Verse. 1383 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

وَمَا كَانَ النَّاسُ اِلَّاۗ اُمَّۃً وَّاحِدَۃً فَاخْتَلَفُوْا۝۰ۭ وَلَوْلَا كَلِمَۃٌ سَبَقَتْ مِنْ رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَھُمْ فِيْمَا فِيْہِ يَخْتَلِفُوْنَ۝۱۹
Wama kana alnnasu illa ommatan wahidatan faikhtalafoo walawla kalimatun sabaqat min rabbika laqudiya baynahum feema feehi yakhtalifoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما كان الناس إلا أمة واحدة» على دين واحد وهو الإسلام، من لدن آدم إلى نوح، وقيل من عهد إبراهيم إلى عمرو بن لحيِّ «فاختلفوا» بأن ثبت بعض وكفر بعض «ولولا كلمة سبقت من ربك» بتأخير الجزاء إلى يوم القيامة «لقضي بينهم» أي الناس في الدنيا «فيما فيه يختلفون» من الدين بتعذيب الكافرين.

19

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة القاهرة على فساد القول بعبادة الأصنام، بين السبب في كيفية حدوث هذا المذهب الفاسد، والمقالة الباطلة، فقال: {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً } واعلم أن ظاهر قوله: {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} لا يدل على أنهم أمة واحدة فيماذا؟ وفيه ثلاثة أقوال: القول الأول: أنهم كانوا جميعاً على الدين الحق، وهو دين الإسلام، واحتجوا عليه بأمور: الأول: أن المقصود من هذه الآيات بيان كون الكفر باطلاً، وتزييف طريق عبادة الأصنام، وتقرير أن الإسلام هو الدين الفاضل، فوجب أن يكون المراد من قوله: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً } هو أنهم كانوا أمة واحدة، إما في الإسلام وإما في الكفر، ولا يجوز أن يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر. فبقي أنهم كانوا أمة واحدة في الإسلام، إنما قلنا إنه لا يجوز أن يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر لوجوه: الأول: قوله تعالى: { أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ } تفسير : [النساء: 41] وشهيد الله لا بد وأن يكون مؤمناً عدلاً. فثبت أنه ما خلت أمة من الأمم إلا وفيهم مؤمن. الثاني: أن الأحاديث وردت بأن الأرض لا تخلو عمن يعبد الله تعالى، وعن أقوام بهم يمطر أهل الأرض وبهم يرزقون. الثالث: أنه لما كانت الحكمة الأصلية في الخلق هو العبودية، فيبعد خلو أهل الأرض بالكلية عن هذا المقصود. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : إن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقية من أهل الكتاب » تفسير : وهذا يدل على قوم تمسكوا بالإيمان قبل مجيء الرسول عليه الصلاة والسلام، فكيف يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر؟ وإذا ثبت أن الناس كانوا أمة واحدة إما في الكفر وإما في الإيمان، وأنهم ما كانوا أمة واحدة في الكفر، ثبت أنهم كانوا أمة واحدة في الإيمان، ثم اختلف القائلون بهذا القول أنهم متى كانوا كذلك؟ فقال ابن عباس ومجاهد كانوا على دين الإسلام في عهد آدم وفي عهد ولده، واختلفوا عند قتل أحد ابنيه الابن الثاني، وقال قوم: إنهم بقوا على دين الإسلام إلى زمن نوح، وكانوا عشرة قرون. ثم اختلفوا على عهد نوح. فبعث الله تعالى إليهم نوحاً. وقال آخرون: كانوا على دين الإسلام في زمن نوح بعد الغرق، إلى أن ظهر الكفر فيهم. وقال آخرون: كانوا على دين الإسلام من عهد إبراهيم عليه السلام إلى أن غيره عمرو بن لحي، وهذا القائل قال: المراد من الناس في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً } فاختلفوا العرب خاصة. إذا عرفت تفصيل هذا القول فنقول: إنه تعالى لما بين فيما قبل فساد القول بعبادة الأصنام بالدليل الذي قررناه، بين في هذه الآية أن هذا المذهب ليس مذهباً للعرب من أول الأمر، بل كانوا على دين الإسلام، ونفي عبادة الأصنام. ثم حذف هذا المذهب الفاسد فيهم، والغرض منه أن العرب إذا علموا أن هذا المذهب ما كان أصلياً فيهم، وأنه إنما حدث بعد أن لم يكن، لم يتعصبوا لنصرته، ولم يتأذوا من تزييف هذا المذهب، ولم تنفر طباعهم من إبطاله. ومما يقوي هذا القول وجهان: الأول: أنه تعالى قال: { أية : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [يونس: 18] ثم بالغ في إبطاله بالدليل. ثم قال عقيبه: {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً } فلو كان المراد منه بيان أن هذا الكفر كان حاصلاً فيهم من الزمان القديم، لم يصح جعل هذا الكلام دليلاً على إبطال تلك المقالة. أما لو حملناه على أن الناس في أول الأمر كانوا مسلمين، وهذا الكفر إنما حدث فيهم من زمان، أمكن التوسل به إلى تزييف اعتقاد الكفار في هذه المقالة، وفي تقبيح صورتها عندهم، فوجب حمل اللفظ عليه تحصيلاً لهذا الغرض. الثاني: أنه تعالى قال: {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ لَّقُضِىَ بِيْنَهُمْ } ولا شك أن هذا وعيد، وصرف هذا الوعيد إلى أقرب الأشياء المذكورة أولى، والأقرب هو ذكر الاختلاف، فوجب صرف هذا الوعيد إلى هذا الاختلاف، لا إلى ما سبق من كون الناس أمة واحدة، وإذا كان كذلك، وجب أن يقال: كانوا أمة واحدة في الإسلام لا في الكفر، لأنهم لو كانوا أمة واحدة في الكفر لكان اختلافهم بسبب الإيمان، ولا يجوز أن يكون الاختلاف الحاصل بسبب الإيمان سبباً لحصول الوعيد. أما لو كانوا أمة واحدة في الإيمان لكان اختلافهم بسبب الكفر، وحينئذ يصح جعل ذلك الاختلاف سبباً للوعيد. القول الثاني: قول من يقول المراد كانوا أمة واحدة في الكفر، وهذا القول منقول عن طائفة من المفسرين. قالوا: وعلى هذا التقدير ففائدة هذا الكلام في هذا المقام هي أنه تعالى بين للرسول عليه الصلاة والسلام، أنه لا تطمع في أن يصير كل من تدعوه إلى الدين مجيباً لك، قابلاً لدينك. فإن الناس كلهم كانوا على الكفر، وإنما حدث الإسلام في بعضهم بعد ذلك، فكيف تطمع في اتفاق الكل على الإيمان؟ القول الثالث: قول من يقول: المراد إنهم كانوا أمة واحدة في أنهم خلقوا على فطرة الإسلام، ثم اختلفوا في الأديان. وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»تفسير : ومنهم من يقول المراد كانوا أمة واحدة في الشرائع العقلية، وحاصلها يرجع إلى أمرين: التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله. وإليه الإشارة بقوله تعالى: { أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً } تفسير : [الأنعام: 151] واعلم أن هذه المسألة قد استقصينا فيها في سورة البقرة، فلنكتف بهذا القدر ههنا. أما قوله تعالى: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } فاعلم أنه ليس في الآية ما يدل على أن تلك الكلمة ما هي؟ وذكروا فيه وجوهاً: الأول: أن يقال لولا أنه تعالى أخبر بأنه يبقى التكليف على عباده، وإن كانوا به كافرين، لقضى بينهم بتعجيل الحساب والعقاب لكفرهم، لكن لما كان ذلك سبباً لزوال التكليف، ويوجب الإلجاء، وكان إبقاء التكليف أصوب وأصلح، لا جرم أنه تعالى أخر هذا العقاب إلى الآخرة. ثم قال هذا القائل، وفي ذلك تصبير للمؤمنين على احتمال المكاره من قبل الكافرين والظالمين. الثاني: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ } في أنه لا يعاجل العصاة بالعقوبة إنعاماً عليهم، لقضى بينهم في اختلافهم، بما يمتاز المحق من المبطل والمصيب من المخطىء الثالث: أن تلك الكلمة هي قوله: «سبقت رحمتي غضبي» فلما كانت رحمته غالبة اقتضت تلك الرحمة الغالبة إسبال الستر على الجاهل الضال وإمهاله إلى وقت الوجدان.

القرطبي

تفسير : تقدّم في «البقرة» معناه فلا معنى للإعادة. وقال الزجاج: هم العرب كانوا على الشرك. وقيل: كل مولود يولد على الفطرة، فٱختلفوا عند البلوغ. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} إشارة إلى القضاء والقدر؛ أي لولا ما سبق في حكمه أنه لا يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه بالثواب والعقاب دون القيامة لقضى بينهم في الدنيا، فأدخل المؤمنين الجنة بأعمالهم والكافرين النار بكفرهم، ولكنه سبق من الله الأجل مع علمه بصنيعهم فجعل موعدهم القيامة؛ قاله الحسن. وقال أبو رَوْق: «لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» لأقام عليهم الساعة. وقيل: لفرغ من هلاكهم. وقال الكلبي: «الكلمة» أن الله أخّر هذه الأُمة فلا يهلكهم بالعذاب في الدنيا إلى يوم القيامة، فلولا هذا التأخير لقضى بينهم بنزول العذاب أو بإقامة الساعة. والآية تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم في تأخير العذاب عمن كفر به. وقيل: الكلمة السابقة أنه لا يأخذ أحداً إلا بحجة وهو إرسال الرسل؛ كما قال: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15] وقيل: الكلمة قوله: «حديث : سبقت رحمتي غضبي»تفسير : ولولا ذلك لما أخر العصاة إلى التوبة. وقرأ عيسى «لقضى» بالفتح.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً } على دين واحد وهو الإِسلام من لدن آدم إلى نوح. وقيل من عهد إبراهيم إلى عمرو بن لحيِّ {فَٱخْتَلَفُواْ } بأن ثبت بعض وكفر بعض {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ } بتأخير الجزاء إلى يوم القيامة {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } أي الناس في الدنيا {فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } من الدين بتعذيب الكافرين.

