١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
21
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن القوم لما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم آية أخرى سوى القرآن، وأجاب الجواب الذي قررناه وهو قوله: { أية : إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ } تفسير : [يونس: 20] ذكر جواباً آخر وهو المذكور في هذه الآية، وتقريره من وجهين: الوجه الأول: أنه تعالى بين في هذه الآية أن عادة هؤلاء الأقوام المكر واللجاج والعناد وعدم الإنصاف، وإذا كانوا كذلك فبتقدير أن يعطوا ما سألوه من إنزال معجزات أخرى، فإنهم لا يؤمنون بل يبقون على كفرهم وجهلهم، فنفتقر ههنا إلى بيان أمرين: إلى بيان أن عادة هؤلاء الأقوام المكر واللجاج والعناد، ثم إلى بيان أنه متى كان الأمر كذلك لم يكن في إظهار سائر المعجزات فائدة. أما المقام الأول: فتقريره أنه روي أن الله تعالى سلط القحط على أهل مكة سبع سنين ثم رحمهم، وأنزل الأمطار النافعة على أراضيهم، ثم إنهم أضافوا تلك المنافع الجليلة إلى الأصنام وإلى الأنواء، وعلى التقديرين فهو مقابلة للنعمة بالكفران. فقوله: {وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً } المراد منه تلك الأمطار النافعة. وقوله: {مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ } المراد منه ذلك القحط الشديد. وقوله: {إِذَا لهم مكر في آياتنا} المراد منه إضافتهم تلك المنافع الجليلة إلى الأنواء والكواكب أو إلى الأصنام. واعلم أنه تعالى ذكر هذا المعنى بعينه فيما تقدم من هذه السورة، وهو قوله تعالى: { أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضرّ مسهٰ } تفسير : [يونس: 12] إلا أنه تعالى زاد في هذه الآية التي نحن في تفسيرها دقيقة أخرى ما ذكرها في تلك الآية، وتلك الدقيقة هي أنهم يمكرون عند وجدان الرحمة، ويطلبون الغوائل، وفي الآية المتقدمة ما كانت هذه الدقيقة مذكورة، فثبت بما ذكرنا أن عادة هؤلاء الأقوام اللجاج والعناد والمكر وطلب الغوائل. وأما المقام الثاني: وهو بيان أنه متى كان الأمر كذلك فلا فائدة في إظهار سائر الآيات، لأنه تعالى لو أظهر لهم جميع ما طلبوه من المعجزات الظاهرة فإنهم لا يقبلونها، لأنه ليس غرضهم من هذه الاقتراحات التشدد في طلب الدين، وإنما غرضهم الدفع والمنع والمبالغة في صون مناصبهم الدنيوية، والامتناع من المتابعة للغير، والدليل عليه أنه تعالى لما شدد الأمر عليهم وسلط البلاء عليهم، ثم أزالها عنهم وأبدل تلك البليات بالخيرات، فهم مع ذلك استمروا على التكذيب والجحود، فدل ذلك على أنه تعالى لو أنزل عليهم الآيات التي طلبوها لم يلتفتوا إليها، فظهر بما ذكرنا أن هذا الكلام جواب قاطع عن السؤال المتقدم. الوجه الثاني: في تقرير هذا الجواب: أن أهل مكة قد حصل لهم أسباب الرفاهية وطيب العيش، ومن كان كذلك تمرد وتكبر كما قال تعالى: { أية : إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّءاهُ ٱسْتَغْنَىٰ } تفسير : [العلق: 6، 7] وقرر تعالى هذا المعنى بالمثال المذكور، فإقدامهم على طلب الآيات الزائدة والاقتراحات الفاسدة، إنما كان لأجل ما هم فيه من النعم الكثيرة والخيرات المتوالية، وقوله: {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا } كالتنبيه على أنه تعالى يزيل عنهم تلك النعم، ويجعلهم منقادين للرسول مطيعين له، تاركين لهذه الاعتراضات الفاسدة، والله أعلم. المسألة الثانية: قوله تعالى: {وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً } كلام ورد على سبيل المبالغة، والمراد منه إيصال الرحمة إليهم. واعلم أن رحمة الله تعالى لا تذاق بالفم، وإنما تذاق بالعقل، وذلك يدل على أن القول بوجود السعادات الروحانية حق. المسألة الثالثة: قال الزجاج {إِذَا } في قوله: {وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً } للشرط و {إِذَا } في قوله {إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ } جواب الشرط وهو كقوله: { أية : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } تفسير : [الروم: 36] والمعنى: إذا أذقنا الناس رحمة مكروا وإن تصبهم سيئة قنطوا. واعلم أن {إِذَا } في قوله: {إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ } تفيد المفاجأة، معناه أنهم في الحال أقدموا على المكر وسارعوا إليه. المسألة الرابعة: سمي تكذيبهم بآيات الله مكراً، لأن المكر عبارة عن صرف الشيء عن وجهه الظاهر بطريق الحيلة، وهؤلاء يحتالون لدفع آيات الله بكل ما يقدرون عليه من إلقاء شبهة أو تخليط في مناظرة أو غير ذلك من الأمور الفاسدة. قال مقاتل: المراد من هذا المكر هو أن هؤلاء لا يقولون هذا رزق الله، بل يقولون سقينا بنوء كذا. أما قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ } فالمعنى أن هؤلاء الكفار لما قابلوا نعمة الله بالمكر، فالله سبحانه وتعالى قابل مكرهم بمكر أشد من ذلك، وهو من وجهين: الأول: ما أعد لهم يوم القيامة من العذاب الشديد، وفي الدنيا من الفضيحة والخزي والنكال. والثاني: أن رسل الله يكتبون مكرهم ويحفظونه، وتعرض عليهم ما في بواطنهم الخبيثة يوم القيامة، ويكون ذلك سبباً للفضيحة التامة والخزي والنكال نعوذ بالله تعالى منه.
القرطبي
تفسير : يريد كفار مكة. {رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ} قيل: رخاء بعد شدّة، وخِصب بعد جَدْب. {إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا} أي استهزاء وتكذيب. وجواب قوله: «وَإذَا أَذَقْنَا»: «إذَا لَهُمْ» على قول الخليل وسيبويه. {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ} ابتداء وخبر. {مَكْراً} على البيان، أي أعجل عقوبة على جزاء مكرهم، أي أن ما يأتيهم من العذاب أسرع في إهلاكهم مما أتوه من المكر. {إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} يعني بالرسل الحفظة. وقراءة العامة «تمكرون» بالتاء خطاباً. وقرأ يعقوب في رواية رُوَيْس وأبو عمرو في رواية هارون العَتَكي «يمكرون» بالياء؛ لقوله: {إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا} قيل: قال أبو سفيان قُحِطنا بدعائك فإن سقيتنا صدقناك؛ فسُقُوا باستسقائه صلى الله عليه وسلم فلم يؤمنوا، فهذا مكرهم.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه إِذا أذاق الناس رحمة من بعد ضراء مستهم؛ كالرخاء بعد الشدة، والخصب بعد الجدب، والمطر بعد القحط، ونحو ذلك، {إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِىۤ ءايَـٰتِنَا} قال مجاهد: استهزاء وتكذيب؛ كقوله: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا} تفسير : [يونس: 12] الآية، وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصبح على أثر سماء كانت من الليل، أي: مطر، ثم قال: «حديث : هل تدرون ماذا قال ربكم الليلة؟» تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «حديث : قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب» تفسير : وقوله: {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} أي: أشد استدراجاً وإِمهالاً، حتى يظن الظان من المجرمين أنه ليس بمعذب، وإِنما هو في مهلة، ثم يؤخذ على غرة منه، والكاتبون الكرام يكتبون عليه جميع ما يفعله، ويحصونه عليه، ثم يعرضونه على عالم الغيب والشهادة، فيجازيه على الجليل والحقير، والنقير والقطمير. ثم أخبر تعالى أنه {هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} أي: يحفظكم ويكلؤكم بحراسته {حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا} أي: بسرعة سيرهم رافقين، فبينما هم كذلك إذ {جَآءَتْهَا} أي: تلك السفن {رِيحٌ عَاصِفٌ} أي: شديدة {وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ} أي: اغتلم البحر عليهم {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} أي: هلكوا {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي: لا يدعون معه صنماً ولا وثناً، بل يفردونه بالدعاء والابتهال؛ كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّـٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ كَفُورًا} تفسير : [الإسراء: 67] وقال ههنا: {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ} أي: هذه الحال {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} أي: لا نشرك بك أحداً، ولنفردنك بالعبادة هناك كما أفردناك بالدعاء ههنا، قال الله تعالى: {فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ} أي: من تلك الورطة، {أية : إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي: كأن لم يكن من ذلك شيء {كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ} تفسير : [يونس: 12] ثم قال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} أي: إِنما يذوق وبال هذا البغي أنتم أنفسكم، ولا تضرون به أحداً غيركم؛ كما جاء في الحديث: «حديث : ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا، مع ما يدخر الله لصاحبه في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم» تفسير : وقوله: {مَّتَاعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} أي: إِنما لكم متاع في الحياة الدنيا الدنيئة الحقيرة، {ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ} أي: مصيركم ومآلكم {فَنُنَبِّئُكُمْ} أي: فنخبركم بجميع أعمالكم، ونوفيكم إِياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إِلا نفسه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ } أي كفار مكة {رَحْمَةً } مطراً وخصباً {مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ } بؤس وجدب {مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِى ءَايَاتِنَا } بالاستهزاء والتكذيب {قُلْ } لهم {ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا } مجازاة {إِنَّ رُسُلَنَا } الحفظة {يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ } بالتاء والياء.
ابن عبد السلام
تفسير : {رَحْمَةً} رخاء بعد شدة، أو عافية بعد سقم، أو خصابة بعد جدب، أو إسلاماً بعد كفر، وهو المنافق، قاله الحسن ـ رضي الله تعالى عنه ـ {مَّكْرٌ} كفر وجحود، أو استهزاء وتكذيب، لما أجيب دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم بسبع كسبع يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ أتاه [أبو سفيان] وسأله أن يدعو لهم بالخصب وقال: إن أجابك وأخصبنا صدقناك، فدعا بذلك فأخصبوا فنقضوا ما قالوه وأقاموا على كفرهم فنزلت هذه الآية.
النسفي
تفسير : {وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ } أهل مكة {رَحْمَةً } خصباً وسعة {مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ } يعني القحط والجوع {إذا لهم مَّكْرٌ في ءاياتنا} أي مكروا بآياتنا بدفعها وإنكارها. رُوي أنه تعالى سلط القحط سبع سنين على أهل مكة حتى كادوا يهلكون ثم رحمهم بالحياة، فلما رحمهم طفقوا يطعنون في آيات الله ويعادون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكيدونه فـ {إذا} الأولى للشرط، والثانية جوابها وهي للمفاجأة وهو كقوله {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ }تفسير : [الروم: 36] أي وإن تصبهم سيئة قنطوا، وإذا أذقنا الناس رحمة مكروا. والمكر إخفاء الكيد وطيه من الجارية الممكورة المطوية الخلق، ومعنى مستهم خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم. وإنما قال: {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا } ولم يصفهم بسرعة المكر لأن كلمة المفاجأة دلت على ذلك كأنه قال: وإذا رحمناهم من بعد ضراء فاجأوا وقوع المكر منهم وسارعوا إليه قبل أن يغسلوا رؤوسهم من مس الضراء {إِنَّ رُسُلَنَا } يعني الحفظة {يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ } إعلام بأن ما تظنونه خافياً لا يخفى على الله وهو منتقم منكم. وبالياء: سهل. {هُوَ ٱلَّذِى يُسَيّرُكُمْ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } يجعلكم قادرين على قطع المسافات بالأرجل والدواب والفلك الجارية في البحار، أو يخلق فيكم السير {ينشرُكم} شامي {حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ } أي السفن {وَجَرَيْنَ } أي السفن {بِهِمُ } بمن فيها رجوع من الخطاب إلى الغيبة للمبالغة {بِرِيحٍ طَيّبَةٍ } لينة الهبوب لا عاصفة ولا ضعيفة {وَفَرِحُواْ بِهَا } بتلك الريح للينها واستقامتها {جَاءتْهَا } أي الفلك أو الريح الطيبة أي تلقتها {رِيحٌ عَاصِفٌ } ذات عصف أي شديدة الهبوب {وَجَاءهُمُ ٱلْمَوْجُ } هو ما علا على الماء {مّن كُلّ مَكَانٍ } من البحر أو من جميع أمكنة الموج {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } أهلكوا جعل إحاطة العدو بالحي مثلاً في الإهلاك {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } من غير إشراك به لأنهم لا يدعون حينئذ معه غيره يقولون: {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ } الأهوال أو من هذه الريح {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ } لنعمتك مؤمنين بك متمسكين بطاعتك، ولم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر ولكن مضمون الجملة الشرطية الواقعة بعد {حتى} بما في حيزها كأنه قيل: يسيركم حتى إذا وقعت هذه الحادثة وكان كيت وكيت من مجيء الريح العاصف وتراكم الأمواج والظن بالهلاك والدعاء بالإنجاء، وجواب: {إذا} {جاءتها} و{دعوا} بدل من {ظنوا} لأن دعاءهم من لوازم ظنهم للهلاك فهو ملتبس به
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {يمكرون} بياء الغيبة: سهل وروح. الباقون: بالتاء الفوقانية. {ينشركم} النون: ابن عامر ويزيد. الباقون {يسيركم} من التسيير {متاع} بالنصب: حفص والمفضل. الباقون بالرفع {قطعاً} بسكون الطاء: ابن كثير وعلي وسهل ويعقوب. والآخرون بفتحها {تتلو} بتاءين من التلاوة: حمزة وعلي وخلف وروح، وروي عن عاصم {نبلو} بالنون ثم الباء الموحدة. {كل نفس} بالنصب الباقون: بتاء التأنيث {كل} بالرفع. الوقوف: {آياتنا} ط {مكراً} ط، {تمكرون} ه {والبحر} ط {في الفلك} ج ط للعدول مع أن جواب "إذا" منتظر، {أحيط بهم} لا لأن قوله: {دعوا} بدل من {ظنوا} لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك فهو متلبس به، وإن جعل {دعوا} جواباً عن سؤال سائل فما صنعوا كان للوقف وجه. {الدين} ج لاحتمال إضمار القول وجعل الدعاء في معنى القول {الشاكرين} ه {بغير الحق} ط. {على أنفسكم} ط، إلا لمن جعله متعلقاً بــ {بغيكم} {تعملون} ه {الأنعام} ط {عليها} لا لأن ما بعده جواب "إذا". {بالأمس} ط {يتفكرون} ه {السلام} ط {مستقيم} ه {وزيادة} ط {ولا ذلة} ط، {الجنة} ج ط {خالدون} ه {بمثلها} لا لأن قوله {وترهقهم} معطوف على محذوف أي يلزمهم جزاء سيئة وترهقهم ذلة. {عاصم} ج ط لأن الكاف لا يتعلق بــ{عاصم} مع تعلقها بذلة قبله معنىً، لأن رهق الذلة سواد الوجه المعبر عنه بقوله كأنما {مظلماً} ط {أصحاب النار} ج ط {خالدون} ه {وشركاؤكم} ج للعدول مع فاء التعقيب {تعبدون} ه {لغافلين} ه {يفترون} ه. التفسير: لما بين في الآية المتقدمة أنهم يطلبون الآيات الزائدة عناداً ومكراً ولجاجاً أكد ذلك بقوله: {وإذا أذقنا} روي أنه سبحانه سلط القحط على أهل مكة سبع سنين ثم رحمهم وأنزل الأمطار النافعة، ثم إنهم أضافوا تلك المنافع إلى الأصنام - وقيل نسبوها إلى الأنواء - فقابلوا نعم الله بالكفران فذلك مكرهم وهو احتيالهم في دفع آيات الله بكل ما يقدرون عليه من إلقاء شبهة أو تخليط في المناظرة. وفي تخصيص الإذاقة بجانب الرحمة دليل على أن الكثير من الرحمة قليل بالنسبة إلى رحمته الواسعة. وفيه أن الإنسان لغاية ضعفه الفطري لا يطيق أدنى الرحمة كما أنه لا يطيق أدنى الألم الذي يمسه. قال في الكشاف: معنى مستهم خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم. وهذا أيضاً من جملة الضعف لأنه نسي ما عهده من الضر الشديد. و "إذا" الثانية للمفاجأة وقع مقام الفاء في جواب الشرط كما في قوله:{أية : إذا هم يسخطون}تفسير : [التوبة: 58] وفائدته أن يعلم أنهم فاجأوا وقوع المكر منهم في وقت الإذاقة وسارعوا إليه ولم يلبثوا قدر ما ينفضون عن رؤوسهم غبار الضر ولهذا قال سبحانه {قل الله أسرع مكراً} يقدر على إيصال جزاء مكرهم إليهم قبل أن يرتد إليهم طرفهم ولكنه يمهلهم لأجل معلوم ليتضاعف خبثهم مع كونه محفوظاً بيانه قوله {إن رسلنا يكتبون ما تمكرون} وقد مر تحقيق هذا في تفسير قوله:{أية : ويرسل عليكم حفظة}تفسير : [الأنعام: 62]. واعلم أن مضمون هذه الآية قريب من مضمون قوله:{أية : وإذا مس الإنسان الضر}تفسير : [يونس: 12] إلا أن هذه زائدة عليها بدقيقة هي أنهم بعد الإعراض عن الدعاء يطلبون الغوائل ويقابلون الرحمة بالمكر والخديعة ولا يرضون رأساً برأس. ثم ضرب لأجل ما وصفهم به مثالاً حتى ينكشف المقصود تمام الانكشاف فقال: {هو الذي يسيركم} ومن قرأ {ينشركم} فكقوله: {أية : فانتشروا في الأرض}تفسير : [الجمعة: 10] قال بعض العلماء: المسير في البحر هو الله سبحانه وتعالى، وأما في البر فالمراد من التسيير التمكين والإقدار. والحق أن جميع الأفعال والحركات مستندة إلى إحداث الله تعالى، غاية ذلك أن آثار إقداره وإحداثه في البحر أظهر كما مر في تفسير قوله:{أية : والفلك التي تجري في البحر}تفسير : [البقرة: 164] قال القفال: هو الله الهادي لكم إلى السير في البحر طلباً للمعاش، وهو المسير لكم لأجل أنه هيأ لكم أسباب ذلك السير. وحتى لانتهاء الغاية والغاية مضمون الجملة الشرطية بكمالها، فالقيود المعتبرة في الشرط ثلاثة: أولها الكون في الفلك، وثانيها جري الفلك بهم بالريح الطيبة، والضمير في {جرين} للفلك على أنها جمع كما مر. وثالثها فرحهم بها. والقيود المعتبرة في الجزاء ثلاثة أيضاً: أوّلها {جاءتها} أي الفلك أو الريح الطيبة تلتها ريح عاصف ذات عصوف كلابن لذات اللبن، أو لأن لفظ الريح مذكر والعصوف شدة هبوب الريح. وثانيها {وجاءهم الموج من كل مكان} أي من جميع جوانب أحياز الفلك، والموج ما ارتفع من الماء فوق البحر. وثالثها {وظنوا أنهم أحيط بهم} أي غلب على ظنونهم الهلاك. وأصله أن العدوّ إذا أحاط بقوم أو بلد فقد دنوا من البوار، فجعل إحاطة العدوّ بالشخص مثلاً في الهلاك. وقرىء {في الفلكي} والياء زائدة كما في "الأحمري" أو أريد به الماء الغمر الذي لا تجري الفلك إلا فيه. قال في الكشاف: وإنما التفت في قوله: {وجرين بهم} إلى آخره من الخطاب الى الغيبة للمبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح. وقال الإمام فخر الدين الرازي: الانتقال من مقام الخطاب إلى مقام الغيبة في هذه الآية دليل المقت والتبعيد كما أن عكس ذلك في قوله:{أية : إياك نعبد}تفسير : [الفاتحة: 5] دليل الرضا والتقريب. قلت: هذا وجه حسن. أما قوله: {دعوا الله مخلصين} فقد قال ابن عباس: تركوا الشرك ولم يشركوا به من آلهتهم شيئاً، وأقروا لله بالربوبية والوحدانية. وقال الحسن: ليس هذا إخلاص الإيمان لكن لأجل العلم بأنه لا ينجيهم من ذلك إلا الله فيكون ذلك جارياً مجرى الإيمان الاضطراري. وقال ابن زيد: هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون، فإذا جاء الضر والألم لم يدعوا إلا الله. وعن أبي عبيدة: أن المراد من ذلك الدعاء قولهم: "أهيا شراهياً" تفسيره "يا حي يا قيوم" يحكى أن رجلاً قال لجعفر الصادق رضي الله عنه: ما الدليل على إثبات الصانع؟ فقال: أخبرني عن حرفتك. فقال: التجارة في البحر قال: صف لي كيف حالك؟ فقال: ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح من ألواحها وجاءت الرياح العاصفة. قال جعفر الصادق رضي الله عنه: هل وجدت في قلبك تضرعاً؟ فقال: نعم. قال جعفر: فإلهك هو الذي تضرعت إليه في ذلك الوقت. {لئن أنجيتنا من هذه} الشدة كما مر في الأنعام {يبغون في الأرض بغير الحق} البغي قصد الاستعلاء بالظلم من قولك بغى الجرح إذا ترامى إلى الفساد، وأصله الطلب فلهذا أكد المعنى بقوله: {بغير الحق} قال في الكشاف: إنما زاد هذا القيد احترازاً من استيلاء المسلمين على أرض الكفرة بهدم دورهم وإحراق زروعهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني قريظة. قلت: ويحتمل أن يراد بغير شبهة حق عندهم كقوله{أية : ويقتلون النبيين بغير الحق}تفسير : [البقرة: 61] من قرأ متاع بالنصب فما قبله جملة تامة أي إنما بغيكم وبال على أنفسكم وهو مصدر مؤكد كأنه قيل: يتمتعون متاع الحياة الدنيا. ومن قرأ بالرفع فإما على أن التقدير هو متاع الدنيا بعد تمام الكلام، أو على أنه خبر وقوله: {على أنفسكم} صلة أي إنما بغيكم على أمثالكم والذين جنسهم جنسكم يعني بغى بعضكم على بعض منفعة الحياة الدنيا ولا بقاء لها والبغي من منكرات المعاصي قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : أسرع الخير ثواباً صلة الرحم وأعجل الشر عقاباً البغي واليمين الفاجرة" تفسير : وروي "حديث : اثنتان يعجلهما الله في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين"تفسير : . وعن محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه كن عليه: البغي والنكث والمكر. قال تعالى: {إنما بغيكم على أنفسكم} أي لا يتهيأ لكم بغي بعضكم على بعض إلا أياماً قلائل وهي مدة حياتكم مع قصرها وسرعة انقضائها {ثم} إلى ما وعدنا من المجازاة {مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون} وهو في هذا الموضع وعيد بالعقاب كقول الرجل في معرض التهديد سأخبرك بما فعلت. ثم ذكر مثلاً لمن يبغي في الأرض ويغتر بالدنيا ويشتد تمسكه بها فقال: {إنما مثل الحياة الدنيا} أي صفتها العجيبة الشأن {كماء أنزلناه من السماء فاختلط به} أي اشتبك بسبب هذا الماء {نبات الأرض} فيحتمل أن يراد أن نباته ثم وصوله إلى حد الكمال كليهما بسبب المطر، ويحتمل أن يراد أن النبات كان في أول بروزه ومبدإ حدوثه غير مهتز ولا مترعرع، فإذا نزل المطر عليه اهتز وربا حتى اختلط بعض الأنواع ببعض وتكاثف. {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} قال الجوهري: الزخرف الذهب ثم يشبه به كل مموه مزوّر. {وازينت} أصله تزينت فأدغم واجتلبت لذلك همزة الوصل. وهذا كلام في نهاية الفصاحة وفيه تشبيه الأرض بالعروس التي تأخذ الثياب الفاخرة من كل لون فتلبسها، ثم تزين بجميع الأقسام المعهودة لها من حمرة وبياض ونحوها {وظن أهلها} أي غلب على ظنونهم أو تيقنوا {أنهم قادرون عليها} متمكنون من تحصيل ريعها. {أتاها أمرنا} بإهلاكها واستئصالها وضربها ببعض العاهات. {ليلاً أو نهاراً} أي حين غفلتهم بالنوم أو حين اشتغالهم وتقلبهم في طلب معايشهم {فجعلناها} أي زرعها {حصيداً} شبيهاً بما يحصد من الزرع في قطعه واستئصاله. {كأن لم تغن} أي كأن الشأن لم يلبث زرعها {بالأمس} أي في زمان قريب. يقال: غنى بالمكان بالكسر يغنى بالفتح إذا أقام به. والأمس مثل في الوقت القريب. هذا والصحيح عند علماء البيان أن هذا التشبيه من التشبيه المركب. قال في الكشاف: شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاماً بعدما التف وتكاثف وزين الأرض بخضرته ورفيفه. وقيل: المراد أن عاقبة هذه الحياة التي ينفقها المرء في باب الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي حين عظم الرجاء به وقع اليأس منه، لأن الغالب أن المتمسك بالدنيا إذا اطمأن بها وعظمت رغبته فيها وانتظم أمره بعض الانتظام أتاه الموت. وتلخيصه أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة تحمد فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد. ويحتمل أن يكون هذا مثلاً لمن لا يؤمن بالمعاد، فإن الأرض المزينة إذا زال حسنها فإنه يعود رونقها مرة أخرى فكذا النشور {كذلك نفصل الآيات} نذكر واحدة منها بعد الأخرى لتكون كثرتها وتواليها سبباً لقوة اليقين وموجباً لزوال الشك {لقوم يتفكرون} في أحوال الآفاق والأنفس. ثم لما نفر المكلفين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق رغبهم في الآخرة بقوله: {والله يدعوا إلى دار السلام} ومثله ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : سيد بنى داراً وصنع مائدة وأرسل داعياً فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل ورضي عنه السيد، ومن لم يجب لم يدخل ولم يأكل ولم يرض عنه السيد، فالله السيد والدار دار السلام والمائدة الجنة والداعي محمد صلى الله عليه وسلم" تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان بحيث يسمع كل الخلائق إلا الثلقين أيها الناس هلموا إلى ربكم والله يدعو إلى دار السلام" تفسير : واتفقوا على أن دار السلام هي الجنة واختلفوا في سبب التسمية. فقيل: لأن السلام هو الله والجنة داره فالإضافة للتشريف، وإنما أطلق اسم السلام عليه تعالى لأنه سلم من الفناء والتغير ومن جميع سمات النقص والحدوث ومن الظلم والعجز والجهل وهو القادر على تخليص المضطرين عن المكاره والآفات، وكفى بدار أضافها الله تعالى لنفسه فضلاً وشرفاً وبهجة وسروراً. وقيل: سميت دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات والمخافات. وقيل: لفشوّ السلام بينهم{أية : تحيتهم فيها سلام}تفسير : [يونس: 10]{أية : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم}تفسير : [الرعد: 24]{أية : سلام قولاً من رب رحيم}تفسير : [يس: 58] واعلم أن الدعوة عامة ولكن الهداية خاصة فلذلك قال {ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} ومن هنا ذهب أهل السنة إلى أن الهداية والضلالة والخير والشر كلها بمشيئة الله تعالى وإرادته. وقالت المعتزلة: المراد ويهدي من يشاء إلى إجابة تلك الدعوة ويعنون أن من أجاب الدعاء وأطاع واتقى فإن الله يهديه إليها. والمراد من الهداية الألطاف، ثم قسم أهل الدعوة إلى قسمين وبين حال كل طائفة فقال: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} ولا بد من تفسير هذه الألفاظ الثلاثة: فعن ابن عباس أحسنوا أي ذكروا كلمة لا إله إلا الله، وذهب غيره إلى أن المراد إتيان الطاعات واجتناب المنهيات لأن الدرجات العالية لا تليق إلا بهم. وأما الحسنى فقال في الكشاف: المراد المثوبة الحسنى. وقال ابن الأنباري: العرب توقع هذه اللفظة على الخلة المحبوبة والخصلة المرغوب فيها، ولذلك ترك موصوفها. وأما الزيادة فحملها أهل السنة على رؤية الله لأن اللام في الحسنى للمعهود بين المسلمين من المنافع التي أعدها الله تعالى لعباده، فالزيادة عليها تكون مغايرة لها فما هي إلا الرؤية. وقالت المعتزلة: الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه، ورؤية الله تعالى بعد تسليم جوازها ليست من جنس نعيم الجنة، فالمراد بها ما يزيد على المثوبة من التفضل كقوله: {أية : ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله}تفسير : [فاطر: 30] وزيف بأن الزيادة إذا كان المزيد عليه مقدراً بمقدار معين وجب أن يكون من جنسه كما لو قال الرجل لغيره: أعطيتك عشرة أمنان من الحنطة وزيادة. أما إذا كان غير مقدر كما لو قال: أعطيتك الحنطة زيادة. لم يجب أن تكون الزيادة من جنس المزيد عليه. والمذكور في الآية لفظة الحسنى وهي الجنة وإنها مطلقة، فالزيادة عليها شيء مغاير لكل ما في الجنة. وعن علي عليه السلام: الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة. وعن ابن عباس: الحسنى الجنة والزيادة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. وعن مجاهد: مغفرة من الله ورضوان. وعن يزيد بن سمرة: هي أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ما تريدون أن أمطركم فلا يريدون شيئاً إلا أمطرتهم. هذا شأن المنافع الحاصلة لهم، وأما أنها منافع خالصة عن الكدورات فأفاد ذلك بقوله: {ولا يرهق} أي لا يغشى {وجوههم قتر} غبرة فيها سواد {ولا ذلة} ولا أثر هوان وكسوف بال. ثم أشار إلى كون تلك المنافع الخالصة آمنة من الانقطاع بقوله: {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} وهذا معنى قول علماء الأصول "الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم" ثم بين حال الفريق الآخر بقوله: {والذين} أي وجزاء الذين {كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها} أي جزاؤهم أن تجازى سيئة واحد بسيئة مثلها لا يزاد عليها. ومن جوز العطف على عاملين مختلفين جوز أن يكون التقدير: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها. قالت المعتزلة: وفيه دليل على أن المراد بالزيادة في الآية المتقدمة الفضل، لأنه دل بترك الزيادة على السيئة على عدله فناسب أن يكون قد دل هناك بإثبات الزيادة على المثوبة على فضله. {وترهقهم ذلة} فإنهم حين ماتوا ناقصين خالين عن الملكات الحميدة كان شعورهم بذلك سبباً لذلهم وهوانهم على أنفسهم، وهذا على قاعدة حكماء الإسلام أن الجهل سواد وظلمة كما أن العلم والمعرفة بياض ونور ومنه قول الشبلي رضي الله عنه: شعر : كل بيت أنت ساكنه غير محتاج إلى السرج ومريض أنت عائده قد أتاه الله بالفرج تفسير : {ما لهم من الله من عاصم} أي لا يعصمهم أحد من عذابه وسخطه، أو ما لهم من جهة الله ومن عنده من يعصمهم كما للمؤمنين. والتحقيق أنه لا عاصم من الله لأحد في الدنيا ولا في الآخرة إلا بإذن الله إلا أن هذا المعنى في الآخرة أظهر كقوله:{أية : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار}تفسير : [غافر: 16] ثم بالغ في الكشف عن سواد وجوههم فقال: {كأنما أغشيت} أي ألبست {وجوههم قطعاً من الليل} من قرأ بسكون الطاء فمعناه البعض والطائفة و {مظلماً} صفته. ومن قرأ بفتحها على أنه جمع قطعه فمظلماً حال من الليل والعامل فيه إما معنى الفعل في {من الليل} أو {أغشيت} لأن قوله: {من الليل} صفة لقوله: {قطعاً} فكان إفضاء العامل إلى الموصوف كإفضائه الى الصفة قاله في الكشاف. واعلم أن جمعاً من العلماء ذهبوا إلى أن المراد بقوله: {والذين كسبوا السيئات} هم الكفار لأن سواد الوجه من علامات الكفر بدليل قوله:{أية : فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم}تفسير : [آل عمران: 106] وقوله:{أية : ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة}تفسير : [عبس: 40 - 42] ولقوله بعدها {ويوم نحشرهم} والضمير عائد إلى {هؤلاء}. ثم إنه وصفهم بالشرك. وقال الآخرون: اللفظ عام يتناول الكافر والفاسق إلا أن الآيات المذكورة مخصصة. ثم شرع بعض أحوال المشركين في القيامة فقال: {ويوم نحشرهم} منصوب بإضمار "اذكر" أو ظرف متعلق بتبلو أي في يوم كذا تبلو كل نفس. وحاصل الكلام أنه يحشر العابد والمعبود ليسألوا فيتبرأ المعبود من العابد خلاف ما كانوا يزعمون من قولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وفيه إشارة إلى أن الممكن لا نسبة له إلى الواجب الحق، فإذا اتخذ الممكن معبوداً برىء من ذلك في مقام لا ينفع إلا الصدق. قال في الكشاف: {مكانكم} أي الزموا مكانكم لا تبرحوا حتى تنظروا ما نفعل بكم. وعند أبي علي هو اسم من أسماء الأفعال وحركته حركة بناء وهو كلمة وعيد عند العرب. و {أنتم} لتأكيد الضمير في {مكانكم} لسده مسد قوله: "الزموا". {وشركاؤكم} عطف عليه. {فزيلنا بينهم} ففرقنا بينهم وقطعنا الوصل التي كانت بينهم في الدنيا. قيل: عين الكلمة "واو" لأنه من زال يزول. وإنما قلبت ياء لأن وزن الكلمة "فيعل" أي زيولنا مثل بيطره أعل إعلال سيد. وقيل: هي من زلت الشيء أزيله، فعينه على هذا ياء والوزن "فعل" ونظير زيلنا قوله:{أية : ونادى أصحاب الأعراف} تفسير : [الآية: 48] لأن حكم الله بأنه سيكون كالكائن {وقال شركاؤهم} في صحة هذه الإضافة وجوه منها: أنهم جعلوا نصيباً من أموالهم لتلك الأصنام فهم شركاؤهم. ومنها أنهم متشاركون في الخطاب في قوله: {مكانكم} ومنها أنهم أثبتوا هذه الشركة والشركاء. وقيل: هم الملائكة لقوله: {ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} وقيل: كل من عبد من دون الله. وقيل: الأصنام لأن هذا الخطاب مشتمل على التهديد وأنه لا يليق بالملائكة المقربين. وكيف تنطق هذه الأصنام؟ وقيل: لأن الله يخلق فيهم الحياة والعقل والنطق. ثم هل يبقيهم أو يفنيهم؟ الكل محتمل ولا اعتراض لأحد عليه. وقيل: يخلق فيهم الكلام فقط. وهذا الخطاب تهديد في حق العابدين فهل يكون تهديداً في حق المعبودين؟ قالت المعتزلة لا، لأنه لا ذنب للمعبودين ومن لا ذنب له يقبح من الله تهديده وتخويفه. وقالت الأشاعرة: لا يسأل عما يفعل. أما قول الشركاء {ما كنتم إيانا تعبدون} وهم كانوا قد عبدوهم فالمراد أنكم ما عبدتمونا بأمرنا وإرادتنا لقولهم: {فكفى بالله شهيداً} الآية. ومن أعظم أسباب الغفلة كونها جمادات لا حس لها ولا شعور. وقيل: لما في ذلك الموقف من الدهشة والحيرة فذلك الكذب يجري مجرى كذب الصبيان والمجانين والمدهوشين. وقيل: إنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزناً فجعلوها كالعدم. وقيل: المراد أنهم عبدوا الشياطين حيث أمروهم باتخاذ الأنداد، ومن جوز الكذب في القيامة فلا إشكال. و{هنالك} أي في ذلك المقام وفي ذلك الموقف أو في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان. {تبلوا كل نفس} تختبر وتذوق {ما أسلفت} من العمل. ومن قرأ بالنون فالمعنى نفعل بها فعل الخابر، أو نصيب بالبلاء وهو العذاب كل نفس عاصية لأجل ما أسلفت من الشر. ومن قرأ {تتلو} بتائين فمعناه تتبع ما أسفلت لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار. أو تقرأ في صحيفتها ما قدمت من خير أو شر. {وردّوا إلى الله مولاهم الحق} الصادق ربوبيته {وضل عنهم} وضاع عنهم {ما كانوا} يدعون أنهم شركاء الله أو ما كانوا يختلفون من شفاعة الآلهة. والحاصل أنهم يرجعون عن الباطل ويعترفون بالحق حين لا ينفعهم ذلك. التأويل: {وإذا أذقنا الناس} ذوق توبة وإنابة أو ذوق كشف وشهود {من بعد ضراء} وهي الفسوق والأخلاق الذميمة وحجب الأوصاف {إذا لهم مكر في آياتنا} بإظهارها إلى غير أهلها بشرف النفس وطلب الجاه والقبول. {قل الله أسرع مكراً} فيستدرجهم عن تلك المقامات إلى دركات البعد {من حيث لا يشعرون} {هو الذي يسيركم} في بر البشرية وبحر الروحانية، أو في بر العبودية وبحر الربوبية {حتى إذا كنتم} في فلك جذبات العناية {وجرين بهم} بهبوب نسيم شهود الجمال {وفرحوا} بالوصول والوصال {جاءتها} نكباء تجلى صفات الجلال {وجاءهم} موج البلايا والمحن من أماكن النعم والبلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل {فلما أنجاهم} فيه إشارة إلى أن أرباب الطلب لما وصلوا بجذبات الحق إلى شهود الجمال واستغراق لجج بحر الجلال، استقبلتهم عواصف العزة والكبرياء فيستدرجهم إلى البغي وهو الطلب في أرض ما سوى الحق غير الحق {كماء أنزلناه} من سماء القلب إلى أرض البشرية {فاختلط به} الصفات المولدة من أرض البشرية {مما يأكل الناس والأنعام} من الصفات الحميدة الإنسانية والذميمة البهيمية {أتاها} حكمنا الأزلي {ليلاً} عند استيلاء ظلمات صفات النفس {أو نهاراً} عند بقاء ضوء الفيض الروحاني، لكنه بامتزاج القوة الخيالية والوهمية وقع في ورطة العقائد الباطلة كما لبعض الفلاسفة والمبتدعة. {والله يدعوا إلى دار السلام} وهي مقام الفناء لأن صاحبه يسلم عن آفات الحجب أو مقام العلم والمعرفة لأن صاحبه يسلم عن آفة الأثنينية والجهالة {ويهدي من يشاء} بجذبات العناية {إلى صراط مستقيم} يؤدي إلى السير بالله في الله. {للذين أحسنوا الحسنى} فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، والحسنى هي شواهد الحق والنظر إليه، والزيادة الجنة وما فيها من النعيم أو هي ما زاد على النظر من إفناء الناسوتية في اللاهوتية والله ولي التوفيق.
