن لم تقم بالأمس، ومن قولهم غنى فلان بالمكان إذا أقام فيه، قاله عليّ بن عيسى. الرابع كأن لم تنعم بالأمس، قاله قتادة أيضاً. قوله عز وجل: {وَاللَّهَ يَدُعُواْ إِلَى دَارِ السَّلاَمِ} يعني الجنة. وفي تسميتها دار السلام وجهان: أحدهما: لأن السلام هو الله، والجنة داره. الثاني: لأنها دار السلامة من كل آفة، قاله الزجاج. {وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} في هدايته وجهان: أحدهما: بالتوفيق والمعونة. الثاني: بإظهار الأدلة وإقامة البراهين. وفي الصراط المستقيم أربعة تأويلات: أحدها: أنه كتاب الله تعالى، روى علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى". تفسير : الثاني: أنه الإسلام، رواه النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثالث: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده أبو بكر وعمر، قاله الحسن وأبو العالية. الرابع: أنه الحق، قاله مجاهد وقتادة. روى جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله يوماً فقال: "حديث : رَأيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ جِبْرِيلَ عِندَ رَأْسِي وَمِيكآئِيلَ عِندَ رِجْلَيّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبهِ: أضْرِبْ لَهُ مَثَلاً، فَقَالَ: اسْمَعْ سَمْعَتْ أُذُنُكَ، وَاعْقِلْ، عَقَلَ قَلْبُكَ، إِنَّمَا مَثَلُكَ وَمَثَلُ أُمَّتِكَ كَمَثَلِ مَلِكٍ أتَّخَذَ دَاراً ثُمَّ بَنَى فِيهَا بَيتاً ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا مَائِدَةً ثُمَّ بَعَثَ رَسُولاً يَدْعُو النَّاسَ إِلَى طَعَامِهِ فَمِنهُم مَّنْ أَجَابَ الرَّسُولَ وَمِنهُم مَّن تَرَكَهُ، فَاللَّهُ الْمَلِكُ، وَالدَّارُ الإسْلاَمُ، وَالْبَيْتُ الْجَنَّةُ، وََأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ الرَّسُولُ فَمَنْ أَجَابَكَ دَخَلَ فِي الإِسْلاَمِ، وَمَنْ دَخَلَ فِي الإِسْلاَمِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَن دَخَلَ الْجَنَّةَ أَكَلَ مِمَّا فيهَا" تفسير : ثم تلا قتادة ومجاهد. {وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلاَمِ}.

ابن عطية

تفسير : المعنى: {إنما مثل } تفاخر الحياة الدنيا وزينتها بالمال والبنين إذ يصير ذلك إلى الفناء كمطر نزل من السماء {فاختلط }، ووقف هنا بعض القراء على معنى، فاختلط الماء بالأرض ثم استأنف به {نبات الأرض } على الابتداء والخبر المقدم، ويحتمل على هذا أن يعود الضمير في {به} على " الماء " أو على " الاختلاط " الذي يتضمنه القول. ووصلت فرقة فرفع " النباتُ " على ذلك بقوله {اختلط} أي اختلط النبات بعضه ببعض بسبب الماء، وقوله {مما يأكل الناس }، يريد الزروع والأشجار ونحو ذلك، وقوله {والأنعام } يريد سائر العشب المرعي، و {أخذت الأرض }، لفظة كثرت في مثل هذا كقوله {أية : خذوا زينتكم} تفسير : [الأعراف: 31] و" الزخرف " التزين بالألوان، وقد يجيء الزخرف بمعنى الذهب إذ الذهب منه، وقرأ مروان بن الحكم وأبو جعفر والسبعة وشيبة ومجاهد والجمهور: {وازينت} أصله: تزينت سكنت التاء لتدغم فاحتيج إلى ألف الوصل وقرأ ابن مسعود والأعمش وأبيّ بن كعب " وتزينت " وهذه أصل قراءة الجمهور، وقرأ الحسن وأبو العالية والشعبي وقتادة ونصر بن عاصم وعيسى " وأزينت " على معنى حضرت زينتها كما تقول أحصد الزرع، "وأزينت" على مثال أفعلت وقال عوف بن أبي جميلة: كان أشياخنا يقرؤونها " وازيانت" النون شديدة والألف ساكنة قبلها، وهي قراءة أبي عثمان النهدي، وقرأت فرقة " وأزيأنت"، وهي لغة منها قول الشاعر [ ابن كثير ]: [الطويل ] شعر : إذا ما الهوادي بالغبيطِ احْمأرَّتِ تفسير : وقرأت فرقة " وازاينت " والمعنى في هذا كله ظهرت زينتها، وقوله {وظن أهلها } على بابها. والضمير في {عليها } عائد على {الأرض }، والمراد ما فيها من نعمة ونبات، وهذا الكلام فيه تشبيه جملة أمر الحياة الدنيا بهذه الجملة الموصوفة أحوالها، و {حتى } غاية وهي حرف ابتداء لدخولها على {إذا} ومعناها متصل إلى قوله {قادرون عليها } ، ومن بعد ذلك بدأ الجواب، والأمر الآتي واحد الأمور كالريح والصر والسموم ونحو ذلك، وتقسيمه {ليلاً أو نهاراً} تنبيه على الخوف وارتفاع الأمن في كل وقت، و {حصيداً }: فعيل بمعنى مفول وعبر بـ"حصيد " عن التالف الهالك من النبات وإن لم يهلك بحصاد إذ الحكم فيهما واحد وكأن الآفة حصدته قبل أوانه، وقوله {كأن لم تغن } أي كأن لم تنعم ولم تنضر ولم تغر بغضارتها وقرأ قتادة " " يغن " بالياء من تحت يعني الحصيد، وقرأ مروان " كأن لم تتغن " بتاءين مثل تتفعل والمغاني المنازل المعمورة ومنه قول الشاعر: [الوافر ] شعر : وقد نغنى بها ونرى عصوراً بها يقتدننا الخرد الخذالا تفسير : وفي مصحف أبي بن كعب " كأن لم تغن بالأمس وما كنا لنهلكها إلا بذنوب أهلها كذلك نفصل الآيات"، رواها عنه ابن عباس، وقيل: إن فيه " وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها "، وقرأ أبو الدرداء " لقوم يتذكرون " ومعنى الآية التحذير من الاغترار بالدنيا، إذ هي معرضة للتلف وأن يصيبها ما أصاب هذه الأرض المذكورة بموت أو غيره من رزايا الدنيا، وخص "المتفكرين " بالذكر تشريفاً للمنزلة وليقع التسابق إلى هذه الرتبة.

ابن عبد السلام

تفسير : {حَصِيداً} ذاهباً، أو يابساً. {تَغْنَ} تعمر أو تعيش، أو تقم غني بالمكان: أقام به، أو تنعم.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {إنما مثل الحياة الدنيا} يعني في فنائها وزوالها {كماء أنزلناه من السماء} يعني المطر {فاختلط به} أي بالمطر {نبات الأرض} قال ابن عباس: نبت بالماء من كل لون {مما يأكل الناس} يعني من الحبوب والثمار {والأنعام} يعني ومما يأكل الأنعام من الحشيش ونحوه {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} يعني حسنها ونضارتها وبهجتها وأظهرت ألوان زهرها من أبيض وأحمر وأصفر وغير ذلك من الزهور {وازينت} أي وتزينت {وظن أهلها} يعني أهل تلك الأرض {أنهم قادرون عليها} يعني على جذاذها وقطافها وحصادها، رد الكناية إلى الأرض والمراد النبات إذ كان مفهوماً. وقيل: رده إلى الثمرة والغلة وقيل: إلى الزينة {أتاها أمرنا} أي قضاؤنا بهلاكها {ليلاً أو نهاراً} يعني في الليل أو النهار {فجعلناها حصيداً} يعني محصودة مقطوعة {كأن لم تغن بالأمس} يعني: كأن لم تكن تلك الأشجار والنبات والزروع نابتة قائمة على ظهر الأرض وأصله من غنى فلان بالمكان إذا أقام به وهو مثل ضربه الله سبحانه وتعالى للمتشبثين بالدنيا الراغبين في زهرتها وحسنها. وذلك أنه تعالى لما قال: يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا، أتبعه بهذا المثل لمن بغى في الأرض وتجبر فيها وركن إلى الدنيا وأعرض عن الآخرة لأن النبات في أول بروزه من الأرض ومبدأ خروجه يكون ضعيفاً فإذا نزل عليه المطر واختلط به قوي وحسن واكتسى كمال الرونق والزينة وهو المراد من قوله حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت يعني بالنبات والزخرف عبارة عن كمال حسن الشيء وجعلت الأرض آخذة زخرفها على التشبيه بالعروس إذا لبست الثياب الفاخرة من كل لون حسن من حمرة وخضرة وصفرة وبياض ولا شك أن الأرض متى كانت على هذه الصفة فإنه يفرح بها صاحبها ويعظم رجاؤه في الانتفاع بها وبما فيها ثم إن الله سبحانه وتعالى أرسل على هذه الأرض صاعقة أو برداً أو ريحاً فجعلها حصيداً كأن لم تكن من قبل. قال قتادة: إن المتشبث بالدنيا يأتيه أمر الله وعذابه أغفل ما يكون. ووجه التمثيل، أن غاية هذه الحياة الدنيا التي ينتفع بها المرء كناية عن هذا النبات الذي لما عظم الرجاء في الانتفاع به وقع اليأس منه، ولأن المتمسك بالدنيا إذا نال منها بغيته أتاه الموت بغتة فسلبه ما هو فيه من نعيم الدنيا ولذاتها. وقيل: يحتمل أن يكون ضرب هذا المثل لمن ينكر المعاد والبعث بعد الموت وذلك، لأن الزرع إذا انتهى وتكامل في الحسن إلى الغاية القصوى أتته آفة فتلف بالكلية. ثم إن الله سبحانه وتعالى قادر على إعادته كما كان أول مرة فضرب الله سبحانه وتعالى هذا المثل ليدل على أن من قدر على إعادة ذلك النبات بعد التلف كان قادراً على إعادة الأموات أحياء في الآخرة ليجازيهم على أعمالهم فيثيب الطائع ويعاقب العاصي. {كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون} يعني: كما بينا لكم مثل الحياة الدنيا وعرفنا كم حكمها، كذلك نبين حججنا وأدلتنا لمن تفكر واعتبر ليكون ذلك سبباً موجباً لزوال الشك والشبهة من القلوب. قوله سبحانه وتعالى: {والله يدعو إلى دار السلام} لما ذكر الله زهرة الحياة الدنيا وأنها فانية زائلة لا محالة دعا إلى داره والله يدعو إلى دار السلام. قال قتادة: الله هو السلام وداره الجنة فعلى هذا السلام اسم من أسماء الله عز وجل ومعناه أنه سبحانه وتعالى سلم من جميع النقائص والعيوب والفناء والتغيير. وقيل: إنه سبحانه وتعالى يوصف بالسلام لأن الخلق سلموا من ظلمه. وقيل: إنه تعالى يوصف بالسلام بمعنى ذي السلام أي لا يقدر على تخليص العاجزين من المكاره والآفات إلا هو. وقيل: دار السلام اسم للجنة وهو جمع سلامة. والمعنى: أن من دخلها فقد سلم من جميع الآفات، كالموت والمرض والمصائب والحزن والغم والتعب والنكد. وقيل: سميت الجنة دار السلام لأن الله سبحانه وتعالى يسلم على أهلها أو تسلم الملائكة عليهم. قيل: إن من كمال رحمة الله وجوده وكرمه على عباده، أن دعاهم إلى جنته التي هي دار السلام. وفيه دليل على أن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لأن العظيم لا يدعو إلا إلى عظيم ولا يصف إلا عظيماً، وقد وصف الله سبحانه وتعالى الجنة في آيات كثيرة من كتابه: {ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} يعني: والله يهدي من يشاء من خلقه إلى صراطه المستقيم وهو دين الإسلام عم بالدعوة أولاً إظهاراً للحجة وخص بالدعوة ثانياً استغناء عن الخلق وإظهاراً للقدرة فحصلت المغايرة بين الدعوتين (خ). عن جابر قال: "جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقال بعضهم: إنه نائم وقال بعضهم: العين نائمة والقلب يقظان فقالوا: إن لصاحبكم مثلاً فاضربوا له مثلاً فقالوا مثله كمثل رجل بنى داراً وجعل فيها مأدبة وبعث داعياً فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة" ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة فقالوا أولوها يفقهها فإن العين نائمة والقلب يقظان فقال بعضهم الدار الجنة والداعي محمد فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله ومن عصى محمداً فقد عصى الله ومحمد فرق بين الناس وفي رواية: "حديث : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني رأيت في المنام كأن جبريل عليه السلام عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه اضرب له مثلاً"تفسير : وعن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله ضرب مثلاً صراطاً مستقيماً على كتفي الصراط داران لهما أبواب مفتحة على الأبواب ستور وداع يدعو على رأس الصراط وداع يدعو فوقه والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم والأبواب التي على كتفي الصراط حدود الله فلا يقع أحد في حدود الله حتى يكشف الستر والذي يدعو من فوقه واعظ ربه"تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب.

