١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلَمّآ أَنجـَٰهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} بالشِّرك {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ } ظلمكم {عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } لأن إثمه عليها، هو {مَّتـَٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } تمتعون فيها قليلاً {ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ } بعد الموت {فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فنجازيكم عليه. وفي قراءة بنصب «متاع» أي: تتمتعون.
ابن عطية
تفسير : {يبغون}: أي يفسدون ويكفرون، والبغي: التعدي والأعمال الفاسدة، ووكد ذلك بقوله: {بغير الحق } ثم ابتدأ بالرجز وذم البغي في أوجز لفظ، وقوله " متاعُ الحياة " رفع، وهذه قراءة الجمهور وذلك على خبر الابتداء، والمبتدأ {بغيكم} ، ويصح أن يرتفع {متاع } على خبر ابتداء مضمر تقديره ذلك متاع أو هو متاع، وخبر " البغي " قوله {على أنفسكم}، وقرأ حفص عن عاصم وهارون عن أبن كثير وابن أبي إسحاق: " متاعَ " بالنصب وهو مصدر في موضع الحال من " البغي" وخبر البغي على هذا محذوف تقديره: مذموم أو مكروه ونحو هذا، ولا يجوز أن يكون الخبر قوله {على أنفسكم } لأنه كان يحول بين المصدر وما عمل فيه بأجنبي، ويصح أن ينتصب {متاع } بفعل مضمر تقديره: تمتعون متاع الحياة الدنيا، وقرأ ابن أبي إسحاق "متاعاً الحياةَ الدنيا" بالنصب فيهما، ومعنى الآية إنما بغيكم وإفسادكم مضر لكم وهو في حالة الدنيا ثم تلقون عقابه في الآخرة، قال سفيان بن عيينة: {إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا } أي تعجل لكم عقوبته في الحياة الدنيا، وعلى هذا قالوا: البغي يصرع أهله. قال القاضي أبو محمد: وقالوا: الباغي مصروع، قال الله تعالى: {أية : ثم بغي عليه لينصرنه الله} تفسير : [ الحج: 60] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من ذنب أسرع عقوبة من بغي" تفسير : وقرأت فرقة " فننبئكم " على ضمير المعظم المتكلم وقرأت فرقة: " فينبئكم "، على ضمير الغائب، والمراد الله عز وجل.
النسفي
تفسير : {فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُم يَبْغُونَ فِى ٱلأَرْضِ } يفسدون فيها {بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } باطلاً أي مبطلين {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} أي ظلمكم يرجع إليكم كقوله {أية : مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا} تفسير : [فصلت: 46] {مَّتَاعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } حفص أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا {وعلى أنفسكم} خبر لـ {بغيكم}. غيره بالرفع على أنه خبر{ بغيكم} و{على أنفسكم} صلته كقوله {أية : فبغى عليهم}تفسير : )القصص:76) ومعناه إنما بغيكم على أمثالكم، أو هو خبر و{متاع} خبر بعد خبر أو{ متاع} خبر مبتدأ مضمر أي هو متاع الحياة الدنيا، وفي الحديث «حديث : أسرع الخير ثواباً صلة الرحم، وأعجل الشر عقاباً البغي واليمين الفاجرة»تفسير : ورُوي «حديث : ثنتان يعجلهما الله في الدنيا البغي وعقوق الوالدين»تفسير : وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لو بغى جبل على جبل لدك الباغي وعن محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه كن عليه: البغي والنكث والمكر. قال الله تعالى: {أية : إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيّىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ وَمِنْ نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } تفسير : [الفتح:10] {ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فنخبركم به ونجازيكم عليه {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاء } من السحاب {فَٱخْتَلَطَ بِهِ } بالماء {نَبَاتُ ٱلأَرْضِ } أي فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضاً {مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ } يعني الحبوبِ والثمار والبقول {وَٱلأَنْعَـٰمُ } يعني الحشيش {حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا } زينتها بالنبات واختلاف ألوانه {وَٱزَّيَّنَتْ }وتزينت به وهو أصله وأدغمت التاء في الزاي وهو كلام فصيح، جعلت الأرض آخذة زخرفها على التمثيل بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون فاكتستها وتزينت بغيرها من ألوان الزين {وَظَنَّ أَهْلُهَا } أهل الأرض {أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا } متمكنون من منفعتها محصلون لثمرتها رافعون لغلتها {أَتَاهَا أَمْرُنَا } عذابنا وهو ضرب زرعها ببعض العاهات بعد أمنهم واستيقانهم أنه قد سلم {لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا } فجعلناها زرعاً {حَصِيداً } شبيهاً بما يحصد من الزرع في قطعه واستئصاله {كَأَن لَّمْ تَغْنَ } كأن لم يغن زرعها أي لم يلبث، حذف المضاف في هذه المواضع لا بد منه ليستقيم المعنى {بِٱلأَمْسِ } هو مقل في الوقت القريب كأنه قيل {كأن لم تغن} آنفاً {كَذٰلِكَ نُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فينتفعون بضرب الأمثال، وهذا من التشبيه المركب شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بعد الإقبال، بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاماً بعدما التف وتكاثف وزين الأرض بخضرته ورفيفه. وحكمة التشبيه، التنبيه على أن الحياة صفوها شبيبتها وكدرها شيبتها كما أن صفو الماء في أعلى الإناء قال شعر : ألم تر أن العمر كأس سلافة فأوله صفو وآخره كدْر تفسير : وحقيقته تزيين جثة الطين بمصالح الدنيا والدين كاختلاط النبات على اختلاف التلوين، فالطينة الطيبة تنبت بساتين الأنس، ورياحين الروح، وزهرة الزهد، وكروم الكرم، وحبوب الحب، وحدائق الحقيقة، وشقائق الطريقة، والخبيثة تخرج خلاف الخلف، وثمام الاسم، وشوك الشرك، وشيح الشح، وحطب العطب، ولعاع اللعب، ثم يدعوه معاده كما يحين للحرث حصاده فتزايله الحياة مغتراً كما يهيج النبات مصفراً فتغيب جثة في الرمس كأن لم تغن بالأمس إلى أن يعود ربيع البعث وموعد العرض والبحث، وكذلك حال الدنيا كالماء ينفع قليله ويهلك كثيره، ولا بد من ترك ما زاد كما لا بد من أخذ الزاد، وآخذ المال لايخلو من زلة، كما أن خائض الماء لا ينجو من بلة، وجمعه وإمساكه تلف صاحبه، وإهلاكه فما دون النصاب كضحضاح ماء يجاوز بلا احتماء، والنصاب كنهر حائل بين المجتاز. والجواز إلى المفاز لا يمكن إلا بقنطرة وهي الزكاة، وعمارتها بذل الصلات، فمتى اختلت القنطرة غرّقته أمواج القناطير المقنطرة، وعن هذا قال عليه السلام: «حديث : الزكاة قنطرة الإسلام»تفسير : وكذا المال يساعد الأوغاد دون الأمجاد كما أن الماء يجتمع في الوهاد دون النجاد، وكذلك الماء لا يجتمع إلا بكد البخيل كما أن الماء لا يجتمع إلا بسد المسيل، ثم يفنى ويتلف ولا يبقى كالماء في الكف.