البقاعي
تفسير : ولما كان طلبهم محركاً لنفوس الخيّرين إلى ترجى إجابة سؤالهم، أتبعه سبحانه بما يبين أن ذلك غير نافع لهم لأنه محض تعنت. فقال تعالى عاطفاً على قوله {قال الكافرون إن هذا لسحر مبين} أو {وإذا مسَّ الإنسان الضر} مبيناً أن رحمته محققة الوجود كثيرة الورود إليهم مبيناً أن لهم آية عظمى من أنفسهم لا يحتاجون معها إلى التعنت بطلب آية وهي دالة على نتيجة مقصود السورة الذي هو الوحدانية وأن إشراكهم إنما هو بما لهم من نقص الغرائز الموجب لكفران الإحسان، وذلك أنهم عامة إذا أكرموا بنعمة قابلوها بكفر جعلوا ظرفه على مقدار ظرف تلك النعمة بما أشار إليه التعبير بـ "إذا" ثم إذا مسهم الضر ألجأهم إلى الحق فأخلصوا، لم يختلف حالهم في هذا قط، وهذا الإجماع من الجانبين دليل واضح على كلا الأمرين؛ الكفر ظلماً بما جر إليه من البطر. والتوحيد حقاً بما دعا إليه من الفطرة القويمة الكائنة في أحسن تقويم بما زال عنها إلحاق الضرر من الحظوظ والشهوات والفتور، وهذا كما وقع في سورة الروم المافقة لهذه في الدلالة على الوحدانية فلذا عبر في كل منهما بالناس ليكون إجماعهم دليلاً كافياً عليها وسلطاناً جليلاً مضطراً إليها - والله الهادي: {وإذا أذقنا} أي على ما لنا من العظمة {الناس} أي الذين لهم وصف الاضطراب {رحمة} أي نعمة رحمناهم بها من غير استحقاق. ولما كان كان وجود النعمة لا يستغرق الزمان الذي يتعقب النقمة، أدخل الجار فقال: {من بعد ضراء} أي قحط وغيره {مستهم} فاجأوا المكر وهو معنى {إذا لهم مكر} أي عظيم بالمعاصي التي يفعلون في الاستخفاء بأغلبها فعل الماكر {في آياتنا} إشارة إلى أنهم لا ينفكون عن آياته العظام، فلو كانوا منتفعين بالآيات اهتدوا بها، فإذا أتتهم رحمة من بعد نقمة لم يعدوها آية دالة على من أرسلها لهم لخرقها لما كانوا فيه من عادة النقمة مع أنهم يعترفون بأنه لا يقدر على إرسالها وصرف الشدة إلا هو سبحانه، بل يعملون فيها عمل الماكرين بأن يصرفوها عن ذلك بأنواع الصوارف كأن ينسبوها إلى الأسباب كنسبة المطر للأنواء ونحو ذلك غير خائفين من إعادة مثل تلك الضراء أو ما هو أشد منها. ولما كانت هذه الجملة دالة على إسراعهم بالمكر من ثلاثة أوجه: التعبير بالذوق الذي هو أول المخالطة ولفظ "من" التي هي للابتداء و"إذا" الفجائية، كان كأنه قيل: أسرعوا جهدهم في المكر، فقيل: {قل الله} أي الذي له له الإحاطة الكاملة بكل شيء {أسرع مكراً} ومعنى اوصف بالأسرعية أنه قضى بعقابهم قبل تدبيرهم مكايدهم - نبه عليه أبو حيان ولما كان المكر إخفاء الكيد، بين لهم سبحانه أنهم غير قادرين على مطلق المكر في جهته عز شأنه وتعالى كبرياءه وسلطانه، لأنه عالم بالسر وأخفى، بل لا يمكرون مكراً إلا ورسله سبحانه مطلعون عليه فكيف به سبحانه! فقال تعالى مؤكداً لأجل إنكارهم: {إن رسلنا} أي على ما لهم من العظمة بإضافتهم إلينا {يكتبون} أي كتابة متجددة على سبيل الاستمرار باستمرار المكتوب {ما تمكرون*} لأنهم قد وكلوا بكم قبل كونكم نطفاً ولم يوكلوا بكم إلا بعد علم موكلهم بكل ما يفعلونه ولا يكتبون مكركم إلا بعد اطلاعهم عليه، وأما هو سبحانه فإذا قضى لا يمكن أن يطلع عليه رسله إلا باطلاعه فكيف بغيرهم! وإذا تبين أنه عالم بأمورهم وهم جاهلون بأموره، علمَ أنه لا يدعهم يدبرون كيداً إلا وقد سبب له ما يجعله في نحورهم؛ والمكر: فتل الشيء إلى غير وجهه على طريق الحيلة فيه؛ والسرعة؛ الشيء في وقته الذي هو أحق به، وقد تضمنت الآية البيان عما يوجبه حال الجاهل من تضييع حق النعمة والمكر فيها وإن جلت منزلتها وأتت على فاقة إليها وشدة حاجة إلى نزولها مع الوعيد بعائد الوبال على الماكر فيها، ثم أخذ سبحانه يبين ما يتضح به أسرعية مكره في مثال دال على ما في الاية قبلها من نقله سبحانه لعباده من الضر إلى النعمة ومن سرعة تقلبهم فقال: {هو} أي لا غيره {الذي يسيركم} أي في كل وقت تسيرون فيه سيراً عظيماً لا تقدرون على الانفكاك عنه {في البر والبحر} أي يسبب لكم أسباباً توجب سيركم فيهما ويقدركم على ذلك ويهديكم من بين سائر الحيونات إلى ما فيه من أصناف المنافع مع قدرته على إصابتكم في البر بالخسف وما بالخسف وما دونه وفي البحر بالغرق وما أشبهه. ولما كان العطب بأحوال البحر أظهر مع أن السير فيه من أكبر الآيات وأوضح البينات، بينه معرضاً عن ذكر البر فقال: {حتى إذا كنتم} أي كوناً لا براح لكم منه {في الفلك} أي السفن، يكون واحداً وجمعاً؛ وأعرض عنهم بعد الإقبال لما سيأتي فقال: {وجرين} أي الفلك؛ {بهم} ولما ذكر جريها وهم فيها، ذكر سببه فقال: {بريح طيبة} ثم أوضح لهم عدم علمهم بالعواقب بقوله: {وفرحوا بها} أي بتلك الريح وبالفلك الجارية بها {جاءتها ريح عاصف} فأزعجت سفنهم وساءتهم {وجاءهم الموج} أي المعروف لكل أحد بالرؤية أو الوصف {من كل مكان} أي يعتاد الإتيان منه فأرجف قلوبهم {وظنوا أنهم} ولما كان المخوف الهلاك، لا كونه من معين، بني للمفعول ما هو كناية عنه لأن العدو إذا أحاط بعدوه أيقن بالهلاك فقال: {أحيط بهم}. ولما كان ما تقدم من حالهم الغريبة التي تجب لها القلوب وتضعف عندها القوى - مقتضياً لأن يسأل عما يكون منهم عند ذلك، أتى المقال على مقتضى هذا السؤال مخبراً عن تركهم العناد وإخلاصهم الدال على جزعهم عند سطواته وانحلال عزائمهم في مشاهدة ضرباته، وعبارة لرماني: اتصال دعوى الأجوبة، كأنه قيل: لما ظنوا أنهم أحيط بهم {دعوا الله} أي الذي له صفات الكمال بالرغبة إليه في الخلاص والعبادة له بالإخلاص {مخلصين} أي عن كل شرك {له الدين *} أي التوحيد والتصديق بالظاهر والباطن، وقد تضمنت الآية البيان عما يوجبه بديهة العقل من الفزع عند الشدة إلى واهب السلامة ومسبغ النعمة في كشف تلك البلية؛ ثم أتبع سبحانه ذلك حكاية حالهم في وعدهم الشكر على النجاة ثم كذبهم في ذلك مع ادعائهم أنهم أطهر الناس ذيولاً عن الكذب وأشدهم استقباحاً له وأبعد الناس من كفران الإحسان،فقال تعالى حاكياً قولهم الذي دلُّوا بتأكيدهم له أنهم قالوه بغاية الرغبة نافين ما يظن بهم من الرجوع إلى ما كانوا فيه قبل تلك الحال من الكفر: {لئن أنجيتنا} أي أيها الملك الذي لا سلطان لغيره {من هذه} أي الفادحه {لنكونن} أي كوناً لا ننفك عنه {من الشاكرين*} أي المديمين لشكرك العريقين في الاتصاف به. ولما أعلم سبحانه أنهم اكدوا هذا الوعد هذا التأكيد، أتبعه بيان أنهم أسرعوا في نقضه غاية الإسراع فقال: {فلما أنجاهم} ولما أبانت الفاء عن الإسراع في النقض، أكد مناجاتهم لذلك بقوله: {إذا هم يبغون} أي يتجاوزون الحدود {في الأرض} أي جنسها {بغير الحق} أي الكامل، فلا يزال الباغي مذموماً حتى يكون على الحق الكامل الذي لا باطل فيه بوجه، وجاء الخطاب أولاً في {يسيركم} ليعم المؤمنين لأن التسيير يصلح للامتنان، ثم التفت إلى الغيبة عند صدور ما لا يليق بهم - نبه على ذلك أبو حيان، وأحسن منه أن يقال: إنه سبحانه أقبل عليهم تنبيهاً على أنه جعلهم - بما هيأ فيهم من القوى - أهلاً لخطابه ثم أعرض عنهم إشارة إلى أنهم استحقوا الإعراض لإعراضهم اغتراراً بما أتاحهم من الريح الطيبة في محل يجب فيه الإقبال عليه والغنى عن كل ما سواه لعظم الخطر وشدة الأمر، وكأنه يذكر لغيرهم من حالهم ما يعجبه منه لينكر عليهم ويقبح حالهم؛ والتسيير: التحريك في جهة تمتد كالسير؛ والبر: الأرض الواسعة التي تقطع من بلد، ومنه البر لاتساع الخير به؛ والبحر: مستقر الماء الواسع حتى لا يرى من وسطه حافتاه؛ والفلك: السفن التي تدور في الماء، وأصله الدور، فمنه فلكة المغزل، والفلك الذي يدور فيه النجوم؛ والنجاة: التخليص من الهلاك؛ والبغي: قصد الاستعلاء بالظلم، وأصله الطلب؛ والحق: وضع الشيء في موضعه على ما يدعو إليه العقل؛ ثم بين أن ما هم فيه من الإمهال إنما هو متاع الدنيا وأنها دار زوال فقال تعالى: {يا أيها الناس} أي الذي غلب عليهم وصف الاضطراب {إنما بغيكم} أي كل بغي يكون منكم {على أنفسكم} لعود الوبال عليها خاصة وهو على تقدير انتفاعكم به عرض زائل {متاع الحياة الدنيا} ثم يبقى عاره وخزيه بعد الموت {ثم إلينا} أي خاصة {مرجعكم} بعد البعث {فننبئكم} على ما لنا من العظمة إنباء عظيماً {بما كنتم} أي كوناً هو كالجبلة {تعملون*} ونجازيكم عليه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا} قال: استهزاء وتكذيب. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان قال: كل مكر في القرآن فهو عمل.
