Verse. 1386 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

ھُوَالَّذِيْ يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ۝۰ۭ حَتّٰۗي اِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ۝۰ۚ وَ جَرَيْنَ بِہِمْ بِرِيْحٍ طَيِّبَۃٍ وَّفَرِحُوْا بِہَا جَاۗءَتْہَا رِيْحٌ عَاصِفٌ وَّجَاۗءَھُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَّظَنُّوْۗا اَنَّھُمْ اُحِيْطَ بِہِمْ۝۰ۙ دَعَوُا اللہَ مُخْلِصِيْنَ لَہُ الدِّيْنَ۝۰ۥۚ لَىِٕنْ اَنْجَيْـتَنَا مِنْ ہٰذِہٖ لَنَكُوْنَنَّ مِنَ الشّٰكِرِيْنَ۝۲۲
Huwa allathee yusayyirukum fee albarri waalbahri hatta itha kuntum fee alfulki wajarayna bihim bireehin tayyibatin wafarihoo biha jaatha reehun AAasifun wajaahumu almawju min kulli makanin wathannoo annahum oheeta bihim daAAawoo Allaha mukhliseena lahu alddeena lain anjaytana min hathihi lanakoonanna mina alshshakireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«هو الذي يسيركم» وفي قراءة ينشركم «في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك» السفن «وجرين بهم بريح» وجرين فيه التفات عن الخطاب بريح طيبة» لينة «وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف» شديد الهبوب تكسر كل شيء «وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم» أي أهلكوا «دعوا الله مخلصين له الدين» الدعاء «لئن» لام قسم «أنجيتنا من هذه» الأهوال «لنكونن من الشاكرين» الموحدين.