ابن عطية

تفسير : قالت فرقة: المراد آدم كان أمة واحدة ثم اختلف الناس بعد في أمر ابنيه وقالت فرقة: المراد نسم بنيه إذ استخرجهم الله من ظهره وأشهدهم على أنفسهم، وقالت فرقة: المراد آدم وبنوه من لدن نزوله إلى قتل أحد ابنيه الآخر، وقالت فرقة: المراد {وما كان الناس إلا أمة واحدة } في الضلالة والجهل بالله فاختلفوا فرقاً في ذلك بحسب الجهالة، ويحتمل أن يكون المعنى كان الناس صنفاً واحداً معداً للاهتداء، واستيفاء القول في هذا متقدم في سورة البقرة في قوله {أية : كان الناس أمة واحدة} تفسير : [ البقرة: 213]. وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو جعفر ونافع وشيبة وأبو عمرو "لقُضِي بينهم" بضم القاف وكسر الضاد، وقرأ عيسى بن عمر " لقَضى " بفتحهما على الفعل الماضي، وقوله {ولولا كلمة سبقت من ربك} يريد قضاءه وتقديره لبني آدم بالآجال الموقتة، ويحتمل أن يريد "الكلمة"، في أمر القيامة وأن العقاب والثواب إنما كان حينئذ، وقوله تعالى {ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه } الآية، يريدون بقولهم {آية من ربه } آية، تضطر الناس إلى الإيمان وهذا النوع من الآيات لم يأت بها نبي قط ولا هي المعجزات اضطرارية وإنما هي معرضة للنظر ليهتدي قوم ويضل آخرون، وقوله {فقل إنما الغيب لله } إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل لا يطلع على غيبه أحد، وقوله {فانتظروا } وعيد ما قد صدقه الله تعالى بنصرته محمداً صلى الله عليه وسلم، قال الطبري: في بدر وغيره، وقوله {وإذا أذقنا الناس} الآية، المراد بـ {الناس} في هذه الآية الكفار وهي بعد تتناول من العاصين من لا يؤدي شكر الله تعالى عند زوال المكروه عنه ولا يرتدع بذلك عن معاصيه، وذلك في الناس كثير، و" الرحمة " هنا بعد الضراء، كالمطر بعد القحط والأمن بعد الخوف والصحة بعد المرض ونحو هذا مما لا ينحصر، و" المكر " الاستهزاء والطعن عليها من الكفار، واطراح الشكر والخوف من العصاة، ووصف مكر الله بالسرعة وإن كان الاستدراج بمهلهم لأنه متيقن به واقع لا محالة، وكل آت قريب، قال أبو حاتم: قرأ الناس "أن رسُلنا" بضم السين، وخفف السين الحسن وابن أبي إسحاق وأبو عمرو، وقال أبو علي {أسرع } من سرع ولا يكون من أسرع يسرع، قال ولو كان من أسرع لكان شاذاً. قال القاضي أبو محمد: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في نار جهنم "حديث : لهي أسود من القار" تفسير : وما حفظ للنبي صلى الله عليه وسلم فليس بشاذ. وقرأ الحسن والأعرج ونافع وقتادة ومجاهد " تمكرون " بتاء على المخاطبة وهي قراءة أهل مكة وشبل وأبي عمرو وعيسى وطلحة وعاصم والأعمش والجحدري وأيوب بن المتوكل، ورويت أيضر عن نافع والأعرج، قال أبو حاتم: قال أيوب بن المتوكل: في مصحف أبيّ " يا أيها الناس إن الله أسرع مكراً وإن رسله لديكم يكتبون ما تمكرون ".

ابن عبد السلام

تفسير : {وَمَا كَانَ النَّاسُ} آدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ، أو أهل السفينة، أو من كان على عهد إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ أو بنو آدم. {أُمَّةً وَاحِدَةً} على الإسلام حتى اختلفوا "ع"، أو على الكفر، أو على دين واحد فاختلفوا في الدين فمؤمن وكافر، أو اختلف بنو آدم لما قتل قابيل أخاه. {سَبَقَتْ} بتأجيل العذاب إلى الآخرة، لعجل العذاب في الدنيا، أو بأن لا يعاجل العصاة {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} وباضطرارهم إلى معرفة المحق من المبطل.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ} قالت فرقة: المراد آدم كان أُمة وحده، ثم اختلف الناس بعده، وقالت فرقة: المراد آدم وبنوه مِنْ لدن نزوله إلى قتل أحد ٱبنيه الآخَرَ، ويحتمل أن يريد: كان الناس صِنْفاً واحداً بالفِطْرة معدًّا للاهتداء، وقد تقدَّم الكلام علَى هذا في قوله سبحانه: { أية : كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً } تفسير : [البقرة:213]. وقوله سبحانه: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} يريد: قضاءه وتقديره لبني آدم بالآجال المؤقَّتة، ويحتمل أنْ يريد: الكَلِمَةَ في أمر القيامة، وأنَّ العقابَ والثوابَ إِنما يكونُ حينئذٍ. وقوله: {فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ} أي: إِنْ شاء فَعَلَ، وإِن شاء لَمْ يَفْعَلْ. وقوله: {فَٱنتَظِرُواْ }: وعيدٌ. وقوله سبحانه: {وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ...} الآية: هذه الآية في الكفَّار، وهي بعْدُ تتناول من العُصَاةِ مَنْ لا يؤدي شكر اللَّه عند زوال المَكْروه عنه، ولا يرتدعُ بذلك عن معاصيه، وذلك في الناس كثيرٌ، والرحمة هنا بعد الضرَّاء؛ كالمطر بعد القَحْط، والأمن بعد الخَوْف ونحو هذا ممَّا لا ينحصر، والمَكْر: ٱلاستهزاء والطَّعْن عليها مِن الكُفَّار وٱطِّراح الشكر والخوف من العصاة. وقال أبو عليٍّ: {أَسْرَعُ } من «سَرُعَ» لا من «أَسْرَعَ يُسْرِعُ»، إِذ لو كان من «أَسْرَعَ»، لكان شاذًّا. قال * ع * وفي الحديث في نار جهنم: « لَهِيَ أَسْوَدُ مِنَ القَارِ » وما حفظ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فليس بشَاذٍ. * ص *: وَرُدَّ بأَنْ «أَسْوَدُ» مِنْ «فَعِلَ» لا من «ٱفْعَلَّ»: تقولُ: سَوِدَ فَهُوَ أَسْوَدُ، وإِنما ٱمتنَعَ من «سَوِدَ» ونحوِه عِنْد البَصْرِيِّين؛ لأنه لَوْنٌ. انتهى.

البقاعي

تفسير : ولما بين شرارتهم بعبادة غير الله وختم بتنزيهه وكماله، بين أن هذا الدين الباطل حادث، وين نزاهته وكماله ببيان أن الناس كانوا أولاً مجتمعين على طاعته ثم خالفوا أمره فلم يقطع إحسانه إليهم بل استمر في إمهالهم مع تماديهم في سوء أعمالهم ما سبق في عمله ومضى به قضاءه فقال تعالى: {وما كان الناس} أي كلهم مع ما لهم من الاضطراب {إلا أُمة} ولما أفهم ذلك وحدتهم في القصد حققه وأكده فقال: {واحدة } أي حنفاء متفقين على طاعة الله {فاختلفوا} في ذلك على عهد نوح عليه السلام - كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما - عقب وحدتهم بسبب ما لهم من النوس فاستحق كافرهم تنجيز العقاب {ولولا كلمة} أي عظيمة {سبقت} أي في الأزل {من ربك} أي المحسن إليك برحمة أمتك بإمهالهم، وبين التأكيد بما دل على القسم لأجل إنكارهم أن يكون تأخيرهم لأجل ذلك فقال: {لقضي بينهم} أي عاجلاً بأيسر أمر {فيما} ولما لم يبين الكلام على الاتخاذ الذي محط أمره معالجة بالباطن، لم يذكر الضمير بخلاف الزمر فقال: {فيه} أي لا في غيره بأن يعجل جزاءهم عليه: {يختلفون*} وأشار ذلك إلى أن هذا الأمر الذي دعوا إليه ليس أمراً طارئاً حادثاً فيكون بحيث يتوقف فيه للنظر في عواقبه والتأمل في مصادره وموارده، بل هو - مع ظهور دلائله واستقامة مناهجه وصحة مذاهبه وإلقاء الفطر أزمة الانقياد إليه - أصل ما كان العباد عليه، وما هم فيه الآن هو الطارىء الحادث مع ظهور فساده ووضوح سقمه، وهو ناظر إلى قوله تعالى {أكان للناس عجباً} لأن قوله {قال الكافرون إن هذا لسحر مبين} دال على أنهم قسمان: كافر ومؤمن؛ والأمة: الجماعة على معنى واحد في خلق واحد كأنها تؤم - أي تقصد - شيئاً واحداً؛ ثم قال تعالى عطفاً على قوله {ويعبدون}: {ويقولون} أي أنهم لما أتتهم البينات قالوا: ائت بقرآن غير هذا، كافرين بمنزلها عابدين من دونه ما لا يرضى عاقل بتسويته بنفسه فكيف بعبادته قائلين بفرط عنادهم وتماديهم في التمرد {لولا} أي هلا ولم لا {أنزل} أي بأيّ وجه كان {عليه آية} أي واحدة كائنة وآتية {من ربه} أي المحسن إليه غير ماجاء به وذلك إما لطلبهم آية ملجئة لهم إلى الإيمان أو لكونهم لم يعدوا ما أنزل عليه عداد الآيات فضلاً عن كونها بينات، وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر بديعة في الآيات دقيقة المسلك بين المعجزات مع عجزهم عن معارضته بتبديل أو غيره، فأيّ عناد أعظم من هذا. ولما كان في ذلك شوب من الاستفهام، قال مسبباً عن قولهم: {فقل} قاصراً قصراً حقيقياً {إنما الغيب} أي الذي عناه عيسى عليه السلام بقوله{ أية : ولا أعلم ما في نفسك} تفسير : [المائدة: 116] وهو ما لم يطلع عليه مخلوق أصلاً {لله} أي الذي له الإحاطة الكاملة وحده، لا علم لي بعلة عدم إنزال ما تريدون، وهل تجابون إليه أو لا. ولما خصه سبحانه بالعلم. وكان إنزال الآيات من الممكنات. سبب عنه قوله: {فانتظروا} ثم أجاب من كأنه يقول له: فما تعمل أنت؟ بقوله: {إني معكم} أي في هذا الأمر غير مخالف لكم في التشوف إلى آية تحصل بها هدايتكم، ثم حقق المعنى وأكده فقال: {من المنتظرين*} أي لما يرد علي من آية وغيرها.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وما كان الناس إلا أمة واحدة‏} ‏ قال‏:‏ على الإِسلام‏. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله ‏{‏وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا‏} ‏ في قراءة ابن مسعود قال‏:‏ كانوا على هدى‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ‏ {‏وما كان الناس إلا أمة واحدة‏} ‏ قال‏:‏ آدم عليه السلام ‏ {‏واحدة فاختلفوا‏} ‏ قال‏:‏ حين قتل أحد ابني آدم أخاه‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏وما كان الناس‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ كان الناس أهل دين واحد على دين آدم فكفروا، فلولا أن ربك أجلهم إلى يوم القيامة لقضى بينهم.

