Verse. 1384 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

وَيَقُوْلُوْنَ لَوْلَاۗ اُنْزِلَ عَلَيْہِ اٰيَۃٌ مِّنْ رَّبِّہٖ۝۰ۚ فَقُلْ اِنَّمَا الْغَيْبُ لِلہِ فَانْتَظِرُوْا۝۰ۚ اِنِّىْ مَعَكُمْ مِّنَ الْمُنْتَظِرِيْنَ۝۲۰ۧ
Wayaqooloona lawla onzila AAalayhi ayatun min rabbihi faqul innama alghaybu lillahi faintathiroo innee maAAakum mina almuntathireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويقولون» أي أهل مكة «لولا» هلا «أنزل عليه» على محمد «آية من ربه» كما كان للأنبياء من الناقة والعصا واليد «فقل» لهم «إنما الغيب» ما غاب عن العباد أي أمره «لله» ومنه الآيات فلا يأتي بها إلا هو وإنما عليَّ التبليغ «فانتظروا» العذاب إن لم تؤمنوا «إني معكم من المنتظرين».

20

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا الكلام هو النوع الرابع من شبهات القوم في إنكارهم نبوته، وذلك أنهم. قالوا: إن القرآن الذي جئتنا به كتاب مشتمل على أنواع من الكلمات، والكتاب لا يكون معجزاً، ألا ترى أن كتاب موسى وعيسى ما كان معجزة لهما، بل كان لهما أنواع من المعجزات دلت على نبوتهما سوى الكتاب. وأيضاً فقد كان فيهم من يدعي إمكان المعارضة، كما أخبر الله تعالى أنهم قالوا: { أية : لَوْ شِئْنَا لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا } تفسير : [الأنفال:31] وإذا كان الأمر كذلك لا جرم طلبوا منه شيئاً آخر سوى القرآن، ليكون معجزة له، فحكى الله تعالى عنهم ذلك بقوله: {وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } فأمر الله رسوله عليه الصلاة والسلام أن يقول عند هذا السؤال {إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ فَٱنْتَظِرُواْ إِنّى مَعَكُمْ مّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ }. واعلم أن الوجه في تقرير هذا الجواب أن يقال: أقام الدلالة القاهرة على أن ظهور القرآن عليه معجزة قاهرة ظاهرة. لأنه عليه الصلاة والسلام بين أنه نشأ فيما بينهم وتربى عندهم، وهم علموا أنه لم يطالع كتاباً، ولم يتلمذ لأستاذ. بل كان مدة أربعين سنة معهم ومخالطاً لهم، وما كان مشتغلاً بالفكر والتعلم قط، ثم إنه دفعة واحدة ظهر هذا القرآن العظيم عليه، وظهور مثل هذا الكتاب الشريف العالي، على مثل ذلك الإنسان الذي لم يتفق له شيء من أسباب التعلم، لا يكون إلا بالوحي. فهذا برهان قاهر على أن القرآن معجز قاهر ظاهر، وإذا ثبت هذا كان طلب آية أخرى سوى القرآن من الاقتراحات التي لا حاجة إليها في إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام، وتقرير رسالته، ومثل هذا يكون مفوضاً إلى مشيئة الله تعالى، فإن شاء أظهرها، وإن شاء لم يظهرها، فكان ذلك من باب الغيب، فوجب على كل أحد أن ينتظر أنه هل يفعله الله أم لا؟ ولكن سواء فعل أو لم يفعل، فقد ثبتت النبوة، وظهر صدقه في ادعاء الرسالة، ولا يختلف هذا المقصود بحصول تلك الزيادة وبعدمها، فظهر أن هذا الوجه جواب ظاهر في تقرير هذا المطلوب.

القرطبي

تفسير : يريد أهل مكة؛ أي هلاّ أنزل عليه آية، أي معجزة غير هذه المعجزة، فيجعل لنا الجبال ذهباً ويكون له بيت من زُخْرف، ويُحيي لنا من مات من آبائنا. وقال الضحاك: عصا كعصا موسى. {فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ} أي قل يا محمد إن نزول الآية غيب. {فَٱنْتَظِرُوۤاْ} أي تربصوا. {إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ} لنزولها. وقيل: انتظروا قضاء الله بيننا بإظهار المحق على المبطل.

ابن كثير

تفسير : أي: يقول هؤلاء الكفرة المكذبون المعاندون: لولا أنزل على محمد آية من ربه، يعنون: كما أعطى الله ثمود الناقة، أو أن يحول لهم الصفا ذهباً، أو يزيح عنهم جبال مكة، ويجعل مكانها بساتين وأنهاراً، أو نحو ذلك مما الله عليه قادر، ولكنه حكيم في أفعاله وأقواله؛ كما قال تعالى: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِىۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً } تفسير : [الفرقان:10-11] وكقوله: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلأَيَـٰتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} الآية، يقول تعالى: إِن سنتي في خلقي أني إِذا آتيتهم ما سألوا، فإن آمنوا وإِلا عاجلتهم بالعقوبة. ولهذا لما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين إعطائهم ما سألوا فإن آمنوا وإِلا عذبوا، وبين إِنظارهم، اختار إِنظارهم، كما حلم عنهم غير مرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا قال تعالى إِرشاداً لنبيه صلى الله عليه وسلم إِلى الجواب عما سألوا: {فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ} أي: الأمر كله لله، وهو يعلم العواقب في الأمور. {فَٱنتَظِرُوۤاْ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ} أي: إِن كنتم لا تؤمنون حتى تشاهدوا ما سألتم، فانتظروا حكم الله فيَّ وفيكم. هذا مع أنهم قد شاهدوا من آياته صلى الله عليه وسلم أعظم مما سألوا حين أشار بحضرتهم إِلى القمر ليلة إِبداره، فانشق اثنتين: فرقة من وراء الجبل، وفرقة من دونه. وهذا أعظم من سائر الآيات الأرضية مما سألوا وما لم يسألوا، ولو علم الله منهم أنهم سألوا ذلك استرشاداً وتثبيتاً، لأجابهم، ولكن علم أنهم إِنما يسألون عناداً وتعنتاً، فتركهم فيما رابهم، وعلم أنهم لا يؤمن منهم أحد؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ} تفسير : [يونس:96-97] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الأنعام: 111] الآية، ولما فيهم من المكابرة؛ كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ} تفسير : [الحجر: 14] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَـٰقِطاً يَقُولُواْ سَحَـٰبٌ مَّرْكُومٌ} تفسير : [الطور: 44] الآية، وقال تعالى: {أية : وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰباً فِى قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} تفسير : [الأنعام: 7] فمثل هؤلاء أقل من أن يجابوا إِلى ما سألوه؛ لأنه لا فائدة في جوابهم؛ لأنه دائر على تعنتهم وعنادهم لكثرة فجورهم وفسادهم، ولهذا قال: {فَٱنتَظِرُوۤاْ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيَقُولُونَ } أي أهل مكة {لَوْلاَ } هلا {أُنزِلَ عَلَيْهِ } على محمد صلى الله عليه وسلم {ءَايَةٌ مّن رَّبِّهِ } كما كان للأنبياء من الناقة والعصا واليد {فَقُلْ } لهم {إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ } ما غاب عن العباد: أي أمره {لِلَّهِ } ومنه الآيات فلا يأتي بها إلا هو، وإنما عليَّ التبليغ {فَٱنتَظِرُواْ } العذاب إن لم تؤمنوا {إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ }.