22

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما قال: { أية : وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِى ءايَـٰتِنَا } تفسير : [يونس:21] كان هذا الكلام كلاماً كلياً لا ينكشف معناه تمام الانكشاف. إلا بذكر مثال كامل، فذكر الله تعالى لنقل الإنسان من الضر الشديد إلى الرحمة مثالاً، ولمكر الإنسان مثالاً، حتى تكون هذه الآية كالمفسرة للآية التي قبلها، وذلك لأن المعنى الكلي لا يصل إلى أفهام السامعين إلا بذكر مثال جلي واضح يكشف عن حقيقة ذلك المعنى الكلي. واعلم أن الإنسان إذا ركب السفينة ووجد الريح الطيبة الموافقة للمقصود، حصل له الفرح التام والمسرة القوية، ثم قد تظهر علامات الهلاك دفعة واحدة. فأولها: أن تجيئهم الرياح العاصفة الشديدة. وثانيها: أن تأتيهم الأمواج العظيمة من كل جانب. وثالثها: أن يغلب على ظنونهم أن الهلاك واقع، وأن النجاة ليست متوقعة، ولا شك أن الانتقال من تلك الأحوال الطيبة الموافقة إلى هذه الأحوال القاهرة الشديدة يوجب الخوف العظيم، والرعب الشديد، وأيضاً مشاهدة هذه الأحوال والأهوال في البحر مختصة بإيجاب مزيد الرعب، والخوف ثم إن الإنسان في هذه الحالة لا يطمع إلا في فضل الله ورحمته، ويصير منقطع الطمع عن جميع الخلق، ويصير بقلبه وروحه وجميع أجزائه متضرعاً إلى الله تعالى، ثم إذا نجاه الله تعالى من هذه البلية العظيمة، ونقله من هذه المضرة القوية إلى الخلاص والنجاة، ففي الحال ينسى تلك النعمة ويرجع إلى ما ألفه واعتاده من العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة، فظهر أنه لا يمكن تقرير ذلك المعنى الكلي المذكور في الآية المتقدمة بمثال أحسن وأكمل من المثال المذكور في هذه الآية. المسألة الثانية: يحكى أن واحداً قال لجعفر الصادق: اذكر لي دليلاً على إثبات الصانع فقال: أخبرني عن حرفتك: فقال: أنا رجل أتجر في البحر، فقال: صف لي كيفية حالك. فقال: ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح واحد من ألواحها، وجاءت الرياح العاصفة، فقال جعفر: هل وجدت في قلبك تضرعاً ودعاء. فقال نعم. فقال جعفر: فإلهك هو الذي تضرعت إليه في ذلك الوقت. المسألة الثالثة: قرأ ابن عامر {ينشركم} من النشر الذي هو خلاف الطي كأنه أخذه من قوله تعالى: { أية : فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلاْرْضِ } تفسير : [الجمعة: 10] والباقون قرؤا {يُسَيّرُكُمْ } من التسيير. المسألة الرابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد يجب أن يكون خلقاً لله تعالى. قالوا: دلت هذه الآية على أن سير العباد من الله تعالى، ودل قوله تعالى: { أية : قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلاْرْضِ } تفسير : [الأنعام: 11] على أن سيرهم منهم، وهذا يدل على أن سيرهم منهم ومن الله، فيكون كسبياً لهم وخلقاً لله ونظيره. قوله تعالى: { أية : كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقّ } تفسير : [الأنفال: 5] وقال في آية أخرى: { أية : إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [التوبة: 40] وقال في آية أخرى: { أية : فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا } تفسير : [التوبة: 82] ثم قال في آية أخرى { أية : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ } تفسير : [النجم: 43] وقال في آية أخرى { أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذَا رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } تفسير : [الأنفال: 7] قال الجبائي: أما كونه تعالى مسيراً لهم في البحر على الحقيقة فالأمر كذلك. وأما سيرهم في البر فإنما أضيف إلى الله تعالى على التوسع. فما كان منه طاعة فبأمره وتسهيله، وما كان منه معصية فلأنه تعالى هو الذي أقدره عليه. وزاد القاضي فيه يجوز أن يضاف ذلك إليه تعالى من حيث إنه تعالى سخر لهم المركب في البر، وسخر لهم الأرض التي يتصرفون عليها بإمساكه لها، لأنه تعالى لو لم يفعل ذلك لتعذر عليهم السير. وقال القفال: {هُوَ ٱلَّذِى يُسَيّرُكُمْ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } أي هو الله الهادي لكم إلى السير في البر والبحر طلباً للمعاش لكم، وهو المسير لكم، لأجل أنه هيأ لكم أسباب ذلك السير. هذا جملة ما قيل في الجواب عنه. ونحن نقول: لا شك أن المسير في البحر هو الله تعالى، لأن الله تعالى هو المحدث لتلك الحركات في أجزاء السفينة، ولا شك أن إضافة الفعل إلى الفاعل هو الحقيقة. فنقول: وجب أيضاً أن يكون مسيراً لهم في البر بهذا التفسير، إذ لو كان مسيراً لهم في البر بمعنى إعطاء الآلات والأدوات لكان مجازاً بهذا الوجه، فيلزم كون اللفظ الواحد حقيقة ومجازاً دفعة واحدة، وذلك باطل. واعلم أن مذهب الجبائي أنه لامتناع في كون اللفظ حقيقة ومجازاً بالنسبة إلى المعنى الواحد. وأما أبو هاشم فإنه يقول: إن ذلك ممتنع، إلا أنه يقول: لا يبعد أن يقال إنه تعالى تكلم به مرتين. واعلم أن قول الجبائي: قد أبطلناه في أصول الفقه، وقول أبي هاشم أنه تعالى تكلم به مرتين أيضاً بعيد. لأن هذا قول لم يقل به أحد من الأمة ممن كانوا قبله، فكان هذا على خلاف الإجماع فيكون باطلاً. واعلم أنه بقي في هذه الآية سؤالات: السؤال الأول: كيف جعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر، مع أن الكون في الفلك متقدم لا محالة على التسيير في البحر؟ والجواب: لم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير، بل تقدير الكلام كأنه قيل هو الذي يسيركم حتى إذا وقع في جملة تلك التسييرات الحصول في الفلك كان كذا وكذا. السؤال الثاني: ما جواب {إِذَا } في قوله: {حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ }. الجواب: هو أن جوابها هو قوله: {جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ } ثم قال صاحب «الكشاف»: وأما قوله: {دَّعَوَا ٱللَّهَ } فهو بدل من {ظنوا} لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك. وقال بعض الأفاضل لو حمل قوله: {دَّعَوَا ٱللَّهَ } على الاستئناف. كان أوضح، كأنه لما قيل: {جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } قال قائل فما صنعوا؟ فقيل: {دَّعَوَا ٱللَّهَ }. السؤال الثالث: ما الفائدة في صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة؟ الجواب فيه وجوه: الأول: قال صاحب «الكشاف»: المقصود هو المبالغة كأنه تعالى يذكر حالهم لغيرهم لتعجيبهم منها، ويستدعى منهم مزيد الإنكار والتقبيح. الثاني: قال أبو علي الجبائي: إن مخاطبته تعالى لعباده، هي على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام، فهي بمنزلة الخبر عن الغائب. وكل من أقام الغائب مقام المخاطب، حسن منه أن يرده مرة أخرى إلى الغائب. الثالث: وهو الذي خطر بالبال في الحال، أن الانتقال في الكلام من لفظ الغيبة إلى لفظ الحضور فإنه يدل على مزيد التقرب والإكرام. وأما ضده وهو الانتقال من لفظ الحضور إلى لفظ الغيبة، يدل على المقت والتبعيد. أما الأول: فكما في سورة الفاتحة، فإن قوله: { أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } تفسير : [الفاتحة: 2، 3] كله مقام الغيبة، ثم انتقل منها إلى قوله: { أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } تفسير : [الفاتحة: 5] وهذا يدل على أن العبد كأنه انتقل من مقام الغيبة إلى مقام الحضور، وهو يوجب علو الدرجة، وكمال القرب من خدمة رب العالمين. وأما الثاني: فكما في هذه الآية، لأن قوله: {حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ } خطاب الحضور، وقوله: {وَجَرَيْنَ بِهِم } مقام الغيبة، فههنا انتقل من مقام الحضور إلى مقام الغيبة، وذلك يدل على المقت والتبعيد والطرد، وهو اللائق بحال هؤلاء، لأن من كان صفته أنه يقابل إحسان الله تعالى إليه بالكفران، كان اللائق به ما ذكرناه. السؤال الرابع: كم القيود المعتبرة في الشرط والقيود المعتبرة في الجزاء؟ الجواب: أما القيود المعتبرة في الشرط فثلاثة: أولها: الكون في الفلك، وثانيها: جَرْيُ الفلك بالريح الطيبة، وثالثها: فرحهم بها. وأما القيود المعتبرة في الجزاء فثلاثة أيضاً: أولها: قوله: {جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ } وفيه سؤالان: السؤال الأول: الضمير في قوله: {جَاءتْهَا } عائد إلى الفلك وهو ضمير الواحد، والضمير في قوله: {وَجَرَيْنَ بِهِم } عائد إلى الفلك وهو الضمير الجمع، فما السبب فيه؟ الجواب عنه من وجهين: الأول: أنا لا نسلم أن الضمير في قوله: {جَاءتْهَا } عائد إلى الفلك، بل نقول إنه عائد إلى الريح الطيبة المذكورة في قوله: {وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ } الثاني: لو سلمنا ما ذكرتم إلا أن لفظ {الفلك} يصلح للواحد والجمع، فحسن الضميران. السؤال الثاني: ما العاطف. الجواب: قال القراء والزجاج: يقال ريح عاصف وعاصفة، وقد عصفت عصوفاً وأعصفت، فهي معصف ومعصفة. قال الفراء: والألف لغة بني أسد، ومعنى عصفت الريح اشتدت، وأصل العصف السرعة، يقال: ناقة عاصف وعصوف سريعة، وإنما قيل {رِيحٌ عَاصِفٌ } لأنه يراد ذات عصوف كما قيل: لابن وتامر أو لأجل أن لفظ الريح مذكر. أما القيد الثاني: فهو قوله: {وَجَاءهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلّ مَكَانٍ } والموج ما ارتفع من الماء فوق البحر. أما القيد الثالث: فهو قوله: {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } والمراد أنهم ظنوا القرب من الهلاك، وأصله أن العدو إذا أحاط بقوم أو بلد، فقد دنوا من الهلاك. السؤال الخامس: ما المراد من الإخلاص في قوله: {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ }. والجواب: قال ابن عباس: يريد تركوا الشرك، ولم يشركوا به من آلهتهم شيئاً، وأقروا لله بالربوبية والوحدانية. قال الحسن: {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ } الإخلاص الإيمان، لكن لأجل العلم بأنه لا ينجيهم من ذلك إلا الله تعالى، فيكون جارياً مجرى الإيمان الاضطراري. وقال ابن زيد: هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون، فإذا جاء الضر والبلاء لم يدعوا إلا الله. وعن أبي عبيدة أن المراد من ذلك الدعاء قولهم أهيا شراهيا تفسيره يا حي يا قيوم. السؤال السادس: ما الشيء المشارإليه بقوله {هذه} في قوله: {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ }؟ والجواب المراد لئن أنجيتنا من هذه الريح العاصفة، وقيل المراد لئن أنجيتنا من هذه الأمواج أو من هذه الشدائد، وهذه الألفاظ وإن لم يسبق ذكرها، إلا أنه سبق ذكر ما يدل عليها. السؤال السابع: هل يحتاج في هذه الآية إلى إضمار؟ الجواب: نعم، والتقدير: دعوا الله مخلصين له الدين مريدين أن يقولوا لئن أنجيتنا، ويمكن أن يقال: لا حاجة إلا الإضمار، لأن قوله: {دَّعَوَا ٱللَّهَ } يصير مفسراً بقوله: {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ } فهم في الحقيقة ما قالوا إلا هذا القول. واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا التضرع الكامل بين أنهم بعد الخلاص من تلك البلية والمحنة أقدموا في الحال على البغي في الأرض بغير الحق. قال ابن عباس: يريد به الفساد والتكذيب والجراءة على الله تعالى، ومعنى البغي قصد الاستعلاء بالظلم. قال الزجاج: البغي الترقي في الفساد قال الأصمعي: يقال بغى الجرح يبغي بغياً إذا ترقى إلى الفساد، وبغت المرأة إذا فجرت، قال الواحدي: أصل هذا اللفظ من الطلب. فإن قيل: فما معنى قوله: {بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } والبغي لا يكون بحق؟ قلنا: البغي قد يكون بالحق، وهو استيلاء المسلمين عل أرض الكفرة وهدم دورهم وإحراق زروعهم وقطع أشجارهم، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني قريظة. ثم إنه تعالى بين أن هذا البغي أمر باطل يجب على العاقل أن يحترز منه فقال: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الأكثرون {مَتَـٰعٌ } برفع العين، وقرأ حفص عن عاصم {مَتَـٰعٌ } بنصب العين، أما الرفع ففيه وجهان: الأول: أن يكون قوله: {بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } مبتدأ، وقوله: {مَّتَاعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } خبراً. والمراد من قوله: {بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } بغي بعضكم على بعض كما في قوله: { أية : فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [البقرة: 54] ومعنى الكلام أن بغي بعضكم عن بعض منفعة الحياة الدنيا ولا بقاء لها. والثاني: أن قوله {بَغْيُكُمْ } مبتدأ، وقوله: {عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } خبره، وقوله: {متاع الحياة الدنيا} خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو متاع الحياة الدنيا. وأما القراءة بالنصب فوجهها أن نقول: إن قوله: {بَغْيُكُمْ } مبتدأ، وقوله: {عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } خبره، وقوله: {مَّتَاعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } في موضع المصدر المؤكد، والتقدير: تتمتعون متاع الحياة الدنيا. المسألة الثانية: البغي من منكرات المعاصي. قال عليه الصلاة والسلام: « حديث : أسرع الخير ثواباً صلة الرحم، وأعجل الشر عقاباً البغي واليمين الفاجرة » تفسير : وروى « حديث : ثنتان يعجلهما الله في الدنيا البغي وعقوق الوالدين » تفسير : وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لو بغى جبل على جبل لاندك الباغي. وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين في أخيه: شعر : يا صاحب البغي إن البغي مصرعة فأربع فخير فعال المرء أعدله فلو بغى جبل يوماً على جبل لاندك منه أعاليه وأسفله تفسير : وعن محمد بن كعب القرظي: ثلاث من كن فيه كن عليه، البغي والنكث والمكر، قال تعالى: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ }. المسألة الثالثة: حاصل الكلام في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } أي لا يتهيأ لكم بغي بعضكم على بعض إلا أياماً قليلة، وهي مدة حياتكم مع قصرها وسرعة انقضائها {ثُمَّ إِلَيْنَا } أي ما وعدنا من المجازاة على أعمالكم {مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا، والإنباء هو الإخبار، وهو في هذا الموضع وعيد بالعذاب كقول الرجل لغيره سأخبرك بما فعلت.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم} أي يحملكم في البر على الدواب وفي البحر على الفُلْك. وقال الكلبي: يحفظكم في السير. والآية تتضمن تعديد النّعم فيما هي الحال بسبيله من ركوب الناس الدوابَ والبحر. وقد مضى الكلام في ركوب البحر في «البقرة». وَ {يُسَيِّرُكُمْ} قراءة العامة. ٱبن عامر «ينشركم» بالنون والشين، أي يبثّكم ويفرّقكم. والفُلْك يقع على الواحد والجمع، ويذكر ويؤنث، وقد تقدّم القول فيه. وقوله: {وَجَرَيْنَ بِهِم} خروج من الخطاب إلى الغيبة، وهو في القرآن وأشعار العرب كثير؛ قال النابغة:شعر : يا دار ميّة بالعَلْياء فالسَّند أقْوَت وطال عليها سالف الأمَد تفسير : قال ابن الأنباري: وجائز في اللغة أن يرجع من خطاب الغيبة إلى لفظ المواجهة بالخطاب؛ قال الله تعالى: {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً}تفسير : [الإنسان: 22] فأبدل الكاف من الهاء. قوله تعالى: {بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا} تقدّم الكلام فيها في البقرة. {جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ} الضمير في «جاءتها» للسفينة. وقيل للريح الطيبة. والعاصف الشديدة؛ يقال: عصفت الريح وأعصفت، فهي عاصف ومُعْصِف ومُعْصِفة أي شديدة، قال الشاعر:شعر : حتى إذا أعصفت ريح مُزَعزِعة فيها قطار ورعد صوته زَجل تفسير : وقال «عاصف» بالتذكير لأن لفظ الريح مذكر، وهي القاصف أيضاً. والطيبة غير عاصف ولا بطيئة. {وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ} والموج ما ارتفع من الماء {وَظَنُّوۤاْ} أي أيقنوا {أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} أي أحاط بهم البلاء؛ يقال لمن وقع في بلِية: قد أحيط به، كأن البلاء قد أحاط به؛ وأصل هذا أن العدوّ إذا أحاط بموضع فقد هلك أهله. {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي دعوه وحده وتركوا ما كانوا يعبدون. وفي هذا دليل على أن الخلق جُبِلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد، وأن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافراً؛ لانقطاع الأسباب ورجوعه إلى الواحد رب الأرباب؛ على ما يأتي بيانه في «النمل» إن شاء الله تعالى. وقال بعض المفسرين: إنهم قالوا في دعائهم أهيا شراهياً؛ أي يا حي يا قيوم. وهي لغة العجم. مسألة ـ هذه الآية تدلّ على ركوب البحر مطلقاً، ومن السّنة حديثُ أبي هريرة وفيه: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء... الحديث. وحديث أنس في قصة أُمّ حرام يدلّ على جواز ركوبه في الغَزوِ، وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» مستوفى والحمد لله. وقد تقدّم في آخر «الأعراف» حكم راكب البحر في حال ارتجاجه وغليانه، هل حكمه حكم الصحيح أو المريض المحجور عليه؛ فتأمله هناك. قوله تعالى: {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ} أي من هذه الشدائد والأهوال. وقال الكلبي: من هذه الريح. {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} أي من العاملين بطاعتك على نعمة الخلاص. {فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ} أي خلّصهم وأنقذهم. {إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي يعملون في الأرض بالفساد وبالمعاصي. والبغي: الفساد والشرك؛ من بَغَى الجرحُ إذا فسد؛ وأصله الطلب، أي يطلبون الاستعلاء بالفساد. «بِغَيْرِ الْحَقِّ» أي بالتكذيب؛ ومنه بَغَت المرأةُ طلبت غير زوجِها. قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} أي وَبَالهُ عائد عليكم؛ وتمّ الكلام، ثم ابتدأ فقال: {مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي هو متاع الحياة الدنيا؛ ولا بقاء له. قال النحاس: «بَغْيُكُمْ» رفع بالابتداء وخبره «مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا». و «على أنفسِكم» مفعول معنى فعل البَغْي. ويجوز أن يكون خبره «عَلَى أَنْفُسِكُمْ» وتضمر مبتدأ، أي ذلك متاع الحياة الدنيا، أو هو متاع الحياة الدنيا؛ وبين المعنيين حرف لطيف، إذا رفعت متاعاً على أنه خبر «بغيكم» فالمعنى إنما بغى بعضكم على بعض؛ مثل: «فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ» وكذا «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ». وإذا كان الخبر «عَلَى أَنْفُسِكُم» فالمعنى إنما فسادكم راجع عليكم؛ مثل «وَإنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا». وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال: أراد أن البغي متاع الحياة الدنيا، أي عقوبته تعجل لصاحبه في الدنيا؛ كما يقال: البَغْيُ مَصْرعةٌ. وقرأ ابن أبي إسحاق «مَتَاعَ» بالنصب على أنه مصدر؛ أي تتمتعون متاعَ الحياة الدنيا. أو بنزع الخافض، أي لمتاع، أو مصدر، بمعنى المفعول على الحال، أي متمتعين. أو هو نصب على الظرف، أي في متاع الحياة الدنيا، ومتعلق الظرف والجار والحال معنى الفعل في البغي. و «عَلَى أَنْفُسِكُمْ» مفعول ذلك المعنى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ } وفي قراءة «ينشركم» {فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ } السفن {وَجَرَيْنَ بِهِم } فيه التفات عن الخطاب {بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ } لَيّنة {وَفَرِحُواْ بِهَا جآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ } شديدة الهبوب تكسر كل شيء {وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } أي أُهلكوا {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ } الدعاء {لَئِنْ } لام القسم {أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ } الأهوال {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ } الموحّدين.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية تتضمن تعديد النعمة فيما هي الحال بسبيله من ركوب البحر، وركوبه وقت حسن الظن به للجهاد والحج متفق على جوازه، وكذلك لضروة المعاش بالصيد فيه أو لتصرف التجر، وأما ركوبه لطلب الغنى والاستكثار فمكروه عند الأكثر، وغاية مبيحة أن يقول وتركه أحسن، وأما ركوبه في ارتجاجه فمكروه ممنوع وفي الحديث: " حديث : من ركب البحر في ارتجاجه فقد برئت منه الذمة " تفسير : وقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : البحر لا أركبه أبداً" تفسير : . وقرأ جمهور القراء من السبعة وغيرهم "يسيركم" قال أبو علي وهو تضعيف مبالغة لا تضعيف تعدية، لأن العرب تقول: سرت الرجل وسيّرته ومنه قول الهذلي: [الطويل] شعر : فلا تجزعنْ من سُنة أنت سرتها وأول راض سنة من يسيرها تفسير : قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا البيت اعتراض حتى لا يكون شاهداً في هذا. وهو أن يجعل الضمير كالظرف كما تقول سرت الطريق وهذه قراءة الجمهور من سير، وكذلك هي في مصحف ابن مسعود وفي مصحف أبي شيخ وقال عوف بن أبي جميلة قد كان يقرأ " ينشركم" فغيرها الحجاج بن يوسف "يسيركم"، قال سفيان بن أبي الزعل: كانوا يقرأون "ينشركم" فنظروا في مصحف ابن عفان فوجدوها "يسيركم" فأول من كتبها كذلك الحجاج، وقرأ ابن كثير في بعض طرقه "يسيركم" من أسار، وقرأ ابن عامر وحده من السبعة "يَنْشُركم" بفتح الياء وضم الشين من النشر والبث، وهي قراءة زيد بن ثابت والحسن وأبي العالية وأبي جعفر وعبيد الله بن جبير بن الفصيح وأبي عبد الرحمن وشيبة، وروي عن الحسن أنه قرأ " يُنشِركم" بضم الياء وكسر الشين وقال: هي قراءة عبد الله، قال أبو حاتم: أظنه غلط، و {الفلك} جمع فلك وليس باسم واحد للجميع والفرد ولكنه فعل جمع على فُعل، ومما يدل على ذلك قولهم فلكان في التثنية وقراءة أبي الدرداء وأم الدرداء "في الفلكي" على وزن فعليّ بياء نسب وذلك كقولهم أشقري وكدواري في دور الدهر وكقول الصلتان انا الصلتاني، وقوله {وجرين } علامة قليل العدد، وقوله {بهم } خروج من الحضور إلى الغيبة، وحسن ذلك لأن قولهم: {كنتم في الفلك } هو بالمعنى المعقول حتى إذا حصل بعضهم في السفن، و"الريح" إذا أفردت فعرفها أن تستعمل في العذاب والمكروه، لكنها لا يحسن في البحر أن تكونه إلا واحدة متصلة لا نشراً، فقيدت المفردة " بالطيب" فخرجت عن ذلك العرف وبرع المعنى، وقرأ ابن أبي عبلة " جاءتهم ريح عاصف "، والعاصف الشديدة من الريح، يقال: عصفت الريح، وقوله {وظنوا} على بابه في الظن لكنه ظن غالب مفزع بحسب أنه في محذور، وقوله {دعوا الله } أي نسوا الأصنام والشركاء وجردوا الدعاء لله، وذكر الطبري في ذلك عن بعض العلماء حكاية قول العجم: هيا شراهيا ومعناه يا حي يا قيوم، قال الطبري: جواب قوله {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين }: {جاءتها ريح عاصف} وجواب قوله: {وظنوا أنهم أحيط بهم }: {دعوا الله مخلصين }.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {هو الذي يسيركم في البر والبحر} يعني: هو الله الذي يسيركم يعني يحملكم في البر على ظهور الدواب وفي البحر على الفلك. وقيل: معناه هو الله الهادي لكم في السير في البر والبحر طلباً للمعاش أو هو المهيء لكم أسباب السير في البر والبحر {حتى إذا كنتم في الفلك} يعني: السفن. ولفظة الفلك: تطلق على الواحد والجمع وتقديراهما مختلفان فإن أريد بهما الواحد كان كبناء قفل، وإن أريد بها الجمع كان كبناء أسد والمراد بها هنا الجمع لقوله تعالى: {وجرين بهم} يعني: وجرت السفن بركابها. فإن قلت: ما فائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة؟ قلت: قال صاحب الكشاف: المقصود منه المبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم مزيد الإنكار والتقبيح وقال غيره إن مخاطبة الله لعباده على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بمنزلة الخبر عن الغائب وكل من أقام الغائب مقام المخاطب حسن منه أن يرده إلى الغائب. وقيل: إن الالتفات في الكلام من الغيبة إلى الحضور وبالعكس من فصيح كلام العرب {بريح طيبة} يعني وجرت السفن بريح طيبة ساكنة {وفرحوا بها} يعني وفرح ركبان تلك الفلك بتلك الريح الطيبة، لأن الإنسان إذا ركب السفينة ووجد الريح الطيبة الموافقة للمقصود حصل له النفع التام والمسرة العظيمة بذلك {جاءتها ريح عاصف} قيل: إن الضمير في جاءتها يرجع إلى الريح فيكون المعنى: جاءت الريح الطيبة ريح عاصف فأقلبتها. وقيل: الضمير في جاءتها يرجع إلى الفلك. يعني: جاءت الفلك. ريح عاصف. يقال: ريح عاصف وعاصفة، ومعنى عصفت الريح: اشتدت. وأصل العصف: السرعة وإنما قال: عاصف، لأنه أراد به ذات عصوف أو لأجل أن لفظ الريح قد يذكر {وجاءهم الموج من كل مكان} يعني: وجاء ركبان السفينة الموج وهو ما ارتفع وعلا من غوارب الماء في البحر وقيل: هو شدة حركة الماء واختلاطه {وظنوا أنهم أحيط بهم} يعني: وظنوا أن الهلاك قد أحاط بهم وأحدق. وقيل: المراد من الظن اليقين أي وأيقنوا أنه الهلاك. وقيل: بل المراد منه المقاربة من الهلاك والدنو منه والإشراف عليه {دعوا الله مخلصين له الدين} يعني أنهم أخلصوا في الدعاء لله عز وجل ولم يدعو أحداً سواه من آلهتهم وقيل في معنى هذا الإخلاص العلم الحقيقي لا إخلاص الإيمان لأنهم كانوا يعلمون حقيقة أنه لا ينجيهم من جميع الشدائد والبلايا إلا الله تعالى فكانوا إذا وقعوا في شدة وضر وبلاء أخلصوا لله الدعاء {لئن أنجيتنا} أي قائلين لئن أنجيتنا يا ربنا {من هذه} يعني من هذه الشدائد التي نحن فيها وهي الريح العاصفة والأمواج الشديدة {لنكونن من الشاكرين} يعني من الشاكرين لك على إنعامك علينا بخلاصنا مما نحن فيه من هذه الشدة {فلما أنجاهم} يعني: فلما أنجى الله هؤلاء الذين ظنوا أنهم أحيط بهم من الشدة التي كانوا فيها {إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق} يعني أنهم أخلفوا الله ما وعدوه وبغوا في الأرض فتجاوزوا فيها إلى غير ما أمر الله به من الكفر والعمل بالمعاصي على ظهرها وأصل البغي مجاوزة الحد. قال صاحب المفردات: البغي على ضربين، أحدهما محمود وهو مجاوزة العدل إلى الإحسان والفرض إلى التطوع. والثاني مذموم وهو مجاوزة الحق إلى الباطل أو إلى الشبهة. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى قوله بغير الحق والبغي لا يكون بحق قلت بلى قد يكون بحق وهو استيلاء المسلمين على أرض الكفرة وهدم دورهم وإحراق زروعهم وقلع أشجارهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني قريظة {يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم} يعني: إن وبال بغيكم راجع عليكم {متاع الحياة الدنيا} قيل هو كلام مبتدأ، والمعنى: أن بغي بعضكم على بعض هو متاع الحياة الدنيا لا يصلح لزاد الآخرة وقيل هو كلام متصل بما قبله والمعنى يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم لا يتهيأ أن يبغي بعضكم على بعض إلا أياماً قليلة وهي مدة حياتكم مع قصرها في سرعة انقضائها. والبغي: من منكرات الذنوب العظام. قال بعضهم: لو بغى جبل على جبل لاندك الباغي. وقد نظم بعضهم هذا المعنى شعراً وكان المأمون يتمثل به فقال: شعر : يا صاحب البغي إن البغي مصرعة فارجع فخير مقال المرء أعدله فلو بغى جبل يوماً على جبل لاندك منه أعاليه وأسفله تفسير : وقوله سبحانه وتعالى: {ثم إلينا مرجعكم} يعني يوم القيامة {فننبئكم} أي فنخبركم {بما كنتم تعملون} يعني في الدنيا من البغي والمعاصي فنجازيكم عليها.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ...} الآية: تعديدُ نِعَمٍ منه سبحانه على عباده. وقوله سبحانه: {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ }: أي: نسوا الأصنام والشركاء، وأفردوا الدعاء للَّه سبحانه، وذكَر الطبريُّ في ذلك، عَنْ بعض العلماء حكايةَ قَوْلِ العَجَمِ: «هيا شرا هيا»، ومعناه: يا حَيُّ يَا قَيُّومُ»، و{يَبْغُونَ}: معناه: يُفسدون. وقوله: {مَّتَاعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } متاع: خبر مبتدأ محذوفٍ، تقديره هو متاع، أو ذلك مَتَاعٌ، ومعنى الآية: إِنما بغيكم وإِفسادكم مُضِرٌّ لكم، وهو في حالة الدنيا، ثم تَلْقَوْنَ عقابه في الآخرة، قال سفيان بن عُيَيْنة: إِنما بغيكم علَى أنفسِكُمْ متاع الحياة الدنيا: أي تُعَجَّلُ لكم عقوبته؛ وعلى هذا قالوا: البَغْيُ يَصْرَعُ أهله. قال * ع *: وقالوا: البَاغِي مصروعٌ: قال تعالى: { أية : ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ }، تفسير : [الحج:60]، وقال النبيُّ عليه السلام: « حديث : ما ذَنْبٌ أَسْرَعُ عُقُوبَةً مِنْ بَغْيٍ ». تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } أي: تفاخُرُ الحياة الدنيا وزينَتُها بالمَالِ والبَنِينَ، إِذ مصيرُ ذلك إِلى الفَناءِ؛ كمطرٍ نَزَلَ من السماءِ، {فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ }، أي: ٱختلط النباتُ بعْضُهُ ببعض بسَبَبِ الماء، ولفظ البخاريِّ: قال ابن عباس: {فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ }: فنبت بالماء مِنْ كلِّ لونٍ انتهى. و{أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ } لَفْظَةٌ كثُرت في مثل هذا، كقوله: { أية : خُذُواْ زِينَتَكُمْ } تفسير : [الأعراف:31] والزُّخْرُف: التزيينُ بالألوان، وقرأ ابن مسعود وغيره: «وتَزَيَّنَتْ» وهذه أصل قراءة الجمهور. وقوله: {وَظَنَّ أَهْلُهَا }: على بابها، وهذا الكلامُ فيه تشبيهُ جملة أمْرِ الحياة الدنيا بهذه الجُمْلَةَ الموصُوفَة أحوالُهَا، و{حَتَّىٰ } غايةٌ، وهي حرفُ ٱبتداءٍ؛ لدخولها على «إِذا»، ومعناهما متَّصِلٌ إِلى قوله: {قَادِرُونَ عَلَيْهَا }، ومن بعد ذلك بدأ الجوابُ، والأمْرُ الآتي: واحدُ الأمور؛ كالرِّيحِ، والصِّرِّ والسَّمُومِ، ونحوِ ذلك، وتقسيمُهُ {لَيْلاً أَوْ نَهَارًا }، تنبيهٌ على الخَوْف وٱرتفاع الأمْنِ في كلِّ وقت، و{حَصِيداً }، بمعنى محصوداً، أي: تالفاً مستهلكاً، {كَأَن لَّمْ تَغْنَ }: أي: لم تنضر، ولم تنعم، ولم تعمر بغَضَارتها، ومعنى الآية: التحذير من ٱلاغترار بالدنيا؛ إِذ هي معرَّضة للتلف؛ كنبات هذه الأرض وخَصَّ المتفكِّرين بالذكْر؛ تشريفاً للمنزلة؛ وليقَعَ التسابُقُ إِلى هذه الرتبة. {وَٱللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ...} الآية: نصٌّ أن الدعاء إِلى الشرْع عامٌّ في كل بَشَرٍ، والهداية التي هي الإِرشادُ مختصَّةٌ بمَنْ قدِّر إِيمانه، و{ٱلسَّلَـٰمِ }؛ هنا: قيل: هو ٱسمٌ من أسماء اللَّه تعالى، والمعنَى: يدعو إِلى داره التي هي الجنَّة، وقيل: {ٱلسَّلَـٰمِ} بمعنى السَّلامة.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} الآية. لمَّا ذكر في الآيةِ الأولى، مجيء الرَّحمة بعد الضرِّ، أو الرَّخاء بعد الشدَّة، ذكر في هذه الآية مثالاً لذلك، وبياناً لنقل الإنسان من الضرِّ إلى الرحمة، وذلك أنَّ الإنسان إذا ركب السَّفينة، ووجد الرِّيح الطيبة الموافقة لمقصوده، حصل له المسرَّة القويَّة، والنَّفْع التَّام، ثم قد تظهرُ علامات الهلاك؛ بأنْ تجيئهم الرِّياح العاصفة، أو تأتيهم الأمواج العظيمة من كل جانبٍ، أو يغلب على ظنونهم أنَّ الهلاكَ واقعٌ بالانتقال من تلك الأحوال الطيِّبة، إلى هذه الأحوال الشديدة، فوجب الخوفُ العظيمُ، والإنسان في هذه الحالة، لا يطمعُ إلا في فضْلِ الله - سبحانه وتعالى -، ويقطع طعمهُ عن جيمع الخلق، ويصير بجميع أجزائه مُتضرِّعاً إلى الله - تعالى -، ثُمَّ إذا نجَّاهُ الله - تعالى - من هذه البليَّة العظيمة، نسي النِّعمة، ورجع إلى ما ألفهُ من العقائد الباطلةِ. قوله: "يَنْشُركم" قراءةُ ابن عامر من النَّشْرِ ضدَّ الطيّ، والمعنى: يُفَرِّقكم ويَبُثُّكُم، وقرأ الحسن: "يُنْشِركُم" من "أنْشَر"، أي: أحْيَا، وهي قراءةُ ابن مسعودٍ أيضاً، وقرأ بعضُ الشَّاميين: "يُنَشِّركم" بالتشديد؛ للتَّكثير من النَّشْر الذي هو مطاوع الانتشار، وقرأ الباقون: "يُسَيِّركُم" من التَّسْييرِ، والتَّضعيفُ فيه للتعدية، تقول: سَارَ الرَّجُل، وسيَّرْتُهُ أنَا. وقال الفارسيُّ: "هو تَضْعيفُ مُبَالغةٍ لا تضعيفُ تعديةٍ؛ لأنَّ العرب تقول: سِرْتُ الرَّجُلَ وسيَّرته". ومنه قول الهُذليِّ: [الطويل] شعر : 2882- فَلا تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّةٍ أنْتَ سِرْتَهَا فأوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا تفسير : وهذا الذي قالهُ أبو علي غير ظاهر؛ لأنَّ الأكثر في لسان العرب، أنَّ "سار" قاصرٌ، فجعلُ المضعف مأخوذاً من الكثير أولى. وقال ابن عطيَّة: "وَعَلى هذا البيت اعتراضٌ، حتَّى لا يكون شاهداً في هذا؛ وهو أن يكون الضَّمير كالظرف كما تقول: سِرْتُ الطريق". قال أبو حيَّان: "وأمَّا جعلُ ابن عطيَّة الضَّميرَ كالظَّرفِ كما تقول: سِرْتُ الطَّريقَ. فهذا لا يجوزُ عند الجمهور؛ لأنَّ "الطَّريق" عندهم ظرفٌ مختصٍّ كالدَّار، فلا يصلُ إليها الفعلُ غير "دَخَلتُ" عند سيبويه، و "انطلقتُ" و "ذَهَبْتُ" عند الفرَّاء - إلاَّ بوساطة "في"، إلاَّ في ضرورة، وإن كان كذلك فضميرهُ أحرى أن لا يتعدَّى إليه الفعل". وزعم ابنُ الطَّراوةِ أنَّ "الطَّريقَ" ظرفٌ غيرُ مختصٍّ، فيصلُ إليه الفعلُ بنفسه، وأباهُ النُّحَاة". قوله: "حَتَّىٰ إِذَا" "حتَّى" متعلقةٌ بـ "يُسَيِّركم"، وقد تقدَّم الكلامُ على "حتَّى" هذه الداخلة على "إذَا" [النساء:6]، قال الزمخشري: "كيف جعل الكونَ في الفُلكِ غاية التَّسيير في البحر، والتَّسييرُ في البَحْر، إنَّما هو بالكون في الفلك؟ قلت: لَمْ يجعلِ الكون في الفلكِ غاية التَّسيير، ولكنَّ مضمونَ الجملةِ الشرطيةِ الواقعةِ بعد "حتَّى" بما في حيِّزها، كأنَّه قال: يُسَيِّركُم حتَّى إذا وقعت هذه الحادثةُ، فكان كيت وكيت من مجيء الرِّيح العاصفِ، وتراكُم الأمواج، والظَّن للهلاك، والدُّعاء بالإنجاء"، وقرأ أبو الدَّرْدَاء وأمُّ الدرداء: "في الفُلْكِيّ" بياء النَّسب، وتخريجها يحتمل وجهين: أحدهما: أن يراد به الماءُ الغَمْرُ الكثيرُ، الذي لا يجري الفلكُ إلاَّ فيه، كأنَّه قيل: كنتم في اللُّجِّ الفلكيِّ، ويكون الضمير في "جَرَيْنَ" عائداً على الفلك؛ لدلالةِ "الفُلْكي" عليه لفظاً، ولزوماً. والثاني: أن يكون من باب النِّسبةِ، كقولهم: "أحْمَرِيٌّ"، كقوله: [الرجز] شعر : 2883- أطَرَباً وأنتَ قِنَّسْرِيُّ والدَّهْرُ بالإنسَانِ دَوَّارِيُّ تفسير : وكنسبتهم إلى العلم، في قولهم: "الصَّلتَانيّ"، كقوله: [الطويل] شعر : 2884- أنَا الصَّلتانِيُّ الذي قَدْ عَلِمْتُمُ ........................ تفسير : فزاد ياء النَّسب في اسمه. قوله: "وجَريْنَ" يجُوزُ أن يكون نسقاً على "كُنْتُم"، وأن يكون حالاً على إضمار "قَدْ"، والضمير عائدٌ على "الفُلْكِ"، والمراد به هنا: الجمع، وقد تقدَّم أنه تكسير، وأنَّ تغييره تقديريٌّ [البقرة:164]، فضمَّتُه كضمَّةِ "بُدْن"، وأنَّهُ ليس باسم جمع كما زعم الأخفشُ. وقوله: "بِهِمْ" فيه التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة. قال الزمخشري: "فإن قلت ما فائدةُ صرف الكلامِ، عن الخطابِ إلى الغيبةِ؟ قلت: المبالغةُ؛ كأنه يذكُرُ لغيرهم حالهُ ليُعَجِّبَهم منها، ويستدعي منهم الإنكارَ والتَّقبيحَ"، وقال ابنُ عطيَّة: "بِهِمْ: خروجٌ من الخطاب إلى الغَيْبَة، وحسُنَ ذلك؛ لأنَّ قوله: "كُنتُمْ في الفُلْكِ" هو بالمعنى المعقُول، حتى إذا حصل بعضكم في السُّفُن". انتهى، فقدَّر اسماً غائباً، وهو ذلك المضافُ المحذوف، فالضميرُ الغائب يعود عليه، ومثله {أية : أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ}تفسير : [النور:40]، تقديره: أو كذي ظُلُمات، وعلى هذا فليس من الالتفات في شيءٍ. وقال أبو حيَّان: "والذي يظهر أنَّ حكمةَ الالتفاتِ هنا: هي أنَّ قوله {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ} خطابٌ فيه امتنانٌ، وإظهارُ نعمةٍ للمخاطبين، والمُسَيَّرون في البَرِّ والبَحْر مؤمنون وكُفَّار، والخطابُ شاملٌ، فحسُنَ خطابُهُم بذلك، ليستديمَ الصَّالحُ على الشُّكْر، ولعلَّ الطَّالحَ يتذكَّرُ هذه النّعْمَة. ولمَّا كان في آخر الآية ما يقتضي أنَّهم إذا نجوا بغَوا في الأرض، عدلَ عن خطابهم بذلك إلى الغَيْبة؛ لئلاَّ يخاطب المؤمنين بما لا يليقُ صُدُورُه منهم، وهو البغيُ بغير الحقِّ". قوله: "بريحٍ" متعلِّقٌ بـ "جَرَيْنَ"، فيقال: كيف يتعدَّى فعلٌ واحدٌ، إلى معمولين بحرف جرٍّ متحدٍ لفظاً ومعنًى؟ فالجوابُ: أنَّ الياءَ الأولى للتَّعدية، كهي في "مَرَرْتُ بزَيْدٍ"، والثانية للحالِ، فتتعلق بمحذُوف، والتقدير: جريْنَ بهم مُلتبسةً بريحٍ، فتكونُ الحالُ من ضميرِ الفُلْكِ. قوله: "وَفَرِحُواْ بِهَا" يجُوزُ أن تكون هذه الجملةُ نسقاً على "جَرَيْنَ"، وأن تكُون حالاً، و "قد" معها مُضْمَرةٌ عند بعضهم، أي: وقد فَرِحَوا، وصاحبُ الحَالِ الضَّمير في "بِهِمْ". قوله: "جَاءَتْهَا" الظَّاهرُ أنَّ هذه الجملة الفعليَّة جواب "إِذَا"، وأنَّ الضمير في "جَاءَتْهَا" ضميرُ الرِّيح الطيِّبة، أي: جاءتِ الريحَ الطَّيبةَ ريحٌ عاصفٌ، أي: خَلَفتْهَا، وبهذا بدأ الزمخشري، وسبقه إليه الفرَّاء وجوَّز أن يكون الضميرُ للفلك، ورجَّح هذا بأنَّ الفلك هو المُحَدَّث عنه. قوله: "وظَنُّوا" يجُوزُ أن يكون معطوفاً على "جَاءَتْهَا"، الذي هو جوابُ "إذَا"، ويجوز أن يكون معطوفاً على "كُنتُمْ"، وهو قولُ الطبري؛ ولذلك قال: وظَنُّوا جوابه "دعوُا الله". قال أبو حيَّان: "ظاهرُه العطفُ على جواب "إذَا"، لا أنَّه معطوفٌ على كُنتُمْ، لكنَّه محتمل، كما تقول: "إذا زَارك فلان أكرمهُ، وجاءكَ خالدٌ فأحسن إليه"، وكأنَّ أداةَ الشَّرطِ مذكورةٌ". وقرأ زيد بن علي: "حِيطَ" ثلاثيّاً. قوله: "دَعَوُاْ ٱللَّهَ" قال أبو البقاء: "هو جوابُ ما اشتمل عليه المعنى من معنى الشَّرطِ، تقديره: لمَّا ظنُّوا أنَّهُم أحيط بهم دعوُا الله"، وهذا كلامٌ فارغٌ، وقال الزمخشري: "هي بدلٌ من "ظَنُّوا"؛ لأنَّ دعاءهم من لوازم ظنِّهم الهلاكَ، فهو مُتلبسٌ به"، ونقل أبو حيَّان عن شيخه أبي جعفر: "أنَّه جوابٌ لسُؤال مقدَّر، كأنَّه قيل: فماذا كان حالهم إذ ذاك؟ فقيل: دَعَوا الله"، وهذا نقله ابنُ الخطيب عن بعضهم، و "مُخْلِصينَ" حال، و "لَهُ" متعلِّقٌ به، و "الدِّينَ" مفعوله. قوله: "لَئِنْ أَنْجَيْتنا": اللاَّمُ: موطئةٌ للقسم المحذوف، و "لنَكُونَنَّ": جوابه، والقسمُ وجوابُهُ: في محلِّ نصب بقول مقدَّر، وذلك القولُ المقدَّرُ: في محلِّ نصبٍ على الحالِ، والتقديرُ: دعوا قائلين: لَئِن أنْجَيتنَا من هذه لنكُوننَّ، ويجوزُ أن يجرى "دعَوا" مجرى "قالُوا" لأنَّ الدُّعَاء والقول بمعنى؛ إذ هو نوعٌ من أنواعه، وهو مذهبٌ كوفيٌّ. قوله: "إِذَا هُمْ يَبْغُونَ": جوابُ "لمَّا"، وهي "إذَا" الفُجائيَّة، وقوله: "بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ": حالٌ، أي: ملتبسين بغير الحقِّ، قال الزمخشري: "فإن قلت: ما معنى قوله: "بِغَيْرِ الحقِّ" والبغيُ لا يكون بحقٍّ؟ قلت: بلى، وهو استيلاءُ المسلمين على أرض الكُفَّار، وهدْمُ دُورهم، وإحراقُ زُرُوعهم، وقطع أشجارهم، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني قريظة"، وكان قد فسَّر البغي بالفساد، والإمعان فيه، مِن "بَغَى الجرحُ: إذا ترامى للفساد". ولذلك قال الزجاج: "إنّه الترقِّي في الفساد"، وقال الأصمعي أيضاً: "بَغَى الجرحُ: ترقَّى إلى الفساد، وبغتِ المرأةُ: فجرت". قال أبو حيَّان: "ولا يصِحُّ أن يقال في المسلمين، إنَّهُم باغُون على الكفرة، إلاَّ إن ذكر أنَّ أصل البغي، هو الطلبُ مطلقاً، ولا يتضمَّن الفساد، فيحينئذٍ ينقسم إلى: طلبٍ بحقٍّ، وطلبٍ بغير حقٍّ". قال الواحدي: "وأصلُ البغي: الطلب"، وقد تقدم أنَّ هذه الآي، ترُدُّ على الفارسي، أنَّ "لمَّا" ظرف بمعنى "حين"؛ لأنَّ ما بعد "إذَا" الفُجائيَّة، لا يعمل فيما قبلها، وإذا قد فرض كون "لمَّا" ظرفاً لزم أن يكون لها عاملٌ. فصل دلَّت هذه الآية: على أن فعل العبد خلق لله - تعالى -؛ لأنَّه قال: "يُسَيِّركُمْ"، وقال: {أية : قُلْ سِيرُواْ}تفسير : [الأنعام:11] وهذا يدل على أن سيرهم منهم، ومن الله، فيكون كسباً لهم وخلقاً لله. ونظيره قوله - تعالى -: {أية : كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الأنفال:5] وقال في آيةٍ أخرى: {أية : إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [التوبة:40]، وقوله {أية : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ}تفسير : [النجم:43]، مع قوله: {أية : فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً}تفسير : [التوبة:82]، قال القفال: "هو الذي يسيركم في البرِّ والبحْرِ؛ أي: هو الهادي لكم إلى السَّيْرِ في البحر والبر، طلباً للمعاش، وهو المسير لكم؛ لأنَّه هيَّأ لكم أسباب ذلك السَّيْر"، والجواب: لا شك أنَّ المسيِّر في البحر هو الله - تعالى جلَّ ذكره -؛ لأنَّه هو المحدث لتلك الحركات في أجزاء السَّفينة، وإضافة الفعل إلى الفاعل هو الحقيقة، فيجبُ أن يكون مسيراً لهم في البرِّ والبحر، إذ لو كان مسيّراً لهم في البرِّ بمعنى إعطاء الآلات والأدوات، لكان مجازاً، فيلزم كون اللفظ الواحد حقيقة ومجازاً دفعةً واحدةً، وذلك باطلٌ، على ما تقرر في أصول الفقه، قال أبو هاشم: "لايبعُد أن يقال: إن الله تعالى تكلَّم به مرَّتين"، وهذا باطلٌ؛ لأن هذا القول لم يقل به أحدٌ من الأئمَّة، ممَّن كانوا قبله، فكان خلافاً للإجماع، فيكون باطلاً. فصل معنى الآية: {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ} على ظهور الدَّوابِّ، وفي البحر على الفلك، {حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ} أي: في السفن. والفلك: تكون واحداً، وجمعاً، "وَجَرَيْنَ بِهِم" أي: جرت الفلك بالنَّاس، رجع من الخطاب إلى الغيبة. والفائدة فيه من وجوه: أحدها: ما تقدم عن الزمخشري، وهو المبالغةُ بذكر حالهم لغيرهم؛ ليعجبوا منها، ويستدعي منهم مزيد الإنكار والتَّقبيح. وثانيها: قال الجُبَّائي: "إنَّ مخاطبته - سبحانه جلَّ ذكره - لعباده، على لسان الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - بمنزلة الخبر عن الغائب، وكل من أقام الغائب مقام المخاطب، حسن منه أن يردَّه مرة أخرى إلى الغائب". وثالثها: قال ابن الخطيب: "إن الانتقال من لفظ الغيبة، إلى لفظِ الحضور، يدلُّ على مزيد التقريب، والإكرام، وأمَّا الانتقال من لفظ الحضور، إلى لفظ الغيبة، فإنه يدلُّ على المقتِ، والتعذيب، وهو اللاَّئق بحال هؤلاء، لأنَّ من كان صفته، أنَّه يقابل إحسان الله إليه بالكفر، أن يكون اللاَّئقُ به ذلك". والأول كما في الفاتحة، فإن قوله: {أية : بسم الله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}تفسير : [الفاتحة:1-3] خطاب غيبة، ثم قال: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}تفسير : [الفاتحة:5]: وهذا يدل على أن العبد، كأنه انتقل من مقام الغيبة إلى مقام الحضور، وهو يوجب عُلُو الدرجة، وكمال القرب. ثم قال: "بريحٍ طيبةٍ": لينة، "وفَرِحُوا بها" أي: بالرِّيح، "جَاءَتْهَا" أي: جاءت الفلك، أو جاءت الريح اللينة كما تقدَّم، "ريح عاصف" شديدة، ولم يقل عاصفة؛ لاختصاص الرِّيح بالعُصُوف، وقيل: "الرِّيح" يُذكَّر ويؤنث. قال الفراء، والزجاج: يقال: ريحٌ عاصفٌ، وعاصفةٌ، وقد عصفتْ عُصُوفاً وأعْصَفَتْ فهي مُعْصِف ومُعْصِفَة، وعصفت الريح: اشتدتْ وأصلُ العَصْف: السُّرعة، يقال: ناقةٌ عاصفٌ، وعصُوفٌ؛ سريعة، وإنما قيل: "ريحٌ عاصفٌ" لأنَّه يُراد ذات عُصُوف، كما قيل: لابنٌ وتامرٌ؛ أو لأنه لفظ يذكَّر ويؤنَّث. فإن قيل: الضميرُ في "جَاءتْهَا" يعودُ على الفلك، وهو ضمير الواحد، والضمير في قوله: "وجَريْنَ بهمْ" عائد على الفلك، وهو ضميرُ الجمع، فما السببُ فيه؟. فالجواب من وجهين: الأول: لا نُسَلِّم أن الضمير في "جَاءتْهَا"، عائدٌ إلى الفلك، بل يعُود على الرِّيح الطيِّبة. الثاني: لو سلَّمنا ذلك، إلاَّ أنَّ لفظ الفلك يصلح للواحد والجمع. ثم قال: "وجَاءَهُم" أي: ركَّاب السفينة "الموج مِن كُلِّ مكانٍ" وهو حركةُ الماءِ واختلاطهُ، وقيل: المَوْج ما ارتفع من الماء فوق البحر، "وظَنُّوا": أيْقَنُوا "أنَّهُم أحيطَ بهم" أي: ظنُّوا القرب من الهلاك، وأصله: أنَّ العدوَّ إذا أحاط بقوم أو بلدٍ، فقد دنوا من الهلاك، {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي: أخلصُوا لله في الدعاء، ولم يدعُوا أحداً سواه، قال ابنُ عبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: يريد: ترك الشرك، ولم يشركوا به من آلهتهم شيئاً، وقال الحسن - رحمه الله: "دَعَوُا اللهُ مُخْلصينَ؛ جارياً مُجْرَى الإيمان الاضطراري"، وقال ابن زيد: "هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون، فإذا جاء الضُّرُّ والبلاء لم يدعُوا إلاَّ الله" وعن أبي عبيدة: أنَّ المراد من ذلك الدعاء قولهم: أهْيَا شر هَيَا، أي: يا حيُّ يا قيُّوم، وقالوا: لَئِنْ أنْجيتنا يا رب من هذه الريح العاصف، أو من هذه الأمواج، أو من هذه الشدائد، وهذه الألفاظ، وإن لم يسبق ذكرها؛ إلا أنه سبق ما يدلُّ عليها، {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} لك بالإيمان والطَّاعة. واعلم: أنَّه يمكن أن يقدَّر في الآية إضمار، تقديره: دعوا اللهَ مخلصين لهُ الدِّين، مريدين أن يقولوا: لَئِنْ أنْجَيْتَنا، ويمكن أن يقال: لا حاجة إلى الإضمار؛ لأنَّ قوله: "دعَوُا اللهَ" يصير مُفَسَّراً بقوله: {أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} فهم في الحقيقة، ما قالُوا إلاَّ هذا القول. ولمَّا حكى عنهم التَّضرع الكامل، ذكر أنَّهُم بعد الخلاص من تلك البليَّة، أقدموا في الحالِ على البغي في الأرض بغير الحقِّ، قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: يريد: بالفسادِ والتَّكذيب والجُرْأة على الله - عزَّ وجلَّ -. قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} أي: وباله راجعٌ إليها، وقيل: المرادُ: بغي بعضكم على بعض، كقوله: {أية : ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [النساء:66]، {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [النساء:29]، {أية : وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}تفسير : [الحجرات:11] والمعنى: أنَّ بغي بعضهم على بعض، منفعة الحياة الدنيا، ولا بقاء لها، والبغي من منكرات المعاصي، قال: صلوات الله وسلامه عليه -: "حديث : أسْرَعُ الخَيْرِ ثواباً صلةُ الرَّحم، وأعجلُ الشَّرِّ عقاباً البغي، واليمين الفاجرة"تفسير : ، وروي: "حديث : ثنتان يعجلهما الله - تعالى - في الدنيا: البَغْي، وعقُوقُ الوالدين" تفسير : وعن ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: "حديث : لو بغى جَبَلٌ على جبلٍ، لاندَكَّ الباغِي ". تفسير : وقال محمد بن كعب - رضي الله عنه - ثلاثٌ من كنَّ فيه كنَّ عليه: البغيُ، والنَّكْثُ، والمَكْرُ، قال - تعالى -: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ}، {أية : وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ}تفسير : [الأنعام:123]، {أية : فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ}تفسير : [الفتح:10]. قوله: {مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} قرأ حفص: "مَتَاعَ" بالنصب، ونصبُه على خمسة أوجه: أحدها: أنَّهُ منصوب على الظرف الزمانيُّ، نحو: "مَقْدمَ الحجَّاج"، أي: زمن متاع الحياة. والثاني: أنَّه منصوبٌ على المصدرِ الواقع موقع الحالِ، أي: مُتَمتِّعينَ، والعاملُ فِي هذا الظرف، وهذه الحال: الاستقرارُ الذي في الخبر، وهو "عليكم"، ولا يجوزُ أن يكونا منصوبين بالمصدر؛ لأنَّه يلزمُ منه الفصلُ بين المصدر، ومعموله بالخبر، وقد تقدَّم أنَّه لا يخبرُ عن الموصول إلاَّ بعد تمام صلته. والثالث: نصبه على المصدر المؤكَّد بفعلٍ مقدرٍ، أي: يتمتَّعُون متاع الحياة الدُّنْيا. الرابع: أنه منصوبٌ على المفعول به، بفعلٍ مقدر يدلُّ عليه المصدر، أي: يَبْغُون متاع الحياةِ الدُّنيا، ولا جائزٌ أن ينتصب بالمصدر؛ لما تقدَّم. الخامس: أن ينتصب على المفعول من أجله، أي: لأجل متاعٍ، والعامل فيه: إمَّا الاستقرارُ المقدَّرُ في "عَلَيْكُم"، وإمَّا فعلٌ مقدَّرٌ، ويجوز أن يكون النَّاصبُ له، حال جعله ظرفاً، أو حالاً، أو مفعولاً من أجله: نفس البغي، لا على جعل "عَلَى أنْفُسِكُم" خبراً، بل على جعله متعلِّقاً بنفس البغي، والخبرُ محذوفٌ؛ لطول الكلام، والتقدير: إنَّما بغيكم على أنفسكم، متاع الحياة مذمومٌ، أو مكروهٌ، أو مَنْهيٌّ عنه. وقرأ باقي السبعة "مَتَاعُ" بالرفع - وفيه أوجه: أظهرها: أنَّه خبرُ "بَغْيُكُمْ"، و "عَلَى أنفُسِكُمْ": متعلقٌ بالبغي. ويجُوزُ أن يكون "عليكم" خبراً، و "مَتَاعُ" خبراً ثانياً. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هو متاع كقوله: {أية : لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ}تفسير : [الأحقاف:35]. أي: هذا بلاغٌ. وقرأ ابن أبي إسحاق، "مَتَاعاً الحياةَ" بنصب "مَتَاعاً" و "الحَيَاة"، فـ "مَتَاعاً": على ما تقدَّم، وأمَّا "الحَيَاة": فيجُوزُ أن تكون مفعولاً بها، والنَّاصِبُ لها المصدر، ولا يجوزُ والحالةُ هذه، أن يكون "مَتَاعاً" مصدراً مؤكداً؛ لأنَّ المؤكِّد لا يعمل. ويجُوزُ أن تنتصب "الحَيَاة" على البدل من "مَتَاعاً" لأنها مشتملةٌ عليه، وقرىء أيضاً: "مَتاعِ الحياة"، بجرِّ "متاع"، وخُرِّجت على النَّعت لأنفسكم، ولا بُدَّ من حذف مضافٍ حينئذٍ، تقديره: على أنفسكم ذوات متاع الحياة، كذا خرَّجهُ بعضهم، ويجُوزُ أن يكون ممَّا حذف منه حرفُ الجَرّ، وبقي عمله، أي: إنَّما بَغْيُكم على أنفسكم؛ لأجل متاع، ويدلُّ على ذلك؛ قراءةُ النَّصْب في وجه من يجعله مفعولاً من أجله، وحذفُ حرف الجرِّ، وإبقاءُ عمله قليلٌ، وهذه القراءةُ لا تتباعَدُ عنه. وقال أبُو البقاء: "ويجوزُ أن يكون المصدر، بمعنى اسم الفاعل، أي: مُتَمتِّعات"، يعني: أنَّهُ يجعلُ المصدر نعتاً لـ "أنْفُسِكُم"، من غير حذف مضافٍ، بل على المبالغة، أو على جعل المصدر بمعنى: اسم الفاعل، ثم قال: "ويضعُف أن يكون بدلاً إذا أمكن أن يجعل صفة". قال شهابُ الدِّين: "وإذا جعل بدلاً على ضعفه، فمنْ أيِّ قبيل البدلِ يجعل؟ والظاهر: أنَّه من بدلِ الاشتمال، ولا بُدَّ من ضميرٍ محذوفٍ حينئذٍ، أي: متاع الحياة الدُّنيا لها". ثم قال: "ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ" أي: ما وعدنا من المُجازاة على أعمالكم {فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} والإنبَاءُ: الإخبار، وهو هُنَا وعيدٌ بالعذابِ، كقول الرَّجُل لغيره: سأخْبِرُكَ بما فعلتَ.