ابو السعود
تفسير : {فَلَمَّا أَنجَاهُمْ} مما غشِيَهم من الكُربة والفاءُ للدِلالة على سرعة الإجابة {إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلأَرْضِ} أي فاجئوا الفسادَ فيها وسارعوا إليه متراقين في ذلك متجاوزين عما كانوا عليه من حدود العيثِ، من قولهم: بغىٰ الجرحُ إذا ترامى في الفساد، وزيادةُ في الأرض للدِلالة على التجدد والاستمرارِ وقوله تعالى: {بِغَيْرِ ٱلْحَقّ} تأكيدٌ لما يفيده البغيُ أو معناه أنه بغير الحقِّ عندهم أيضاً بأن يكون ذلك ظلماً ظاهراً لا يخفى قبحُه على أحد كما في قوله تعالى: {أية : وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } تفسير : [البقرة: 61] وأما ما قيل من أنه للاحتراز عن البغي بحق كتخريب الغزاةِ ديارَ الكفرة وقطعِ أشجارِهم وإحراق زرعِهم فلا يساعده النظمُ الكريم لابتنائه على كون البغي بمعنى إفسادِ صورةِ الشيء وإبطالِ منفعتِه دون ما ذكر من المعنى اللائق بحال المفسدين. {يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ} توجيهٌ للخطاب إلى أولئك الباغين للتشديد في التهديد والمبالغةِ في الوعيد {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ} الذي تتعاطَوْنه وهو مبتدأ وقوله تعالى: {عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} خبرُه أي عليكم في الحقيقة لا على الذين تبغون عليهم وإن ظُنَّ كذلك وقوله تعالى: {مَّتَاعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} بـيانٌ لكون ما فيه من المنفعة العاجلةِ شيئاً غيرَ معتدَ به سريعَ الزوال دائمَ الوبال، وهو نصبٌ على أنه مصدرٌ مؤكدٌ لفعل مقدر بطريق الاستئنافِ أي تتمتعون متاعَ الحياةِ الدنيا وقيل: على أنه مصدرٌ وقع موقِعَ الحال أي متمتعين بالحياة الدنيا والعاملُ هو الاستقرارُ الذي في الخبر لا نفسُ البغي لأنه يؤدي إلى الفصل بـين المصدرِ ومعمولِه بالخبر ولا يخبر عن الموصولِ إلا بعد تمامِ صلتِه وأنت خبـيرٌ بأنه ليس في تقيـيد كونِ بغيهم على أنفسهم بحال تمتعِهم بالحياة الدنيا معنىً يعتدّ به، وقيل: على أنه ظرفُ زمانٍ نحو مقدمَ الحاجِّ أي زمنَ متاعِ الحياةِ الدنيا وفيه ما مر بعينه، وقيل: على أنه مفعولٌ لفعل دل عليه المصدرُ أي تبغون متاعَ الحياة الدنيا ولا يخفى أنه لا يدل على البغي بمعنى الطلَب وجعلُ المصدر أيضاً بمعناه مما يُخلُّ بجزالة النظمِ الكريم لأن الاستئنافَ لبـيان سوءِ عاقبةِ ما حُكيَ عنهم من البغي المفسّر بالإفساد المفْرطِ اللائقِ بحالهم فأيُّ مناسبةٍ بـينه وبـين البغي بمعنى الطلب؟ وجعلُ الأول أيضاً بمعناه مما يجب تنزيهُ ساحةِ التنزيلِ عنه وقيل: على أنه مفعولٌ له أي لأجل متاعِ الحياة الدنيا والعاملُ ما ذكر من الاستقرار، وفيه أن المعلّلَ بما ذُكر نفسُ البغي لا كونُه على أنفسهم، وقيل: العاملُ فيه فعلٌ مدلولٌ عليه بالمصدر أي تبغون لأجل متاعِ الحياةِ الدنيا على أن الجملةَ مستأنفةٌ، وقيل: على أنه مفعولٌ صريحٌ للمصدر وعلى أنفسكم ظرفٌ لغوٌ متعلقٌ به، والمرادُ بالأنفس الجنسُ والخبرُ محذوفٌ لطول الكلامِ والتقديرُ إنما بغيُكم على أبناء جنسِكم متاعَ الحياة الدنيا محذورٌ أو ظاهرُ الفساد أو نحوُ ذلك، وفيه ما مر من ابتنائه على ما يليق بالمقام من كون البغي بمعنى الطلب. نعم لو جُعل نصبُه على العلة أي إنما بغيُكم على أبناء جنسِكم لأجل متاعِ الحياةِ الدنيا محذورٌ كما اختاره بعضُهم لكان له وجهٌ في الجملة لكن الحقَّ الذي تقتضيه جزالةُ التنزيلِ إنما هو الأولُ وقرىء متاعُ بالرفع على أنه الخبرُ والظرفُ صلةٌ للمصدر أو خبرٌ ثانٍ لمبتدإٍ محذوفٍ أي هو متاعُ الخ، كما في قوله تعالى: {أية : إِلاَّ سَاعَةً مّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ }تفسير : [الأحقاف: 35] أي هذا بلاغٌ فالمرادُ بأنفسهم على الوجه الأول أبناءُ جنسِهم وإنما عبّر عنهم بذلك هزاً لشفقتهم عليهم وحثاً لهم على ترك إيثارِ التمتعِ المذكورِ على حقوقهم ولا مجال للحمل على الحقيقة لأن كونَ بغيهم وَبالاً عليهم ليس بثابت عندهم حسبما يقتضيه ما حُكي عنهم ولم يُخبَر به بعدُ حتى يُجعلَ من تتمة الكلام ويجعل كوُنه متاعاً مقصودَ الإفادِة، على أن عنوانَ كونِه وبالاً عليهم قادحٌ في كونه متاعاً فضلاً عن كونه من مبادي ثبوتِه للمبتدأ كما هو المتبادرُ من السَّوْق. وأما كونُ البغي على أبناء الجنسِ فمعلومُ الثبوتِ عندهم ومتضمنٌ لمبادىء التمتعِ من أخذ المالِ والاستيلاءِ على الناس وغيرِ ذلك، وأما على الوجهين الأخيرين فلا موجبَ للعدول عن الحقيقة فإن المبتدأَ إما نفسُ البغي أو الضميرُ العائدُ إليه من حيث هو هو لا من حيث كونُه وبالاً عليهم كما في صورة كونِ الظرفِ صلةً للمصدر فتدبر. وقرىء متاعاً الحياةَ الدنيا، أما نصبُ متاعاً فعلى ما مر وأما نصبُ الحياةَ فعلى أنه بدلٌ من متاعاً بدلَ اشتمالٍ، وقيل: على أنه مفعولٌ به لمتاعاً إذا لم يكن انتصابُه على المصدرية لأن المصدرَ المؤكدَ لا يعمل. عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا تمكُرْ ولا تُعِن ماكراً ولا تبغِ ولا تُعن باغياً ولا تنكُث ولا تُعِن ناكثاً»تفسير : وكان يتلوها وقال محمد بن كعب: ثلاثٌ من كنّ فيه كنّ عليه: البغيَ والنكثَ والمكر قال تعالى: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} {أية : وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ }تفسير : [الأنعام: 123] {أية : فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } تفسير : [الفتح: 10] وعنه عليه الصلاة والسلام: «حديث : وأسرعُ الخير ثواباً صلةُ الرحم وأعجلُ الشر عقاباً البغيُ واليمينُ الفاجرة»تفسير : وروي (ثنتان يعجّلهما الله تعالى في الدنيا البغيُ وعقوقُ الوالدين) وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما (لو بغىٰ جبلٌ على جبل لدُكّ الباغي) {ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ} عطفٌ على ما مر من الجملة المستأنفةِ المقدرةِ كأنه قيل: تتمتعون متاعَ الحياة الدنيا ثم ترجِعون إلينا وإنما غُيّر السبكُ إلى الجملة الاسمية مع تقديم الجارِّ والمجرور للدِلالة على الثبات والقصرِ {فَنُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} في الدنيا على الاستمرار من البغي وهو وعيدٌ بالجزاء والعذابِ كقول الرجل لمن يتوعّده: سأخبرك بما فعلت، وفيه نكتةٌ خفيةٌ مبنيةٌ على حِكمة أبـيةٍ وهي أن كلَّ ما يظهر في هذه النشأةِ من الأعيان والأعراضِ فإنما يظهر بصورة مغايرةٍ لصورته الحقيقيةِ التي بها يظهر في النشأة الآخرة فإن المعاصيَ مثلاً سمومٌ قاتلةٌ قد برزت في الدنيا بصورة تستحسنها نفوسُ العصاةِ وكذا الطاعاتُ مع كونها أحسنَ الأحاسن قد ظهرت عندهم بصور مكروهةٍ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : حُفت الجنةُ بالمكاره وحفّت النارُ بالشهوات» تفسير : فالبغي في هذه النشأة وإن برز بصورة تشتهيها البغاةُ وتستحسنها الغواةُ لتمتعهم به من حيث أخذُ المالِ والتشفّي من الأعداء ونحوُ ذلك لكن ذلك ليس بتمتع في الحقيقة بل هو تضرّر من حيث لا يحتسبون وإنما يظهرُ لهم ذلك عند إبرازِ ما كانوا يعملونه من البغي بصورته الحقيقيةِ المضادّةِ لِما كانوا يشاهدونه على ذلك من الصورة وهو المرادُ بالتنبئة المذكورةِ والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} [الآية: 23]. قال الواسطى رحمة الله عليه: البغى يحدث من ملاحظات النفس ورؤية ما خدع به، كما قيل لذى النون رحمة الله عليه ما أخفى ما يخدع به العبد؟ قال: الألطاف والكرامات ورؤية الآيات.
القشيري
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} معناه: تُمَتِّعكم أياماً قلائلَ، ثم تَلْقَوْن غِبَّ ذلك وتبدأون تقاسون عذاباً طويلاً.
اسماعيل حقي
تفسير : {فلما انجيناهم} مما غشيهم من الكربة اجابة لدعائهم والفاء للدلالة على سرعة الاجابة {اذا هم يبغون فى الارض} اى فاجأوا الفساد فيها وسارعوا الى ما كانوا عليه من التكذيب والشرك والجراءة على الله تعالى وزيادة فى الارض للدلالة على شمول بغيهم لاقطارها {بغير الحق} اى حال كونهم ملتبسين بغير الحق قال الكاشفى [تأكيدست يعنى فساد ايشان بغير حق است هم باعتقاد ايشان جه ميدانندكه دران عمل مبطلند] فيكون كما فى قوله تعالى {أية : ويقتلون النبيين بغير الحق} تفسير : وقد سبق فى سورة البقرة {يا ايها الناس} الباغون {انما بغيكم} الذى تتعاطونه وهو مبتدأ خبره قوله تعالى {على انفسكم} او وباله راجع عليكم وجزاؤه لاحق بكم لا على الذين تبغون عليهم وان ظن كذلك {متاع الحيوة الدنيا} نصب على انه مصدر مؤكد لفعل مقدر بطريق الاستئناف اى تتمتعون متاع الحياة الدنيا اياما قلائل فتفنى الحياة وما يتبعها من اللذات وتبقى العقوبات على اصحاب السيئات هركه اوبد ميكند بى شبهة باخود ميكند {ثم الينا مرجعكم} فى يوم القيامة لا الى غيرنا {فننبئكم بما كنتم تعملون} فى الدنيا على الاستمرار من البغى وهو وعيد بالجزاء كقول الرجل لمن يتوعده سأخبرك بما فعلت عبر عن اظهاره بالتنبئة لما بينهما من الملابسة فى انهما سببان للعلم. وفى الآية الكريمة اشارات. منها ان الفلك نعمة من الله تعالى اذ قد يحتاج الناس الى عبور البحر به ولذا امتن الله عليهم بالتسيير فى البحر. قال فى انوار المشارق يجوز ركوب البحر للرجال والنساء كذا قاله الجمهور وكره ركوبه للنساء لان الستر فيه لا يمكنهن غالبا ولا غض البصر من المتصرفين فيه ولا يؤمن انكشاف عوراتهن فى تصرفتهن لا سيما فيما صغر من السفن مع ضرورتهن الى قضاء الحاجة بحضرة الرجال انتهى. وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما يرفعه الى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : لا تركب البحر الا حاجا او معتمرا او غازيا فى سبيل الله فان تحت البحر نارا و تحت النار بحرا" تفسير : قوله فان تحت البحر نارا اشارة الى ان راكبه متعرض للآفات المهلكة كالنار. وقوله وتحت النار بحرا اراد به تهويل امر البحر وخوف الهلاك منه كما يخاف من ملامسة النار وان اختيار ذلك لغرض من الاغراض الفانية سفه وجها لان فيه تلف النفس وبذل النفس لا يجمل الا فيما يقرب العبد الى الله وهذا الحديث يدل على وجوب ركوب البحر للحج والجهاد اذا لم يجد طريقا آخر ومن ركب البحر واصابه نصب ومشقة كدوران الرأس وغثيان المعدة وغير ذلك فله اجر شهيد ان كان يمشى الى طاعة الله كالغزو والحج وطلب العلم وزيادة الاقارب واما التجار فان لم يكن طريق سوى البحر وكانوا يتجرون للقوت لا لجمع المال فهم داخلون فى هذا الاجر. والغريق له اجر شهيدين. احدهما لقصد ما فيه طاعة. وثانيهما للاغراق وفى الحديث "حديث : حجة لمن لم يحج خير من عشر غزوات وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج وغزوة فى البحر خير من عشر غزوات فى البر ومن فاته الغزو معى فليغز فى البحر" تفسير : يقول الفقير واما الصوم فعلى عكس ذلك والله اعلم لان الصوم فى البحر سهل حيث لا يشتهى الطبع الطعام