الشوكاني

.تفسير : قوله: {وَيَقُولُونَ } ذكر سبحانه هاهنا نوعاً رابعاً من مخازيهم، وهو معطوف على قوله: {وَيَعْبُدُونَ }، وجاء بالمضارع لاستحضار صورة ما قالوه. قيل: والقائلون هم: أهل مكة، كأنهم لم يعتدّوا بما قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات الباهرة، والمعجزات القاهرة التي لو لم يكن منها إلا القرآن لكفي به دليلاً بيناً ومصدّقاً قاطعاً: أي هلا أنزلت عليه آية من الآيات التي نقترحها عليه، ونطلبها منه، كإحياء الأموات، وجعل الجبال ذهباً، ونحو ذلك؟ ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال: {فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ } أي: أن نزول الآية غيب، والله هو المختص بعلمه، المستأثر به، لا علم لي ولا لكم، ولا لسائر مخلوقاته {فَٱنتَظِرُواْ } نزول ما اقترحتموه من الآيات {إِنّى مَعَكُم مّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ } لنزولها، وقيل: المعنى: انتظروا قضاء الله بيني وبينكم بإظهار الحق على الباطل. قوله: {وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِى ءايَـٰتِنَا } لما بين سبحانه في الآية المتقدمة أنهم طلبوا آية عناداً ومكراً ولجاجاً، وأكد ذلك بما ذكره هنا من أنه سبحانه إذا أذاقهم رحمة منه من بعد أن مستهم الضرّاء، فعلوا مقابل هذه النعمة العظيمة المكر منهم في آيات الله؛ والمراد بإذاقتهم رحمته سبحانه: أنه وسع عليهم في الأرزاق، وأدرّ عليهم النعم بالمطر وصلاح الثمار، بعد أن مستهم الضرّاء بالجدب وضيق المعايش، فما شكروا نعمته ولا قدروها حق قدرها، بل أضافوها إلى أصنامهم التي لا تنفع ولا تضرّ، وطعنوا في آيات الله، واحتالوا في دفعها بكل حيلة، وهو معنى المكر فيها. و"إذا" الأولى شرطية، وجوابها {إذا لهم مكر}، وهي فجائية، ذكر معنى ذلك الخليل وسيبويه. ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يجيب عنهم فقال: {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا } أي: أعجل عقوبة، وقد دلّ أفعل التفضيل على أن مكرهم كان سريعاً، ولكن مكر الله أسرع منه. وإذا الفجائية يستفاد منها السرعة، لأن المعنى أنهم فاجئوا المكر: أي أوقعوه على جهة الفجاءة والسرعة، وتسمية عقوبة الله سبحانه مكراً من باب المشاكلة، كما قرّر في مواطن من عبارات الكتاب العزيز {إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ } قرأ يعقوب في رواية، وأبو عمرو في رواية «يمكرون» بالتحتية، وقرأ الباقون بالفوقية. والمعنى: أن رسل الله وهم الملائكة يكتبون مكر الكفار، لا يخفى ذلك على الملائكة الذين هم الحفظة، فكيف يخفى على العليم الخبير؟ وفي هذا وعيد لهم شديد، وهذه الجملة تعليلية للجملة التي قبلها، فإن مكرهم إذا كان ظاهراً لا يخفى، فعقوبة الله كائنة لا محالة، ومعنى هذه الآية قريب من معنى الآية المتقدّمة وهي: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ }تفسير : [يونس: 12] وفي هذه زيادة، وهي أنهم لا يقتصرون على مجرد الإعراض، بل يطلبون الغوائل لآيات الله بما يدبرونه من المكر. {هُوَ ٱلَّذِى يُسَيّرُكُمْ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } ضرب سبحانه لهؤلاء مثلاً حتى ينكشف المراد انكشافاً تاماً. ومعنى تسييرهم في البر: أنهم يمشون على أقدامهم التي خلقها لهم، لينتفعوا بها، ويركبون ما خلقه الله لركوبهم من الدواب، ومعنى تسييرهم في البحر: أنه ألهمهم لعمل السفائن التي يركبون فيها في لجج البحر، ويسر ذلك لهم، ودفع عنهم أسباب الهلاك. وقد قرأ ابن عامر: "وهو الذي ينشركم في البحر" بالنون والشين المعجمة من النشر كما في قوله: {أية : فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأرْضِ } تفسير : [الجمعة: 10] أي ينشرهم سبحانه في البحر، فينجي من يشاء ويغرق من يشاء {حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم } الفلك يقع على الواحد والجمع ويذكر ويؤنث، وقد تقدّم تحقيقه {وَجَرَيْنَ } أي السفن بهم، أي بالراكبين عليها، و{حتى} لانتهاء الغاية، والغاية مضمون الجملة الشرطية بكمالها، فالقيود المعتبرة في الشرط ثلاثة: أوّلها: الكون في الفلك، والثاني: جريها بهم بالريح الطيبة التي ليست بعاصفة، وثالثها: فرحهم. والقيود المعتبرة في الجزاء ثلاثة: الأوّل {جَاءتْهَا } أي: جاءت الفلك ريح عاصف، أو جاءت الريح الطيبة: أي تلقتها ريح عاصف، والعصوف: شدّة هبوب الريح، والثاني: {وَجَاءهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلّ مَكَانٍ } أي: من جميع الجوانب للفلك، والمراد: جاء الراكبين فيها، والموج ما ارتفع من الماء فوق البحر، والثالث: {ظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } أي: غلب على ظنونهم الهلاك، وأصله من إحاطة العدوّ بقوم أو ببلد. فجعل هذه الإحاطة مثلاً في الهلاك وإن كان بغير العدو كما هنا. وجواب إذا في قوله: {إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ } قوله: {جَاءتْهَا } إلى آخره، ويكون قوله: {دَّعَوَا ٱللَّهَ } بدلاً من ظنوا، لكون هذا الدعاء الواقع منهم إنما كان عند ظنّ الهلاك وهو الباعث عليه، فكان بدلاً منه بدل اشتمال لاشتماله عليه، ويمكن أن يكون جملة دعوا مستأنفة كأنه قيل: ماذا صنعوا؟ فقيل: دعوا الله، وفي قوله: {وَجَرَيْنَ بِهِم } التفات من الخطاب إلى الغيبة، جعل الفائدة فيه صاحب الكشاف المبالغة. وقال الرازي: الانتقال من مقام الخطاب إلى مقام الغيبة في هذا المقام دليل المقت والتبعيد، كما أن عكس ذلك في قوله: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ } تفسير : [الفاتحة: 5] دليل الرضا والتقريب، وانتصاب {مخلصين} على الحال: أي لم يشوبوا دعاءهم بشيء من الشوائب، كما جرت عادتهم في غير هذا الموطن أنهم يشركون أصنامهم في الدعاء، وليس هذا لأجل الإيمان بالله وحده، بل لأجل أن ينجيهم مما شارفوه من الهلاك، لعلمهم أنه لا ينجيهم سوى الله سبحانه. وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد، وأن المضطرّ يجاب دعاؤه وإن كان كافراً. وفي هذه الآية بيان أن هؤلاء المشركين كانوا لا يلتفتون إلى أصنامهم في هذه الحالة، وما يشابهها، فياعجباً لما حدث في الإسلام من طوائف يعتقدون في الأموات؟ فإذا عرضت لهم في البحر مثل هذه الحالة دعوا الأموات، ولم يخلصوا الدعاء لله، كما فعله المشركون، كما تواتر ذلك إلينا تواتراً يحصل به القطع، فانظر هداك الله ما فعلت هذه الاعتقادات الشيطانية، وأين وصل بها أهلها، وإلى أين رمى بهم الشيطان، وكيف اقتادهم وتسلط عليهم؟ حتى انقادوا له انقياداً ما كان يطمع في مثله، ولا في بعضه، من عباد الأوثان، فإنا لله وإنا إليه راجعون، واللام في: {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ } هي اللام الموطئة للقسم، أي قائلين ذلك، والإشارة: {مِنْ هَـٰذِهِ } إلى ما وقعوا فيه من مشارفة الهلاك في البحر، واللام في {لَنَكُونَنَّ } جواب القسم، أي لنكونن في كل حال ممن يشكر نعمك التي أنعمت بها علينا، منها هذه النعمة التي نحن بصدد سؤالك أن تفرجها عنا، وتنجينا منها؛ وقيل: إنَّ هذه الجملة مفعول {دعوا}. {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ } الله من هذه المحنة التي وقعوا فيها، وأجاب دعاءهم، لم يفوا بما وعدوا من أنفسهم. بل فعلوا فعل الجاحدين لا فعل الشاكرين، وجعلوا البغي في الأرض بغير الحق مكان الشكر. وإذا في {إِذَا هُمْ يَبْغُونَ } هي الفجائية، أي فاجؤوا البغي في الأرض بغير الحق. والبغي: هو الفساد، من قولهم بغى الجرح: إذا ترامى في الفساد، وزيادة في الأرض للدلالة على أن فسادهم هذا شامل لأقطار الأرض، والبغي وإن كان ينافي أن يكون بحق، بل لا يكون إلا بالباطل، لكن زيادة بغير الحق إشارة إلى أنهم فعلوا ذلك بغير شبهة عندهم، بل تمرّداً وعناداً؛ لأنهم قد يفعلون ذلك لشبهة يعتقدونها مع كونها باطلة. قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } لما ذكر سبحانه أن هؤلاء المتقدّم ذكرهم يبغون في الأرض بغير الحق، ذكر عاقبة البغي وسوء مغبته. قرأ ابن إسحاق، وحفص، والمفضل بنصب {متاع}، وقرأ الباقون بالرفع. فمن قرأ بالنصب جعل ما قبله جملة تامة: أي بغيكم وبال على أنفسكم، فيكون بغيكم مبتدأ وعلى أنفسكم خبره، ويكون {متاع} في موضع المصدر المؤكد، كأنه قيل: تتمتعون متاع الحياة الدنيا، ويكون المصدر مع الفعل المقدّر استئنافاً، وقيل: إن {متاع} على قراءة النصب ظرف زمان نحو مقدم الحاج: أي زمن متاع الحياة الدنيا، وقيل: هو مفعول له: أي لأجل متاع الحياة الدنيا، وقيل منصوب بنزع الخافض: أي كمتاع؛ وقيل على الحال على أنه مصدر بمعنى المفعول: أي ممتعين، وقد نوقش غالب هذه الأقوال في توجيه النصب. وأما من قرأ برفع {متاع} فجعله خبر المبتدأ: أي بغيكم متاع الحياة الدنيا، ويكون {على أنفسكم} متعلق بالمصدر، والتقدير: إنما بغيكم على أمثالكم، والذين جنسهم جنسكم، متاع الحياة الدنيا ومنفعتها التي لا بقاء لها، فيكون المراد بأنفسكم على هذا الوجه: أبناء جنسهم، وعبر عنهم بالأنفس لما يدركه الجنس على جنسه من الشفقة؛ وقيل: ارتفاع متاع على أنه خبر ثان؛ وقيل: على أنه خبر لمبتدأ محذوف: أي هو متاع. قال النحاس: على قراءة الرفع يكون {بغيكم} مرتفعاً بالابتداء، وخبره {متاع الحياة الدنيا} و{على أنفسكم} مفعول البغي، ويجوز أن يكون {خبره على أنفسكم}، ويضمر مبتدأ، أي ذلك متاع الحياة الدنيا، أو هو متاع الحياة الدنيا. انتهى. وقد نوقش أيضاً بعض هذه الوجوه المذكورة في توجيه الرفع، بما يطول به البحث في غير طائل. والحاصل أنه إذا جعل خبر {المبتدأ على أنفسكم}، فالمعنى؛ أن ما يقع من البغي على الغير هو بغي على نفس الباغي، باعتبار ما يؤول إليه الأمر من الانتقام منه مجازاة على بغيه، وإن جعل الخبر {متاع}، فالمراد: أن بغي هذا الجنس الإنساني على بعضه بعضاً هو سريع الزوال، قريب الاضمحلال، كسائر أمتعة الحياة الدنيا، فإنها ذاهبة عن قرب، متلاشية بسرعة، ليس لذلك كثيرة فائدة ولا عظيم جدوى. ثم ذكر سبحانه ما يكون على ذلك البغي من المجازاة يوم القيامة، مع وعيد شديد فقال: {ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ } وتقديم الخبر للدلالة على القصر، والمعنى: أنكم بعد هذه الحياة الدنيا ومتاعها ترجعون إلى الله، فيجازي المسيء بإساءته، والمحسن بإحسانه {فَنُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا، أي فنخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من خير وشرّ، والمراد بذلك: المجازاة، كما تقول لمن أساء: سأخبرك بما صنعت، وفيه أشد وعيد وأفظع تهديد. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع، في قوله: {فَٱنتَظِرُواْ إِنّى مَعَكُم مّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ } قال: خوفهم عذابه وعقوبته. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِى ءايَـٰتِنَا } قال: استهزاء وتكذيب. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله: {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } قال: هلكوا. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، والنسائي، وابن مردويه، عن سعد بن أبي وقاص، ما حاصله: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أهدر يوم الفتح دم جماعة، منهم عكرمة بن أبي جهل، هرب من مكة وركب البحر فأصابهم عاصف، فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً، فقال عكرمة: لئن لم ينجني في البحر الإخلاص، ما ينجيني في البرّ غيره. اللهم إن لك عهداً إن أنت عافيتني مما أنا فيه، أن آتي محمداً حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عفواً كريماً، فجاء فأسلم. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم، والخطيب في تاريخه، والديلمي في مسند الفردويس، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاث هنّ رواجع على أهلها: المكر، والنكث، والبغي"تفسير : ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيّىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ } تفسير : [فاطر: 43] {أية : فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } تفسير : [الفتح: 10]. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي بكرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تبغ ولا تكن باغياً، فإن الله يقول: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ }»تفسير : . وأخرج أبو الشيخ عن مكحول قال: ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: المكر، والبغي، والنكث، قال الله سبحانه: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ}. أقول أنا: وينبغي أن يلحق بهذه الثلاث التي دلّ القرآن على أنها تعود على فاعلها: الخدع، فإن الله يقول: {أية : يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ } تفسير : [البقرة: 9]. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو بغى جبل على جبل لدك الباغي منهما»تفسير : . وأخرج ابن مردويه من حديث ابن عمر مثله.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَإِذَآ أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّنْ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ} فيه أربعة أوجه: أحدها: رخاء بعد شدة. الثاني: عافية بعد سقم. الثالث: خصباً بعد جدب، وهذا قول الضحاك. الرابع: إسلاماً بعد كفر وهو المنافق، قاله الحسن. {إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِي ءَايَاتِنَا} فيه وجهان: أحدهما: أن المكر ها هنا الكفر والجحود، قاله ابن بحر. الثاني: أنه الاستهزاء والتكذيب، قاله مجاهد. ويحتمل ثالثاً: أن يكون المكر ها هنا النفاق لأنه يظهر الإيمان ويبطن الكفر. {قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً} يعني أسرع جزاء على المكر. وقيل إن سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا على أهل مكة بالجدب فقحطوا سبع سنين كسني يوسف إجابة لدعوته، أتاه أبو سفيان فقال يا محمد قد كنت دعوت بالجدب فأجدبنا فادع الله لنا بالخصب فإن أجابك وأخصبنا صدقناك وآمنا بك، فدعا لهم واستسقى فسقوا وأخصبوا، فنقضوا ما قالوه وأقاموا على كفرهم، وهو معنى قوله {إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِي ءَايَاتِنَا}.

