Verse. 1382 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

وَيَعْبُدُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللہِ مَا لَا يَضُرُّھُمْ وَلَا يَنْفَعُھُمْ وَيَقُوْلُوْنَ ہٰۗؤُلَاۗءِ شُفَعَاۗؤُنَا عِنْدَ اؘ۝۰ۭ قُلْ اَتُنَبِّـــــُٔوْنَ اللہَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمٰوٰتِ وَلَا فِي الْاَرْضِ۝۰ۭ سُبْحٰنَہٗ وَتَعٰلٰى عَمَّا يُشْرِكُوْنَ۝۱۸
WayaAAbudoona min dooni Allahi ma la yadurruhum wala yanfaAAuhum wayaqooloona haolai shufaAAaona AAinda Allahi qul atunabbioona Allaha bima la yaAAlamu fee alssamawati wala fee alardi subhanahu wataAAala AAamma yushrikoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويعبدون من دون الله» أي غيره «ما لا يضرهم» إن لم يعبدوه «ولا ينفعهم» إن عبدوه وهو الأصنام «ويقولون» عنها «هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل» لهم «أتنبئون الله» جبروته «بما لا يعلم في السموات والأرض» استفهام إنكار إذ لو كان له شريك لعلمه، إذا لا يخفى عليه شيء «سبحانه» تنزيها له «وتعالى عما يشركونـ» به معه.

18

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنا ذكرنا أن القوم إنما التمسوا من الرسول صلى الله عليه وسلم قرآناً غير هذا القرآن أو تبديل هذا القرآن ل،أن هذا القرآن مشتمل على شتم الأصنام التي جعلوها آلهة لأنفسهم، فلهذا السبب ذكر الله تعالى في هذا الموضع ما يدل على قبح عبادة الأصنام، ليبين أن تحقيرها والاستخفاف بها أمر حق وطريق متيقن. واعلم أنه تعالى حكى عنهم أمرين: أحدهما: أنهم كانوا يعبدون الأصنام. والثاني: أنهم كانوا يقولون: {هؤلاء شفعاؤنا عند الله}. أما الأول فقد نبه الله تعالى على فساده بقوله: {مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } وتقريره من وجوه: الأول: قال الزجاج: لا يضرهم إن لم يعبدوه ولا ينفعهم إن عبدوه. الثاني: أن المعبود لا بد وأن يكون أكمل قدرة من العابد، وهذه الأصنام لا تنفع ولا تضر ألبتة، وأما هؤلاء الكفار فهم قادرون على التصرف في هذه الأصنام تارة بالإصلاح وأخرى بالإفساد، وإذا كان العابد أكمل حالاً من المعبود كانت العبادة باطلة. الثالث: أن العبادة أعظم أنواع التعظيم، فهي لا تليق إلا بمن صدر عنه أعظم أنواع الأنعام، وذلك ليس إلا الحياة والعقل والقدرة ومصالح المعاش والمعاد، فإذا كانت المنافع والمضار كلها من الله سبحانه وتعالى، وجب أن لا تليق العبادة إلا بالله سبحانه. وأما النوع الثاني: ما حكاه الله تعالى عنهم في هذه الآية، وهو قولهم: {هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } فاعلم أن من الناس من قال إن أولئك الكفار توهموا أن عبادة الأصنام أشد في تعظيم الله من عبادة الله سبحانه وتعالى. فقالوا ليست لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله تعالى بل نحن نشتغل بعبادة هذه الأصنام، وأنها تكون شفعاء لنا عند الله تعالى. ثم اختلفوا في أنهم كيف قالوا في الأصنام إنها شفعاؤنا عند الله؟ وذكروا فيه أقوالاً كثيرة: فأحدها: أنهم اعتقدوا أن المتولي لكل أقليم من أقاليم العالم، روح معين من أرواح عالم الأفلاك، فعينوا لذلك الروح صنماً معيناً واشتغلوا بعبادة ذلك الصنم، ومقصودهم عبادة ذلك الروح، ثم اعتقدوا أن ذلك الروح يكون عبداً للإله الأعظم ومشتغلاً بعبوديته. وثانيها: أنهم كانوا يعبدون الكواكب وزعموا أن الكواكب هي التي لها أهلية عبودية الله تعالى، ثم لما رأوا أن الكواكب تطلع وتغرب وضعوا لها أصناماً معينة واشتغلوا بعبادتها، ومقصودهم توجيه العبادة إلى الكواكب. وثالثها: أنهم وضعوا طلسمات معينة على تلك الأصنام والأوثان، ثم تقربوا إليها كما يفعله أصحاب الطلسمات. ورابعها: أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل، فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله تعالى، ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر، على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند الله. وخامسها: أنهم اعتقدوا أن الإله نور عظيم، وأن الملائكة أنوار فوضعوا على صورة الإله الأكبر الصنم الأكبر، وعلى صورة الملائكة صوراً أخرى. وسادسها: لعل القوم حلولية، وجوزوا حلول الإله في بعض الأجسام العالية الشريفة. واعلم أن كل هذه الوجوه باطلة بالدليل الذي ذكره الله تعالى وهو قوله: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } وتقريره ما ذكرناه من الوجوه الثلاثة. قوله تعالى: {قُلْ أَتُنَبّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ }. اعلم أن المفسرين قرروا وجهاً واحداً، وهو أن المراد من نفي علم الله تعالى بذلك تقرير نفيه في نفسه، وبيان أنه لا وجود له ألبتة، وذلك لأنه لو كان موجوداً لكان معلوماً لله تعالى، وحيث لم يكن معلوماً لله تعالى وجب أن لا يكون موجوداً، ومثل هذا الكلام مشهور في العرف، فإن الإنسان إذا أراد نفي شيء عن نفسه يقول: ما علم الله هذا مني، ومقصوده أنه ما حصل ذلك قط، وقرىء {أَتُنَبّئُونَ } بالتخفيف أما قوله: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } فالمقصود تنزيه الله تعالى نفسه عن ذلك الشرك، قرأ حمزة والكسائي {تُشْرِكُونَ } بالتاء، ومثله في أول النحل في موضعين، وفي الروم كلها بالتاء على الخطاب، قال صاحب «الكشاف» «ما» موصولة أو مصدرية أي عن الشركاء الذين يشركونهم به أو عن إشراكهم، قال الواحدي: من قرأ بالتاء فلقوله: {أَتُنَبّئُونَ ٱللَّهَ } ومن قرأ بالياء فكأنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أنت {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } ويجوز أن يكون الله سبحانه هو الذي نزه نفسه عما قالوه فقال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ }.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} يريد الأصنام. {وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ} وهذه غاية الجهالة منهم؛ حيث ينتظرون الشفاعة في المآل ممن لا يوجد منه نفع ولا ضر في الحال. وقيل: «شُفَعَاؤُنَا» أي تشفع لنا عند الله في إصلاح معائشنا في الدنيا. {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} قراءة العامة «تنبئون» بالتشديد. وقرأ أبو السَّمَّال العَدَوِيّ «أتنبِئون الله» مخففاً، من أنبأ ينبىء. وقراءة العامة من نبّأ ينبىء تنبئة؛ وهما بمعنًى واحد، جمَعهما قوله تعالى: {أية : مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ}تفسير : [التحريم: 3] أي أتخبرون الله أن له شريكاً في ملكه أو شفيعاً بغير إذنه، والله لا يعلم لنفسه شريكاً في السموات ولا في الأرض؛ لأنه لا شريك له فلذلك لا يعلمه. نظيره قوله: {أية : أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الرعد: 33] ثم نزّه نفسه وقدّسها عن الشرك فقال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي هو أعظم من أن يكون له شريك. وقيل: المعنى أي يعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ولا يمَيِّز «وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ» فيكذبون؛ وهل يتهيأ لكم أن تنبئوه بما لا يعلم، سبحانه وتعالى عما يشركون!. وقرأ حمزة والكسائي «تشركون» بالتاء، وهو اختيار أبي عبيد. الباقون بالياء.

ابن كثير

تفسير : ينكر تعالى على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره ظانين أن تلك الآلهة تنفعهم شفاعتها عند الله، فأخبر تعالى أنها لا تضر ولا تنفع ولا تملك شيئاً، ولا يقع شيء مما يزعمون فيها، ولا يكون هذا أبداً، ولهذا قال تعالى: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ} وقال ابن جرير: معناه: أتخبرون الله بما لا يكون في السموات ولا في الأرض؟ ثم نزه نفسه الكريمة عن شركهم وكفرهم، فقال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ثم أخبر تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس، كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد، وهو الإسلام. قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام، ثم وقع الاختلاف بين الناس، وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان، فبعث الله الرسل بآياته وبيناته وحججه البالغة وبراهينه الدامغة {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَن بَيِّنَةٍ} تفسير : [الأنفال: 42] وقوله: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} الآية، أي: لولا ما تقدم من الله تعالى أنه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه، وأنه قد أجل الخلق إلى أجل معدود، لقضى بينهم فيما اختلفوا فيه، فأسعد المؤمنين، وأعنت الكافرين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره {مَا لاَ يَضُرُّهُمْ } إن لم يعبدوه {وَلاَ يَنفَعُهُمْ } إن عبدوه وهو الأصنام {وَيَقُولُونَ } عنها {هَـٰؤُلاء شُفَعَٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ قُلْ } لهم {أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ } تخبرونه {بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَٰوٰتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ } استفهام إنكار، أي: لو كان له شريك لَعَلِمَهُ، إذ لا يخفى عليه شيء {سُبْحَٰنَهُ } تنزيهاً له {وتَعـَٰلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}ه معه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {... قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلمُ فِي السَّمَواتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ} فيه وجهان: أحدهما: أتخبرونه بعبادة من لا يعلم ما في السموات ولا ما في الأرض. الثاني: أتخبرونه بعبادة غيره وليس يعلم له شريكاً في السموات ولا في الأرض. قوله عز وجل: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدً} في الناس ها هنا أربعة أقاويل: أحدها: أنه آدم عليه السلام، قاله مجاهد والسدي. الثاني: أنهم أهل السفينة، قاله الضحاك. الثالث: أنهم من كان على عهد إبراهيم عليه السلام، قاله الكلبي. الرابع: أنه بنو آدم، قاله أُبي بن كعب. وفي قوله تعالى: {إِِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} ثلاثة أوجه: أحدها: على الإسلام حتى اختلفوا، قاله ابن عباس وأُبي بن كعب. الثاني: على الكفر حتى بعث الله تعالى الرسل، وهذا قول قد روي عن ابن عباس أيضاً. الثالث: على دين واحد، قاله الضحاك. {فاخْتَلَفُواْ} فيه وجهان: أحدهما: فاختلفوا في الدين فمؤمن وكافر، قاله أبي بن كعب. الثاني: هو اختلاف بني بن آدم حين قَتل قابيل أخاه هابيل، قاله مجاهد. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} فيه وجهان: أحدهما: ولولا كلمة سبقت من ربك في تأجيلهم إلى يوم القيامة لقضي بينهم من تعجيل العذاب في الدنيا، قاله السدي. الثاني: ولولا كلمة سبقت من ربك في أن لا يعاجل العصاة إنعاماً منه يبتليهم به لقضى بينهم فيما فيه يختلفون بأن يضطرهم إلى معرفة المحق من المبطل، قاله عليّ بن عيسى.