ابن عادل

تفسير : قوله - تعالى - {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} الآية. لمَّا قال - تعالى -: {أية : إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [يونس:23] ضرب هذا المثل لمن اغترَّ بالحياةِ الدُّنيا، واشتد تمسُّكه بها، وأعرض عن التأهُّبِ للآخرة، فقال: {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} وهذه الجملةُ سيقتْ؛ لتشبيه الدُّنْيَا بنباتِ الأرض، وقد شرح الله وجه الشَّبه بما ذكر. قال الزمخشري: "هذا من التَّشبيه المُركَّب، شُبِّهتْ حال الدُّنيا، في سرعةِ تقضِّيهَا، وانقراضِ نعيمها بعد الإقبالِ، بحالِ نباتِ الأرض في جفافه، وذهابه حطاماً بعدما التفَّ، وتكاثف، وزيَّن الأرض بخُضْرته، ورونقه"، التَّشبيهُ المركبُ في اصطلاح البيانيِّين: إمَّا أن يكون طرفاهُ مركَّبين، أي: تشبيهُ مركَّبٍ بمركَّبٍ؛ كقول بشَّار بن بُردٍ: [الطويل] شعر : 2885- كَأن مُثارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُءُوسِنَا وأسْيَافَنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كواكِبُه تفسير : وذلك أنَّه يُشبِّه الهيئة الحاصلة، من هُوِيِّ أجرام مشرقة، مستطيلة متناسبةِ المقدارِ، متفرقةٍ في جوانب شيءٍ مُظْلم، بليلٍ سقطتْ كواكبُه، وإمَّا أن يكون طرفاهُ مُخْتلفين بالإفرادِ والتَّركيب، وتقسيماتُه في غير هذا الموضوع. قوله: "كَمَآءٍ": هو خبرُ المبتدأ، و "أَنزَلْنَاهُ": صفة لـ "مَاءٍ"، و "مِنَ السَّمَاءِ": متعلِّقٌ بـ "أنزَلنَاهُ"، ويضعفُ جعله حالاً من الضَّمير المنصوب، وقوله: "فَٱخْتَلَطَ بِهِ" في هذه الباءِ وجهان: أحدهما: أنها سببيَّةٌ، قال الزمخشري: "فاشْتبكَ بسببهِ، حتى خالط بعضه بعضاً". قال ابن عطيَّة: "وصَلَتْ فِرْقَةٌ "النَّبات"، بقوله: "فاخْتَلَطَ"، أي: اختلط النَّبَاتُ بعضه ببعضٍ بسبب الماء". والثاني: أنَّها للمُصاحبة، بمعنى: أنَّ الماء يجري مجرى الغذاء له، فهو مُصاحبه، وزعم بعضُهم: أنَّ الوقف على قوله: "فَٱخْتَلَطَ"، على أنَّ الفاعِلَ ضميرٌ عائدٌ على الماءِ، وتبتدىءُ "بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ" على الابتداء والخبر، والضمير في "بِهِ" على هذا، يجُوزُ عودُه على الماءِ، وأن يعُود على الاختلاط الذي تضمَّنَهُ الفعل، قاله ابن عطيَّة، وقال أبو حيَّان: "الوقْفُ على قوله: "فاخْتلَطَ" لا يجُوزُ، وخاصَّةً في القرآن؛ لأنَّه تفكيكٌ للكلام المتَّصل الصحيح، والمعنى الفصيحِ، وذهابٌ إلى اللُّغْزِ، والتَّعقيد". قوله "مِمَّا يَأْكُلُ" فيه وجهان: أحدهما: أنَّه متعلِّقٌ بـ "اخْتَلَطَ"، وبه قال الحُوفيُّ. والثاني: أنَّه حالٌ من "النَّبات"، قاله أبو البقاء، وهو الظاهرُ، والعاملُ فيه محذوفٌ على القاعدة المُستقرَّة، أي: كائناً أو مُسْتقرّاً ممَّا يأكل. ولو قيل: إنَّ "مِنْ" لبيان الجنسِ، لجاز، وقوله: "حتَّى" غايةٌ فلا بُدَّ لها من شيءٍ مُغَيّاً، والفعلُ الذي قبلها - وهو "اخْتَلَطَ" - لا يصح أن يكون مُغَيّاً، لقصر زمنهِ، فقيل: ثمَّ فعل محذوفٌ، أي: لم يزلِ النباتُ ينمُو حتى كان كَيْتَ وكَيْتَ وقيل: يجوز "فاخْتَلَطَ" بمعنى: فدام اختلاطه، حتى كان كَيْتَ وكَيْتَ، و "إذَا" بعد "حتَّى" هذه تقدَّم التَّنبيه عليها، قوله: "وَٱزَّيَّنَتْ" بوصل الهمزة، وتشديد الزاي والياء، والأصلُ "وتزَيَّنَتْ" فلمَّا أريدَ إدغامُ التَّاء في الزَّاي بعدها، قُلبت زاياً، وسُكِّنَت فاجتُلِبَت همزة الوصْل؛ لتعذُّر الابتداء بالسَّاكن، فصار "ازَّيَّنت"، وتقدَّم تحريرُ هذا عند قوله - تعالى -: {أية : فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا}تفسير : [البقرة:72]. وقرأ أبيّ بن كعب وعبد الله وزيد بن علي، والأعمش: "وتَزيَّنَتْ" على تفعَّلَتْ، وهو الأصلُ المُشَار إليه، وقرأ سعد بن أبي وقَّاص، والسُّلمي، وابنُ يعمُر، والحسن، والشَّعبي، وأبُو العالية، ونصر بن عاصم، وابنُ هرمز، وعيسى الثقفي: "وَأزْيَنَتْ" على وزن أفعَلَتْ، وأفعل هنا بمعنى: صار ذا كذا، كأحْصَدَ الزَّرعُ وأغدَّ البعيرُ، والمعنى: صارت ذا زينة، أي: حضرت زينتها وحانَتْ، وكان من حقِّ الياءِ على هذه القراءة، أن تُقْلبَ ألفاً، فيقال: أزَانَتْ، كأنَابَت فتُعَلُّ بنقلِ حركتها إلى السَّاكِن قبلها، فتتحرَّك حينئذٍ، وينفتح ما قبلها، فتقلب ألفاً كما تقدَّم في نحو: أقامَ وأنابَ، إلاَّ أنَّها صحَّتْ شذُوذاً؛ كقوله: "أغْيَمت السماء، وأغْيَلَت المرأة"، وقد ورد ذلك في القرآن، نحو: {أية : ٱسْتَحْوَذَ}تفسير : [المجادلة:19] وقياسه: اسْتَحَاذَ؛ كاستقام. وقرأ أبو عثمان النَّهديُّ - وعزاه ابن عطيَّة لفرقةٍ غير مُعيَّنة -: "وازْيأنَّتْ" بهمزة وصل، بعدها زايٌ ساكنةٌ، بعدها ياءٌ مفتوحةٌ خفيفةٌ، بعدها همزةٌ مفتوحةٌ، بعدها نونٌ مشددةٌ، قالوا: وأصلها: "وازْيَانَّتْ" بوزن "احْمَارَّتْ" بألف صريحة، ولكنَّهُم كرهُوا الجمع بين السَّاكنين، فقُلبتَ الألفُ همزة، كقراءة {ٱلضَّأَلِّينَ} [الفاتحة:7]، و {الجَأَنٌّ} [الرحمن:39]، وعليه قولهم: "احْمأرَّت" بالهمز، وأنشد: [الطويل] شعر : 2886-........................ إذَا مَا احْمَأرَّتْ بالعَبيطِ العَوامِلُ تفسير : وقد تقدَّم هذا مُشْبَعاً في آخر الفاتحة. وقرأ أشياخ عوف بن أبي جميلة: "وَازْيَأنَّت" بالأصل المشار إليه، وعزاها ابن عطيَّة لأبي عثمان النَّهْدي، وقرىء: "وازَّايَنَتْ"، والأصلُ: تزاينت، فأدغم. وقوله: "أهْلُهَا" أي: أهل نباتها. و "أتَاهَا": هو جوابُ "إذَا"، فهو العاملُ فيها. وقيل: الضَّميرُ عائدٌ على الزِّينة. وقيل: على الغَلَّةِ، أي: القُوت فلا حذفَ حينئذٍ، و "لَيْلاً ونَهَاراً" ظرفان؛ للإتيان، أو للأمر، والجعل هنا تصْييرٌ، وحصيد: فَعِيل بمعنى: مفعول، ولذلك لم يؤنث بالتاء، وإن كان عبارة عن مُؤنَّث، كقوله: أمْرَأة جريحٌ. قوله: "كَأَن لَّمْ تَغْنَ" هذه الجملة يجُوزُ أن تكون حالاً من مفعول "جَعَلْنَاها" الأوَّل، وأن تكون مستأنفةٌ جواباً لسُؤالٍ مقدَّرٍ، وقرأ هارون بن الحكم "تتغَنَّ"، بتاءين بزنة تتفعَّل؛ كقول الأعشى: [المتقارب] شعر : 2887-........................ طَويلَ الثَّواءِ طويلَ التَّغَنْ تفسير : وهو بمعنى: الإقامة، وقد تقدَّم في الأعراف، وقرأ الحسن، وقتادة: "كأنْ لم يَغْنَ" بياء الغيبة، وفي هذا الضمير ثلاثة أوجه: أجودها: أن يعود على الحصيد؛ لأنَّه أقرب مذكور. وقيل: يعودُ على الزخرف، أي: كأن لم يَقُم الزُّخْرُف. وقيل: يعودُ على النَّبات أو الزَّرع الذي قدَّرته مضافاً، أي: كأن لم يَغْنَ زَرْعُها ونَبَاتُهَا. و "بالأمْسِ": المرادُ به: الزَّمن الماضي، لا اليوم الذي قبل يومك؛ كقول زهير: [الطويل] شعر : 2888- وأعْلَمُ عِلْمَ اليومِ والأمْسِ قبلهُ ولكنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما فِي غَدٍ عَمِ تفسير : لمْ يقْصِدْ بها حقائقها، والفرقُ بين الأمسيْن: أنَّ الذي يُرَاد به قبل يومك مبنيٌّ؛ لتضمُّنه معنى الألف واللاَّم، وهذا مُعْرَبٌ تدخل عليه "ألْ" ويضافُ، وقوله: "كَذلِكَ نُفَصِّلُ" نعت مصدرٍ محذُوف، أي: مثل هذا التَّفصيل الذي فصَّلناه في الماضي، نُفَصِّل في المستقبل. فصل معنى الآية: {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} في فنائها، وزوالها {كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ} أي: بالمطر {نَبَاتُ ٱلأَرْضِ} قال ابن عباسٍ: نبت بالماءِ من كل لون {مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ}: من الحُبُوبِ والثِّمار، "وَٱلأَنْعَامُ" من الحشيش {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا}: حسنها، وبهجتها، وظهر الزهْرُ أخضرُ، وأحمرُ، وأصفرُ، وأبيضُ، "وَٱزَّيَّنَتْ" شبهها بالعروس، إذا لبست الثياب الفاخرة من كل لون {وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ} على جذاذها وقطافها وحصادها، ردَّ الكناية إلى الأرض، والمراد: النبات إذ كان مفهوماً، وقيل: إلى الغلَّة، وقيل: إلى الزِّينَة "أَتَاهَآ أَمْرُنَا": قضاؤنا بالهلاك {لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً} أي: محصودة مقطوعة، وقال أبو عبيدة: "الحصيد: المستأصل"، {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ} من غني بالمكان: إذا أقام به. قال الليث "يقال للشيء إذا فني: كأن لم يَغنَ بالأمْسِ، أي: كأنْ لمْ يَكُنْ". فصل اعلم: أن تشبيهَ الحياة الدنيا بالنبات يحتملُ وجوهاً، لخَّصها القاضي. أحدها: أنَّ عاقبةَ هذه الحياة التي يُنفقُهَا المرء في هذه الدنيا، كعاقبة هذا النَّبات، الذي حين عظُم الرَّجَاء في الانتفاع به، وقع اليأس منه؛ لأنَّ المُتَمسِّك بالدنيا، إذا عظمت رغبتُه فيها، يأتيه الموت، وهو معنى قوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً}تفسير : [الأنعام:44]. وثانيها: أنَّه - تعالى - بيَّن أنَّه كما لم يحصل لذلك الزَّرْع عاقبةٌ تُحْمد، فكذلك المُغترُّ بالدُّنْيَا المُحبُّ لها، لا يحصل له عاقبة تحمد. وثالثها: أنَّ هذا التشبيه، كقوله - تعالى -: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً}تفسير : [الفرقان:23] أي: لمَّا صار سعي هذا الزَّرع باطلاً، بسببِ حدوث المهلك، فكذلك سعي المغترِّ بالدُّنْيَا. ورابعها: أنَّ مالكَ هذا البستان لمَّا أتْعَبَ نفسه في عمارته، وكذلك الرُّوحَ، وعلَّق قلبه بالانتفاع به، فإذا حدث السببُ المهلكُ، صار العناءُ الشديد، الذي تحملُه في الماضي، سبباً لحصول الشقاء الشَّديد لهُ في المستقبل، وهو ما يحصُل في قلبه من الحشرات. فكذلك حالُ من أحبَّ الدنيا، وأتعب نفسه في تحصيلها، فإذا مات، وفاتهُ كلُّ ما نال، صار العناء الذي تحمَّله في تحصيل الدنيا، سبباً لحُصُول الشقاء العظيم له في الآخرة. وخامسها: لعلَّه - تعالى - إنَّما ضرب هذا المثل لمنْ لا يُؤمن بالمعاد؛ لأنَّا نرى الزَّرْع الذي انتهى إلى الغايةِ في الحسن، ثمَّ إنَّ ذلك الحسنَ يزول بالكلِّيَّة، ثم تصير تلك الأرضُ موصوفة بتلك الزينة مرة أخرى، فذكر - تعالى - هذا المثال؛ ليدلَّ على أنَّ مَنْ قَدَر على ذلك، كان قادراً على إعادة الأحياء في الآخرة؛ ليُجَازيَهُم على أعمالهم. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ} الآية. لمَّا نفر العقلاء عن الميل إلى الدُّنيا، رغَّبهُم في الآخِرة بهذه الآية، قال قتادة: "السَّلام هو الله، وداره الجنَّة". وسمِّي الله - تعالى - بالسَّلام لوجوه: أحدها: أنَّه لمَّا كان واجب الوُجُودِ لذاته، فقد سَلِمَ من الفناء والتَّغيير، وسلم في ذاته وصفاته من الافتقار إلى الغير، وهذه الصِّفةُ ليست إلاَّ له - سبحانه. وثانيها: وصف بالسلام، أي: أنَّ الخَلْق سَلِمُوا من ظُلْمِهِ؛ ولأنَّ كل ما سواه فهو مُلْكُه ومِلْكُه، وتصرُّفُ المالك في ملك نفسه لا يكون ظُلْماً. وثالثها: قال المُبرِّد: "وصف بالسلام، أي: لا يقدر على السَّلام إلاَّ هو، والسَّلام: عبارة عن تخليص العاجزين عن الآفات، وهو المنتصف للمظلُومين من الظالمين" وعلى هذا التقدير: السَّلام مصدر "سَلِمَ". وقيل: سُمِّيت الجنَّة دارَ السلام؛ لأنَّ من دخلها سلم من الآفات، وقيل: المرادُ بالسَّلام: التَّحية؛ لأنَّه - تعالى - يُسَلِّم على أهلها، قال - تعالى -: {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}تفسير : [يس:58]، والملائكةُ يُسلِّمُون عليهم أيضاً، قال - تعالى -: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ}تفسير : [الرعد:23، 24]، وهم يُحيُّون بعضهم بعضاً بالسَّلام، قال - تعالى -: {أية : وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ}تفسير : [يونس:10]. وروى جابرٌ، قال: "جاءت ملائكةُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو نائمٌ، فقالوا: إنَّ لصاحبكُم هذا مثلاً، مثله كمثل رجُل بنى داراً، وجعل فيها مأدُبَةً، وبعثَ داعياً فمنْ أجاب الدَّاعِي، دخل الدَّار، وأكل من المَأدبة، ومنْ لمْ يُجبِ الدَّاعي، لم يدخُل الدَّار، ولمْ يأكلْ من المأدُبةِ، فالدَّارُ الجنَّة، والدَّاعي محمَّدٌ، فمن أطاع محمداً، فقد أطاعَ اللهَ، ومنْ عَصَى مُحمداً، فقد عصى الله". فصل قال ابن عبَّاسٍ: "الجِنان سبعٌ: دار الجلال، ودار السَّلام، وجنَّة عدن، وجنَّةُ المأوى، وجنَّة الخُلْدِ، وجنَّة الفردوس، وجنَّة النَّعيم". ثم قال تعالى: {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}: وهو الإسلام. وروي عن عليِّ بن أبي طالب - كرَّم الله وجهه - قال: سمعت رسُول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الصِّراط المستقيم: كتابُ الله. وقال قتادة، ومجاهد: هو الحق. وقيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر. واحتجَّ أهلُ السُّنَّة: على أنَّ الكفر والإيمان بقضاء الله - تعالى -؛ لأنَّه - تعالى - بيَّن في هذه الآيةِ، أنَّه دعا جميع الخلق إلى دارالسَّلام، ثم بيَّن أنَّه ما هدى إلاَّ بعضهم، فهذه الهدايةُ الخاصَّةُ، يجبُ أن تكون مغايرة لتلك الدعوة العامَّة، ولا شكَّ أنَّ الإقدار، والتمكين، وإرسال الرُّسُل، وإنزال الكُتُب أمورٌ عامَّة، فوجب أن تكون الهداية الخاصَّة مغايرة لكلِّ هذه الأشياء، وما ذاك إلاَّ أنَّه - تعالى - خصَّه بالعلم والمعرفة، دُون غيره. وأجاب القاضي بوجهين: الأول: أن المراد: ويهدي الله من يشاء، إلى إجابة تلك الدَّعوة، أي: أنَّ من أجاب الدُّعاء، وأطاع واتَّقَى، فإنَّ الله يهديه إليها. والثاني: أن المراد بهذه الهداية الألطافُ، وأجيب عن هذين الوجهين، بأنَّ عندكم يجب على الله فعل هذه الهداية، وما يكون واجباً، لا يكون معلَّقاً بالمشيئةِ، فامتنع حمله على ما ذكرتم.