ابو السعود

تفسير : {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} بـيانٌ لأن التوحيدَ والإسلامَ ملةٌ قديمةٌ أجمعت عليها الناسُ قاطبة فطرةً وتشريعاً وأن الشركَ وفروعَه جهالاتٌ ابتدعها الغواةُ خلافاً للجمهور وشقاً لعصا الجماعةِ، وأما حملُ اتحادِهم على الاتفاق على الضلال عند الفترةِ واختلافُهم على ما كان منهم من الاتباع والإصرارِ فمما لا احتمالَ له، أي وما كان الناسُ كافةً من أول الأمرِ إلا متفقين على الحق والتوحيد من غير اختلافٍ، وذلك من عهد آدمَ عليه الصلاة والسلام إلى أن قتل قابـيلُ هابـيلَ، وقيل: إلى زمن إدريسَ عليه السلام وقيل: إلى زمن نوحٍ عليه السلام وقيل: من حينِ الطوفانِ حينَ لم يذر الله من الكافرين دياراً إلى أن ظهر فيما بـينهم الكفرُ، وقيل: من لدُنْ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام إلى أن أظهر عمْرُو بنُ لحيَ عبادةَ الأصنام، فالمرادُ بالناس العربُ خاصةً وهو الأنسب بإيراد الآيةِ الكريمة إثرَ حكايةِ ما حُكي عنهم من الهَنات وتنزيهِ ساحةِ الكبرياء عن ذلك {فَٱخْتَلَفُواْ} بأن كفرَ بعضُهم وثبت آخرون على ما هم عليه فخالف كلٌّ من الفريقين الآخرَ لا أن كلاًّ منهما أحدث ملةً على حدة من ملل الكفرِ مخالفةً لملة الآخر، فإن الكلامَ ليس في ذلك الاختلافِ إذ كلٌّ منهما مبطِلٌ حينئذ فلا يُتصوَّر أن يُقضىٰ بـينهما بإبقاء المُحقّ وإهلاكِ المبطل، والفاء التعقيبـيةُ لا تنافي امتدادَ زمانِ الاتفاقِ إذ المرادُ بـيانُ وقوعِ الاختلاف عقيبَ انصرامِ مدةِ الاتفاقِ لا عقيبَ حدوثِ الاتفاق {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ} بتأخير القضاءِ بـينهم أو بتأخير العذابِ الفاصل بـينهم إلى يوم القيامة فإنه يومُ الفصل {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} عاجلاً {فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} بتميـيز الحقِّ من الباطل بإبقاء الحقِّ وإهلاكِ المبطل. وصيغةُ الاستقبال لحكاية الحالِ الماضيةِ وللدلالة على الاستمرار.

القشيري

تفسير : وذلك مِنْ زمان آدم عليه السلام إلى أن تحاربوا، والحق - سبحانه - سَبَق قضاؤه بتأخير حسابهم إلى الآخرة، ولذلك لا يُجِيبُهم إلى ما يستعجلونه من قيام القيامة. وإنما اختلفوا لأنَّ الله خَصَّ قوماً بعنايته وقبوله، وآخرين بإهانته وإبعاده، ولولا ذلك لَمَا كانت بينهم هذه المخالفة.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما كان الناس الا امة واحدة} اى على ملة واحدة فى عهد آدم عليه السلام الى ان قتل قابيل هابيل اوفى زمن نوح بعد الطوفان حين لم يبق على وجه الارض من الكافرين ديارا فان الناس كانوا متفقين على الدين الحق {فاختلفوا} اى تفرقوا الى مؤمن وكافر {ولولا كلمة سبقت من ربك} اى لولا الحكم الازلى بتأخير العذاب الفاصل بينهم الى يوم القيامة فانه يوم الفصل والجزاء {لقضى بينهم} عاجلا {فيما يختلفون} باهلاك المبطل وابقاء المحق. قال الكاشفى [هر آينه حكم كرده شدى ميان ايشان ران جنرى كه ايشان دران اختلاف ميكنند عذاب بيامدى ومبطل هلاك شدى ومحق بماندى] ويحتمل ان يكون المعنى ان الناس كانوا امة واحدة فى بدء الخلقة موجودين على اصل الفطرة التى فطر الناس عليها فاختلفوا بحسب تربية الوالدين كما قال عليه السلام "حديث : كل مولود يولد على الفطرة فابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" تفسير : ثم اختلفوا بعد البلوغ بحسب المعاملات الطبيعية والشرعية ثم هذا الاختلاف كما كان بين الامم السالفة كذلك كان بين هذه الامة فمن مؤمن ومن كافر ومن مبتدع وفى اختلافهم فائدة جليلة وحكمة عظيمة حيث ان الكمال الالهى انما يظهر بمظاهر جماله وجلاله لكن ينبغي للناس ان يكونوا على التآلف والتوافق دون التباغض والتفرق لان يد الله مع الجماعة وانما يأكل الذئب الشاة المنفردة -واوصى حكيم- اولاده عند موته وكانوا جماعة فقال لهم ائتونى بعصى فجمعها وقال اكسروها وهى مجموعة فلم يقدروا على ذلك ثم فرقها وقال لهم خذوا واحدة واحدة فاكسروها فكسروها فقال لهم هكذا انتم بعدى لن تغلبوا ما اجتمعتم فاذا تفرقتم تمكن منكم عدوكم فاهلككم وفى الحديث "حديث : اوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وان تأمر عليكم عبد وانه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ" تفسير : والمراد بالخلفاء ابو بكر وعمر وعثمان وعلى رضوان الله عليهم اجمعين. والراشدون جمع راشد اسم فاعل وهو الذى اتى بالرشد واتصف به وهو ضد الغى فالراشد ضد الغاوى والغاوى من عرف الحق وعمل بخلافه. والنواجذ آخر الاسنان والمعنى واظبوا على السنة والزموها واحرصوا عليها كما يفعل العاض على الشيء بنواجذه خوفا من ذهابه وتفلته وقد وقع هذا الاختلاف وسيقع الى ان يقوم المهدى وينزل عيسى عليه السلام: قال الحافظ شعر : تو عمر خواه وصبورى كه جرخ شعبده باز هزار بازى ازين طرفه تر برانكيزد تفسير : وقال شعر : روزى اكر غمى رسدت تنك دل مباش روشكر كن مباد كه ازبد بتر شود تفسير : قال بعض العلماء فى هذه الامة فرقة مختلفة تبغض العلماء وتعادى الفقهاء ولم يكن ذلك فيمن تقدم قبلنا من الامم بل كانوا منقادين لهم محبين كما وصفهم الله تعالى فى كتابه {أية : اتخذوا احبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله} تفسير : والفقيه اذا كان مبغوضا بين الناس فما ظنك بالعالم بالله الا تراهم اذا وجدوا الرجل كاملا في العلوم الظاهرة والباطنة متفردا فى فنه متميزا من جنسه متفوقا على اقرانه فمن قائل فى حقه انه زنديق ومن قائل انه مبتدع وقلما تسمع من يقول انه صديق فانظر الى غيرة الله تعالى كيف ستره عن الاغيار واخفى سره عن الاشرار: قال الحافظ شعر : معشوق عيان ميكذرد برتو وليكن اغيار همى بيند ازان بسته نقابست تفسير : قال رويم من المشايخ الكرام لا يزال الصوفية بخير ما تنافروا فاذا اصطلحوا هلكوا وذلك لانه لو قبل بعضهم بعضا ابقى بعضهم مع بعض وسكن بعضهم الى بعض والسكون الى غير الله تعالى عند الخواص من قبيل عبادة الاصنام عند العوام وهذا التبرى بين الصوفية المحققين ليس كالتبري بين اليهود والنصارى لان تبريهم فى الحق للحق وتبرى هؤلاء فى الباطل للباطل والحاصل ان من الخلاف ما كان مذموما وما كان ممدوحا فالمذموم هو ما كان في العقائد واصول الدين والممدوح هو ما كان فى الاعمال وفروع الدين كما قال عليه السلام "حديث : اختلاف الائمة رحمة" تفسير : وعن علي كرم الله وجهه قال له يهودي ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم فقال انما اختلفنا عنه لا فيه ولكنكم ما جفت ارجلكم من البحر حتى قلتم لنبيكم اجعل لنا آلها كما لهم وهذا من الاجوبة المسكتة والله يقول الحق وهو يهدى السبيل

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وما كان الناس إلا أمةً واحدةً} موحَّدين، على الفطرة الأصلية، أو متفقين على الحق، وذلك في عهد آدم، إلى أن قتل قابيل أخاه هابيل، أو بعد الطوفان إلى زمان اختلافهم، أو الأرواح حيث استخرجهم واستشهدهم، فاتفقوا على الإقرار، ثم اختلفوا، في عالم الأشباح باتباع الهوى والأباطيل، أو ببعثة الرسل فتبعتهم طائفة وكفرت اخرى. {ولولا كلمة سبقتْ من ربك} في اللوح المحفوظ، بتأخير الحكم، أو العذاب الفاصل بينهم إلى يوم القيامة، فإنه يوم الفصل والجزاء، {لقُضي بينهم} عاجلاً {فيما فيه يختلفون} بإهلاك المُبْطِل وإبقاء المحق. الإشارة: اختلاف الناس على الأولياء كاختلافهم على الأنبياء، أمر سبق به الحكم الأزلي لا محيد عنه، فمن طلب اتفاقهم عليه فهو جاهل بالله وبطريق أهل الله. والله تعالى أعلم. ثقم ذكر اقتراحهم الآيات، فقال: {وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ}.