لاجل الدوران والغثيان بخلافه فى البر وقوة الاجر بكثرة التعب وكذا الغزو فى البر سهل بالنسبة الى البحر لسعة الارض وامكان التحفظ من العدو وقوة المزاج ولم يكن ذلك فى البحر. قيل لبحار ما اعجب ما رأيت من عجائب البحر قال سلامتى منه ونعم ما قيل شعر : بدريارد منافع بى شمارست اكرخواهى سلامت در كنار ست تفسير : قال السعدى قدس سره شعر : سود دريانيك بودى كرنبودى بيم موج صحبت كل خوش بدى كرنيستى تشويش خار تفسير : -لطيفة- ركب نحوى سفينة فقال للملاح اتعرف النحو قال لا قال ذهب نصف عمرك فهاجت الريح واضطربت السفينة فقال الملاح اتعرف السباحة قال لا قال ذهب كل عمرك وفى المثنوى شعر : محو مى بايد نه نحو اينجابدان كرتو محوى بى خطر درآب ران آب دريا مرده را برسر نهد وربود زنده زدريا كى رهد جون بمردى توز اوصاف بشر بحر اسرارات نهد بر فرق سر اى كه خلقان راتوخر مى خواندة اين زمان جون خربرين يخ ماندة تفسير : ومنها ان البغى والفساد والتعصب والعناد وكفران نعمة رب العباد انما هو من نسيان العهد مع الله ذى الامداد ونتيجة النسيان والاصرار على الآثام المؤاخذة والانتقام وفى الحديث "حديث : ثنتان يعجلهما الله فى الدنيا البغى وعقوق الوالدين" تفسير : وفى الحديث "حديث : لا تمكر ولا تعن ماكرا ولا تبغ ولا تعن باغيا ولا تنكث ولا تعن ناكثا" تفسير : فالبغاة من القضاة والولاة لا يجوز اعانتهم فى امر من الامور فى اجراءالاحكام الشرعية فقد ورد "حديث : من اعان ظالما سلط الله عليه" تفسير : وفى الحديث "حديث : ما من عبد ولاه الله امر رعيته فغشهم ولم ينصح لهم ولم يشفق عليهم الا حرم الله عليه الجنة" تفسير : قال السعدى قدس سره شعر : رعيت جوبينجند سلطان درخت درخت اى بسرباشد ازبيح سخت مكن تاتوانى دل خلق ريش وكر ميكنى ميكنى بيخ خويش كرانصاف برسى بداختر كسست كه در راحتش رنج ديكر كسست ثماند ستمكار بد روز كار بماند بر ولعنت بإيدار تفسير : ومنها ان لكل عمل صورة حقيقية بها يظهر فى النشأة الآخرة فان كان خيرا فعلى صورة حسنة وان كان شرا فعلى صورة قبيحة وهذه الصورة المختلفة برزت فى هذه النشأة على خلاف ما هى عليه فى الآخرة ولذا استحسن العصاة المعاصى واستحلوها وان كانت سموما قاتلة واستكرهوا الطاعات ووجدوها مرة المذاق وان كانت معاجين نافعة فالبغى برز فى هذه الدار بصورة مشتهاة عند البغاة لتمتعهم به من حيث اخذ المال والتشفى من الاعداء ونحو ذلك وسينبئهم الله باعمالهم اى يظهرها لهم على صورها الحقيقية فيرون ان الامر على خلاف ما ظنوا
الطوسي
تفسير : قرأ حفص {متاع الحياة} بنصب العين. الباقون بالرفع. من رفع يحتمل أمرين: احدهما - ان يكون رفعاً بأنه خبر المبتدأ والمبتدأ قوله {بغيكم} الثاني - ان يكون بغيكم مبتدأ، وقوله {على أنفسكم} خبره. ورفع متاع على تقدير ذلك متاع الحياة الدنيا. ومن نصب فعلى المصدر. قال أبو علي الفارسي {على أنفسكم} يحتمل أن يكون متعلقاً بالمصدر، لأن فعله متعد بهذا الحرف كما قال {أية : بغى بعضنا على بعض}تفسير : وقال {أية : ثم بغي عليه لينصرنه الله }تفسير : فاذا جعلت الجار من صلة المصدر كان الخبر متاع الحياة الدنيا والمعنى بغي بعضكم على بعض متاعاً في الحياة الدنيا. ويجوز ان تجعله متعلقاً بمحذوف، ولا تجعله من صلة المصدر، وفيه ذكر يعود إلى المصدر. والتقدير انما بغي بعضكم على بعض عائد على أنفسكم، فعلى هذا يتعلق بالمحذوف دون المصدر المبتدأ وهو في المعنى كقوله {أية : ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله }تفسير : وقوله {أية : فمن نكث فإنما ينكث على نفسه } تفسير : فاذا رفعت متاع الحياة على هذا كان خبر مبتدأ محذوف كأنك قلت: ذاك متاع الحياة الدنيا أو هو متاع. ومن نصب احتمل وجهين: احدهما - ان يجعل من صلة المصدر، فيكون الناصب للمتاع هو المصدر الذي هو البغي، ويكون خبر المبتدأ محذوفاً، وحسن ذلك لطول الكلام، لأن بغيكم يدل على تبغون. والآخر - ان يجعل على أنفسكم خبر المبتدأ، ويكون نصب متاع على أحد وجهين: احدهما - يمتعون متاع الحياة فيدل انتصاب المصدر عليه والآخر - ان يضمر تبغون كأنه قال تبغون متاعاً، فيكون مفعولا له. ولا يجوز أن يتعلق بالمصدر إذا جعلت {على} خبراً، لقوله إنما بغيكم على انفسكم، لفصلك بين الصلة والموصول. اخبر الله تعالى في هذه الاية عن هؤلاء الكفار الذين اذا رأوا الأهوال والشدائد في الفلك في البحر فزعوا إلى الله ودعوه مخلصين له الدين، وقالوا متى انجيتنا من هذه {لنكونن من الشاكرين} أنه اذا انجاهم وخلصهم من تلك الشدائد عادوا إلى البغي وهو الاستعلاء بالظلم. واصل البغي الطلب. تقول بغاه يبغيه اذا طلبه. والبغية الطلبة، والنجاة التخلص من الهلاك. والتخليص من الاختلاط لا يسمى نجاة. ومعنى "لما" ايجاب وقوع الثاني بالأول كقولك: لما قام قمت، ولما جاء زيد قام عمرو. والحق وضع الشيء في موضعه على ما يدعوا العقل اليه، والحق والحسن معناهما واحد. وقوله {يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم} خطاب من الله تعالى للخلق بأن بغيكم على انفسكم من حيث ان عقابه يلحقكم دون غيركم {متاع الحياة الدنيا} معناه إنكم تطلبون بالبغي بغير الحق التمتع في الحياة الدنيا. ثم بعد ذلك ترجعون إلى الله بعد موتكم فيجازيكم بأعمالهم بعد أن يعلمكم ما عملتموه وما استحققتم به من انواع العقاب. وقال مقاتل: معنى {يبغون في الأرض بغير الحق} يعبدون غير الله. وقال غيره: معناه كلما أنعمنا عليهم بغوا للدين وأهله الغوائل.