البقاعي

تفسير : ولما كان السياق لإثبات البعث وتخويفهم به وكانوا ينكرونه ويعتقدون بقاء الدنيا وأنها إنما هي أرحام تدفع وأرض تبلغ دائماً بلا انقضاء فهي دار يرضى بها فيطمئن إليها، وللتنفير من البغي والتعزز بغير الحق، وكانت الأمثال أجلى لمحال الأشكال، قال تعالى ممثلاً لمتاعها قاصراً أمرها على الفناء رداً عليهم في اعتقاد دوامها من غير بعث: {إنما} فهو قصر قلب {مثل الحياة الدنيا} التي تتنافسون فيها في سرعة انقضائها وانقراض نعيمها بعد عظيم إقباله {كماء أنزلناه} أي بما لنا من العظمة وحقق أمره وبينه بقوله: {من السماء} فشبهه بأمر النبات وأنه قليل يبلغ منتهاه فتصبح الأرض منه بلاقع بعد ذلك الاخضرار والينوع، وفي ذلك إشارة إلى البعث وإلى أنه تعالى قادر على ضربة قبل نهايته أو بعدها ببعض الآفات كما يوجد في بعض السنين، فيقفرون منه ويفتقرون إليه، وفي ذلك تحذيرعظيم {فاختلط} أي بسبب إنزالنا له {به} أي بسبب تليينه ولطافته {نبات الأرض} عموماً في بطنها {مما يأكل الناس} أي كافة {والأنعام} من الحبوب والثمار والبقول فظهر على وجهها {حتى} ولم يزل كذلك ينمو ويزيد في الحسن والجرم؛ ولما كان الخصب هو الأصل، عبر عنه بأداة التحقيق فقال: {إذا} ولما كانت بهجة النبات تابعة للخصب، فكان الماء كأنه يعطيها إياها فتأخذه، قال: {أخذت الأرض} أي التي لها أهلية النبات {زخرفها وازينت} بأنواع ذلك النبات زينة منها الجلي ومنها الخفي - بما يفهمه الإدغام {وظن أهلها} أي ظناً مؤكداً جداً بما أفاده العدول عن "قدرتهم" إلى {أنهم قادرون} أي ثابته قدرتهم {عليها} باجتناء الثمرة من ذلك النبات وغاب عنهم لجهلهم علم العاقبة، فلما كان ذلك {أتاها أمرنا} أي الذي لا يرد من البرد أو الحر المفرطين {ليلاً أو نهاراً فجعلناها} أي زرعها وزينتها بعظمتها بسبب ذلك الأمر وتعقيبه بالإهلاك {حصيداً} وعبر بما فهمه فعيل من المبالغة والثبات بقوله: {كأن} أي كأنها {لم تغن} أي لم تكن غانية أي ساكنة حسنة غنية ذات وفر مطلوبة مرغوباً فيها أي زرعها وزينتها {بالأمس} فكان حال الدنيا في سرعة انقضائها وانقراض نعيمها بعد عظيم إقباله كحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاماً بعد ما التف وزين الأرض بخضرته وألوانه وبهجته. ولما كان هذا المثل في غاية المطابقة للساعة، هز السامع له فازداد عجبه من حسن تفصيله بعد تأصيله فقيل جواباً له: {كذلك} أي مثل هذا التفصيل الباهر {نفصل} أي تفصيلاً عظيماً {الآيات لقوم} أي ناس أقوياء فيهم قوة المحاولة لما يريدون {يتفكرون*} أي يجددون الفكر على وجه الاستمرار والمبالغة؛ والمثل: قول سائر يشبه فيه الحال الثاني بالأول؛ والاختلاط: تداخل الأشياء بعضها في بعض؛ والزخرف: حسن الألوان.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏فاختلط به نبات الأرض‏} ‏ قال‏:‏ اختلط فنبت بالماء كل لون ‏ {‏مما يأكل الناس‏} ‏ كالحنطة والشعير وسائر حبوب الأرض والبقول والثمار، وما تأكله الأنعام والبهائم من الحشيش والمراعي‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وازينت‏} ‏ قال‏:‏ أنبتت وحسنت، وفي قوله ‏ {‏كأن لم تغن بالأمس‏}‏ قال‏:‏ كأن لم تعش كأن لم تنعم‏. وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب وابن عباس ومروان بن الحكم أنهم كانوا يقرأون ‏ {‏وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها‏} ‏ وما كان الله ليهلكم إلا بذنوب أهلها‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال في قراءة أبي‏ "‏كأن لم تغن بالأمس وما أهلكناها إلا بذنوب أهلها كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون‏"‏‏. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن أبي مجلز رضي الله عنه قال‏:‏ مكتوب في سورة يونس عليه السلام إلى جنب هذه الآية ‏ {‏حتى إذا أخذت الأرض زخرفها‏} ‏ إلى ‏{‏يتفكرون‏} ‏ ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى وادياً ثالثاً، ولا يشبع نفس ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب فمحيت‏.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} كلامٌ مستأنف مسوقٌ لبـيان شأنِ الحياةِ الدنيا وقصرِ مدة التمتعِ بها وقربِ زمانِ الرجوع الموعودِ، وقد شبِّه حالُها العجبـية الشأنِ البديعةُ المثالِ المنتظمةُ لغرابتها في سلك الأمثالِ في سرعة تقضِّيها وانصرامِ نعيمها غِبَّ إقبالِها واغترارِ الناسِ بها بحال ما على الأرض من أنواع النباتِ في زوال رونقِها ونضارتِها فجأةً وذهابِها حُطاماً لم يبق لها أثرٌ أصلاً بعد ما كانت غضّةً طرية قد التف بعضُها ببعض وزُيِّنت الأرضُ بألوانها وتقوّت بعد ضعفِها بحيث طمِع الناسُ وظنوا أنها سلِمت من الجوائح، وليس المشبَّهُ به ما دخله الكافُ في قوله عز وجل: {كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاء فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ} بل ما يفهم من الكلام فإنه من التشبـيه المركب {مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلأَنْعَـٰمُ} من البقول والزروعِ والحشيش {حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا} جُعلت الأرضُ في تزينها بما عليها من أصناف النباتاتِ وأشكالِها وألوانِها المختلفة المونقةِ آخذةً زخْرُفَها على طريقة التمثيلِ بالعروس التي قد أخذت من ألوان الثيابِ والزَّيْن فتزيّنت بها {وَٱزَّيَّنَتْ} أصله تزينت فأدغم، وقرىء على الأصل وقرىء وأزْينت كأغيلت من غير إعلالٍ والمعنى صارت ذاتَ زينةٍ وازْيانَّت كابـياضّت {وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا} متمكنون من حصدها ورفعِ غَلّتها {أَتَاهَا أَمْرُنَا} جوابُ إذا أي ضرب زرعَها ما يجتاحه من الآفات والعاهات {لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا} أي زرعَها وسائرَ ما عليها {حَصِيداً} أي شبـيهاً بما حُصد من أصله {كَأَن لَّمْ تَغْنَ} كأن لم يغنَ زرعُها والمضافُ محذوفٌ للمبالغة وقرىء بتذكير الفعل {بِٱلاْمْسِ} أي فيما قبلُ بزمان قريبٍ فإن الأمسَ مثلٌ في ذلك كأنه قيل: لم تغنَ آنفاً {كَذٰلِكَ} أي مثلَ ذلك التفصيلِ البديعِ {نُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ} أي الآيات القرآنيةَ التي من جملتها هذه الآيةُ المنبهةُ على أحوال الحياةِ الدنيا أي نوضّحها ونبـيِّنها {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} في تضاعيفها ويقفون على معانيها، وتخصيصُ تفصيلِها بهم لأنهم المنتفعون بها، ويجوز أن يرادَ بالآيات ما ذُكر في أثناء التمثيلِ من الكائنات والفاسداتِ وبتفصيلها تصريفُها على الترتيب المحكيِّ إيجاداً وإعداماً فإنها آياتٌ وعلاماتٌ يستدل بها من يتفكر فيها على أحوال الحياةِ الدنيا حالاً ومآلاً. {وَٱللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ} ترغيبٌ للناس في الحياة الأخرويةِ الباقيةِ إثرَ ترغيبهم عن الحياة الدنيوية الفانية أي يدعو الناسَ جميعاً إلى دار السلامةِ عن كل مكروهٍ وآفةٍ وهي الجنةُ، وإنما ذُكرت بهذا الاسم لذكر الدنيا بما يقابله من كونها معَرْضاً للآفات أو إلى دار الله تعالى وتخصيصُ الإضافةِ التشريفية بهذا الاسم الكريمِ للتنبـيه على ذلك أو إلى دار يسلّم الله أو الملائكةُ فيها على من يدخلها أو يسلم بعضُهم علي بعض {وَيَهْدِى مَن يَشَاء} هدايتَه منهم {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} موصلٍ إليها وهو الإسلامُ والتزودُ بالتقوى، وفي تعميم الدعوة وتخصيصِ الهدايةِ بالمشيئة دليلٌ على أن الأمرَ غيرُ الإرادة وإن من أصر على الضلالة لم يُرِد الله رشده.

القشيري

تفسير : شَبّهَ الحياةَ الدنيا بالماء المُنَزَّلِ من السماء يَنْبُتُ به النباتُ وتَخْضَرُّ الأرضُ وتَظْهَرُ الثمار، ويوطِّن أربابُها عليها نفوسَهم فتصيبهم جائحةٌ سماوية بغتةً، وتصير كأن لم تكن. كذلك الإنسانُ بعد كمال سِنِّه وتمام قُوَّتِه واستجماع الخصال المحمودة فيه تخْتَرمُه المَنِيَّة، وكذلك أموره المنتظمةُ تبطل وتختلُّ لوفاته، كما قيل: شعر : فَقَدْنَاه لمَّا تمَّ واختمَّ بالعُلَى كذاك كسوفُ البدرِ عند تمامه تفسير : ومن وجوه تشبيه الأحوال الدنيوية بالماء المُنَزَّلِ من السماء أن المطرَ لا ينزل بالحيلة، كذلك الدنيا لا تساعدها إلا القسمة. ثم إن المطر إن كان لا يجيء إلا بالتقدير فقد يُسْتَسْقَى... كذلك الرزق - وإنْ كان بالقسمة - فقد يُلْتَمَسُ من الله ويُسْتَعْطى. ومنها أن الماء في موضعه سببُ حياة الناس، وفي غير موضعه سببُ خرابِ الموضع، كذلك المال لمستحقه سببُ سلامته، وانتفاع المتصلين به، وعند مَنْ لا يستحقه سبب طغيانِه، وسببُ بلاءِ مَنْ هو متصل به، كما قيل: نِعَمُ الله لا تُعاب ولكنه ربما استعجم على إنسان، وكما قيل: شعر : يا دولةً ليس فيها من المعالي شظيَّةْ زولى فما أنتِ إلا على الكرام بَلِيَّةْ تفسير : ومنها أن الماء إذا كان بمقدارٍ كان سببَ الصلاح، وإذا جاوز الحدَّ كان سببَ الخراب.. كذلك المال إذا كان بقَدْرِ الكفاية والكفاف فصاحبه مُنَعَّمٌ، وإذا زاد وجاوز الحدَّ أوجب الكُفران والطغيان. ومنها أن الماءَ ما دام جارياً كان طيباً، فإذا طال مكثه تغيَّر.. كذلك المال إذا أنفقه صاحبُه كان محموداً، فإذا ادَّخَره وأمسكه كان معلولاً مذموماً. ومنها أن الماءَ إذا كان طاهراً كان حلالاً يصلح للشرب ويصلح للطهور ولإزالة الأذى، وإذا كان غيرَ طاهرٍ فالبعكس.. كذلك المال إذا كان حلالاً، وبعكسه لو كان حراماً. ويقال كما أن الربيعَ تتورد أشجارُه، وتظهر أنوارُه، وتخضرُّ رِباعُه، وتتزين بالنبات وِهَادُه وتِلاعه لا يُؤْمَن أَنْ تصيبه آفة من غير ارتقاب، وينقلب الحال بما لم يكن في الحساب. كذلك مِنَ الناسِ مَنْ تكون له أحوالٌ صافية، وأعمالٌ بشرط الخلوص زاكية؛ غصونُ أُنسِه مُتَدَلِّية، ورياضُ قربِه مونقةٌ...ثم تصيبه عَيْنٌ فيذبل عودُ وِصاله، وتنسدُّ أبوابُ عوائد إقباله، كما قيل: شعر : عينٌ أصابَتْكَ إنّ العينَ صائبةٌ والعينُ تُسْرعُ أحياناً إلى الحَسَدِ