النسفي

تفسير : وَيَعَبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَالا يَضُرُّهُمْ} إن تركوا عبادتها {وَلاَ يَنفَعُهُمْ } إن عبدوها {وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء } أي الأصنام {شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } أي في أمر الدنيا ومعيشتها لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث {أية : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت} تفسير : [النحل:38] أو يوم القيامة أن يكن بعث ونشور {قُلْ أَتُنَبّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ } أتخبرونه بكونهم شفعاء عنده وهو إنباء بما ليس بمعلوم لله، وإذا لم يكن معلوماً له وهو عالم بجميع المعلومات لم يكن شيئاً. وقوله {فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ } تأكيد لنفيه لأن ما لم يوجد فيهما فهو معدوم {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } نزَّه ذاته عن أن يكون له شريك. وبالتاء: حمزة وعلي وما موصولة أو مصدرية، أي عن الشركاء الذين يشركونهم به، أو عن إشراكهم {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً } حنفاء متفقين على ملة واحدة من غير أن يختلفوا بينهم، وذلك في عهد آدم عليه السلام إلى أن قتل قابيل هابيل، أو بعد الطوفان حين لم يذر الله من الكافرين دياراً {فَٱخْتَلَفُواْ } فصاروا مللاً {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ } وهو تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ }عاجلاً {فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } فيما اختلفوا فيه وليميز المحق من المبطل وسبق كلمته لحكمة، وهي أن هذه الدار دار تكليف وتلك الدار دار ثواب وعقاب. {وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } أي آية من الآيات التي اقترحوها {فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ } أي هو المختص بعلم الغيب فهو العالم بالصارف عن إنزال الآيات المقترحة لا غير {فَٱنتَظِرُواْ } نزول ما اقترحتموه {إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ الْمُنتَظِرينَ} لما يفعل الله بكم لعنادكم وجحودكم الآيات