الجنابذي
تفسير : {فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ} يعنى خرجوا من الشّكر ونكثوا حلفهم ونقضوا عهدهم لعود الخيال وحيله واغشيته اليهم بغى عليه عدا وظلم، وبغى وعدل عن الحقّ واستطال وكذب، وبغى فى مشيه اختال واسرع، وبغاه طلبه والكلّ مناسب ههنا {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} تقييد للبغى باىّ معنىً كان قد يكون بالحقّ مثل ما يرى من اهل الحقّ من التّجاوز عن الحدّ وصورة الظّلم والعدول عن الحقّ تقيّةً والاستطالة والكذب فى موقعه والاختيال فى محلّه وطلب الدّنيا بامر الرّبّ {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} بعد ما ذمّهم بالنّكث والبغى توجّه اليهم بالنّداء وذكر انّ وبال بغيهم راجع عليهم ليكون اردع {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} لا يتعدّاها فى الحقيقة الى غيركم فانّ الانسان ما لم يفسد قوى نفسه بصدّها عن مطاوعة العقل لا يفسد غيره، وافساده غيره وان كان افساداً له ظاهراً لكنّه اصلاح له حقيقة، فيبقى البغى افساداً لنفس الباغى فقط وعلى هذا فعلى انفسكم خبر عن بغيكم ويحتمل وجوهاً من الاعراب وهى كون بغيكم بمعنى او بتضمين معنى يقتضى التّعلّق بعلى وكون الجارّ متعلّقاً به {مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} بالرّفع خبراً عنه او على انفسكم خبراً ومتاع الحياة الدّنيا بعد خبر، او خبر مبتدءٍ محذوفٍ حالاً من المستتر فى الظّرف او مستأنفاً، وعلى قراءة نصب متاع الحياة الّدنيا فالخبر هو الظّرف ومتاع الحياة الدّنيا نائب عن مصدر بغيكم، او مصدر لفعلٍ محذوفٍ حالاً او مستأنفاً، او منصوب على الّذم اى اذمّ متاع الحياة الدّنيا، وعلى قراءة نصب المتاع يحتمل كونه مفعولاً لبغيكم ايضاً، ويحتمل وجوهاً اخر بعيدة مثل كون الظّرف لغواً ومتاع الحياة الّدنيا بالرّفع او بالنّصب بوجوه كونه غير خبر والخبر محذوفاً مثل محذور او ثقل ووبال {ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} جواب سؤالٍ ناشٍ عن ذمّ متاع الحياة الدّنيا {كَمَآءٍ} كمثل ماهٍ {أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ} اختلاط النّباتات كثرتها وتداخل انواعها المختلفة بعضها خلال بعضٍ {مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا} الوان نباتها فانّ زخرف الارض الوان نباتها {وَٱزَّيَّنَتْ} تزيّنت باصناف النّبات وازهارها واخضرارها واختلاف الوان رياحينها واشكالها واختلاطها بحيث يعجب النّاظر اليها {وَظَنَّ أَهْلُهَآ} اهل الارض او اهل الزّخرف فانّه باعتبار معناه الّذى هو الوان النّبات اذا اضيف الى الارض يجوز ارجاع ضمير المؤنّث اليه {أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ} على الارض بانباتها وانماء نباتها وابقائه الى ان انتفعوا به او على الزّخرف بانباتها وانمائها وابقائها ذلك لكمال غفلتهم واغترارهم بتدبيرهم {أَتَاهَآ} اتى الارض او الزّخرف {أَمْرُنَا} باهلاكها واستيصالها بالعاهات والآفات {لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا} اى الزّخرف {حَصِيداً} محصودة والفعيل بمعنى المفعول يستوى فيه المذكّر والمؤنّث وهو فى اللّغة اسم لما حصده الانسان بالحديد لكنّه صار مثلاً فى كلّ ما استوصل بحيث لم يبق منه شيءٌ {كَأَن لَّمْ تَغْنَ} لم تقم او لم تكن {بِٱلأَمْسِ} يعنى قبل ذلك الزّمان فهو ايضاً صار مثلاً فى الزّمان القريب، اعلم، انّ هذه التّمثيل من احسن اقسامه لتطابق جميع اجزاء الممثّل به والممثّل له فى التّشبيه حيث انّ النّفس الانسانيّة النّازلة من سماء الارواح كالماء النّازل من السّماء الدّنيا وبدن الانسان كالارض فى استقرار النّفس والماء وقواه كنبات الارض فى اختلاف انواعها واغترار الانسان بقوّة قواه واشتدادها كاغترار اهل الارض بزخرفها واستيصال قوى الانسان بالاجل كاستيصال اصناف النّبات بالآفة {كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} آيات العالم الكبير والعالم الصّغير {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} يتسعملون قوّتهم المتصرّفة فى معلوماتهم بالضّمّ والتّفريق الّتى تسمّى باعتبار استخدام العاقلة لها مفكّرة وباعتبار استخدام الواهمة متخيّلة، فانّ التّفكّر هو استعمال المفكّرة او المتخيّلة فى التّصرّف فى المعلومات، وامثال هذه الآيات المتراكمة المتداخلة المتوافقة المتخالفة لا يدركها الاّ من كان عالماً متفكّراً.
الهواري
تفسير : {فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ} أي يكفرون في الأرض ويفسدون فيها، ويعبدون غير الله، وذلك بغي في الأرض. ثم قال: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم} يعني بالناس في هذا الموضع المشركين. {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم} يعني أنه يصير عليكم ثوابه، أي النار ثواب البغي والكفر. { مَّتَاعَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا}. يقول: وإنما بغيكم وكفركم في الدنيا، ثم ينقطع فترجعون إلى الله. وهو قوله: { ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. ثم ضرب مثل متاع الحياة الدنيا فقال: {إِنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ}. قال بعضهم: فأخرجت الأرض ألوانها من النبات. وقال بعضهم: فاختلط ذلك الماء بالنبات الذي أنبت الله بذلك الماء. { مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا} أي زينتها، أي من نباتها من صفرة وحمرة وخضرة. { وَازَّيَّنَتْ} يعني الزينة من زهرتها {وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا} أي: أن ذلك الزرع في أيديهم {أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً} أي: قد حصد وذهب أجمع. {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ} أي: كأن لم يكن ذلك الزرع بالأمس قائماً. قال: { كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَاتِ} أي نبيّن الآيات { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. يقول: فالذي أنبث هذه الزرع في الأرض المواتِ حتى صار زرعاً حسناً، فاهتز فأخرج زينته، ثم أهلكه بعد حسنه وبهجته، قادر على أن يحيي الموتى. وهو كقوله: (أية : كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) تفسير : [الكهف: 45] قال: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي: إنما يقبل ذلك ويعقله المتفكرون، وهم المومنون. وهو كقوله: (أية : وَمَا يَعْقِلُهَا إلاَّ العَالِمُونَ) تفسير : [العنكبوت: 43].