اسماعيل حقي

تفسير : {انما مثل الحيوة الدنيا} اى حالها العجيبة وسميت الحال العجيبة مثلا تشبيها لها بالمثل السائر فى الغرابة {كماء انزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض} اى اختلط بسبب المطر نبات الارض واشتبك بعضه فى بعض وكثف {مما يأكل الناس} حال من النبات اى كائنا مما يأكل الناس من الزروع والبقول {والانعام} من الحشيش {حتى} غاية للاختلاط باعتبار الجزاء الذي هو اتيان الامر الالهى {اذا اخذت الارض زخرفها} زينتها وحسنها {وازينت} باصناف النبات واشكالها والوانها المختلفة كعروس اخذت من الوان الثياب والزين فتزينت بها فالارض استعارة بالكناية حيث شبهت بالعروس واثبت لها ما يلائم العروس وهو اخذ الزينة وهو قرينة الاستعارة بالكناية. وقوله ازينت ترشيح واصله تزينت فادغمت التاء فى الزاى فاجتلبت همزة الوصل لضرورة تسكين الزاى عند الادغام {وظن اهلها} اى اهل تلك الارض {انهم قادرون عليها} متمكنون من حصدها ورفع غلتها {اتيها امرنا} جواب اذا. قال الكاشفى [نا كاه آمد بدان زمين عذاب ما يعنى فرمان ما بخرابى آن زمين دررسيد] {ليلا او نهارا فجعلناها} اى زروع تلك الارض وسائر ما عليها فالمضاف محذوف للمبالغة {حصيدا} شبيها بما حصد من اصله {كان لم تغن} زروعها اى لم تنبت {بالامس} وهو مثل فى الزمان القريب وليس المراد امس يومه كأنه قيل لم تغن آنفا ويقال للشيء اذا فنى كان لم يغن بالامس اى كأن لم يكن وهو من باب علم يقال غنى بالمكان اذا قام به والجملة حال من مفعول جعلناها {كذلك} الكاف صفة مصدر محذوف اى مثل ذلك التفصيل البديع {نفصل الآيات} القرآنية التى من جملتها هذه الآيات المنبهة على احوال الحياة اى نوضحها ونبينها {لقوم يتفكرون} فى تضاعيفها ويقفون على معانيها وتخصيص تفصيلها بهم لانهم المنتفعون بها. واعلم ان التشبيه الواقع فى هذه الآية تشبيه مركب وان دخل الكاف على المفرد وهو الماء لانه شبهت الهيئة المنتزعة من اجتماع الحياة وبهائها وسرعة انقضائها بعد اغترار الناس بها بلهيئة المنتزعة من اجتماع خضرة الارض ونضارتها وانعدامها عقيبها بآفة سماوية ومشيئة آلهية شعر : بنكر بآنكه روى زمين فصل نوبهار مانند نقش خامه ما نى مزينست وقت خزان ببرك رياحين جوبنكرى منصف شوى كه لائق برباددادنست تفسير : وقال بعضهم مثلت الحياة الدنيا بالماء لان الماء يتغير بالمكث فكذا المال بالامساك اى يصير مذموما عند البخل: كما قال فى المثنوى شعر : ما جون آبست وتاباشد روال فيضها يابند ازواهل جهان جندروزى جون كنديكجادرنك كنده وبيحاصلست وتيره رنك تفسير : يقول الفقير من البخل ايضا حبس الكتب ممن يطلبها الانتفاع بها لا سيما مع عدم التعدد لنسخها الذى هو اعظم اسباب المنع والوعيد المذكور فى قوله عليه السلام "حديث : من كتم علما يعلمه الجم يوم القيامة بلجام من نار" تفسير : يشمل ما ذكرنا كما فى المقاصد الحسنة. وقدرأينا فى زماننا من يمنع الكتب عن المستحقين ويحبس بعض الثياب فى الصندوق الى ان يبلى ويفنى لا يلبس ولا يبيع ولا يهب ولو قلت فيه لقال انى ورثته من ابى او امى فاحفظه تبركا فانظر الى هذا الجهل الذى لا يغنى عنه شيئا وقال بعضهم فى وجه المماثلة المطر اذا نزل بقدر الحاجة نفع واذا جاوز حد الاعتدال ضر فكان المال اذا كان قدر ما يندفع به الضرورة ويحصل به مقاصد الدين والدنيا كان نافعا واذا كان زائدا على قدر الحاجة صار موجبا لارتكاب المعاصى ووسيلة للتفاخر على الادانى والاقاصى قال الله تعالى {أية : كلا ان الانسان ليطغى ان رآه استغنى} شعر : توانكرى كشدت سوى عجب ونخوت وناز خوشست فقر كه دارد هزار سوز ونياز تفسير : وقال بعضهم [جون باران بنهال كل رسد لطافت وطراوت اوبيفزايد وجون بخاربن كذرد حدت وشوكت او زيادت كند مال دنيا نيز جون بمصلح صلاح اوبيفزايد] (كما فى الحديث حديث : نعم المال الصالح للرجل الصالحتفسير : ) [واكر بدست مفسد افتدمايه فساد وعناد اوروى بازدياد نهد] كما ان العلم النافع سيف قاطع لصاحبه فى قتل الهوى والعلم الغير النافع سبب لقطع طريق صاحبه عن الحق فما احسن الاول وما اقبح الثاني. وقال بعضهم [جون آب باران بزمين رسد قرار نكيرد وبلكه باطراف وجوانب روان كردد مال دنيا نيزيكجا قرار نكيرد بلكه هرروز دردست ديكرى باشد وهو شب بايكى عقد مواصلت بندد نه عهد اورا وفايى ونه وفاى اورا بقايى] شعر : كنج امان نيست درين خاكدان مغز وفانيست درين استخوان كهنه سراييست بصد جاكرو كهنه واندر كرو نوبنو تفسير : وسئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن الدنيا فقال "حديث : دنياك ما يشغلك عن ربك" تفسير : اقول ان الدنيا كالأم تربى الناس كالاولاد فمن اشتغل بالام كالطفل عن المعلم بقى جاهلا وصار كأنه اتخذها صنما لنفسه يعبده ومن اشتغل بالمعلم عن الام صار عالما وتخلص من عبادة الهوى ووصل الى المقصود. فذم الدنيا انما هو بحسب اشتغاله عن الله تعالى لا بحسب نفسها. قيل حد الدنيا من القاف الى القاف. وقال اهل التحقيق حدها فى الحقيقة من مقعر الكرسى الى تحت الثرى فما يتعلق بعالم الكون والفساد فمن حد الدنيا فالسموات والارضون وما فيهما من عالم الكون والفساد يدخل فى حد الدنيا واما العرش والكرسى وما يتعلق بهما من الاعمال الصالحة والارواح الطيبة والجنة وما فيها فمن حد الآخرة عصمنا الله واياكم من التعلق بغيره ايا كان وشرفنا بالتجرد التام عن عالم الامكان

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {إنما مَثَلُ الحياةِ الدنيا} في سرعة تقضيها، وذهاب نعيمها بعد إقبالها، واغترار الناس بها، {كماء أنزلناه من السماءِ فاختلط} أي: اشتبك {به نباتُ الأرضِ} حتى اختلط بعضه ببعض، {مما يأكلُ الناسُ والأنعام} من الزرع والبقول والحشيش، {حتى إذا أخذت الأرضُ زخرفها} أي: زينتها وبهجتها بكمال نباتها، {وازّينتْ} أي: تزينت بأصناف النبات وأشكالها وألوانها المختلفة؛ كعروس أخذت من ألوان الثياب والحلي فتزينت بها. {وظن اهلُها} أي: أهل الأرض {أنهم قادِرُون عليها} متمكنون من حصدها ورفع غلتها، {أتاها أمرُنا} أي: بعض الجوائح، كالريح والمطر، {ليلاً أو نهار فجعلناها} أي: زرعها {حصيداً}: شبيهاً بما حصد من أصله، {كأن لم تَغنَ}: كأن لم تُقم {بالأمس}، أو كأن لم يغنِ زرعها، أي: لم ينبت. والمراد: تشبيه الدنيا في سرعة انقضائها بنبات اخضرَّ ثم صار هشيماً، {كذلك نُفَصِّلُ الآيات لقوم يتفكرون} ويتدبرون عواقب الأموار، فيعلمون أن الدنيا سريعة الزوال، وشيكة التغير والانتقال، فيزهدون فيها ويجعلونها مزرعة لدار السلام، التي هي دار البقاء. وهي التي دعا إليها عبادة بقوله: {والله يدعو إلى الدار السلام} أي: السلامة من الفناء وجميع الآفات، أو دار الله الذي هو السلام. وتخصيص هذا الاسم للتنبيه على ذلك، أو دار يُسلم اللهُ والملائكةُ فيها على من يدخلها، وهي الجنة، {ويهدي من يشاء} توْفِيقَه {إلى صراط مستقيم}، التي توصل إليها وإلى رضوانه فيها، وهو الإسلام والتدرُّع بلباس التقوى، وفي تعميم الدعوة وتخصيص الهداية بالمشيئة دليل على أن الأمر غير الإرادة، وأن المُصِرّ على الضلالة لم يرد الله رشده. قاله البيضاوي. الإشارة: ما ذكر الحق تعالى في هذا الآية هو مثال لمن صرف همته إلى الدنيا، وأتعب نفسه في جمعها، فبنى وشيد وزخرف وغرس، فلما أشرف على التمتع بذلك اختطفته المنية، فلا ما كان أمَّل أدرك، ولا إلى ما فاته من العمل الصالح رجع. وفي بعض خطبه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: "حديث : أما رأيتم المؤاخَذين على الغرة، المزعَجين بعد الطمأنينة، الذين أقاموا على الشبهات، وجنحوا إلى الشهوات، حتى أتتهم رسلُ ربهم، فلا ما كانوا أمّلوا أدركوا، ولا ما فاتهم رجعوا، قدِموا على ما قدَّموا، وندموا على ما خلفوا، ولم ينفع الندم وقد جف القلم".تفسير : وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تخدعنكم زخارف دنيا دنية عن مراتب جنات عالية، فكأنْ قد كشف القناع، وارتفع الارتياب ولاقى كل امرئ مستقره، وعرف مثواه ومنقلبه ".تفسير : ورُوي عن جابر رضي الله عنه أنه قال: شهدت مجلساً من مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أتاه رجل أبيض، حسن الشعر واللون، فقال: السلام عليك يا رسول الله، قال: حديث : وعليك السلام. قال: يا رسول الله، ما الدنيا؟ فقال: حلم النائم، وأهلها مجازَون ومعاقبون. قال: يا رسول الله، فما الآخرة؟. قال: الأبد، فريق في الجنة، وفريق في السعير، قال: يا رسول الله، فما الجنة؟ قال: ترك الدنيا بنعيمها أبداً" ثم قال: فما خير هذه الأمة؟ قال: الذي يعجل بطاعة الله، قال: فكيف يكون الرجل فيها؟ ـ أي في الدنيا ـ قال: متشمراً كطالب قافلة، قال: وكم القرار بها؟ قال: كقدر المتخلف عن القافلة، قال: فكم بين الدنيا والآخرة؟ قال: كغمضة عين. ثم ذهب الرجل فلم يُر، فقال صلى الله عليه وسلم: "هذا جبريل أتاكم يزهدكم في الدنيا ". تفسير : وقال الورتجبي عند قوله: {والله يدعو إلى دار السلام}: الله تعالى يدعو العبادَ من هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية، لئلا يفتتنوا بزخرفها وغرورها، وليصلوا إلى جواره، ونعيم مشاهدته. هـ. قال المحشي: قلت: وذلك أن أعلى اللذات التحقق بصفات الربوبية، وهي محبوبة للقلب والروح بالطبع، لما فيه من المناسبة لها. ولذلك قال: {أية : قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}تفسير : [الإسراء: 85]، ثم المناسب إنما هو بقاء لا فناء وعز لا ذل فيه، وغنى لا فقر فيه، وكمال لا نقص فيه، وأمن لا خوف فيه، وهذا كله من أوصاف الربوبية، وحق كل عبد أن يطلب ملكاً عظيماً لا آخر له، ولا يكون ذلك في الدنيا لانصرافها وشوبها بآلام مكدّرات، وإنما ذلك في الآخرة ولكن الشيطان بتلبيسه وحسده يدعو إلى ما لا يدوم من العاجلة، متوسلاً بما في الطبع من العجلة، والله يدعو إلى المُلك الحقيقي، وذلك بالزهد في العاجل والراحة منه عاجلاً، ليكون ملكاً في الدنيا، وبالقرب من الله والرغبة في التحقق به وبأوصافه ليكون ملكاً في الآخرة. وفي الطيبي: قيل لابن أدهم: ما لنا ندعو فلا نجاب؟ فقال: لأنه دعاهم فلم تُجيبوه، ثم قرأ: {والله يدعو إلى دار السلام} {أية : وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [الشورى: 26]. هـ. ثم فسر ما دعا إليه، فقال: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ}.

الطوسي

تفسير : المثل قول سائر يشبه به حال الثاني بالأول. وقيل {مثل الحياة الدنيا} صفة الحياة الدنيا. وقيل في المشبه والمشبه به في الآية ثلاثة اقوال: احدها - قال الجبائي: إنه تعالى شبه الحياة الدنيا بالنبات على ما وصفه الله تعالى في الاغترار به والمصير إلى الزوال كالنبات الذي يصير إلى مثل ذلك. الثاني - انه شبه الحياة الدنيا بالماء فيما يكون به من الانتفاع ثم الانقطاع. الثالث - انه شبه الحياة الدنيا بحياة مقدرة على هذه الأوصاف، لما يقتضيه {وظن أهلها أنهم قادرون عليها} أي علموا الانتفاع بها. وقوله {فاختلط به نبات الأرض} فالاختلاط تداخل الأشياء بعضها في بعض فربما كان على صفة مدح، وربما كان على صفة ذم. وقوله {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} فالزخرف حسن الألوان كالزهر الذي يروق البصر، ومنه قيل زخرفت الجنة لأهلها وقوله {وظن أهلها أنهم قادرون عليها} معناه ظنوا أنهم قادرون على استصحاب تلك الحال منها - جعلها على غير شيء منها، لأن القادر عليهم وعليها أهلكها. وقوله {وازينت} أصله تزينت فأدغمت التاء في الزاي واجلبت الهمزة لامكان النطق بها. وقرأ الأعرج وغيره {وازينت} على وزن (افعلت) والأول أجود لأن عليه القراء. وقوله {كأن لم تغن بالأمس} معناه كأن لم تقم على تلك الصفة فيما قبل، يقال: غني بالمكان إذا أقام به والمغاني المنازل، قال النابغة: شعر : غنيت بذلك إذهم لك جيرة منها بعطف رسالة وتودد تفسير : وقوله {كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون} معناه مثل ذلك نميز الايات ونبينها لقوم يفكرون فيها ويعتبرون بها، لأن من لا يفكر فيها ولا يعتبر بها كأنها لم تفصل له، فلذك خصصهم بالذكر.

الأعقم

تفسير : {إنما مثل الحياة الدنيا}، قيل: صفة الحياة الدنيا، وقيل: شبه الحياة الدنيا في سرعة زوالها وفنائها {كماء أنزلناه من السماء} وهو المطر {فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس} كالحبوب والبقول والثمار {والأنعام} أي ومما تأكل الأنعام، وهي الابل والبقر والغنم كالحشيش وسائر أنواع المراعي {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} أي حسنها وبهجتها بأنواع الألوان {وظنّ أهلها} أي ملاكها {انهم قادرون عليها} أي قادرون على الانتفاع بها {أتاها أمرنا} أي قضاؤنا بهلاك تلك الزينة {ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً} أي مقطوعة مقلوعة، والمعنى محصودة صرفت إلى فعيل {كأن لم تغن بالأمس} كأن لم يكن نعيمها {كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون} فيه فيؤديهم إلى العلم {والله يدعو إلى دار السلام} يريد الجنة، وقيل: يفشو السلام بينهم وتسليم الملائكة عليهم، وقيل: السلام السلامة لأن أهلها سالمون من كل مكروه {ويهدي من يشاء} بالألطاف التي تدعوهم إلى طريق الحق {إلى صراط مستقيم} طريق واضح {للذين أحسنوا الحسنى} قيل: أحسنوا إلى عبادة الله سبحانه واتبعوا أمره ونهيه، وقيل: أحسنوا العمل في الدنيا فأحسن الله تعالى اليهم في الآخرة بالحسنى الحياة {وزيادة}، قيل: "غرفة من لؤلؤ واحدة لها أربعة أبواب" عن أمير المؤمنين، وقيل: الزيادة أن لا يحاسبهم على النعم في الدنيا، وقيل: الزيادة مغفرة من الله ورضوان، وقيل: تضعيف الحسنات من عشر إلى سبع مائة ضعف {ولا يرهق وجوههم} لا يغشاها {قتر} غبرة فيها سواد {ولا ذلة} ولا أثر هوان ولا كسوف {والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها} ولا يزيد على المستحق لأنه يكون ظالماً بخلاف الزيادة في الثواب {كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً} لشدة سواده وهو أقبح السواد {ويوم نحشرهم جميعاً} أي نجمع الخلق إلى يوم القيامة {ثم} يقول هو سبحانه ويحتمل أن {نقول} بأمره {للذين أشركوا مكانكم} لا تبرحون {أنتم وشركاؤكم} عطف عليهم، قوله تعالى: {فزيلنا بينهم} ففرقنا بينهم وقطعنا الوصل التي كانت بينهم في الدنيا {وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون} إنما كنتم تعبدون الشياطين حيث أمركم أن تتخذوا لله أنداداً وهم الملائكة والمسيح ومن عبدوه من دون الله من أولي العقل، وقيل: الأصنام ينطقها الله بذلك فكان الشفاعة التي زعموها {هنالك} في ذلك المقام وفي ذلك الوقت {تبلو كل نفس ما أسلفت} أي تختبر وتذوق ما قدمت من العمل فتعرف كيف هو أقبيح أم حسن، نافع أم ضار، مقبول أو مردود {وردوا إلى الله} تعالى يعني إلى موضع حكمه فلا يحكم فيه غيره {وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي ضاع عنهم ما كانوا يدعون أنهم شركاء لله تعالى وبطل عنهم ما كانوا يختلفون فيه من الكذب وشفاعة الآلهة.