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى في هذه الاية انه لم يكن الناس فيما مضى الا امة واحدة والامة الجماعة التي على معنى واحد في خلق او ما يستمر على عبادته بالظاهر، فعلى هذا الناس أمة والطير أمة. والمراد - ها هنا - أنها كانت على دين واحد. واختلفوا في الدين الذي كانوا مجتمعين عليه قبل حدوث الاختلاف بينهم على قولين: فقال الحسن كانوا على الشرك كما قال تعالى {أية : كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} تفسير : وقال الزجاج: أراد بذلك العرب الذين كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وآله فانهم كانوا مشركين، فلما بعث النبي آمن به قوم وكفر به آخرون. وقال الجبائي: انهم كانوا على الاسلام، في عهد آدم وولده وأنكر الأول. قال لأن الله تعالى قال {أية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}تفسير : فلو كانوا كلهم على الكفر لما كان فيهم شهيداً أصلا قال الرماني: لا يمتنع ان يكون الأمر على ما قال الحسن ويكون المراد التغليب كأن المسلمين كانوا قليلين، فلا يعتد بهم، فيجوز أن يقال فيهم أنهم امة مشركة كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال "حديث : ان الله نظر إلى اهل الأرض فمقتهم الا بقايا من أهل الكتاب"تفسير : . وقال مجاهد: فاختلفوا حين قتل ابن آدم أخاه. والاختلاف هو الذهاب في الجهتين فصاعداً من الجهات، وحدّ المختلفين ان لا يسد احدهما مسد صاحبه فيما يرجع إلى ذاته كما لا يسد السواد مسد البياض. وقوله {ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم} معناه لولا كلمة سبقت من ربك من انه لا يعاجل العصاة بالعقوبة انعاماً عليهم في التأني بهم {لقضي بينهم} في اختلافهم بما يضطرهم إلى علم المحق من المبطل. وقيل معنى ذلك {لقضي بينهم} اي فصل بينهم بأن اهلك العصاة وانجى المؤمنين، لكنه أخرهم إلى يوم القيامة تفضلا منه وزيادة في الانعام عليهم.

الأعقم

تفسير : {وما كان الناس إلاَّ أمة واحدة} حنفاء متفقين على ملَّة واحدة من غير أن يختلفوا بينهم وذلك على هدم آدم إلى أن قتل قابيل هابيل، وقيل: بعد الطوفان حين لم يذر الله من الكافرين دياراً {ولولا كلمة سبقت من ربك} وهو تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة {لقضي بينهم} عاجلاً فيما اختلفوا فيه ويميز المحق من المبطل {ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه} الآية نزلت في أهل مكة أرادوا به من الآيات التي كانوا يقترحون وكانوا لا يقتدون بما أنزل الله من الآيات العظام المتكاثرة التي لم ينزل على أحد من الأنبياء مثلها، وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر، {فقل إنما الغيب لله} أي هو المختص بعلم الغيب المستأثر به لا علم لي ولا لأحد معه {فانتظروا} نزول ما اقترحتموه إني منتظر لما ينزل الله بكم لعنادكم وجحودكم الآيات فسلط الله القحط على أهل مكة سبع سنين حتى كادوا يهلكون {وإذا أذقنا الناس} منا {رحمة من بعد ضراء} أي رحمة ورخاء، من بعد شدة وبلاء، وقيل: أراد السعة بعد القحط {إذا لهم مكر في آياتنا} أي جعلوا مكان الشكر في ظل نعمه كفراً، وقيل: مكروا بالدين وأهله ودبروا في إبطال الآيات، وقيل: احتالوا في أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {ان رسلنا يكتبون ما تمكرون} يعني الملائكة يكتبون أعمالهم ليجازيهم بها يوم القيامة {هو الذي يسيركم في البر} على الظهور {و} في {البحر} على السفن، ومتى قيل: لم أضاف السير إليه؟ قلنا: لأنه بأمره ومعونته، وقيل: تسخيره الأنعام في البر والسفن في البحر {وجرين بهم} يعني جرت السفن بالناس كما ركبوها {بريح طيبة} لينة {وفرحوا بها} أي سروا بتلك الريح {جاءتها ريح عاصف} أي ريح شديدة الهبوب {وجاءهم الموج} اضطراب البحر {من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم} يعني أيقنوا أن الهلاك أحاط بهم {دعوا الله مخلصين له الدين} أي أخلصوا الاعتقاد {لئن أنجيتنا من هذه} يعني ويقولون لئن خلصتنا من هذه الريح العاصف أو من شدائد {لنكونن من الشاكرين} {فلما أنجاهم} أي خلصهم {إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق}، قيل: يظلم بعضهم بعضاً، وقيل: يبغون على أولياء الله تعالى، وقيل: البغي سفك الدماء المحرم وغصب الأموال وانتهاك المحرمات {يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم} يعني عاقبة ظلمكم وبغيكم يعود عليكم فيعاقبكم عليه يوم القيامة وهو وعيد وزجر، قوله تعالى: {متاع الحياة الدنيا} تنتفعون بها مدة حياتكم {ثم إلينا مرجعكم} مصيركم {فننبئكم بما كنتم تعملون} وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أسرع الخير ثواباً صلة الرحم واعجل الشر عقاباً البغي واليمين الفاجرة"تفسير : ، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : اثنتان يعجلهما الله في الدنيا البغي وعقوق الوالدين" تفسير : وعن ابن عباس: لو بغى جبل على جبل لاندَّكَّ منه عاليه وأسفله، قال الشاعر: شعر : يا صاحب البغي إن البغي مصرعه فارتع فخير فعال المرء أعدله فلو بغي جبلٌ يوماً على جبلٍ لاندَّكَّ منه أعاليه وأسفله

الهواري

تفسير : قوله: { وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً}. قال بعضهم: على الإِسلام ما بين آدم إلى نوح. وكان بينهم عشرة آباء. وقال مجاهد: كان الناس أمة واحدة، وآدم وحده. وقال غيره: كان الناس أمة واحدة: آدم وحواء. { فَاخْتَلَفُوا} أي: حين قتل ابن آدم أخاه. وقال الحسن: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} أهل ضلالات، إلا الخاصة من الناس. وذلك من وفاة آدم إلى مبعث نوح، فإن الأرض لم تخل من أن تكون فيها حجة. {فَاخْتَلَفُوا} أي حتى أتتهم الأنبياء، فآمن بعضهم وكفر بعضهم. وقال مجاهد: فاختلفوا حِيْن قتل ابن آدم أخاه. قوله: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}، تفسير الحسن أنه يعني المؤمنين والكافرين. لولا أن الله قضى ألا يحاسب بحساب الآخرة في الدنيا لحاسبهم في الدنيا بحساب الآخرة، فأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. قوله: { وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ} أي هلا أنزل عليه {ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ} يعنون الآيات التي كانت الأمم تسألها أنبياءها. فقال: { فَقُلْ إِنَّمَا الغَيْبُ لِلَّهِ} وهو كقوله (أية : إِنَّمَا الأَيَاتُ عِندَ اللهِ) تفسير : [الأنعام:109] أي: إذا شاء أنزلها. {فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ المُنتَظِرِينَ} أي فستعلمون بمن ينزل عليه العذاب.

اطفيش

تفسير : {وما كانَ النَّاسُ إلا أمةً واحِدةً} على الإسلام، وذلك على عهد آدم عليه السلام {فاخْتلفُوا} إسلاماً وكفراً حين قتل قابيل هابيل ظلماً، وذلك أيضا على عهد آدم، وقيل: كانوا أمة متفقة على الإسلام إلى زمان نوح عليه السلام، فاختلفوا فبعثه الله تعالى، ولا يرد على هذا ذكر قابيل ونحوه من الشواذ. وقيل: المراد أنهم فى سفينة نوح، وبعد الخروج منها أمة متفقة على الإسلام، واختلفوا بعد ذلك، وذكر بعضهم أن المراد أنهم العرب، كانوا على الإسلام من لدن إبراهيم الخليل، إلى أن غيره عمرو بن يحيى أبو خزاعة، رحل إلى الشام، فرأى العماليق يعبدون الأصنام، فأعجبه ذلك فقال: ما هذه الأصنام التى أراكم تعبدونها؟ قالوا: هذه أصنام نستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال أعطونى منها صنما أسير به إلى أرض العرب فيعبدونه، فأعطوه صنما يقال له هبل، فنصبه بمكة، وأمر بتعظيمه وعبادته. وقيل: إن أول ما كانت عبادة الأحجار فى بنى إسماعيل، كانوا لا يظعنون عن مكة فضاقت فتفرقوا فى البلاد، وما ظعن منها أحد إلا حمل معه حجراً من الحرم تعظيماً له، فحيث ما نزل وضعه وطاف به كالكعبة، وأفضى ذلك بهم إلى أن عبدوا ما استحسنوا من الحجارة. وقيل: المراد أنهم أمة واحدة، حين خرجوا من ظهر آدم كالذر، متفقون على الإسلام، واختلفوا بعد ذلك فى أزمنتهم كفراً إيماناً، وقيل: اتفاقهم على الإسلام حين ولادة كل، فإن كل مولود قد ولد على الإسلام حتى يكون أبواه يعلمانه الضلال، وقيل: المراد اتفاقهم على الكفر حتى بعث الله الرسل بعد الفترة، فاختلفوا فبعض أصر على الكفر، وبعض أسلم، فلا تطمع يا محمد فى أن يكونوا كلهم مؤمنين، فإنهم كانوا أولا على الكفر، والإسلام حادث فيهم، وهذا تسلية، وهذا قول الحسن وطائفة، وقيل: الأمة الواحدة آدم، وقيل: آدم وحواء. {ولَوْلا كَلمةٌ سبقَتْ} نعت لا خبر، وأجاز بعضهم ذكر الخبر بعد لولا إذ كان كونا خاصا، وحذفه إذا دل عليه دليل، وأوجب ذكره إن لم يدل عليه، فعلى هذا يجوز كون سبقت خبراً {مِنْ ربِّك} إن رحمتى سبقت غضبى، أو إن الحكم بينهم يوم القيامة لا قبله، أو إن الثواب والعقاب فيه لا قبله. {لقُضِىَ بيْنَهُم} حكم بينهم فى الدنيا بإهلاك المبطل وإبقاء المحق، أو بإدخاله النار، والمحق الجنة {فِيما فيهِ يخْتلفُون} من الدين، وقرأ عيسى بن عمرو لقضا بالألف بعد الضاد، وفتح القاف والضاد.