الخازن

تفسير : {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم} يعني: ويعبد هؤلاء المشركون الأصنام التي لا تضرهم إن عصوها وتركوا عبادتها ولا تنفعهم إن عبدوها لأنها حجارة وجماد لا تضر ولا تنفع وإن العبادة أعظم أنواع التعظيم فلا تليق إلا بمن يضر وينفع ويحيي ويميت وهذه الأصنام جماد وحجارة لا تضر ولا تنفع {ويقولون هؤلاء} يعني الأصنام التي يعبدونها {شفعاؤنا عند الله} قال أهل المعاني: توهموا أن عبادتها أشد من تعظيم الله من عبادتهم إياه وقالوا لسنا بأهل أن نعبد الله ولكن نشتغل بعبادة هذه الأصنام فإنها تكون شافعة لنا عند الله ومنه قوله سبحانه وتعالى إخبار عنهم {أية : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}تفسير : [الزمر: 3] وفي هذه الشفاعة قولان: أحدهما: أنهم يزعمون أنها تشفع لهم في الآخرة قاله ابن جريج عن ابن عباس. والثاني: أنها تشفع لهم في الدنيا في إصلاح معايشهم قاله الحسن لأنهم كانوا لا يعتقدون بعثاً بعد الموت {قل} أي قل لهم يا محمد {أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض} يعني: أتخبرون الله أن له شريكاً ولا يعلم الله لنفسه شريكاً في السموات ولا في الأرض. وهذا على طريق الإلزام. المقصود: نفي علم الله بذلك الشفيع وأنه لا وجود له البتة لأنه لو كان موجوداً لعلمه الله وحيث لم يكن معلوماً لله وجب أن لا يكون موجوداً ومثل هذا مشهور في العرف فإن الإنسان إذا أراد نفي شيء حصل في نفسه يقول: ما علم الله ذلك مني مقصوده أنه ما حصل ذلك الشيء منه قط ولا وقع {سبحانه وتعالى عما يشركون} نزه الله سبحانه وتعالى نفسه عن الشركاء والأضداد والأنداد وتعالى أن يكون له شريك في السموات والأرض ولا يعلمه. قوله سبحانه وتعالى: {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا} يعني: فتفرقوا إلى مؤمن وكافر يعني كانوا جميعاً الدين الحق وهو دين الإسلام ويدل على ذلك أن آدم عليه السلام وذريته كانوا على دين الإسلام إلى أن قتل قابيل هابيل ثم اختلفوا. وقيل: بقوا على ذلك إلى زمن نوح عليه السلام ثم اختلفوا فبعث الله نوحاً. وقيل: إنهم كانواعلى دين الإسلام وقت خروج نوح ومن معه من السفينة ثم اختلفوا بعد ذلك وقيل كانوا على دين الإسلام من عهد إبراهيم الخليل عليه السلام إلى أن غيره عمرو بن لحي. فعلى هذا القول، يكون المراد من الناس في قوله {وما كان الناس إلا أمة واحدة} العرب خاصة. وقيل: كان الناس أمة واحدة في الكفر. وهذا القول منقول عن جماعة من المفسرين ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة:{أية : فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين}تفسير : [البقرة: 213] وتقديره: أنه لا مطمع في أن يصير الناس على دين واحد فإنهم كانوا أولاً على الكفر وإنما أسلم بعضهم ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: كان الناس أمة واحدة. وليس في الآية ما يدل على أي دين كانوا من إيمان أو كفر فهو موقوف على دليل من خارج. وقيل: معناه أنهم كانوا في أول الخلق على الفطرة السليمة الصحيحة ثم اختلفوا في الأديان وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"تفسير : والمراد بالفطرة في الحديث، فطرة الإسلام. قوله سبحانه وتعالى {ولولا كلمة سبقت من ربك} يعني أنه سبحانه وتعالى جعل لكل أمة أجلاً وقضى بذلك في سابق الأزل، وقال الكلبي: هي إمهال هذه الأمة وأنه لا يهلكهم بالعذاب {لقضي بينهم} يعني بنزول العذاب وتعجيل العقوبة للمكذبين وكان ذلك فصلاً بينهم {فيما فيه يختلفون} وقال الحسن: ولولا كلمة سبقت من ربك يعني مضت في حكمة الله أنه لا يقضي عليهم فيما اختلفوا فيه بالثواب والعقاب دون القيامة لقضى بينهم في الدنيا فأدخل المؤمنين الجنة بإيمانهم وأدخل الكافرين النار بكفرهم ولكن سبق من الله الأجل فجعل موعدهم يوم القيامة وقيل سبق من الله أنه لا يؤاخذ أحداً إلا بعد إقامة الحجة عليه. وقيل: الكلمة التي سبقت من الله هي قوله: "حديث : إن رحمتي سبقت غضبي"تفسير : ولولا رحمته، لعجل لهم العقوبة في الدنيا ولكن أخرهم برحمته إلى يوم القيامة ثم يقضي بينهم فيما كانوا فيه يختلفون يعني في الدنيا {ويقولون} يعني كفار مكة {لولا أنزل عليه آية من ربه} يعني هلا نزل على محمد ما نقترحه عليه من الآيات {فقل} أي: فقل لهم يا محمد {إنما الغيب لله} يعني إن الذي سألتمونيه هو من الغيب وإنما الغيب لله لا يعلم أحد ذلك إلا هو والمعنى لا يعلم أحد متى نزول الآية إلا هو {فانتظروا} يعني نزولها {إني معكم من المنتظرين} وقيل معناه فانتظروا قضاء الله بيننا بإظهار المحق على المبطل إني معكم من المنتظرين قوله عز وجل: {وإذا أذقنا الناس رحمة} يعني رخاء ونعمة {من بعد ضراء مستهم} يعني من بعد شدة وبلاء وضيق في العيش أصابهم والمراد بالناس هنا: كفار مكة، وذلك أن الله سبحانه وتعالى حبس عنهم المطر سبع سنين حتى هلكوا من الجوع والقحط، ثم إن الله سبحانه وتعالى رحمهم، فأنزل عليهم المطر الكثير حتى أخصبت البلاد وعاش الناس بعد ذلك الضر فلم يتعظوا بذلك بل رجعوا إلى الفساد والكفر والمكر وهو قوله سبحانه وتعالى: {إذا لهم مكر في آياتنا} قال مجاهد: أي تكذيب واستهزاء وقال مقاتل وابن حيان: لا يقولون هذا رزق الله إنما يقولون سقينا بنوء كذا وكذا. ويدل على صحة هذا القول ما روي حديث : عن زيد بن خالد الجهني قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف، أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: قال "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب"تفسير : أخرجاه في الصحيحين. قوله: على أثر سماء كانت من الليل أي مطر كان قد وقع في الليل وسمي المطر سماء لأنه يقطر من السماء. والأنواء عند العرب: هي منازل القمر إذا طلع نجم سقط نظيره وكانوا يعتقدون في الجاهلية أنه لا بد عند ذلك من وجود مطر أو ريح كما يزعم المنجمون أيضاً فمن العرب من يجعل ذلك التأثير للطالع لأنه ناء أي ظهر وطلع ومنهم من ينسبه للغارب فنفى النبي عليه السلام صحة ذلك ونهى عنه وكفَّر معتقده إذا اعتقد أن النجم فاعل ذلك التأثير وأما من يجعله دليلاً، فهو جاهل بمعنى الدلالة. وأما من أسند ذلك إلى العادة التي يجوز انخرامها فقد كرهه قوم وحرمه قوم ومنهم من تأول الكفر بكفر نعمة الله والله أعلم وسمى تكذيبهم بآيات الله مكراً لأن المكر عبارة عن صرف الشيء عن وجهه الظاهر بنوع من الحيلة وكان كفار مكة يحتالون في دفع آيات الله بكل ما يقدرون عليه من المفاسد: {قل الله أسرع مكراً}أي: قل لهم يا محمد الله أعجل عقوبة وأشد أخذاً وأقدر على الجزاء وإن عذابه في هلاكهم أسرع إليكم مما يأتي منكم في دفع الحق ولما قابلوا نعمة الله بالمكر، قابل مكروهم بمكر أشد منه وهو أمهلهم إلى يوم القيامة {إن رسلنا يكتبون ما تمكرون} يعني الحفظة الكرام الكاتبين يكتبون ويحفظون عليهم الأعمال القبيحة السيئة إلى يوم القيامة حتى يفتضحوا بها ويجزون على مكرهم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ} الآية. لمَّا طلبُوا تبديل القرآن؛ لأنَّه مشتملٌ على ذمِّ الأصنامِ التي اتَّخذُوها آلهةً، ذكر في هذا الموضع قبح عبادة الأصنام، ليُبيِّنَ تحقيرَها. قوله: "مَا لاَ يَضُرُّهُمْ": "ما" موصولةٌ، أو نكرةٌ موصوفةٌ، وهي واقعةٌ على الأصنامِ، ولذلك راعى لفظها، فأفرد في قوله {مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ}، وراعى معناها فجمع في قوله: {هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا}. فصل المعنى: ما لا يضُرُّهُمْ إن عصوه، وتركُوا عبادته، ولا ينفعهم إن عبدوه، يعني: الأصنام {وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ}، فقيل: إنَّهم اعتقدُوا أنَّ المُتولِّي لكل إقليم، روح معيَّن من أرواح الأفلاك، فعيَّنُوا لذلك الرُّوح صنماً معيَّناً، واشتغلوا بعبادة ذلك الصَّنَم، ومقصودهم عبادةُ ذلك الرُّوح، ثم اعتقدُوا أن ذلك الرُّوح، يكون عبداً للإله الأعظم، ومشتغلاً بعبوديَّته. وقيل: إنَّهم كانُوا يعبدُون الكواكب، فوضعُوا لها أصناماً مُعَيَّنة واشتغلوا بعبادتها، ومقصودُهُم عبادةُ الكواكبِ، وقيل: إنَّهم وضعُوا طلَّسْمَاتٍ معينةً على تلك الأوثان والأصنام، ثم تقرَّبوا إليها. وقيل: إنَّهُم وضعوا هذه الأوثان والأصنام، على صور أنبيائهم، وأكابرهم، وزعمُوا أنَّهُم متى اشتغلُوا بعبادةِ هذه التماثيل، فإنَّ أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله. قوله: "قُلْ أَتُنَبِّئُونَ" قرأ بعضهم: "أتُنْبِئُونَ" مخففاً من "أنْبَأ"، يقال: أنْبَأ ونَبَّأ كأخْبرَ وخبَّرَ، وقوله: "بِمَا لاَ يَعْلَمُ" "مَا" موصولةٌ، أو نكرة موصوفة كالتي تقدَّمت، وعلى كلا التقديرين: فالعائدُ محذوفٌ، أي: يعلمُهُ، والفاعلُ هو ضمير الباري - تعالى -، والمعنى: أتُنَبِّئُونَ الله بالمعنى الذي لا يعلمُهُ إلاَّ الله، وإذا لم يعلم الله شيئاً، استحال وجودُ ذلك الشيء؛ لأنَّه - تعالى - لا يغربُ عن علمه شيءٌ، وذلك الشيء هو الشَّفاعة، فـ "مَا" عبارة عن الشفاعة. والمعنى: أنَّ الشَّفاعة لو كانت لعلمها الباري - تعالى -، ومثل هذا الكلام مشهورٌ في العرف، فإنَّ الإنسان إذا أراد نفي شيء عن نفسه، يقول: ما علم الله هذا منِّي، ومقصوده: أنَّ ذلكَ ما حصل أصلاً. وقوله: {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} تأكيدٌ لنفيه؛ لأنَّ كلَّ موجودٍ لا يخرج عنهما. ويجوز أن تكون "مَا" عبارة عن الأصنام، وفاعل "يَعْلَمُ": ضميرٌ عائدٌ عليها. والمعنى: أتُعلمون الله بالأصنامِ، التي لا تعلم شيئاً في السموات ولا في الأرض، وإذا ثبت أنها لا تعلم، فكيف تشفع؟ والشافع لا بدَّ وأن يعرف المشفوع عنده، والمشفوع له؛ هكذا أعربه أبو حيَّان، فجعل "مَا" عبارة عن الأصنام، لا عن الشَّفاعة، والأول أظهر، و "مَا" في "عمَّا يُشْركُونَ" يحتمل أن تكون بمعنى: "الَّذي" أي: عن شركائهم الذين يشركونهم به في العبادة، أو مصدريةٌ، أي: عن إشراكهم به غيرهم، وقرأ الأخوان هنا "عمَّا يُشْرِكُونَ"، وفي النَّحْل موضعين: الأول: {أية : عَمَّا يُشْرِكُونَ يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ}تفسير : [النحل:1، 2]. الثاني: {أية : بِٱلْحَقِّ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}تفسير : [النحل:3]. وفي الروم: {أية : هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}تفسير : [الروم:40] بتاء الخطاب، والباقون بالغيبة في الجميع، وهما واضحتان، وأتى هنا بـ "يَشْرِكُونَ" مضارعاً دون الماضي، تنبيهاً على استمرار حالهم كما جاءُوا يعبدون، وتنبيهاً أيضاً على أنَّهم على الشرك في المستقبل، كما كانوا عليه في الماضي. قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} الآية. لمَّا أقامَ الدَّلالة على فسادِ القول بعبادة الأصنام؛ بيَّن السَّبب في كيفية حدوث هذه المسألة الباطلة، فقال: {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي: على الدِّين الحقِّ؛ لأن المقصود من هذه الآية، بيان كون الكفر باطلاً؛ لأنَّ قوله: {أية : كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}تفسير : [البقرة:213] في الإسلام أو في الكفر، ولا يجوزُ أن يكونوا أمَّةً واحدة في الكفر، فبقي أنَّهُم كانوا أمَّة واحدة في الإسلام، لقوله - تعالى -: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ}تفسير : [النساء:41]، وشهيدُ الله لا بدَّ وأن يكون مُؤمناً، فثبت أنَّهُ لم تخل أمَّة من الأممِ، إلا وفيهم مؤمنٌ. وقد وردت الأحاديث، بأنَّ الأرض لا تخلُو عمَّن يعبد الله - عزَّ وجلَّ -، وعن أقوام بهم يمطرُ أهل الأرض، فثبت أنَّهُم ما كانُوا أمَّة واحدة في الكفر، فيكونوا أمَّة واحدة في الإيمان، ثم اختلفوا أنهم متى كانوا كذلك؟ فقال ابن عباس، ومجاهد - رضي الله عنهما -: كانوا على عهد آدمَ وولده صلوات الله البرِّ الرحيم والملائكة المقربين عليهما وسلامه دائماً، واختلفوا عند قتل أحد ابنيه للآخر. وقيل إنَّهم بقُوا على الإيمان إلى زمن نوح - عليه الصلاة والسلام -، ثم اختلفوا على عهد نوح، فبعث الله إليهم نُوحاً. وقيل: كانُوا على الإيمان من زمن نُوح بعد الغرق، إلى أن ظهر الكفر فيهم. وقيل: كانُوا على الإسلام من عهد إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - إلى أن غيَّره عمرو بن لحيّ. وهذا القائل قال: إنَّ المراد بالنَّاس: العرب خاصَّة، والغرض منه: أنَّ العرب إذا علمُوا أنَّ عبادة الأصنام ما كانت أصلاً فيهم، وإنَّما هي حادثةٌ، لم يتأذوا من تزييفِ الطريقة، ولم تنفُر طباعهم من إبطال هذا المذهب الفاسد. وقال قوم: كانوا أمَّةً واحدة في الكفر، قالوا: وفائدة هذا الكلام: أنَّه - سبحانه وتعالى - جل ذكره - بيَّن للرسول - صلوات الله وسلامه عليه -، أنَّه لا تطمع في أن يصير كلُّ من تدعُوه إلى الدِّين مجيباً له، فإنَّ الناس كانُوا على الكفر، وإنَّما حدث الإسلام في بعضهم بعد ذلك، فيكف تطمعُ في اتِّفاق الكلِّ على الإيمان؟. وقيل: المرادُ بكونهم أمَّةً واحدةً: أنَّهم خلقوا على فطرة الإسلام، ثم اختلفوا في الأديان، وإليه الإشارة بقوله - عليه الصلاة والسلام - "حديث : كلّ مولُودٍ يُولَدُ على فِطْرَةِ الإسلام، فأبَواهُ يُهَوِّدَانهِ أو يُنَصِّرانِهِ أو يُمَجِّسَانِهِ ". تفسير : ثم قال: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} بأن جعل لكلِّ أمَّةٍ أجلاً، وقال الكلبيُّ: هي إمهال هذه الأمَّة، وأنَّه لا يهلكهم بالعذاب في الدنيا، "لَقُضِيَ بَيْنهُمْ" بنزول العذابِ، وتعجيل العقوبة للمكذِّبين، وكان ذلك فصلاً بينهم، "فِيمَا فِيهِ يَخْتلفُونَ". وقال الحسن - رحمه الله - {لَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} مضت في حكمه، أنَّه لا يقضي بينهم فيما اختلفُوا فيه بالثَّواب والعقاب دون القيامة، "لَقُضِيَ بَينَهُم" في الدنيا، فأدخل المُؤمِن الجنَّة، والكافر النَّار، ولكن سبق من الله الأجل، فجعل موعدهم يوم القيامة.