السيوطي

تفسير : أخرج البيهقي في سننه عن ابن عمر‏.‏ أن تميماً الداري سأل عمر بن الخطاب عن ركوب البحر فأمره بتقصير الصلاة قال‏:‏ يقول الله‏:‏ ‏{‏هو الذي يسيركم في البر والبحر‏} ‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ‏ {‏حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم‏}‏ قال‏:‏ ذكر هذا ثم عد الحديث في حديث آخر عنه لغيرهم قال ‏ {‏وجرين بهم‏} ‏ قال‏:‏ فعزا الحديث عنهم فأوّل شيء كنتم في الفلك وجرين بهؤلاء لا يستطيع يقول‏:‏ جرين بكم وهو يحدث قوماً آخرين، ثم ذكر هذا ليجمعهم وغيرهم ‏ {‏وجرين بهم‏} ‏ هؤلاء وغيرهم من الخلق‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله ‏{‏وظنوا أنهم أحيط بهم‏} ‏ قال‏:‏ أهلكوا‏. وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة قال‏:‏ فر عكرمة بن أبي جهل يوم الفتح، فركب البحر فأخذته الريح، فنادى باللات والعزى‏.‏ فقال أصحاب السفينة‏:‏ لا يجوز ههنا أحد أن يدعو شيئاً إلا الله وحده مخلصا‏ً.‏ فقال عكرمة‏:‏ والله لئن كان في البحر وحده إنه لفي البر وحده‏.‏ فأسلم‏. وأخرج ابن سعد عن ابن أبي مليكة قال‏:‏ لما كان يوم الفتح ركب عكرمة بن أبي جهل البحر هارباً، فخب بهم البحر فجعلت الصراري أي الملاح يدعون الله ويوحدونه‏.‏ فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏ قالوا‏:‏ هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله، قال‏:‏ فهذا إله محمد الذي يدعونا إليه فارجعوا بنا، فرجع فاسلم‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال‏:‏ ‏حديث : لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال "‏اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة، عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن ضبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار، فسبق سعيد عماراً وكان أشب الرجلين فقتله، وأما مقيس بن ضبابه فأدركه الناس في السوق فقتلوه، وأما عكرمة فركب البحر فاصابتهم عاصفة فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة‏:‏ اخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا‏ً.‏ فقال عكرمة‏:‏ لئن لم ينجني في البحر إلا الاخلاص ما ينجني في البر غيره، اللهم إن لك عهداً إن أنت عافيتني مما أنا فيه إن آتى محمداً صلى الله عليه وسلم حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوّاً كريماً‏.‏ قال‏:‏ فجاء فأسلم، وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان رضي الله عنه، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للبيعة جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله بايع عبد الله‏.‏ قال‏:‏ فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً كل ذلك يأبى فبايعه بعد الثلاث‏.‏ ثم أقبل على أصحابه فقال‏: اما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله‏. قالوا‏:‏ وما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك‏؟‏ قال‏: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة أعين‏" ‏‏. تفسير : وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم والخطيب في تاريخه والديلمي في مسند الفردوس عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "حديث : ‏ثلاث هن رواجع على أهلها، المكر، والنكث، والبغي، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ {‏يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم‏} ‏ {ولا يحيق المكر السيِّىء إلا بأهله‏} [‏فاطر: 43‏]‏ {‏ومن نكث فإنما ينكث على نفسه‏} [‏الفتح: 10‏]‏ ‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن نفيل الكناني رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث ‏"‏حديث : قد فرغ الله من القضاء فيهن لا يبغين أحدكم، فإن الله تعالى يقول ‏{‏يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم‏}‏ ولا يمكرن أحد فإن الله تعالى يقول ‏{‏ولا يحيق المكر السيِّىء إلا بأهله‏} ‏[‏فاطر: 43‏]‏ ولا ينكث أحد فإن الله يقول ‏{‏ومن نكث فإنما ينكث على نفسه‏} ‏[الفتح: 10]‏ ‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي بكرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "حديث : ‏لا تبغ ولا تكن باغياً، فإن الله يقول ‏{‏إنما بغيكم على أنفسكم‏}‏ ‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الزهري قال‏:‏ بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏لا تبغ ولا تكن باغياً فإن الله يقول ‏{‏إنما بغيكم على أنفسكم‏}‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "حديث : ‏لا يؤخر الله عقوبة البغي فإن الله قال ‏{‏إنما بغيكم على أنفسكم‏}‏ ‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي بكر رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ما من ذنب أجدر من أن يعجل الله لصاحبه العقوبة من البغي وقطيعة الرحم ‏"‏‏. تفسير : وأخرج أبو داود والبيهقي في الشعب عن عياض بن جابر‏.‏ أن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد‏. وأخرج البيهقي في الشعب من طريق بلال بن أبي بردة عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : لا يبغي على الناس إلا ولد بغي أو فيه عرق منه ‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن رجاء بن حيوة‏.‏ أنه سمع قاصاً في مسجد مِنى يقول‏:‏ ثلاث خلال هن على من عمل بهن البغي، والمكر، والنكث، قال الله ‏ {‏إنما بغيكم على أنفسكم‏} ‏ ‏{أية : ‏ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله‏}‏ ‏تفسير : [‏فاطر: 43‏]‏ ‏{أية : ‏ومن نكث فإنما ينكث على نفسه‏}‏ ‏تفسير : [‏الفتح: 10‏]‏ ثم قال‏:‏ ثلاث خلال لا يعذبكم الله ما عملتم بهن‏:‏ الشكر، والدعاء، والاستغفار، ثم قرأ ‏{أية : ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم‏}‏ تفسير : ‏[‏فاطر: 43‏]‏ ‏{أية : ‏قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم} ‏تفسير : [‏الفتح: 10‏]‏ و ‏{أية : ‏ما كان الله معذبهم وهم يستغفرون‏} ‏تفسير : [‏الأنفال: 33‏]‏‏. وأخرج أبو الشيخ عن مكحول قال‏:‏ ثلاث من كن فيه كن عليه‏:‏ المكر والبغي والنكث‏.‏ قال الله ‏ {‏إنما بغيكم على أنفسكم‏}‏‏ . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لو بغى جبل على جبل لدك الباغي منهما‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه من حديث ابن عمر رضي الله عنه‏.‏ مثله‏. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه قال‏:‏ "ما من عبادة أفضل من أن يسأل، وما يدفع القضاء إلا الدعاء، وإن أسرع الخير ثواباً البر، واسرع الشر عقوبة البغي، وكفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه، وأن يأمر الناس بما لا يستطيع التحوّل عنه، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه‏‏‏".

ابو السعود

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى يُسَيّرُكُمْ} كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبـيان جنايةٍ أخرى لهم مبنيةٍ على ما مر آنفاً من اختلاف حالِهم حسب اختلافِ ما يعتريهم من السراء والضراءِ، أي يمكّنكم من السير تمكيناً مستمراً عند الملابسة به وقبلها {فِى ٱلْبَرّ} مشاةً ورُكباناً وقرىء ينشُركم من النشر ومنه قوله عز وجل: {أية : بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ}تفسير : [الروم: 20] {وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ} أي السفن فإنه جمعُ فَلك على زنة أُسْد جمعُ أسَد لا على وزن قفل، وغايةُ التسيـيرِ ليست ابتداءَ ركوبِهم فيها بل مضمونُ الشرطيةِ بتمامه كما ينبىء عنه إيثارُ الكونِ المؤذنِ بالدوام على الركوب المُشعِرِ بالحدوث {وَجَرَيْنَ} أي السفن {بِهِمُ} بالذين فيها، والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذان مما لهم من سوء الحالِ الموجبِ للإعراض عنهم كأنه يُذكر لغيرهم مساوىءُ أحوالِهم ليعجِّبهم منها ويستدعيَ منه الإنكارَ والتقبـيحَ، وقيل: ليس فيه التفاتٌ بل معنى قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ} إذا كان بعضُكم فيها إذ الخطابُ للكل ومنهم المسيَّرون في البر، فالضميرُ الغائبُ عائدٌ إلى ذلك المضافِ المقدر كما في قوله تعالى: {أية : أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ فِى بَحْرٍ لُّجّىّ يَغْشَـٰهُ }تفسير : [النور: 40] أي أو كذي ظلماتٍ يغشاه موجٌ {بِرِيحٍ طَيّبَةٍ} ليّنةِ الهُبوب موافقةٍ لمقصدهم {وَفَرِحُواْ بِهَا} بتلك الريحِ لطيبها وموافقتها {جَاءتْهَا} جوابُ إذا والضميرُ المنصوبُ للريح الطيبةِ أي تلقتْها واستولتْ عليها من طرف مخالِفٍ لها فإن الهبوبَ على وفقها لا يسمى مجيئاً لريح أخرى عادةً بل هو اشتدادٌ للريح الأولى وقيل: للفُلك والأول أظهرُ لاستلزامه للثاني من غير عكس لأن الهبوبَ على طريقة الريح اللينةِ يعد مجيئاً بالنسبة إلى الفُلك دون الريح اللينة مع أنه لا يستتبع تلاطمَ الأمواجِ الموجبِ لمجيئها من كل مكان، ولأن التهويلَ في بـيان استيلائِها على ما فرحوا به وعلَّقوا به حبالَ رجائِهم أكثرُ {رِيحٌ عَاصِفٌ} أي ذاتُ عصْفٍ وقيل: العصُوفُ مختصٌّ بالريح فلا حاجة إلى الفارق وقيل: الريحُ قد يذكّر {وَجَاءهُمُ ٱلْمَوْجُ} في الفلك {مّن كُلّ مَكَانٍ} أي من أمكنة مجيءِ الموجِ عادةً ولا بُعدَ في مجيئه من جميع الجوانبِ أيضاً إذ لا يجب أن يكون مجيئُه من جهة هبوبِ الريح فقط بل قد يكون من غيرها بحسب أسبابٍ تتفق له {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} أي هلَكوا فإن ذلك مثلٌ في الهلاك أصلُه إحاطةُ العدو بالحيّ أو سدّت عليهم مسالكُ الخلاص {دَّعَوَا ٱللَّهَ} بدلٌ من ظنوا بدل اشتمال لما بـينهما من الملابسة والتلازم أو استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال ينساقُ إليه الأذهانُ كأنه قيل: فماذا صنعوا؟ فقيل: دعوُا الله {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ} من غير أن يشركوا به شيئاً من آلهتهم لا مخصّصين لدعاء به تعالى فقط بل للعبادة أيضاً فإنهم بمجرد تخصيصِ الدعاء به تعالى لا يكونون مخلِصين له الدين. {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا} اللامُ موطئةٌ للقسم على إرادة القولِ أي قائلين: والله لئن أنجيتنا {مِنْ هَـٰذِهِ} الورطة {لَنَكُونَنَّ} البتةَ بعد ذلك أبداً {مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} لنعمك التي من جملتها هذه النعمةُ المسؤولةُ وقيل: الجملةُ مفعولُ دعَوا لأن الدعاءَ من قبـيل القولِ والأولُ هو الأَولى لاستدعاء الثاني لاقتصار دعائِهم على ذلك فقط وفي قوله: {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} من المبالغة في الدِلالة على كونهم ثابتين في الشكر مثابرين عليه منتظِمين في سلك المنعوتين بالشكر الراسخين فيه ما ليس في أن يقال لنشكُرن.

التستري

تفسير : قوله: {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}[22] قال: الإخلاص هو المشاهدة، وحياة القلب في شيئين، الإيمان في الأصل والإخلاص في الفرع، وإن الإخلاص خطر عظيم، وصاحبه منه على حذر حتى يصل إخلاصه بالموت، لأن الأعمال بالخواتيم، {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ} تفسير : [الحجر:99].

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} [الآية: 22]. قال ابن عطاء: سيَّر الأولياء بقلوبهم وسيَّر الأعداء بنفوسهم. ومعنى البر: اللسان، ومعنى البحر القلب. وقيل: ليسيركم فى برارى الشوق وبحار القربة، حتى إذا كنتم فى الفلك يعنى: فى القبضة والأسر وهبَّت رياح الكرم على المريدين الذين هم فى الطريق، وفرحوا بما تلحقهم من العناية والرعاية جاءتها ريح عاصف أتت عليهم من موارد القدرة ما أفناهم عن صفاتهم وحيرهم فى طريقهم، وجاءتهم أمواج القهر وقهرهم عما بهم وظنوا أنهم أحيط بهم توهموا أنهم من الهلكى فى الأمواج، وهم المطهرون الأخيار، دعوا الله مخلصين له الدين تركوا ما لهم وبهم وعليهم من الاختيار والتدبير ورجعوا إلى حد التفويض والتسليم فنجوا. وقال بعضهم: سيَّر العباد والزهاد بالأنفس فى البر وهو الدرجات والمنازل، وسيَّر العارفين بالقلوب فى البحار وفيها الأمواج والأخطار، ولكن سير شهر فى يوم. قال بعضهم: {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ} هو الصفات، وفى البحر هو الاستغراق فى الذات. قال بعضهم: يسيركم فى البر الاستدلالات بالوسائط، والبحر غلبات الحق بلا واسطة. قوله تعالى: {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}. قال النورى: المخلص فى دعائه من لا يصحبه من نفسه شىء سوى رؤية من يدعوه. وقال الجنيد رحمة الله عليه: الإخلاص ما أريد الله به أى عمل كان. وقال رويم: الإخلاص ارتفاع رؤيتك من الفعل. قال ابن عطاء: الإخلاص ما خلص من الآفات. قال حارث: الإخلاص إخراج الخلق من معاملة الله. قال ذو النون: الإخلاص ما حفظ من العدوان يفسده. وسألت أبا عثمان المغربى عن الإخلاص فقال: الإخلاص ما لا يكون للنفس فيه حظ بحال، وهذا إخلاص العوام وإخلاص الخواص ما يجرى عليهم لا بهم، فتبدو الطاعات وهم عنها بمعزل، ولا يقع لهم عليها رؤية ولا بها اعتداء، فذلك إخلاص الخواص. قال أبو يعقوب السوسى: الخالص من الأعمال ما لم يعلم به ملك فيكتبه ولا عدو فيفسده ولا تعجب به النفس.

القشيري

تفسير : يريد أنهم يُصْبحون في النّعم يجرُّون أذيالَهُم، ثم يُمْسُون يبكون لَيَالِيَهُم. وقد يَبِيتُون والبهجةُ مَلكَتْهُم ثم يصبحون وخفايا التقدير أهلكتْهُم، وأنشدوا: شعر : أقمتَ زماناً والعيونُ قريرةٌ وأصبحتَ يوماً والجفونُ سوافِكُ تفسير : فإذا رجعوا إلى الله بإخلاص الدعاء يجود عليهم بكَشْفِ البلاء. فلمَّا أنجاهم بالإجابة لدعائهم إذا هم إلى غيره يرجِعون، وعلى مناهجهم - في تمردهم يسلكون.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} ذكر الله سبحانه عجائب احوال العارفين فى هذه الاية اى يسير نفوسكم فى بر المجاهدات ويسير قلوبكم فى بحر المشاهدات وايضاً يسير عقولكم فى بر الايات ويسير قلوبكم وارواحكم فى بحر الصفات والذات ثم وصف سير القلوب والارواح فى بحار الذات والصفات بقوله {حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ} اى فى كنف الرعاية الازلية ولولا ذلك الفلك كيف يجرى الحدث فى انوار بحار القدم جرت القلوب فى بحار الصفات بعناية الذات لا بها اذ هى فى قبضة ملكه وملكوته واصابع انوا رجبروته يقلبها بسفن قبضه فى انوار صفته وذلك قوله {وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} ريح الكرم والعناية لسيرها بريح نطفه فى بحار الازال والاباد وما اطيب مهب صبا وصاله فى قلوب العاشقين والوامقين انشد شعر : الا يا نسيم الريح ما لك كلما تقربت منا زاد نشرك طنينا أظن سليمى جزت بسقامنا فاعطتك رياها فجئت طبيبنا تفسير : ففرحت القلوب يسيرها فى الوصال بطيب ريح الجمال وذلك قوله {وَفَرِحُواْ بِهَا} نشطوا بالله على الله فلما سكنوا فى مجالس الوصال وتمتعوا بحسن الجمال عادت عليهم غيرة القدم وارادت ان يخرجها من ساحة القدم وبساطين الكرم الى معادنها من العدم وهكذا عادة العشق بذيق العاشق من الفراق بعد ذوق الوصَال وذلك قوله {جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ} فذروها عواصفات قهر الازل وتحيطها امواج بحار الابد وفارقها طيب ريح الوصال وحسن لطائف الجمال وبقيت فى امواج عظمة الكمال قال قائلهم شعر : فبتنا على زعم الحسود وبيننا شراب كريح المسك شيب به الخمر فوسدتها كفى وبت صحيفها وقلت لليلى طل فقدر قدر البدر فلما اضاء الصبح فوق بيننا واى نعيم لا يدره الدهر تفسير : وانشد ايضاً شعر : اقمنا زمانا والعيون قريرة واصبحت يوما والجفون سواكب تفسير : فلما وصلت القلوب الى قاموس الكبرياء وكادت تفنى بامواج البهاء قرت منه اليه واستعاذت من قهره بلطفه بقوله {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} دعوا الله بالله بعد استماع مناداة الله بعد التبرى من غير الله وبنعت بذل الموجود لله {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} اى لئن تخلصنا من قهر غيرتك والغرق فى بحار الوهيتك لانا نحن الحدث والحدث لا يورى القدم فوفقنا برؤية جمال نباتك لنبق ببقائك معك فى بقائك ونشكرك بك لابناً فلو اردت فبأنا كيف نبقى معك فاذا وجب علينا شكر البقاء مع بقائك وشكرنا معرفة عجزنا عن حمل شكرك حيث شكرت نفسك بشكرك القديم المنزه عن شكر الشاكرين قيل يسيركم فى برادى الشوق و بحار القربة حتى اذا كنتم فى الفلك يعنى فى القبعنة والاسر وهبته رياح الكرم على المريدين الذين هم فى الطريق وفرحوا بما يلحقهم من العناية والرعاية جاءتها ريح عاصف اتت علىهم من موارد القدرة ما افناهم من صفاتهم وحيزهم فى طريقيهم وجاءتهم امواج القهر وقهرهم عملهم وظنوا عنهم احيط بهم توهموا انهم من الهالكين فى امواج وهم المطهرون الاخبار عن الله مخلصين له الدين تركوا ما لهم وبهم وعليهم من الاختيار والتدبير ورجعوا الى حد التفويض والتسليم فنجوا وقال بعضهم سير العباد والزهاد بالانفس فى البر وهو الدرجات والمنازل وسير العارفين بالقلوب فى البحر وفيها الامواج والاخطار ولكن سير شهر فى يوم شعر : كدار حجر البيوت لهن ريش ولكن لا يطرن مع الحمامة تفسير : وقال بعضهم هو الذى يسيركم فى البر هو الصفات وفى البحر استغراقاً فى الذات وقا لبعضهم يسيركم فى البر الاستدلالات بالوسائط والبحر غلبات الحق بلا واسطة وقال النورى فى قوله مخلصين له الدين المخلص فى دعائه من لا يصحبه من نفسه شئ سوى رؤية من يدعوه ثم وصف الله سبحانه اهل بحار السكر الذين دعوا بالسكر بعد نجاتهم منه به لانهم رجعوا الى ما لم يكن لهم من كشف الاسرار وهتك الاستار بقوله {فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} فلما نجوا من طوفان الفناء فى سطوات الازل بقوا بنعت السكر فى مقام البقاء ادعوا الانائية تجاوزوا عن حد العبودية بسكرهم فى جمال الربوبية ثم خوفهم سبحانه عن ملازمة احاطة انوار عظمته عليهم بعد رجوعهم من السكر الى الصمة بقوله {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} اى يرجع اليكم ما ادعيتم لا الى القدم فانه منزه عن النظر والتحاد بالخليقة وكل ما ذكرتم من ذكرى ودعواكم بقربى فى اتم معانيه فهو مردود عليكم فان ساحة الكبرياء مقدسة عن ادراك الفهوم جلال قدر الازل تعالى الله مما خطر على قلب بشر قال الواسطى البغى يحدث عن ملاحظة النفس ورؤية ما خدع به كما قيل لذى النون ما اخفى ما يخدع به العبد قال الالطاف والكرامات ورؤية الايات قال ابن عطا فى قوله حتى اذا كنتم الاية حتى اذا ركبوا مراكب المعرفة وجرت بهم رياح العناية وطابت نفوسهم وقلوبهم بذلك وفرحوا بقصدهم الى مقصودهم جاءتها ريح عاصف افنتهم عن احوالهم وارادتهم وجاءهم الموج من كل مكان فزالت عنهم اخطار سعيهم وظنوا انهم احيط بهم يتفنوا انهم ماخوذون عنهم ولم يبق لهم ولا عليهم صفة يرجعون اليها وان الحق حضتهم من بين عباده بان سلبهم عن اياهم ولانه لا شئ لهم ولا صفة دعو الله مخلصين له الدين صفا الحق اسرارهم له حتى اخلصوا الدعاء وخلصوا له سرا وعلناً فلما نجاهم اذا هم يبغون فى الارض بغير الحق فلما اردهم الى اوصافهم واشباحهم رجعوا الى ما عليه عوام الخلق من طلب ما يصح للنفوس ثم ان الله ضرب مثلا لمن سلك الطريق بالجهل وغير الاقتداء باهل المعرفة ان جميع سعيه يكون هباء منثورا بقوله {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} اول رعبة السالك مثل الماء الذى وصل الى البذر فى الارض عند شروعه فى المجاهدات والرياضات لقوله {فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ} فكثر عليه الاعمال الوافرة المتنوعة من تصفية القلب {مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلأَنْعَامُ} ورياضة النفس مما ياكل الانعام فتمكن فى العبادات وصفاء الاوقات وفرح بما يتسهل اليه من شمائل الطائفه {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا} بهجة العبادات وزينة الطاعات وظن انها يجرى بمواده الى المال {وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ} فيخرج عليه عساكر القهريات من مكمن الافات مع فادته والعجب والرياء منه {أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً} فلما تعجب بنفسه وراى اعماله نجى عليه النفس والشيطان ويغريانه بالعجب والرياء والسمعة فجاء قهر الله بفصاحته من عند ليالى قبايحه او نهار طاعاته فجعلها هباء منثورا كقوله {فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ} وهذا المثل لا يعرفه الا من له نظ رالاعتبار ونور الاستبصار لقوله {كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} نعوذ بالله من قهر الله ما اطيب زمان الارادة والرقة والصفاء يا ليت لو يبقى المريد فى شانه لكن يغرقه قهر الغيرة فى بحر الوساوس والمخائيل والراياء والسمعة حتى لا يجد من زمان الصفاء فى قلبه ذرة شعر : فقدناه لما تم واعتم بالعلى كذلك كسوف البدر عند تمامه تفسير : ويقال كما ان الربيع يتورد اشجاره ويظهر ازهاره ويخضر رباعه ويتزين بالنبات الوها ماده وطلاعه ثم لا نؤمن ان مصيبة امة من غير ارتقاب وينقلب الحال بما لم يكن فى حساب كذلك من الناس من يكون احواله صافية واعماله بشرط الجلوس زاكية وغصون انسه متدلية ورياض قربه مونقه ثم مصيبه عين فيذيل عود وصاله وينسد ابواب عقائد اقباله كما قيل شعر : عين اصابتك ان العين صايبة والعين تسرع احيانا الى الحسن تفسير : قال رجل لابى محمد الحريرى رحمة الله عليه كنت على بساط الانس وفتح لى طريق الى البسط فزللت زلة وحجبت عن مقامى فكيف السبيل اليه دلنى على الوصول الى ما كنت عليه فبكى ابو محمد وقال يا اخى الكل فى قهر هذه الحظة لكن انشداه ابياتا لبعضهم فانشأ يقول شعر : قل بالديار فهذه اثارهم تبكى الاحبة حسرة وتشوقا كم قد وقفت بها اسائل مخبرا عن اهلها اوصادقا او === فاجابنى داعى الهوى فى رسمها فارقت من تهوى فعز الملتقى تفسير : ثم ان الله سبحانه يدعوا للعباد من هذه الدا رالفانية الى الدار الباقية لئلا يفتتنوا بزخرفها وغرورها ويصلوا الى جواره ونعيم مشاهدته بقوله {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} السالكين الى الجنة ويهدى المجذوبين الى المشاهدة وايضا يدعو الجميع الى داره ويهدى خواص العارفين الى وصاله الجوار لعموم من الفرقة والفوز والوصال للخصوص داره فى الدنيا قلوب العارفين كان فيها سلامة القربة وانوار المشاهدة وفيها صراط الله المستقيم الذى تسهى فيه عساكر تجلى جماله الى قلوب العارفين وتسرى هممهم فيه الى مصاعد قرب رب العالمين ولكن لا يهدى اليها الا من نشاء من خواص المريدين والصادقين والاشارة فى الدعاء الى دار السلام ان السلام هو الله المنزلة عن علل الحدثان يدعوا الى جواره المبرئ من الالوان المتصف بصفة الرحمن واهل هذه الدعوة على نكث مراتب اهل الدار واهل المشاهدة واهل الوصال الدار لاهل الايمان والمشاهدة لاهل الايقان والوصال لاهل العرفان يدعوا هل الايمان الى داره وينادى اهل الايقان بتربهم من مشاهدته ويهدى اهل معرفته بعد ادراكهم وصاله الى معرفة شمائل صفاته ولطائف انوار ذاته لان هناك الطوق المستقيم حيث عرف نفسه لعارفيه قال ابو سعيد القرشى خرجت هداية المريد من الاجتهاد فى قوله والذين جاهدوا فينا وخرجت هداية المراد من المشية وهو قوله ويهدى من يشاء هو الفرق بين المريد والمراد وقال القسم الدعوة عامة والهداية خاصة بل الهداية عامة والصحبة خاصة بل الصحبة === الاتصال خاص وقال بعضهم لا ينفع الدعوة لمن لم يسبق له من الله الهداية وقال جعفر عملت الدعوة فى السر فتجللت بها وركنت اليها وقال ايضا ما طلبت الجنة الا بالسلام وانما اختارك بهذه الخصائص لكيلا يختار عليه احدا وقال بعضهم يجعوا الى دار السلام بالاداب ويهدى من يشاء للحقائق والمعارف وقال بعضهم الدعوة لله والهدى من الله وقال الاستاذ الدعاء تكليف والهداية تعريف فالتكليف على العموم والتعريف على الخصوص ويقال الصراط المستقيم طريق المسلمين وهذا للعوام بشرط اليقين ثم طريق المؤمنين وهو طريق الخواص بشرط عين اليقين ثم طريق المحسنين وهو طريق خاص الخاص بشرط حق اليقين فهؤلاء ينوى العقل اصحاب البرهان وهؤلاء بكشف العلم اصحاب البيان وهؤلاء بضياء المعرفة بالوصف كالعيان وهم الذين قال صلى الله عليه وسلم فيهم الاحسان ان تعبد الله كانك راه ثم زاد الله فى وصف هؤلاء بالقربة الرفيعة والدرجة السنية ومشاهدته الكريمة بقوله {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} احسانهم شهود قلوبهم مشاهدة قربه تعالى فى مراقباتهم وخلواتهم بنعت بذل وجودهم والاكوان كلها لاول بوادى حسن تجلى الحق سبحانه وما ذكر الله سبحانه من جزائهم بهذه النعوت الحسنى وهى ادراكهم اياه بنعت كشف نور جماله لانهم لو ادركوه بنعوت العظمة هلكوا احسانهم من حسن جمال ارواحهم الناطقة بالكلمات القدوسية وحسنى الحق من حسن جماله القديم يجازيهم بكشف حسنه وجماله ثم ذكر زيادة النعم عليهم بقوله وزيادة الحسنى مشاهدته والزيادة وصاله والبقاء معه فى مشاهدته وايضا الحسنى النظر الى جماله والزيادة الاتصاف بصفاته وايضا الحسنى محبته وزيادة معرفته قال الواسطى معاملة الله على مشاهدة الحسنى الالتذاذ فى معاملاتهم والزيادة هو النظر الى الله قال الاستاد يحتمل ان يكون الحسنى الرؤية والزيادة دوامها ويحتمل ان يكون الحسنى اللقاء والزيادة البقاء فى حال اللقاء ثم زاد الله ذكر شرفهم بان خيار البعد لا يلحق جمال وجوههم بقوله {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ} لا يغشى وجوههم قتر الخجالة ولا يلحق وجوههم ذل الفرقة وايضا لا يرهق وجوههم قتر الفراق ولا ينكشف فى وجوههم شموس الوفاق ثم زاد فى وصف عيشهم بقوله {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} باقون فى انواع القربات فى مشاهدة الذات والصفات قال بعضهم كيف يذل وجوه بلقاها الحق منه بالحسنى والاحسان وكيف يذل شواهد من هو شاهد الحق على الدوام بل هى على زيادة الاوقات يزيد نور او ضياء وعز او قال الاستاد لا يقع عليها غبار الحجاب وبعكسه حديث الكفار بحيث قال ووجوه يومئذ عليها غبرة فالذلة التى لا تصيبهم هى انهم لا يردون من عز شهوده الى رؤية غيره.