اطفيش

تفسير : {إنمَّا مَثلُ} صفة {الحياةِ الدُّنيا} أو حالها العجيبة فى سرعة الذهاب بعد إقبالها، والاغترار بها التى هى كالمثل المضروب {كماءٍ أنْزلناهُ منَ السَّماءِ} ليس المشبه به مجرد الماء، بل هو وما بعده إلى {حصيد} أو بالأمس، فذلك تشبيه تمثيلى، ويقال له: مركب. {فاخْتلطَ بهِ} بسببه {نباتُ الأرْضِ} بعضه ببعض، بأن كثر والتفَّ وهو النبات الذى خرج به، أو مطلق النبات، بأن يزيد النبات السابق عنه نمواً، ويخرج الآخر وينمو فيتزاحم النبات، ويجوز أن تكون الباء للمصاحبة، بأن يكون المراد باختلاط النبات به اشتماله عليه بدخوله فيه بالمص من الأرض، على أن يكون النبات سابقا فى الوجود، والأصل أن يقال على هذا الوجه: فاختلط بنبات الأرض، لكنه ليس من باب القلب، لأنه إذا امتزج شيئان فكل منهما مختلط بالآخر، واختار إسناد الاختلاط للنبات مبالغة فى قوة جبذ الماء، حتى كأنه يتحرك إلى الماء، هذا ما ظهر لى من الأوجه بالتأمل وعن ابن عباس: اختلاط النبات به وجود أنواع النبات مختلطا بعضها ببعض بسببه، ووقف بعض القراء على اختلط، أى اختلط الماء بالأرض، فحذف بالأرض، واستأنف قوله: {به نبات الأرض} على أنه خبر ومبتدأ، وعلى هذا بالهاء للاختلاط أو للماء {ممَّا يأكلُ الناسُ} كالبرق والشعير {والأنْعامُ} كسرق ذلك وورقه، والكلأ. {حتَّى إذا أخَذَتِ الأرضُ زُخْرفَها} أى أخذت زينتها من ألوان النبات، وأصناف الثمار، شبهها بعروس أخذت عطرها وثيابها، واستعملتها للزينة {وازيَّنتْ} وزنه تفعَّلت، أصله تزينت، أبدلت التاء زاياً وسكنت وأدغمت فى الزَّاى، فجئ بهمزة الوصل لوقوع الساكن أول الكلمة، وقرأ ابن مسعود، والأعمش، وأبى: وتزينت على الأصل، وقرأ الحسن، وأبو العالية، والشعبى، وقتادة، ونصر بن عاصم، وعيسى: وازيَّنت بإسكان الزاى وتشديد النون، كقولك اخضرَّ الزرع واحمر زيد بتشديد الراءين وقرأ أبو عثمان: وازاينت بذلك الضبط وزيادة الألف قبل النون، وقرأت فرقة كذا لكن بهمز الألف المزيدة، وفرقة وازاينت بتشديد الزاى بعدها ألف وتخفيف الياء والنون، أصله تزاينت، أبدلت التاء زاياً وسكنت، وأدغمت وجئ بهمزة الوصل، وقرئ أزينت بقطع الهمزة مفتوحة بوزن أكرمت، أى أحضرت زينتها، أو صارت ذات زينة، وهو شاذ، لأن القياس أن تنقل فتحة الياء للزاى فتنقلب الفاء. {وظنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُون عَليها} أى على ثمارها، أى متمكنون من حصدها ورفعها والمضاف محذوف كما رأيت، وقيل: الضمير عائد إلى الغلة، أو الثمار، وقيل: إلى الزينة المفهومة من ازينت، وعلى القولين فلا حذف {أتاهَا أمْرُنا} أى قضاؤنا بهلاكها، بريح أو ماء أو برد أو جراد أو غير ذلك {ليْلا أو نَهاراً فجعَلْناهَا} أى جعلنا ثمارها، فحذف المضاف، ويجوز عود الضمير إلى المضاف المقدر فى قوله: {عليها} وهو الثمار، وأما هاء فى أتاها ففيها الوجهان، ووجه آخر وهو عودها إلى الأرض بلا تقدير، لأن إتيانها إتيان لما فيها، وإنما حسن أن يقدر فجعلنا ثمارها بعد تقدير أنهم قادرون على ثمارها، لأن المضاف لم يذكر أولا، فكان يقدر ظاهر، أو لا يمكن أن يقدر ضمير لأن الضمير لا يضاف. {حَصِيداً} أى محصودة، وذكر لأن فعيلا بمعنى مفعول يذكر إذا وصف به المؤنث، وكانت قرينة على ذلك المؤنث، ويقدر المضاف أيضا هنا، أى حصيداً ثمارها، وإن رددنا الضمير فى جعلناها للثمار لم يقدر هنا مضاف، فيكون الحصيد هو الثمار، والتذكير لما مر، والإفراد بتأويل الجماعة أو الجملة، أى جملة حصيداً، أى محصودة، كامرأة قتيل، وعلى كل حال لو جعلناها ذات حصيد، أى ذات زرع حصيد، فالمراد التشبيه بما حصد بنحو المنجل وذهب به. {كأنْ لَم تَغْنَ} بفتح التاء، أى لم تلبث ثمارها، يقال غنى بالمكان أى لبث به، وقرأ الحسن، وقتادة، يغن بالتحتية أى زرعها إما على تقدير المضاف فى المواضع المذكورة لفظة زرع فاعتبر هنا، وإما إرجاء للحصيد، على أن الأصل ذات زرع حصيد، وقرأ مروان على المنبر: كان لم يتغن، وهو يتفعل من غنى مبالغة فى اللبث، وهارون: كأن لم تتغن بتاءين. {بالأمْسِ} أى فى الأمس، وهو هنا مثل فى الوقت القريب، كقولك: كأن لم تكن آنفا شبه زوال الدنيا بعد إقبالها بزوال خضرة النبات وذهابه بثماره بعد سكون النفس، الى أنه قد سلم من الحوائج، ودخل فى زوال الدنيا زوال الإنسان عنها بالموت، فإن من مات فقد زالت عنه الدنيا، وقال الشيخ هود: ذلك مثل للبعث، ورد على منكره، فكما أنه قادر على إحياء الأرض بالنبات بعد ذهابه، قادر على إحياء الموتى. {كَذلكَ نُفصِّلُ} نبين {الآياتِ لقَومٍ يتفكَّرونَ} فإنهم المنتفعون بها، ولو كان التفصيل عاما لكل أحد، وعن ابن عباس: إن فى مصحف أبىّ كأن لم تغن بالأمس، وما كنا لنهلكها إلا بذنوب أهلها، كذلك نفصل الخ، وقيل فيه: وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها، وقرأ أبو الدرداء، لقوم يتذكرون.

اطفيش

تفسير : {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أَى صفتها العجيبة الشبيهة بالمثل السائِر فى الغرابة، ووجه الشبه الاغترار وسرعة الزوال {كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ} نبات فاعل اختلط، أَى نبت بالماءِ ما لم يكن، ونما هو وما كان من قبل حتى اتصل بعضه ببعض، ويجوز أَن يكون فاعل اختلط ضمير الماءِ وبه خبر نبات أَى كثر الماءُ واتصل بعضه ببعض والحال أَن به نبات الأَرض، وما تقدم أَولى {مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ} حال من النبات وذلك كالبر والشعير والذرة والسلت وغير ذلك مما يزرع والبقول {وَالأَنْعَامُ} من العشب الرطب واليابس وسوق الزرع وقشره وورقه {حَتَّى} تقريعية وعلى قول الغاية يقدر ما زال ينمو حتى {إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا} ذهبها مجازا أَو زينتها من أَنواع النبات، شبه الأَرض بعروس ورمز لذلك كما تتناول العروس حليها وتلبسه، ورشح لذلك بقوله {وَازَّيَّنَتْ} أَصله تزينت كما قرأَ به الأَعرج والشعبى وأَبو العالية ونهر بن عاصم والحسن، أَبدل التاءَ زايا وأَدغمها فسكن الأَول فجاءَت همزة الوصل وذلك بأَزهارها أَبيض وأَخضر وأَصفر وأَحمر وأَسود {وَظَنَّ أَهْلُهَا} أَهل الأَرض أَو أَهل الزروع أَو أَهل الثمرة أَو أَهل الزينة، والأَول أَولى للتصريح بالأَرض، وأَما غيره فيفهم من الأَلفاظ والضمائِر بعد تابعه لهذه الأَوجه، وعود الضمائِر للأَرض مع الحذف كما ترى بعد أَولى {أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا} متمكنون من تحصيل ثمارها وبقولها ومنافعها {أَتَاهَا} أَى أَتى نباتها {أَمْرُنَا} قضاؤنا أَو قدرنا ببرد أَو حر أَو ريح أَو حب الغمام أَو نحو ذلك {لَيْلاً أَوْ نَهَاراً} تارة ليلا وتارة نهاراً، وسواءٌ زمان غفلتهم كليل وزمان عدم غفلتهم إِذ لا قدرة لهم على دفع أَمر الله تعالى وفى ذكر الليل والنهار تلويح إِلى ذلك {فَجَعَلْنَاهَا} جعلنا نباتها {حَصِيداً} أَى مثل حصيد كزرع محصود بالمناجل وحذف المضاف فى قوله أَتاها وجعلناها كما رأيت للمبالغة كأَنه أَتى القضاءُ أَو القدر نفسه، وجعل الأَرض نفسها حصيدا، وكذا حذف مبالغة فى قوله {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ} أَى كأَنه أَى الشأْن، أَو كأَنها أَى القصة أَو كأَن الأَرض أَى نباتها لم يلبث، أَى لم يلبث نباتها بالأَمس وهو اليوم الذى قبل يومه، وهذا لكونه أَبلغ فى التوضيح والتمثيل، وأَقرب لأَنه واقع على ظاهر، أَولى من تفسيره بمطلق الزمن الماضى، شبه الهيئة المنتزعة من مجموع الحياة الدنيا وسرعة انقضائِها وذهاب نعيمها بعد حصولها بالهيئة المنتزعة من مجموع خضرة النبات والزروع وبهجتها وزوالها فجأَة وكونها حطاماً بعد ما كان غضاً طريا، ووجه الشبه الهيئةُ المجتمعة من مطلق سرعة الانقضاءِ بعد الإِقبال والاغترار، وإِن شئت فقل فى أَخذت الأَرض زخرفها وازينت استعارة تمثيلية شبهت الهيئة المنتزعة من الأرض وأَصناف النبات وأَلوانها بالهيئة المجتمعة من العروس وتلبسها بأَنواع الثياب ذوات الأَلوان والتحلى بما هو زينة، أَو شبه نباتها بالهالك أَى جعلنا نباتها هالكاً، فشبه الهالك بالحصيد، وأُقيم اسم المشبه به مقامه {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ} نبين {الآيَاتِ} آيات القرآن، ومنها هذه الآية أَو الدلائِل من إِنزال الماءِ والإِنبات به نباتها بعد كماله، إِلا أَن التفصيل فى قوله عز وجل نفصل لا يتبادر إلى ذلك ويحتاج إِلى تفسير بالتصريف على الترتيب المذكور من الإِيجاد والإِعدام وتقديم السبب، وهو الماءُ إِلا أَن فيه حكمة هى التنبيه على أَحوال الدنيا عموماً حالاً ومَالاً {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} وغيرهم وخصهم لأَنهم المنتفعون بها، وعن أَبى ملزم كان مكتوباً إِلى جنب هذه الآية ونسخ: ولو أَن لابن آدم واديين من ذهب لتمنى ثالثاً ولا يشبع نفس ابن آدم التراب ويتوب الله على من تاب.