القشيري

تفسير : ذَمَّهُم على عبادة ما ليس منه ضَرٌّ ولا نَفَعٌ. فدليلُ الخطاب يقتضي أَنْ يكونَ المعبودُ منه الضَّرُّ والنفع، ومِنْ فَرْطِ غباوتهم أنهم انتظروا في المآلِ الشفاعةَ ممن لا يوجَدُ منه الضَّرُّ والنَّفْعُ في الحال. ثم أخبر أنهم يخبرون عما ليس على الوجه الذي قالوا معلوماً، ولو كان كما قالوا لَعلِموا أنه سبحانه لا يَعْزُبُ عن علمه معلومٌ. ومعنى قوله: {لاَ يَعْلَمُ}: خلافه. ومَنْ تَعَلَّقَ قلبُه بالمخلوقين في استدفاع المضَارِّ واستجلاب المسَارِّ فكالسالِك سبيلَ مَنْ عَبَدَ الأصنام؛ إذ المنْشِئُ والموجِدُ للشئِ مِنَ العَدم هو الله - سبحانه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويعبدون} اى كفار مكة {من دون الله} حال من الفاعل اى متجاوزين الله بمعنى ترك عبادته بالكلية بل بمعنى عدم الاكتفاء بها وجعلها قريبا لعبادة الاصنام {ما لا يضرهم ولا ينفعهم} اى الاصنام التى لا قدرة لها على ايصال الضرر اليهم ان تركوا عبادتها ولا على ايصال المنفعة ان عبدوها لان الجماد بمعزل عن ذلك والمعبود ينبغي ان يكون مثيبا ومعاقبا حتى تعود عبادته بجلب نفع او دفع ضر {ويقولون هؤلاء} الاصنام {شفعاؤنا عند الله} تشفع لنا فيما يهمنا من امور الدنيا لانهم كانوا لا يقرون بالمعاد او فى الآخرة ان يكن بعث كما قال الكاشفى [يا اكر فرضا حشر ونشر باشد جنانجه معتقد مؤمنانست مارا ازخداى درخواست ميكنند وازعذاب ميرهانند]. واعلم ان اول ما حدثت عبادة الاصنام فى قوم نوح عليه السلام وذلك ان آدم كان له خمسة اولاد صلحاء وهم ودّ ويغوث ويعوق ونسر. فمات ودّ فحزن الناس عليه حزنا شديدا فاجتمعوا حول قبره لا يكادون يفارقونه وذلك بارض بابل فلما رأى ابليس ذلك جاء اليهم فى صورة انسان وقال لهم هل لكم ان اصور لكم صورة اذا نظرتم اليها ذكرتموه قالوا نعم فصور لهم صورته ثم صار كلما مات منهم واحد صور صورته وسموا تلك الصور باسمائهم ثم لما تقادم الزمن وتناست الآباء والابناء وابناء الابناء قال لمن حدث بعدهم ان الذي كانوا قبلكم يعبدون هذه الصور فعبدوها فارسل الله اليهم نوحا فنهاهم عن عبادتها فلم يجيبوه لذلك وكان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق ثم ان تلك الصور دفنها الطوفان فى ساحل جده فاخرجها اللعين واول من نصب الاوثان فى العرب عمرو بن لحى من خزاعة وذلك انه خرج من مكة الى الشام في بعض اموره فرأى بأرض البلقاء العماليق ولد عملاق بن لاود بن سام ابن نوح وهم يعبدون الاصنام فقال لهم ما هذه قالوا هذه اصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا فقال لهم أفلا تعطونني منها صنما فاسير به الى ارض العرب فاعطوه صنما يقال له هبل من العقيق على صورة انسان فقدم به مكة فنصبه فى بطن الكعبة على يسراها وامر الناس بعبادته وتعظيمه فكان الرجل اذا قدم من سفره بدابه قبل اهله بعد طوافه بالبيت وحلق رأسه عنده كذا فى انسان العيون وكان اهل الطائف يعبدون اللات واهل مكة العزى ومناة وهبل واسافا {قل اتنبئون الله} اتخبرونه {بما لا يعلم} اى بالذى لا يعلمه كائنا {فى السموات ولا فى الارض} فما عبارة عن ان له شريكا والظرف حال من العائد المحذوف وفى الاستفهام الانكارى تقريع لهم وتهكم بهم حيث نزلوا منزلة من يخبر علام الغيوب بما ادعوه من المحال الذى هو وجود الشركاء وشفاعتهم عند الله. وفى الظرف تنبيه على ان ما يعبدونه من دون الله اما سماوى. كالملائكة والنجوم واما ارضى كالاصنام المنحوتة من الشجر والحجر لا شيء من الموجودات. فيهما الا وهو حادث مقهور مثلهم لا يليق ان يشرك به سبحانه قال الكاشفى [انتفاء علم بجهت معلومست يعنى شما ميكوبيد كه خدايرا شريك هست. واثبات بشفاعت بتان ميكنيد وخداوئدكه عالمست بجميع معلومات اين رانمي دانديس معلوم شدكه شريك نيست وشفاعت نخواهدبود] كما قال ابن الشيخ فان شيئا من ذلك لو كان موجودا لعلمه الله وما لا يعلمه الله استحال وجوده {سبحانه} [يا كست] {وتعالى} [برترست] {عما يشركون} لما كان المنزه للذات الجليلة هو نفس الذات آل التنزيه الى معنى التبرى اى تبرأ وجل عن اشراكهم شعر : راحداندر ملك اورايارنى بندكانش را جزا وسالا رنى

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة الا عاصماً {عما تشركون} بالتاء ها هنا وفي النحل في موضعين وفي الروم. الباقون بالياء. من قرأ بالتاء بناه على ما تقدم من قوله {اتنبئون الله بما لا يعلم} فلما خاطبهم بذلك وجه اليهم الخطاب بتنزيهه عما يشركون. ومن قرأ بالياء بناه على الخبر عن الغائب لأن اول الآية مبني على ذلك، وهو قوله {ويعبدون من دون الله} وكلاهما حسن. اخبر الله تعالى على وجه الذم للكفار بأنهم يوجهون عبادتهم إلى من هو دون الله من الأصنام والأوثان التي لا تضر ولا تنفع. فان قيل: كيف ذمهم على عبادة الوثن الذي لا ينفع ولا يضر مع انه لو نفع وضر لم تجز عبادته؟! قلنا: لانه اذا كان من يضر وينفع قد لا يستحق العبادة اذا لم يقدر على اصول النعم، فمن لا يقدر على النفع والضر اصلا ابعد من ان يستحق العبادة. وقوله {ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} اخبار منه تعالى عن هؤلاء الكفار انهم يقولون انا نعبد هذه الاصنام لتشفع لنا عند الله، فتوهموا ان عبادتها اشد في تعظيم الله من قصده تعالى بالعبادة، فحلت من هذه الجهة محل الشافع عند الله. وقال الحسن: شفعاء في صلاح معاشهم في الدنيا، لانهم لا يقرون بالبعث بدلالة قوله {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت} والعبادة خضوع بالقلب في اعلى مراتب الخضوع، فكل طاعة فعلت على هذا الوجه فهي عبادة. وانما قال {ويعبدون من دون الله} مع انهم كانوا يشركون في عبادة الله لامرين: احدهما - ان عابد الوثن خاصة قد اشرك في استحقاق العبادة. الثاني - ان من عبد الله وعبد الوثن فقد عبده من دون اخلاص العبادة لله. وقوله {اتنبئون الله بما لا يعلم} امر منه تعالى لنبيه ان يقول لهم على وجه الالزام اتخبرون الله بما لا يعلم من حسن عبادة الاوثان وكونها شافعة لان ذلك لو كان صحيحاً لكان الله به عالماً ولما نفى العلم بذلك نفي المعلوم. وقوله {سبحانه وتعالى عما يشركون} تنزيه منه تعالى لنفسه، وتنزيه من ان يعبد معه إله او يتخذ من دونه معبود.

الجنابذي

تفسير : {وَيَعْبُدُونَ} عطف بملاحظة المعنى المقصود بالتّعريض يعنى هم يفترون ويكذّبون ويجرمون ويعبدون {مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} من الاصنام والكواكب عبادة العبيد ومن الاهوية والآراء والشّياطين عبادة اتّباعيّة، ومن غير من نصبه الله من رؤساءهم الدّنيويّة او رؤساءهم الدّينيّة بزعمهم عبادة طاعةٍ، والمقصود من نفى الضّرّ والنّفع نفى ما يتوهّمونه ضرّاً ونفعاً ممّا يؤل الى دنياهم من غير نظرٍ الى عبادتهم والاّ فهى بعبادتهم ايّاها تضرّهم غاية الضّرّ ويقولون {هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ} كما يقول الوثنىّ: انّ اصنامنا شفعاؤنا عند الله، وكما يقول اكثر الصّابئين: انّ الكواكب شفعاؤنا، وبعض يقول: هى قديمة مستقلّة فى الآلهة، كما يقول الزّرداشتيّون: النّار تشفعنا عند الله، وكما يقول المطيعون لمن يزعمونهم رؤساء الدّين: هؤلاء وسائط بيننا وبين الله، وكما يقول المتّبعون للاهواء والشّياطين فى صورة الاعمال الشّرعيّة الصّادرة من اتّباع النّفس والشّياطين: هى وسائل بيننا وبين الله واسباب قربنا الى الله والحال انّها وسائل الشّيطان واسباب القرب الى الجحيم والنّيران {قُلْ} استهزاءً {أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} بالشّفعاء من حيث شفاعتهم او بشفاعتهم يعنى انّ ما فى السّماوات والارض معلوم له وما ليس معلوماً له فيهما فلا يكون {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} يعنى قبل بعثة الرّسل البشريّة كانوا على مقتضيات شهوات النّفوس آمّةً لها متوجّهةً اليها وبعد بعثة الرّسل انصرف طائفة عنها الى ما دعتهم الرّسل اليه من الخيرات الاخرويّة الانسانيّة وابى طائفة {فَٱخْتَلَفُواْ} وقبل بعثة الرّسل الباطنة من العقول كانوا على مقتضيات النّفوس الحيوانيّة آمّةً لها وبعد بعثة الرّسل الباطنة انصرف طائفة من قواهم الى ما دعتها الرّسل اليه وبقيت طائفة فاختلفوا وتنازعوا وتقاتلوا {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} كلمة امهالهم وآجالهم المؤخّرة المعيّنة سبقت فيما كتبه الملك المصوّر فى أرحام أمّهاتهم او سبق ثبتها فى الالواح والاقلام العالية {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} لحكم باظهار الحقّ والباطل وتميّز الحقّ عن المبطل.