اسماعيل حقي

تفسير : {هو} اى الله تعالى {الذي يسيركم} من التسيير والتضعيف فيه للتعدية يقال سار الرجل وسيرته انا وهو بالفارسية [برفتن آوردن] والمعنى [مى رائد وقدرت مى دهد قطع مسافت شمارا] {فى البر} على الاقدام وظهر الدواب من الخيل والبغال والحمير والابل {والبحر} علىالسفن الكبيرة والصغيرة المعبر عنها بالفارسية [كشتى وزورق] وفيه اشارة الى ان المسير فى الحقيقة هو الله تعالى لا الريح فان الريح لا يتحرك بنفسه بل له محرك الى ان ينتهى الى المحرك الاول الذى لا محرك له ولا يتحرك هو فى نفسه ايضا بل هو منزه عن ذلك وعما يضاهيه سبحانه وتعالى ومن عرف ذلك وقطع الاعتماد على الريح فى استواء السفينة وسيرها تحقق بحقائق توحيد الافعال والا بقى فى الشرك الخفى: قال السعدى قدس سره شعر : قضا كشتى آنجا كه خواهد برد وكر ناخذا جامه برتن درد تفسير : وقال الحافظ قدس سره شعر : من از بيكانكان ديكر ننالم كه بامن هرجه كرد آن آشنا كرد تفسير : {حتى اذا كنتم فى الفلك} غاية لقوله. يسيركم فى البحر. فان قيل غاية الشيء تكون بعده والحال ان السير فى البحر يكون بعد الكون فى الفلك قلنا ليس الغاية مجرد الكون فى الفلك بل هى الكون فى الفلك مع ما عطف عليه من قوله {وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها} فان هذا المجموع بعد السير فى البحر {وجرين} اى الفلك لانه جمع مكسر بمعنى السفن وتغييره تقديري بناء علىان ضمته كضمة اسد جمع اسد وضمة مفرده كضمة قفل {بهم} اى بالذين فيها والالتفات فى بهم للمبالغة فى التقبيح والانكار عليهم كانه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويحملهم على الانكار والتقبيح {بريح طيبة} لينة الهبوب موافقة لمقصدهم {وفرحوا بها} بتلك الريح لطيبها وموافقتها {جاءتها} اى تلقت الريح الطيبة واستولت عليها من طرف مخالف لها فان الهبوب على وفقها لا يسمى مجيئا لريح اخرى عادة بل هو اشتداد للريح الاولى {ريح عاصف} يقال عصفت الريح اى اشتدت فهى ريح عاصفة اى شديدة الهبوب ولم يقل عاصفة لاختصاص الريح بالعصوف فلا حاجة الى الفارق {وجاءهم الموج} وهو ما ارتفع من الماء {من كل مكان} اى من امكنة مجيء الموج عادة ولا بعد فى مجيئه من جميع الجوانب ايضا اذ لا يجب ان يكون مجيئه من جهة هبوب الريح فقط بل قد يكون من غيرها بحسب اسباب تتفق واليه مال الكاشفي حيث قال: يعنى [ازجب وراست وبيش وبس] {وظنوا انهم احيط بهم} اى هلكوا فان ذلك فى الهلاك واصله احاطة العدو بالحى {دعوا الله} بدل من ظنوا بدل اشتمال لان دعاءهم ملابس لظنهم الهلاك ملابسة الملزوم {مخلصين له الدين} من غير ان يشركوا به شيئا من آلهتهم فان اخلاص الدين والطاعة له تعالى عبارة عن ترك الشرك وهذا الاخلاص ليس مبنيا على الايمان بل جار مجرى الايمان الاضطرارى. وقيل المراد بذلك الدعاء قولهم اهيا شراهيا فان تفسيره يا حى يا قيوم وهذا الاسمان من اوراد البحر كما سبق فى تفسير آية الكرسى {لئن أنجيتنا} اللام موطئة للقسم على ارادة القول اى دعوا حال كونهم قائلين والله لئن انجيتنا {من هذه} الورطة {لنكونن} البتة بعد ذلك ابدا {من الشاكرين} لنعمك التى من جملتها هذه النعمة المسئولة وهى نعمة الانجاء وذلك باتباع اوامرك والاجتناب عن مساخطك لا نكفر نعمتك بعبادة غيرك

الطوسي

تفسير : قرأ ابن عامر وابو جعفر {ينشركم} بالنون والشين من النشر. الباقون بالياء والسين وتشديد الياء من التسيير. قال ابو علي: حجة ابن عامر أن {ينشركم} مثل قوله{أية : وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء } تفسير : فالبث تفريق ونشر. وحجة الباقين قوله {أية : قل سيروا في الأرض} {أية : فامشوا في مناكبها} تفسير : فالمعنيان متقاربان. امتن الله على خلقه في هذه الآية وعدد نعمه التي يفعلها بهم في كل حال، فقال {هو الذي يسيركم في البر والبحر} وتسييره إياهم اما في البحر، فلأنه بالريح والله المحرك لها دون غيره، فلذلك نسبه إلى نفسه، واما في البر فلأنه كائن باقداره وتمكينه وتسبيبه، فلذلك نسبه إلى نفسه. والتسيير التحريك في جهة تمتد كالسير الممدود، والبر الأرض الواسعة التي تقطع من بلد إلى بلد، ومنه البرّ لاتساع الخير به والبحر مستقر الماء الواسع حتى لا يرى من وسطه حافتاه وجمعه أبحر وبحور، ويشبه به الجواد، فيقال انما هو بحر لاتساع عطائه. وقوله {حتى إذا كنتم في الفلك} خص الخطاب براكبي البحر. والفلك السفن، وسميت فلكا لدورانها في الماء، وأصله الدور، ومنه فلكة المغزل، والفلك الذي تدور فيه النجوم. وتفلك ثدي الجارية اذا استدار. والفلك - ها هنا - جمع، وقد يكون واحداً. كقوله {أية : في الفلك المشحون} تفسير : وقوله {وجرين بهم بريح طيبة} عدل عن الخطاب إلى الاخبار عن الغائب تصرفاً في الكلام مع انه خطاب لمن كان في تلك الحال وإخبار لغيره من الناس، قال لبيد: شعر : باتت تشكي الي النفس مجهشة وقد حملتك سبعاً بعد سبعينا تفسير : وقوله {وفرحوا بها} يعني بالريح الطيبة {جاءتها ريح عاصف} يعني ريحاً شديدة يقولون: عصفت الريح فهي عاصف وعاصفة، ومنهم من يقول: أعصفت فهي معصف ومعصفة. والريح مؤنثة، وانما قال عاصف، لأنه لا يوصف بذلك غير الريح فجرى مجرى قولهم امرأة حائض، قال الشاعر: شعر : حتى اذا عصفت ريح مزعزعة فيها قطار ورعد صوته زجل تفسير : وقوله {وجاءهم الموج من كل مكان} معناه جاء راكبي الفلك الأمواج العظيمة الهائلة من جميع الوجوه. {وظنوا أنهم أحيط بهم} أي ظنوا انهم هالكون لما أحاط بهم من الأمواج {دعوا الله مخلصين له الدين} اي عند هذه الشدائد والأهوال والتجؤا إلى الله ودعوه وجه الاخلاص، ولم يذكروا الأوثان والاصنام لعلمهم بأنها لا تنفع ها هنا شيئاً وقالوا {لئن أنجيتنا} يارب من هذه الشدة {لنكونن} من جملة من يشكرك لنعمك، ويقوم بآدابها. ويقال لمن اشرف على الهلاك أحيط به، ومنه قوله {أية : وأحيط بثمره} تفسير : أي اهلكت.

الجنابذي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ} بمنزلة التّأكيد والاضراب من غير الابلغ الى الابلغ فى الجواب كأنّه قال: بل نعلم ما تمكرون بدون واسطة الرّسل وانتم بحسب الفطرة تعملون ذلك لانّا نحن الّذى نسيّركم، والتّسيير يستلزم العلم بدقائق احوال المسيّر والمسيّر فيه والمسيّر له وانتم اذا رفع عنكم غشاوة الخيال تعلمون ذلك، لانّكم تدعونه وقت انقطاع الوسائل وحيل الخيال عنكم فتعلمون انّه هو الّذى يعلم حالكم ودعاءكم ويقدر على اجابتكم ورفع البلاء عنكم فتدعونه مخلصين عن اغراض الخيال، لكنّكم اذا رفع عنكم البلاء وتسلّط عليكم الخيال احتجب بأغراضكم الخياليّة واهويتكم النّفسانيّة معلومكم الّذى تكونون مفطورين عليه فتشركون به غيره، فهو تأكيد للجواب وتفظيع لهم بالتّبع، والمراد بتسييره تعالى تمكينه ايّاهم من السّير بتهيّة اسبابه الدّاخلة من قواهم العّلامة والعمّالة والخارجة من تسطيح الارض وتسخير المراكب وجعل ما يحتاج اليه من المأكول والمشروب والملبوس ممّا يمكن نقله، او نقول لكلّ متحرّكٍ لا محالة والمحرّك الاوّل فى الحركات الاختياريّة هو النّفس المسخّر لها القوى والنّفس بالنّسبة الى الله تعالى مثل القوى بالنّسبة الى النّفس لا استقلال لها فى شأن من شؤنها، فكما انّ فعل القوى ينسب الى النّفس حقيقة بل النّفس اولى بنسبتها من القوى فكذلك فعل النّفس بالنّسبة الى الله تعالى فالمسيّر وان كان هى النّفس اوّلا لكنّه الحقّ الاوّل تعالى حقيقة والنّفس كالآلة له؛ فصحّ نسبة التّسيير اليه تعالى بطريق الحصر {فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا} التفات من الخطاب الى الغيبة {جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ} من امكنة البحر يعنى من جميع جوانب السّفن {وَظَنُّوۤاْ} أيقنوا لما مرّ مراراً انّ علوم النّفس ان كانت يقينّةً فهى ظنون، او المراد حقيقة الظّنّ لانّ ظاهر الامواج وان كان مورثاً ليقينهم لكن رجاءهم بالغيب المفطور على العلم به وبقدرته على انجائهم مورث لاحتمال الانجاء {أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} اى اهلكوا والتّأدية بالماضى للاشارة الى تحقّقه كأنّه وقع وهذا يؤيّد كون الظّنّ بمعنى اليقين وهو صار مثلاً فى الهلاك، واصله من قولهم: احاط به العدوّ فلا سبيل للخلاص له ولا مسلك للخروج {دَعَوُاْ ٱللَّهَ} بدل من ظنّوا بدل الاشتمال، او جواب سؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما فعلوا؟ {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} طريق الدّعاء او طريق النّفس الى الله او اعتقادهم التّوحيد وسائر عقائد الدّين او ملّتهم الّتى أخذوها ديناً من نبيّهم ووجه الاخلاص قد مضى من انّ تسلّط الخيال وتصرّفه يورث الشّرك الظّاهر والباطن وحين تراكم البلاء وتلاطم امواجه ينقطع حيله ويفرّ ويقول كالشّيطان: {أية : إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ إِنَّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ} تفسير : [الأنفال:48] ربّ العالمين فيبقى التّوحيد الفطرىّ بلا معارضٍ ولا حجابٍ {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} تفسير للمدعوّ به المحذوف تقديره: دعو الله بشيءٍ لئن انجيتنا، او مفعول لقولٍ محذوفٍ حالاً.

اطفيش

تفسير : {هُو الذِى يسَيِّركُم} يجعلكم سائرين، بأن أقدركم على السير وخلقه منكم، والتشديد للتعدية لا للمبالغة، لأن سار لا يتعدى، وأما قول الهذلى: شعر : فلا تجزعَن من سنةٍ أنت سرتها وأول راضٍ سنة من يسيرُها تفسير : فلا دليل فيه للفارسى فى تعديه، لأن الضمير فيه إما مفعول مطلق نائب عن السنَّة، والسنَّة بمعنى السيرة، أو بمعنى الظرف، والسنَّة بمعنى الطريقة، كما تقول الطريقة أسرتها، وقرأ ابن كثير فى رواية كسر السين وإسكان الياء بعدها من أسار المعدى بالهمزة، وقرأ ابن عامر، وزيد بن ثابت، والحسن، وأبو العالية، وأبو جعفر، وعبد الله بن جبير، وأبو عبد الرحمن، وشيبة: ينشركم بفتح المثناة، بعدها نون ساكنة، بعد النون شين معجمة مضمومة، أى يفرقكم. قيل: كانوا يقرءون هكذا، فنظروا فى الإمام وهو مصحف عثمان، فوجدوها بياءين بينهما مهملة فاتبعوه، وأول من كتبها مثله الحجاج، وعن الحسن: ينشركم بضم المثناة وكسر الشين المعجمة، وإسكان النون بينهما. {فى البرِّ} على الدواب والأرجل {والبَحْر} على الفلك وذلك دلالة على القدرة، وتعديد للنعمة قبل ركوب البحر، وقت حسن الظن به للجهاد والحج، متفق على جوازه، وكذا لضرورة المعاش، ويكره لطلب الغنى والاستكثار، وقيل: لا يكره، وتركه أحسن، وأما ركوبه فى ارتجاجه فممنوع، وفى الحديث: "حديث : من ركب البحر فى ارتجاجه فقد برئت منه الذمة" تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا أركبه أبداً ". تفسير : {حتَّى إذا كُنتُم فى الفُلْك} جمع فلك بضم الفاء وإسكان اللام أيضا، بدليل ضمير الجماعة بعد وهو النون الموضوعة لجماعة الإناث فى قوله: {وجَرَيْن} وليس مفرداً يطلق على الواحد والجماعة، لقولهم فى التثنية فلكان {بِهِم} الأصل بكم الخطأ، وعدل عنه إلى الغيبة للبلاغة، كأنه يذكر لغيرهم حالهم من سوء الصنيع، وقلة الحياء، معرضا عنهم بعد خطابهم، ليعجبه منهم، ويستدعى منه الإنكار والتقبيح، مع أن ذلك الكلام من الله عز وجل مع نبيه صلى الله عليه وسلم لا معهم، فتقوى ذلك العدول. وعن بعض: أن كل من أقام غائبا مقام المخاطب حسن منه أن يرده إلى الغيبة، وقرأ أبو الدرداء: فى الفلكى بياء النسب المزيدة للمبالغة، كقوله: شعر : والدهر بالإنسان دوارى تفسير : أى دوار، كقولك أحمرى وأصلى، تريد أنه أحمر وأنه أصل لا النسبة إلى أحمر وأصل، ولزيادتها لم تخرج الكلمة عن معنى الجمع، فأعيد إليها ضمير الجمع، وإلا فإنك إذا أردت بالفلكى فى كلامك شيئاً منسوباً إلى الفلك ترجع إليه الضمير مفرداً وقد يقال: إن النسب على أصله لا زائد، وأن المعنى الماء الفلكى وهو العظيم الذى تجرى فيه الفلك، وعلى هذا فالضمير فى {جرين} عائد إلى الفلك الذى دل عليه هذا النسب، والباء للتعدية، كأنه قيل وأجرينهم، شبه نقلها إياهم من مكان لآخر بالإجراء، أو كمع أى وجرين معهم إذ هم فيهن، فهم معهن أو للاستعانة. {بريح طيِّبةٍ} لينة ألهبوب، قيل: الريح إذا لم توصف بطيب ونحوه فهى المكروهة {وفَرِحُوا بها} أى بتلك الريح {جَاءتْها} أى تلك الريح، أو تلك الفلك والأول أولى من حيث مناسبة الضمير فى الإفراد والقرب، والثانى أولى من حيث المعنى وهو الراجح عندى، ولا بأس بإفراد الضمير باعتبار الجماعة، أو الجماعة بعد جمعه، وقرأ ابن أبى عبلة: جاءتهم وهو أنسب بالثانى، ولو ناسب الأول أيضا {رِيحٌ عاصِفٌ} الريح يذكر ويؤنث فى الإظهار والإضمار، وليس التذكير للنسب، لأن النسب لا يبيح التذكير عند التحقيق، تقول: رجل تامر، وامرأة تامرة لا تامر، أى ذات تمر، والعصوف شدة الهبوب السرعة، وأصله كسر الأشياء. ومعنى مجىء الريح العاصف، الريح الطيبة تلقيها إياها، وإذهابها، أو تغلبها عليها، وجملة جاءتها ريح عاصف جواب إذا، وبمجموع الشرط وما عطف عليه، والجواب وما بعده صح الترتيب على التسيير وإلا فبمجرد كونهم فى الفلك لا يترتب على التسيير فى البحر. {وجَاءهُمْ الموْجُ} ما ارتفع من الماء أو شدة حركة الماء واختلاطه {مِنْ كلِّ مكانٍ} ممكن مجئ الموج منه، إذ لا يجيئهم الموج من صحراء أو جبل {وظنُّوا} رجحوا أو أيقنوا {أنَّهم أحِيطَ بِهِم} للهلاك حتى لا يبين لهم سبيل إلى الخلاص. {دَعَوُا اللهَ مخْلِصينَ لَه الدِّينَ} أى الدعاء بعد أن كانوا قبل ذلك يدعون سواه، أو مذعنين بأنه لا دين إلا دينه، وأن عبادة الأوثان باطلة، لأنهم يعلمون أنه لا ينجيهم من الشدائد إلا الله، أو لتراجع الفطرة التى ولدوا عليها لزوال معارضها بشدة الخوف، وهذه الجملة بدل اشتمال من ظنوا، لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك فهو ملتبس به وقال الطبرى: هى جواب لقوله: {ظنوا} فلعله أراد بالجوابية هذا الاتصال الذى تفيده البداية أو أنه جواب لـ لما محذوفة أو إذا محذوفة أى ولما ظنوا أو إذا ظنوا. {لئِنْ أنجيتَنَا مِنْ هذِهِ} أى هذه الشدة، أو هذا الريح العاصف {لنَكوننَّ منَ الشَّاكِرينَ} بالتوحيد والعبادة، وذلك مقول لقول محذوف، أى يقولون: والله لئن أنجيتنا الخ أو لدعوا لئن بمعنى القول، وذكر الطبرى فى هذا المقام من دعاء العجم: هيا شراهيا، ومعناه يا حى يا قيوم.

اطفيش

تفسير : {هُوَ الَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} يصيركم سائِرين فى البر مشاة وركبانا وفى البحر وفى السفن {حَتَّى} ابتدائية تقريعية لا للغاية، ولو تضمن التقريع معنى الغاية كأَنه قيل فإِذا كنتم فى البر واشتد أَمره عليكم، وظننتم أَنكم هلكى دعوتهم الله، فإِذا أَفرج عنكم الله رجعتم إِلى الشرك، ووجه الغاية إِن قيل بها أَن المعنى يسيركم فى البر والبحر إِلى وقت حصول شدة البحر والظن والدعاءِ الرجوع إِلى الكفر، فإِن بعضاً يجر إِذا بحتى أَو يمكنكم من السير حتى يحصل ذلك المذكور فى قوله {إِذَا كُنْتُمْ فِى الْفُلْكِ} الضم والسكون فيه دالان على الجمع بواسطة قرينة كبُدْن وأُسْد ومفرد مثله كقُرب وفُعل بدون أَن يدلا على شىءٍ فيه، والقرينة أَن ضمه وسكونه للجمع قوله {وَجَرَيْنَ} بنون الإِناث كما دل النعت بالمفرد على الإِفراد فى قوله عز وجل فى الفلك المشحون {بِهِمْ} الباءُ للمصاحبة، ويضيف كونها للتعدية أَى وأَجريناهم، لأَن إِطلاق الجرى عليهم مجاز لأَنها الجارية، ومقتضى الظاهر بكم للخطاب فى كنتم، وجاءَ بالغيبة إِعراضاً عن خطابهم لعدم لياقتهم بعز الخطاب إِذ هم رجس لائِقون بالحجاب، وحكى لغيرهم عيوبهم ليتعجب منها أُولو الأَلباب، وأَما قول أَبى حيان إِن مضمون الخطاب فى قوله يسيركم إِلخ، نعمة المؤمن والكافر حتى وصل ذكر السوء وما يتمهد له قبله صرف الخطاب إِلى الكفار، وبقريب من ذلك لكن يوهم أَن الخطاب للمؤمنين والكافرين وليس ذلك مراده فإِنه للكافر خاصة، وإِنما أَراد أَن يذكر لك أَن ما أَنعم عليهم به يكون لهم وللمؤمنين {بِرِيحٍ} الباءُ للآلة وعلى فرض الأُولى للتعيدة فهذا للمصاحبة {طَيِّبَةٍ} لينة الهبوب إِلى جهة المقصد {وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا} الضمير عائِد إِلى الريح، أَى عارضتها ريح مضادة لها فذهبت هى {رِيحٌ عَاصِفٌ} فإِن العاصفة ضدها اللينة، لأَنها ضد اللينة، وهذا أَولى من عوده للفلك لقرب الريح ولتقدم الإِضمار له فى قوله بها، ولأَنه لم يقل جاءَتهن كما قال وجرين، وعاصف للنسب كتامر ولابن لا اسم فاعل، لأَنه لا يقال عصفت الريح، ولذلك ذكر مع أَن الريح مؤنث كذا قيل، ولا أَقول بذلك بل يقال عصفت الريح تعصف بمعنى اشتدت فهى عاصفة وعاصف {وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} تأَمل المجىءَ منه كقوله تعالى تدمر كل شىءٍ، أَى كل شىءٍ أَتت عليه لا كل شىءٍ مطلقاً، {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} أَى حبسوا عن النجاة كما يحيط العدو والحريق فيترجح فيه الهلاك أَو هو استعارة تبعية، شبه شدة الموج بإِحاطة العدو مثلا بهم، واشتق منها أُحيط على التبعية، وهذا ضعيف لصحة بقائِهِ على معناه الأَصلى بلا ضعف ولا داع إِلى غيره، وبعد أَن صير إِلى الاستعارة فكلما أَمكنت الاستعارة التمثيلية بلا ضعف صير إِليها، فتقول شبهت الهيئة المنتزعة من شدة هبوب الريح وظهور الموج من كل مكان وحركة السفينة الحركة الشديدة بالهيئة المنتزعة من العدو من إِحاطته بشخص من جميع جهاته بحيث لا يرجى خلاصه {دَعَوْا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} استئناف بيانى كأَنه قيل فما فعلوا فقال دعوا الله إِلخ، أَو بدل اشتمال لأَن بين ظن الإِحاطة والدعاءِ ملابسة بغير الكلية والجزئية واستدعاءُ، ولا يقال الثانى أَولى لعدم الحذف لأَنا نقول الحذف فى الاستئناف البيانى كلا حذف إِذ لاحظ له فى التقدير اللفظى، وإِنما هو اعتبار، والدين الأُلوهية أَى خصوه بالأُلوهية رجوعاً إلى الفطرة التى خلقوا عليها لما زال عنهم عوارضها من شدة الخوف من الغرق. وزعم بعض أَن دعاءَهم أَهيا شراهيا وأَن معناه يا حى يا قيوم، وفيه أَن ذلك لغة عجم من كلام اليهود، ولعله اتصل إِليهم من اليهود وقوله {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ} أَى هذه الريح الداهية، أَو هذه الأَهوال {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} هذا مع ما قبله مفعول لحال محذوفة أَى قائِلين: والله لئِن أَنجيتنا أَو لدعوا لتضمنه معنى القول، والشاكرون الموحدون المطيعون، ركب عكرمة بن أَبى جهل البحر فهاج بهم وتضرعوا إِلى الله وحده فقال: ما لكم؟ فقالوا: هذا لا ينفع فيه إِلا الله، فقال: هذا هو إِله محمد فاتبعوه ولا تخالفوه، إِن الذى ينجى فى البحر هو الذى ينجى فى البر، لئِن خلصنى الله تعالى لآتين محمداً فأُومن به ففعل وصدق.

الالوسي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى يُسَيّرُكُمْ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ} وهو على ما قيل كلام مستأنف مسوق لبيان جناية أخرى لهم مبنية على ما مر آنفاً من اختلاف حالهم بحسب اختلاف ما يعتريهم من الضراء. وعن أبـي مسلم أنه تفسير لبعض ما أجمل في قوله سبحانه: {أية : وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ }تفسير : [يونس:21] الخ، وهو قريب من قول الإمام أنه تعالى لما قال: {وَإِذَآ أَذَقْنَا} الآية وهو كلام كلي ضرب لهم مثلاً بهذا ليتضح ويظهر ما هم عليه. وزعم بعضهم أنه متصل بما تقدم من دلائل التوحيد فكأنه قيل: إلهكم الذي جعل الشمس ضياءاً والقمر نوراً و {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ} الخ، وأول التيسير بالحمل على السير والتمكين منه، والداعي لذلك قيل: عدم صحة جعل قوله سبحانه: {حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ} غاية للتسيير في البحر مع أنه مقدم عليه وغاية الشيء لا بد أن تكون متأخرة عنه، وبعد التأويل لا إشكال في جعل ما ذكر غاية لما قبله. وقيل: هو دفع لزوم الجمع بين الحقيقة والمجاز وذلك لأن المسير في البحر هو الله تعالى إذ هو سبحانه المحدث لتلك الحركات في الفلك بالريح ولا دخل للعبد فيه بل في مقدماته، وأما سير البر فمن الأفعال الاختيارية الصادرة من المخاطبين أنفسهم إن كانوا مشاة أو من دوابهم إن كانوا ركباناً وتسيير الله تعالى فيه إعطاء الآلات والأدوات ولزوم الجمع عليه ظاهر. ووجه الدفع أن المراد من التسيير ما ذكر وهو معنى مجازي شامل للحقيقة والمجاز. وادعى بعضهم اتحاد التسيير في البر والبحر واستدل بالآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. وتعقب بأنه تكلف. والزمخشري لم يؤول التسيير بما ذكرنا وجعل الغاية مضمون الجملة الشرطية الواقعة بعد (حتى) بما في حيزها كأنه قيل: يسيركم حتى إذا وقعت هذه الحادثة وكانت كيت وكيت من مجىء الريح العاصف وتراكم الأمواج والظن للهلاك والدعاء بالإنجاء دون الكون في البحر. وتعقب ذلك القطب بأنه لو جعل الكون (في الفلك) مع ما عطف عليه من قوله تعالى: {وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا} كفى ولم يحتج إلى اعتبار مجموع الشرط والجزاء، ثم قال: والتحقيق أن الغاية إن فسرت بما ينتهي إليه الشيء بالذات فهي ليس إلا ما وقع شرطاً في مثل ذلك وإن فسرت بما ينتهي إليه الشيء مطلقاً سواء كان بالذات أو بالواسطة فهي مجموع الشرط والجزاء، واستوضح ذلك من قولك: مشيت حتى إذا بلغت البلد اتجرت فإن ما انتهى إليه المشي بالذات الوصول إلى البلد وأما الاتجار / فأمر مترتب على ذلك فيكون مما انتهى إليه المشي بالواسطة والتضعيف في يسير للتعدية تقول سار الرجل وسيرته، وقال الفارسي: إن سار متعد كسير لأن العرب تقول سرت الرجل وسيرته بمعنى، ومنه قول الهذلي: شعر : فلا تجزعن من سنة أنت سرتها فأول راض سنة من يسيرها تفسير : وقال في «الصحاح»: سارت الدابة وسارها صاحبها يتعدى ولا يتعدى وأنشد له هذا البيت، وأوله النحويون حيث لم يرتضوا ذلك. و{ٱلْفُلْكِ} السفن ومفرده وجمعه واحد وتغاير الحركات بينهما اعتباري، وفي «الصحاح» أنه واحد وجمع يذكر ويؤنث وكأن ذلك باعتبار المركب والسفينة، وكان سيبويه يقول: الفلك التي هي جمع تكسير للفلك الذي هو واحد وليست مثل الجنب الذي هو واحد وجمع والطفل وما أشبههما من الأسماء لأن فعلاً وفعلاً يشتركان في الشيء الواحد مثل العرب والعرب والعجم والعجم والرهب والرهب فحيث جاز أن يجمع فعل على فعل مثل أسد وأسد لم يمتنع أن يجمع فعل على فعل، وضمير {جَرَيْنَ} للفلك وضمير {بِهِمُ} لمن فيها وهو التفات للمبالغة في تقبيح حالهم كأنه أعرض عن خطابهم وحكى لغيرهم سوء صنيعهم، وقيل: لا التفات بل معنى قوله سبحانه: {حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ} حتى إذا كان بعضكم فيها إذ الخطاب للكل ومنهم المسيرون في البر فالضمير الغائب عائد إلى ذلك المضاف المقدر كما في قوله تعالى: {أية : أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ فِي بَحْرٍ لُّجّيّ يَغْشَـٰهُ مَوْجٌ} تفسير : [النور: 40] فإنه في تقدير أو كذي ظلمات يغشاه موج، والباء الأولى للتعدية والثانية وكذا الثالثة للسببية فلذا تعلق الحرفان بمتعلق واحد، وإلا فقد منعوا تعلق حرفين بمعنى بمتعلق واحد، واعتبار تعلق الثاني بعد تعلق الأول به وملاحظته معه يزيل اتحاد المتعلق. وجوز أن تكون الثانية للحال أي جرين بهم ملتبسة بريح فتتعلق بمحذوف كما في البحر، وقد تجعل الأولى للملابسة أيضاً {وَفَرِحُواْ} عطف على {جَرَيْنَ} هو عطف على {كُنتُمْ} وقد تجعل حالاً بتقدير قد وضمير {بِهَا} للريح ونقل الطبرسي القول برجوعه للفلك ولا يكاد يجري به القلم، والمراد بطيبة حسبما يقتضيه المقام لينة الهبوب موافقة المقصد. وظاهر الآية ـ على ما نقل عن الإمام ـ يقتضي أن راكب السفينة متحرك بحركتها خلافاً لمن قال: إنه ساكن، ولا وجه كما قال بعض المحققين لهذا الخلاف فإنه ساكن بالذات سائر بالواسطة. وقرأ ابن عامر {ينشركم} بالنون والشين المعجمة والراء المهملة من النشر ضد الطي أي يفرقكم ويبثكم، وقرأ الحسن {ينشركم} من أنشر بمعنى أحيا. وقرأ بعض الشاميين {ينشركم} بالتشديد للتكثير من النشر أيضاً، وعن أم الدرداء أنها قرأت {فِي} بزيادة ياءي النسب، ووجه ذلك بأنهما زائدتان كما في الخارجي والأحمري ولا اختصاص لذلك في الصفات لمجىء دودوي وأنا الصلتاني في قول الصلتان، ويجوز أن يراد به اللج والماء الغمر الذي لا تجري الفلك إلا فيه. وقوله سبحانه: {جَآءتْهَا} جواب {إِذَا} والضمير المنصوب للفلك أو للريح الطيبة على معنى تلقتها واستولت عليها من طرف مخالف لها فإن الهبوب على وفقها لا يسمى على ما قيل مجيئاً لريح أخرى عادة بل هو اشتداد للريح الأولى، ورجح الثاني بأنه الأظهر لاستلزامه للأول من غير عكس لأن الهبوب على طريقة الريح اللينة يعد مجيئاً بالنسبة إلى الفلك دون الريح اللينة مع أنه لا يستتبع تلاطم لأمواج الموجب لمجيئها من كل مكان ولأن التهويل في بيان استيلائها على ما فرحوا به وعلقوا به حبال / رجائهم أكثر وفيه تأمل {رِيحٌ عَاصِفٌ} أي ذات عصف فهو من باب النسب كلابن وتامر، ويستوي فيه المذكر والمؤنث كما صرحوا به فلذا لم يقل عاصفة مع أن الريح مؤنثة لا تذكر بدون تأويل. وقيل: لم يقل عاصفة لأن العصوف مختص بالريح كحائض فلا حاجة إلى الفارق أو أنه اعتبر التذكير في الريح كما اعتبر فيها التأنيث والأولى ما قدمناه، وأصل العصف الكسر والنبات المتكسر والمراد شديدة الهبوب. {وَجَآءهُمُ ٱلْمَوْجُ} وهو ما علا وارتفع من اضطراب الماء، وقيل: هو اضطراب البحر والأول هو المشهور {مّن كُلِّ مَكَانٍ} أي من أمكنة مجىء الموج عادة وقد يتفق مجيئه من جهات حسب أسباب تتفق لذلك {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} أي أهلكوا كما رواه ابن المنذر عن ابن جريج، ففي الكلام استعارة تبعية، وقيل: إن الإحاطة استعارة لسد مسالك الخلاص تشبيهاً له بإحاطة العدو بإنسان ثم كنى بتلك الاستعارة عن الهلاك لكونها من روادفها ولوازمها. وقيل: إن ذلك مثل في الهلاك، والظن على ما يتبادر منه، وجوز أن يكون بمعنى اليقين بناءً على تحقق وقوعه في اعتقادهم أو كون الكناية عن القرب من الهلاك. {دَعَوُاْ ٱللَّهَ} جعله غير واحد بدل اشتمال من {ظَنُّوۤاْ} لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك فبينهما ملابسة تصحح البدلية، وقيل: هو جواب ما اشتمل عليه المعنى من معنى الشرط أي لما ظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله الخ. وجعله أبو حيان استئنافاً بيانياً كأنه قيل: فماذا كان حالهم إذ ذاك؟ فقيل: دعوا الخ، ورجح القول بالبدل عليه بأنه أدخل في اتصال الكلام، والدلالة عن كونه المقصود مع إفادته ما يستفاد من الاستئناف مع الاستغناء عن تقدير السؤال. وأنت تعلم أن تقدير السؤال ليس تقديراً حقيقياً بل أمر اعتباري وفيه من الإيجاز ما فيه وليس بأبعد مما تكلف للبدلية، ويشعر كلام بعضهم جواز كونه جواب الشرط و {جَآءَتْهَا} في موضع الحال كقوله تعالى: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ}تفسير : [العنكبوت: 65] الآية، وتعقب بأن الاحتياج إلى الجواب يقتضي صرف ما يصلح له إليه لا إلى الحال الفضلة المفتقرة إلى تقدير قد مع أن عطف {وَظَنُّواْ} على {جَآءَتْهَا} يأبـى الحالية والفرح بالريح الطيبة لا يكون حال مجىء العاصفة والمعنى على تحقق المجىء لا على تقديره ليجعل حالاً مقدرة ولا يخلو عن حسن، والظاهر أن ما عده مانعاً من الحالية غير مشترك بينه وبين كونه جواب {إِذَا} لأنه يقتضي أنهما في زمان واحد كما لا يخفى على من له أدنى معرفة بأساليب الكلام. وقوله سبحانه: {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ} حال من ضمير {دَعَوُاْ} و {لَهُ} متعلق بمخلصين و {ٱلدِّينِ} مفعوله أي دعوه تعالى من غير إشراك لرجوعهم من شدة الخوف إلى الفطرة التي جبل عليها كل أحد من التوحيد وأنه لا متصرف إلا الله سبحانه المركوزفي طبائع العالم وروي ذلك عن ابن عباس ومن حديث أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما عن سعد بن أبـي وقاص قال: «لما كان يوم الفتح فر عكرمة بن أبـي جهل فركب البحر فأصابتهم عاصف فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً فقال عكرمة: لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ما ينجيني في البر غيره اللهم أن لك عهداً إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمداً حتى أضع يدي / في يده فلأجدنه عفواً كريماً قال فجاء فأسلم» وفي رواية ابن سعد عن أبـي مليكة «أن عكرمة لما ركب السفينة وأخذتهم الريح فجعلوا يدعون الله تعالى ويوحدونه قال: ما هذا؟ فقالوا: هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله تعالى قال: فهذا إله محمد صلى الله عليه وسلم الذي يدعونا إليه فارجعوا بنا فرجع وأسلم». وظاهر الآية أنه ليس المراد تخصيص الدعاء فقط به سبحانه بل تخصيص العبادة به تعالى أيضاً لأنهم بمجرد ذلك لا يكونون مخلصين له الدين. وأياً ما كان فالآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال، وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير وخطب جسيم في بر أو بحر دعوا من لا يضر ولا ينفع ولا يرى ولا يسمع فمنهم من يدعو الخضر وإلياس ومنهم من ينادي أبا الخميس والعباس ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمة ولا ترى فيهم أحداً يخص مولاه بتضرعه ودعاه ولا يكاد يمر له ببال أنه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال فبالله تعالى عليك قل لي أي الفريقين من هذه الحيثية أهدى سبيلاً وأي الداعيين أقوم قيلاً؟ وإلى الله تعالى المشتكى من زمان عصفت فيه ريح الجهالة وتلاطمت أمواج الضلالة وخرقت سفينة الشريعة واتخذت الاستغاثة بغير الله تعالى للنجاة ذريعة وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف. هذا وقوله تعالى: {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} في محل نصب بقول مقدر عند البصريين وهو حال من الضمير السابق، ومذهب الكوفيين إجراء الدعاء مجرى القول لأنه من أنواعه وجعل الجملة محكية به والأول هو الأولى هنا، واللام موطئة لقسم مقدر و {لَنَكُونَنَّ} جوابه. والمشار إليه بهذه الحال التي هم فيها أي والله لئن أنجيتنا مما نحن فيه من الشدة لنكونن البتة بعد ذلك أبداً شاكرين لنعمك التي من جملتها هذه النعمة المسؤولة، والعدول عن لنشكرن إلى ما فيي النظم الجليل للمبالغة في الدلالة على الثبوت في الشكر والمثابرة عليه.