القشيري
تفسير : يعني إذا أصابهم ضُرُّ ومحنة فرحمناهم وكَشْفنا عنهم، أحالوا الأمر على غيرنا، وتوهموه ما هو سوانا مثل قولهم: "مُطِرْنَا بنوء كذا"، ومثل قولهم إن هذه سعادة نجَمْ أو مساعدةُ دولة أو تأثيرُ فَلَكٍ أو خيراتُ دهر. فهذا كان مكرُهم أما مكر الله - سبحانه - بهم فهو جزاؤهم على مكرهم. والإشارة في هذا أنه ربما يكون للمريد أو للطالب حجبة أو فترة...فإذا جاء الحقُّ بكشفٍ أو تجلِّ أو إقبال فَمِنْ حقِّهم ألا يلاحظوها فضلاً عن أن يساكنوها، لأنهم إذا لم يرتقوا عن ملاحظة أحوالهم إلى الغيبة بشهود الحقِّ مَكَرَ الله بهم بأَنْ شتَّتهم في تلك الأحوال من غير تَرَقٍّ عنها أو وجود زيادة عليها، وهذا مَكْرُهُ بخَوَاصِّهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذا اذقنا الناس} اى اهل مكة {رحمة} صحة وسعة {من بعد ضراء} كقحط ومرض {مستهم} اصابتهم وخالطتهم حتى احسوا بسوء اثرها فيهم واسناد المساس الى الضراء بعد اسناد الاذاقة الى ضمير الجلالة من الآداب القرآنية كما فى قوله تعالى {أية : واذا مرضت فهو يشفين} تفسير : ونظائره واذا للشرط وجوابه قوله {اذا} للمفاجأة {لهم مكر فى آياتنا} فى فاجأوا فى وقت اذاقة الرحمة وقوع المكر منهم بالطعن فى الآيات والاحتيال فى دفعها وسارعوا اليه قبل ان ينفضوا عن رؤوسهم غبار الضراء. قيل قحط اهل مكة سبع سنين حت كادوا يهلكون ثم رحمهم الله وانزل الغيث على اراضيهم فطفقوا يقدحون فى آيات الله ويكيدون رسوله. قال مقاتل لا يقولون هذا رزق الله وانما يقولون سقينا بنوء كذا وكانت العرب تضيف الامطار والرياح والحر والبرد الى الساقط من الانواء جمع نوء وهى ثمانية وعشرون منزلا ينزل القمر كل ليلة فى منزل منها ويسقط فى المغرب نجم واحد من تلك المنازل الثمانية والعشرين فى كل ثلاثة عشر يوما مع طلوع الفجر ويطلع رقيبه من المشرق فى ساعته فى مقابلة ذلك الساقط وهذا فى غير الجبهة فان لها اربعة عشر يوما فينقضى الجميع بانقضاء السنة اى مع انقضاء ثلاثمائة وخمسة وستين يوما لان ثلاثة عشر فى ثمانى وعشرين مرة تبلغ هذا القدر من العدد وانما سمى النجم نوأ لانه اذا سقط الساقط منها بالمغرب فالطالع بالمشرق ينوء اى ينهض ويطلع فلما انجاهم الله من القحط لبسوا الامر على اتباعهم واضافوا ذلك المطر الى الانواء لا الى الله لئلا يشكروا الله ولا يؤمنوا بآياته فقيل هذا هو المراد بمكرهم فى آيات الله. ومن لا يرى الامطار الا من الانواء كان كافرا بخلاف من يرى انها بخلق الله والانواء وسائط وامارات بجعله تعالى كما قال فى الروضة المؤثر هو الله تعالى والكواكب اسباب عادية: قال الحافظ شعر : كررنج بيشت آيد وكرراحت اى حكيم نسبت مكن بغير كه اينها خذا كند تفسير : {قل الله اسرع مكرا} اى اعجل عقوبة اى عقابه اسرع وصولا اليكم مما يأتى منكم في دفع الحق وتسمية العقوبة بالمكر لوقوعها فى مقابلة مكرهم وجودا فيكون من باب تسمية الشئ باسم سببه او ذكرا فيكون من باب المشاكلة -روى- عن مقاتل انه تعالى قتلهم يوم بدر وجازى مكرهم فى آياته بعقاب ذلك اليوم فكان اسرع فى اهلاكهم من كيدهم فى اهلاكه عليه السلام وابطال آياته والمكر اخفاء لكيد وارادة الله خفية عليهم وارادتهم ظاهرة شعر : توكل على الرحمن واحتمل الردى ولا تخش مما قد يكيد بك العدى تفسير : {ان رسلنا} الذين يحفظون اعمالكم وهم الكرام الكاتبون. وفيه التفاوت اذ لو جرى على اسلوب قوله {أية : قل الله} تفسير : لقيل ان رسله {يكتبون ما تمكرون} اى مكركم او ما تمكرونه وهو تحقيق للانتقام وتنبيه على ان ما دبروا اخفاءه لم يخف على الحفظة فضلا عن ان يخفى على الله وفيه تصريح بان للكفار حفظة فان قيل فالذي يكتب عن يمينه اى شيء يكتب ولم يكن لهم حسنة. يقال ان الذي عن شماله يكتب باذن صاحبه ويكون شاهدا على ذلك وان لم يكتب كما فى البستان. واختلفوا فى عددهم فقال عبد الله بن المبارك هم خمسة اثنان بالنهار واثنان بالليل واحد لا يفارقه ليلا ولا نهارا فثبت بهذا ان افعال الناس واقوالهم سواء كانوا مؤمنين او كافرين مضبوطة مكتوبة للالزام عليهم يوم القيامة وان المكر والحيلة لا مدخل له فى تخليص الانسان من مكروه بل قد قالوا اذا ادبر الامر كان العطب فى الحيلة فمن ظن نجاته فى المكر كان كثعلب ظن نجاته فى تحريك ذنبه وانما المنجى هو القدم وهو ههنا العمل الصالح بعد الايمان الكامل والعاقل يتدارك حاله قبل وقوع القضاء [علاج واقعه بيش ازوقوع بايد كرد] قال زياد وليس العاقل الذى يحتال للامر اذا وقع فيه ولكن العاقل الذى يحتال للامور حذرا ان يقع فيها: قال السعدى قدس سره شعر : توبيش ازعقوبت درعفو كوب كه سودى نداردفغان زيرجوب كنون كرد بايد عمل را حساب نه روزى كه منشور كردد كتاب تفسير : والاشارة فى الآية {واذا اذقنا الناس رحمة} اى اذقناهم ذوق توبة او انابة او صدق طلب او وصول الى بعض المقامات او ذوق كشف وشهود {من بعد ضراء مستهم} وهو الفسق والفجور والاخلاق الذميمة وحجب اوصاف البشرية وصفات الروحانية {اذا لهم مكر فى آياتنا} باظهارها مع غير اهلها للشرف بين الناس وطلب الجاه والقبول عند الخلق واستتباعهم والرياسة عليهم وجذب المنافع منهم {قل الله اسرع مكرا} اى اسرع فى ايصال مجازاة مكرهم اليهم باستدراجهم من تلك المقامات والمكرمات الى دركات العبد وتراكم الحجب من حيث لا يعلمون {ان رسلنا يكتبون ما تمكرون} اى غير خاف علينا قدر مراتب مكرهم فنجازيهم على حسب ما يمكرون كما فى التأويلات النجمية. وقد رؤى من اهل هذه الطريقة كثر ممن مشى على الماء والهواء وطويت له الارض ثم رد الى حاله الاولى وقد يمشى المستدرج على الماء والهواء وتزوى له الارض وليس عند الله بمكان لانه ليست عنده هذه المراتب نتائج مقامات محمودة وانما هى نتائج مقامات مذمومة قامت به ارادة الحق سبحانه ان يمكر به فى ذلك الفعل الخارق للعادة وجعله فتنة عليه وتخيل انه انما اوصله اليها ذلك الفعل الذى هو معصية شرعا وانه لولاه ما وقف على حقيقة ما اتفق له وغفل المسكين عن موازنة نفسه بالشريعة. نسأل الله تعالى ان لا يجعلنا ممن زين له سوء عمله فرآه حسنا فيستمر على ذلك الفعل كذا في مواقع النجوم: قال الحافظ قدس سره شعر : زاهد ايمن مشواز بازئ غيرت زنهار كه ده از صومعة تادير مغان اين همه نيست تفسير : وقل من تخلص من العقبات ألا ترى ان الواصل قليل بالنسبة الى المنقطع ولا بد فى قطعها من مرشد كامل ومؤدب حاذق: وفى المنثوى شعر : دربناه شيركم نايد كباب روبها توسوى جيفهكم شتاب جون كرفتى بيرهن تسليم شو همجو موسى زير حكم خضررو
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (جاءتها) "إذا" وجملة (دعوا): بدل من "ظنوا" بدل اشتمال؛ لأن دعاءهم من لوازم الظن. يقول الحق جل جلاله: {وإذا أذقنا الناسَ رحمةً}، كصحة وعافية وخصب، {من بعد ضراءَ مَستْهم}، كمرض أو قحط {إذا لهم مكرٌ في آياتنا} بالطعن فيها، والاحتيال في دفعها، فقد قحط أهل مكة حتى أكلوا الجلود والميتة، ثم رحمهم بالغيث، فطعنوا في آياته بالتكذيب، وكادوا رسوله ـ عليه الصلاة والسلام - {قل اللهُ أسرعُ مكراً} منكم، فقد دبر عقابكم قبل أن تدبروا كيدكم، ووصف مكر الله بالسرعة وإن كان الاستدراج يمهلهم؛ لأنه متيقن واقع لا محالة، وكل آت قريب. {إنَّ رسلنا} الحفظة {يكتبون ما تمكرون} فنجازيكم عليه. قال البيضاوي: هو تحقيق للانتقام، وتنبيه على أن ما يدبرون في إخفائه لم يَخفْ على الحفظة فضلاً أن يخفى على الله. وعن يعقوب: "يمكرون" بالياء ليوافق ما قبله. هـ. قال ابن جزي: هذه الآية للكفار، وتتضمن النهي لمن كان كذلك عن غيرهم، والمكر هنا: الطعن في آيات الله وترك شكره، ومكر الله الموصوف بالسرعة هو عقابه لهم، سماه مكراً مشاكلة لفعلهم، وتسمية للعقوبة باسم الذنب. هـ. فنزول الرحمة بعد الشدة آية تدل على كمال قدرته. وقد وَرَدَ أنه لما نزل بهم القحط التجأوا إليه صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد؛ إنك جئت تأمر بمكارم الأخلاق، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله يغيثنا، فدعا، فنزل عليهم الغيث، فكانت معجزة له ـ عليه الصلاة والسلام ـ. ثم ذكر آية أخرى فقال: {هو الذي يُسيركم} يقدرته {في البَرِّ والبحر حتى إذا كنتم في الفلك}: السفن، {وجَرَيْنَ بهم} بمن فيهم، عدل عن الخطاب إلى الغيبة للمبالغة، كأنه تذكرة لغيرهم ليتعجب من حالهم، ففيه التفات. ومقتضى القياس: وجرين بكم {بريح طيبةٍ}: لينة الهبوب، {وفَرحُوا بها} لسهوله السير بها، {جاءتها ريحٌ عاصفٌ} أي: شديد الهبوب، {وجاءهم الموجُ من كل مكانٍ} من كل جهة لهيجان البحر حينئذ، {وظنوا أنهم أحيطَ بهم} أي: أهلكوا، أو سُدت عليهم مسالك الخلاص، كمن أحاط به العدو. قال ابن عطية: ركوب البحر وقت حسن الظن به للجهاد والحج متفق على جوازه، وكذا لضرورة المعاش بالصيد ويتصرف للتجر، وأما ركوبه لطلب الدنيا والاستكثار فمكروه عند الأكثر. قلت: ما لم يكن لبلد تجري فيه أحكام الكفار على المسلمين وإلا حرم. ثم قال: وأما ركوبه وقت ارتجاجه فممنوع، وفي الحديث: "حديث : من ركب البحر في ارتجاجه فقد برِئَتْ منه الذمة"تفسير : وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : البحر لا أركبه أبداً تفسير : وعن علي ـ كرم الله وجهه ـ أنه قال: لولا هذا الآية، لضربت عنق من يركب البحر. فقال ابن عباس: إني لأعلم كلمات من قالهُن عند ركوب البحر وأصابه عطب فعليّ ديته، قيل: وما هي؟ قال: اللهم يا من له السماوات خاشعة، والأرضون السبع خاضعه، والجبال الراسية طائعة، أنت خير حفظاً وأنت أرحم الراحمين،{أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [الزمر: 67] صلى الله على محمد النبي المصطفى، وعلى أهل بيته، وأزواجه وذريته، وعلى جميع النبيين والمرسلين، والملائكة المقربين، {أية : وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [هود: 41]. قال بعض الفضلاء: جربته فصح. هـ. ثم قال تعالى في وصف الكفار عند إحاطة البحر بهم: {دعوا الله مخلصين له الدين} من غير إشراك؛ لتراجع الفطرة، وزوال المعارض من شدة الخوف، قائلين: {لئن أنجيتنا من هذه} الشدة {لنكونن من الشاكرين}، {فلما أنجاهم} إجابة لدعائهم {إذ هم يبغون في الأرض} بالكفر والمعاصي، {بغير الحق} أي: سارعوا إلى ما كانوا عليه من البغي والفساد في الأرض بغير حق، واحترز بقوله: {بغير الحق} عن تخريب المسلمين ديار الكفرة، وإحراق زروعهم، وقلع أشجارهم، فإنها إفساد بحق. قاله البيضاوي: قلت: وفي كونه بغياً نظر، والأظهر أن قوله: {بغير الحق} تأكيد لا مفهوم له. {يا أيها الناس إنما بَغْيُكم على أنفسكم} فإن وباله عائد عليكم، أو على أبناء جنسكم، وذلك {متاع الحياة الدنيا} تتمتعون به ساعة، {ثم إلينا مرجعكم} في القيامة {فنُنبئكم بما كنتم تعملون} بالجزاء عليه. الإشارة: وإذا أذقنا الناس حلاوة المعرفة والعلم، بعد ضرر الجهل والغفلة، إذا لهم مكر في آياتنا وهم الأولياء والمشايخ، الذين فتح الله بسببهم عليهم ـ بالطعن عليهم والانتقال عنهم، كما يفعله بعض المريدين، أو جُلُّ طلبة العلم، بنسيان مشايخهم ونسيان العهد إليهم، قل الله أسرع مكراً بهم، فيريهم أن الأمداد باقية، تجري عليهم استدراجاً، ثم يحبس ذلك عنهم فتيبس أشجار معانيهم، وتظلم قلوبهم. ثم قال تعالى: {هو الذي يُسيركم} إليه في بر الشريعة، وبحر الحقيقة، فيقع السير بينهما، فإذا كانت الشريعة أقوى نقص له منها وزاد في حقيقته، وإذا قويت حقيقته نقص له منها إلى شريعته، هكذا حتى تعتدلا، فتكمل تربيته، فإذا ركبوا سفن الأفكار وساروا بأرواحهم في تيار البحار، فخاضوا بأفكارهم بحار التوحيد وأسرار التفريد، وجرت أفكارهم في عالم الملكوت بريح طيبة ـ وهي ريح السلوك ـ جاءتها ريح عاصف، وهي الواردات الإلهية، تأتي من حضرة القهار، لا تصادم شيئاً إلا دمغته، فإذا خافوا على نفوسهم صدمات الجذب او المحْو؛ دََعوا الله مخلصين له الدين، فلما ردهم إلى السلوك اشتغلوا برياضة نفوسهم بالمجاهدة والمكابدة، فبغوا عليها كما بغت عليهم في أيام غفلتهم. وبالله التوفيق. ثم حذَّر من زهرة الدنيا، فقال: {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ}.
الطوسي
تفسير : روى روح {يمكرون} بالياء. الباقون بالتاء. أخبر الله تعالى بأنه إذا أذاق الناس يعني الكافرون {رحمة} بأن أنعم عليهم واوسع أرزاقهم وأخصب أسعارهم {من بعد ضراء} يعني بعد شدة كانوا فيها من جدب وضيق نالتهم {مكروا في آياتنا} فجواب {إذا} الأولى في {إذا} الثانية وإنما جعلوا {إذا} جواباً إذا كانت بمعنى الجملة على ما فيها من المفاجأة، كما قال تعالى {أية : وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون }. تفسير : وحقيقة الذوق تناول ما له طعم بالفم ليوجد طعمه. وانما قال: اذقناهم الرحمة على طريق البلاغة لشدة إدراك الحاسة. والمكر فتل الشيء إلى غير وجهه على طريق الحيلة فيه، فهؤلاء محتالون لدفع آيات الله بكل ما يجدون السبيل اليه من شبهة او تخليط في مناظرة أو غير ذلك من الأمور الفاسدة. وقال مجاهد: مكرهم استهزاؤهم وتكذيبهم. فقال الله لنبيه صلى الله عليه وآله {قل} لهم {الله أسرع مكراً} يعني اقدر جزاء على المكر، وذلك أنهم: جعلوا جزاء النعمة المكر مكان الشكر، فقوبلوا بما هو أشد. والسرعة عمل الشيء في وقته الذي هو أحق به، والمعنى: إن ما يأتيهم من العقاب اسرع مما أتوه من المكر اي وقع في حقه. وقوله {إن رسلنا يكتبون ما تمكرون} إخبار منه تعالى أن ملائكة الله الموكلين بهم يكتبون ما يمكرون من كفرهم وتكذيبهم، ففي ذلك غاية الزجر والتهديد على ما يفعلونه من المكر والحيل في امر النبي صلى الله عليه وآله وقيل انما سمى جزاء المكر مكراً، لأنهم اذا نالهم العذاب على مكرهم بحيث لا يحتسبونه ولا يتوقعونه فكأنه مكربهم.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً} سعة وصحّة وأمناً فانّها من آثار الرّحمة وان كانت قد تصير نقمة او هى رحمة فى انظارهم القاصرة عن ادراك الغايات {مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ} وهى ضدّ المذكورات {إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا} الكبرى البشريّة او الصّغرى الآفاقيّة والانفسيّة والتّدوينيّة فانّ الانسان ليطغى ان رآه استغنى، والمكر فى الآيات الكبرى بالاضرار بالحيل الخفيّة، وفى الآيات الصّغرى فى المعجزات بحملها على السّحر ونحوه من الوجوه الخفيّة، وفي غيرها باخفائها وتلبيسها على الغير او تأويلها على مقتضى شهواتهم {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً} انفذ مكراً واسبق مكراً فانّ مكركم فى الآيات فى الحقيقة مكر الله فيكم فمكره اسبق من مكركم فى كلّ حالٍ ونسبة المكر الى الله من باب المشاكلة او المشابهة والاّ فالماكر يقال للعاجز عن اعلان المخاصمة المنصرف عنه الى اخفائها {إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} تهديدٌ لهم بظهور ما يظنّونه خافياً عليه بواسطة الرّسل وصرف للخطاب عنه (ص) اليهم والتفات من الغيبة الى التّكلّم ليكون ابلغ فى الانذار على قراءة تمكرون بالخطاب وهو جواب سؤالٍ ناشٍ عن سابقه كأنّه قيل: هل الله يعلم ما نمكر حتّى يمكر بنا.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً} والرحمة في هذا الموضع العافية. {مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ} أي من بعد مرض أو شدة أصابتهم، يعني المشركين. {إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي ءَايَاتِنَا} قال الحسن: يعني جحوداً وتكذيباً بآياتنا. وقال مجاهد: {مَّكْرٌ فِي ءَايَاتِنَا} أي: استهزاء وتكذيب. { قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً} أي: أسرع عذاباً. قال الحسن: إن الله إذا أراد أن يهلك قوماً كان عذابه إياهم أسرع من لمح البصر. قوله: {إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} وهي تقرأ بالتاء والياء. فمن قرأها بالتاء فيقول للمشركين: {إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ}. ومن قرأها بالياء فهو يقول للنبي عليه السلام: {إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ}، يعني المشركين، ويعني الحفظة الذين يكتبون أعمال العباد. يعني ما يمكرون من كفرهم وتكذيبهم. وفي الآية تقديم: إذا لهم مكر في ءاياتنا قل إن رسلنا يكتبون ما تمكرون قل الله أسرع مكراً. قوله: { هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الفُلْكِ} أي: في السفن. [يقول هذا للمشركين، ثم قال للنبي عليه السلام] { وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} للمسير { وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ} أي شديده {وَجَاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} أي: أنهم مغرقون { دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ} أي من هذه الشّدّة {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}. أي: من المؤمنين.
اطفيش
تفسير : {وإذا أذقْنا النَّاسَ} مطلقا أو كفار مكة {رحْمةً} فى البدن والمال {مِنْ بَعْد ضرَّاء} شدة ضارة بهم كقحط ومرض {مسَّتْهم} أصابتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم، كما يحس الجسم جسم الآخر، والجملة صفة ضراء. {إذا} للفجاءة رابطة لجواب إذا الشرطية {لَهم مَكرٌ فى آياتِنَا} احتيال فى دفعها بما أمكنهم، وقيل: استهزاء وتكذيب به، قال الحسن، ومجاهد: قيل قحط أهل مكة سبع سنين وكادوا يهلكون، ولما رحمهم الله بالمطر والخصب شرعوا يقدحون فى آيات الله سبحانه وتعالى، ويكبدون رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: الآيات رحمته الدالة عليه، ومكرهم قولهم سقينا بنوء كذا، والأنواء منازل القمر، تنسب العرب كالمنجمين الكفرة المطر والريح إليها، فبعض العرب ينسبها للطالع لأنه نئ أى ظهر، وبعض للغارب الساقط لأنه نئ أى بعد، وذلك كفر شرك لا كفر نعمة، كما زعم بعض، ونسبتهما إلى ذلك باعتبار العادة مكروه، وقيل: حرام، ويأتى كلام إن شاء الله فى سورة الفتح. {قُلِ اللهُ أسْرعُ مَكراً} جزاء فى خفية، أو كيداً باستدراج، أو جزاء مكركم، قال الحسن: إذا أراد الله أن يهلك قوما كان عذابهم أسرع من لمح البصر، وذلك فى الدنيا، كوقعة بدر، أو يوم القيامة، وعلى كل حال هو أسرع من مكرهم، من حيث إنه واقع لا محالة، ومكرهم لا يدرون أيتأثر أم لا، أو من حيث إنهم فى مقدمات مكر الله من وقتهم ذلك، أو من حيث إن الله عز وجل دبر عقابهم قبل أن يدبروا كيدهم. وإنما قال أسرع بصيغة التفضيل، لأن كيدهم أيضا سريع كما ينص عليه لفظ الفجاءة، وترتيب المكر على أول طعم الرحمة المعبر عنه بالذوق، أو أسرع اسم تفضيل خارج عن معنى التفضيل، فهو بمعنى سريع، وعلى كل حال فصوغه من سرع الثلاثى لا من أسرع الرباعى، وأجاز بعضهم بناء اسم التفضيل من الرباعى المبدوء بالهمزة لغير التعدية، كأسرع وبعض ولو للتعدية. {إنَّ رُسُلنَا} قال أبو حاتم: خفف الحسن، وابن أبى إسحاق، وأبو عمرو السين بالإسكان وهم الحفظة {يكْتُبون ما تمْكُرونَ} لتجازوا به، فليس مكركم بخفى عن الحفظة، فضلا عن الله، فهذا تحقيق للانتقام، وهذه الجملة تقوى أن يكون المراد بالمكر فى قوله: {أية : الله أسرع مكراً} تفسير : المكر فى الآخرة، وقرأ يعقوب فى رواية روح، والحسن، والأعرج، وقتادة، ومجاهد: يمكرون بالتحتية، ليوافق الغيبة فى قوله: {وإذا أذقنا الناس} الخ، وهو رواية ضعيفة عن نافع، وليست قراءة الفوقية بالتفات، لأنها فى كلام آخر مستأنف فى قوله: {قل} وهى قراءة الجمهور، قال أيوب بن المتوكل، فى مصحف أبىّ: يا أيها الناس إن الله أسرع مكراً، إن رسلنا لديكم يكتبون ما تمكرون.