اطفيش

تفسير : {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} على عهد آدم إِلى أَن قتل قابيل هابيل، وأَوصله ذلك وأَولاده إِلى الإِشراك، وهو الصحيح لصحة الإِشراك المذكور، وقيل إِلى إِدريس، وكانت الملائِكة تصافحه إِلى أَن رفع، وقيل إِلى زمان نوح، وفى زمانه وقع الإِشراك، وقيل من حيث الطوفان إِلى أَن أَشركت ثمود لأَن الله عز وجل لم يذر على الأَرض من الكافرين دياراً، وقيل من بعثه إِبراهيم عليه السلام إِلى أَن غيره ثمروذ وقيل من بعد قتل نمروذ إِلى أَن أَظهر عمرو بن لحى عبادة الحجر، وهو من أَهل مكة. وعليه فالناس العرب وهو أَنسب بذكر الآية بعد ذكر أَحوالهم من عبادة الأَصنام، وقيل إِلا أُمة واحدة على الكفر فى زمان الفترة بعد بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لاتصاله إِليه صلى الله عليه وسلم أَولى من قول من قال فى زمان قبل بعثة إِبراهيم عليه السلام، وقول من قال فى زمان بعد بعثة نوح عليه السلام، والمراد الأَكثر لما ثبت أَنه ما خلت أُمة إِلا وفيها مؤمن، وإِن الأَرض لا تخلو عمن يعبد الله وعن قوم بهم يمطرون وبهم يرزقون كالأَوتاد والغوث والقطب. وعلى هذه الأقوال فى الاتفاق على الشرك تكون فائِدة ذكره تسليته عن شرك قومه وعنادهم، وفى الاتفاق فى الخلق على الإِسلام: كل مولود يولد على الفطرة {فَاخْتَلَفُوا} بعض مسلم وبعض كافر وبعض بقى على الفطرة وبعض خرج عنها {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} الجملة نعت لا خبر، والكلمة قضاؤه بتأْخير العذاب والثواب إِلى يوم القيامة، وهو يوم الجزاءِ أَو تأْخيراً لمزيتهم بإِنجاءِ المؤمنين وإِهلاك الكافر، أَو بِإِنزال آية ملجئِة إِلى اتباع الحق وهذا ضعيف، {لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ} فى الدنيا بإِهلاك الكافر وإِنجاءِ المؤْمن {فِيمَا} أَى فى شأْن أَو سبب ما {فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من الدين، ولم يقل اختلفوا لحكاية الحال الماضية.

الالوسي

تفسير : {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي وما كان الناس كافة من أول الأمر إلا متفقين على الحق والتوحيد من غير اختلاف، وروي هذا عن ابن عباس والسدي ومجاهد والجبائي وأبـي مسلم، ويؤيده قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه {وما كان الناس إلا أمة واحدة على هدى} وذلك من عهد آدم عليه الصلاة والسلام إلى أن قتل قابيل هابيل، وقيل: إلى زمن إدريس عليه الصلاة والسلام، وقيل: إلى زمن نوح عليه الصلاة والسلام، وكانوا عشرة قرون، وقيل: كانوا كذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام بعد أن لم يبق على الأرض من الكافرين ديار إلى أن ظهر بينهم الكفر، وقيل: من لدن إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى أن أظهر عمرو بن لحي عبادة الأصنام وهو المروي عن عطاء، وعليه فالمراد من {ٱلنَّاسِ} العرب خاصة وهو الأنسب بإيراد الآية الكريمة إثر حكاية ما حكى منهم من الهنات وتنزيه ساحة الكبرياء عن ذلك. / {فَٱخْتَلَفُواْ} بأن كفر بعضهم وثبت الآخرون على ما هم عليه فخالف كل من الفريقين الآخر، والفاء للتعقيب وهي لا تنافي امتداد زمان الاتفاق إذ المراد بيان وقوع الاختلاف عقيب انصرام مدة الاتفاق لا عقيب حدوثه. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ} بتأخير القضاء بينهم أو العذاب الفاصل بينهم إلى يوم القيامة فإنه يوم الفصل والجزاء {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} عاجلاً {فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} بأن ينزل عليهم آيات ملجئة إلى اتباع الحق ورفع الاختلاف أو بأن يهلك المبطل ويبقى المحق، وصيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية والدلالة على الاستمرار. ووجه ارتباط الآية بما قبلها أنها كالتأكيد لما أشار إليه من أن التوحيد هو الدين الحق حيث أفادت أنه ملة قديمة اجتمعت عليها الأمم قاطبة وأن الشرك وفروعه جهالات ابتدعها الغواة خلافاً للجمهور وشقاً لعصا الجماعة، وقيل: وجه ذلك أنه سبحانه بين فيما قبل فساد القوم بعبادة الأصنام وبين في هذه أن هذا المذهب ليس مذهباً للعرب من أول الأمر بل كانوا على الدين الحق الخالي عن عبادة الأصنام وإنما حدثت فيهم عبادتها بتسويل الشياطين. قيل: والغرض من ذلك أن العرب إذا علموا أن ما هم عليه اليوم لم يكن من قبل فيهم وإنما حدث بعد أن لم يكن لم يتعصبوا لنصرته ولم يتأذوا من تزييفه وإبطاله. وعن الكلبـي أن معنى كونهم أمة واحدة اتفاقهم على الكفر وذلك في زمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وروي مثله عن الحسن إلا أنه قال: كانوا كذلك من لدن وفاة آدم إلى زمن نوح عليهما السلام ثم آمن من آمن وبقي من بقي على الكفر. وفائدة إيراد هذا الكلام في هذا المقام تسليته صلى الله عليه وسلم كأنه قيل: لا تطمع في أن يصير كل من تدعوه إلى الإيمان والتوحيد مجيباً لك قابلاً لدينك فإن الناس كلهم كانوا على الكفر وإنما حدث الإيمان في بعضهم بعد ذلك فكيف تطمع في اتفاق الكل عليه. واعترض بأنه يلزم على هذا خلو الأرض في عصر عن مؤمن بالله تعالى عارف به وقد قالوا: إن الأرض في كل وقت لا تخلو عن ذلك. وأجيب بأن عدم الخلو في حيز المنع فقد ورد في بعض الآثار أن الناس قبل يوم القيامة ليس فيهم من يقول الله الله، وعلى تقدير التسليم المراد بالاتفاق على الكفر اتفاق الأكثر. والحق أن هذا القول في حد ذاته ضعيف فلا ينبغي التزام دفع ما يرد عليه، وأضعف منه بل لا يكاد يصح كون المراد أنهم كانوا أمة واحدة فاختلفوا بأن أحدث كل منهم ملة على حدة من ملل الكفر مخالفة لملة الآخر لأن الكلام ليس في ذلك الاختلاف إذ كل من الفريقين مبطل حينئذٍ فلا يتصوران يقضي بينهما بإبقاء المحق وإهلاك المبطل أو بإلجاء أحدهما إلى اتباع الحق ليرتفع الاختلاف كما لا يخفى. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {أية : الر}تفسير : [يونس: 1] إشارة إلى الذات الذي هو أول الوجود و (ل) إشارة إلى العقل المسمى جبريل عليه السلام وهو أوسط الوجود الذي يستفيض من المبدأ ويفيض إلى المنتهى، و (ر) إشارة إلى الرحمة التي هي الذات المحمدية وهي في الحقيقة أول ووسط وآخر لكن الاعتبارات مختلفة، وكأن ذلك قسم منه تعالى بالحقيقة المحمدية على أن ما تضمنته السورة أو القرآن من الآي آيات الكتاب المتقن وقيل: المعنى ما أشير إليه بهذه الأحرف أركان كتاب الكل ذي الحكمة أو المحكم ومعظم تفاصيله {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مّنْهُمْ} إنكار لتعجبهم من سنة الله الجارية وهي الإيحاء إلى رجل، وكان ذلك لبعدهم عن مقامهم وعدم مناسبة حالهم لحاله ومنافاة ما جاء به لما اعتقدوه {أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ} أي خوفهم / من أن يشركوا بـي شيئاً {وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبّهِمْ} سابقة عظيمة وقربة ليس لأحد مثلها، وقيل: سابقة رحمة أودعها في محمد صلى الله عليه وسلم {قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ} أي المحجوبون عن الله تعالى {إِنَّ هَذَا} أي الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم {أية : لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ }تفسير : [يونس: 2] لما رأوه خارجاً عن قدرهم واحتجبوا بالشيطنة عن الوقوف على حقيقة الحال قالوا ذلك {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} أي أوقات مقدار كل يوم منها دورة الفلك الأعظم مرة واحدة كما نص عليه الشيخ الأكبر والستة عدد تام واختاره الله تعالى لما فيه من الأسرار {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} أي الملك {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ} على وفق حكمته بيد قدرته، وقد يفسر العرش بقلب الكامل فالكلام إشارة إلى خلق الإنسان الذي انطوى فيه العالم بأسره {مَا مِن شَفِيعٍ} يشفع لأحد بدفع ما يضره أو جلب ما ينفعه {إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} بموهبة الاستعداد ثم بتوفيق الأسباب {ذٰلِكُمْ} الموصوف بهذه الصفات الجليلة {ٱللَّهُ رَبُّكُمُ} الذي يريكم ويدبر أمركم {فَاعْبُدُوه} فخصوه بالعبادة واعرفوه بهذه الصفات ولا تعبدوا الشيطان ولا تحتجبوا عنه تعالى فتنسبوا قوله وفعله إلى الشيطان {أية : أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}تفسير : [يونس: 3] آياته التي خطها بيد قدرته في صحائف الآفاق والأنفس فتتفكروا فيها وتنزجروا عن الشرك به سبحانه {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} بالعود إلى عين الجمع المطلق في القيامة الصغرى أو إلى عين جمع الذات بالفناء فيه تعالى عند القيامة الكبرى كذا قيل، وقال بعض العارفين: إن مرجع العاشقين جماله ومرجع العارفين جلاله ومرجع الموحدين كبرياؤه ومرجع الخائفين عظمته ومرجع المشتاقين وصاله ومرجع المحبين دنوه ومرجع أهل العناية ذاته، وقال الجنيد قدس سره في الآية: إنه تعالى منه الابتداء وإليه الانتهاء وما بين ذلك مرابع فضله وتواتر نعمه {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّا إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي يبدؤه في النشأة الأولى ثم يعيده في النشأة الثانية أو يبدأ الخلق باختفائه وإظهارهم ثم يعيده بإفنائهم وظهوره { أية : لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }تفسير : [يونس: 4] أي يفعل ذلك ليجزي المؤمن والكافر على حسب ما يقتضيه عمل كل، {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاءً} أي جعل شمس الروح ضياء الوجود {وَٱلْقَمَرَ} أي قمر القلب {نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} أي مقامات {لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسّنِينَ} أي سني مراتبكم وأطواركم في المسير إليه وفيه تعالى: {أية : وَٱلْحِسَابَ} تفسير : [يونس: 5] أي حساب درجاتكم ومواقع أقدامكم في كل مقام ومرتبة، ويقال: جعل شمس الذات ضياء للأرواح العارفة وجعل قمر الصفات نوراً للقلوب العاشقة ففنيت الأرواح بصولة الذات في عين الذات وبقيت القلوب بمشاهدة الصفات في عين الصفات وهذه الشمس المشار إليها لا تغيب أصلاً عن بصائر الأرواح ومن هنا قال قائلهم: شعر : هي الشمس إلا أن للشمس غيبة وهذا الذي نعنيه ليس يغيب تفسير : {إِنَّ فِى ٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ} أي غلبة ظلمة النفس على القلب {وَٱلنَّهَارَ} أي نهار إشراق ضوء الروح عليه {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ} أي سماوات الأرواح {وٱلأَرْضِ} أي أرض الأجساد {أية : لأَيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ }تفسير : [يونس: 6] حجب صفات النفس الأمارة {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} أي يوصلهم إلى الجنات الثلاث بحسب نور إيمانهم فقوله سبحانه: {أية : تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ}تفسير : [يونس: 9] كالبيان لذلك {دَعْوَاهُمْ} الاستعدادي {فِيهَا} أي في تلك الجنات {سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ} إشارة إلى تنزيهه تعالى والتنزيه في الأولى عن الشرك في الأفعال بالبراءة عن حولهم وقوتهم وفي الثانية عن الشرك في الصفات بالانسلاخ عن صفاتهم وفي الثالثة / عن الشرك في الوجود بفنائهم {وَتَحِيَّتُهُمْ} أي تحية بعضهم لبعض أو تحية لله تعالى {فِيهَا سَلَـٰمٌ} أي إفاضة أنوار التزكية وإمداد التصفية أو إشراق أنوار التجليات وإمداد التجريد وإزالة الآفات {أية : وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [يونس: 10] أي آخر ما يقتضيه استعدادهم قيامهم بالله تعالى في ظهور كمالاته وصفات جلاله وجماله عليهم وهو الحمد الحقيقي منه وله سبحانه {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا} أو استغرق أوقاته في الدعاء {أية : فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرّ مَّسَّهُ }تفسير : [يونس: 12] هذا وصف الذين لم يدركوا حقائق العبودية في مشاهد الربوبية فإنهم إذا أظلم عليهم ليل البلاء قاموا إلى إيقاد مصباح التضرع فإذا انجلت عنهم الغياهب بسطوع أنوار فجر الفرج نسوا ما كانوا فيه ومروا كأن لم يدعوا مولاهم إلى كشف ما عناهم. شعر : كأن الفتى لم يعر يوماً إذا اكتسى ولم يك صعلوكاً إذا ما تمولا تفسير : ولو كانوا عارفين لم يبرحوا دارة التضرع وإظهار العبودية بين يديه تعالى في كل حين {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} على الفطرة التي فطر الله الناس عليها متوجهين إلى التوحيد متنورين بنور الهداية الأصلية {فَٱخْتَلَفُواْ} بمقتضيات النشأة واختلاف الأمزجة والأهوية والعادات والمخالطات {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ} وهو قضاؤه سبحانه الأزلي بتقدير الآجال والأرزاق {أية : لَّقُضِىَ بِيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }تفسير : [يونس: 19] بإهلاك المبطل وإبقاء المحق، والمراد أن حكمة الله تعالى اقتضت أن يبلغ كل منهم وجهته التي ولى وجهه إليها بأعماله التي يزاولها هو وإظهار ما خفي في نفسه وسبحان الحكيم العليم.