ابن عاشور

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ * فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلاَْرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ} هذه الجملة بدل اشمال من جملة {أية : وإذا أذقنا الناس رحمة}تفسير : [يونس: 21] إلى آخرها لأن البغي في الأرض اشتمل عليه المكر في آيات الله. والمقصود من هذه الجملة هو قوله: {فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض} وما سواه تمهيد وإدماج للامتنان. أعقب التهديد على كفران النعمة بذكر بعض نعم الله عليهم ثم ضَراء تعقب النعمة للابتلاء والتذكير بخالقهم، ثم كيف تُفرج عنهم رحمةً بهم فيكفر فريق منهم كلتا النعمتين ولا يتذكر، فكان المقصود أنَّ في ذلك أعظم الآيات على الوحدانية فكيف يقولون: {أية : لولا أنزل عليه آية من ربه}تفسير : [يونس: 20] وفي كل شيء له آية، وفي كل ذلك امتنان عليهم بالنعمة وتسجيل لكفرانها ولتوارد الآيات عليهم ولكيلا يغتروا بالإمهال فيحسبوه رضى بكفرهم أو عجزاً عن أخذهم، وهذا موقع رشيق جد الرشاقة لهذه الآية القرآنية. وإسناد التسْيير إلى الله تعالى باعتبار أنه سببه لأنه خالق إلهام التفكير وقوى الحركة العقلية والجسدية، فالإسناد مجاز عقلي، فالقصر المفاد من جملة: {هو الذي يسيركم} قصر ادعائي. والكلام مستعمل في الامتنان والتعريض بإخلالهم بواجب الشكر. و{حتى} ابتدائية، وهي غاية للتسيير في البحار خاصة. وإنما كانت غاية باعتبار ما عطف على مدخولها من قوله: {دَعَوا الله} ـ إلى قوله ـ {بغير الحق}، والمغيَّا هو ما في قوله {يسيركم} من المنة المؤذنة بأنه تسيير رفق ملائم للناس، فكان ما بعد (حتى) ومعطوفاتها نهايةَ ذلك الرفق، لأن تلك الحالة التي بعد (حتى) ينتهي عندها السير المنعَم به ويدخلون في حالة البأساء والضراء، وهذا النظم نسج بديع في أفانين الكلام. ومن بديع الأسلوب في الآية أنها لما كانت بصدد ذكر النعمة جاءت بضمائر الخطاب الصالحة لجميع السامعين، فلما تهيأت للانتقال إلى ذكر الضراء وقع الانتقال من ضمائر الخطاب إلى ضمير الغيبة لتلوين الأسلوب بما يخلصه إلى الإفضاء إلى ما يخص المشركين فقال: {وجَرين بهم} على طريقة الالتفات، أي وجرين بكم. وهكذا أجريت الضمائر جامعة للفريقين إلى أن قال: {فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق} فإن هذا ليس من شيم المؤمنين فتمحض ضمير الغيبة هذا للمشركين، فقد أخرج من الخبر مَن عدا الذين يبغون في الأرض بغير الحق تعويلاً على القرينة لأن الذين يبغون في الأرض بغير الحق لا يشمل المسلمين. وهذا ضرب من الالتفات لم ينبه عليه أهل المعاني وهو كالتخصيص بطريق الرمز. وقد عدت هذه الآية من أمثلة الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في ضمائر الغيبة كلها تبعاً «للكشاف» بناء على جعل ضمائر الخطاب للمشركين وجعل ضمائر الغيبة لهم أيضاً، وما نحوتُه أنا أليق. وابتدىء الإتيان بضمير الغيبة من آخر ذكر النعمة عند قوله: {وجرين بهم بريح طيبة} للتصريح بأن النعمة شملتهم، وللإشارة إلى أن مجيء العاصفة فجأة في حال الفرح مراد منه ابتلاؤهم وتخويفهم. فهو تمهيد لقوله: {وجاءهم الموج من كل مكان}. والسير في البر معروف للعرب. وكذلك السير في البحر. كانوا يركبون البحر إلى اليمن وإلى بلاد الحبشة. وكانت لقريش رحلة الشتاء إلى اليمن وقد يركبون البحر لذلك. وقد وصف طرفة بن العبد السفن وسيرها، وذكرها عمرو بن كلثوم في معلقته، والنابغة في داليته. وقرأ الجمهور {يُسيّركم} ـ بتحتية في أوله مضمومة فسين مهملة بعدها تحتية بعدها راء ـ من السير، أي يجعلكم تسيرون. وقرأه ابن عامر وأبو جعفر {ينشركم} بتحتية مفتوحة في أوله بعدها نون ثم شين معجمة ثم راء ـ من النّشر، وهو التفريق على نحو قوله تعالى: {أية : إذا أنتم بشر تنتشرون}تفسير : [الروم: 20] وقوله: {أية : فانتشروا في الأرض}تفسير : [الجمعة: 10]. قال ابن عطية عن عوف بن أبي جميلة وأبي الزغل: كانوا (أي أهل الكوفة) يقرأون {ينشركم} فنظروا في مصحف عثمان بن عفان فوجدوها {يسيركم} (أي بتحتية فسين مهملة فتحتية) فأوَّل من كتبها كذلك الحجاج بن يوسف، أي أمر بكتبها في مصاحب أهل الكوفة. و{حتى} غاية للتسيير. وهي هنا ابتدائية أعقبت بحرف المفاجأة وجوابِه، والجملة والغايةُ هي مفاد جواب {إذا} وهو قوله: {جاءتها ريح عاصف}، فمجيء الريح العاصف هو غاية التسيير الهنيء المنعم به، إذ حينئذٍ ينقلب التسيير كارثة ومصيبة. والفلك: اسم لمَركَب البحر، واسم جمع له بصيغة واحدة. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس}تفسير : في سورة [البقرة: 164]. وهو هنا مراد به الجمع. والجري: السير السريع في الأرض أو في البحر، قال تعالى:{أية : باسم الله مجراها}تفسير : [هود: 41] والظاهر أنه حقيقة فيهما. والريح مؤنثة في كلام العرب. وتقدم في قوله: {أية : وهو الذي يرسل الرياح نشراً بين يَدي رحمته}تفسير : في سورة [الأعراف: 57]. والطيبة: الملائمة الرفيقة بالراكبين. والطيب: الموصوف بالطِيب الشديد. وأصل معنى الطيب الملاءمة فيما يراد من الشيء، كقوله تعالى:{أية : فلنحيينه حياةً طيبة}تفسير : [النحل: 97]، ويقال: طاب له المقام في مكان كذا. ومنه سمي الشيء الذي له ريح وعرف طِيباً. وجملة: {جاءتها ريح عاصف} جواب {إذَا}. وفي ذكر جَريهن بريح طيبة وفرحهم بها إيماء إلى أن مجيء العاصفة حدث فجأة دون توقع من دلالة علامات النوتية كما هو الغالب. وفيه إيماء إلى أن ذلك بتقديرٍ مرادٍ لله تعالى ليخوفهم ويذكرهم بوحدانيته. وضمير {جاءتها} عائد إلى {الفُلك} لأن جمع غير العاقل يعامل معاملة المفرد المؤنث. والعاصف: وصف خاص بالريح، أي شديدة السرعة. وإنما لم تلحقه علامة التأنيث لأنه مختص بوصف الريح فاستغنى عن التأنيث، مثل: نافس وحائض ومرضع، فشاع استعماله كذلك، وذكر وصفاً للريح فبقي لا تلحقه التاء. وقالوا: إنما لم تلحقه التاء لأنه في معنى النسب، مثل: لابن، وتامر. وفيه نظر. ومعنى {من كل مكان} من كل جهة من جهات الفُلك، فالابتداء الذي تفيده (من) ابتداء الأمكنة المتجهة إلى الفلك. ومعنى {أحيط بهم} أخذوا وأهلكوا، فالعرب يقولون: أحاط العَدو بالقبيلة إذا تمكن منها وغلبها، لأن الإحاطة بها تدل على الإحداق بها وتطويقها. ولما كان ذلك هزيمة وامتلاكاً لها صار ترتيب {أحيط بهم} استعارة تمثيلية للهلاك كما تقدم في قوله تعالى: {أية : والله محيط بالكافرين}تفسير : [البقرة: 19] وقوله تعالى: {أية : لتأتنني به إلا أن يُحاط بكم}تفسير : [يوسف: 66] وقوله: {أية : وأحيط بثمره}تفسير : [الكهف: 42] أي هلكت. فمعنى {وظنوا أنهم أحيط بهم} ظنوا الهلاك. وجملة: {دعَوا الله مخلصين} جواب {إذا}. ومعنى مخلصين له الدين ممحضين له العبادة في دعائهم، أي دعوه ولم يدعوا معه أصنامهم. وليس المراد أنهم أقلعوا عن الإشراك في جميع أحوالهم بل تلك حالتهم في الدعاء عند الشدائد. وهذا إقامة حجة عليهم ببعض أحوالهم، مثل قوله تعالى: {أية : أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون}تفسير : [الأنعام: 40، 41]. وجملة: {لئن أنجيتنا} بيان لجملة {دَعوا} لأن مضمونها هو الدعاء. والإشارة بــ{هذه} إلى حالة حاضرة لهم، وهي حالة إشرافهم على الغرق، فالمشار إليه هو الحالة المشاهدة لهم. وقد أكد وعدهم بالشكر بثلاث مؤكدات: لامِ توطئة القسم، ونونِ التوكيد، والتعبير بصيغة {من الشاكرين} دون لنكونن شاكرين، لما يفيده من كونهم من هذه الزمرة التي ديدنها الشكر، كما تقدم بيان خصوصية مثل هذا التركيب عند قوله تعالى: {أية : قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين}تفسير : في سورة [الأنعام:56]. وأتى بحرف (إذا) الفجائية في جواب (لما) للدلالة على تعجيلهم بالبغي في الأرض عقب النجاة. والبغي: الاعتداء. وتقدم في قوله: {أية : والإثم والبغي بغير الحق}تفسير : في سورة [الأعراف: 33]. والمراد به هنا الإشراك كما صُرح به في نظيرها{أية : فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون}تفسير : [العنكبوت: 65]. وسمي الشرك بغياً لأنه اعتداء على حق الخالق وهو أعظم اعتداء، كما يسمى ظلماً في آيات كثيرة منها قوله: {أية : إن الشرك لظلم عظيم}تفسير : [لقمان: 13]. ولا يحسن تفسير البغي هنا بالظلم والفساد في الأرض، إذ ليس ذلك شأن جميعهم فإن منهم حلماء قومهم، ولأنه لا يناسب قولَه بعد {إنما بغيكم على أنفسكم}. ولمعنى هذه الآية في القرآن نظائر، كقوله: {أية : وإذا مس الإنسان ضر دعا ربّه منيباً إليه ثم إذا خَوَّله نعمة منه نسي ما كَان يدعُو إليه من قبل وجَعل لله أنداداً ليضل عن سبيله}تفسير : [الزمر: 8] الآية. وزيادة {في الأرض} لمجرد تأكيد تمكنهم من النجاة. وهو كقوله تعالى: {أية : فلما نجّاهم إلى البر فمنهم مقتصد}تفسير : [لقمان: 32] أي جعلوا مكان أثر النعمة بالنجاة مكاناً للبغي. وكذلك قوله: {بغير الحق} هو قيد كاشف لمعنى البغي، إذ البغي لا يكون بحق، فهو كالتقييد في قوله تعالى: {أية : ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله}تفسير : [القصص: 50]. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} استئناف خطاب للمشركين وهم الذين يبغون في الأرض بغير الحق. وافتُتح الخطاب بــ{يأيها الناس لاستصغاء أسماعهم. والمقصود من هذا تحذير المشركين ثم تهديدهم. وصيغة قصر البغي على الكون مُضراً بهم كما هو مفاد حرف الاستعلاء تنبيه على حقيقة واقعية وموعظة لهم ليعلموا أن التحذير من الشرك والتهديد عليه لرعي صلاحهم لا لأنهم يضرونه كقوله: {أية : ولا تضروه شيئاً}تفسير : [التوبة: 39]. فمعنى (على) الاستعلاء المجازي المكنَّى به عن الإضرار لأن المستعلي الغالب يضر بالمغلوب المستعلَى عليه، ولذلك يكثر أن يقولوا: هذا الشيء عليك، وفي ضده: هذا الشيء لك، كقوله: {أية : من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها}تفسير : [فصلت: 46]. ويقول المقر: لك عليّ كذا. وقال توبة بن الحمير: شعر : وقد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تُقاها أو عليها فجورها تفسير : وقال السموأل اليهودي:شعر : أليَ الفضل أمْ عليّ إذا حُو سِبْتُ أني على الحساب مُقيت تفسير : وذلك أن (على) تدل على الإلزام والإيجاب، واللام تدل على الاستحقاق. وفي الحديث: «حديث : القرآنُ حجة لك أو عليك»تفسير : . فالمراد بالأنفس أنفس الباغين باعتبار التوْزيع بين أفراد معاد ضمير الجماعة المخاطبين في قوله: {بغيكُم} وبين أفراد الأنفس، كما في قولهم: «ركب القوم دوابَّهم» أي، ركب كل واحد دابته. فالمعنى إنما بغي كل أحد على نفسه، لأن الشرك لا يُضر إلا بنفس المشرك باختلال تفكيره وعمله ثم بوقوعه في العذاب. و{متاع} مرفوع في قراءة الجمهور على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي هو متاعُ الحياة الدنيا. وقَرأه حفص عن عاصم بالنصب على الحال من (بغيكم). ويجوز أن يكون انتصابه على الظرفية للبغي، لأن البغي مصدر مشتق فهو كالفعل فناب المصدر عن الظرف بإضافته إلى ما فيه معنى المدة. وتوقيت البغي بهذه المدة باعتبار أنه ذكر في معرض الغضب عليهم، فالمعنى أنه أمهلكم إمهالاً طويلاً فهلاّ تتذكرون؟ فلا تحسبون الإمهال رضى بفعلكم ولا عجزاً وسيُؤاخدكم به في الآخرة. وفي كلتا القراءتين وجوهٌ غير ما ذكرنا. والمتاع: ما ينتفع به انتفاعاً غير دائم. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين}تفسير : في سورة [الأعراف: 24]. والمعنى على كلتا القراءتين واحد، أي أمهلناكم على إشراككم مدة الحياة لا غير ثم نؤاخذكم على بغيكم عند مرجعكم إلينا. وجملة: {ثم إلينا مرجعكم} عطفت بــ(ثم) لإفادة التراخي الرتبي لأن مضمون هذه الجملة أصرح تهديداً من مضمون جملة {إنما بغيكم على أنفسكم}. وتقديم المجرور في قوله: {إلينا مرجعكم} لإفادة الاختصاص، أي ترجعون إلينا لا إلى غيرنا تنزيلاً للمخاطبين منزلة من يظن أنه يرجع إلى غير الله لأن حالهم في التكذيب بآياته والإعراض عن عبادته إلى عبادة الأصنام كحال من يظن أنه يحشر إلى الأصنام وإن كان المشركون ينكرون البعث من أصله. وتفريع {فننبئكم} على جملة: {إلينا مرجعكم} تفريع وعيد على تهديد. واستعمل الإنباء كناية عن الجزاء لأن الإنباء يستلزم العلم بأعمالهم السيئة، والقادر إذا علم بسوء صنيع عبده لا يمنعه من عقابه مانع. وفي ذكر {كنتم} والفعل المضارع دلالة على تكرر عملهم وتمكنه منهم. والوعيد الذي جاءت به هذه الآية وإن كان في شأن أعظم البغي فكان لكل آت من البغي بنصيب حظاً من هذا الوعيد.

الواحدي

تفسير : {هو الذي يسيِّركم في البر} على المراكب والظُّهور {والبحر} على السُّفن {حتى إذا كنتم في الفلك} السُّفن {وجرين بهم} يعني: وجرت السُّفن بمَنْ ركبها في البحر {بريح طيبة} رُخاءٍ ليِّنةٍ {وفرحوا} بتلك الرِّيح للينها واستوائها {جاءتها ريحٌ عاصف} شديدةٌ {وجاءهم الموج} وهو ما ارتفع من الماء {من كلِّ مكان} من البحر {وظنوا أنهم أحيط بهم} دنوا من الهلاك {دعوا الله مخلصين له الدين} تركوا الشِّرك وأخلصوا لله الرُّبوبيَّة، وقالوا {لئن أنجيتنا من هذه} الرِّيح العاصفة {لنكوننَّ من الشاكرين} الموحِّدين الطَّائعين. {فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق} يعملون بالفساد والمعاصي والجرأة على الله. {يا أيها الناس} يعني: أهل مكَّة {إنما بغيكم على أنفسكم} أَيْ: بغي بعضكم على بعضٍ {متاع الحياة الدنيا} أَيْ: ما ينالونه بهذا الفساد والبغي إنَّما يتمتَّعون به في الحياة الدُّنيا {ثم إلينا مرجعكم}. {إنما مثل الحياة الدنيا} يعني: الحياة الفانية في هذه الدَّار {كماءٍ} كمطرٍ {أنزلناه من السماء فاختلط به} بذلك المطر وبسببه {نبات الأرض ممَّا يأكل الناس} من البقول والحبوب والثِّمار {والأنعام} من المراعي والكلأ {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} زينتها وحسنها {وازَّينت} بنباتها {وظنَّ} أهل تلك الأرض {أنهم قادرون} على حصادها والانتفاع بها {أتاها أمرنا} عذابنا {فجعلناها حصيداً} لا شيء فيها {كأن لم تغن} لم تكن بالأمس {كذلك} الحياةُ في الدُّنيا سببٌ لاجتماع المال وزهرة الدُّنيا، حتى إذا كثر ذلك عند صاحبه، [وظنَّ] أنَّه ممتَّعٌ به سُلِب ذلك عنه بموته، أو بحادثةٍ تهلكه {كذلك نفصل الآيات} كما بيَّنا هذا المثل للحياة الدُّنيا كذلك يُبيِّن الله آيات القرآن {لقوم يتفكرون} في المعاد. {والله يدعو إلى دار السلام} وهي الجنَّة ببعث الرَّسول، ونصب الأدلة {ويهدي من يشاء} عمَّ بالدَّعوة، وخصَّ بالهداية مَنْ يشاء. {للذين أحسنوا} قالوا: لا إله إلاَّ الله {الحسنى} الجنَّة {وزيادة} النَّظر إلى وجه الله الكريم عزَّ وجلَّ {ولا يرهق} يغشى {وجوههم قترٌ} سوادٌ من الكآبة {ولا ذلة} كما يصيب أهل جهنَّم، وهذا بعد نظرهم إلى ربِّهم تبارك وتعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 22- الله الذى تكفرون بنعمه، وتُكَذِّبون بآياته، هو الذى يُمكِّنكم من السير والسعى فى البر مشاة وركباناً، وفى البحر بما سخَّر لكم من السفن التى تجرى على الماء، بما يهيئ الله لها من ريح طيبة تدفعها فى أمان إلى غايتها، حتى إذا اطمأننتم إليها وفرحتم بها هبت ريح عاصفة أثارت عليكم الموج من كل جانب، وأيقنتم أن الهلاك واقع لا محالة، فى هذه الشدة لا تجدون ملجأ غير الله فتدعونه مخلصين فى الدعاء، وموقنين أنه لا منقذ لكم سواه، متعهدين له لئن أنجاكم من هذه الكربة لتؤمنن به ولتكونن من الشاكرين. 23- فلما أنجاهم مما تعرضوا له من الهلاك، نقضوا عهدهم، وعادوا مسرعين إلى الفساد الذى كانوا من قبل - يا أيها الناس - الناقضون للعهد إن عاقبة اعتدائكم وظلمكم سترجع عليكم - وحدكم - وإن ما تتمتعون به فى دنياكم متاع دنيوى زائل، ثم إلى الله مصيركم فى النهاية فيجزيكم بأعمالكم التى أسلفتموها فى دنياكم. 24- ما حالة الحياة الدنيا فى روعتها وبهجتها، ثم فى فنائها بعد ذلك، إلا كحالة الماء ينزل من السماء، فيختلط به نبات الأرض، مما يأكله الناس والحيوان، فيزدهر ويثمر وتزدان به الأرض نضارة وبهجة، حتى إذا بلغت هذه الزينة تمامها، وأيقن أهلها أنهم مالكون زمامها ومنتفعون بثمارها وخيراتها، فاجأها أمرنا بزوالها فجعلناها شيئاً محصوداً، كأن لم تكن آهلة بسكانها وآخذة بهجتها من قبل، ففى كلتا الحالتين نضارة وازدهار يبتهج بهما الناس، ثم يعقبهما زوال ودمار، وكما بيَّن الله ذلك بالأمثال الواضحة، يبيِّن الآيات ويفصل ما فيها من أحكام وآيات لقوم يتفكرون ويعقلون.