الالوسي

تفسير : {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} كلام مستأنف لبيان شأن الحياة الدنيا وقصر مدة التمتع فيها، وأصل المثل ما شبه مضربه بمورده ويستعار للأمر العجيب المستغرب، أي إنما حالها في سرعة تقضيها وانصرام نعيمها بعد إقبالها واغترار الناس بها {كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ} أي فكثر بسببه {نَبَاتُ ٱلأَرْضِ} حتى التف بعضه ببعض، فالباء للسببية ومنهم من أبقاها على المصاحبة، وجعل الاختلاط بالماء نفسه فإنه كالغذاء للنبات فيجري فيه ويخالطه والأول هو الذي يقتضيه كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما {مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلأَنْعَـٰمُ} كالبقول والزروع والحشيش والمراعي، والجار والمجرور في موضع الحال من النبات {حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ} أي استوفت واستكملت {زُخْرُفَهَا} أي حسنها وبهجتها {وَٱزَّيَّنَتْ} بأصناف النبات وأشكالها وألوانها المختلفة. شعر : كأذيال خود أقبلت في غلائل مصبغة والبعض أقصر من بعض تفسير : وقد ذكر غير واحد أن في الكلام استعارة بالكناية حيث شبهت الأرض بالعروس وحذف المشبه به وأقيم المشبه مقامه وإثبات أخذ الزخرف لها تخييل وما بعده ترشيح، وقيل: الزخرف الذهب استعير للنضارة / والمنظر الشار. وأصل ازينت تزينت فأدغمت التاء في الزاي وسكنت فاجتلبت همزة وصل للتوصل للابتداء بالساكن، وبالأصل قرأ عبد الله، وقرأ الأعرج والشعبـي وأبو العالية ونصر بن عاصم والحسن بخلاف {وَٱزَّيَّنَتْ} بوزن أفعلت كأكرمت، وكان قياسه أن يعل فيقلب ياؤه ألفاً فيقال أزانت لأنه المطرد في باب الأفعال المعتل العين لكنه ورد على خلافه كأغيلت المرأة إذا سقت ولدها الغيل وهو لبن حملها عليه وقد جاء أغالت على القياس. ومعنى الأفعال هناك هنا الصيرورة أي صارت ذات زينة أو صيرت نفسها كذلك، وقرأ أبو عثمان النهدي {أزيأنت} بهمزة وصل بعدها زاي ساكنة وياء مفتوحة وهمزة كذلك ونون مشددة وتاء تأنيث، وأصله ازيانت بوزن احمارت بألف صريحة فكرهوا اجتماع ساكنين فقلبوا الألف همزة مفتوحة كما قرىء {الضألين} [الفاتحة:7] وجاء أيضاً احمأرت بالهمزة كقوله: شعر : إذا ما الهوادي بالعبيط احمأرت تفسير : وقرأ عوف بن جميل {ازْيانت} بألف من غير إبدال، وقرىء {ازَّاينت} لقصد المبالغة. {وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا} أي على الأرض، والمراد ظنوا أنهم متمكنون من منفعتها محصلون لثمرتها رافعون لغلتها، وقيل: الكناية للزروع، وقيل: للثمرة، وقيل: للزينة لانفهام ذلك من الكلام {أَتَاهَا أَمْرُنَا} جواب {إِذَا} أي نزل بها ما قدرناه من العذاب وهو ضرب زرعها ما يجتاحه من الآفات والعاهات كالبرد والجراد والفأر والصرصر والسموم وغير ذلك {لَيْلاً أَوْ نَهَارًا} أي في ليل أو في نهار، ولعل المراد الإشارة إلى أنه لا فرق في إتيان العذاب بين زمن غفلتهم وزمن يقظتهم إذ لا يمنع منه مانع ولا يدفع عنه دافع {فَجَعَلْنَاهَا} أي فجعلنا نباتها {حَصِيداً} أي شبيهاً بما حصد من أصله، والظاهر أن هذا من التشبيه لذكر الطرفين فيه فإن المحذوف في قوة المذكور، وجوز أن يكون هناك استعارة مصرحة والأصل جعلنا نباتها هالكاً فشبه الهالك بالحصيد وأقيم اسم المشبه به مقامه، ولا ينافيه تقدير المضاف كما توهم لأنه لم يشبه الزرع بالحصيد بل الهالك به. وذهب السكاكي إلى أن في الكلام استعارة بالكناية حيث شبهت الأرض المزخرفة والمزينة بالنبات الناضر المونق الذي ورد عليه ما يزيله ويفنيه وجعل الحصيد تخيلاً ولا يخفى بعده. {كَأَن لَّمْ تَغْنَ} أي كأن لم يغن نباتها أي لم يمكث ولم يقم، فتغن من غنى بالمكان إذا أقام ومكث فيه ومنه قيل للمنزل مغني، وقد حذف المضاف في هذا وفيما قبله فانقلب الضمير المجرور منصوباً في أولهما ومرفوعاً مستتراً في الثاني، واختير الحذف للمبالغة حيث أفاد ظاهر الكلام جعل الأرض نفسها حصيداً وكأنها نفسها لم تكن لتغيرها بتغير ما فيها، وقد عطف بعضهم عليهما {عَلَيْهَا} لما أن التقدير فيه على نباتها فحذف المضاف وجر الضمير بعلى وليس بالبعيد خلا أن في كون الحذف للمبالغة أيضاً تردداً، وقيل: ضمير {تَغْنَ} وما قبله يعودان على الزرع كما قيل في ضمير {عَلَيْهَا} وقيل: يعودان على الأرض ولا حذف بل يجعل التجوز في الإسناد. وأنت تعلم أن إرجاع الضمائر كلها للأرض ولو مع ارتكاب التجوز في الإسناد أولى من إرجاعها لغيرها كائناً ما كان. نعم إنه لا يمكن إرجاع الضمير إليها في قراءة الحسن {يغني} بالياء التحتية وجعل ذلك من قبيل ولا أرض أبقل أبقالها كما ترى فينبغي أن يرجع للنبات أو للزرع مثلاً ومآل المعنى كأن لم يكن نابتاً. {بِٱلأمْسِ} أي فيما قبل إتيان أمرنا بزمان قريب فإن الأمس مثل في ذلك، والجملة التشبيهية جوز أن تكون في محل النصب على أنها حال وأن تكون مستأنفة لا محل لها من الإعراب جواباً لسؤال مقدر، والممثل / به في الآية ما يفهم من الكلام وهو زوال خضرة النبات فجأة وذهابه حطاماً لم يبق له أثر بعد ما كان غضاً طرياً قد التف بعضه ببعض وازينت الأرض بألوانه حتى طمع الناس وظنوا أنه قد سلم من الجوائح لا الماء وإن دخلته كاف التشبيه فإنه من التشبيه المركب مع اشتمال الكلام نفسه على أمور حقيقية وأمور مجازية فيها من اللطافة ما لا يخفى. وعن أبـي أنه قرأ {كأن لم تغن بالأمس وما أهلكناها إلا بذنوب أهلها}. {كَذٰلِكَ} أي مثل ذلك التفصيل البديع {نُفَصّلُ ٱلآَيَـٰتِ} أي القرآنية التي من جملتها هذه الآية الجليلة الشأن المنبهة على أحوال الحياة الدنيا أي نوضحها ونبينها {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} في معانيها ويقفون على حقائقها، وتخصيصهم بالذكر لأنهم المنتفعون، وجوز أن يراد بالآيات ما ذكر في أثناء التمثيل من الكائنات والفاسدات وبتفصيلها تصريفها على الترتيب المحكي إيجاداً وإعداماً فإنها آيات ما ذكر في أثناء التمثيل من الكائنات والفاسدات وبتفصيلها تصريفها على الترتيب المحكي إيجاداً وإعداماً فإنها آيات وعلامات يستدل بها المتفكر فيها على أحوال الحياة الدنيا حالاً ومآلاً والأول هو الظاهر. وعن أبـي مجلز أنه قال: كان مكتوباً إلى جنب هذه الآية فمحى (ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى وادياً ثالثاً ولا يشبع نفس ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب).

ابن عاشور

تفسير : هذه الآية تتنزل منزلة البيان لجملة {أية : متاع الحياة الدنيا}تفسير : [يونس: 23] المؤذنة بأن تمتعهم بالدنيا ما هو إلا لمدة قصيرة، فبينت هذه الآية أن التمتع صائر إلى زوال، وأطنبت فشبهت هيئة التمتع بالدنيا لأصحابها بهيئة الزرع في نضارته ثم في مصيره إلى الحصد. والمثَل: الحال الماثلة على هيئة خاصة، كان التشبيه هنا تشبيه حالة مركبة بحالة مركبة. عبر عن ذلك بلفظ المثل الذي شاع في التشبيه المركب كما تقدم في أول سورة البقرة. وصيغة القصر لتأكيد المقصُود من التشبيه وهو سرعة الانقضاء. ولتنزيل السامعين منزلة من يحسب دوام بهجة الحياة الدنيا لأن حالهم في الانكباب على نعيم الدنيا كحال من يحسب دوامه وينكر أن يكون له انقضاء سريع ومفاجىء. والمعنى: قصرُ حالة الحياة الدنيا على مشابهة حالة النبات الموصوف، فالقصر قصر قلب، بني على تنزيل المخاطبين منزلة من يعتقد عكس تلك الحالة. شبهت حالة الحياة في سرعة تقضيها وزوال نعيمها بعد البهجة به وتزايد نضارتها بحال نبات الأرض في ذهابه حطاماً ومصيره حصيداً. ومن بديع هذا التشبيه تضمنه لتشبيهات مفرقة من أطوار الحالين المتشابهين بحيث يصلح كل جزء من هذا التشبيه المركب لتشبيه جزءٍ من الحاليْن المتشابهين، ولذلك أطنب وصف الحالين من ابتدائه. فقوله: {كماء أنزلناه من السماء} شُبه به ابتداء أطوار الحياة من وقت الصبا إذ ليس ثمة سوى الأمل في نعيم العيش ونضارته، فذلك الأمل يشبه حال نزول المطر من السماء في كونه سبب ما يؤمَّل منه مِن زخرف الأرض ونضارتها. وقوله: {فاختلط به نبات الأرض} شُبه به طور ابتداء نضارة العيش وإقبال زهرة الحياة، فذلك يشبه خروج الزرع بعيد المطر فيما يشاهد من بوارق المأمول، ولذلك عطف بفاء التعقيب للإيذان بسرعة ظهور النبات عقب المطر فيؤذن بسرعة نماء الحياة في أول أطوارها. وعبر عنه بالاختلاط بالماء بحيث ظهر قبل جفاف الماء، أي فاختلط النبات بالماء أي جاوره وقارنه. وقوله: {مما يأكل الناس والأنعام} وصف لنبات الأرض الذي منه أصناف يأكلها الناس من الخضروات والبقول، وأصنافٌ تأكلها الأنعام من العشب والكلأ، وذلك يشبَّه به ما ينعَم به الناس في الحياة من اللذات وما ينعم به الحيوان، فإن له حظاً في نعيم الحياة بمقدار نطاق حياته. ولما كان ذلك قد تضمن المأكول والآكل صح أن تُشبه به رغَبات الناس في تناول لذائذ الحياة على حسب اختلاف مراتب الهمم، وذلك يتضمن تشبيه معالي الأمور من نعم الدنيا التي تسمو إليها الهمم العوالي بالنبات الذي يقتاته الناس، وتشبيهَ سفاسف الأمور بالنبات الذي يأكله الأنعام، ويتضمن تشبيه الذين يجنحون إلى تلك السفاسف بالأنعام، كقوله تعالى: {أية : والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام}تفسير : [محمد: 12]. والقول في {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} كالقول في قوله: {أية : حتى إذا كنتم في الفلك}تفسير : [يونس: 22]، وهو غاية شبه بها بلوغ الانتفاع بخيرات الدنيا إلى أقصاه ونضوجه وتمامه وتكاثر أصنافه وانهماك الناس في تناولها ونسيانهم المصير إلى الفناء. وأمر الله: تقديره وتكوينه. وإتيانه: إصابة تلك الأرض بالجوائح المعجلة لها باليبس والفناء. وفي معنى الغاية المستفادِ من (حتى) ما يؤذن بأن بين مبدأ ظهور لذات الحياة وبين منتهاها مراتب جمة وأطواراً كثيرة، فذلك طوي في معنى (حتى). وقوله: {ليلاً أو نهاراً} ترديد في الوقت لإثارة التوقع من إمكان زوال نضارة الحياة في جميع الأزمنة لأن الشيء الموقت بمعين من التوقيت يكون الناس في أمن من حلوله في غير ذلك الوقت. والزخرف: اسم الذهب. وأطلق على ما يتزين به مما فيه ذهب وتلوين من الثياب والحلي. وإطلاق أخذ الأرض زخرفها على حصول الزينة فيها استعارةٌ مكنية. شبهت الأرض بالمرأة حين تريد التزين فتُحضر فاخر ثيابها من حلي وألوان. والعرب يطلقون على ذلك التناول اسم الأخذ، قال تعالى: {أية : يا بني آدم خُذوا زينتكم عند كل مسجد}تفسير : [الأعراف: 31]، وقال بشار بن برد: شعر : وخُذي ملابس زينة ومُصَبَّغات وهي أفخر تفسير : وذكر {ازينت} عقب {زخرفها} ترشيح للاستعارة، لأن المرأة تأخذ زخرفها للتزين. و{ازّينت} أصله تزينت فقلبت التاء زَاياً؛ لتدغم في الزاي فسكنت وأدغمت واجتلبت همزة الوصل لأجل النطق بالساكن. واعلم أن في قوله تعالى: {أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً} إشارة لإرادة الاستئصال فهو ينذر بالتهديد للكافرين ويجعل التمثيل أعلق بحياتهم، كقوله تعالى: {أية : حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون}تفسير : [الأنعام: 44] لا سيما وقد ضرب هذا المثل لتمتع الكافرين ببغيهم وإمهالهم عليه، ويزيد تلك الإشارة وضوحاً قوله: {وظن أهلها أنهم قادرون عليها} المؤذنُ بأن أهلها مقصودون بتلك الإصابة. ومعنى: {أنهم قادرون عليها} أنهم مستمرون على الانتفاع بها محصلون لثمراتها، فأطلق على التمكن من الانتفاع ودوامه لفظ القدرة على وجه الاستعارة. والحصيد: المحصود، وهو الزرع المقطوع من منابته. والإخبار عن الأرض بحصيد على طريقة المجاز العقلي وإنما المحصود نباتها. ومعنى {لم تغْنَ} لم تَعْمُر، أي لم تعمر بالزرع. يقال: غَنِي المكان إذا عَمَر. ومنه المغنَى للمكان المأهول. وضد أغنى أقفر المكان. والباء في {بالأمس} للظرفية. والأمس: اليوم الذي قبل يومك. واللام فيه مزيدة لتملية اللفظ مثل التي في كلمة الآن. والمراد بالأمس في الآية مطلق الزمن الذي مضى لأن أمس يستعمل بمعنى ما مضى من الزمان، كما يستعمل الغد في معنى المستقبل واليوم في معنى الحال. وجمَعَها قولُ زهير: شعر : وأعلم عِلم اليوم والأمسِ قبلَه ولكنني عن عِلم ما في غد عَمِ تفسير : وجملة: {كذلك نفصل الآيات} إلى آخرها تذييل جامع، أي مثل هذا التفصيل نفصل أي نبين الدلالات كلها الدالة على عموم العلم والقدرة وإتقان الصنع. فهذه آية من الآيات المبينة وهي واحدة من عموم الآيات. وتقدم نظيره في قوله تعالى: {أية : وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيلَ المجرمين}تفسير : في سورة [الأنعام: 55]. واللام في {لقوم يتفكرون} لام الأجْل. والتفكر: التأمل والنظر، وهو تفعل مشتق من الفكر، وقد مر عند قوله تعالى: {أية : قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون}تفسير : في سورة [الأنعام: 50]. وفيه تعريض بأن الذين لم ينتفعوا بالآيات ليسوا من أهل التفكر ولا كان تفصيل الآيات لأجلهم. وتقدم ذكر لفظ القوم غير مرة في هذه السورة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} إلى قوله: {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. ضرب الله تعالى في هذه الآية الكريمة المثل للدنيا بالنبات الناعم المختلط بعضه ببعض، وعما قليل ييبس، ويكون حصيداً يابساً كأنه لم يكن قط، وضرب لها أيضاً المثل المذكور في "الكهف" في قوله: {أية : وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ} تفسير : [الكهف: 45] إلى قوله: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً} تفسير : [الكهف: 45]، وأشار لهذا المثل بقوله في "الزمر": {أية : ثُمَّ يَهِـيجُ فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [الزمر: 21]، وقوله في "الحديد": {أية : كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاما} تفسير : [الحديد: 20] الآية: تنبيه التشبيه في الآيات المذكورة عند البلاغيين من التشبيه المركب، لأن وجه الشبه صورة منتزعة من أشياء، وهو كون كل من المشبه والمشبه به يمكث ما شاء الله، وهو في إقبال وكمال، ثم عما قليل يضمحل ويزول، والعلم عند الله تعالى:

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: مثل الحياة الدنيا: أي صفتها المنطبقة عليها المُتَّفِقة معها. ماء: أي مطر. فاختلط به: أي بسببه نبات الأرض أي اشتبك بعضه ببعض. مما يأكل الناس: كالبر وسائر الحبوب والفواكه والخضر. والأنعام: أي من الكلأ والعشب عادة وإلا قد يعلف الحيوان الشعير. زخرفها: أي نضرتها وبهجتها. وازينت: أي تجملت بالزهور. وظن أهلها أنهم قادرون عليها: أي متمكنون من تحصيل حاصلاتها الزراعية. أتاها أمرنا: أي قضاؤنا بإهلاكها وتدميرها عقوبة لأصحابها. حصيداً: أي كأنها محصودة بالمنجل ليس فيها شيء قائم. كأن لم تغن بالأمس: أي كأن لم تكن موجودة غانية بالأمس. نفصل الآيات: أي نبينها. والله يدعو إلى دار السلام: دار السلام: الجنة والله يدعو إليها عباده ليأخذوا بالأهبة لدخولها وهي الإِيمان والعمل الصالح وترك الشرك والمعاصي. معنى الآيتين: ما زال السياق الكريم يعرض الهدايات الإِلهية على الناس لعلهم يهتدون ففي هذه الآية يضرب تعالى مثلا للحياة الدنيا التي يتكالب الغافلون عليها ويبيعون آخرتهم بها فيكذبون ويظلمون من أجلها إنما مثلها في نضارتها الغارة بها وجمالها الخادعة به كمثل ماء نزل من السماء فاختلط بالماء نبات الأرض فسقى به ونما وازدهر وأورَق وأثمر وفرح به أهله وغلب على ظنهم أنهم منتفعون به فائزون به وإذا بقضاء الله فيه تأتيه فجأه في ساعة من ليل أو نهار فإذا هو حصيد ليس فيه ما هو قائم على ساق، هشيم تذروه الرياح كأن لم لم يغْن بالأمس أي كأن لم يكن موجوداً أمس قائماً يعمُر مكانه أتاه أمر الله لأن أهله ظلموا فعاقبهم بجائحة أفسدت عليهم زرعهم فأمسوا يائسين حزينين. هذه الصورة المثالية للحياة الدنيا فهلا يتنبه الغافلون أمثالي!! أو هلا يستيقظ النائمون من حالهم كحالي؟؟. وقوله تعالى في الآية الثانية [25] {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ} أي بترك الشرك والمعاصي والإِقبال على الطاعات والصالحات ودار السلام الجنة إذ هي الخالية من الكدر والتنغيص فلا مرض ولا هرم، ولا موت ولا حزن. ودعاة الضلالة يدعون إلى الدنيا والتي صورتها ومآلها، أنها دار الكدر والتنغيص. والهم والحزن فأي الدعوتين تجاب؟ {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} فلتطلب هدايته بصدق فإنه لا يهدي إلا هو والصراط المستقيم هو الإِسلام طريق الجنة وسُلَّم الوصول إليها رزقنا الله تعالى السير فيه والثبات عليه. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- بيان الصورة الحقيقية للحياة الدنيا في نضرتها وسرعة زوالها. 2- التحذير من الاغترار بالدنيا والركون إليها. 3- التحذير من الذنوب فإنها سبب الشقاء وسلب النعم. 4- فضيلة التفكر وأهله. 5- فضل الله على عباده ورحمته بهم إذ يدعوهم إلى داره لإِكرامهم والإِنعام عليهم.