ابن عاشور

تفسير : جملة معترضة بين جملة {أية : يعبدون} تفسير : [يونس:18 ] وجملة: {أية : ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه}تفسير : [يونس: 20]. ومناسبة الاعتراض قوله: {قل أتنبئون الله بما لا يعلم} لأن عبادة الأصنام واختراع صفة الشفاعة لها هو من الاختلاف الذي أحدثه ضلال البشر في العقيدة السليمة التي فطر الله الناس عليها في أول النشأة، فهي مما يشمله التوبيخ الذي في قوله: {أية : أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض}تفسير : [يونس: 18]. وصيغة القصر للمبالغة في تأكيد الخبر لأنه خبر مهم عجيب هو من الحِكم العُمرانية والحقائق التاريخية بالمكان الأسمى، إذ القصر تأكيد على تأكيد باعتبار اشتماله على صيغتي إثبات للمثبَت ونفي عما عداه، فهو أقوى من تأكيد رد الإنكار، ولذلك يؤذن برد إنكار شديد. وحسَّن القصر هنا وقوعه عقب الجدال مع الذين غيروا الدين الحق وروجوا نحلتهم بالمعاذير الباطلة كقولهم: {أية : هؤلاء شفعاؤنا عند الله}تفسير : [يونس: 18]، وقوله: {أية : ما نبعدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}تفسير : [الزمر: 3]، بخلاف آية سورة [البقرة: 213]{أية : كان الناس أمة واحدة}تفسير : فإنها وقعت في سياق المجادلة مع أهل الكتاب لقوله: {أية : سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة}تفسير : [البقرة: 211] وأهل الكتاب لا ينكرون أن الناس كانوا أمة واحدة. فآية هذه السورة تشير إلى الوحدة الاعتقادية ولذلك عبر عن التفرق الطارىء عليها باعتبار الاختلاف المشعر بالمذمة والمعقب بالتخويف في قوله: {ولولا كلمة سبقت} إلى آخره، وآية سورة البقرة تشير إلى الوحدة الشرعية التي تجمعها الحنيفية الفطرية، ولذلك عبر عن التفرق الذي طرأ عليها بأن الله بعث النبيين مبشرين ومنذرين، ثم جاء ذكر الاختلاف عرضاً عقب ذلك بقوله: {أية : وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه}تفسير : [البقرة: 213]. وأريد به الاختلاف بين أتباع الشرائع لقوله: {أية : وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه}تفسير : [البقرة: 213]. وتقدم القول في {أية : كان الناس أمة واحدة}تفسير : في سورة [البقرة: 213]. والناس: اسم جمع للبشر. وتعريفه للاستغراق. والأمة: الجماعة العظيمة التي لها حال واحد في شيء مَّا. والمراد هنا أمة واحدة في الدين. والسياق يدل على أن المراد أنها واحدة في الدين الحق وهو التوحيد لأن الحق هو الذي يمكن اتفاق البشر عليه لأنه ناشيء عن سلامة الاعتقاد من الضلال والتحْريف. والإنسان لما أنشىء على فطرة كاملة بعيدة عن التكلف. وإنما يتصور ذلك في معرفة الله تعالى دون الأعمال، لأنها قد تختلف باختلاف الحاجات، فإذا جاز أن يحدث في البشر الضلال والخطأ فلا يكون الضلال عاماً على عقولهم، فتعين أن الناس في معرفة الله تعالى كانوا أمة واحدة متفقين على التوحيد لأن الله لما فطر الإنسان فطره على عقل سليم موافق للواقع، ووَضَع في عقله الشعور بخالق وبأنه واحد وضعاً جِبلِّياً كما وضَع الإلهامات في أصناف الحيوان. وتأيد ذلك بالوحي لأبي البشر وهو آدم عليه السلام. ثم إن البشر أدخلوا على عقولهم الاختلاف البعيد عن الحق بسبب الاختلاق الباطل والتخيل والأوهام بالأقيسة الفاسدة. وهذا مما يدخل في معنى قوله تعالى: {أية : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}تفسير : [التين: 4 ـ 6]، فتعين أن المراد في هذه الآية بكون الناس أمةً واحدة الوحدة في الحق، وأن المقصود مدح تلك الحالة لأن المقصود من هذه الآية بيان فساد الشرك وإثبات خطأ منتحليه بأن سلفهم الأول لم يكن مثلهم في فساد العقول، وقد كان للمخاطبين تعظيم لما كان عليه أسلافهم، ولأن صيغة القصر تؤذن بأن المراد إبطال زعم من يزعم غير ذلك. ووقوعُه عقب ذكر من يعبدون من دون الله أصناماً لا تضرهم ولا تنفعهم يدل على أنهم المقصود بالإبطال، فإنهم كانوا يحسبون أن ما هم عليه من الضلال هو دين الحق، ولذلك صوروا إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام في الكعبة. حديث : فقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح «كَذبوا والله إِنْ استقسما بها قَطِ، وقرأ: {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين} [آل عمران: 67]»تفسير : وبهذا الوجه يجعل التعريف في {الناس} للاستغراق. ويجوز أن يراد بالناس العربُ خاصة بقرينة الخطاب ويكون المراد تذكيرهم بعهد أبيهم إبراهيم عليه السلام إذ كان هو وأبناؤه وذريتهم على الحنيفية والتوحيدِ كما قال تعالى: {أية : وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني بَراء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمةً باقية في عقبه لعلهم يرجعون}تفسير : [الزخرف: 26 ـ 28]، أي في عقبه من العرب، فيكون التعريف للعهد. وجملة: {ولولا كلمة سبقت من ربك} إخبار بأن الحق واحد، وأن ذلك الاختلاف مذموم، وأنه لولا أن الله أراد إمهال البشر إلى يوم الجزاء لأراهم وجه الفصل في اختلافهم باستيصال المُبطل وإبقاءِ المحق. وهذه الكلمة أجملت هنا وأشير إليها في سورة [الشورى: 14] بقوله: {أية : ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مُسمى لقضي بينهم}.تفسير : والأجل: هو أجل بقاء الأمم، وذلك عند انقراض العالم، فالقضاء بينهم إذن مؤخر إلى يوم الحساب. وأصرح من ذلك في بيان معنى (الكلمة) قولُه في سورة [هود: 118] {أية : ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمةُ ربك لأملأنَّ جهنم من الجنة والناس أجمعين}تفسير : وسيأتي بيانها. وتقديم المجرور في قوله: {فيما فيه يختلفون} للرعاية على الفاصلة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أمة واحدة: أي على دين واحد هو الإِسلام. فاختلفوا: أي تفرقوا بأن بقي بعض على التوحيد وبعض على الشرك. كلمة سبقت: بإبقائهم إلى آجالهم ومجازاتهم يوم القيامة. آية: خارقة كناقة صالح عليه السلام. إنما الغيب لله: اي إن علم الآية متى تأتي من الغيب والغيب لله وحده فلا أنا ولا أنتم تعلمون إذاً فانتظروا إنا معكم من المنتظرين. معنى الآيتين: يخبر تعالى رسوله بحقيقة علمية تاريخية من شأن العلم بها المساعدة على الصبر والتحمل فيقول {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي في زمن سابق أمة واحدة على دين التوحيد دين الفطرة ثم حدث أن أحدثت لهم شياطين الجن والإِنس البدع والأهواء والشرك فاختلفوا فمنهم من ثبت على الإِيمان والتوحيد ومنهم من كفر بالشرك والضلال. وقوله تعالى {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} وهي أنه لا يعجل العذاب للأمم والأفراد بكفرهم وإنما يؤخرهم إلى آجالهم ليجزيهم في دار الجزاء بعذاب النار يوم القيامة لولا كلمته والتي هي {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [ص: 85] لعجل لهم العذاب فحكم بينهم بأن أهلك الكافر وأنجى المؤمن. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [19] أما الآية الثانية [20] فيخبر تعالى عن المشركين أنهم قالوا {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} أي هلاَّ أُنزل على محمد آية خارقة من ربه لنعلم ونستدل بها على أنه رسول الله وقد يريدون بالآية عذاباً فلذا أمر الله رسوله أن يرد عليهم بقوله {إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ} فهو وحده يعلم متى يأتيكم العذاب وعليه {فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ} ولم تطل مدة الانتظار ونزل بهم العذاب ببدر فهلك رؤساؤهم وأكابر المستهزئين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الأصل هو التوحيد والشرك طارىء. 