اطفيش
تفسير : {فلمَّا أنْجاهُم} منها {إذَا هُم يبْغُون} يجاوزون الحد بالشرك والمعاصى والفساد، وقرن جواب لما فى هذه الآية ونحوها بإذا، مما يقوى مذهب ابن مالك فى إجازة قرنه بالفاء، وحمل ما ورد منه على ظاهره {فى الأرْضِ بغَيْر الحقِّ} تأكيداً للبغى، فإنه فى الشرع لا يكون إلا بغير الحق، ولو كان بحسب اللغة يطلق أيضا على مجاوزة العدل إلى الإحسان، والفرض إلى النقل، وهدم دور الكفرة، وإحراق زروعهم، وقطع شجره كما فعل صلى الله عليه وسلم بقريظة ونحو ذلك، مما هو مجاوزة بحق، وقد يعتبر هذا المعنى اللغوى وهو مطلق المجاوزة لشىء أو إفساده، فيقيد بقوله: {بغير الحق} ليفهموا. {يا أيُّها النَّاسُ إنَّما بغْيكُم عَلى أنفُسِكم} لأن إثمه عليكم، فصح الإخبار لأنه عليكم، أو يقدر مضاف، أى إنما وبال بغيكم على أنفسكم، وذلك مبتدأ وخبر {مَتاعُ الحيَاةِ الدُّنْيا} خبر ثان، أى أنه على أنفسكم، وأنه منفعة لهذه الحياة لا تبقى، والباقى عقابها، أو خبر لمحذوف، أى هو متاع الحياة الدنيا، أو ذلك متاع الحياة الدنيا، ويجوز أن يتعلق {على أنفسكم} ببغيكم، على أن المعنى بغى بعضكم على بعض، وذلك أنهم جنس واحد، فيكون الخبر هو قوله: {متاع} وقرأ حفص بنصب متاع، فيكون الخبر محذوفا، أى مذموم أو ضلال، وعلى يتعلق ببغيكم، أو الخبر {على أنفسكم} أو أنفسكم ومتاع مفعول مطلق نوعى لا مؤكد، كما قيل، إلا إن أريد أنه مؤكد لمعنى الجملة قبله، أى تمتعون أو تتمتعون متاع الحياة الدنيا، حذف عامله أو مفعول به لبغيكم استعمالا له بمعنى الطلب، أو لمحذوف دل عليه البغى، أى تطلبون متاعها، وذلك قراءة حفص عن عاصم، وكذا قرأ هارون عن ابن كثير، وقرأ ابن أبى إسحاق متاعاً الحياة الدنيا بنصبهما وتنوين الأول، فالحياة ظرف زمان. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تمكر ولا تعن ماكراً، ولا تبغ ولا تعن باغياً، ولا تنكث ولا تعن ناكثاً" تفسير : وتلا الآية. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أسرع الخير ثوابا صلة الرحم، وأعجل الشر عقابا البغى واليمين الفاجرة" تفسير : وروى "حديث : اثنتان يعجلهما الله فى الدنيا، البغى، وعقوق الوالدين"تفسير : . وعن ابن عباس: لو بغى جبل لدك الباغى، وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين فى أخيه: شعر : يا صاحب البغى إن البغى مصرعه فاربع بخير فعال المرء أعدله فلو بغى جبل يوماً على جبل لا ندك منه أعاليه وأسفله تفسير : ويقال: من سلب نعمة غيره، سلب غيره نعمته، وعن على بن أبى طالب: يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم، وعن محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه كن عليه: البغى والنكث والمكر. {ثمَّ إليْنا مَرْجِعكُم} فى القيامة، أو بالبعث {فنُنبئكُم} وقرأت سرقة بالتحتية، أى فينبئكم الله على طريق الالتفات {بما كُنتُم تَعْملون} فيجازيكم عليه، أو التنبئة كناية عن المجازات والدنيا وأنال منها الإنسان ما أراد من بغى ولذة هى كما قال الله سبحانه.
اطفيش
تفسير : {فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ} إِلى البر كما دعوا إِجابة لدعائِهم {إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} بالإِشراك وسائِر المعاصى بلا بطءٍ فإِن إِذا للمفاجأَة، والبغى بمعنى مجاوزة الحد قد يكون بالحق كقتل المشركين وهدم دورهم وقطع أَشجارهم وإِحراق زروعهم كما فعل صلى الله عليه وسلم بقريظة، وكقتل الخضر الغلام وخرق السفينة، فاحترز عنه بقوله بغير الحق، وهذا كما قال طغى الماءُ، وأَولى من هذا أَن يكون بغير الحق تأْكيداً ليبغون، أَو بغير الحق عندهم ولا سيما عند غيرهم. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} هو على عمومه لا على خصوص أَهل مكة {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} فلا تحوموا حوله، والعاقل لا يسعى فى إِهلاك نفسه فإِن عاقبته عليكم ولو أَوقعتموه على غيركم. شعر : يا صاحب البغى إِن البغى مصرعه فارجع فخير فعال المرءِ أَعدله فلو بغى جبل يوماً على جبل لاندك منه أَعاليه وأَسفله تفسير : وسمى الإِثم بغيا لأَن البغى سببه وملزومه، أَو يقدر مضاف أَى إِثم بغيكم أَو وبال بغيكم، أَو شبه على طريق الاستعارة بغيه على غيره بإِيقاعه على نفسه لأَن العقاب عليه كما قال: ومن أَساءَ فعليها، أَو أَنفسكم أَمثالكم على العموم، وهذا أَولى، أَو أَبناءِ جنسكم على الخصوص لأَنهم كنفس واحدة، وهو استعارة، وعلى أَنفسكم خبر وقوله {مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} خبر ثان أَو خبر لمحذوف أَى هو متاع ومتعلق ببغى ومتاع خبر أَى تتمتعون به قليلا لأَن الدنيا كلها قليلة فكيف عمر الإِنسان منها {ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ} عطف على قوله إِنما بغيكم إِلخ، عطف قصة على أُخرى، أَو على محذوف أَى تتمتعون قليلا ثم إِلينا، وفى هذا عطف للاسمية على الفعلية لقصد الثبات والحصر بتقديم الظرف {فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} نجازيكم.
الالوسي
تفسير : {فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ} مما نزل بهم من الشدة والكربة، والفاء للدلالة على سرعة الإجابة {إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ} أي فاجأوا الفساد فيها وسارعوا إليه مترامين في ذلك ممعنين فيه من قولهم: بغى الجرح إذا ترامى في الفساد، وزيادة {فِي ٱلأَرْضِ} للدلالة على شمول بغيهم لأقطارها، وصيغة المضارع للدلالة على التجدد والاستمرار، وقوله سبحانه وتعالى: {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} تأكيداً لما يفيده البغي إذ معناه أنه بغير الحق عندهم أيضاً بأن يكون ظلماً ظاهراً لا يخفى قبحه على كل أحد كما قيل نحو ذلك في قوله تعالى: {أية : وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ}تفسير : [البقرة: 61]. وقد فسر البغي بإفساد صورة الشيء وإتلاف منفعته وجعل {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} للاحتراز مما يكون من ذلك بحق كتخريب الغزاة ديار الكفرة وقطع أشجارهم وحرق زروعهم كما فعل صلى الله عليه وسلم ببني قريظة. وتعقب بأنه مما لا يساعده النظم الكريم لأن البغي بالمعنى الأول هو اللائق بحال المفسدين فينبغي بناء الكلام عليه. والزمخشري اختار كون ذلك للاحتراز عما ذكر. وذكر في «الكشف» أنه أشار بذلك إلى أن الفساد اللغوي خروج الشيء من الانتفاع فلا كل بغي ـ أي فساد في الأرض واستطالة فيها ـ كذلك كما علمت وإن كان موضوعه العرفي للاستطالة بغير حق لكن النظر إلى موضوعه الأصلي، وقيل: إن البغي الذي يتعدى بفي بمعنى الإتلاف والإفساد وهو يكون حقاً وغيره والذي يتعدى بعلى بمعنى الظلم، وتقييد الأول بغير / الحق للاحتراز وتقييد الثاني به للتأكيد، ولعل من يجعل البغي هنا بمعنى الظلم يقول: إن المعنى يبغون على المسلمين مثلاً فافهم. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} توجيه الخطاب إلى أولئك الباغين للتشديد في التهديد والمبالغة في الوعيد {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ} الذي تتعاطونه وهو مبتدأ خبره قوله سبحانه: {عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} أي عليكم في الحقيقة لا على الذين تبغون عليهم وإن ظن كذلك، وقوله تعالى: {مَّتَاعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} نصب على أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر بطريق الاستئناف أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا، والمراد من ذلك بيان كون ما في البغي من المنفعة العاجلة شيئاً غير معتد به سريع الزوال دائم الوبال، وقيل: إنه منصوب على أنه مصدر واقع موقع الحال أي متمتعين، والعامل هو الاستقرار الذي في الخبر ولا يجوز أن يكون نفس البغي لأنه لا يجوز الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر، وأيضاً لا يخبر عن المصدر إلا بعد تمام صلاته ومعمولاته. وتعقب بأنه ليس في تقييد كون بغيهم على أنفسهم بحال تمتعهم بالحياة الدنيا معنى يعتد به. وقيل: على أنه ظرف زمان كمقدم الحاج أي زمان متاع الحياة الدنيا والعامل فيه الاستقرار أيضاً وفيه ما في سابقه، وقيل: على أنه مفعول لفعل دل عليه المصدر أي تبغون متاع الحياة الدنيا. واعترض بأن هذا يستدعي أن يكون البغي بمعنى الطلب لأنه الذي يتعدى بنفسه والمصدر لا يدل عليه، وجعل المصدر أيضاً بمعناه مما يخل بجزالة النظم الكريم لأن الاستئناف لبيان سوء عاقبة ما حكى عنهم من البغي المفسر على المختار بالفساد المفرط اللائق بحالهم وحينئذٍ تنتفي المناسبة ويفوت الانتظام، وجعل الأول أيضاً بمعناه مما يجب تنزيه ساحة التنزيل عنه. وقيل: على أنه مفعول له أي لأجل متاع الحياة الدنيا والعامل فيه الاستقرار. وتعقب بأن المعلل بما ذكر نفس البغي لا كونه على أنفسهم، وقيل: العامل فيه فعل مدلول عليه بالمصدر أي تبغون لأجل متاع الحياة الدنيا على أن الجملة مستأنفة، وقيل: على أنه مفعول صريح للمصدر و{عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} متعلق به لا خبر لما مر والمراد بالأنفس الجنس والخبر محذوف لطول الكلام، والتقدير إنما بغيكم على أبناء جنسكم متاع الحياة الدنيا مذموم أو منهي عنه أو ضلال أو ظاهر الفساد أو نحو ذلك. وفيه الابتناء على أن البغي بمعنى الطلب وقد علمت ما فيه. نعم لو جعل نصبه على العلة أي إنما بغيكم على أبناء جنسكم لأجل متاع الحياة الدنيا مذموم كما اختاره بعضهم لكان له وجه في الجملة لكن الحق الذي يقتضيه جزالة النظم هو الأول. وقرأ الجمهور {متاع} بالرفع. قال صاحب المرشد: وفيه وجهان، أحدهما: كونه الخبر والظرف صلة المصدر. والثاني: كونه خبر مبتدأ محذوف أي هو أو ذلك متاع، وزيد وجه آخر وهو كونه خبراً بعد خبر لبغيكم، والمختار بل المتعين على الوجه الأول كون المراد بأنفسكم أبناء جنسكم أو أمثالكم على سبيل الاستعارة، والتعبير عنهم بذلك للتشفيق والحث على ترك إيثار التمتع المذكور على ما ينبغي من الحقوق، ولا مانع على الوجهين الأخيرين من الحمل على الحقيقة كما بين ذلك مولانا شيخ الإسلام. وقرىء بنصب المتاع والحياة وخرج نصب الأول على ما مر ونصب الثاني على أنه بدل اشتمال من الأول. وقيل: على أنه مفعول به له إذا لم يكن انتصابه على المصدرية لأن المصدر المؤكد لا يعمل، وذكر أبو البقاء أنه قرىء بجرهما على أن الثاني مضاف إليه والأول نعت للأنفس أي ذات متاع، وجوز أن يكون / المصدر بمعنى اسم الفاعل أي متمتعات، وضعف كونه بدلاً إذ قد أمكن كونه صفة. هذا وفي الآية من الزجر عن البغي ما لا يخفى. وقد أخرج أبو الشيخ وأبو نعيم والخطيب والديلمي وغيرهم عن أنس قال؛ «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث هن رواجع على أهلها المكر والنكث والبغي ثم تلا عليه الصلاة والسلام {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} {وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43] {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} [الفتح: 10] »تفسير : . وأخرج البيهقي في «الشعب» عن أبـي بكرة قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من ذنب أجدر أن يعجل لصاحبه العقوبة من البغي وقطيعة الرحم»تفسير : . وأخرج أيضاً من طريق بلال بن أبـي بردة عن أبيه عن جده عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يبغي على الناس إلا ولد بغى أو فيه عرق منه»تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم قالا: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو بغى جبل على جبل لدك الباغي منهما»تفسير : وكأن المأمون يتمثل بهذين البيتين لأخيه. شعر : يا صاحب البغي إن البغي مصرعة فاربع فخير فعال المرء أعدله فلو بغى جبل يوماً على جبل لاندك منه أعاليه وأسفله تفسير : وعقد ذلك الشهاب فقال:شعر : إن يعد ذو بغي عليك فخله وارقب زماناً لانتقام باغي واحذر من البغي الوخيم فلو بغى جبل على جبل لدك الباغي تفسير : {ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ} عطف على ما مر من الجملة المستأنفة المقدرة كأنه قيل: تتمتعون متاع الحياة الدنيا ثم ترجعون إلينا، وإنما غير السبك إلى ما في النظم الكريم للدلالة على الثبات والقصر. {فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} في الدنيا على الاستمرار من البغي فهو وعيد وتهديد بالجزاء والعذاب وقد تقدم الكلام في نظيره.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَنجَاهُمْ} {يٰأَيُّهَا} {مَّتَاعَ} {ٱلْحَيَاةِ} (23) - فَلَمَّا أَنْجَاهُمُ اللهُ تَعَالَى مِمَّا نَزَلَ بِهِمْ، مِنَ الشِّدَّةِ وَالكُرْبَةِ، نَقَضُوا عَهْدَهُمْ، وَعَادُوا إِلى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإِفْسَادِ فِي الأَرْضِ، وَمُبَادَرَةِ النَّاسِ بِالظُّلْمِ وَالبَغْيِ وَالاعْتِدَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَيُخَاطِبُ تَعَالَى هؤلاءِ المُفْسِدِينَ الطُّغَاةَ وَيَقُولُ لَهُمْ: يَا أَيُّهَا الغَافِلُونَ عَنْ أَنْفُسِكُمْ أَمَا كَفَاكُمْ بَغْياً عَلَى المُسْتَضْعَفِينَ مِنْكُمْ اغْتِرَاراً بِقُوَّتِكُمْ؟ إِنَّكُمْ فِي الحَقِيقَةِ إِنَّمَا تَبْغُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، لأَِنَّ عَاقِبَةَ بَغْيِكُمْ وَوَبَالَهُ إِنَّمَا يَعُودَانِ عَلَيْكُمْ، وَإِنَّكُمْ إِنَّمَا تَتَمَتَّعُونَ بِبَغِيِكُمْ مُدَّةَ الحَيَاةِ الدُّنيا الزَّائِلَةِ، وَهِيَ تَنْقَضِي سَرِيعاً، وَالعِقَابُ عَلَى هَذا البَغْيِ بَاقٍ ثُمَّ تَصِيرُونَ إِلى اللهِ فَيُخْبِرُكُمْ بِجَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ، وَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا أَوْفَى الجَزَاءِ. فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمدِ الله، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ. يَبْغُونَ - يَعْتَدُونَ وَيُفْسِدُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وبعد أن أنجاهم الحق سبحانه مباشرة تأتي "إذا" الفجائية لتوضح لنا أنهم لم ينتظروا إلى أن يستردوا أنفاسهم، أو تمر فترة زمنية بينهم وبين الدعاء، وتحقق نتيجة الضراعة، لا، بل بغوا - على الفور - في الأرض {فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ}. والبغي: هو تجاوز الحدّ في الظلم وهو إفساد؛ لأن الإنسان إذا ما أخرج أي شيء عن صلاحه، يقال: "بغى عليه"، فإن حفرت طريقاً مُمهّداً؛ فهذا إفساد، وإنْ ألقيت بنفاية في بئر يشرب منه الناس؛ فهذا إفساد وبغي، وأي شيء قائم على الصلاح فتخرجه عن مهمته وتطرأ عليه بما يفسده؛ فهذا بغي. والبغي: أعلى مراتب الظلم؛ لأن الحق سبحانه هو القائل: {أية : إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ..}تفسير : [القصص: 76]. ويعطينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة البغي الممثَّلة في الاعتداء بالفساد على الأمر الصالح، فيقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : أسرع الخير ثواباً: البِرّ وصلة الرحم، وأسرع الشر عقوبة: البغي وقطيعة الرحم ". تفسير : والحق سبحانه لا يؤخر عقاب البغي وقطيعة الرحم إلى الآخرة، بل يعاقب عليهما في الدنيا؛ حتى يتوازن المجتمع؛ لأنك إن رأيت ظالماً يحيا في رضاً ورخاء ثم يموت بخير، فكل مَنْ يراه ويعلم ظلمه ولم يجد له عقاباً في الدنيا، سوف يستشري في الظلم. ولذلك تجد أن عقاب الله تعالى لمثل هذا الظالم في الدنيا وأن يُرِي الناس نهايته السيئة، وحين يرى الناس ذلك يتعظون؛ فلا يظلمون، وهذا ما يحقق التوازن في المجتمع. وإلا فلو ترك الله سبحانه الأمر لجزاء الآخرة؛ لشقي المجتمع بمن لا يؤمنون بالآخرة ويحترفون البغي؛ ولذلك يرى الناس عذابهم في الدنيا، ثم يكون لهم موقعهم من النار في الآخرة. ويقول صلى الله عليه وسلم محذراً: "حديث : لا تَبْغِ، ولا تَكُنْ باغياً ". تفسير : فالباغي إنما يصنع خللاً في توازن المجتمع. والذي يبغي إنما يأخذ حق الغير، ليستمتع بناتج من غير كدِّه وعمله، ويتحوّل إلى إنسان يحترف فرض الإتاوات على الناس، ويكسل عن أي عمل غير ذلك. وأنت ترى ذلك في أبسط المواقع والأحياء، حين يحترف بعض ممن يغترون بقوتهم الجسدية، وقد تحولوا إلى (فتوات) يستأجرهم البعض لإيذاء الآخرين، والواحد من هؤلاء إنما احترف الأكل من غير بذل جهد في عمل شريف. والبغي - إذن - هو عمل مَنْ يفسد الناس حركة الحياة؛ لأن من يقع عليهم ظلم البغي، إنما يزهدون في الكَدِّ والعمل الشريف الطاهر. وإذا ما زهد الناس في الكَدِّ والعمل الشريف؛ تعطلت حركة الحياة، وتعطلت مصالح البشر، بل إن مصالح الظالم نفسها تتعطل؛ ولذلك قال الحق سبحانه: {إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ..} [يونس: 23]. ولقائل أن يسأل: وهل هناك بَغْي بحق؟ أقول: نعم؛ لأن البغي اعتداء على الصالح بإفساد. وأنت ساعة ترى إنساناً يفسد الشيء الصالح، فتسأله: لماذا تفعل ذلك؛ وقد يجيبك بأن غرضه هو الإصلاح، ويُعدِّد لك أسباباً لهذا البغي، فهذا بغي بحق، أما إن كان بغياً بدون سبب شرعي فهذا هو البغي، بل قمته. ومثال البغي بحق، أقول: ألم يَسْتول النبي صلى الله عليه وسلم على أرض "بني قريظة"، وأحرق زرعهم وقطع الأشجار في أَراضيهم، وهدم دورهم؟ أليس في ذلك اعتداء على الصالح؟ لقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؛ لأنه ردّ على عدوان أقسى من ذلك. وهكذا نرى أن هناك بغياً بحق، وبغياً بغير حق. ولذلك يسمى الله جزاء السيئة سيئة مثلها، ويقول سبحانه: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ}تفسير : [البقرة: 194]. ويسميه الحق سبحانه "اعتداء" رغم أنه ليس اعتداء، بل ردّ الاعتداء. ويطلقها الحق سبحانه وتعالى قضية تظل إلى الأبد بعد ما تقدم، فيقول: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [يونس: 23]. وهنا يبين الله سبحانه وتعالى وكأنه يخاطب الباغي: يا مَنْ تريد أن تأخذ حق غيرك، اعلم أن قصارى ما يعطيك أخذ هذا الحق هو بعض من متاع الدنيا، ثم تجازى من بعد ذلك بنار أبدية. وأنت إن قارنت زمن المتعة المغتصبة الناتجة عن البغي بزمن العقاب عليها؛ لوجدت أن المتعة رخيصة هينة بالنسبة إلى العقاب الذي سوف تناله عليها ولا تأخذ عمرك في الدنيا قياساً على عمر الدنيا نفسها؛ لأن الحق سبحانه قد يشاء أن يجعل عمر الدنيا عشرين مليوناً من السنوات، لكن عمرك فيها محدود. فاربأوا على أنفسكم وافهموا أن متاع الدنيا قليل، إن كان هذا المتاع نتيجة ظلمكم لأنفسكم؛ لأن نتيجة هذا الظلم إنما تقع عليكم؛ لأن مقتضى ما يعطيكم هذا الظلم من المتعة والنعمة هو أمر محدود بحياتكم في الدنيا، وحياتكم فيها محدودة، ولا يظن الواحد أن عمره هو عمر البشرية في الدنيا، ولكن ليقسْ كل واحد منكم عمره في الدنيا وهو محدود. ولذلك يقول الحق سبحانه في آية أخرى: {أية : قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ ..}تفسير : [النساء: 77]. وهنا يؤكد الحق سبحانه: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} [يونس: 23]. وقد يتمثل جزاء البغي في أن يشاء الحق سبحانه ألا يموت الظالم إلا بعد أن يرى مظلومه في خيرٍ مما أخذ منه؛ ولذلك أقول دائماً: لو علم الظالم ما ادخره الله للمظلوم من الخير؛ لضنَّ عليه بالظلم. وعلى فرض أن الظالم يتمتع بظلمه وهو من متاع الدنيا القليل، نجد الحق سبحانه يقول: {ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ ..} [يونس: 23]. وحين نرجع إلى الله تعالى فلا ظلم أبداً؛ لأن أحدكم لن يظلم أو يُظلم فكل منكم سوف يَلْقى ما ينبئه به الله سبحانه إنْ ثواباً أو عقاباً؛ مصداقاً لقوله الحق: {ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [يونس: 23]. وقد جاء الخبر عن نبأ الجزاء من قبل أن يقع؛ ليعلم الجميع أن لكل فعلٍ مقابلاً من ثواب أو عقاب، كما أن في ذكر النبأ مقدَّماً تقريعاً لمن يظلمون أنفسهم بالبغي. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):