اطفيش

تفسير : {ويعْبدُونَ} أى كفار قريش والعرب {مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يضُرُّهم} إن لم يعبدوه {ولا ينْفَعُهم} إن عمدوه، أو ما لا يضر ولا ينفع مطلقا، وذلك لأنه جماد لا يقدر على نفع أو ضر كحجارة ونجم، والشمس والقمر، ولأنه مخلوق لا ينفع أو يضر إلا بإذن الله كالملائكة، وكان من العرب من يعبد الملائكة والشِّعرى، كانت النصرانية فى ربيعة، وغسان، وبعض قضاعة، واليهودية فى نمير، وكنانة، وبنى الحارث ابن كعب، وكندة، والمجوسية فى تميم، منهم زرار بن عدى، وابنه على وتزوج ابنته ثم ندم، ومنهم الأقرع بن حابس وتمجس، والزندقة فى قريش أخذوها من الجزيرة، وكان بنو حنيفة اتخذوا صنماً من حيس وعبدوه دهراً طويلا، وأدركتهم مجاعة فأكلوه، والمعبود من شأنه أن يثيب ويعاقب. {ويقُولُون هؤلاء} إشارة إلى العقلاء وهم الملائكة، وغير العقلاء وهو الأوثان، وأصله للعقلاء، ولكن ذلك تغليب، وقيل: المراد بما لا يضرهم ولا ينفعهم الأوثان، ولفظ هؤلاء قد يشار به إلى غير العقلاء، ولا سيما إذا نزل منزلة العقلاء كما هنا، قيل: كان أهل الطائف يعبدون اللات، وحجابها بنو مغيث، وأهل مكة العزى، وحجابها بنو شيبة، ومناة وهبل وأسافاً ونائلة. وقيل: كانت العزى لقريش وكنانة، ومناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم، وكانوا يقولون هؤلاء {شُفعَاؤنا عِنْد اللهِ} يوم القيامة، وكانت قريش وغيرهم ربما تخيلت البعث أو المراد أنهم شفعاؤنا يوم القيامة إن كان البعث أمراً صحيحاً، وعن الحسن: تشفع لهم فى زعمهم فى أمر الدنيا، كقحط ومرض، وكانوا أنكروا البعث، والأول قول ابن عباس، وابن جريج، وذلك مع شدة بشاعته، إنما يقوله نبلاؤهم، وأما غيرهم فأشد ضلالة وتيهاً. وانظر كيف يعبدون ما علموا قطعاً أنه لا يضر ولا ينفع، وعاينوه كذلك، وطمعوا فى شفاعته، وتركوا الخالق لكل شىء مع قطعهم بأنه الضار النافع، وأنه مالك الأمر القابل للشفاعة، أو الراد لها، وذكر بعضهم أنهم توهموا أن عبادة الأوثان أشد فى تعظيم الله من عبادته، وقالوا: ألسنا بأهل أن نعبد الله، ولكن نشتغل بعبادتها فتشفع لنا عنده، وعن النظر بن الحارث: إذا كان يوم القيامة شفعت لى اللات والعزى. {قُل أتنبِّئونَ} أتخبرون، وقرئ بإسكان النون وتخفيف الموحدة بعدها {اللهَ بما لا يعْلمُ} متعد لواحد، أى بما لا يدركه ويخفى عنه وهو الشريك أو الشفيع، وذلك نفى للملزوم، وهو وجود الشريك بنفى اللازم، وهو علم الله، إذ لو كان لعلمه الله، وإذا لم يكن معلماً له فليس بموجود، لأنه العالم بالذات المحيط علمه بجميع الأشياء، فقط تضمن الكلام أن هؤلاء ليسوا بشفعاء ولا بشركاء، وجىء به على صورة وجود ذلك، وعدم علم الله به تهكما بهم وتقريعا. {فى السَّماواتِ ولا فى الأرضِ} حال من الرابط المحذوف، أى بما لا يعلمه ثابتا فى السماوات ولا فى الأرض، وفيه تأكيد للنفى، فإن ما يتأهل للعبادة إما سماوى، وإما أرضى، ولا موجود فيهما إلا وهو حادث مقهور مثلهم، لا يليق أن يشرك به، وإنما لم جعل يعلم متعديا لاثنين ثانيهما فى السَّماوات، إذ ليس المراد العلم بأنه فيهما، بل العلم بأنه موجود فافهم، وقد يجوز أن يجعل متعديا لاثنين على الكناية بنفى الثانى عن نفى الأول، كما رأيته فى وجه الحال. {سُبحانهُ وتَعالى عمَّا يشْركُونَ} ما مصدرية أى عن إشراكهم، أو اسم أى عما يشركونه به، وذلك استئناف، وقرأ حمزة والكسائى، وأبو عبد الرحمن، هنا، وفى موضعى النحل، وفى النمل، والروم، تشركون بالفوقية، وزعم أبو حاتم أن نافعا، وابن كثير قرأ هنا وفى النمل بالفوقية، وزعم أبو حاتم أن نافعاً، وابن كثير قرأها، وفى النمل بالفوقية وفى رواية والمشهور أنهما قرآ بالتحتية.

اطفيش

تفسير : {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} كما يعبدون الله فى زعمهم{مَا لاَ يَضُرُّهُمْ} إِن لم يعبدوه {وَلاَ يَنْفَعُهُمْ} إِن عبدوه أَو لم يعبدوه، وكان أَهل الطائف يعبدون اللات وأَهل مكة العزى ومناة وأَسافا ونائِلة وهبلا، والجملتان تعليل لمن أَظلم، أَى لا أَظلم ممن ذكر لأَنه لا يفلح المجرمون، ولأَنهم يعبدون من لا يخلق ولا يرزق ولا يجلب ولا يدفع، وقدم نفى الضر لأَن التخلى قبل التحلى، ونفى الضر أَهم، والمعبود مثيب ومعاقب وليست الأَصنام تعاقب أَو تثيب، وليست بآلهة، وكذا الملائِكة وكل معبود غير الله لا قدرة له ولو كان حيواناً إِلا ما أَقدره الله، وقد قيل الآية شاملة للملائكة وعيسى، والظاهر أَن المراد الأَصنام {وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ} الأَصنام التى نعبدها {شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ} فيما يهمنا من جدب ومرض وسائِر المضار، وفى إِحضار ما نطلبه، وفى الآخرة إِن كان ما يقول محمد من البعث حقاً تقربنا إِلى الله زلفى، ولئِن رجعت إِلى ربى إِن لى عنده للحسنى، ولسنا أَهلا لخدمة الله بالعبادة، فإِنه أَعظم شأْنا أَن نكون له خدماً، بل نتوسل إِليه بعبادة الأَصنام، وهذا سفه ظاهر فإِن العاقل أَحق بأَن يكون خادماً من الجماد، وأَيضاً الأَصنام تحتاج فى شفاعتها لهم يوم القيامة على فرض ثبوتها إِلى أَن يخلق الله لساناً تشفع به، وإِنما الحق عبادة من يحتاج إِليه لا من يحتاج، ومن تيقن نفعه وضره كما أَقروا به لا الجماد المحتاج المتيقن عدم نفعه فى الدنيا، وأَولى أَن ينفع فى الآخرة، والذى يتيقن أَنه النافع الضار المثيب المعاقب لا الجماد الذى ليسوا على يقين من نفعه فى الآخرة لشكهم فيه. وقوله عند الله يشمل الدنيا ويشمل الآخرة على فرض ثبوتها، وكان النضريقول: إِذا كان يوم القيامة شفعت لى العزى واللات، ويروى أَن الآية نزلت فيه يعنى إِن صح البعث، وذلك لا يقولون به. {أية : وأَقسموا بالله جهد أَيمانهم لا يبعث الله من يموت} تفسير : [النحل: 38]، وبعضهم يقول: تشفع الأَصنام فى الدنيا بمنافع ودفع مضار، وبعض يقولك يشفع لنا ما هى على صورته من الصالحين يعبدونها ليشفع لهم هؤُلاءِ الصالحون {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِى الأَرْضِ} ما اسم موصول للجنس عامة لكل شىءٍ يتوهمون أَنه لا يعلمه، حاشاه أَو واقعة على الآلهة أَو على شفاعتها أَو نكرة موصوفة واقعة على آلهة أَو شفاعة، والمعنى كل شىءٍ معلوم لله فلا يتصور إِخباركم له بالآلهة والشفاعة لأَنها لا تثبت عنده، وما لا يثبت لا يقال علمه الله ثابتاً، أَو لا يعلم بمعنى لا يثبت فلزم من انتفاءِ علمه أَنه غير موجود، إِذ لو وجد لكان عنده معلوماً لا يخفى عنه شىءٌ، وما فى السماوات حال من الضمير العائِد المحذوف، أى لا يعلمه كذا. قالوا: ويعطله قوله فى الأَرض إِلا بتقدير وما لا يعلمه فى الأَرض، وإِما على جعله حالا من مافلا حاجة إِلى تقدير، ولا يتعلق بيعلم لأَن علمه تعالى لا يقع فى موضع لأَنه لا يحل فى موضع، ولك جعله مفعولا ثانياً أَى لا يعلمه ثابتاً فى السماوات ولا فى الأَرض وما فى الهواءِ فوق السماءِ هو من السماءِ وما فى الهواءِ فى جوف الأَرض من الأَرض. بل السماوات والأَرض تمثيل لأَنه قد وجد غيرهما كالعرش والكرسى، وما تحت الأَرض من الأَرضين وما تحتهن، ويجوز أَن يكون الأَرض جنس لهن كلهن، وكل ما فى السماوات والأَرض وغيرهن مملوك لله عاجز أَلا يكون إِلهاً {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} به، وما مصدرية أَى عن إِشراكهم، أَو اسم موصول أَى عن الشركاء التى يشركونها أَو نكرة للتحقير موصوفة أَى عن أَشياءَ يشركونها، والأَول أَولى لأَن التنزيه عن الفعل أَولى من التزيه عن نفس ما يشرك، مع أَن التنزيه عن نفس ذلك راجع إِلى التنزيه عن الفعل، تنازع سبحانه وتعالى فى قوله عما يشركون فأَعمل الثانى وأَضمر للأَول، أَى سبحانه عنه أَى سبحانه عما يشركون، ومعنى سبحانه تنزيهه عما يشركون، أَى نزهوه يا معشر الناس أَو المكلفين أَو الخلق، أَو أُنزه نفسى أَو نزهت نفسى عما يشركون، وهكذا فى سائِر القرآن، ومعنى تعالى تعاظم وبعد عما يشركون، وأَصل علاج العلو من سفل حاشاه.