القطان

تفسير : الزخرف: الزينة وكمال حسن الشيء، وزخرف الارض الوان نباتها. كأن لم تغنَ بالأمس: كأن لم تكن مأهولة. دار السلام: الجنة. لما كان سببُ بغي الناس في هذه الدنيا هو إفراطُهم في حبّها، والتمتع بزينتها وما يجنون منها - ضَرب اللهُ بذلك مثلاً يَعْزِف بفضله العاقلُ عن الغرور بها، ويدفعه الى الكف عن الظلم والفساد. {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلأَنْعَامُ...} الآية. شبّه اللهُ حال الحياة الدنيا في روعتها وبهجتها، بماء أنزلَه من السماء، فاختلط به نباتُ الأرض مما يأكلُه الناس والحيوان، فيزدهر ويُثمر، وتزدانُ به الأرض نضارةً وبهجة، حتى إذا بلغتْ هذه الزينةُ تمامها، وأيقن أهلُها أنهم ملكوها وقَدَروا على الاستمتاع بثمارِها وخيراتها، أتاها أمرُ الله فجأة، فباتت كالأرض المحصودة التي قُطع زرعها ولم يبقَ منه شيء. {كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. إننا بالأمثال الواضحة، نبين الآيات ونفصل ما فيها من الاحكام لقوم يتفكّرون ويعتبرون ويعلمون أن الدنيا زائلةٌ وأن متاعها قليل. {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. إن الله يدعو الناسَ جميعاً الى العمل الصالح والإيمان الصادق ليدخُلوا الجنة، وهو يهدي من يشاء الى الطريق الموصل إليها وهو الإسلام.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْحَيَاةِ} {أَنزَلْنَاهُ} {وَٱلأَنْعَامُ} {قَادِرُونَ} {أَتَاهَآ} {فَجَعَلْنَاهَا} {ٱلآيَاتِ} (24) - ضَرَبَ اللهُ تَعَالَى مَثَلاً لِلْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي جَمَالِهَا وَبَهْجَتِهَا، ثُمَّ فِي سُرْعَةِ فَنَائِهَا، بِالنَّبَاتِ الذِي أَخْرَجَهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الأَرْضِ بِمَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهَا مِنَ المَطَرِ، مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ مِنْ زُرُوعٍ وَثِمَارٍ عَلَى اخْتِلاَفِ أَنْوَاعِهَا وَأَصْنَافِهَا، وَمِمَّا تَأْكُلُ الحَيوانَاتُ (الأَنْعَامُ) حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الأَرْضُ زِينَتَهَا الفَانِيَةَ (زُخْرُفَها) وَازَّيَّنَتْ بِمَا خَرَجَ فِي رُبَاهَا مِنْ زُهُورٍ نَضِرَةٍ مُخْتَلِفَةِ الأَشْكَالِ وَالأَلوانِ، كَمَا تَتَزَيَّنُ العَرُوسُ لَيْلَةَ زَفَافِهَا، وَظَنَّ أَهْلُهَا، الذِينَ زَرَعُوهَا وَغَرَسُوهَا، أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى جزازهَا وَحصَادِهَا، وَجَنْيِ ثِمَارِها، وَالتَّمَتُّعِ بِهَا، فَبَيْنَمَا هُمْ يَأْمُلُونَ ذَلِكَ إِذْ جَاءَتْهَا صَاعِقَةٌ، أَوْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ بَارِدَةٌ فَأَيْبَسَتْ أَوْراقَها، وَأَتْلَفَتْ ثِمَارَها، فَأَصْبَحَتْ كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حِيناً قَبْلَ ذَلِكَ، وَهَكَذا يُبَيَّنُ اللهُ الحُجَجَ والآياتِ، لِقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ، فَيَعْتَبِرُونَ بِهذا المَثَلِ، فِي زَوَالِ الدُّنْيَا عَنْ أَهْلِهَا سَرِيعاً، مَعَ اغْتِرَارِهِمْ بِهَا. مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا - حَالُها فِي سُرْعَةِ زَوَالِهَا وَانْقِضَائِهَا. زُخْرُفَهَا - نَضَارَتَهَا وَبَهْجَتَهَا وَزِينَتَهَا بِأَلْوَانِ النَّبَاتِ. أَمْرُنا - مَا يَجْتَاحُهَا مِنَ الآفَاتِ وَالعَاهَاتِ. حَصْيداً - كَالنَّبَاتِ المَحْصُودِ بِالمَنَاجِلِ. كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ - كَأنَّها لَمْ تَكُنْ حِيناً قَبْلَ ذَلِكَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والماء الذي ينزل من السماء، هو الماء الصالح للري وللسقي؛ لأن المياه الموجودة في الوجود، هي مخازن للحياة، وغالباً ما تكون مالحة، كمياه البحار والمحيطات، وشاء الحق سبحانه ذلك، لحمايتها من العفن والفساد، ثم تتم عملية تقطير المياه بأشعة الشمس التي تحوّل الماء إلى بخار، ويتجمع البخار كسحاب، ثم يسقط ماء عَذْباً مقطراً صالحاً للشرب والرّي. والحق سبحانه يقول هنا: {كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ} [يونس: 24]. والاختلاط: اجتماع شيئين أو أشياء على هيئة الانفصال بحيث يمكن أن تعزل هذا عن ذاك، فإن خلطت بعضاً من حبات الفول مع بعض من حبّات الترمس؛ فأنت تستطيع أن تفصل أيا منهما عن الأخرى، ولكن هناك لوناً آخر من جمع الأشياء على هيئة المزج، مثلما تعصر ليمونة على ماء محلّى بالسكر، وهذا ينتج عنه ذوبان كل جزيء من الليمون والسكر في جزيئات الماء. وهنا يقول الحق سبحانه: {كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ} وقد يُفهم من ذلك أن الماء والنبات قد اختلطا معاً، لكن النبات ـ كما نعلم ـ ككائن حي مخلوق من الماء مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ..}تفسير : [الأنبياء: 30]. وهنا لا بد أن نلتفت إلى الفارق بين "باء" الخلط، و"باء" السببية فالباء هنا في هذه الآية هي باء السببية، وبذلك يكون المعنى: فاختلط بسببه نبات الأرض. وأنت ترى بعد سقوط المطر على الأرض أن المياه تغطي الأرض، ثم تجد بعد ذلك بأيام أو أسابيع، أن سطح الأرض مغطى بالزروع، وكلها مختلطة متشابكة، وكلما تشابكت الزروع مع بعضها فهذا دليل على أن الري موجود والخصوبة في هذه الأرض عالية، وهذا نتيجة تفاعل الماء مع التربة. أما إن كانت الأرض غير خصبة، فأنت تجد نَبْتة في منطقة من الأرض، وأخرى متباعدة عنها، وهذا ما يطلق عليه أهل الريف المصري أثناء زراعة الذرة - على سبيل المثال: "الذرة تفلس" أي: أن كل عود من أعواد الذرة يتباعد عن الآخر نتيجة عدم خصوبة الأرض. إذن: فخصوبة الأرض لها أساس هام في الإنبات والماء موجود لإذابة عناصر الغذاء للنبات، فتنتشر بها جذور النبات. وإن سمحتْ لك الظروف بزيارة المراكز العلمية للزراعة في "طوكيو" أو "كاليفورنيا"؛ فلسوف ترى أنهم يزرعون النباتات على خيوط رفيعة؛ تُسقى بالماء الذي يحتوي على عناصر الغذاء اللازمة للإنبات؛ لأنهم وجدوا أن أي نبات يأخذ من الأرض المواد اللازمة لإنباته بما لا يتجاوز خمسة في المائة من وزنه، ويأخذ من الهواء خمسة وتسعين في المائة من وزنه. إذن: فالمطر النازل من السماء خلال الهواء هو الذي يذيب عناصر الأرض؛ ليمتصها النبات. والحق سبحانه وتعالى هنا أراد أن يضرب لنا المثل، والمثل: هو قول شُبِّه مَضْرِبُهُ بِمَوْلِدِه، أي: شيء نريد أن نمثله بشيء، ولا بد أن يكون الشيء الممثل به معلوماً، والشيء المأخوذ كمثلٍ هو الذي نريد أن نوضح صورته؛ ولذلك لا يصح أن نمثل مجهولاً بمجهول، وإنما نمثل مجهولاً بمعلوم. وتجد من يقول لك: ألا تعرف فلاناً؟ فتقول: لا أعرفه، فيرد عليك صاحبك: إنه مثل فلان في الشكل. وهكذا عرَّفْتَ المجهول بمعلوم. وبعض من الذين يحاولون الاعتراض على القرآن، دخلوا من هذه الناحية، وقالوا: إذا كان الشيء مجهولاً ونريد أن نعرِّف به، ألا نعرِّفه بمعلوم؟ فما بال الله - سبحانه وتعالى - يقول في شجرة الزقوم: {أية : إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ}تفسير : [الصافات: 64-65]. ما بال الله سبحانه يبين شجرة الزقوم، وهي شجرة في النار لا نعرفها، فيعرِّفها للمؤمنين به بأن طلعها يشبه رءوس الشياطين، وبذلك يكون سبحانه قد مثَّل مجهولاً بمجهول. والذين قالوا ذلك فاتهم أن الذي يتكلم هو الله تعالى. وقد أراد الحق سبحانه أن يُمثِّل لنا شجرة الزقوم بشيء بشع معلوم لنا، والبشع المعلوم هو الشيطان. وشاء الحق سبحانه ألا يحدد البشاعة؛ حتى لا ينقضي التشبيه؛ لأن الشيء قد يكون بشعاً في نظرك، وغير بشع في نظر غيرك. ويريد الله سبحانه أن يبشع طلع شجرة الزقوم؛ فاختار الشيء المتفق على بشاعته، وهو رءوس الشياطين، وليتصور كل إنسان صورة الشيطان، بما ينفر منه ويقبِّحه، وهكذا تتجلَّى عظمة الحق سبحانه في أن جعل شكل الشيطان مبهماً. وأما المثل الذي نحن بصدده هنا وهو تشبيه الحياة الدنيا بأنها كالماء الذي أنزله الحق سبحانه من السماء فاختلط به نبات الأرض، والحياة الدنيا نحن ندرك بعضها، وكلٌّ منا يدرك فترة منها، ولم يدرك أولها، وقد لا يدرك آخرها، فجاء الحق سبحانه بمثل يراه كل واحد منا، وهو الزرع الذي يرتوي بالمطر، فأراد الحق سبحانه أن يجمع لنا صورة الدنيا في مثلٍ معروف لنا جميعاً، وندركه جميعاً؛ فندرك ما سبق، وما يلحق، فكل شيء يأخذ حظه في الازدهار، والجمال، ثم ينتهي، كذلك الدنيا. يقول الحق سبحانه: {كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ} [يونس: 24]. والزخرف: هو الشيء الجميل المستميل للنفس وتُسرُّ به حينما تراه، وتتزين الدنيا بالألوان المتنوعة في تنسيق بديع، ثم يصبح كل ذلك حصيداً وهذا ما نراه في حياتنا، وهكذا جمع الله سبحانه وتعالى مثل الحياة الدنيا من أولها إلى آخرها بالصورة المرئية لكل إنسان، حتى لا يخدع إنسان بزخرف الدنيا ولا بزينتها. والحق سبحانه هو القائل: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَآئِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ * فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}تفسير : [عبس: 24-37]. إذن: فالدنيا بكل جمالها الذي تراه إنما تذوي، وما تراه من بديع ألوانها إنما يذبل، ومهما ازدانت الدنيا فهي إلى زوال، فإياك أن تبغي؛ لأن البغي فيه متاع الدنيا، والدنيا كلها إلى زوال؛ كزوال الروض التي ينزل عليها المطر؛ فتنبت الأرض الأزهار، ثم يذوي كل ذلك. وقد قال الحق سبحانه: {أية : إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ}تفسير : [القلم: 17-20]. إذن: فالدنيا بهذا الشكل وعلى هذا الحال. وهنا يقول الحق سبحانه: {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ} [يونس: 24]. والأرض تتزين بأمر ربها، والحق سبحانه ينسب الإدراكات إلى ما لا نعرف أن له عقلاً أو إرادة. ألم يقل الحق سبحانه في قصة العبد الصالح: {أية : فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ ..}تفسير : [الكهف: 77]. فهل يملك الجدار إرادة أن ينقضَّ؟ ولو حققنا الأمر جيداً؛ لوجدنا أن الحق سبحانه جعل لكل كائن في الوجود حياة تناسبه، وله إرادة تناسبه، وله انفعال يناسبه. وقد ضرب الحق سبحانه لنا في ذلك صوراً شتّى، فنجد أن الشيء الذي يعزُّ على عقولنا أن تفهمه يبرز لنا ببيان من الله تعالى. ومثال هذا: معرفة الهدهد في قصة سليمان عليه السلام بالتوحيد، وكيف أخبر هذا الهدهد سيدنا سليمان عليه السلام بحكاية مملكة سبأ حيث يسجد الناس هناك للشمس من دون الله، فكأن الهدهد قد علم مَنْ يستحق السجود له إذ قال: {أية : أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..}تفسير : [النمل: 25]. ومن كان يظن أن الهدهد، وهو طائر، يكون على هذه البصيرة بالعقائد على أصفى ما تكون؟ لأن الحق سبحانه أراد أن يبيّن لنا أن هذا الطائر لا هوى له يفسد عقيدته، وأن أهواءنا هي التي تفسد العقائد، ومَنْ أعطاه الله سبحانه البدائل هو الذي يفسد الاختيار ما دام لا يحرس الاختيار بالإيمان، وأن يختار في ضوء منهج الله تعالى. ونحن نرى أن ما دون الإنسان من طائر أو حيوان لا يفسد شيئاً؛ لأن غريزته تقوده، فلا نجد حيواناً يأكل فوق طاقته، لكننا نجد إنساناً يصيب نفسه بالتخمة، ولا نجد حماراً يقفز فوق قناة من الماء لا يقدر عليها، بل نراه وهو يتراجع عنها، وكلنا نجد إنساناً يشمر عن ساعديه؛ ليقفز فوق قناة مياه؛ فيقع فيها. إذن: فنحن بأهوائنا التي تسيطر على غرائزنا نوقع أنفسنا فيما يضرنا، ما لم نحرس أنفسنا بمنهج الله سبحانه وتعالى. ونجد في مثال الهدهد صفاءً عقدياً في التوحيد كأصفى ما يكون المتصوِّفة، ويأتي بما يهمه {أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} لأن الخبء هو رزق الهدهد، فهو لا يأكل من الشيء الظاهر على سطح الأرض، بل يضرب بمنقاره الأرض؛ ليأتي لنفسه بما يطعمه. ويعطينا الحق سبحانه مثلاً آخر بالنملة التي قالت: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}تفسير : [النمل: 18]. وهذه دقة عدالة من هذه النملة، فإنها لم تقل: إن سليمان وجنوده سيحطمون أخواتها من النمل ظلماً لهم، بل قالت: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} لأنكم لا تظهرون تحت أرجلهم. إذن: كل كائن في الوجود له حياة تناسبه، ولكن الآفة أننا نريد أن نتصور الحياة في كل كائن، كتصورها في الكائن الأعلى وهو الإنسان. ولا بد لنا أن نعلم أن النبات له حياة تناسبه، والحيوان له حياة تناسبه، والجماد له حياة تناسبه، وكل شيء في الحياة له لون من الحياة المناسبة له. وقد أوضحنا من قبل أن الحق سبحانه قد قال: {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ..}تفسير : [الأنفال: 42]. والهلاك مقابل للحياة، والحياة مقابلة للموت، والهلاك يساوي الموت. والحق سبحانه يصور الحالة يوم القيامة فيقول: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ..}تفسير : [القصص: 88]. إذن: فالجماد هالك، ولكنه يتمتع بلون من الحياة لا نعرفه، وكذلك كل كائن له حياة تناسبه، والآفة أن الإنسان يريد أن يعرِّف الحياة التي في الجماد كالحياة في الإنسان. وانظر إلى دقة الأداء القرآني في قوله الحق: {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً} [يونس: 24]. وقد جاء هذا القول من قبل أن يتقدم العلم ويثبت أن الأرض تشبه الكرة، وأنها تدور، وأن كل ليل يقابله نهار، وكذلك جاء قول الحق سبحانه: {أية : أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى ..}تفسير : [الأعراف: 97-98]. إذن: فأمر الله سبحانه يتحقق حين يشاء، وهو أمر واحد عند من يكونون في ضحى أو في ليل. ثم يقول الحق سبحانه: {فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ} [يونس: 24]. أي: كأنها لم يكن لها وجود. ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24]. فإذا كانت الدنيا كلها مثل عملية الزرع في الأرض الذي ينمو ويزدهر ويزدان، ثم ينتهي، ألا يجب أن ننتبه إلى أن كل زخرف إلى زوال؛ وعلينا ألا نفتتن بزينة الدنيا ومتاعها في شيء، وأن نحرص على ألا نبغي في الأرض؛ لأن البغي متاع الحياة الدنيا، وهي إلى زوال. ونجد القرآن يأتي بذكر التفصيل للآيات، ويتبع ذلك بأن هذا التفصيل لقوم "يتفكرون"، أو "يتذكرون"، أو "يعقلون"، أو "يتدبرون". وكل هذه عمليات تتناول المعلوم الواحد في مراحل متعددة، فالتعقُّل: هو أن تأتي بالمقدمات؛ لتستنبط ولترى إلى أي نتائج تصل. والتذكُّر يعني: ألا تنسى وألا تغفل عن الأمر الهام. والتفكُّر: هو أن تُعْمل الفكر. والفارق بين الفكر والعقل هو أن العقل أداة التفكُّر. والتدبُّر: هو ألا تنظر إلى ظواهر الأشياء، بل إلى المعطيات الخفية في أي أمر. والحق سبحانه يقول: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ ..}تفسير : [النساء: 82]. أي: اجعل بصيرتك تمحِّص البدايات والنهايات؛ لتعرف أن المرجع والمصير إلى الله تعالى. والعاقل هو مَنْ يعدّ نفسه للقاء الله سبحانه، وقد يرهق نفسه في الدنيا الفانية؛ ليستريح في الآخرة. وإذا نظرنا إلى الدنيا والآخرة من خلال معادلة تجارية، سنجد أن الآخرة لا بد وأن ترجح كفتها؛ لأن عمر الإنسان في الدنيا مظنون، ولا يعرف فرد هل يحيا في الدنيا عاماً أو عشرة أو سبعين أو مائة عام. ومهما طالت الدنيا مع كل الخَلْق فهي منتهية، والنعيم فيها على قدر إمكاناتك البشرية وعلى قدر تصورك للنعيم، أما الآخرة فهي بلا نهاية، وأمر الإنسان فيها متيقَّن، والنعيم فيها على قدر عطاءات الله تعالى ومراده سبحانه للنعيم. فإن قارنت هذا بذاك وقارنت الدنيا بالآخرة لرجحتْ كفّة الآخرة. لذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 64]. وفي قوله سبحانه: {لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ}. مبالغة في كونها حياة لا فناء فيها. فاتبع منهج الله سبحانه؛ ليأخذك هذا المنهج إلى دار السلام والسلامة من الآفات. واضمن لنفسك الخروج من دار الفناء والأغيار، وَضَعْ يدك في يد من يدعوك إلى دار السلام. ولذلك يقول الحق سبحانه: {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً} معناهُ مُستأصِلينَ.