ابن عادل

تفسير : قوله: "وَيَقُولُونَ" أي: كفَّار مكَّة، "لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ" أي: على محمَّد "آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ" على ما نقترحُه، وذلك أنَّهم قالوا: القرآن الذي جئنا به كتابٌ مشتملٌ على أنواع من الكلمات، والكتاب لا يكون معجزاً، كما أنَّ كتابَ موسى، وعيسى ما كان معجزاً لهما، بل كان لهما أنواع من المعجزات، دلَّت على نُبُوَّتهما سوى الكتاب، وكان في أهْل مكَّة من يدَّعي إمكان المعارضة، كما أخبر الله - تعالى - عنهم في قوله: {أية : لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا}تفسير : [الأنفال:31]. فلذلك طلبُوا منه شيئاً آخر سوى القرآن؛ ليكون معجزاً، فأمر الله - تبارك وتعالى رسوله - صلوات الله وسلامه عليه - بأن يجيبهم بقوله: {إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ}[يونس:20]. وتقريرُ هذا الجواب: أنه أقام الدلالة القاهرة على أنَّ القرآن معجزةٌ قاهرةٌ؛ لأنَّه - صلوات الله وسلامه عليه - نشأ بينهُم، وعلموا أنَّهُ لم يُطالِعْ كتاباً، ولا تتلمذ لأستاذ، مدَّة أربعين سنة مُخالطاً لهُم، ولم يشتغل بالفِكْرِ والتَّعلم قط، ثم إنَّه أظهر هذا القرآن العظيم، وظهورُ مثل هذا الكتاب على مثل ذلك الإنسان، لا يكونُ إلاَّ بالوحي، وإذا كان كذلك، فطلب آية أخرى سوى القرآن يكون اقتراحاً لا حاجة إليه وعناداً، ومثل هذا يكون مُفَوَّضاً إلى مشيئة الله - تعالى -، فإن شاء أظهر، وإن شاء لم يظهر، فيكون من باب الغيب، فيجبُ على كلِّ أحدٍ أن ينتظر، هل يفعله الله أم لا؟ ولكن سواء فعل أم لم يفعل فقد ثبت نُبُوَّتُه، وظهر صدقُه، وهذا المقصُود لا يختلف بحُصُول تلك الزِّيادة وعدمها. قوله تعالى: {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً} الآية. وهذا جوابٌ آخر لسُؤالهم، وطلبهم المعجزة، وذلك من وجهين: الأول: أنَّ عادتهُم العناد، والمكر، وعدم الإنصاف، فبتقدير أن يعطوا ما سألوه، فإنهم لا يُؤمنون، بل يبقون على كفرهم، وعنادهم؛ وبيانه أنَّ الله - تعالى - سلَّط القَحْط على أهل مكَّة سبع سنين، ثمَّ رحمهم، وأنزل المطر على أراضيهم، ثم إنَّهم أضافُوا المنافع إلى الأنواء والكواكب. الوجه الثاني: أنَّه لو أنزل عليهم المعجز لم يقبلُوه؛ لأنَّه ليس غرضهم من هذه الاقتراحات التَّشدد في الدِّين، وإنما غرضُهُم الدَّفع، والمبالغة في صون مناصبهم الدنيويَّة؛ لأنَّه - تعالى - لمَّا سلَّط البلاء عليهم، ثم أزالهُ عنهم، فهم مع ذلك استمرُّوا على الكُفْر. قوله: "وَإِذَآ أَذَقْنَا" شرطيَّةٌ؛ جوابها "إذا" الفُجائيَّةُ في قوله: "إذا لهُم مكرٌ"، والعاملُ في "إذَا" الفُجائيَّة؛ الاستقرارُ الذي في "لَهُمْ"، وقد تقدَّم الخلافُ في "إذَا" هذه، هَلْ هِيَ حرفٌ أو ظرفُ زمان على بابها، أو ظرفُ مكان؟ قال أبو البقاءِ: "وقيل: "إذا" الثانية زمانيَّة أيضاً، والثانية وما بعدها جواب الأولى"، وهذا الذي حكاهُ قولٌ ساقطٌ لا يفهم معناه. فصل معنى الآية: {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ} يعني: الكفار {رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ} أي: راحة ورخاء من بعد شدة وبلاء. وقيل: القطر بعد القحط، "مَسَّتْهُمْ" أي: أصابتهُم. واعلم: أنَّ رحمة الله لا تُذاق بالفَمِ، وإنَّما تُذاق بالعقْلِ. وقوله {إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا} قال مجاهد: تكذيب واستهزاء، وسُمِّي التكذيبُ مكراً؛ لأنَّ المكر عبارةٌ عن صرف الشَّيءِ عن ظاهره بطريق الحيلة، وهؤلاء يحتالُون لدفع آيات الله - سبحانه وتعالى - بكل ما يقدرون عليه من إلقاء الشُّبْهَة، أو التَّخْلِيط في المناظرة، أو غير ذلك من الأمور الفاسدة. وقال مقاتل: لا يقولون هذا من رزق الله، إنَّما يقولون سُقِينَا بِنَوء كذا، وهو كقوله: {أية : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}تفسير : [الواقعة:82]. وقوله: "فِيۤ آيَاتِنَا" متعلقٌ بـ "مَكْرٌ"، جعل الآيات محلاًّ للمكر مبالغة، ويضعف أن يكون الجارُّ صفةً لـ "مَكْرٌ". قوله: {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً} "أسرَعُ" مأخوذٌ من "سَرُعَ" ثلاثياً؛ حكاه الفارسي. وقيل: بل مِنْ "أسْرَع" وفي بناء أفعل وفِعْلى التعجُّب من "أفعل" ثلاثةُ مذاهب: الجواز مطلقاً. المنع مطلقاً. التَّفصيلُ: بين أن تكون الهمزةُ للتَّعدية فيمتنع، أو لا فيجوز. وقال بعضهم: "أسْرَعُ" هنا ليست للتفضيل. وهذا ليس بشيءٍ، إذ السِّياق يردُّه، وجعله ابن عطيَّة - أعني كون أسرع للتَّفضيل - نظير قوله: "لَهِي أسودُ مِنَ" قال أبو حيَّان: "وأما تنظيرُهُ" "أسود من القَار" بـ "أسْرَع" ففاسد؛ لأنَّ "أسْوَد" ليس فعلهُ على وزن "أفْعَل"، وإنما هو على وزن "فَعِل" نحو: سَوِد فهو أسْود، ولم يمتنع التَّعجُّب، ولا بناء أفعل التفضيل عند البصريين من نحو: سَوِدَ، وحَمِرَ، وأدِمَ، إلاَّ لكونه لوناً، وقد أجاز ذلك بعضُ الكوفيين في الألوان مطلقاً، وبعضهم في السَّواد والبياض فقط". قال شهاب الدِّين: تنظيره به ليس بفاسدٍ؛ لأنَّ مراده بناءُ أفعل ممَّا زاد على ثلاثة أحرُف، وإن لم يكن على وزن "أفْعَل"، و "سَوِد" وإن كان على ثلاثةٍ، لكنه في معنى الزَّائد على ثلاثة، إذ هو في معنى "أسْوَد"، و "حَمِرَ" في معنى أحْمَر؛ نصَّ على ذلك النحويُّون، وجعلوه هو العلَّة المانعة من التعجُّب في الألوان. و "مَكْراً" نصبٌ على التَّمييز، وهو واجبُ النَّصب؛ لأنَّكَ لو صُغْتَ من "أفْعَل" فعلاً، وأسندته إلى تمييزه فاعلاً، لصحَّ أن يقال: "سَرُع مَكْرُه"، وأيضاً فإنَّ شرط جواز الخفضِ، صِدْقُ التمييز على موصوفِ أفعل التَّفضيل، نحو: "زيدٌ أحسنُ فقيهٍ"، ومعنى "أسْرَعُ مَكْراً": أعجل عُقُوبة، وأشدُّ أخذاً، وأقدر على الجزاء، أي: عذابه أسرع إليكم ممَّا يأتي منكم في دفع الحقِّ. قوله: {إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} قرأ الحسن، وقتادة، ومجاهد، والأعرج، ويعقوب، ونافع - رضي الله عنهم - في رواية: "يَمْكُرُوْنَ" بياء الغيبة جرياً على ما سبق، والباقون بالخطاب: مبالغة في الإعلام بمكرهم، والتفاتاً لقوله: "قُلِ اللهُ"؛ إذ التقدير: قُلْ لهُمْ، فناسب الخطاب، وقوله: "إنَّ رُسُلنَا" التفاتٌ أيضاً، إذ لو جرى على قوله: "قُلِ اللهُ"، لقيل: إنَّ رسله، والمراد بالرُّسل: الحفظة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله ‏{‏فانتظروا إني معكم من المنتظرين‏}‏ قال‏:‏ خوفهم عذابه وعقوبته‏.