اطفيش
تفسير : {وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ} كفار مكة أَو الكفار مطلقا ففيم اللجاج والمكر مطلقاً {رَحْمَةً} كالصحة والشفاءِ والخصب وصلاح الثمار والأَنعام وأَحوالها {مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ} كمرض وقحط ووصف الضراء بالمس إِشارة إِلى أَنها قليلة بالنسبة إِلى الرحمة {إِذَا} للمفاجأَة {لَهُم مَّكْرٌ فِى آيَاتِنَا} احتيال فى دفعها. كما روى أَنهم أَقحطوا سبع سنين وكادوا يهلكون ولما أَرسل الله إِليهم المطر نسبوه إِلى الأَصنام أَو الأَنواءِ والكواكب، ويقولون مطرنا بنوءِ كذا أَى بسقوط نجم كذا فى المغرب من المنازل الثمانية والعشرين، وطلوع مقابله من المشرق فى الفجر، يضيفون البرد والرياح والأَمطار إلى الساقط، وقال الأَصمعى إِلى الطالع، وذلك فى كل ثلاثة عشر يوماً إِلا الجبهة فأَربعة عشر، وليس غرضهم من طلب الآيات طلب الحق والتأَمل بل غرضهم العناد والعنت، فلو نزلت كل آية لم يؤمنوا، والمراد بالآيات غير المتلوة، قال زيد بن خالد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : يقول الله تعالى: أَصبح من عبادى مؤمن بى وكافر بالنجم، وكافر بى ومؤمن بالنجم، فأَما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بى كافر بالنجم، وأَما من قال مطرنا بنوءِ كذا أَو كذا فذلك كافر بى مؤمن بالنجم. تفسير : وإِنما كفر لاعتقاده أَن النجم مستقل بالمطر. ولا كفر بقول مطرنا عندها مع نية أَن الإِمطار بإِذن الله، ولا تأْثير فى النجم لذلك، ولا يجوز للنجم تأْثير بقوة أَودعها الله فيه استقلالا فإِن هذا إِشراك، وأَما بقوة أَودعها الله تعالى فيه تؤثر بإِذنه وعلمه وخلقه الأَثر فلا بأْس، وشهر المنع، وهكذا سائِر الأَسباب {قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً} منكم، أَى أَسرع مجازاة منكم فى سرعة مكركم، وسرعتهم معبر عنها بإِذا الفجائية، سمى المجازاة مكرا؛ لأَن المكر سببها وملزومها، وذلك مشاكلة، ويجوز أَن يكون المكر مستعارا للاستدراج، فإِن معاملة الله معهم بما يحبون مع إِقامتهم على المعصية فى صورة المكر والخديعة وعلل الأَسرعية بقوله {إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} يعنى الحفظة يكتبونه لئَلا تنكروه، فلم يخف عنهم، فكيف عن الله، فلا بد من الانتقام لأَن الحفظة والكتابة إِنما هما للجزاءِ، وسمى الملائكة رسلا هنا كما فى سورة فاطر لأَنهم يبلغون أَعمالهم إِلى الله عز وجل، وهو أَعلم بها منهم، والتكلم هنا مناسب له فى قوله أَذقنا فلا التفات، فلا تهم فإِن قل الله لا يقابل ذلك لأَنه أَمر فكيف يكون مدخول قل وهو لفظ الجلالة مقابلا للتكلم حتى يقال التفات من الغيبة إِلا إِن كان هذا من مقول القول، فيكون الأَصل إِن رسله ولا حاجة إِلى ذلك، بل أَخبر الله تعالى رسوله أَن رسلنا يكتبون إِلخ، كما أَمره بالقول، وما مصدرية أَى يكتبون مكركم، أَو اسم أَى ما تمكرونه على تضمين تمكر معنى تعمل فى خفاءٍ.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً} كالصحة والسعة {مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ} أي خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم، وإسناد المساس إلى الضراء بعد إسناد الإذاقة إلى ضمير الجلالة من الآداب القرآنية كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ }تفسير : [الشعراء: 80] ونظائره وينبغي التأدب في ذلك ففي الخبر «اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك» والمراد بالناس كفار مكة على ما قيل لما روي أن الله تعالى سلط عليهم القحط سبع سنين حتى كادوا يهلكون فطلبوا منه صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم بالخصب ووعدوه بالإيمان فلما دعا لهم ورحمهم الله تعالى بالحيا طفقوا يطعنون في آياته تعالى ويعاندونه عليه الصلاة والسلام ويكيدونه وذلك قوله سبحانه: {إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِى آيَـٰتِنَا} أي بالطعن فيها وعدم الاعتداد بها والاحتيال في دفعها، والظاهر أن المراد بالآيات الآيات القرآنية، وقيل: المراد بها الآيات التكوينية كإنزال الحياء، ومكرهم فيها إضافتها إلى الأصنام والكواكب. وقيل: إن {ٱلنَّاسَ} عام لجميع الكفار، ولا يجوز حمله على ما يشمل العصاة كما لا يخفى، وكانت العرب تضيف الأمطار وكذا الرياح والحر والبرد إلى الأنواء، وهو جميع نوء مصدر ناء ينوء إذا نهض بجهد ومشقة ويقال ذلك أيضاً إذا سقط فهو من الأضداد، ويطلق على النجم الذي هو أحد المنازل الثمانية والعشرين التي ذكرناها فيما سبق وهو المراد في كلامهم إلا أن الإضافة إليه باعتبار سقوطه مع الفجر وغروبه كما هو المشهور أو باعتبار طلوعه ذلك الوقت كما قال الأصمعي. وقد عد القائل بتأثير الأنواء كافراً فقد روى الشيخان وأبو داود والنسائي عن زيد بن خالد قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : قال الله تعالى أصبح من عبادي مؤمن بـي وكافر بالكوكب وكافر بـي ومؤمن بالكوكب فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بـي كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بـي ومؤمن بالكوكب»تفسير : ولعل كون ذلك من الكفر بالله تعالى مبني على زعم أن للكواكب تأثيراً اختيارياً ذاتياً في ذلك وإلا فاعتقاد أن التأثير عندها لا بها كما هو المشهور من مذهب الأشاعرة في سائر الأسباب ليس بكفر كما نص عليه العلامة ابن حجر، وكذا اعتقاد أن التأثير بها على معنى / أن الله تعالى أودع فيها قوة مؤثرة بإذنه فمتى شاء سبحانه أثرت ومتى لم يشأ لم تؤثر كما هو مذهب السلف في الأسباب على ما قرره الشيخ إبراهيم الكورانـي في «مسلك السداد»، ولو كان نسبة التأثير مطلقاً إلى الأنواء ونحوها من العلويات كفراً لاتسع الخرق ولزم إكفار كثير من الناس حتى أفاضلهم لقولهم بنسبة الكثير من عالم الكون والفساد إلى العلويات ويسمونها بالآباء العلوية، وقد صرح الشيخ الأكبر قدس سره بأن للكواكب السيارات وغيرها تأثيراً في هذا العالم إلا أن الوقوف على تعيين جزئياته مما لا يطلع عليه إلا أرباب الكشف والأرصاد القلبية، وليس مراده قدس سره وكذا مراد من أطلق التأثير إلا ما ذهب إليه أحد الفريقين في الأسباب وحاشا ثم حاشا أن يكون أولئك الأفاضل ممن يعتقد أن في الوجود مؤثراً غير الله تعالى بل من وقف على حقيقة كلام الحكماء الذين هم بمعزل عن الشريعة الغراء وجدهم متفقين على أن الوجود معلول له تعالى على الإطلاق. قال بهمنيار في «التحصيل»: فإن سئلت الحق فلا يصح أن يكون علة الوجود إلا ما هو برىء من كل وجه من معنى ما بالقوة وهذا هو المبدأ الأول لا غير، وما نقل عن أفلاطون من قوله: إن العالم كرة والأرض مركز والإنسان هدف والأفلاك قسي والحوادث سهام والله تعالى هو الرامي فأين المفر يشعر بذلك أيضاً. نعم إنهم قالوا بالشرائط العقلية وهي المراد بالوسائط في كلام بعضهم وهو خلاف المذهب الحق، وبالجملة لا يكفر من قال: إن الكواكب مؤثرة على معنى أن التأثير عندها أو بها بإذن الله تعالى بل حكمه حكم من قال: إن النار محرقة والماء مرو مثلاً، ولا فرق بين القولين إلا بما عسى أن يقال: إن التأثير في نحو النار والماء أمر محسوس مشاهد والتأثير في الكواكب ليس كذلك والقول به رجم بالغيب لكن ذلك بعد تسليمه لا يوجب كون أحد القولين كفراً دون الآخر كما لا يخفى على المنصف، ومع هذا الأحوط عدم إطلاق نسبة التأثير إلى الكواكب والتجنب عن التلفظ بنحو ما أكفر الله سبحانه المتلفظ به هذا {وَإِذَا} الأولى شرطية والثانية فجائية رابطة للجواب، وتنكير {مَكَرَ} للتفخيم، و {فِي} متعلقة بالاستقرار الذي تتعلق به اللام. {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} أي منكم فأسرع أفعل تفضيل وهو مأخوذ إما من سرع الثلاثي كما حكاه الفارسي أو من أسرع المزيد إلا أن في أخذ أفعل من المزيد خلافاً فمنهم من منعه مطلقاً ومنهم من جوزه مطلقاً ومنهم من قال: إن كانت الهمزة للتعدية امتنع وإلا جاز ومثله في ذلك بناء التعجب، ووصف المفضل عليه بالسرعة دل عليه المفاجأة على أن صحة استعمال أسرع في ذلك لا يتوقف على دلالة الكلام على ما ذكر خلافاً لما يقتضيه ظاهر كلام الزمخشري، وأصل المكر إخفاء الكيد والمضرة، والمراد به الجزاء والعقوبة على المكر مجازاً مرسلاً أو مشاكلة وهي لا تنافيه كما في «شرح المفتاح»، وقد شاع أنه لا يستعمل فيه تعالى إلا على سبيل المشاكلة وليس بذاك كما حقق في موضعه. {إِنَّ رُسُلَنَا} الحفظة من قبلنا على أعمالكم {يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} أي مكركم أو ما تمكرونه، وكيفية كتابة ذلك مما لا يلزم العلم به ولا حاجة إلى جعل ذلك مجازاً عن العلم، وهذا تحقيق للانتقام منهم وتنبيه على أن ما دبروا في إخفائه غير خاف على الكتبة فضلاً عن منزل الكتاب الذي لا تخفى عليه خافية. وفي ذلك تجهيل لهم كما لا يخفى، والظاهر أن الجملة ليست داخلة في الكلام الملقن كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً}تفسير : [الكهف: 109] وهي تعليل لأسرعية مكره سبحانه وتعالى، وجوز أن تكون داخلة في ذلك وفي / {إِنَّ رُسُلَنَا} التفاتاً إذ لو أجرى على قوله سبحانه: {قُلِ ٱللَّهُ} لقيل إن رسله فلا إشكال فيه من حيث أنه لا وجه لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم إن رسلنا إذ الضمير لله تعالى لا له عليه الصلاة والسلام بتقدير مضاف أي رسل ربنا أو بالإضافة لأدنى ملابسة كما قيل. وقال بعضهم في الجواب: إنه حكاية ما قال الله تعالى على كون المراد أداء هذا المعنى لا بهذه العبارة. وقرأ الحسن ومجاهد {يَمْكُرُونَ} على لفظ الغيبة، وروي ذلك أيضاً عن نافع ويعقوب وفيه الجري على ما سبق من قوله سبحانه: {مَسَّتْهُمْ} و {لَهُمْ} والمناسب الخطاب كما قرأ الباقون إذا كانت الجملة داخلة في حيز القول إذ المعنى قل لهم، ومناسبة الخطاب حينئذٍ ظاهرة وفيه أيضاً مبالغة في الإعلام بمكرهم، وجعلها بعض المحققين على تلك القراءة وعدم دخولها في حيز القول تعليلاً للأسرعية أو للأمر المذكور. وصيغة الاستقبال في الفعلين للدلالة على الاستمرار والتجدد وكذا في قوله سبحانه: {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ...}
ابن عاشور
تفسير : لما حكى تمرد المشركين بيّن هنا أنهم في ذلك لاهون ببطرهم وازدهائهم بالنعمة والدَّعة فأنساهم ما هم فيه من النعمة أن يتوقعوا حدوث ضده فتفننوا في التكذيب بوعيد الله أفانين الاستهزاء، كما قال تعالى: {أية : وذرني والمكذبين أولي النّعمة ومهِّلهم قليلاً}تفسير : [المزمل: 11]. وجاء الكلام على طريقة الحكاية عن حالهم، والمُلقَى إليه الكلام هو النبي صلى الله عليه وسلم والمُؤمنون. وفيه تعريض بتذكير الكفار بحال حلول المصائب بهم لعلهم يتذكرون، فيعدوا عدة الخوف من حلول النقمة التي أنذرهم بها في قوله {أية : فانتظروا}تفسير : [يونس: 20] كما في الحديث: «حديث : تَعَرَّف إلى الله في الرخاء يَعْرِفْك في الشدة»تفسير : فالمراد بـ{الناس} الناس المعهودون المتحدث عنهم بقرينة السياق على الوجهين المتقدمين في قوله تعالى: {أية : وإذا مَس الإنسان الضر دعانا لجنبه}تفسير : [يونس: 12]. وقد قيل: إن الآية تشير إلى ما أصاب قريشاً من القحط سبعَ سنين بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ثم كَشف الله عنهم القحط وأنزل عليهم المطر، فلما حيوا طفقوا يطعنون في آيات الله ويعادون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكيدون له. والقحط الذي أصاب قريشاً هو المذكور في سورة الدخان. وقد أنذروا فيها بالبطشة الكبرى. وقال ابن عباس: هي بطشة يوم بدر. فتكون هذه الآية قد نزلت بعد انقراض السبع السنين التي هي كسني يوسف وبعد أن حيُوا، فتكون قد نزلت بعد سنة عشر من البعثة أو سنة إحدى عشرة. والإذاقة: مستعملة في مطلق الإدراك استعارةً أو مجازاً، كما تقدم في قوله: {أية : ليذوق وبال أمره}تفسير : في سورة [العقود: 95]. والرحمة: هنا مطلقة على أثر الرحمة، وهو النعمة والنفع، كقوله: {أية : وينشر رحمته}تفسير : [الشورى: 28]. والضراء: الضر. والمس: مستعمل في الإصابة. والمعنى إذا نالت الناس نعمة بعد الضر، كالمطر بعد القحط، والأمن بعد الخوف، والصحة بعد المرض. و(إذا) في قوله: {إذا لهم مكرٌ} للمفاجأة، وهي رابطة لجواب (إذا) الشرطية لوقوعه جملة اسمية وهي لا تصلح للاتصال بإذا الشرطية التي تلازمها الأفعال إن وقعت ظرفاً ثم إن وقعت شرطاً فلا تصلح لأن تكون جواباً لها، فلذلك أدخل على جملة الجواب حرف (إذا) الفجائية، لأن حرف المفاجأة يدل على البِدار والإسراع بمضمون الجملة، فيُفيد مُفاد فاء التعقيب التي يؤتى بها الربط جواب الشرط بشرطه، فإذا جاء حرف المفاجأة أغنى عنها. والمكرُ: حقيقته إخفاء الإضرار وإبرَازه في صورة المسألة، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ومكروا ومكر الله}تفسير : في سورة [آل عمران: 54]. و(في) من قوله: {في آياتنا} للظرفية المجازية المرادُ منها الملابسة، أي مكرهم المصاحب لآياتنا. ومعنى مكرهم في الآيات أنهم يمكرون مكراً يتعلق بها، وذلك أنهم يوهمون أن آيات القرآن غير دالة على صدق الرسول ويزعمون أنه لو أنزلت عليه آية أخرى لآمنوا بها وهم كاذبون في ذلك وإنما هم يكذبونه عناداً ومكابرة وحفاظاً على دينهم في الشرك. ولما كان الكلام متضمناً التعريض بإنذارهم، أمر الرسول أن يعظهم بأن الله أسرع مكراً، أي منكم، فجعل مكر الله بهم أسرع من مكرهم بآيات الله. ودل اسم التفضيل على أن مكر الكافرين سريع أيضاً، وذلك لما دل عليه حرف المفاجأة من المبادرة وهي إسراع. والمعنى أن الله أعجل مكراً بكم منكم بمكركم بآيات الله. وأسرعُ: مأخوذ من أسرع المزيدِ على غير قياس، أو من سَرع المجرد بناء على وجوده في الكلام فيما حكاه الفارسي. وأطلق على تأجيل الله عذابهم اسم المكر على وجه الاستعارة التمثيلية لأن هيئة ذلك التأجيل في خفائه عنهم كهيئة فعل الماكر، وحسنته المشاكلة كما تقدم في آية آل عمران. وجملة: {إنّ رسلنا يكتبون ما تمكرون} استئناف خطاب للمشركين مباشرة تهديداً من الله، فلذلك فصلت على التي قبلها لاختلاف المخاطب. وتأكيد الجملة لكون المخاطبين يعتقدون خلاف ذلك، إذ كانوا يحسبون أنهم يمكرون بالنبي صلى الله عليه وسلم وأن مكرهم يتمشى عليه ولا يشعر به فأعلمهم الله بأن الملائكة الموكلين بإحصاء الأعمال يكتبون ذلك. والمقصود من هذا أن ذلك محصي معدود عليهم لا يهمل، وهو إنذار بالعذاب عليه، وهذا يستلزم علم الله تعالى بذلك. وعبر بالمضارع في {يكتبون} و{يمكرون} للدلالة على التكرر، أي تتكرر كتابتهم كلما يتكرر مكرهم، فليس في قوله: {ما تمكرون} التفات من الغيبة إلى الخطاب لاختلاف معادي الضميرين. وقرأه الجمهور {ما تمكرون} بتاء الخطاب. وقرأه روح عن يعقوب {ما يمكرون} بياء الغائب، والضمير لــ{الناس} في قوله: {وإذا أذقنا الناس رحمة}. وعلى هذه القراءة فالكلام موجه للنبي صلى الله عليه وسلم
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: رحمة: أي مطر بعد قحط أو صحة بعد مرض أو غنى بعد فاقة. ضراء: حالة من الضر بالمرض والجدب والفقر. مكر في آياتنا: أي استهزاء بها وتكذيب. إن رسلنا: أي الحفظة من الملائكة. يسيركم: أي يجعلكم تسيرون بما حولكم من مراكب وما يسر لكم من أسباب. بريح طيبة: أي مناسبة لسير السفن موافقة لغرضهم. ريح عاصف: أي شديدة تعصف بالشجر فتقتلعه والبناء فتهدمه. وأحيط بهم: أي أحدق بهم الهلاك من كل جهة. يبغون بغير الحق: أي يظلمون مجانبين للحق والاعتدال. معنى الآيات: ما زال السياق في دعوة أهل مكة إلى توحيد الله والإِيمان برسوله والدار الآخرة فيقول تعالى {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ} أي كفار مكة {رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ} أي أذقناهم طعم الرحمة التي هي المطر بعد الجفاف والغنى بعد الفاقة والصحة بعد المرض وهي الضراء التي مستهم فترة من الزمن. يفاجئونك بالمكر بآيات الله وهو استهزاؤهم بها والتكذيب بها وبمن أُنزلت عليه. وقوله تعالى {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً} أي قل يا رسولنا لهؤلاء الماكرين من المشركين الله عز وجل أسرع مكراً منكم فسوف يريكم عاقبة مكره بكم وهي إذلالكم وخزيكم في الدنيا وعذابكم في الآخرة إن متم على كفركم وقوله {إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} تقرير لما أعلمهم به من مكر الله تعالى بهم إذ كتابة الملائكة ما يمكرون دليل على تبييت الله تعالى لهم المكروه الذي يريد أن يجازيهم به على مكرهم. هذا ما تضمنته الآية الأولى [21] أما الآية الثانية [22] فهي تُري المشركين ضعفهم وعجزهم وحاجتهم إلى الله تعالى، ومن كان كذلك فكيف يستهزىء بربه ويسخر من آياته ويكذب رسوله إن أمرهم لعجب فيقول تعالى هو أي الله الذي تمكرون بآياته الذي يسيركم في البر بِما خلق لكم من الظهر الإِبل والخيل والحمير، وفي البحر بما سخر لكم من الفلك تجري في البحر بأمره. حتى إذا كنتم في البحر وجرين أي السفن بهم أي بالمشركين بريح طيبة مناسبة لسير السفن وفرحوا بها على عادة ركاب البحر يفرحون بالريح المناسبة لسلامتهم من المَيَدَان والقلق والاضطراب. جاءتها أي السفن ريح عاصفة أي شديدة الهبوب تضطرب لها السفن ويخاف ركابها الغرق، وجاءهم أي الكفار الراكبين عليها الموج من كل مكان من جهات البحر والموج هو ارتفاع ماء البحر وتموجه كزوابع الغُبور في البر. وظنوا أي أيقنوا أو كادوا أنهم أحيط بهم أي هلكوا {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي الدعاء يا رب يا رب نجنا ويَعِدُونَه قائلين {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ} أي الهلكة {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} لك أي المطيعين المعترفين بنعمتك علينا الموحدين لك بترك الآلهة لعبادتك وحدك لا شريك لك. فلما أنجاهم من تلك الشدة يفاجئونك ببغيهم في الأرض بغير الحق شركاً وكفراً وظلماً وفساداً فعادوا لما كانوا وإنهم لكاذبون وقوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} يخبرهم تعالى بقوله يا أيها الناس الباغون في الأرض بغير الحق في أي زمان كنتم وفي أي مكان وجدتم إنما بغيكم أي عوائده عائدة على أنفسكم إذ هي التي تتأثم وتخبث في الدنيا وتفسد وتصبح أهلاً لعذاب الله يوم القيامة وقوله {مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي ذلك متاع الحياة الدنيا شقاء كان أو سعادة {ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ} أي لا إلى غيرنا وذلك بعد الموت يوم القيامة {فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} من خير وشر ونجزيكم به الجزاء العادل في دار الجزاء. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- من مكر مكر الله به والله أسرع مكراً وأكبر أثراً وضرراً. 2- بيان ضعف الإِنسان وفقره إلى الله وحاجته إليه عز وجل في حفظ حياته وبقائه إلى أجله. 3- إخلاص العبد الدعاء في حال الشدة آية أن التوحيد أصل والشرك طارىء. 4- المشركون الأولون أحسن حالاً من جهلة هذه الأمة إذ يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة أما جهال المسلمين اليوم فشركهم دائم في الرخاء والشدة على السواء. 5- بَغْيُ الإِنسان عائد على نفسه كمكره ونكثه وفي الحديث (ثلاث على أصحابها رواجع: البغي والمكر والنكث). 6- تقرير مبدأ البعث والجزاء يوم القيامة.