الجيلاني

تفسير : وبالجملة: {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي: شأنها وحالها العجيبة التي كنتم تعترون بها، وتميلون إليها وتفتخرون بمزخرفاتها ومموهاتها، وأمتعتها وأبنيتها {كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ} واشتبك {بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ} أي: ترابها المنبتة للنبات، وحصل من اختلاطها {مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلأَنْعَامُ} من أنواع البقول والحشائش {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا} أي: شرعت لتربيتها {وَٱزَّيَّنَتْ} أي: تزينت بأنوع التزيينات. {وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ} متمكنون {عَلَيْهَآ} وعلى جمعها وحصادها، وأخذ غلاتها {أَتَاهَآ} بغتة {أَمْرُنَا} بإهلاكها واستئصالها {لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً} قبل صلاحها، بل مقطوعاً من أصلها إلى حيث {كَأَن لَّمْ تَغْنَ} ولم تنبت فيها منها شيء {بِٱلأَمْسِ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ} ونمثل {ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24] ويستعملون عقولهم بإدراك الممثل والممثل بهن وبعد تعلقهم وتفكرهم يتنبهون أن الدنيا وحياتها ما هي إلا سراب غدار غرار، وبرق بلا قرار، من اغتر بغرورها هلك عطشى الأكباد، ومن استنار بنوهرا ضل عن طريق الرشاد. {وَٱللَّهُ} الهادي لعباده {يَدْعُوۤاْ} جميع عباده؛ إذ أصل فطرتهم وجبلتهم على التوحيد ودين الإسلام {إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ} أي: مقر التوحيد الذي من تمكن فيه سلم من جميع الآثام، وسلم أمره إلى العليم العلام، القدوس السلام {وَ} بعد دعوته جميع الأنام {يَهْدِي} ويوفق {مَن يَشَآءُ} من خلَّص عباده {إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [يونس: 25] موصل إلى توحيده، وهو دين الإسلام المنزل على خير الأنام تتميماً لحكة التكاليف المنزلة من عنده، وتمييزاً بين أهل الضلال والهداية من عباده، وأصحاب الجنة والنار بطبقاتهم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن حال الدنيا وحال أهلها بقوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} [يونس: 24] قوله: {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} مثل ضربه الله تعالى للحياة الدنيوية الفانية بماء هو الفيض الروحاني أنزل من سماء القلب إلى الأرض البشرية، {فَٱخْتَلَطَ بِهِ} [يونس: 24] بذلك الفيض، {نَبَاتُ ٱلأَرْضِ} [يونس: 24] أي: الصفات المتولدة من أرض البشرية، {مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ} [يونس: 24] أي: مما ينفع الناس من الأخلاق الحميدة الإنسانية، {وَٱلأَنْعَامُ} [يونس: 24] أي: الصفات الذميمة البهيمية والسبعية التي يصير البشر بها كلأنعام بل هم أضل، {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ} [يونس: 24] أرض النفس. {زُخْرُفَهَا} [يونس: 24] أي: زينتها من تلك الأخلاق والوقائع والكشوف الروحانية والشواهد القلبية، {وَٱزَّيَّنَتْ} [يونس: 24] أي: تزينت النفس بها، {وَظَنَّ أَهْلُهَآ} [يونس: 24] أي: أصحاب النفس، {أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ} [يونس: 24] أي: مالكون لها؛ يعني: يحسبون ويغيرون إن تلك الأحوال والوقائع صارت لهم مقاماً، {أَتَاهَآ أَمْرُنَا} [يونس: 24] حكمنا الأزلية، {لَيْلاً} [يونس: 24] اي: عند استيلاء ظلمات النفس وغلباتها. {أَوْ نَهَاراً} [يونس: 24] يعني: أو عند بقاء ضوء الفيض الروحاني، ولكنه بامتزاج القوة الخيالية والوهمية به وقع في ورطة اعتقاد سبق كالفلاسفة والطبائعية والحلولية والإباحية. {فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً} [يونس: 24] أي: جعلنا تلك الكشوف والأحوال الدالة على القبول مقلوعة مستأصلة، {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ} [يونس: 24] أي: كأن لم تكن النفس بها زينة فيما مضى، {كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} [يونس: 24] أي: كما شرحنا في هذا المثال الأحوال الدنيا، وظهور زخارفها، وغرور أهلها بها، وفساد حالها في عاقبة أمرها، كذلك نبين دلالة الطريق إلى الله، ونشرح إشارات الفترات والآفات في طريق السائرين إلى الله، {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24] في غزة هذا الشأن وعظم ثناؤه وصعوبة قطع مفاوزه وشدة اقتحام عقباته بلا دليل مرشد وهادٍ مطيب، ثم يتمسكون بأذيال المشايخ الكبار، أو يتثبتون بهمهم العليا؛ لينجوا بهم عن هذه المهالك ويسلكوا هذه المسالك. ثم أخبر عن المفكر السالك والمتكبر الهالك بقوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ} [يونس: 25] إلى قوله: {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 27] {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ} يدعو أزلاً وأبداً عباده إلى دار السلام وهي العدم صورة وظاهراً، وعلم الله وصفته؛ يعني: وحقيقته. وإنما سمي العدم والعلم دار السلام؛ لأن العدم كان داراً قد سلم المعدوم فيها من آفة الحجب الروحانية والجسمانية والعلم دار قد سلم المعلوم فيها من آفة الإثنينية والشركة في الوجود وهي دار الوحدانية؛ وأيضاً لأن السلام هو الله تعالى، والعلم صفته القائمة بذاته فالله تعالى بفضله وكرمه يدعو عباده أزلاً من العدم إلى الوجود ومن العلم وهو الصفة إلى الفعل وهو الخلق ويدعهم أبداً من الوجود إلى العدم، ومن الفعل إلى العلم فدعاهم من العلم إلى الوجود بالنفخة، وهي قوله تعالى: {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}تفسير : [الحجر: 29]. ودعاهم من الوجود إلى العدم، والعلم بالجذبة وهي قوله تعالى: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : [الفجر: 28] ولما دعا النبي صلى الله عليه وسلم بالجذبة إلى علم الأزلي الأبدي، قال: قد علمت ما كان وسيكون؛ وذلك لأنه صار عالماً بعلم الله لا بعلم نفسه وهو قوله تعالى: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ}تفسير : [النساء: 113] وإنما علمه ذلك العلم حين قال له: {أية : فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ}تفسير : [محمد: 19] أي: فاعلم بعلم الله الذي دعيت بالجذبة إليه لا إله في الوجود إلا الله، فإن العلم الإلهي محيط بالوجود كله كما قال: {أية : قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً}تفسير : [الطلاق: 12] فأنت بعلمه محيط بالوجود كله، فتعلم حقيقة أن ليس في الوجود إله غير الله. ثم قال تعالى: {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [يونس: 25] فلمَّا جعل الله دعوة الخلق من العلم إلى العمل، ومن الوجود إلى العدم، والعلم عامة جعل الهداية بالمشيئة إلى الأزل، والعلم وهو الصراط المستقيم خاصة يعني: هو يهديهم بالجذبة الكاملة إلى علم القديم بمشيئة الأزلية خاصة، وهذا مقام السير في الله بالله. {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] أي: للذين عاملوا الله على مشاهدة، فإن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه {ٱلْحُسْنَىٰ} وهي شواهد الحق والنظر إليه وزيادة {وَزِيَادَةٌ} هي ما زاد على النظر بالوصول إلى العلم الأزلي مجذوباً من أنانيته إلى هويته وإفناء الناسوتية في اللاهوتية، {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ} [يونس: 26] لا يصيبهم غبار الحجاب. {وَلاَ ذِلَّةٌ} [يونس: 26] أ ي: ولا ذلة وجود يقتضي الاثنينية، {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} [يونس: 26] جنة السير في الله، {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 26] دائمون في السير بجذبات العناية، {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} [يونس: 27] أي: اكتسبوا بأعمالهم السوء في طلب الدنيا وشهواتها ولذاتها، وارتكاب ما حرم الله عليهم ونهاهم عنه، وترك ما أمرهم الله به من الفرائض والانقطاع في طريق الله، والقعود عن الصراط المستقيم الذي هو إلى علم الله. {جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} [يونس: 27] أي: جزاؤهم الخذلان والإهمال في تلك الورطة؛ ليهلكوا عن بينة اكتسابهم بالتوحيد إلى الدنيا، وإعراضهم عن المولى، {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} [يونس: 27] البعد والحجاب والطرد عن الباب، {مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} [يونس: 27] أي: جذاب يمنعهم عن الخوف في الدركات، {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ مُظْلِماً} [يونس: 27] إذ توجهوا إلى السفليات، وفي ظلمانيات صفات الحيوانية والسبعية والشيطانية ظلمات بعضها في بعض، {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 27] معذبون بدوام البعد وذل الحجاب.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا المثل من أحسن الأمثلة، وهو مطابق لحالة الدنيا، فإن لذاتها وشهواتها وجاهها ونحو ذلك يزهو لصاحبه إن زها وقتًا قصيرًا، فإذا استكمل وتم اضمحل، وزال عن صاحبه، أو زال صاحبه عنه، فأصبح صفر اليدين منها، ممتلئ القلب من همها وحزنها وحسرتها. فذلك { كَمَاءٍ أَنزلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ } أي: نبت فيها من كل صنف، وزوج بهيج { مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ } كالحبوب والثمار { وَ } مما تأكل { الأنْعَامُ } كأنواع العشب، والكلأ المختلف الأصناف. { حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ } أي: تزخرفت في منظرها، واكتست في زينتها، فصارت بهجة للناظرين، ونزهة للمتفرجين، وآية للمتبصرين، فصرت ترى لها منظرًا عجيبًا ما بين أخضر، وأصفر، وأبيض وغيره. { وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا } أي: حصل معهم طمع، بأن ذلك سيستمر ويدوم، لوقوف إرادتهم عنده، وانتهاء مطالبهم فيه. فبينما هم في تلك الحالة { أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ } أي: كأنها ما كانت فهذه حالة الدنيا، سواء بسواء. { كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ } أي: نبينها ونوضحها، بتقريب المعاني إلى الأذهان، وضرب الأمثال { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } أي: يعملون أفكارهم فيما ينفعهم. وأما الغافل المعرض، فهذا لا تنفعه الآيات، ولا يزيل عنه الشك البيان. ولما ذكر الله حال الدنيا، وحاصل نعيمها، شوق إلى الدار الباقية فقال: { وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 1151- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَٱزَّيَّنَتْ}: [الآية: 24]، قال: أنْبَتتْ وحَسَّنَتْ. 1152- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ}: [الآية: 24]، قال: كأن لم تَنْعم بالأمْسِ.