ابو السعود

تفسير : {وَيَقُولُونَ} حكاية لجناية أخرى لهم معطوفةٌ على قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ} وصيغةُ المضارعِ لاستحضار صورةِ مقالتهم الشنعاءِ والدلالةِ على الاستمرار والقائلون أهلُ مكة {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ} أرادوا آيةً من الآيات التي اقترحوها كأنهم لفرط العتوِّ والفساد ونهايةِ التمادي في المكابرة والعِناد لم يعدّوا البـيناتِ النازلةَ عليه عليه الصلاة والسلام من جنس الآياتِ واقترحوا غيرَها مع أنه قد أُنزل عليه من الآيات الباهرةِ والمعجزاتِ المتكاثرةِ ما يضطرهم إلى الانقياد والقبولِ لو كانوا من أرباب العقولِ {فَقُلْ} لهم في الجواب {إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ} اللامُ للاختصاص العلميِّ دون التكوينيِّ فإن الغيبَ والشهادةَ في ذلك الاختصاصِ سيان والمعنى أن ما اقترحتموه زعمتم أنه من لوازمِ النبوة وعلّقتم إيمانَكم بنزوله من الغيوب المختصّة بالله تعالى لا وقوف لي عليه {فَٱنتَظِرُواْ} نزولَه {إِنّى مَعَكُم مّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ} أي لما يفعل الله بكم لاجترائكم على مثل هذه العظيمةِ من جحود الآياتِ واقتراحِ غيرِها وجعلُ الغيبِ عبارةً عن الصارف عن إنزال الآياتِ المقترحةِ يأباه ترتيبُ الأمرِ بالانتظار على اختصاص الغيبِ به تعالى. {وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً} صِحةً وسَعةً {مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ} أي خالطتْهم حتى أحسوا بسوء أثرِها فيهم، وإسنادُ المساسِ إلى الضراء بعد إسنادِ الإذاقةِ إلى ضمير الجلالِة من الآداب القرآنيةِ كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ }تفسير : [الشعراء: 80] ونظائرِه. وقيل: سلط الله تعالى على أهل مكةَ القحطَ سبع سنينَ حتى كادوا يهلِكون ثم رحمهم بالحَيا فطفقوا يطعنون في آياته تعالى ويعادون رسولَه عليه الصلاة والسلام ويكيدونه وذلك قوله تعالى: {وَإِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِى آيَاتِنَا} أي بالطعن فيها وعدمِ الاعتداد بها والاحتيالِ في دفعها، وإذا الأولى شرطيةٌ والثانيةُ جوابُها كأنه قيل: فاجأوا وقوع المكرِ منهم وتنكيرُ مكرٌ للتفخيم، وفي متعلقةٌ بالاستقرار الذي يتعلق به اللام {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} أي أعجلُ عقوبةً أي عذابُه أسرعُ وصولاً إليكم مما يأتي منكم في دفع الحقِّ، وتسميةُ العقوبةِ بالمكر لوقوعها في مقابلة مكرِهم وجوداً أو ذكراً {إِنَّ رُسُلَنَا} الذين يحفظون أعمالَكم والإضافةُ للتشريف {يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} أي مكرَكم أو ما تمكُرونه وهو تحقيقٌ للانتقام منهم وتنبـيهٌ على أن ما دبروا في إخفائه غيرُ خافٍ على الحفَظة فضلاً عن العليم الخبـير، وصيغةِ الاستقبال في الفعلين للدِلالة على الاستمرار التجدّدي والجملةُ تعليلٌ من جهته تعالى لأسرعية مكرِه سبحانه غيرُ داخل في الكلام الملقن كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً }تفسير : [الكهف: 109] فإن كتابةَ الرسلِ لما يمكرون من مبادىء بطلانِ مكرِهم وتخلف أثرِه عنه بالكلية وفيه من المبالغة ما لا يوصف، وتلوينُ الخطاب بصرفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم للتشديد في التوبـيخ، وقرىء على لفظ الغَيبة فيكون حينئذٍ تعليلاً لما ذُكر أو للأمر.