2- الشر والشرك هما اللذان يحدثان الخلاف في الأمة والتفرق فيها أما التوحيد والخير فلا يترتب عليهما خلاف ولا حرب ولا فرقة. 3- بيان علة بقاء أهل الظلم والشرك يظلمون ويفسدون إلى آجالهم. 4- الغيب كله لله فلا أحد يعلم الغيب إلا الله ومن علَّمه الله شيئاً منه وهذا خاص بالرسل لإِقامة الحجة على أممهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَاحِدَةً} (19) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الشِّرْكَ حَادِثٌ فِي النَّاسِ، كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّ النَّاسَ كَانُوا جَمِيعاً أُمَّةً وَاحِدَةً عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلاَمِ، ثُمَّ وَقَعَ الاخْتِلاَفُ بَيْنَ النَّاسِ، وَعُبِدَتِ الأَصْنَامُ وَالأَوْثَانُ وَالأَنْدَادُ، فَبَعَثَ اللهُ الرُّسُلَ بِآيَاتِهِ وَبِيِّنَاتِهِ وَحُجَجِهِ البَالِغَةِ، وَبَرَاهِينِهِ الدَّامِغَةِ، لِهِدَايَتِهِمْ وَإِزَالَةِ الاخْتِلاَفِ بَيْنَهُمْ، وَأَيَّدَ الرُّسُلَ بِكُتُبِهِ وَوَحْيِهِ، وَلَوْلاَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ اللهِ تَعَالى أَنَّهُ لاَ يُعَذِّبُ أَحداً إِلاَّ بَعْدَ قِيَامِ الحُجَّةِ عَلَيهِ، وَأَنَّهُ أَجَّلَ الخَلْقَ إِلى أَجَلٍ مَوْعُودٍ، هُوَ يَوْمُ القِيَامَةِ، لَقَضَى بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَأَسْعَدَ المُؤْمِنينَ، وَأَعْنَتَ الكَافِرِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقد جاءت آية في سورة البقرة متشابهة مع هذه الآية وإن اختلف الأسلوب، فقد قال الحق سبحانه في سورة البقرة: {أية : كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ}تفسير : [البقرة: 213] والذين يقرأون القرآن بسطحية وعدم تعمق قد لا يلتفتون إلى الآيات المشابهة لها في المعنى العام، وهذه الآيات توازن بين المعاني فلا تضارب بين آية وأخرى. ولذلك نجد بين المفكرين العصريين من يقول: إن الناس كانوا كلهم كفاراً، ثم ارتقى العقل محاولاً اكتشاف أكثر الكائنات قوة؛ ليعبدوه، فوجدوا أن الجبل هو الكائن العالي الصلب؛ فعبدوه. وأناس آخرون قالوا: إن الشمس أقوى الكائنات فعبدوها، وآخرون عبدوا القمر، وعبد قوم غيرهم النجوم، واتخذ بعض آخر آلهة من الشجر، وكل جماعة نظرت إلى جهة مختلفة تتلمس فيها القوة. وهم يأخذون من هذا أن الإنسان قد اهتدى إلى ضرورة الدين بعقله، ثم ظل هذا العقل في ارتقاء إلى أن وصل إلى التوحيد. ونرد على أصحاب هذا القول: أنتم بذلك تريدون أن تعزلوا الخلق عن خالقهم، وكأن الله الذي خلق الخلق وأمدهم بقوام حياتهم المادية قد ضَنَّ عليهم بقوام حياتهم المعنوية، وليس هذا من المقبول أو المعقول، فكيف يضمن لهم الحياة المادية، ولا يضمن لهذه المادية قيماً تحرسها من الشراسة وتحميها من الفساد والإفساد؟ وقوله الحق: {أية : كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [البقرة: 213]. لذلك فَهِمَ البعض أن الناس كانوا أمة واحدة في الكفر، وحين جاء النبيون، اختلف الناس؛ لأن منهم من آمن ومنهم من ظل على الكفر، ولكن لو أحسن الذين قالوا مثل هذا القول الاستنباط وحسن الفهم عن الله لوجدوا أن مقصود الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها الآن إنما هو: ما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا؛ فبعث الله النبيين؛ ليخرجوهم عن الخلاف ويعيدوهم إلى الاتفاق على عهد الإيمان الأول الذي شهدوا فيه بربوبية الحق سبحانه وتعالى؛ لأن الأصل في المسألة هو الإيمان لا الكفر. ومن أخذ آية سورة البقرة كدليل على كفر الناس أولاً، نقول له: اقرأ الآية بأكملها؛ لتجد قوله الحق: {أية : كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ..}تفسير : [البقرة: 213]. وهكذا نرى أن الاختلاف الذي حدث بين الناس جاء في آية البقرة في المؤخرة، بينما جاء الاختلاف في هذه الآية في المقدمة، وهذا دليل على أن الناس كانوا أمة واحدة على الإيمان، فليس هناك أناس أوْلَى من أناس عند الخالق سبحانه وتعالى، ولم يكن عدل الله ليترك أناساً متخبطين في أمورهم على الكفر، ويرسل الرسل لأناس آخرين بالهداية؛ فالناس بالنسبة لله سواء. وما دام الحق سبحانه قد أوجد الخلق من البشر فلا بد أن يُنزل لهم منهجاً؛ ولذلك حين نقرأ قول الحق سبحانه: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [آل عمران: 96]. نجد فيه الرد على من يقول إن إبراهيم عليه السلام هو أول من بنى الكعبة؛ لأن الحق سبحانه وتعالى لم يترك الخلق من آدم إلى إبراهيم دون بيت يحجون إليه، ولكن الحق سبحانه وضع البيت؛ ليحج إليه الناس من أول آدم إلى أن تقوم الساعة، والذي وضع البيت ليس من الناس، بل شاء وضع البيت خالق الناس، وما فعله سيدنا إبراهيم - عليه السلام - هو رفع القواعد من البيت الحرام. أي: أنه أقام ارتفاع البيت بعد أن عرف مكان البيت طولاً وعرضاً، مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ..}تفسير : [الحج: 26]. وهكذا يَصْدُق قول الحق سبحانه بأن البيت قد وُجد للناس قبل آدم، وهو للناس إلى أن تقوم الساعة، وهكذا نعلم أن الحق سبحانه خلق الخلق وأنزل لهم المنهج، والأصل في الناس هو الإيمان، لكن الكفر هو الذي طرأ على البشر من بابين: باب الغفلة، وباب تقليد الآباء. والدليل على ذلك أن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلَّم عن ميثاق الذر، قال: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ}تفسير : [الأعراف: 172ـ173]. إذن: فالتعصِّي عن الحكم الإيماني مدخله بابان: الأول باب الغفلة، أي: أن تكون قد علمتَ شيئاً، ولم تجعله دائماً في بؤرة شعورك؛ لأن عقلك يستقبل المعلومات، ويستوعبها من مرة واحدة، إن لم تكن مُشتَّتَ الفكر في أكثر من أمر، فإن كنت صافي الفكر ومنتبهاً إلى المعلومة التي تَصِلُكَ؛ فإن عقلك يستوعبها من مرة واحدة، ومن المهم أن يكون الذهن خالياً لحظة أن تستقبل المعلومة الجديدة. ولذلك نجد فارقاً بين إنسان وإنسان آخر في حفظ المعلومات، فواحد يستقبل المعلومة وذهنه خالٍ من أي معلومة غيرها، فتثبت في بؤرة الشعور، بينما يضطر الآخر إلى تكرار قراءة المعلومة إلى أن يخلو ذهنه من غيرها؛ فتستقر المعلومة في بؤرة الشعور، وحين تأتي معلومة أخرى، فالمعلومة الأولى تنتقل إلى حاشية الشعور إلى حين أن يستدعيها مرة أخرى. وإذا أراد طالب ـ على سبيل المثال ـ أن يستوعب ما يقرأ من معلومات جديدة، فعليه أن ينفض عن ذهنه كل المشاغل الأخرى؛ ليركِّز فيما يدرس؛ لأنه إن جلس إلى المذاكرة وباله مشغول بما سوف يأكل في الغداء، أو بما حدث بينه وبين أصدقائه، أو بما سوف يرتدي من ملابس عند الخروج من البيت، أو بغير ذلك من المشاغل، هنا سوف يُضطر الطالب أن يعيد قراءة الدرس أكثر من مرة؛ حتى يصادف الدرسُ جزئية خالية من بؤرة الشعور؛ فتستقر فيها. وقد نجد طالباً في صباح يوم الامتحان وهو يسمع من زملائه أن الامتحان قد يأتي في الجزء الفلاني من المقرر؛ فيفتح الكتاب المقرر على هذا الجزء ويقرأه مرة واحدة؛ فيستقر في بؤرة الشعور، ويدخل الامتحان، ليجد السؤال في الجزء الذي قرأه مرة واحدة قبل دخوله إلى اللجنة؛ فيجيب عن السؤال بدقة. ولذلك فالتلميذ الذكي هو من يقوم بما يسمِّيه علم النفس "عملية الاستصحاب"، أي: أن يقرأ الدرس ثم يغلق الكتاب؛ ليسأل نفسه: "ما الجديد من المعلومات في تلك الصفحة؟" ويحاول أن يتذكر ذلك، ويحاول أن يتعرف