الالوسي

تفسير : {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} حكاية لجناية أخرى لهم وهي عطف على قوله سبحانه: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ } تفسير : [يونس:15] الآية عطف قصة على قصة، و {مِن دُونِ} في موضع الحال من فاعل {يَعْبُدُونَ} أي متجاوزين الله تعالى إما بمعنى ترك عبادته سبحانه بالكلية لأنها لا تصح ولا تقع عبادة مع الشركة أو بمعنى عدم الاكتفاء بها وجعلها قريناً لعبادة غيره سبحانه كما اختاره البعض، و {مَا} إما موصولة أو موصوفة، والمراد بها الأصنام، ومعنى كونها لا تضر ولا تنفع أنها لا تقدر على ذلك لأنها جمادات، والمقصود من هذا الوصف نفي صحة معبوديتها لأن من شأن المعبود القدرة على ما ذكر، وقيل: المعنى لا تضرهم إن تركوا عبادتها ولا تنفعهم إن عبدوها والمقصود أيضاً نفي صحة معبوديتها لأن من شأن المعبود أن يثبت عابده ويعاقب من لم يعبده، والفرق بين التفسيرين على ما قاله القطب إطلاق النفع والضر في الأول والتقييد بالعبادة وتركها في الثاني، وقيل: المقصود على الأول من الموصول الأصنام بعينها وعلى الثاني فاقد أوصاف المعبودية، ويجوز أن يدخل فيه غير الأصنام من الملائكة والمسيح عليهم السلام، والظاهر أن المراد هنا الأصنام لأن العرب إنما كانوا يعبدونها وكان أهل الطائف يعبدون اللات وأهل مكة العزى ومناة وهبل وإسافا ونائلة. {وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ} أخرج ابن أبـي حاتم عن عكرمة قال: كان النضر بن الحرث يقول: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى وفيه نزلت الآية. والظاهر أن سائر المشركين كانوا يقولون هذا القول، ولعل ذلك منهم على سبيل الفرض والتقدير أي إن كان بعث كما زعمتم فهؤلاء يشفعون لنا، فلا يقال: إن المتبادر من الشفاعة عند الله تعالى أنه في الآخرة وهو مستلزم للبعث وهم ينكرونه كما يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ }تفسير : [النحل:38] وكذا ما تقدم آنفاً من قوله سبحانه: {أية : قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقآءَنَا } تفسير : [يونس: 15] فيلزم المنافاة بين مفاهيم الآيات، وكأنه لذلك قال الحسن عليه الرحمة: إنهم أرادوا من هذه الشفاعة الشفاعة في الدنيا لإصلاح المعاش، وحينئذٍ لا منافاة والجمهور على الأول، ومن سبر حال القوم رآهم مترددين ولذلك اختلفت كلماتهم، ونسبة الشفاعة للأصنام قيل باعتبار السببية وذلك لأنهم كما هو المشهور وضعوها على صور رجال صالحين ذوي خطر عندهم وزعموا / أنهم متى اشتغلوا بعبادتها فإن أولئك الرجال يشفعون لهم، وقيل: إنهم كانوا يعتقدون أن المتولي لكل إقليم روح معين من أرواح الأفلام فعينوا لذلك الروح صنماً من الأصنام واشتغلوا بعبادتها قصداً إلى عبادة الكواكب وقيل: غير ذلك، والحق أن من الأصنام ما وضع على الوجه الأول ومنها ما وضع لكونها كالهياكل للروحانيات. {قُلْ} تبكيتاً لهم {أَتُنَبّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ} أي أتخبرونه سبحانه بما لا وجود له ولا تحقق أصلاً وهو كون الأصنام شفعاءهم عنده جل شأنه فإن ما لا يعلمه علام الغيوب المحيط علمه بالكليات والجزئيات لا يكون له تحقق بالكلية، وذكروا أن مثل ذلك لا يسمى شيئاً بناءً على أنه كما قال سيبويه ما يصح أن يعلم ويخبر عنه وهو يشمل الموجود والمعدوم كما حققه بعض أصحابنا كالمعتزلة وسموا ما لا يعلم بالمنفي كالشريك وكاجتماع الضدين، وحقق ذلك الشيخ إبراهيم الكورانـي في رسالة مستقلة أتى فيها بالعجب العجاب، ويجوز أن يراد بالموصول أن له سبحانه شريكاً والمقصود على الوجهين من ذكر إنباء الله تعالى بما لا تحقق له ولم يتعلق به علمه التهكم والهزء بهم وإلا فلا إنباء. وقوله سبحانه: {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ} في موضع الحال من العائد المحذوف أي بما لا يعلمه كائناً في ذلك، والمقصود منه تأكيد النفي المدلول عليه بما قبله فإنه قد جرى في العرف أن يقال عند تأكيد النفي للشيء ليس هذا في السماء ولا في الأرض لاعتقاد العامة أن كل ما يوجد إما في السماء وإما في الأرض كما هو رأى المتكلمين في كل ما سوى الله تعالى إذ هو سبحانه المعبود المنزه عن الحلول في المكان، والآيات التي ظاهرها ذلك من المتشابه والمذاهب فيه شهيرة، وهذا إذا أريد بالسماء والأرض جهتا العلو والسفل، وقيل: الكلام إلزامي لزعم المخاطبين الكافرين أن الأمر كذلك، وقيل: إن معنى الآية أتخبرونه تعالى بشريك أو شفيع لا يعلم شيئاً في السماوات ولا في الأرض كما في قوله تعالى: {أية : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مّنَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} تفسير : [النحل: 73] وليس بشيء. {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي عن إشراكهم المستلزم لتلك المقالة الباطلة أو عن شركائهم الذين يعتقدونهم شركاء، وقرىء {أتنبئون} بالتخفيف، وقرأ حمزة والكسائي {تُشْرِكُونَ} بتاء الخطاب على أنه من جملة القول المأمور به، وعلى الأول هو اعتراض تذييلي من جهته سبحانه وتعالى.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة: {أية : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات}تفسير : [يونس: 15] عطفَ القصة على القصة. فهذه قصة أخرى من قصص أحوال كفرهم أن قالوا: {أية : ائت بقرآن غير هذا}تفسير : [يونس: 15] حين تتلى عليهم آيات القرآن، ومن كفرهم أنهم يعبدون الأصنام ويقولون: {هم شفعاؤنا عند الله}. والمناسبة بين القصتين أن في كلتيهما كفراً أظهروه في صورة السخرية والاستهزاء وإيهام أن العذر لهم في الاسترسال على الكفر، فلعلهم (كما أوهموا أنه إنْ أتاهم قرآن غيرُ المتلو عليهم أو بُدل ما يرومون تبديلَه آمنوا) كانوا إذا أنذرهم النبي صلى الله عليه وسلم بعذاب الله قالوا: تشفع لنا آلهتنا عند الله. وقد روى أنه قاله النضر بن الحارث (على معنى فرض ما لا يقع واقعاً) «إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعُزّى». وهذا كقول العاص بن وائل، وكان مشركاً، لخبّاب بن الأرت، وهو مسلم، وقد تقاضاه أجراً له على سيف صنعه «إذا كان يوم القيامة الذي يُخبر به صاحبك (يعني النبي صلى الله عليه وسلم فسيكون لي مال فأقضيك منه». (وفيه نزل قوله تعالى: {أية : أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوُتَيَنَّ مالاً وولداً}تفسير : [مريم: 77] الآية. ويجوز أن تكون جملة: {ويعبدون} الخ عطفاً على جملة: {أية : فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً}تفسير : [يونس: 17] فإن عبادتهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم من الافتراء. وإيثار اسم الموصول في قوله: {ما لا يضرهم ولا ينفعهم} لما تؤذن به صلة الموصول من التنبيه على أنهم مُخطئون في عبادة ما لا يضر ولا ينفع، وفيه تمهيد لعطف {ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} لتحقير رأيهم من رجاء الشفاعة من تلك الأصنام، فإنها لا تقدر على ضر ولا نفع في الدنيا فهي أضعف مقدرة في الآخرة. واختيار صيغة المضارع في {يعبدون} و{يقولون} لاستحضار الحالة العجيبة من استمرارهم على عبادتها، أي عبدوا الأصنام ويعبدونها تعجيباً من تصميمهم على ضلالهم ومن قولهم: {هؤلاء شفعاؤنا عند الله} فاعترفوا بأن المتصرف هو الله. وقُدم ذكر نفي الضر على نفي النفع لأن المطلوب من المشركين الإقلاع عن عبادة الأصنام وقد كان سدنتها يخوفون عبدَتها بأنها تُلحق بهم وبصبيانهم الضر، كما قالت امرأة طفيل ابن عمرو الدوسي حين أخبرها أنه أسلم ودعاها إلى أن تُسلم فقالت: «أما تخشى على الصبية من ذي الشَّرى». فأريد الابتداء بنفي الضر لإزالة أوهام المشركين في ذلك الصَّادَّة لكثير منهم عن نبذ عبادة الأصنام. وقد أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن يرد عليهم بتهكم بهم بأنهم قد أخبروا الله بأن لَهم شفعاء لهم عنده. ومعنى ذلك أن هذا لما كان شيئاً اخترعوه وهو غير واقع جعل اختراعه بمنزلة أنهم أعلموا الله به وكان لا يعلمه فصار ذلك كناية عن بطلانه لأن ما لم يعلم الله وقوعه فهو منتف. ومن هذا قول من يريد نفي شيء عن نفسه: ما علم الله هذا مني. وفي ضده قولهم في تأكيد وقوع الشيء: يعلم الله كذا، حتى صار عند العرب من صيغ اليمين. و{في السماوات ولا في الأرض} حال من الضمير المحذوف بعد {يعلم} العائد على (ما)، إذْ التقدير: بما لا يعلمه، أي كائناً في السماوات ولا في الأرض. والمقصود من ذكرهما تعميم الأمكنة، كما هو استعمال الجمع بين المتقابلات مثل المشرق والمغرب. وأعيد حرف النفي بعد العاطف لزيادة التنصيص على النفي. والاستفهامُ في {أتنبئون} للإنكار والتوبيخ. والإنباء: الإعلام. وجملة: {سبحانه وتعالى} إنشاء تنزيه، فهي منقطعة عن التي قبلها فلذلك فصلت. وتقدم الكلام على نظيره عند قوله: {أية : وخرّقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون}تفسير : في سورة [الأنعام: 100]. و(ما) في قوله: {عما يشركون} مصدرية، أي عن إشراكهم، أي تعالى عن أن يكون ذلك ثابتاً له. وقرأ حمزة والكسائي وخلف {تشركون} بالمثناة الفوقية على أنه من جملة المقول. وقرأه الباقون بالتحتية على أنها تعقيب للخطاب بجملة {قُل}. وعلى الوجهين فهي مستحقة للفصل لكمال الانقطاع.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 18- ويعبد هؤلاء المشركون - المفترون على الله بالشرك - أصناماً باطلة، لا تضرهم ولا تنفعهم، ويقولون: هؤلاء الأصنام يشفعون لنا عند الله فى الآخرة، قل لهم - أيها الرسول -: هل تخبرون الله بشريك لا يعلم الله له وجوداً فى السموات ولا فى الأرض؟! تنزه الله عن الشريك وعما تزعمونه بعبادة هؤلاء الشركاء. 19- وما كان الناس فى تكوينهم إلا أمة واحدة بمقتضى الفطرة، ثم بعثنا إليهم الرسل لإرشادهم وهدايتهم بمقتضى وحى الله تعالى، فكانت تلك الطبيعة الإنسانية التى استعدت للخير والشر سبباً فى أن يغلب الشر على بعضهم، وتحكم الأهواء ونزغات الشيطان، فاختلفوا بسبب ذلك. ولولا حكم سابق من ربك بإمهال الكافرين بك - أيها النبى - وإرجاء هلاكهم إلى موعد محدد عنده، لعجل لهم الهلاك والعذاب، بسبب الخلاف الذى وقعوا فيه، كما وقع لأمم سابقة. 20- ويقول هؤلاء المشركون: هلا أنزل على محمد معجزة من عند الله غير القرآن، تقنعنا بصدق رسالته؟ فقل لهم - أيها الرسول -: إن نزول الآيات غيب، ولا أحد يعلم الغيب إلا الله، وإن كان القرآن لا يقنعكم فانتظروا قضاء الله بينى وبينكم فيما تجحدونه، إنى معكم من المنتظرين. 21- ومن شأن الناس أننا إذا أنعمنا عليهم، من بعد شدة أصابتهم فى أنفسهم أو أهليهم أو أموالهم، لم يشكروا الله على ما أنعم به عليهم بعد صرف الضر عنهم، بل هم يقابلون ذلك بالإمعان فى التكذيب والكفر بالآيات. قل - أيها الرسول -: إن الله قادر على إهلاككم والإسراع بتعذيبكم، لولا حكم سابق منه بإمهالكم إلى موعد اختص - وحده - بعلمه. إن رسلنا من الملائكة الموكلين بكم يكتبون ما تمكرون، وسيحاسبكم ويجازيكم.