القشيري

تفسير : أخبر أنه - عليه السلام - في سَتْرِ الغَيْبَة وخفاء الأمر عليه في الجملة لتقاصُرِ علمه عما سيحدث، فهو في ذلك بمنزلتهم، إلا في مواطن التخصيص بأنوار التعريف، فكما أنهم في الانتظار لما يحدث في المستأنف فهو أيضاً في انتظار ما يوجِدُ - سبحانه - من المقادير. والفَرْقُ بينه - عليه السلام - وبينهم أنه يشهد ما يحصل به -سبحانه - ومنه، وهم مُتَطَوُحون في أودية الجهالة؛ يُحيلُون الأمرَ مرةً على الدَّهْرِ، ومرةً على النجم، ومرةٌ على الطبع.. وكلُّ ذلك حَيْرَةٌ وعَمى.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويقولون} اى كفار مكة {لولا} للتحضيض مثل هلا {انزل عليه} على محمد عليه الصلاة والسلام {آية} معجزة {من ربه} كانوا يقولون ان القرآن يمكن معارضته كما دل عليه قولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا ويقترحون اشياء اخرى سوى القرآن لتكون معجزة مثل اليد والعصا وتفجير الانهار وغيرها شعر : كفت اكر آسان ثمايد اين بتو انجنين يك سورة اى سخت رو تفسير : {فقل} لهم فى الجواب {انما الغيب لله} اللام للاختصاص العلمى دون التكوينى فان الغيب والشهادة فى ذلك الاختصاص سيان. والمعنى ان ما اقترحتموه وزعمتم انه من لوازم النبوة وعلقتم عليه ايمانكم من الغيوب المختصة بالله سبحانه لا وقوف لى عليه ولو علم الصلاح فى زيادة الآيات لا نزل. وفى التأويلات النجمية الغيب هو عالم الملكوت الذى ينزل منه الآيات ويظهر منه المعجزات بانزال الله تعالى واظهاره فهو لله وبحكمه ينزل الآيات منه متى شاء كما شاء {فانتظروا} لنزول ما اقترحتموه {انى معكم من المنتظرين} لما يفعل الله بكم بجحودكم ما نزل عليّ من الآيات العظام واقتراحكم غيره وقد امهلهم الله سبحانه ليأخذ الظالم منهم اخذ عزيز مقتدر وقد يعجل عقوبة من يشاء [آورده اندكه سهسا لارى بود ظالم وبااتباع خود بخانه يكى از مشايخ كبار فرود آمد خداوندخانه كفت من منشورى دارم بخانه من فرود ميا كفت منشورى بنماى شيخ در خانه رفت ومصحفى عزيز داشت ودربيش بيا ورد وباز كرد اين آيت برآمد كه {أية : يا ايها الذين منوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على اهلها} تفسير : سهسالار كفت من بنداشتم كه منشورا اميردارى بدان التفات نكرد ودرخانه شيخ فرود آمد آن شب قولنجش بكرفت وهلاك شد] وفيه اشارة الى ان حضرة القرآن ليس كسائر الآيات. فمن رده واستحقره فقد تعرض لسخط الله تعالى اشد التعرض كما ان من قبله وعظمه صورة بالرفع والمس على الطهارة ونحو ذلك ومعنى بالعمل بما فيه والتخلق باخلاقه نال من الله كل ما يتمناه -حكى- ان عثمان الغازى جد السلاطين العثمانية انما وصل الى ما وصل برعاية كلام الله تعالى وذلك انه كان من اسخياء زمانه يبذل النعم للمترددين فثقل ذلك على اهل قريته ونغصوا عليه فذهب ليشتكى من اهل القرية الى الحاج بكتاش او غيره من الرجال فنزل بيت رجل قد علق فيه مصحف فسأل عنه فقالوا هو كلام الله تعالى فقال ليس من الادب ان نقعد عند كلام الله تعالى فقام وعقد يديه مستقبلا اليه فلم يزل قائما الى الصبح فلما اصبح ذهب الى طريقه فاستقبله رجل وقال انا مطلبك ثم قال له ان الله تعالى عظمك واعطاك وذريتك السلطنة بسبب تعظيمك لكلامه ثم امر بقطع شجرة وربط برأسها منديلا وقال ليكن ذلك لواء ثم اجتمع عنده جماعة فجعل اول غزوته بلاجك وفتح بعناية الله تعالى ثم اذن له السلطان علاء الدين فى الظاهر ايضا فصار سلطانا ثم بعد ارتحاله صار ولده اورخان سلطانا ففتح هو بروسة المحروسة بالعون الآلهى فمن ذلك الوقت الى هذا الآن الدولة العثمانية على الازدياد بسبب تعظيمه كتاب الله وكلامه القديم كذا فى الواقعات المحمودية. فليلازم العاقل تعظيم القرآن العظيم ليزداد جاهه ورتبته وليحذر من تحقيره لئلا ينتقص شأنه وهيبته ألا ترى ان السلطان محمد الرابع واعوانه لما رفضوا العمل بالقرآن واخذوا بالظلم والعدوان سلط الله عليهم وعلى الناس بسببهم القحط والخوف فخرج من ايديهم اكثر القلاع المعمورية الرومية واستولى الكفار الى ان طمعوا فى القسطنطينية واشتد الخوف الى ان قال الناس اين المفر وكل ذلك وقع من القرناء السوء فانهم كانوا يحثون السلطان على الجريان بخلاف الشرع شعر : اى فغان از يار ناجنس اى فغان همنشين نيك جوييد اى مهان اى بسا مهتر بجه از شور وشر شد زفعل زشت خود تنك بدر تفسير : اللهم اجعلنا من المعتبرين واجعلنا من المتبصرين

ابن عجيبة

تفسير : {يقول الحق جل جلاله:} {ويقولون}؛ يقول الكفار: {لولا}؛ هلا {أُنزلَ عليه آيةٌ} ظاهرة {من ربه} تدل على صدقه، يعاينُها الناس كلها، فتلجئهم إلى الإيمان به، وهذا الأمر على هذا الوجه لم يكن لنبي قط، إنما كانت الآية تظهر معرّضة للنظر، فيهتدي بها قوم، ويكفر بها آخرون، {فقلْ} لهم: {إنما} علم {الغيب لله} مختص به، فلم أَطََّلع عليه حتى أعلم وقت نزولها، ولعله علم ما في نزولها من الضرر لكم فصرفها عنكم، {فانتظروا} نزول ما اقترحتموه، {إني معكم من المنتظرين} لذلك، وهذا وعد قد صدقه الله بنصرته ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأخذهم ببدر وغيره، أو من المنتظرين لما يفعل الله بكم لعنادكم وجحودكم الآيات. الإشارة: ما زالت العامة تطلب من مشايخ التربية الكرامات، فجوابهم ما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قل إنما الغيب لله} فانتظروا ما يظهر على أيديهم من الهداية والإرشاد، وإحياء البلاد والعباد بذكر الله، وهذا أعظم الكرامة، فإن إخراج الناس عن عوائدهم وعن دنياهم خارق للعادة، سيما في هذا الزمان الذي احتوت فيه الدنيا على القلوب، فلا ترى عالماً ولا صالحاً ولا منتسباً إلا وهو مغروق في بحر ظلماتها، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم ذكر جزئيات من الآيات لمن فهم واعتبر، فقال: {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ}.

الطوسي

تفسير : حكى الله تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم قالوا: هلا أنزل على محمد آية وأرادوا بذلك أنه يضطرهم إلى المعرفة ولا يحتاجون معها إلى النظر والاستدلال، ولم يطلبوا معجزة يستدل بها على صدقه؛ لأنه قد كان أتاهم بالمعجزات التي تدل على صدقه فلم يجبهم الله على مال التمسوه؛ لأن التكليف يمنع من الاضطرار إلى المعرفة؛ لأن الغرض بالتكليف التعريض للثواب. ولو عرفوا الله تعالى ضرورة لما استحقوا ثواباً فكان ذلك ينقض غرضهم. وقال ابو علي: طلبوا آية سوى القرآن. والاصل في (لولا) امتناع الثاني لكون الأول كقولك: لولا زيد لجئتك فخرجت إلى معنى التحضيض بأنه ليس ينبغي ان يمتنع ذا لكون غيره. قوله {فقل إنما الغيب لله} معناه إن ما لا تعرفونه ولا نصب لكم عليه دليل يجب أن تسلموا علمه إلى الله؛ لانه العالم بالخفيات وما يكون في المستقبل، فلأجل ذلك لا يفعل الآية التي اقترحتموها في هذا الوقت لما في ذلك من حسن التدبير ووجه المصلحة. والغيب خفاء الشيء عن علم العباد، والله تعالى عالم الغيب والشهادة لأنه عالم لنفسه يعلم الأشياء قبل كونها وبعد كونها لا يخفى عليه خافية. وقوله {فانتظروا} معناه انتظروا ما وعدكم الله من نصر المؤمنين وقهر الكافرين وانزال الذل والعقاب بهم إن أقاموا على كفرهم فـ {إني معكم من المنتظرين} لذلك.

الجنابذي

تفسير : {وَيَقُولُونَ} استهزاءً واستظهاراً {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ} اى على محمّد (ص) {آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} ممّا اقترحناه او ممّا يدلّ على رسالته {فَقُلْ} الفاء جواب شرطٍ محذوفٍ او متوهّمٍ اى اذا قالوا فقل {إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ} علم الغيب مختصّ به فلا اعلم انا ولا انتم ما يترتّب على انزال الآية من المفاسد والمصالح وهو يعلم فلا ينزل الآية لما فيها من المفاسد وفى تركها من المصالح او عالم الغيب ملك الله ليس لى تصرّف فيه ولا تسلّط عليه حتّى اجيب مقترحكم او انزل منه ما اريد، فانا وانتم سواءٌ فى ذلك {فَٱنْتَظِرُوۤاْ} نزول الآية والفاء مثل سابقه {إِنِّي} مثلكم {مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ} ويحتمل ان لا يكون قوله فقل انّما الغيب (الآية) مماشاةً معهم بل يكون تهديداً لهم على استهزاءهم والمعنى انّ الغيب لله ينزّل منه ما يشاء من عذابكم وعذابى والرّحمة بكم وبى فانتظروا نزول عذابه انّى معكم من المنتظرين ويؤيّد هذا المعنى تهديدهم بالآية الآتية {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً}.