د. أسعد حومد

تفسير : {لَئِنْ} {ٱلشَّاكِرِينَ} (22) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي وَهَبَ النَّاسَ القُدْرَةَ عَلَى السَّيْرِ فِي البَرِّ مُشَاةً وَرُكْبَاناً، وَفِي البَحْرِ بِمَا سَخَّرَ لَهُمْ مِنَ السُّفُنِ وَالمَرَاكِبِ (الفُلْكِ)، وَهُوَ الذِي يَحْفَظُهُمْ وَيَكْلَؤُهُمْ بِعِنَايَتِهِ وَرِعَايَتِهِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا فِي السَّفِينَةِ، وَجَرَتْ بِهِمْ إِلَى غَايَتِهَا بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ مُوَاتِيَةٍ، وَفَرِحُوا بِسُرْعَةِ سَيْرِهَا رَافِلِينَ سُعَدَاءَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَتِ السَّفِينَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ عَاصِفَةٌ، وَأَحَاطَ بِهِمُ المَوْجُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَظَنُّوا أَنَّهُمْ هَالِكُونَ، فَأَخَذُوا يَدْعُونَ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لاَ يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئاً، وَلاَ يَدْعُونَ مَعَهُ صَنَماً وَلاَ وَثَناً، وَيُفْرِدُونَهُ بِالدُّعَاءِ وَالابْتِهَالِ، وَيَقُولُونَ يَا رَبِّ إِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنَ الحَالِ التِي نَحْنُ فِيها لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلَنَكُونَنَّ مِنَ المُخْلِصِينَ فِي عِبَادَتِكَ، وَلَنْ نُشْرِكَ بِكَ أَحَداً، كَمَا أَفْرَدْنَاكَ بِالدُّعَاءِ. رِيحٌ عَاصِفٌ - رِيحٌ شَدِيدَةُ الهُبُوبِ. أُحِيطَ بِهِم - أَحْدَقَ بِهِم الهَلاَكُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذه الآية الكريمة جاءت مرحلة من مراحل إخبار الله سبحانه وتعالى عن المعاندين لدعوة الإسلام، التي بدأها الحق سبحانه بأنه قد رحمهم فأجّل لهم استجابة دعائهم على أنفسهم بالشر، ولو أنه أجابهم إلى ما دَعَوْا به على أنفسهم من الشر في قولهم: {أية : إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ..}تفسير : [الأنفال: 32]. لقضي أمرهم: فمن رحمة الله تعالى أنه لم يُجِبْهم إلى دعائهم. وإذا كان الله سبحانه قد أجَّل استجابة دعائهم على أنفسهم بالشر رحمة بهم، فيجب أن يعرفوا أن تأجيل استجابتهم بدعاء الخير رحمة بهم أيضاً؛ لأنهم قد يدعون بالشر وهم يظنون أنهم يدعون بالخير، وبعد ذلك دلّل على كذبهم في دعائهم على أنفسهم بالشر بأنهم إذا مسّهم ضرٌّ دعوا الله تعالى مضطجعين وقاعدين وقائمين. فلو كانوا يحبون الشر لأنفسهم؛ لظلوا على ما هم فيه من البلاء إلى أن يقضي الله تعالى فيهم أمراً. ثم عرض سبحانه قضية أخرى، وهي أنه سبحانه إذا مسهم بضر؛ ليعتبروا، جاء الله سبحانه برحمته؛ لينقذهم من هذا الضر. فياليتهم شركوا نعمة الله تعالى في الرحمة من بعد الضر، ولكنهم مرُّوا كأن لم يدعوا الله سبحانه إلى ضر مسَّهم. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، يصور لنا الحق سبحانه وضعاً آخر، هو وضع السير في البر والبحر، فيقول: {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ..} [يونس: 22]. وكلمة {يُسَيِّرُكُمْ} تدل على أن الذي يسِّير هو الله، ولكن في القرآن آيات تثبت أن السير يُنسب إلى البشر حين يقول: {أية : قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ..}تفسير : [النمل: 69]. وحين يقول الحق سبحانه: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ..}تفسير : [القصص: 29]. وهو سبحانه يقول: {أية : سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ..}تفسير : [سبأ: 18]. فكأن هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قد نسبت التسيير إلى الله سبحانه، وبعض الآيات الأخرى نسبت التسيير إلى النفس الإنسانية، ونقول لمن توهموا أن في ذلك تعارضاً: لو أنكم فطنتم إلى تعريف الفاعل عند النحاة وكيف يرفعونه؛ لعرفتم أن تحقق أي فعل إنما يعود إلى مشيئة الله سبحانه، فحين نقول: "نجح فلان" فهل هو الذي نجح، أم أن الذي سمح له بالنجاح غيره؟ إن الممتحن والمصحِّح هما من سمحا له بالنجاح؛ تقديراً لإجاباته التي تدل على بذَل المجهود في الاستذكار. وكذلك نقول: "مات فلان"، فهل فلان فعل الموت بنفسه؟ خصوصاً ونحن نعرب "مات" كفعل ماضٍ، ونعرب كلمة (فلان) "فاعل" أو نقول: إن الموت قد وقع عليه واتَّصف به؛ لأن تعريف الفاعل: هو الذي يفعل الفعل، أو يتّصف به. وإذا أردنا أن ننسب الأشياء إلى مباشرتها السببية؛ قلنا: "سار الإنسان". وإذا أردنا أن نؤرِّخ لسير الإنسان بالأسباب، وترحَّلنا به إلى الماضي؛ لوجدنا أن الذي سيَّره هو الله تعالى. وكل أسباب الوجود إنْ نظرتَ إليها مباشرة؛ وجدتها منسوبة إلى من هو فاعل لها؛ لكنك إذا تتبَّعتها أسباباً؛ وجدتّها تنتسب إلى الله سبحانه. فمثلاً: إذا سُئلت: مَنْ صنع الكرسي؟ تجيب: النجار. وإنْ سألت النجار: من أين أتيت بالخشب؟ سيجيبك: مِن التاجر. وسيقول لك التاجر أنه استورده من بلاد الغابات، وهكذا. إذن: إذا أردت أن تسلسل كل حركة في الوجود؛ لا بد أن تنتهي إلى الله تعالى. وحين قال الحق سبحانه: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ..}تفسير : [القصص:29]. نفهم من ذلك أن موسى ـ عليه السلام ـ قد سُيِّر بأهله؛ لأن التسيير في كل مقوماته من الله تعالى. والمثال الآخر: نحن نقرأ في القرآن قوله الحق: {أية : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ}تفسير : [النجم: 43]. فهو سبحانه الذي خلق الضحك، وخلق البكاء. فنجد من يقول: كيف يقول الله سبحانه إنه خلق الضحك والبكاء وهو الذي يقول في القرآن: {أية : فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً}تفسير : [التوبة: 82]. ونقول: أنت إن نظرت إلى القائم بالضحك، فهو الإنسان الذي ضحك، وإن نظرت إلى من خلق غريزة الضحك في الإنسان؛ تجده الله سبحانه. وغريزة الضحك موجودة باتفاق شامل لكل أجناس الوجود، وكذلك البكاء فلا يوجد ضحك عربي، وضحك انجليزي، ولا يوجد بكاء فرنسي، أو بكاء روسي. إذن: فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الضحك والبكاء. وقد صدق قوله الحق: {أية : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ}تفسير : [النجم: 43]. لكن الضاحك والباكي يقوم به الوصف. وكذلك قوله الحق: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ..}تفسير : [الأنفال: 17]. فقد شاء الحق سبحانه أن يمكن رسوله صلى الله عليه وسلم بالبشرية أن يرمي الحصى، ولكن إيصال الحصى لكل فرد في الجيش المقابل له، فتلك إرادة الله. إذن: فقول الحق سبحانه: {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}. لا يتعارض مع أنهم هم الذين يسيرون، وأنت إذا علّلت السير في الأرض أو في البحر؛ ستجد أن السير هو انتقال السائر من مكان إلى مكان، وهو يحدِّد غاية السير بعقله، والأرض أو البحر الذي يسير في أي منهما بأقدامه أو بالسيارة أو بالمركب، هذا العقل خلقه الله تعالى، والأرض كذلك، والبحر أيضاً، كلها مخلوقات خلقها الله سبحانه وتعالى. وأنت حين تحرِّك ساقيك؛ لتسير، لا تعرف كيف بدأت السير ولا كَمْ عضلة تحركت في جسدك، فالذي أخضع كل طاقات جسمك لمراد عقلك هو الله تعالى. إذن: فكل أمر مرجعه إلى الله سبحانه. وهنا ملحظ في السير في البر والبحر، فكلاهما مختلف، فالإنسان ساعة يسير في الأرض على اليابسة، قد تنقطع به السبل، ويمكنه أن يستصرخ أحداً من المارة، أو ينتظر إلى أن يمر عليه بعض المارة؛ ليعاونه. أما المرور في البحر؛ فلا توجد به سابلة أو سالكة كثيرة؛ حتى يمكن للإنسان أن يستصرخهم. إذن: فالمرور في البحر أدق من المرور في البر؛ ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول عن السير في البحر: {حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} [يونس: 22]. وهكذا لا نجد أن في الآية نفسها حديثاً عن السير في البر؛ لأن الحق سبحانه ما دام قد تكلم عن إزالة الخطر للمضطر في البحر، فهذا يتضمن إزالته عمن يسير في البر من باب أولى. وإذا ما جاء الدليل الأقوى، فهو لا بد أن ينضوي فيه الدليل الأقل. ومثال هذا قول الحق سبحانه: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً}تفسير : [الأحقاف: 15]. وجاءت كل الحيثيات بعد ذلك للأم، ولم يأت بأي حيثية للأب، فيقول: {أية : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً}تفسير : [الأحقاف: 15]. وشاء الحق سبحانه ذلك؛ لأن حيثية الأم مبنية على الضعف، فيريد أن يرقق قلب ابنها عليها، فالأب رجل، قد يقدر على الكدح في الدنيا، كما أن فضل الأب على الولد يدركه الولد، لكن فضل أمه عليه وهو في بطنها؛ لا يعيه، وفي طفولته الأولى لا يعي أيضاً هذا الفضل. ولكنه يعي من بعد ذلك أن والده يحضر له كل مستلزمات حياته، من مأكل وملبس، ويبقى دور الأم في نظر الطفل ماضياً خافتاً. إذن: فحيثية الأم هي المطلوبة؛ لأن تعبها في الحمل والإرضاع لم يكن مُدْرَكاً من الطفل. وكذلك هنا في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، ترك الحق سبحانه حيثية البر وأبان بالتفصيل حيثية البحر: {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ} [يونس: 22]. وكلمة (الفلك) تأتي مرة مفردة، وتأتي مرة جمعاً، والوزن واحد في الحالتين ومثال هذا أنه حين أراد الله سبحانه أن ينجي نوحاً عليه السلام، وأن يغرق الكافرين به، قال لسيدنا نوح: {أية : وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا..}تفسير : [هود: 37]. إذن هي تطلق على المفرد، وعلى الجمع، ولها نظائر في اللغة في كلتا الحالتين، فهي في الإفراد تكون مثل: قُفْل، وقُرْط. وعند الجمع تكون مثل: أسْد. والحق سبحانه وتعالى يصف الريح هنا بأنها طيبة، والقرآن الكريم طبيعة أسلوبه حين يتكلم عن الريح بلفظ الإفراد يكون المقصود بها هو العذاب، مثل قوله الحق: {أية : فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ..}تفسير : [الأحقاف: 24-25]. وإن تكلم عنها بلفظ الجمع فهي للرحمة، وسبحانه القائل: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ..}تفسير : [الحجر: 22]. ويقول سبحانه أيضاً: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ..}تفسير : [الأعراف: 57]. والرياح هنا جاءت في صيغة الجمع، وعلّة وجود ريح للشر، ورياح للخير، يمكنك أن تستشفها من النظر إلى الوجود كله؛ هذا النظر يوضح لك أن الهواء له مراحل، فهواء الرُّخَاء هو الذي يمر خفيفاً، مثل النسيم العليل، وأحياناً يتوقف الهواء فلا تمر نسمة واحدة، ولكننا نتنفس الهواء الساكن الساخن أثناء حرارة الجو، ثم يشتد الهواء أحياناً؛ فيصير رياحاً قوية بعض الشيء، ثم يتحول إلى أعاصير. والهواء - كما نعلم - هو المقوِّم الأساسي لكل كائن حي، ولكل كائن ثابت غير حي، فإذا كان الهواء هو المقوم الأساسي للنفس الإنسانية، فالعمارات الضخمة - مثل ناطحات السحاب - لا تثبت بمكانها إلا نتيجة توازن تيارات الهواء حولها، وإن حدث تفريغ للهواء تجاه جانب من جوانبها؛ فالعمارة تنهار. إذن: فالذي يحقق التوازن في الكون كله هو الهواء. ولذلك نجد القرآن الكريم قد فصّل أمر الرياح وأوضح مهمتها، وهنا يقول الحق سبحانه: {حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} وكأنه سبحانه يتكلم هنا عن السفن الشراعية التي تسير بالهواء المتجمِّع في أشرعتها. وإذا كان التقدم في صناعة السفن قد تعدَّى الشراع، وانتقل إلى البخار، ثم الكهرباء، فإن كلمة الحق سبحانه: {برِيحٍ طَيِّبَةٍ} تستوعب كل مراحل الارتقاء، خصوصاً وأن كلمة "الريح" قد وردت في القرآن الكريم بمعنى القوة أيا كانت: من هواء، أو محرك يسير بأية طاقة. وسبحانه القائل: {أية : وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ..}تفسير : [الأنفال: 46]. وهكذا نفهم أن معنى الريح ينصرف إلى القوة. وأيضاً كلمة "الريح" تنسجم مع كل تيسيرات البحر. وقوله الحق: {حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا} هذا القول الكريم يضم ثلاثة وقائع: الوجود في الفُلْك، وجرى الفُلْك بريح طيبة، ثم فرحهم بذلك؛ هذه ثلاثة أشياء جاءت في فعل الشرط، ثم يأتي جواب الشرط وفيه ثلاثة أشياء أيضاً: أولها: {جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ} وثانيها: {وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ} وثالثها: {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ}. أما الريح العاصف: فهي المدمرة، ويقال: فلان يعصف بكذا، وفي القرآن: {أية : كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ..}تفسير : [الفيل: 5]. إذن: {رِيحٌ عَاصِفٌ} هي الريح المدمِّرة المغرِقة. وقوله الحق: {وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ}. فالموج يأتي من أسفل، والريح تأتي من أعلى، وترفع الريح الموج فيدخل الموج إلى المركب، ونعلم أنهم يقيسون ارتفاع الموج كل يوم حسب قوة الريح: فحين تكون الريح خفيفة؛ يظهر سطح مياه البحر مجعّداً، وحين تكون الريح ساكنة؛ فأنت لا تجد صفحة المياه مجعدة، بل مبسوطة، وقد جاءتهم الريح عاصفاً فيزداد عنف الموج، ويتحقق نتيجة لذلك الظن بأنهم قد أحيط بهم. ومعنى الإحاطة هو عدم وجود منفذ للفرار؛ ولذلك نجد الحق سبحانه يتكلم عن الكافرين بقوله: {أية : وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَافِرِينَ ..}تفسير : [البقرة: 19]. أي: ليس هناك منفذ يفلتون منه. ولحظة ظنهم أنه قد أحيط بهم؛ لا يسلمون أنفسهم لهذه الحالة؛ بدعوى الاعتزاز بأنفسهم غريزياً، بل يتجهون إلى الله بالدعاء، هذا الإله الذي أنكروه، لكنهم لحظة الخطر لا يكذب أحد على نفسه أو يخدعها. ولذلك نجد سيدنا جعفر الصادق يجيب على سائل سأله: أهناك دليل على وجود الصانع الأعلى؟ فيقول سيدنا جعفر: ما عملك؟ فيجيب السائل: تاجر أبحر في البحر. فسأله سيدنا جعفر: أوَلم يحدث لك فيه حال؟ قال الرجل: بل حدث. فسأل سيدنا جعفر: ما هو؟ قال: حملت بضائعي في سفينة، فهبت الريح وعلا الموج وغرقت السفينة وتعلقت بلوح من الخشب. قال سيدنا جعفر: الم يخطر على بالك أن تفزع إلى شيء؟ قال الرجل: نعم. قال سيدنا جعفر: هذا الصانع الأعلى. وكذلك لجأ هؤلاء الذين كفروا بالله إلى الله تعالى حين عصفت بهم الريح، وعلا عليهم الموج، وظنوا أنهم قد أحيط بهم ويقول الحق سبحانه وتعالى - وهم في مثل هذه الحالة: {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} وهذا يعني أنهم لم يدعوه فقط، بل دَعَوْه بإخلاص وأقروا بوحدانيته، وألاّ شريك له أبداً؛ لأنهم يعلمون أن مثل هذا الشريك لن ينفعهم أبداً. ثم يجيء الحق سبحانه بصيغة دعائهم: {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} فهل وَفَّوْا بالعهد؟ لا؛ لأن الحق سبحانه يقول بعد ذلك: {فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ ...}.

الجيلاني

تفسير : وكيف لا يراقبكم ويحافظ عليكم {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ} أي: يمكنكم على السير والسياحة {فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} ليجرب إخلاصكم وتقوالكم، ورسوخكم في الإيمان {حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ} أي: السفن {وَجَرَيْنَ} الجواري {بِهِم} أي: بمن في السفن {بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} معتدلة، موافقة لسيرها {وَفَرِحُواْ بِهَا} ويجريها على مرادهم {جَآءَتْهَا} بغتة {رِيحٌ عَاصِفٌ} شديدة الهبوب، مزلزلة لها {وَ} من شدة هبوبها وتحركها البحر {جَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ} مثل الجبال الرواسي {مِن كُلِّ مَكَانٍ} أي: جانب وجهة {وَظَنُّوۤاْ} من غاية ارتفاع الأمواج المتتالية {أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} أسباب الأهلاك لتقع عليهم وتستأصلهم، وحينئذٍ {دَعَوُاْ ٱللَّهَ} ملتجئين متضرعين {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي: مقتصرين الإطاعة والانقياد له؛ إذ لا تعارضه حينئذٍ الأهواء الفاسدة والآراء الباطلة، قائلين: {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا} يا ربنا بفضلك وجودك {مِنْ هَـٰذِهِ} البلية المحيطة بنا {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} [يونس: 22] لنعمك المتذكرين دائماً لجودك وكرمك. {فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ} إجابةً لدعائهم، وكشفنا لضرهم وبلائهم {إِذَا هُمْ} يفاجئون إلى الكفران ويسارعون إلى الطغيان، حيث {يَبْغُونَ} ويطلبون الفساد {فِي ٱلأَرْضِ} المعدة للعبادة والصلاح {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي: بلا رخصة شرعكية، بل عن بغي وعناد، التفت سبحانه من الخطاب إلى الغيبة؛ تنبيهاً على بعدهم وطردهم عن ساحة عز الحضور، لذلك أبعدهم بالغيبة بعدما قربهم بالخطاب. ثم قال سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} الناسين نعمة الإنجاء والخلاص عن ورطة الهلاك {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ} وكفرانكم الذي فاجأتم به، بدل الشكر والإطاعة في النشأة الأولى وبال عائد {عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} في النشأة الأخرى؛ إذ {مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي: التمتع بلذاتها وشهواتها، والركون إلى مزخرفاتها قليل حقير ونزر يسير؛ لا ينبغي للعاقل أن يترك الباقي لأجل الفاني، واللذة الروحانية الدائمة المستمرة للذة الجسمانية المتناهية القصيرة {ثُمَّ} بعد انقضاء النشأة الأولى {إِلَينَا} لا إلى غيرنا؛ إذ لا غير معنا {مَرْجِعُكُمْ} ومصريكم رجوع الأضلال والأضواء والعكوس إلى الشمس {فَنُنَبِّئُكُمْ} أي: نخبركم ونعمل بكم {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [يونس: 23] أي: بمقتضى عملكم، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تعالى القاعدة العامة في أحوال الناس عند إصابة الرحمة لهم بعد الضراء، واليسر بعد العسر، ذكر حالة، تؤيد ذلك، وهي حالهم في البحر عند اشتداده، والخوف من عواقبه، فقال: { هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } بما يسر لكم من الأسباب المسيرة لكم فيها، وهداكم إليها. { حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ } أي: السفن البحرية { وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ } موافقة لما يهوونه، من غير انزعاج ولا مشقة. { وَفَرِحُوا بِهَا } واطمأنوا إليها، فبينما هم كذلك، إذ { جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ } شديدة الهبوب { وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } أي: عرفوا أنه الهلاك، فانقطع حينئذ تعلقهم بالمخلوقين، وعرفوا أنه لا ينجيهم من هذه الشدة إلا الله وحده، فدَعَوُه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ووعدوا من أنفسهم على وجه الإلزام، فقالوا: { لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } { فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ } أي: نسوا تلك الشدة وذلك الدعاء، وما ألزموه أنفسهم، فأشركوا بالله، من اعترفوا بأنه لا ينجيهم من الشدائد، ولا يدفع عنهم المضايق، فهلا أخلصوا لله العبادة في الرخاء، كما أخلصوها في الشدة؟!! ولكن هذا البغي يعود وباله عليهم، ولهذا قال: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أي: غاية ما تؤملون ببغيكم، وشرودكم عن الإخلاص لله، أن تنالوا شيئًا من حطام الدنيا وجاهها النزر اليسير الذي سينقضي سريعًا، ويمضي جميعًا، ثم تنتقلون عنه بالرغم. { ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ } في يوم القيامة { فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } وفي هذا غاية التحذير لهم عن الاستمرار على عملهم.

همام الصنعاني

تفسير : 1149- أخبرنا محمد بن عبد السلام، قال: حدثنا سلمة بن شيب عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}: [الآية: 22]، ق ال: إذا مَسَّهُمْ الضر في البحر أخلصوا لله الدّعاء. 1150- عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن عَمْرو بن مُرَّةَ، عن أبي عبيدة، في قوله تعالى: {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}: [الآية: 22]، ق ال: هيا شراهيا. قال سفيان: تفسيره يا حي يا قيوم.