القطان
تفسير : أصل الذوق: ادراك الطعم بالفم، ومعنى "اذقنا الناس رحمة": اعطيناهم صحة ومالا ونعمة. المراد بمكر الله: تدبيره الخفي. الفلك: السفن يطلق على الجمع والواحد. بريح طيبة: موافقة، مريحة سهلة، ريح عاصف: شديدة مهلكة. احيط بهم: هلكوا. بعد ان ينتهي الكتاب من عرض ما يقول المشركون وما يعترضون به ويطلبون، يعود الى الحديث عن بعض طبائع البشر، حين يذوقون الرحمةً والنِعم بعد الضّرِ، كما تحدّث من قبل عنهم حين يصيبهم الضرُّ ثم ينجُون منه. ويضرب لهم مَثَلاً مما يقع في الحياة بصدق ذلك. {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا}. عجيبٌ أمرُ هذا الانسان لا يذكُر اللهَ إلا ساعة العسرة، فاذا أنعمنا على الناس من بعد شدةٍ أصابتْهم في أنفسهم او أهليهم وأموالهم، لم يشكروا الله على ما أنعمَ به، بل تجدهم يقابلون ذلك بالإصرار على التكذيب والكفرِ بالآيات. {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ}. قل لهم أيها الرسول: إن الله أقدرُ على التدبير وإبطال ما يمكرون، وأن الحَفَظَةَ من الملائكة الموكّلين بكم يكتبون اعمالكم سيحاسبكم الله عليها ويجازيكم بها. قراءات: قرأ يعقوب: "ما يمكرون" بالياء، وبالباقون "ما تمكرون" بالتاء. ثم ضرب الله مثلاً من أبلغِ أمثال القرآن الكريم في صورة حيَّة كأنها واقعةٌ يشاهدها الناس، وتتبعها المشاعر ليَظْهَر لهم بهذا المثَلِ ما هم عليه فقال: {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ}. ان الله الذي تكفُرون بِنِعمِه وتكذّبون بآياته، هو الذي وهبكم القدرةَ على السَّير والسعي في البر مشاةً وركبانا، وفي البحر بما سخّر لكم من السفُن التي تجري على الماء والطائرات التي تسير في الهواء. حتى إذا كنتم في الفُلك التي سخّرها لكم، وجَرَت بكم تدفعُها ريح طيّبة اطمأنتم اليها وفرحتم بها - هبّت ريح شديدة أثرات عليكم الموجَ من كل جانب، وأيقنتم أن الهلاكَ واقع لا محالة، ولا تجدون ملجأً غيرَ الله. عند ذلك تدعونه مخِلصين له الدّعاء موقنين أنه لا منقذّ لكم سواه، ومتعهدين بأن تكونوا من الشاكرين إن انجاكم من هذه الشدة. {فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ}. هذه تكملة للصورة. فلما أنجاهم اللهُ مما تعرّضوا له من الشدّة والهلاك، نقضُوا عهدَهم، وعادوا بيغون في الأرض ويفسدون بغير الحق. قراءات: قرأ ابن عامر. "ينشركم" بالنون والشين. والباقون "يسيركم" بالياء والسين والياء المشددة. وبعد ان حكى المَثَل في ذلك المشهد الرهيب خاطب البغاةَ في اي مكان كانوا وفي اي زمان وُجدوا فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. أيها الناقضون للعهد، ان عاقبةَ بغيكم وظلمكم سترجِع عليكم وحدَكم، أما ما تحصُلون عليه من ظلمكم هذا فهو مجرد متاع دنيوي زائل، ينقضي بسرعة، ثم تعودون الى الله فيجزيكم بأعمالكم التي اقترفتموها. والحق، أن البغي، وهو أشدّ أنواع الظلم، يرجع على صاحبه، لما يولّد من العداوة والبغضاء بين الأفراد،ولما يوقد من نيران الفتن في الشعوب. روى الامام احمد والبخاري عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثٌ هنّ رواجع على أهلها: المكر، والنكث، والبغيثم تلا: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ}." {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} تفسير : [فاطر: 43] {أية : فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} تفسير : [الفتح: 11].
د. أسعد حومد
تفسير : {ۤ آيَاتِنَا} (21) - وَإِذا أَنْعَمَ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُشْرِكِينَ بِالفَرَجِ بَعْدَ الكَرْبِ، وَبِالرَّخَاءِ بَعْدَ شِدَّةٍ أَصَابَتْهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ..، لَمْ يَشْكُرُوا اللهَ عَلَى أَنَّهُ صَرَفَ عَنْهُمْ الضُّرَّ وَالبَلاَءَ، وَبَادَرُوا إِلى المَكْرِ السَّيِّىءِ، وَقَابَلُوا فَضْلَ اللهِ بِالإِمْعَانِ فِي الكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ بِآيَاتِ اللهِ، فَإِذَا كَانَتِ الرَّحْمَةُ مَطَراً أَحْيَا الأَرْضَ، وَأَنْبَتَ الزَّرْعَ بَعْدَ جَدْبٍ وَقَحْطٍ، نَسَبُوا ذَلِكَ إِلى الكَوَاكِبِ وَالأَنْوَاءِ وَالأَصْنَامِ، وَإِذَا كَانَتْ نَجَاةً مِنْ هَلَكَةٍ، وَأَعْوَزَهُمْ مَعْرِفَةُ عِلَلِهَا وَأَسْبَابِهَا، عَزَوْا ذَلِكَ إِلى المُصَادَفَةِ، وَإِذَا كَانَ سَبَبُهَا دُعَاءَ نَبِيٍّ أَنْكَرُوا إِكْرَامَ اللهِ لِنَبِيِّهِ. فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إِنَّ اللهَ أَسْرَعُ مِنْكُمْ مَكْراً، وَأَشَدَّ اسْتِدْرَاكاً، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِهْلاَكِكُمْ، وَعَلَى تَعْجِيلِ العُقُوبَةِ لَكُمْ، وَلَكِنَّ كَلِمَتَهُ تَعَالَى سَبَقَتْ بِتَأْجِيلِ حِسَابِ النَّاسِ حَتَّى يَوْمِ الحَشْرِ، الذِي لاَ يَعْلَمُ أَحدٌ غَيْرُ اللهِ مَوْعِدَهُ. وَمَلائِكَةُ الرَّحْمَنِ المُوكَّلُونَ بِإِحْصَاءِ أَعْمَالِ العِبَادِ وَتَسْجِيلِهَا عَلَيهِمْ، يُسَجِّلُونَ مَا تَمْكُرُونَ، وَسَيُحَاسِبُكُمُ اللهُ عَلَى أَعْمَالِكُمْ جَمِيعِها. ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ - نَائِبَةٍ أَصَابَتْهُمْ كَالجُوعِ وَالقَحْطِ. لَهُمْ مَكْرٌ - دَفْعٌ وَطَعْنٌ وَاسْتِهْزَاءٌ. اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً - أَسْرَعُ جَزَاءً وَعُقُوبَةً.
الثعلبي
تفسير : {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ} يعني الكفار {رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ} أي راحة ورخاء بعد شدة وبلاء، وقيل: عنى به القطر بعد القحط {إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا} قال مجاهد: استهزاء وتكذيب. مقاتل بن حسان: لا يقولون هذا رزق الله فإنما يقولون: سقينا بنوء كذا وهو قوله: {أية : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}تفسير : [الواقعة: 82] {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً} أعجل عقوبة وأشد أخذاً وأقدر على الجزاء، وقال مقاتل صنيعاً. {إِنَّ رُسُلَنَا} حفظتنا {يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} قرأ العامة بالتاء لقوله، وقراءة الحسن ومجاهد وقتادة ويعقوب: يمكرون بالياء لقوله: {إِذَا لَهُمْ} وهي رواية هارون عن أبي عمرو. {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} يبحر بكم ويحملكم على التسيير، وقرأ أبو جعفر وابن عامر: ينشركم بالنون من النشر، وهو [البسط] في البر على الظهر وفي البحر على الفلك {حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ} أي في السفن يكون واحد أو جمعاً، وقرأ عيسى الفلك بضم اللام. {وَجَرَيْنَ بِهِم} يعني جرت السفن بالناس وهذا خطاب تكوين رجع من الخطاب إلى الخبر {بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا} أي الريح {جَآءَتْهَا} يعني الفلك وهو جواب لقوله حتى إذا جاءتها {رِيحٌ عَاصِفٌ} شديد يقال: عصفت الريح وأعصفت والريح، مذكر ومؤنث، وقيل: لم يقل: عاصفة لاختصاص الريح بالعصوف، وقيل: للنسب أي ذات صوف {وَجَآءَهُمُ} يعني سكان السفينة {ٱلْمَوْجُ} وهو حركة الماء وأخلاطه {مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ} وأيقنوا {أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} إذا أحاط بهم الهلاك {دَعَوُاْ ٱللَّهَ} هنالك {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} للدعاء دون أوثانهم وكان مفزعهم إلى الله دونها. روى [الثوري] عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيد في قوله تعالى: {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} قال: قالوا في دعائهم: أهيا شراهيا وتفسيره: يا حيُّ يا قيوم {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا} خلصتنا يا ربنا {مِنْ هَـٰذِهِ} الريح العاصف {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} لك بالإيمان والطاعة {فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ} يظلمون ويتجاوزون إلى غير أمر الله {فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} الآن وباله راجع إليها وجزاؤه لاحق، وأتم الكلام هاهنا كقوله تعالى: {أية : لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ}تفسير : [الأحقاف: 35] أي هذا بلاغ وقيل هو كلام متصل، والبغي ابتداء ومتاع خبره، وقوله على أنفسكم صلة المتاع ومعناه {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} ولا يصلح لزاد المعاد لأنّكم استوجبتم غضب الله. وقرأ ابن اسحاق وحفص: متاعاً بالنصب على الحال {ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} في فنائها وزوالها {كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ} من الحبوب والبقول والثمار {وَٱلأَنْعَامُ} من الحشيش والمراعي. {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا} حسنها وبهجتها {وَٱزَّيَّنَتْ} هذا قراءة العامة، وتصديقها قراءة عبد الله بن مسعود: وتزينت، وقرأ أبو عثمان النهدي والضحاك: وأزّانت على وزن اجّازت قال عوف بن أبي جميلة: كان أشياخنا يقرأونها كذلك وازيانت نحو اسوادّت، وقرأ أبو رجاء وأبو العالية والشعبي والحسن والأعرج: وأزينت على وزن أفعلت مقطوعة الألف[بالتخفيف]، قال قطرب: معناه: أتت بالزينة عليها، كقولهم: أحبّ فأذمّ واذكرت المرأة فأنثت {وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ} أخبر عن الأرض ويعني للنبات إذ كان مفهوماً وقيل: ردّه إلى الغلّة وقيل: إلى الزينة {أَتَاهَآ أَمْرُنَا} قضاؤنا بهلاكها {لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً} مقطوعة مقلوعة وهي محصورة صرفت إلى حصيد {كَأَن لَّمْ تَغْنَ} تكن، وأصلة من غني المكان إذا أقام فيه وعمّره، وقال مقاتل: تغم، وقرأها العامة: تغن بالتاء لتأنيث الأرض، وقرأها قتادة بالياء يذهب به إلى الزخرف {كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ} قال قتادة: السلام الله وداره الجنة، وقيل: السلام والسلامة واحد كاللذاذ واللذاذة والرضاع والرضاعة. قال الشاعر: شعر : تُحيّى بالسلامة أم بكر وهل لك بعد رهطك من سلام تفسير : فسميت الجنة دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات. قال الله تعالى: {أية : ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ}تفسير : [الحجر: 46]، وقال ذو النون المصري: سميت بذلك لأن من دخلها سلم من القطيعة والفراق، وقيل: أراد به التحية يقال: سلم تسليماً وسلاماً كما يقال: كلم تكليماً وكلاماً فسميت الجنة دار السلام لأن أهلها يحيي بعضهم بعضاً والملائكة يسلمون عليهم، وقال الحسن: السلام لا ينقطع عن أهل الجنة وهو تحيتهم. وقال أبو بكر الوراق: سميت بذلك لأن من دخلها سلم عليه المولى وذلك أن الله يعلم ما فيه أهل الجنة من ذكر الذنوب والهيبة لعلاّم الغيوب فيبدأهم بالسلام والتحية لهم تقريباً وإيناساً وترحيباً. قال جابر بن عبد الله خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: "حديث : إني رأيت في المنام كأن جبرائيل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا فقال: اسمع سمعت اذنك واعقل عقل قلبك إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ داراً ثم بنى فيها بيتاً ثم جعل فيها مأدبة ثم بعث رسولا يدعوهم إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه، فالله هو الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة وأنت يا محمد الرسول، من أجابك دخل الإسلام ومن دخل الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل مما فيها ". تفسير : قال يحيى بن معاذ: يا ابن آدم دعاك الله إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه فإن أجبته من دنياك دخلتها وإن أجبته من قبرك منعتها ثم قال: {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} عمّ بالدعوة إظهاراً لحجته وخصّ بالهداية استغناءً عن خلقه، وقيل: الدعوة إلى الدار عامة لأنها الطريق إلى النعمة وهداية الصراط خاصة لأنها الطريق إلى المنعم.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والرسول صلى الله عليه وسلم حين ضاق ذرعاً بالكافرين من صناديد قريش دعا عليهم أن يهديهم الحق بسنين الجدب كالسنين التي أصابت مصر واستطاع سيدنا يوسف عليه السلام أن يدبر أمرها، فسلط الحق سبحانه على قريش الجدب والقحط، ثم جاء لهم بالرحمة من بعد ذلك. وكان من المفروض أن يرجعوا إلى الله، وأن يؤمنوا برسالة رسوله صلى الله عليه وسلم، بعد أن علموا أن ما مسَّهم من القحط ومن الجدب كان بسبب دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم اجعلها عليهم سنين كَسِنِيِّ يوسف ". تفسير : وانتهت السنوات السبع وجاءت لهم الرحمة ممثلة في المطر، ولم يلتفتوا إلى ضرورة شكر الله والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم ظلوا يبحثون عن أسباب المطر، فمنهم من قال: لقد جاء مطرنا نتيجة لِنوْءِ كذا، ولأن الرياح هبَّت على مناطق كذا، وفعلوا ذلك دون التفات لانتهاء دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثلهم مَثَل مَنْ جلس يبحث في أسباب النصر في الحرب، وجعلوا أسبابها مادية في العُدَّة والعتاد، ولا أحد ينكر أهمية الاستعداد للقتال وجدواه، ولكن يبقى توفيق الله سبحانه وتعالى فوق كل اعتبار؛ لأن المؤمنين بالله الذين استعدوا للقتال ودخلوا المعارك وجدوا المعجزات تتجلى بنصر الله؛ لأن الحق سبحانه ينصر مَنْ ينصره. أما الذين يحصرون أسباب النصر في الاستعداد القتالي فقط، فالمقاتلون الذين خاضوا الحرب بعد التدريب الجاد، يعلمون أن التدريب وحده لا يصنع روح المقاتل، بل تصقل روحه رغبته في القتال ونَيْل الشهادة ودخول الجنة. إذن: فلمدد السماء مدخل، ومَن رأى من المقاتلين آية مخالفة لنواميس الكون، فليعلم علم اليقين أن يد الله كانت فوق أيدي المؤمنين المقاتلين. ومن يدعي أن أي نصر هو نتيجة للحضارة، يجد الرد عليه من المقاتلين أنفسهم بأن الحضارة بلا إيمان هي مجرد تقدم مادة هش لا يصنع نصراً، والنصر لا يكون بالمادة وحدها، وقد أمرنا الله بحسن الاستعداد المادي، ولكن النصر يكون بالإيمان فوق المادة. ولذلك نجد مَنْ خاضوا حربنا المنتصرة في العاشر من رمضان 1393هـ يعلمون أن مدد الله كان معهم بعد أن أحسنوا الاستعداد، ولا أحد من المقاتلين يصدق أن الاستعداد المادي وحده يمكن أن يكفي للنصر، إنه ضرورة، ولكن بالإيمان وحسن استخدام السلاح يكون النصر؛ ولذلك لا يصدق المقاتلون من ينسب النصر للمادة وحدها، وينسحب عدم التصديق على كل ما يقوله من ينكر دور الإيمان في الانتصار. وهكذا نجد أن مَنْ يجرد النصر من قيمة الإيمان إنما يخدم الإيمان؛ لأن إنكار الإيمان يقلل من قيمة الرأي المادى. وهكذا ينصر الله دينه حتى يثبته في قلوب جنده، ويقلل من قيمة ومكانة مَنْ ينكرون قيمة الإيمان. ومثال هذا في تاريخ الإسلام أن اليهود الذين كانوا يستفتحون على أهل المدينة من الأوس والخزرج بأن رسولاً سوف يظهر، وأنهم - أي: اليهود - سيتبعونه، وسوف يقتلون العرب من الأوس والخزرج قَتْل عادٍ وإرم. ولما جاء وقت ظهور محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بمكة، أسرعت الأوس والخزرج إلى الإيمان به، وقالوا: إنه النبي الذي تهددنا به يهود، فَلْنسبق إليه حتى لا يسبقونا. هكذا كانت كلمة اليهود هي دافع الأوس والخزرج إلى الإيمان. إذن: فالله ينصر دينه بالفاجر، رغم ظن الفاجر أنه يكيد للدين. وكذلك حين جاءت لهم الرحمة بعد القحط أرجفوا وظلوا يحللون سبب سقوط المطر بأسباب علمية محدودة بالمادة، لا بالإيمان الذي فوق المادة. ولذلك يقول الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} [يونس: 21]. والمكر: هو الكلام الملتوي الذي لا يريد أن يعترف برحمة الله، والادعاء بأن نوء كذا هو السبب في سقوط المطر، وبرج كذا هو السبب في سقوط المطر. وقوله الحق: {مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا} والمكر هو الكيد الخفي، والمقصود به هنا محاولة الالتفاف؛ لتجريد العجائب من صنع الله لها، وحتى العلم وقوانينه فهو هبة من الله، والحق هو القادر على أن يوقف الأسباب وأن يفعل ما يريد وأن يخرق القوانين، فهو سبحانه رب القوانين، فلا تنسبوا أي خبر إلا له سبحانه؛ حتى لا نضل ضلال الفلاسفة الذين قالوا بأن الله موجود، وهو الذي خلق الكون وخلق النواميس؛ لتحكم الكون بقوانين. ونقول: لو خلق الحق سبحانه القوانين والنواميس وتركها تتحكم لما شَذَّ شيء عن تلك القوانين، فالمعجزات مع الرسل ـ على سبيل المثال ـ كانت خروجاً عن القوانين. وأبقى الله في يده التحكُّم في القوانين، صحيح أنه سبحانه قد أطلقها، ولكنه ظل قيُّوماً عليها، فيعطل القانون متى شاء ويبرزه متى شاء ويُوجِّه كيفما شاء. والمكر كما نعلم مأخوذ من التفاف أغصان الشجرة كالضفيرة، فلا تتعرف على منبت ورقة الشجر ومن أي غصن خرجت، فقد اختلطت منابت الأوراق؛ حتى صارت خفية عليك، وأخذ من ذلك الكيد الخفيّ، وأنت قد تكيد لمساويك، لكنك لن تقدر على أن تكيد لمن هو أعلى منك، فإن كنتم تمكرون فإن الله أسرع مكراً، والحق سبحانه يقول: {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً}، وهذه اسمها "مشاكلة التعبير". أي: عليك أن تأخذ ذلك في مقابله في ذات الفاعل والفعل، ولكن لا تأخذ من هذا القول اسماً لله، فإياك أن تقول: إن الله - سبحانه وتعالى - ماكر؛ لأن المكر كيد خفيٌّ تفعله أنت مع مساويك، ولكنك لن تستطيع ذلك مع من هو مُطَّلع على كيدك، ولا تطّلع أنت على ما يشاء لك. وانظر إلى أي جماعة تكيد لأي أمر، وستجد من بينهم من يبلغ عنهم السلطات، وأجهزة الأمن، فإذا كان كيد البشر للبشر مفضوحاً بمن يشي منه بالآخرين، بل هناك من البشر غير الكائدين من يستطيع بنظرته أن يستنبط ويستكشف من يكيدون له. وهناك من الأجهزة المعاصرة ما تستطيع تسجيل مكالمات الناس والتنصُّت عليهم؛ وكل ذلك مكر من البشر للبشر، فما بالنا إن كاد الله لأحد، وليس هناك أحد مع الله ـ سبحانه وتعالى ـ ليبلغنا بكيده، ولا أحد يستطيع أن يتجسَّس عليه؟! مكر الله سبحانه - إذن - أقوى من أي مكرٍ بشري؛ لأن مكر البشر قد يُهدَم من بعض الماكرين أو من التجسس عليهم، لكن إذا كاد الله لهم، أيعلمون من كيده شيئاً؟ طبعاً لا يعلمون. وكلمة {أَسْرَعُ مَكْراً} تلفتك إلى أن هناك اثنين يتنافسان في سباق، وحين تقول: فلان أسرع من فلان، فمعنى ذلك: أن كلاّ منهما يحاول الوصول إلى نفس الغاية، لكن هناك واحداً أسرع من الآخر في الوصول إلى الغاية. ومكركم البشري هو أمر حادث، لكن الله - سبحانه - أزلي الوجود، يعلم كل شيء قبل أن يقع، ويرتِّب كل أمر قبل أن يحدث؛ لذلك فهو الأسرع في الرد على مكركم، إن مكرتم. وهناك يقول الحق سبحانه: {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا} و"إذا" الأولى ظرف، أما إذا الثانية فهي "إذا الفجائية" مثلما تقول: خرجت فإذا الأسد بالباب. وهم حين أنزل الحق لهم الأمطار رحمة منه، فهم لا يهدأون ويستمتعون ويذوقون رحمة الله تعالى بهم من الماء الذي جاءهم من بعد الجدب، بل دبروا المكر فجأة، فيأتي قول الحق سبحانه: {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ}. وهكذا ترى أن ما يبطل كيد الماكرين من البشر، يكون بإحدى تلك الوسائل: إما أن يكون بوشاية من أحد الماكرين، وإما أن يكون بقوة التخابر من الغير، وإما أن يكون من رسل العليّ القدير وهم الملائكة الذين يكتبون كل ما يفعله البشر، فسبحانه القائل: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}تفسير : [الانفطار: 10ـ12]. واقرأ أيضاً قول الحق سبحانه: {أية : ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}تفسير : [الإسراء: 14]. وجاء الحق سبحانه بكل ما سبق؛ لأنه سبحانه قد شاء أن يعطي لقريش فرصة التراجع في عنادها للرسول صلى الله عليه وسلم، هذا العناد الذي قالوا فيه: إنهم يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم، وهذا قول مغلوط؛ لأن الآباء في الأصل كانوا مؤمنين، ولكن جاءهم الضلال كأمر طارىء، والأصنام التي عبدوها طارئة عليهم من الروم، جاء بها إنسان ممن ساحوا في بلاد الروم هو "عمرو بن لحيّ"، فإن رجعتُم إلى الإيمان بعد عنادكم؛ فهذا هو الطريق المستقيم الذي كان عليه آباؤكم بالفطرة والميثاق الأول. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا} [الآية: 21] يعني: استهزاءً بالرسل وتكذيباً بالْقرآن. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد قال: {ٱلْحُسْنَىٰ} مثلها حسنى والزيادة "مغفرة ورضوان" [الآية: 26]. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} [الآية: 29]. قال: هذا قول كل شيءٍ كان يعبد من دون الله عز وجل.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى الأدلة على فساد عبادة الأوثان، وشبهات المشركين حول الرسالة والقرآن، ذكر هنا أن عادة هؤلاء الأشقياء المكرُ، والجحودُ، والعِنَاد، فإن أصابتهم الشدة تضرّعوا، وإن جاءتهم الرحمة بطروا وكفروا، ثم ضرب تعالى المثل بالحياة الدنيا في الزوال والفناء، ثم عاد إِلى ذكر الأدلة والبراهين، على وحدانية الله ربّ العالمين. اللغَة: {عَاصِفٌ} العاصف: الريح الشديدة التي تعصف بالأوراق والأشجار، قال الفراء: يقال عصفت الريح وأعصفت أي اشتدت قال الشاعر: شعر : إن الرياح إذا ما أعصَفَتْ قَصَفَتْ عيدانَ نجدٍ ولا يَعْبأنَ بالرّتم تفسير : {ٱلْمَوْجُ} ما ارتفع من الماء فوق البحر، سُمّي موجاً لاضطرابه {زُخْرُفَهَا} الزخرف: كمالُ حسنِ الشيء ونضارتُه، سُمّي زخرفاً لبهجته ونضارته {تَغْنَ} غني بالمكان إِذا أقام به وعَمره {يَرْهَقُ} يغشى ويعلو يقال: رهقه الذل أي غشيه {قَتَرٌ} القَتَر والقترة: الغبار الذي معه سواد قال تعالى {أية : تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} تفسير : [عبس: 41] أي تعلوها غَبَرة جهنم، وقيل: القَتَر الغبارُ وإن لم يكن معه سواد قال الفرزدق: شعر : متوّجٌ برداء الملك يتبعه موجٌ ترى فوقه الراياتِ والقَتَرا تفسير : {زَيَّلْنَا} فرَّقنا وميّزنا {تُؤْفَكُونَ} تصرفون عن الحق إِلى الباطل. التفسِير: {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ} المراد بالناس كفار مكة رُوي أن الله سلّط عليهم القحط سبع سنين حتى كادوا يهلكون فطلبوا منه صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم بالخصب ووعدوه بالإِيمان فلما رحمهم الله بإنزال المطر رجعوا إلى الكفر والعناد والمعنى: وإذا أذقنا هؤلاء المشركين رخاءً بعد شدة، وخصباً بعد جدبٍ أصابهم {إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا} قال مجاهد: استهزاءٌ وتكذيب {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً} أي أعجل عقوبة على جزاء مكرهم {إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} أي إنَّ الملائكة الحفظة يكتبون مكركم ويسجّلون إجرامكم، وفيه تنبيهٌ على أن ما دبَّروه غير خاف على الحفظة فضلاً عن العليم الخبير {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} أي هو تعالى بقدرته الذي يحملكم في البر على الدواب، وفي البحر على السفن التي تسير على وجه الماء {حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ} أي حتى إذا كنتم في البحر على ظهور هذه السفن {وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} فيه التفاتٌ أي وجرين بهم بالريح الليِّنة الطرية التي تسيِّر السفن {وَفَرِحُواْ بِهَا} أي فرح الركاب بتلك الريح الطيبة {جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ} أي وفجأةً جاءتها الريح الشديدة العاصفة المدمّرة {وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ} أي وأحاطت بهم أمواج البحار من كل جهة {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} أي أيقنوا بالهلاك {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي أخلصوا الدعاء لله وتركوا ما كانوا يعبدون، قال القرطبي: وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إِلى الله في الشدائد، وأن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافراً، لانقطاع الأسباب، ورجوعه إلى ربّ الأرباب {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} أي لئن أنقذتنا من هذه الشدائد والأهوال لنكونن من الشاكرين لك على نعمائك، والعاملين بطاعتك ومرضاتك قال في البحر: ومعنى الإِخلاص إفراده بالدعاء من غير إشراك أصنام وغيرها وقال الحسن: مخلصين لا إخلاص إيمان ولكن لأجل العلم بأنهم لا ينجيهم من ذلك إلا الله فيكون ذلك جارياً مجرى الإِيمان الاضطراري {فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي فلما خلّصهم وأنقذهم إِذا هم يعملون في الأرض بالفساد والمعاصي قال ابن عباس: يبغون بالدعاء فيدعون غير الله ويعملون بالمعاصي قال تعالى رداً عليهم {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} أي وبالُ البغي عليكم، ولا يجني ثمرته إلا أنتم {مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي تتمتعون في هذه الحياة بالشهوات الفانية، التي تعقبها الحسرات الباقية {ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي مرجعكم بعد الموت إلينا فنجازيكم عليها، وفي هذا وعيدٌ وتهديد. والآية الكريمة تمثيلٌ لطبيعة الإِنسان الجحود، لا يذكر الله إلا في ساعة العسرة، ولا يرجع إليه إلا وقت الكرب والشدة، فإِذا نجّاه الله من الضيق، وكشف عنه الكرب، رجع إلى الكفر والعصيان، وتمادى في الشرِّ والطغيان. ثم ضرب تعالى مثلاً للحياة الدنيا الزائلة الفانية وقصَّر مدة التمتع بها فقال {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ} أي صفة الحياة الدنيا وحالها العجيبة في فنائها وزوالها، وذهاب نعيمها واغترار الناس بها كمثل مطر نزل من السماء فنبت به أنواع من النبات مختلط بعضها ببعض قال ابن عباس: اختلط فنبت بالماء كلُّ لون {مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلأَنْعَامُ} أي مما يأكله الناس من الحبوب والثمار والبقول، والأنعامُ من الكلأ والتبن والشعير {حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا} أي أخذت حسنها وبهجتها {وَٱزَّيَّنَتْ} أي تزينت بالحبوب والثمار والأزهار، وهو تمثيلٌ بالعروس إِذا تزينت بالحلي والثياب {وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ} أي وظنَّ أصحابها أنهم متمكنون من الانتفاع بها، محصّلون لثمرتها وغلّتها {أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً} أي جاءها قضاؤنا بهلاك ما عليها من النبات إمّا ليلاً وإمّا نهاراً {فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً} أي محصودة مقطوعة لا شيء فيها كالذي حصد بالمناجل {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ} أي كأنها لم تكن عامرة قائمة على ظهر الأرض قبل ذلك {كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي مثل ما بينا هذا المثل الرائع للحياة الدنيا نبيّن الآيات ونضرب الأمثال لقوم يتفكرون فيعتبرون بهذه الأمثال قال الألوسي: وتخصيصُهم بالذكر لأنهم المنتفعون {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ} أي يدعو إلى الجنة دار السرور والإِقامة {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي يوصل من شاء هدايته إلى الطريق المستقيم وهو دين الإِسلام {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ} أي للذين أحسنوا بالإِيمان والعمل الصالح لهم الحسنى أي الجنة {وَزِيَادَةٌ} وهي النظر إلى وجه الله الكريم {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ} أي ولا يغشى وجوههم غبار ولا سواد كما يعتري وجوه أهل النار {وَلاَ ذِلَّةٌ} أي هوانٌ وصغار {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي دائمون لا زوال فيها ولا انقراض لنعيمها بخلاف الدنيا وزخارفها {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} أي والذين عملوا السيئات في الدنيا فعصوا الله وكفروا فسيجزون على السيئةِ بمثلها لا يزادون على ذلك، فالحسناتُ مضاعفة بفضل الله، والسيئات جزاؤها بالمثل عدلاً منه تعالى {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أي تغشاهم ذلة وهوان {مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} أي ليس لهم أحد يعصمهم أو يمنعهم من سخط الله تعالى وعقابه {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ مُظْلِماً} أي كأنما أُلبست وجوههم من فرط السواد والظلمة قطعاً من ظلام الليل {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي لا يخرجون منها أبداً {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} أي نجمع الفريقين للحساب: المؤمنين والكافرين ثم نقول للذين أشركوا بالله {مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ} أي الزموا مكانكم أنتم والذين عبدتموهم لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل الله بكم {فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} أي ففرقنا وميزنا بينهم وبين المؤمنين كقوله {أية : وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} تفسير : [يس: 59] {وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} أي تبرأ منهم الشركاء وهم الأصنام الذين عبدوهم من دون الله قال مجاهد: يُنطق الله الأوثان فتقول: ما كنا نشعر بأنكم إيانا تعبدون وما أمرناكم بعبادتنا كقوله {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ} تفسير : [البقرة: 166] {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} أي تقول الشركاء للمشركين يوم القيامة: حسبنا الله شاهداً بيننا وبينكم {إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} أي ما كنا عن عبادتكم لنا إلا غافلين، لا نسمع ولا نبصر ولا نعقل، لأنا كنا جماداً لا روح فينا {هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ} أي في ذلك الوقت تُختبر كلُّ نفسٍ بما قدمت من خير أو شر، وتنال جزاء ما عملت {وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ} أي ردّوا إلى الله تعالى المتولي جزاءهم بالعدل والقسط {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي ضاع وذهب عنهم ما كانوا يزعمونه من أن الأوثان تشفع لهم، وفي الآية تبكيتٌ شديدٌ للمشركين الذين عبدوا ما لا يسمع ولا يُبصر ولا يُغني عنهم شيئاً {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} في هذه الآيات الأدلةُ على وحدانية الله وربوبيته أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين من ينزل لكم الغيث والقطر، ويخرج لكم الزروع والثمار؟ {أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ} أي من ذا الذي يملك أسماعكم وأبصاركم، التي تسمعون وتبصرون بها؟ ومن يستطيع أن يردها لكم إذا أراد الله أن يسلبكموها؟ كقوله {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ} تفسير : [الأنعام: 46] الآية {وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ}؟ أي من يخرج الإِنسان من النطفة، والطير من البيضة، والسنبلة من الحبة، والنبات من الأرض، والمؤمن من الكافر؟ {وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} أي ومن يدبّر أمر الخلائق، ويصرِّف شئون الكائنات؟ {فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ} أي فسيقرون بأن فاعل ذلك كلِّه هو الله ربُّ العالمين، إذ لا مجال للمكابرة والعناد لغاية وضوحه {فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أي قل لهم يا محمد أفلا تخافون عقابه ونقْمته بإِشراككم وعبادتكم غير الله؟ {فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ} أي هذا الذي يفعل هذه الأشياء الجليلة هو ربكم الحق، الثابت ربوبيتُه ووحدانيتُه بالبراهين القاطعة {فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} استفهام انكاري أي ليس بعد الحق إلا الضلال، فمن تخطى الحق الذي هو عبادة الله تعالى وقع في الضلال {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} أي فكيف تُصرفون عن عبادة الله، إلى عبادة ما لا يخلق ولا يرزق، ولا يحيي ولا يميت؟ {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} أي كذلك وجب قضاء الله وحكمه السابق {عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوۤاْ} أي على الذين خرجوا عن الطاعة وكفروا وكذبوا {أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي لأنهم لا يصدّقون بوحدانية الله ورسالة نبيّه، فلذلك حقت عليهم كلمة العذاب لشقاوتهم وضلالتهم {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي قل لهم يا محمد على جهة التوبيخ والتقريع: هل من الأوثان والأصنام من ينشيء الخلق من العدم ثم يفنيه، ثم يعيده ويحييه؟ قال الطبري: ولما كانوا لا يقدرون على دعوى ذلك، وفيه الحجة القاطعة، والدلالة الواضحة على أنهم في دعوى الأرباب كاذبون مفترون، أُمر صلى الله عليه وسلم بالجواب {قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي قل لهم يا محمد: الله وحده هو الذي يحيي ويميت، ويبدأ ويُعيد، وليس أحدٌ من هؤلاء الآلهة المزعومة يفعل ذلك {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} أي فكيف تنقلبون وتنصرفون عن الحق إلى الباطل؟ {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ} توبيخٌ آخر في صورة استفهام أي قل لهؤلاء المشركين هل من هذه الآلهة التي تعبدونها من يرشد ضالاً؟ أو يهدي حائراً؟ أو يدل على طريق الحق وسبيل الاستقامة؟ {قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ} أي فقل لهم: إن عجزتْ آلهتكم عن ذلك فالله هو القادر على هداية الضالّ، وإنارة السبيل، وبيان الحق {أَفَمَن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ} أي أفمن يرشد إِلى الحق وهو الله سبحانه وتعالى أحقُّ بالاتباع أم هذه الأصنام التي لا تهدي أحداً؟ ولا تستطيع هداية نفسها فضلاً عن هداية غيرها؟ {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} أي ما لكم أيها المشركون تسوّون بين الأصنام وبين ربّ الأرباب، وتحكمون بهذا الباطل الصُراح؟ وهو استفهام معناه التعجب والإِنكار، ثم بيّن تعالى فساد نحلتهم بعد أن أفحمهم بالبراهين النيرة التي توجب التوحيد وتبطل التقليد فقال {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً} أي وما يتبعون في اعتقادهم ألوهية الأصنام، إلا اعتقاداً غير مستند لدليل أو برهان، بل مجرد أوهام باطلة، وخرافات فاسدة {إِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً} أي ومثل هذا الاعتقاد المبني على الأوهام والخيالات، ظنٌ كاذب لا يغني من اليقين شيئاً، فليس الظنُّ كاليقين {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} أي عالمٌ بما هم عليه من الكفر والتكذيب، وهو وعيدٌ على اتباعهم للظنّ، وإعراضهم عن البرهان، ثم بيَّن تعالى صدق النبوة والوحي فقال {وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي لا يصح ولا يعقل، ولا يستقيم لذي عقل سليم، أن يزعم أن هذا القرآن مفترى مكذوب على الله، لأنه فوق طاقة البشر {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي ولكنّه جاء مصدقاً لما قبله من الكتب السماوية كالتوراة والإِنجيل {وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ} أي وفيه تفصيلُ وتبيينُ الشرائع والعقائد والأحكام {لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي لا شك في أنه تنزيل ربّ العالمين {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} أي بل أيقولون اختلق محمد هذا القرآن من قبل نفسه؟ وهو استفهام معناه التقريع {قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ} أي إِن كان كما زعمتم فجيئوا بسورةٍ مثل هذا القرآن، وهو تعجيزٌ لهم وإقامة حجة عليهم {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ} أي ادعوا من دونه تعالى من استطعتم من خلقه، من الإِنس والجن للاستعانة بهم {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي إن كنتم صادقين في أن محمداً افتراه قال الطبري: والمراد أنكم إن لم تفعلوا فلا شك أنكم كذبة، لأن محمداً لن يَعْدوَ أن يكون بشراً مثلكم، فإذا عجز الجميعُ من الخلق أن يأتوا بسورةٍ مثلِه، فالواحد منهم أن يأتي بجميعه أعجز، قال تعالى {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ} أي بل كذب هؤلاء المشركون بالقرآن العظيم، وسارعوا إلى الطعن به قبل أن يفقهوه ويتدبروا ما فيه، والناس دائماً أعداء لما جهلوا {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} أي والحال لم يأتهم بعد عاقبة ما فيه من الوعيد {كَذَلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي مثل تكذيب هؤلاء كذبت الأمم الخالية قبلهم {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ} أي فانظر يا محمد كيف أخذهم الله بالعذاب والهلاك بسبب ظلمهم وبغيهم، فكما فعل بأولئك يفعل بهؤلاء الظالمين الطاغين. البَلاَغَة: 1- {أَسْرَعُ مَكْراً} تسمية عقوبة الله مكراً من باب "المشاكلة". 2- {وَجَرَيْنَ بِهِم} فيه التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة وحكمته زيادة التقبيح والتشنيع على الكفار لعدم شكرهم النعمة. 3- {أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا} هذا من بديع الاستعارة شبّه الأرض حينما تتزين بالنبات والأزهار بالعروس التي تتزين بالحليّ والثياب واستعير لتلك البهجة والنضارة لفظ الزخرف. 4- {أَتَاهَآ أَمْرُنَا} الأمر هٰهنا كناية عن العذاب والدمار. 5- {أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ} بينهما جناس الإِشتقاق. 6- {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ} فيه تشبيه مرسلٌ مجمل. 7- { يَبْدَأُ.. ثُمَّ يُعِيدُهُ} بينهما طباقٌ. 8- {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} الاستفهام للتوبيخ، ومثله {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}؟ 9- {بَيْنَ يَدَيْهِ} استعارة لطيفة والمراد لما سبقه من التوراة والإِنجيل فإِنها قد بشرت به. لطيفَة: يقول شهيد الإِسلام "سيد قطب" في تفسيره الظلال: "ما يزال البشر يكشفون كلما اهتدوا إلى نواميس الكون عن رزقٍ بعد رزق في السماء والأرض، يستخدمونه أحياناً في الخير، ويستخدمونه أحياناً في الشر، حسبما تَسْلَم عقائدهم أو تعتل، وكلُّه من رزق الله المسخّر للإِنسان، فمن سطح الأرض أرزاق، ومن جوفها أرزاق، ومن سطح الماء أرزاق، ومن أعماقه أرزاق، ومن أشعة الشمس أرزاق، ومن ضوء القمر أرزاق، حتى عفن الأرض كشف فيه العلم عن دواء وترياق" وصدق الله {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}؟
الأندلسي
تفسير : {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ} الآية، سبب نزولها أنه لما دعا على أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجدب قحطوا سبع سنين فأتاه أبو سفيان فقال: ادع لنا بالخصب فإِن أخصبنا صدقناك فسأل الله تعالى لهم فسقوا ولم يؤمنوا. والرحمة هنا الغيث بعد القحط والأمن بعد الخوف، والصحة بعد المرض، والغنى بعد الفقر، وما أشبه ذلك. ومعنى مستهم خالطتهم وفي هذه الجملة دليل على سرعة تقلب آدم من حالة الخير إلى حالة الشر، وذلك بلفظ أذقنا، كأنه قيل: أول ذوقه الرحمة قبل أن يداوم استعظامها مكر، وبلفظ من المشعرة بابتداء الغاية أي ينسى المكر أثر كشف الضر لا يمهل ذلك وبلفظ إذا الفجائية الواقعة جواباً لإِذا الشرطية أي في وقت إذاقة الرحمة فاجأوا بالمكر ولما كانت هذه الجملة كما قلنا تتضمن سرعة المكر منهم قيل: {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً} فجاءت أفعل التفضيل. ومعنى وصف المكر بالاسراعية أنه تعالى قبل أن تدبروا مكائدكم قضى بعقابكم وهو موقعة بكم واستدرجكم بإمهاله. {ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} مناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ذكر أن الناس إذا أصابهم الضر لجأوا إلى الله تعالى وإذا أذاقهم الرحمة عادوا إلى عادتهم من إهمال جانب الله تعالى والمكر في آياته، وكان المذكور في الآيتين أمراً كلياً أوضح ذلك الأمر الكلي بمثال جليّ كاشف عن حقيقة ذلك المعنى الكلي، ينقطع فيه رجاء الإِنسان عن كل متعلق به إلا الله تعالى فيخلص له الدعاء وحده في كشف هذه النازلة التي لا يكشفها إلا هو تعالى. وقرىء: ينشركم من النشر والبث ويسيركم من التسيير. {وَجَرَيْنَ} النون عائدة على الفلك ويراد به الجمع إذ الفلك يكون مفرداً كقوله: {أية : فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} تفسير : [الشعراء: 119، يس: 41]، ويكون جمعاً كهذا ولهذا عاد الضمير عليه جمعاً. والباء في "بهم" للتعدية وفي "بريح" للسبب. وفي قوله: بهم، التفات إذ هو خروج من خطاب في قوله: كنتم، إلى غيبة في قوله: بهم وفرحوا وما بعد ذلك من ضمير الغيبة. قال الزمخشري: فائدة الإِلتفات في قوله: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم المبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها وتستدعي منهم الإِنكار والتقبيح. "انتهى". والذي يظهر والله أعلم أن حكمة الإِلتفات هنا هي أن قوله: هو الذي يسيركم في البر والبحر، خطاب فيه امتنان وإظهار نعمه للمخاطبين والمسيرون في البر والبحر مؤمنون وكفار. والخطاب شامل فحسن خطابهم بذلك ليستديم الصالح على الشكر ولعل الطالح يتذكر هذه النعمة فيرجع، فلما ذكرت حالهُ آل الأمر في آخرها إلى أن المتلبس بها هو باغ في الأرض بغير الحق عدل عن الخطاب إلى الغيبة حتى لا يكون المؤمنون يخاطبون بصدور مثل هذه الحالة التي آخرها البغي. وقوله: {جَآءَتْهَا} جواب إذا. و{عَاصِفٌ} صفة لريح على معنى النسب، أي ذات عصف إذ لو كانت جارية على الفعل لكانت بالتاء كقوله تعالى: {أية : وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً}تفسير : [الأنبياء: 81]. والمعنى من كل مكان من أمكنة الموج والظن هنا على بابه الأصلي من ترجيح أحد الجائزين. ومعنى: {أُحِيطَ بِهِمْ} أي للهلاك كما يحيط العدو بمن يريد إهلاكه، وهي كناية عن استيلاء أسباب الهلاك. {دَعَوُاْ ٱللَّهَ} جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: فما كان حالهم في تلك الشدة؟ قيل: دعوا الله. {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا} اللام موطئة لقسم محذوف في موضع الحال تقديره مقسمين. {مِنْ هَـٰذِهِ} أي من هذه الشدة. {فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ} الآية، وجواب لما إذا الفجائية وما بعدها ومجيء إذا وما بعدها جواباً لها، دليل على أنها حرف يترتب ما بعدها من الجواب على ما قبلها من الفعل الذي بعد لما وانها تفيد الترتيب والتعليق في المعنى، وانها كما قال سيبويه: حرف. ومذهب غيره: انها ظرف. وقد أوضحنا ذلك فيما كتبناه في علم النحو. والجواب بإٍذا الفجائية دليل على أنه لم يتأخر بغيهم عن إنجائهم بل بنفس ما وقع الانجاد وقع البغي. قال ابن عباس: يبغون بالدعاء إلى عبادة غير الله والعمل بالمعاصي والفساد. والخطاب "بيا أيها الناس" قال الجمهور: لأهل مكة والذي يظهر أنه خطاب لأولئك الذين أنجاهم الله بغوا، ويحتمل كما قالوا العموم، فيندرج أولئك فيهم وهذا ذم للبغي في أوجز لفظ، ومعنى على أنفسكم وبال البغي ولا يجني ثمرته إلا أنتم. وقرىء: متاع بالنصب على الظرف، أي وقت متاع الحياة الدنيا. وقرىء: متاع بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هو متاع، وأجاز النحاس وتبعه الزمخشري أن يكون على أنفسكم متعلقاً بقوله: بغيكم كما تعلق في قوله: فبغي عليهم ويكون الخبر متاع إذا رفعته. ومعنى: {عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} أي على أمثالكم، والذين جنسكم جنسهم يعني بغي بعضكم على بعض منفعة الحياة الدنيا. {إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} الآية مناسبتها لما قبلها أنه لما قال: يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم، ضرب مثلاً عجيباً غريباً للحياة الدنيا بذكر من سعى فيها على سرعة زوالها وانقضائها وأنها بحال ما تغر وتسر تضمحل ويؤول أمرها إلى الفناء. والمثل هنا يحتمل أن يراد به الصفة، وأن يراد به القول السائر المشبه به حال الثاني بالأول ومن السماء اما أن يراد به من السحاب واما أن يراد من جهة السماء. والظاهر أن النبات اختلط بالماء ومعنى الاختلاط تشبثه به وتلفقه إياه وقبوله له لأنه يجري له مجرى الغذاء، فتكون الباء للمصاحبة وكل مختلطين يصح في كل منهما أن يقال: اختلط بصاحبه. ولما كان النبات ينقسم إلى مأكول وغيره بين أن المراد أحد القسمين بمن فقال: {مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ} كالحبوب والثمار والبقول والأنعام كالحشيش وسائر ما يرعى، ومما يأكل حال النبات. والعامل فيه محذوف تقديره كائناً مما يأكل. وما موصولة صلته يأكل. والضمير محذوف تقديره يأكله الناس. وحتى: غاية، فيحتاج أن يكون الفعل الذي قبلها متطاولاً حتى تصح الغاية، فأما أن يقدر قبلها محذوف، أي فما زال ينمو حتى إذا او يتجوز في فاختلط، ويكون معناه فدام اختلاط النبات بالماء حتى إذا.. وقوله: {أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ} جملة بديعة اللفظ جعلت الأرض آخذة زخرفها متزينة، وذلك على جهة التمثيل بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة في كل لون فاكتست وتزينت بأنواع الحلي فاستعير الأخذ وهو التناول باليد لاشتمال نبات الأرض على بهجة ونضارة وألوان مختلفة. واستعير لتلك البهجة والنضارة والألوان المختلفة لفظ الزخرف وهو الذهب لما كان من الأشياء البهجة المنظر السارة للنفوس. وازينت أي بنباتها وما أودع فيها من الحبوب والثمار والأزهار. {أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ} أي على التمكن من تحصيلها ومنفعتها ورفع غلتها وذلك لحسن نموها وسلامتها من العاهات. فالضمير في أهلها عائد على الأرض، وهو على حذف مضاف، أي على ما أودعها من الغلات وما ينتفع به. وجواب إذا قوله: {أَتَاهَآ أَمْرُنَا} كالريح والصر والسموم، وغير ذلك من الآفات كالفأر والجراد. وقيل: اتاها أمرنا بإِهلاكها. وابهم في قوله: {لَيْلاً أَوْ نَهَاراً} وقد علم تعالى متى يأتيها أمره. أو تكون أو للتنويع، لأن بعض الأرض يأتيها أمره ليلاً وبعضها نهاراً، ولا يخرج كائن عن وقوعه. والحصيد فعيل بمعنى مفعول أي المحصود وعبر بحصيد عن التألف استعارة، جعل ما هلك من الزرع بالآفة قبل أوانه حصيد العلاقة بينهما من الطرح على الأرض. {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ} مبالغة في التلف والهلاك حتى كأنها لم توجد قبل ولم تقم بالأرض للحبة خضرة نضرة تسر أهلها. {كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} أي مثل هذا التفصيل الذي فصلناه في الماضي نفصل في المستقبل. {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ} لما ذكر تعالى مثل الحياة الدنيا وما تؤول إليه من الفناء والاضمحلال وما تضمنته من الآفات والعاهات، ذكر أنه داع إلى دار السلامة والصحة والأمن وهي الجنة، وأهلها سالمون من كل مكروه. ولما كان الدعاء عاماً لم يتقيد بالمشيئة، ولما كانت الهداية خاصة تقيدت بالمشيئة فقال: {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} هدايته.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ } كالصحة بعد المرض، والغنى بعد الفقر، والأمن بعد الخوف، نسوا ما أصابهم من الضراء، ولم يشكروا الله على الرخاء والرحمة، بل استمروا في طغيانهم ومكرهم. ولهذا قال: { إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا } أي يسعون بالباطل، ليبطلوا به الحق. { قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا } فإن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، فمقصودهم منعكس عليهم، ولم يسلموا من التبعة، بل تكتب الملائكة عليهم ما يعملون، ويحصيه الله عليهم، ثم يجازيهم [الله] عليه أوفر الجزاء.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):