اطفيش

تفسير : {ويقُولُون لَوْلا} هلا {أنزِلَ عَليهِ} أى على محمد، وساغ التذكير فى أنزل، لأن التائب ظاهر مجازى التأنيث، ولوجود الفاصل {آيةٌ مِنْ ربِّه} تلجئ الناس إلى الإيمان، وما هذا عادة الله فى خلقه، ولا بحكمة فى كل قوم على الإطلاق، ولو كان ذلك فى قوم إنما هى آيات معرضات للإيمان، يؤمن من يؤمن، ويكفر من يكفر، وكانوا لا يعتدون بآية القرآن، تمرداً مع أنه آية بديعة معجزة، لا يغيرها الدهر، لم ينزل على نبى مثلها، وقيل: أرادوا آية كعصى موسى ويده، وناقة صالح، ومائدة عيسى. {فَقلْ إنَّما الغَيْب للهِ} لا لغيره، فلا أدرى أينزلها أم لا، وما علىَّ إلا البلاغ، أو لعله ما فى نزولها علىَّ من المفسدة، أو اقتضت حكمته أن الآية التى هى مثل ذلك إذا لم تؤمن بها الأمة عجل عذابها، فلم ينزلها رحمة بكم، وإبقاء عليكم. {فانْتظِرُوا} نزول ما أردتم نزوله {إنِّى معَكُم مِنَ المنتَظِرينَ} لما يفعل بكم لعنادكم وجحودكم، وإعراضكم عن هذه الآيات إلى غيرها، وقد تبين لهم العجز عن مثل القرآن، وعلموا ذلك، ولكنهم يكابرون ويعاندون، كقولهم: {أية : لو نشاء لقلنا مثل هذا} تفسير : وصدق الله أنتظاره صلى الله عليه وسلم بنصره فى بدر وغيرها، وليس ذلك منسوخا بآية السيف كما قيل، لأن المراد بهذا الانتظار التهديد والوعيد، لا الإعراض عن ترك القتال، أو عن ترك الابتداء فيه.

اطفيش

تفسير : {وَيَقُولُونَ} كفار مكة، والعطف على يقولون أَو يعبدون أَو هو بمعنى قالوا عطف على قال الذين، وجىءَ بالمضارع ليدل على الاستمرار {لَوْلاَ} توبيخ على عدم الإِنزال بفرض أَنه نبى كما يزعم أَو تحضيض، وعليه فقوله {أُنْزِلَ عَلَيْهِ} بمعنى ينزل {آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} محسة كاليد والعصا والناقة والمائدة كالأَنبياءِ قبله وتفجير الأَرض ينبوعا وإِسقاط السماءِ كسفاً وبعث جده قصى وتسيير الجبال، وفى ذلك تلويح إِلى أَن القرآن وغيره من معجزاته غير آية عندهم {فَقُلُ إِنَّمَا الْغَيْبُ} ما غاب عن العباد {لِلَّهِ} والآيات مما غاب إِن كانت فإِنما يأْتى بها الله عز وجل، ولعل فى إِنزالها إِهلاكا لكم إِن لم تؤمنوا كما أَهلك من قبلكم كما طلبوها، وأُنزلت ولم يؤمنوا {فَانْتَظِرُوا} نزول الآية للعذاب، أَو انتظروا العذاب وهو أَمر للتهديد {إِنِّى مَعَكُمْ مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ} ما يفعل الله بكم لعنادكم واستهزائِكم بالقرآن الذى لا آية تساويه فضلا عن أَن تفوته.