حتى على الألفاظ الجديدة التي في تلك الصفحة، وما هي الأفكار الجديدة التي صحَّحَتْ له معلومات أو أفكاراً خاطئة كانت موجودة لديه. وهكذا يستصحب الطالب معلوماته بتركيز وانتباه. وكذلك الأستاذ المتميز هو من يشرح الدرس ثم يتوقف؛ ليسأل التلاميذ؛ ليثير انتباههم؛ حتى لا ينشغل أحدهم بما هو خارج الدرس، والأستاذ المتميز هو الذي يلقي درسه بما يستميل التلاميذ، كما تستميلهم القصة المروية، وحتى لا تظل المعلومات الدراسية مجرد معلومات جافة. وبهذا يستمر الذهن بلا غفلة، والغفلة تأتي إلى القضايا الدينية؛ لأن في الإنسان شهوات تصادم الأوامر والنواهي؛ فيتناسى الإنسان بعض الأوامر وبعض النواهي إلى أن يأتي الران الذي قال عنه الحق سبحانه: {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}تفسير : [المطففين: 14]. ويبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بالحديث الشريف: "حديث : نزلت الأمانة في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السُّنَّة"تفسير : . ثم يحدثنا صلى الله عليه وسلم عن رفع الأمانة فيقول: "حديث : ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه؛ فيظل أثرها مثل أثر الوكْت"تفسير : أي: مثل لسعة النار وهكذا تتوالى؛ حتى يأتي الرَّانُ على القلب. إذن: فالغفلة تتلصص على النفس الإنسانية، وكلما غفل الإنسان في نقطة، ثم يغفل عن أخرى وهكذا. ولكن من لا يغفل فهو من يتذكر الحكم، ويطبقه، ويذوق حلاوته. ومثال هذا: المسلم الذي يشرح الله تعالى قلبه للصلاة، فإن لم يُصّلِّ يظل مُرْهقاً وفي ضيق. ولذلك جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأيّ قلب أشْرِبها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مرباداً كالكوز مُجَخِّياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه ". تفسير : إذن: فالغفلة هي أول باب يدخل منه الشيطان؛ فيبعد الإنسان عن أحكام الله. وإذا ما غفل الأب، فالأبناء يُقلِّدون الآباء، فتأتيهم غفلة ذاتية. وهكذا يكون الغافل أسوة لمن بعده. ولذلك قال الحق سبحانه عن الأبناء الذين يتعبون غفلة الآباء: {أية : بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ..}تفسير : [البقرة: 170]. وإلْف تقليد الآباء قضية كاذبة؛ لأننا إن سلسنا مسألة الإيمان إلى آدم عليه السلام، وهو الأب الأول لكل البشر؛ لوجدنا أن آدم عليه السلام قد طبَّق كل مطلوب لله، فإن قلت: {بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} فهذا القول يحتم عليك ألا تنحرف عن الإيمان الفطري، وإلا كنت من الكاذبين غير المدققين فيما دخل على الإيمان الفطري من غفلة أو غفلات، تبعها تقليد دون تمحيص. والحق سبحانه قد شاء أن تكون كل كلمة في القرآن لها معنى دقيق مقصود، فالحق سبحانه يقول على ألسنة الكافرين في القرآن: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ}تفسير : [الزخرف: 23]. ولم يقل: "مهتدون" بل قال: "مقتدون"، والمقتدي من هؤلاء هو من اتخذ أباه قدوة، لكن المهتدي هو مَنْ ظن أن أباه على حق. إذن: فالمقتدي هو من لا يهتم بصدق إيمان أبيه، بل يقلده فقط، وتقليد الآباء نوعان: تقليد على أنه اقتداء مطلق لا صلة له بالهدى أو الضلال، وتقليد على أنه هدى صحيح لشرع الله تعالى. وقد حدث خلاف حول آدم عليه السلام أهو رسول أم نبي فقط؟ فهناك مَنْ قال: إن أول الرسل هو نوح عليه السلام ونقول: وهل من المعقول أن يترك الله الخلق السابقين على نوح عليه السلام دون رسول؟ إن الحق سبحانه وهو القائل: {أية : وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ}تفسير : [فاطر: 24]. والذي أشكل على هؤلاء المفسرين الذين قالوا: إن أول رسول هو نوح عليه السلام أنهم قد فكروا تفكيراً سطحياً، وفهموا أن الرسول يطرأ على المرسل إليهم، وما دام لم يكن هناك بشر قبل آدم فكيف يكون آدم مبعوثاً برسالة، ولمن تكون تلك الرسالة؟ ولم يفطن هؤلاء المفسرون إلى أن آدم عليه السلام كان رسولاً وأسوة إلى أبنائه، فالحق سبحانه قد قال له: {أية : .. فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [البقرة: 38]. وسبحانه قد قال لآدم عليه السلام: {أية : .. فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ}تفسير : [طه: 123]. وما دام الحق سبحانه قد ذكر الهدى، فهذا ذكر للمنهج، وهو الذي طبقه سلوكاً يقلده فيه الأبناء. وغفل هؤلاء المفسرون أيضاً عن استقراء قوله الحق: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً..}تفسير : [المائدة: 27]. وابْنَا آدم عليه السلام قد قدَّما القربان إلى الله تعالى. إذن: فهما قد عرفا أن هناك إلهاً. وحين قال قابيل لأخيه: {أية : لأَقْتُلَنَّكَ}تفسير : [المائدة: 27]. بعد ما تقبل الله قربان أخيه ولم يتقبل منه. قال هابيل: {أية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [المائدة: 27]. ثم في قول هابيل: {أية : لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [المائدة: 28]. إذن: لو لم يكن آدم عليه السلام رسولاً فمن بلَّغ أبناءه بأن الله يثيب ويعاقب؟ والحق سبحانه يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} وفي هذا إشارة إلى أن الله سبحانه - قبل رسالة محمد عليه الصلاة والسلام - كان يعاقب مَن يكذِّب البلاغ عنه وما جاء به السابقون من الرسل، يقول سبحانه: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 40]. إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد قال الله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}تفسير : [الأنفال: 33]. أي: أنه سبحانه قد أجَّلَ الجزاء والعقوبة عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الآخرة. وهذه الكلمة التي سبقت، أنه سبحانه لا يؤاخذ أمة محمد صلى الله عليه وسلم بذنوبهم في الدنيا، ولكنه يؤخِّر ذلك إلى يوم الجزاء. ويقضي سبحانه في ذلك اليوم بين من اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم ومن عاندوه، وبطبيعة الحال يكون الحق سبحانه في جانب من أرسله، لا من عاند رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول سبحانه بعد ذلك: {وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً } متفقين على الدين الصحيح، ولكنهم اختلفوا، فبعث الله الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. { وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ } بإمهال العاصين وعدم معاجلتهم بذنوبهم، { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } بأن ننجي المؤمنين، ونهلك الكافرين المكذبين، وصار هذا فارقا بينهم { فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } ولكنه أراد امتحانهم وابتلاء بعضهم ببعض، ليتبين الصادق من الكاذب. { وَيَقُولُونَ } أي: المكذبون المتعنتون، { لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ } يعنون: آيات الاقتراح التي يعينونها كقولهم: {أية : لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا } تفسير : الآيات. وكقولهم: {أية : وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا } تفسير : الآيات. { فَقُلْ } لهم إذا طلبوا منك آية { إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ } أي: هو المحيط علما بأحوال العباد، فيدبرهم بما يقتضيه علمه فيهم وحكمته البديعة، وليس لأحد تدبير في حكم ولا دليل، ولا غاية ولا تعليل. { فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ } أي: كل ينتظر بصاحبه ما هو أهل له، فانظروا لمن تكون العاقبة.