القطان

تفسير : بعد ان بيّن الله في الآيات السابقة أن المشركين طلبوا ان يأتي محمد بقرآن غير هذا او تبديله، لأن فيه طعناً على آلهتهم، وتسفيه آرائهم في عبادتها - نعى عليهم هنا عبادة الأصنام وبين حقارة شأنها، اذا لا تستطيع ضرا ولا نفعا، فلا يليق بالعاقل ان يعبدها من دون الله. {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ}. ان هؤلاء القوم يعبدون اصناما لا تملك لهم نفعا ولا ضرا. {وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ}. ويقولون: ان هذه الاصنام تشفع لنا عند الله في الآخرة. {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ}. قل لهم أيها الرسول مبيّنا لهم كذبهم، وافتراءهم على الله: هل تخبرون الله بشيء لا يعلم له وجوداً في السماوات ولا في الارض!؟ ما الذي تزعمون! {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. تنزّه ربُّنا وعلا علواً كبيرا عن الشريك، وعما تزعمونه بعبادة هؤلاء الشركاء. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: "عما تشركون" بالتاء، والباقون "عما يشركون" بالياء. {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}. بعد ان اقام الأدلة على فساد عبادة الاصنام - ذكر هنا ما كان عليه الناس من الوحدة في الدين، ثم ما صاروا اليه من الاختلاف والفرقة. وقد كان الناس أمةً واحدة على الفِطرة، والقطرة في أصلها كانت على التوحيد، ثم بعث الله اليهم الرسل لارشادهم وهدايتهم. فاختلفت نزعاتهم، منهم من غلب عليه الخير، ومنهم من غلب عليه الشر. وقد اقتضت مشيئة الله ان يُمهِلهم جميعا الى أجَل يستوفونه، وسبقت كلمته بذلك لحكمة يريدها، ولولا ذلك لعجَّل لهم الهَلاك بسبب الخلاف الذي وقعوا فيه. {وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ}. ويقول هؤلاء المشركون: هلاّ أُنزل على محمد معجزةٌ غير القرآن تُقْنعنا بصدق رسالته كآيات الانبياء السابقين الذين يحدّثنا عنهم!! ومعنى هذا أنهم ما زالوا غير مدركين طبيعة الرسالة المحمدية، من حيث أنها ليست معجزةً وقتية تنتهي بانتهاء جيلهم، بل معجزة دائمة وعامة تخاطب الناس جميعا جيلا بعد جيل. ولذلك اجابهم جوابا فيه الامهال والتهديد: قُل لهم ايها الرسول: إن نزول الآيات غيبٌ، ولا يعلم الغيبَ الا الله، فإن كان القرآن لا يقنعكم فانتضِروا قضاء الله بيني وبينكم في ذلك، وانا معكم من المنتظرين. روى البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال: "حديث : ما من نبي الا وقد أُعطيَ من الآيات ما مثله آمنَ عليه البشر، وانما كان الذي أُوتيتُه وحياً أوحاه الله ليّ، فأرجوا ان أكونَ اكثرَهم تابعاً يوم القيامة ".

د. أسعد حومد

تفسير : {شُفَعَاؤُنَا} {ٱلسَّمَاوَاتِ} {سُبْحَانَهُ} {وَتَعَالَىٰ} (18) - وَهَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ الذِينَ يَعْبُدُونَ آلِهَةً غَيْرَ اللهِ هِيَ فِي الحَقِيقَةِ أَصْنَامٌ مِنْ حِجَارَةٍ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَيَدَّعُونَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْبُدُونَهَا لِتَكُونَ شُفَعَاءَ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ، اسْأَلْهُمْ يَا مُحَمَّدُ: هَلْ تُخْبِرُونَ اللهَ بِشَرِيكٍ لَهُ لاَ يَعْلَمُ اللهُ لَهُ وُجُوداً فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ مَلاَئِكَةٍ، وَفِي الأَرْضِ مِنْ خَوَاصِّ خَلْقِه؟ وَلَوْ كَانَ لَهُ شُفَعَاءُ يَشْفَعُونَ لَكُمْ عِنْدَهُ لَكَانَ هُوَ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْكُمْ، إِذ لاَ يَخْفَى عَلَيهِ شَيءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ. ثُمَّ نَزَّهَ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ عَنْ شِرْكِهِمْ وَكُفْرِهِمْ. سُبْحَانَهُ - تَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ اسْمُهُ تَعَالَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكلمة {وَيَعْبُدُونَ} تقتضي وجود عابد؛ ووجود معبود؛ ووجود معنى للعبادة. والعابد أدنى حالاً من المعبود، ومظهر العبادة والعبودية كله طاعة للأمر والانصراف عن المنهي عنه. هذا هو أصل العبادة، ووسيلة القرب من الله. وحتى تكون العبادة في محلها الصحيح لا بد أن يقر العابد أن المعبود أعلى مرتبة في الحكم على الأشياء، أما إن كان الأمر بين متساويين فيسمونه التماساً. إذن: فهناك آمر ومأمور، فإن تساويا؛ فالمأمور يحتاج إلى إقناع، وأما إن كان في المسألة حكم سابق بأن الآمر أعلى من المأمور؛ كالأستاذ بالنسبة للتلميذ، أو الطبيب بالنسبة للمريض، ففي هذا الوضع يطيع المأمور الآمر لأنه يفهم الموضوع الذي يأمر فيه. وكذلك المؤمن؛ لأن معنى الإيمان أنه آمن بوجود إله قادر له كل صفات الكمال المطلق؛ فإذا اعتقدت هذا؛ فالإنسان ينفذ ما يأمر به الله؛ ليأخذ الرضاء والحب والثواب. وإن لم ينفذ؛ فسوف ينال غضب المعبود وعقابه. إذن: فأنت إن فعلت أمره واجتنبت نهيه؛ نلت الثواب منه، وإن خالفت؛ تأخذ عقاباً؛ لذلك لا بد أن يكون أعلى منك قدرة، ويكون قادراً على إنفاذ الثواب والعقاب، والقادر هو الله جل علاه. أما الأصنام التي كانوا يعبدونها، فبأي شيء أمرتهم؟ إنها لم تأمر بشيء؛ لذلك لا يصلح أن تكون لها عبادة؛ لأن معنى العبادة يتطلب أمراً ونهياً، ولم تأمر الأصنام بشيء ولم تنه عن شيء، بل كان المشركون هم الذين يقترحون الأوامر والنواهي، وهو أمر لا يليق؛ لأن المعبود هو الذي عليه أن يحدد أوجه الأوامر والنواهي. إذن: فمن الحمق أن يعبد أحدٌ الأصنم؛ لأنها لا تضر من خالفها، ولا تنفع من عبدها، فليس لها أمر ولا نهي. ومن أوقفوا أنفسهم هذا الموقف نسوا أن في قدرة كل منهم أن ينفع الصنم وأن يضره، فالواحد منهم يستطيع أن يصنع الصنم، وأن يصلحه إذا انكسر، أو يستطيع أن يكسره بأن يلقيه على الأرض. وفي هذه الحالة يكون العابد أقدر من المعبود على الضر وعلى النفع، وهذا عين التخلف العقلي. إذن: فمثل هذه العبادة لون من الحمق، ولو عُرِضَتْ هذه المسألة على العقل؛ فسوف يرفضها العقل السليم. وعندما تجادلهم، وتثبت لهم أن تلك الأصنام لا تضر ولا تنفع، تجد من يكابر قائلاً: {هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ} وهم بهذا القول يعترفون أن الله هو الذي ينفع ويضر، ولكن أما كان يجب أن يتخذوا شفيعاً لهم عند الله، وأن يكون الشفيع متمتعاً بمكانة ومحبة عند من يشفع عنده؟ ثم ماذا يقولون في أن من تُقدم له شفاعة هو الذي ينهى عن اتخاذ الأصنام آلهة وينهى عن عبادتها؟ وهل هناك شفاعة دون إذن من المشفوع عنده؟ من أجل ذلك جاء الأمر من الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ..} [يونس: 18]. إذن: فمن أين جئتم بهذه القضية؛ قضية شفاعة الأصنام لكم عند الله؟ إنها قضية لا وجود لها، وسبحانه لم يبلغكم أن هناك أصناماً تشفع، وليس هذا وارداً، فقولكم هذا فيه كذب متعمد وافتراء. فهو سبحانه الذي خلق السماوات وخلق الأرض، ويعلم كل ما في الكون، وقضية شفاعة الأصنام عنده ليست في علمه، ولا وجود لها، بل هي قضية مفتراة، مُدَّعاة. وقوله الحق هنا: {أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ} مثلها مثل قوله الحق: {أية : قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ..} تفسير : [الحجرات: 16]. ويعني هذا القول بالرد على من قالوا ويقولون: إن المطلوب هو تشريعات تناسب العصر، وكلما فسد العصر طالبوا بتشريعات جديدة، وما داموا هم الذين يشرِّعون، فكأنهم يرغبون في تعليم خالقهم كيف يكون الدين، وفي هذا اجتراء وجهل بقدرة وحكمة مَنْ خلق الكون، فأحكمه بنظام. وقوله الحق: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} فيه تنزيه له سبحانه، فهو الخالق لكل شيء، خالق الملك والملكوت ويعلم كل شيء، وقضية شفاعة الأصنام إنما هي قضية مفتراة لا وجود لها؛ لذلك فهي ليست في علم الله، والحق سبحانه مُنزَّه أن توجد في ملكه قضية لها مدلول يقيني ولا يعلمها، ومُنزَّه جل وعلا عن أن يُشرَك به؛ لأن الشريك إنما يكون ليساعد من يشركه، ونحن نرى على سبيل المثال صاحب مال يديره في تجارة ما، ولكن ماله لا ينهض بكل مسئوليات التجارة، فيبحث عن شريك له. وسبحانه وتعالى قوي وقادر، ولا يحتاج إلى أحد في ملكية الكون وإدارته، ثم ماذا يفعل هؤلاء الشركاء المدَّعون كذباً على الله؟ إن الحق سبحانه يقول: {أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 42]. وهذا القول الحكيم ينبه المشركين إلى أنه بافتراض جدلي أن لهؤلاء الشركاء قوة وقدرة على التصرف، فهم لن يفعلوا أي شيء إلا بابتغاء ذى العرش، أي: بأمره سبحانه وتعالى. وهم حين ظنوا خطأ أن لكل فلك من الأفلاك سيطرة على مجال في الوجود، وأن النجوم لها سيطرة على الوجود، وأن كل برج من الأبراج له سيطرة على الوجود، فلا بد في النهاية من الاستئذان من مالك الملك والملكوت. ومن خيبة من ظنوا مثل هذه الظنون، ومعهم الفلاسفة الذين أقروا بأن هناك أشياء في الكون لا يمكن أن يخلقها إنسان، أو أن يدَّعى لنفسه صناعتها؛ لأن الجنس البشري قد طرأ على هذه المخلوقات، فقد طرأ الإنسان على الشمس والقمر والنجوم والأرض، ولا بد إذن أن تكون هناك قوة أعلى من الإنسان هي التي خلقت هذه الكائنات. كل هذه الكائنات تحتاج إلى مُوجِد، ولم نجد معامل لصناعة الشمس أو القمر أو الأرض أو وجدنا من ادعى صناعتها أو خلقها. ولكن الفلاسفة الذين قبلوا وجود خالق للكون لم يصلوا إلى اسمه ولا إلى منهجه، وقوة الحق سبحانه مطلقة، ولا يحتاج إلى شريك له، وإذا أردنا أن نتأمل ولو جزءاً بسيطاً من أثر قوة الله التي وهبها للإنسان، فلنتأمل صناعة المصباح الكهربي. وكل منا يعلم أنه لا توجد بذرة نضعها في الأرض، فتنبت أشجاراً من المصابيح، بل استدعت صناعة مصباح الكهرباء جهد العلماء الذين درسوا علم الطاقة، واستنبطوا من المعادلات إمكان تصور صناعة المصباح الكهربي، وعملوا على تفريغ الهواء من الزجاجة التي يوضع فيها السلك الذي يضيء داخل المصباح، وهكذا وجدنا أن صناعة مصباح كهربي واحد تحتاج إلى جهد علماء وعمل مصانع، كل ذلك من أجل إنارة غرفة واحدة لفترة من الزمن. فما بالنا بالشمس التي تضيء الكون كله، وإذا كان أتفه الأشياء يتطلب كمية هائلة من العلم والبحث والإمكانات الفنية والتطبيقية، وتطوير للصناعات، فما بالنا بالشمس التي تضيء نصف الكرة الأرضية كل نصف يوم، ولا أحد يقدر على إطفائها، ولا تحتاج إلى صيانة من البشر، وإذا أردت أن تنسبها فلن تجد إلا الله سبحانه. وأنت بما تبتكره وتصنعه لا يمكن أن يصرفك عن الله، والذكي حقاً هو من يجعل ابتكاراته وصناعاته دليلاً على صدق الله فيما أخبر. وإذا كان الحق سبحانه قد خلق الشمس - ضمن ما خلق - وإذا أشرقت أطفأ الكل مصابيحهم؛ لأنها هي المصباح الذي يهدي الجميع، وإذا كان ذلك هو فعل مخلوق واحد لله، فما بالنا بكل نعمة من سائر مخلوقاته. ونور الشمس إنما يمثل الهداية الحسية التي تحمينا من أن نصطدم بالأشياء فلا تحطمنا ولا نحطمها، فكذلك يضيء لنا الحق سبحانه المعاني والحقائق. وإياك أن تقول: إن الفيلسوف الفلاني جاء بنظرية كذا؛ فخذوا بها، بل دع عقلك يعمل ويقيس ما جاء بهذه النظرية على ضوء ما نزل في كتاب الحق سبحانه، وإن دخلت النظرية مجال التطبيق، وثبت أن لها تصديقاً من الكتاب، فقل: إن الحق سبحانه قد هدى فلاناً إلى اكتشاف سر جديد من أسرار القرآن؛ لأن الحق يريد منا أن نتعقل الأشياء وأن ندرسها دراسة دقيقة، بحيث نأخذ طموحات العقل؛ لتقربنا إلى الله، لا لتبعدنا عنه، والعياذ بالله. وإذا قال الحق سبحانه: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} فذلك لأن الشركة تقتضي طلب المعونة، وطلب المعونة يكون إما من المساوي وإما من الأعلى، ولا يوجد مساوٍ لله تعالى، ولا أعلى من الله سبحانه وتعالى. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ...}.