الالوسي

تفسير : {وَيَقُولُونَ} حكاية لجناية أخرى لهم، وفي «الكشاف» تفسير المضارع بالماضي أي وقالوا وجعل ذلك إشارة إلى أن العطف ليس على {أية : وَيَقُولُونَ هَـؤُلآءِ شُفَعَـٰؤُنَا }تفسير : [يونس: 18] كما يقتضيه ظاهر اللفظ وإنما هو على قوله سبحانه: {أية : قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَا }تفسير : [يونس: 15] وما بينهما اعتراض وأوثر المضارع على الماضي ليؤذن باستمرار هذه المقالة وأنها من دأبهم وعادتهم مع ما في ذلك من استحضار صورتها الشنيعة. وجوز العطف على {أية : يَعْبُدُونَ}تفسير : [يونس:18] وهو الذي اقتصر عليه بعض المحققين، وأبقى بعضهم الفعل على ظاهره وله وجه، والقائل كفار مكة. {لَوْلآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ} أرادوا آيةٍ من الآيات التي اقترحوها كآية موسى وعيسى عليهما السلام، ومعنى إنزالها عليه إظهار الله تعالى لها على يده صلى الله عليه وسلم، وطلبوا ذلك تعنتاً وعناداً وإلا فقد أتى صلى الله عليه وسلم بآيات ظاهرة ومعجزات باهرة تعلو على جميع الآيات وتفوق سائر المعجزات لا سيما القرآن العظيم الباقي إعجازه على وجه الدهر إلى يوم القيامة، ولعمري لو أنصفوا لاستغنوا عن كل آية غيره عليه الصلاة والسلام فإنه الآية الكبرى ومن رآه وسبر أحواله لم يكد يشك في أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. {فَقُلْ} لهم في الجواب {إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ فَٱنْتَظِرُواْ إِنّى مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ} وهو جواب على ما قرره الطيبـي على الأسلوب الحكيم فإنهم حين طلبوا ما طلبوا مع وجود الآيات المتكاثرة دل على أن سؤالهم للتعنت كما علمت آنفاً فأجيبوا بما أجيبوا ليؤذن بأن سؤالهم سؤال المقترحين يستحقون به نقمة الله تعالى وحلول عقابه، يعني أنه لا بد أن يستأصل شأفتكم لكن لا أعلم متى يكون وأنتم كذلك لأن ذلك من الغيب وهو مختص به تعالى لا يعلمه أحد غيره جل شأنه وإذا كان كذلك فانتظروا ما يوجبه اقتراحكم إني معكم من المنتظرين إياه، وقيل: إن المراد أنه تعالى هو المختص بعلم الغيب والصارف عن إنزال الآيات المقترحة أمر مغيب فلا يعلمه إلا هو، واعترض عليه بأنه معين وهو عنادهم قال تعالى: {أية : وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [الأنعام: 109]. / وأجيب بأنا لا نسلم أن عنادهم هو الصارف وقد يجاب المعاند والآية وإن دلت على بقائهم على العناد وإن جاءت لم تدل على أن العناد هو الصارف. واختار بعض المحققين أن ما اقترحتموه وزعمتم أنه من لوازم النبوة وعلقتم إيمانكم بنزوله من الغيوب المختصة به سبحانه لا وقوف لي عليه فانتظروا نزوله إني معكم من المنتظرين لما يفعل الله تعالى بكم لاجترائكم على مثل هذه العظيمة من جحود الآيات، واقتراح غيرها، واعترض على ما قيل بأنه يأباه ترتيب الأمر بالانتظار على اختصاص الغيب به تعالى، والذي يخطر بالبال أن سؤال القوم قاتلهم الله تعالى متضمن لدعوى أن الصلاح في إنزال آية مما اقترحوا حيث لم يعتبروا ما نزل ولم يلتفتوا إليه فكأنهم قالوا: لا صلاح في نزول ما نزل وإنما الصلاح في إنزال آية مما نقترح فلولا نزلت وفي ذلك دعوى الغيب بلا ريب فأجيبوا بأن الغيب مختص بالله فهو الذي يعلم ما به الصلاح لا أنتم ولا غيركم ثم قال سبحانه: {فَٱنتَظِرُواْ} الخ على معنى وإذا كان علم الغيب مختصاً بالله تعالى وقد ادعيتم من ذلك ما ادعيتم وطعنتم فيما طعنتم فانتظروا نزول العذاب بكم إني معكم من المنتظرين إياه، ولا يرد على هذا ما أورد على غيره ولا ما عسى أن يورد أيضاً فتأمل.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة: {أية : ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم}تفسير : [يونس: 18]، فبعد أن ذكر افتراءهم في جانب الإلهية نفى بهتانهم في جانب النبوءة. والضمير في {عليه} عائد للنبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يجر له ذكر قبل ذلك في الآية، فإن معرفة المراد من الضمير مغنية عن ذكر المعاد. وقد كان ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بينهم في نواديهم ومناجاتهم في أيام مُقامه بينهم بعد البعثة هو شغلهم الشاغل لهم، قد أجرى في كلامهم ضمير الغيبة بدون سبق معاد، علم المتخاطبون أنه المقصود. ونظير هذا كثير في القرآن. و(لولا) في قوله: {لولا أنزل عليه آية من ربه} حرف تحْضيض، وشأن التحْضيض أن يواجه به المحضض لأن التحضيضَ من الطلب وشأنُ الطلب أن يواجَه به المطلوب، ولذلك كان تعلق فعل الإنزال بضمير الغائب في هذه الآية مُؤولاً بأحد وجهين: إما أن يكون التفاتاً، وأصل الكلام: لولا أنزل عليكَ، وهو من حكاية القول بالمعنى كقوله تعالى: {أية : قل لعبادي الذين آمنوا يُقيموا الصلاة}تفسير : [إبراهيم: 31] أي قل لهم أقيموا، ونكتة ذلك نكتة الالتفات لتجديد نشاط السامع. وإما أن يكون هذا القول صدر منهم فيما بينهم ليبين بعضُهم لبعض شبهة على انتفاء رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أو صدر منهم للمسلمين طمعاً في أن يردوهم إلى الكفر. والآيةُ: علامة الصدق. وأرادوا خارقاً للعادة على حسب اقتراحهم مثل قولهم: {أية : أو ترقى في السماء}تفسير : [الإسراء: 93] وقولهم: {أية : لولا أوتي مثلَ ما أوتي موسى}تفسير : [القصص: 48] وهذا من جهلهم بحقائق الأشياء وتحكيمهم الخيال والوهَم في حقائق الأشياء، فهم يفرضون أن الله حريص على إظهار صدق رسوله صلى الله عليه وسلم وأنه يستفزّه تكذيبهم إياه فيغضب ويسرع في مجاراة عنادهم ليكفوا عنه، فإن لم يفعل فقد أفحموه وأعجزوه وهو القادر، فتوهموا أن مدعي الرسالة عنه غير صادق في دعواه وما دَرَوا أن الله قَدر نظام الأمور تقديراً، ووضع الحقائق وأسبابها، وأجرى الحوادث على النظام الذي قدره، وجعل الأمور بالغة مواقيتها التي حدد لها، ولا يضره أن يُكذّب المكذّبون أو يعاند الجاهلون وقد وضع لهم ما يليق بهم من الزواجر في الآخرة لا محالة، وفي الدنيا تارات، كل ذلك يجري على نُظم اقتضتها الحكمةُ لا يحمله على تبديلها سُؤال سائل ولا تسفيه سفيه. وهو الحكيم العليم. فهم جعلوا استمرار الرسول صلى الله عليه وسلم على دعوتهم بالأدلة التي أمره الله أن يدعوهم بها وعدم تبديله ذلك بآيات أخرى على حسب رغبتهم جعلوا كل ذلك دليلاً على أنه غير مؤيد من الله فاستدلوا بذلك على انتفاء أن يكون الله أرسله، لأنه لو أرسله لأيَّده بما يوجب له القبول عند المرسَل إليهم. وما درى المساكين أن الله إنما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة بهم وطلباً لصلاحهم، وأنه لا يضره عدم قبولهم رحمته وهدايته. ولذلك أتَى في حكاية كلامهم العدولُ عن اسم الجلالة إلى لفظ الرب المضاف إلى ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: {من ربه} إيماء إلى الربوبية الخاصة بالتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم وهي ربوبية المصطفي (بصيغة اسم الفاعل) للمصطفى (بصيغة المفعول) من بين بقية الخلق المقتضية الغضب لغضبه لتوهمهم أن غضب الله مثل غضب الخلائق يستدعي الإسراع إلى الانتقام وما علموا أسرار الحكمة الإلهية والحكم الإلهي والعلم الأعلى. وقد أمر الله رسوله بأن يجيب عن اقتراحهم بما هو الحقيقة المرشدة وإن كانت أعلى من مداركهم جواباً فيه تعريض بالتهديد لهم وهو قوله: {فقل إنما الغيبُ لله}، فجاء بفاء التفريع هنا دون بعض نظائره للإشارة إلى تعقيب كلامهم بالجواب شأن المتمكن من حاله المتثبت في أمره. والغيب: ما غاب عن حواس الناس من الأشياء، والمراد به هنا ما يتكون من مخلوقات غير معتادة في العالم الدنيوي من المعجزات. وتفسير هذا قوله: {أية : قل إنما الآيات عند الله}تفسير : [الأنعام: 109]. واللام للملك، أي الأمور المغيبة لا يقدر عليها إلا الله. وجاء الكلام بصيغة القصر للرد عليهم في اعتقادهم أن في مكنة الرسول الحق أن يأتي بما يسأله قومُه من الخوارق، فجعلوا عدم وقوع مقترحهم علامة على أنه ليس برسول من الله، فلذلك رد عليهم بصيغة القصر الدالة على أن الرسول ليس له تصرف في إيقاع ما سألوه ليعلموا أنهم يرمون بسُؤالهم إلى الجراءة على الله تعالى بالإفحام. وجملة: {فانتظروا إني معكم من المنتظرين} تفريع على جملة: {إنما الغيب لله} أي ليس دأبي ودأبكم إلاّ انتظار ما يأتي به الله إن شاء، كقول نوح لقومه: {أية : إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين}تفسير : [هود: 33]. وهذا تعريض بالتهديد لهم أن ما يأتي به الله لا يترقبون منه إلا شراً لهم، كقوله تعالى: {أية : وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكاً لقُضي الأمر ثم لا ينظرون}تفسير : [الأنعام: 8]. والمعية في قوله: {معكم} مجازية مستعملة في الإشراك في مطلق الانتظار.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَةٌ} (20) - وَيَقُولُ الكَافِرُونَ: لَوْلاَ أُنزلَ عَلَى مُحَمَّدٍ آيَةٌ وَمُعْجِزَةٌ مِنْ رَبِّهِ، كَمَا أُعْطِيَ المُرْسَلُونَ مِنْ قَبْلِهِ، كَأَنْ يُحَوِّلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَباً، أَوْ يُزِيحَ عَنْهُمْ جِبَالَ مَكَّةَ، وَيَجْعَلَ مَكَانَهَا بَسَاتِينَ وَأَنْهَاراً، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ اللهُ. فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ الغَيْبَ وَالعَوَاقِبَ فِي الأُمُورِ، فَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ حَتَّى تَرَوْا مَا سَأَلْتُمْ، فَانْتَظِرُوا حُكْمَ اللهِ فِيَّ وَفِيكُمْ. وَلَوْ عَلِمَ اللهُ أَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ اسْتِرْشَاداً وَتَثْبِيتاً لأَجَابَهُمْ إِلَى مَا سَأَلُوا، وَلَكِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَسْأَلُونَ عِنَاداً، فَلَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ مَا طَلَبُوهُ، ثُمَّ اسْتَمَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ لأَهْلَكَهُمْ، كَمَا أَهْلَكَ مَنْ كَذَّبَ قَبْلَهُمْ، وَهُوَ تَعَالَى لاَ يُرِيدُ إِهْلاَكَهُمْ لأَِمْرٍ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والآية كما عرفنا هي الشيء العجيب، وإما أن تكون آية كونية، أو آية إعجاز، أو آية قرآن تشتمل على الأحكام. ولماذا لم يصدقوا آيات القرآن، وهي معجزة بالنسبة إليهم؟ نقول: إن استقبال القرآن فَرْع تصديق للرسول صلى الله عليه وسلم، وقد حدث اللبس عندهم؛ لأنهم ظنوا أن الآية هي الآيات المحسّة الكونية المشهودة، وما علموا أن الآيات التي سبق بها الرسل إنما جاءت لتناسب أزمان رسالاتهم، ولتناسب مواقعهم من المرسل إليهم. فقد كان الرسل السابقون لرسول الله صلى الله عليه وسلم - وعلى جميع الرسل السلام - قد بُعث كل منهم لأمة محدودة زماناً ومكاناً؛ ولذلك كانت الآيات التي اصطحبوها آيات حسية، وكل آية كانت من جنس ما نبغ فيه القوم المبعوث إليهم. أما رسالة محمد عليه الصلاة والسلام فهي لعامة الزمان وعامة المكان. فلو جعل الله سبحانه له آية حسية لآمن بها مَنْ شاهدها، ولَصارَتْ خبراً لمن لم يشاهدها. ونحن على سبيل المثال كمسلمين لم نصدِّق أن موسى - عليه السلام - قد ضرب البحر فانشق له البحر؛ إلا لأن القرآن قال ذلك؛ لأن كل أمر حسي يقع مرة واحدة فمن شاهده آمن به، ومن لم يره إن حُدِّث به له أن يكذِّب، وله أن يصدِّق، ولكنّا صدقنا؛ لأن القائل هو الحق سبحانه وقد أبلغنا ذلك في القرآن. وثقتنا فيمن قال هي التي جعلتنا نصدق معجزات الرسل السابقين على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد يتساءل البعض عن السر في عدم إرسال معجزات حسية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقول: لقد شاء الله سبحانه أن يرسل الرسول صلى الله عليه وسلم بمعجزة باقية إلى أن تقوم الساعة وهي معجزة القرآن. وتتحدث كتب السيرة أن الماء نبع من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، فمن صدَّق صدَّق، وإن قرأت ولم تصدِّق ذلك، فاعلم أنك لست المقصود بها، فقد كان المقصود بها هم المعاصرون لها، وقد جاءت لتربيب الإيمان في القوم المعاصرين؛ لأنهم كانوا في حاجة إلى شَدِّ أزْرِهم الإيماني، وحدَّثتنا كتب السيرة أيضاً عن حفنة الطعام التي أكل منها عدد كبير من الرجال، ومن صدَّق الرواية؛ فليصدِّقها، ومَن لم يصدِّقها، فهذه الآية لم تأتِ له، لكنها جاءت للمعاصرين له صلى الله عليه وسلم. وهذا لا يمنع أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم معجزات حسية كباقي إخوانه من الرسل علينا أن نؤمن بها بالثقة فيمن أخبر بها. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} وإن دخلت "لولا" على جملة اسمية، فالمقصود بها عدم شيء لوجود شيء، كقول إنسان لآخر: لولا زيد عندك لأتيتك، وبذلك ينعدم ذهابه إلى فلان لوجود زيد عنده. وهكذا تكون "لولا" حرف امتناع لوجود، وكذلك كلمة "لوما" إن وجدتها تدخل على جملة اسمية فاعرف أنها امتناع شيء، لوجود شيء وإن دخلت "لولا" على جملة فعلية فاعلم أنها حثٌّ وتحضيض. وهم هنا قد قالوا: {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ} وكأنهم لا يعترفون بالقرآن، وطلبوا آية حسية؛ لذلك نجد الحق سبحانه يقول في موقع آخر بالقرآن الكريم: {أية : لَوْلاۤ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ}تفسير : [القصص: 48]. وهذا تأكيد أنهم طلبوا الآية الحسية؛ لأنهم علموا بالآيات الحسية للرسل السابقين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن قولهم هذا كان تشبثاً بالكفر رغم أنهم شهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أحواله، وقد حدثت الآيات الحسية ورآها مَنْ آمن به، وزاد تمسكهم بالإيمان. والذين طلبوا أن يأتي لهم محمد صلى الله عليه وسلم بمعجزة حسية، كمعجزة موسى عليه السلام، نسوا أن موسى عليه السلام قد بُعث إلى قوم محدودين هم بنو إسرائيل. أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد بُعث إلى الناس كافة؛ لذلك كان لا بد أن تكون معجزته متجدّدة العطاءات، وتحمل المنهج المناسب لكل زمان ومكان. أما المعجزة الحسية فهي تنقضي بانقضاء زمانها ومكانها. أو هم طلبوا الآيات التي اقترحوها مثل قولهم: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ..}تفسير : [الإسراء: 90ـ93]. إذن: فهم قد طلبوا آيات اقترحوها بأنفسهم، والآيات لا تكون باقتراح المرسل إليهم، بل بتفضُّل المُرْسِل. ولقائلٍ أن يقول: ولماذا لم يُرسِل الحق سبحانه لهم آية حسية معجزة كما قالوا؟ فنقول: إن الحق سبحانه قد قال: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ ..}تفسير : [الإسراء: 59]. وعلى ذلك يكون قولهم بطلب الآيات مدحوضاً؛ لأن الحق سبحانه قد أرسل الآيات من قبل وكذَّب بها الأولون، أو هم طلبوا آيات اقترحوها، ويقول الحق سبحانه ما جاء على ألسنتهم: {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} وفي هذا إقرار منهم بأن لمحمد صلى الله عليه وسلم ربّاً، وهو صلى الله عليه وسلم يُبلِّغ عنه، فكيف - إذن - يُنكرون أنه رسول؟! ونعلم أنهم قالوا من قبل: "إن رب محمد قد قلاه" حين فتر الوحي عنه صلى الله عليه وسلم، ولكن الحق سبحانه ردّ عليهم: {أية : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ}تفسير : [الضحى: 3]. إذن: هم قد ناقضوا أنفسهم، ففي الوصل منعوا وأنكروا أن يكون له ربُّ، وفي الهجر سلّموا بأن له ربّاً، وهذا تناقض في الشيء الواحد، وهو لون من التناقض يؤدي إلى اضطراب الحكم، واضطراب الحكم يدل على يقظة الهوى. ثم يقول الحق سبحانه رداً على طلبهم للآية الحسية: {فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ} وهكذا يُعلِّم الحق سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم جواباً احتياطياً، فمن الممكن أن يُنزل الحق سبحانه الآية الحسية، ومن الممكن ألا ينزلها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحكم على ربه؛ لأن الغيب أمر يخصه سبحانه، إن شاء جعل ما في الغيب مشهداً، وإن شاء جعل الغيب غيباً مطلقاً، وليس عليكم إلا الانتظار، ويعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه معهم من المنتظرين {فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ} [يونس: 20]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} [يونس: 20] أي: هلا أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم معجزة ظاهرة نشاهدها، {فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ} [يونس: 20] يشير إلى معنيين: أحدهما: إن الغيب هو عالم الملكوت الذي يتنزل منه الآيات، ويظهر منه للمعجزات بإنزال الله تعالى وإظهاره فهو لله وبحكمه ينزل الآيات منه متى شاء كما شاء، {فَٱنْتَظِرُوۤاْ} [يونس: 20] فإنه ينزلها، {إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ} [يونس: 20] أي: لينزلها. والثاني: إن الغيب هو عالم الغيب فهو الله وهو الذي قدر الأشياء بحكمته ومشيئته، فإن اقتضت الحكمة والمشيئة الأزلية بإنزال آية من آياته وأوصاف ملتمسكم فإنه سينزل {فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ} لإنزالها. {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً} [يونس: 21] أي: أذقناهم دون توبة وإنابة، أو صدق طلب الوصول إلى بعض المقامات، أو ذوق كشف وشهود من بعد ضر، {مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ} [يونس: 21] وهو الفسق والفجور والأخلاق وحجب الأوصاف البشرية وصفات الروحانية، {إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا} [يونس: 21] بإظهارها مع غير أهلها بشرف النفس وطلب الجاه والقبول عند الخلق واستتباعهم والرئاسة عليهم وجذب المنافع منهم، {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً} [يونس: 21] في إيصال مجازاة مكرهم إليهم باستدراجهم عن تلك المقامات والكرامات إلى دركات البعد وتراكم الحجب من حيث لا يعلمون، {إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} [يونس: 21] أي: غير خافٍ علينا قدر مراتب مكرهم فيجازيهم على حسب ما تمكرون. ثم أخبر عن حال الخلق ومالهم بقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} [يونس: 22] الآيتين: هو الذين يسيركم في بر البشرية وبحر الروحانية، وأيضاً في بر العبودية وبحر الربوبية، {حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ} [يونس: 22] جذبات العناية، {وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} [يونس: 22] بهبوب نسيمات رياح شهود الجمال، {وَفَرِحُواْ بِهَا} [يونس: 22] فرح الوصول. {جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ} [يونس: 22] أي: ثم هبت نكباً تجلى صفات الجلال، {وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ} [يونس: 22] البلايا والمحن عند التلاطم والتراكم، {مِن كُلِّ مَكَانٍ} [يونس: 22] من أماكن النعم ومكان النقم، {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} [يونس: 22] أي: تحقق لهم أنهم وقفوا في ورطة الهلاك بالنعم والنقم، {دَعَوُاْ ٱللَّهَ} أي: رجعوا إليه وما التفتوا إلى النعم استغراقاً بالنقم، وما وهنوا لما أصابهم من النقم في طلب المنتقم وكان دعاؤهم بالله لله. {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} [يونس: 22] بالتبرؤ عما سواه، والتولي إلى مولاهم فقالوا: مخلصين عن الوجود معتصمين بالجود، {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ} [يونس: 22] من هذه البلايا والمحن والركون إليها، {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} [يونس: 22] لنعمة وجدان وجود النعم بالنقم، {فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ} [يونس: 23] من البلايا والمحن بالمعبود عن نعمها والصبر على نقمها، {إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} [يونس: 23] لما وصلوا بجذبات الحق إلى شهود الجمال، واستغراق الحجج بحر الجلال تداركتهم عواطف العزة والكبرياء {أية : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الأعراف: 182] ومن استدراجهم أنهم يبغون ويطلبون في الأرض ما سوى الحق غير الحق؛ يعني: أرأيت طالب الحق طالباً لغير الحق؟ فاعلم أنه من المستدرجين الممكورين. ثم قال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} [يونس: 23] أي: الناسي من تلك المقامات والكرامات، {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} [يونس: 23] طلبكم غير الحق يضر بأنفسكم بحرمانكم عن الله باشتغالكم بغير الله، {مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي: ما طلبتم بدلاً عن الله هو متاع الحياة الدنيا الفانية، {ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ} [يونس: 23] إن كنتم أهل العناية بالاختيار، وإن كنتم أهل الغواية بالاضطرار، {فَنُنَبِّئُكُمْ} [يونس: 23] بالمجازاة والمكافأة لطفاً أو عنفاً، {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [يونس: 23] أي: ينفع ما كنتم تعملون عند الرجوع بالصدق إلينا، أو بضر ما كنت تعملون بالركون والسلوك إلى غيرنا بأقوال أهل الإشارة في قوله: {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} قال: المخلص في دعائه هو من لا يصحبه في نفسه سوى رؤية من يدعوه. قال الجنيد: الإخلاص ما يؤيده الله بأي عمل كان. قال رويم: الإخلاص ارتفاع رؤيتك من الفعل، قال ابن معاذ: الإخلاص ألاَّ تتلون النفس فيحفظ، قال الشيخ: هذه أموالهم رضي الله عنهم وهذا كله عندي إخلاص العوام والخواص، فأمَّا إخلاص أخص الخواص فمعاملات يجزيها الله بهوية الربوبية بعد فناء أنانيته العبودية، والخلاص بجوده غير جنس وجوده.