الجيلاني

تفسير : وكيف يفلحون ويفوزون بالفلاح {وَ} هم من شدة ضلالهم {يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} المتوحد بذاته، المستقل بألوهيته {مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ}؟! لأنهم ليسوا من ذوي القدرة والإرادة، بل من جملة الجمادات المعطلة التي لا شعور لها أصلاً {وَيَقُولُونَ} من كمال غفلتهم وضلاتهم: {هَـٰؤُلاۤءِ} الأجسام والتماثيل العاطلة {شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ} ينقذوهم من بأس الله وبطشه إن تحقق وقوعه {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل تسفيهاً وتحميقاً: {أَتُنَبِّئُونَ} تخبرون بقولكم هذا {ٱللَّهَ} العالم بالسرائر والخفايا {بِمَا لاَ يَعْلَمُ} من الأمور الكائنة لا {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} من الكوائن فيها، مع أنه سبحانه لا يعزب عن حيطة علمه شيء في الأرض ولا في السماء {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18] من الأوثان والتماثيل التي لا شعور لها أصلاً، مع أنها من أدون المظاهر، وأخس المخلوقات، وبالجملة: ما قدروا الله أولئك الحمقى حق قدره، لذلك نسبوا إليه ما هو منزه عنه، تعالى عمَّا يقول الظالمون علواً كبيراً. {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ} المجبولون على مظهرية الحق، المنعكسون من أظلال أسمائه الحسنى وصفاته العليا {إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} ملتجئة إلى الله، مقتبسة من أنوار تجلياته {فَٱخْتَلَفُواْ} أي: الأظلال الهالكة باختلاف صور الأسماء المتقابلة، والأوصاف المتضادة المتخالفة حسب الشئون والتجليات المتجددة في الكمالات المترتبة عليها {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} يا أكمل الرسل؛ لتسويتهم وتعديلهم في النشاة الأخرى {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} بالعدالة والقسط {فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [يونس: 19] في هذه النشأة بلا تأخير إلى أخرى، لكن الحكمة المتقنة الإلهية تقتضي تأخيرها، ولذلك أخرت أمرهم وحسابهم وعذابهم؛ لئلا يبطل سر التكاليف والأوامر والنواهي. {وَيَقُولُونَ} بعدما اقترحوا عنه بالآيات ولم تنزل: {لَوْلاَ} أي: هلا {أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} من الآيات المقترحة، مع أنه دعواه أن الله قادر على جميع المقدورات والمرادات، لا يخرج عن حيطة قدرته شيء {فَقُلْ} في جوابهمه: بلى، إن الله قادر على جميع المقدورات، ومن جملة مقترحاتكم، إلا أن في عدم إنزالها وإنجائها حكمة غيبية ومصلحة خفية، لا يعلمها إلا هو {إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ} كله {للَّهِ} وفي حيطة حضرة علمه {فَٱنْتَظِرُوۤاْ} بتعليق إرادته بمقترحاتكم {إِنِّي مَعَكُمْ} أيضاً بلا تفاوت بيني وبينكم في عدم الاطلاع على غيبه {مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ} [يونس: 20]. ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع للمسرفين: {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً} خلاصاً ونجاةً {مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ} واضطرتهم إلى الرجوع والتوجه نحونا {إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ} أي: ما جاءوا بعد نزول الرحمة إلى المكر والخديعة مع نبينا، والطعن {فِيۤ آيَاتِنَا قُلِ} لهم يا أكمل الرسل نيابةً عنا: {ٱللَّهُ} المطلع لضمائركم ومخايلكم {أَسْرَعُ مَكْراً} وأشد تدبيراً وانتقاماً على مكركم وخداعكم، أعد لكم عذاب مكركم، وأشهد عليكم الملائكة، كما قال: {إِنَّ رُسُلَنَا} الموكلون عليكم، المراقبون لأحوالكم {يَكْتُبُونَ} في صحائف أعمالكم {مَا تَمْكُرُونَ} [يونس: 21] وتحيلون مع الله ورسوله.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { وَيَعْبُدُونَ } أي: المشركون المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم. { مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ } أي: لا تملك لهم مثقال ذرة من النفع ولا تدفع عنهم شيئا. { وَيَقُولُونَ } قولا خاليا من البرهان: { هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ } أي: يعبدونهم ليقربوهم إلى الله، ويشفعوا لهم عنده، وهذا قول من تلقاء أنفسهم، وكلام ابتكروه هم، ولهذا قال تعالى -مبطلا لهذا القول-: { قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ } أي: الله تعالى هو العالم، الذي أحاط علما بجميع ما في السماوات والأرض، وقد أخبركم بأنه ليس له شريك ولا إله معه، أفأنتم-يا معشر المشركين- تزعمون أنه يوجد له فيها شركاء؟ أفتخبرونه بأمر خفي عليه، وعلمتوه؟ أأنتم أعلم أم الله؟ فهل يوجد قول أبطل من هذا القول، المتضمن أن هؤلاء الضلال الجهال السفهاء أعلم من رب العالمين؟ فليكتف العاقل بمجرد تصور هذا القول، فإنه يجزم بفساده وبطلانه: { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي: تقدس وتنزه أن يكون له شريك أو نظير، بل هو الله الأحد الفرد الصمد الذي لا إله في السماوات والأرض إلا هو، وكل معبود في العالم العلوي والسفلي سواه، فإنه باطل عقلا وشرعا وفطرة. {أية : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ }.