١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها ظاهر، وذلك لأنهم التمسوا منه قرآناً يذكره من عند نفسه، ونسبوه إلى أنه إنما يأتي بهذا القرآن من عند نفسه، ثم إنه أقام البرهان القاهر الظاهر على أن ذلك باطل، وأن هذا القرآن ليس إلا بوحي الله تعالى وتنزيله، فعند هذا قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } والمراد أن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله، لما كان في الدنيا أحد أظلم على نفسه مني، حيث افتريته على الله، ولما أقمت الدلالة على أنه ليس الأمر كذلك، بل هو بوحي من الله تعالى وجب أن يقال إنه ليس في الدنيا أحد أجهل ولا أظلم على نفسه منكم، لأنه لما ظهر بالبرهان المذكور كونه من عند الله، فإذا أنكرتموه كنتم قد كذبتم بآيات الله. فوجب أن تكونوا أظلم الناس. والحاصل أن قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } المقصود منه نفي الكذب عن نفسه وقوله: {أوكذَّب بآياته} المقصود منه إلحاق الوعيد الشديد بهم حيث أنكروا دلائل الله، وكذبوا بآيات الله تعالى. وأما قوله: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ } فهو تأكيد لما سبق من هذين الكلامين، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : هذا استفهام بمعنى الجَحْد؛ أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب، وبدّل كلامه وأضاف شيئاً إليه مما لم ينزله. وكذلك لا أحد أظلمُ منكم إذا أنكرتم القرآن وٱفتريتم على الله الكذب، وقلتم ليس هذا كلامه. وهذا مما أمِر به الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم. وقيل: هو من قول الله ابتداء. وقيل: المُفْتَرِي المشركُ، والمكذِّب بالآيات أهلُ الكتاب. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ}.
البيضاوي
تفسير : {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا} تفاد مما أضافوه إليه كناية، أو تظليم للمشركين بافترائهم على الله تعالى في قولهم إنه لذو شريك وذو ولد. {أَوْ كَذَّبَ بآيَاتِهِ} فكفر بها. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ} {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } فإنه جماد لا يقدر على نفع ولا ضر، والمعبود ينبغي أن يكون مثيباً ومعاقباً حتى تعود عبادته بجلب نفع أو دفع ضر. {وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء} الأوثان. {شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ} تشفع لنا فيما يهمنا من أمور الدنيا أو في الآخرة إن يكن بعث، وكأنهم كانوا شاكين فيه وهذا من فرط جهالتهم حيث تركوا عبادة الموجد الضار النافع إلى عبادة ما يعلم قطعاً أنه لا يضر ولا ينفع على توهم أنه ربما يشفع لهم عنده. {قُلْ أَتُنَبّئُونَ ٱللَّهَ} أتخبرونه. {بِمَا لاَ يَعْلَمُ } وهو أن له شريكاً أو هؤلاء شفعاء عنده وما لا يعلمه العالم بجميع المعلومات لا يكون له تحقق ما وفيه تقريع وتهكم بهم. {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ} حال من العائد المحذوف مؤكدة للنفي منبهة على أن ما يعبدون من دون الله إما سماوي وإما أرضي، ولا شيء من الموجودات فيهما إلا وهو حادث مقهور مثلهم لا يليق أن يشرك به. {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به. وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي الموضعين في أول «النحل» و «الروم» بالتاء. {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} موحدين على الفطرة أو متفقين على الحق، وذلك في عهد آدم عليه السلام إلى أن قتل قابيلُ هابيلَ أو بعد الطوفان، أو على الضلال في فترة من الرسل. {فَٱخْتَلَفُواْ} باتباع الهوى والأباطيل، أو ببعثه الرسل عليهم الصلاة والسلام فتبعتهم طائفة وأصرت أخرى. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ} بتأخير الحكم بينهم أو العذاب الفاصل بينهم إلى يوم القيامة فإنه يوم الفصل والجزاء. {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} عاجلاً. {فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} بإهلاك المبطل وإبقاء المحق. {وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ} أي من الآيات التي اقترحوها. {فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ } هو المختص بعلمه فلعله يعلم في إنزال الآيات المقترحة من مفاسد تصرف عن إنزالها. {فَٱنتَظِرُواْ} لنزول ما اقترحتموه. {إِنّى مَعَكُم مّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ} لما يفعل الله بكم بجحودكم ما نزل علي من الآيات العظام واقتراحكم غيره. {وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً} صحة وسعة. {مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ} كقحط ومرض. {إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِى آيَاتِنَا} بالطعن فيها والاحتيال في دفعها. قيل قحط أهل مكة سبع سنين حتى كادوا يهلكون ثم رحمهم الله بالحيا فطفقوا يقدحون في آيات الله ويكيدون رسوله. {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} منكم قد دبر عقابكم قبل أن تدبروا كيدهم، وإنما دل على سرعتهم المفضل عليها كلمة المفاجأة الواقعة جواباً لإذا الشرطية والمكر اخفاء الكيد، وهو من الله تعالى أما الاستدراج أو الجزاء على المكر. {إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} تحقيق للانتقام وتنبيه على أن ما دبروا في إخفائه لم يخف على الحفظة فضلاً أن يخفى على الله تعالى، وعن يعقوب يمكرون بالياء ليوافق ما قبله. {هُوَ ٱلَّذِى يُسَيّرُكُمْ} يحملكم على السير ويمكنكم منه. وقرأ ابن عامر «ينشركم» بالنون والشين من النشر. {فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ} في السفن، {وَجَرَيْنَ بِهِم} بمن فيها، عدل عن الخطاب إلى الغيبة للمبالغة كأنه تذكرة لغيرهم ليتعجب من حالهم وينكر عليهم. {بِرِيحٍ طَيّبَةٍ} لينة الهبوب. {وَفَرِحُواْ بِهَا} بتلك الريح. {جَاءتْهَا} جواب إذا والضمير للفلك أو للريح الطيبة، بمعنى تلقتها. {رِيحٌ عَاصِفٌ} ذات عصف شديدة الهبوب. {وَجَاءهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلّ مَكَانٍ } يجيء الموج منه. {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} أهلكوا وسدت عليهم مسالك الخلاص كمن أحاط به العدو. {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ} من غير اشتراك لتراجع الفطرة وزوال المعارض من شدة الخوف، وهو بدل من {ظَنُّواْ } بدل اشتمال لأن دعاءهم من لوازم ظنهم. {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} على إرادة القول أو مفعول {دَّعَوَا } لأنه من جملة القول. {فَلَمَّا أَنجَاهُمْ} إجابة لدعائهم. {إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلأَرْضِ} فاجئوا الفساد فيها وسارعوا إلى ما كانوا عليه. {بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } مبطلين فيه وهو احتراز عن تخريب المسلمين ديار الكفرة واحتراق زروعهم وقلع أشجارهم فإنها إفساد بحق. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} فإن وباله عليكم أو أنه على أمثالكم أبناء جنسكم. {مَّتَاعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} منفعة الحياة الدنيا لا تبقى ويبقى عقابها، ورفعه على أنه خبر {بَغْيُكُمْ} و {عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} صلته، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلك متاع الحياة الدنيا و {عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} خبر {بَغْيُكُمْ}، ونصبه حفص عى أنه مصدر مؤكد أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا أو مفعول البغي لأنه بمعنى الطلب فيكون الجار من صلته والخبر محذوف تقديره بغيكم متاع الحياة الدنيا محذور أو ضلال، أو مفعول فعل دل عليه البغي وعلى أنفسكم خبره. {ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ} في القِيامة. {فَنُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} بالجزاء عليه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: لا أحد أظلم ولا أعتى ولا أشد إِجراماً {مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} وتقول على الله، وزعم أن الله أرسله، ولم يكن كذلك، فليس أحد أكبر جرماً ولا أعظم ظلماً من هذا، ومثل هذا لا يخفى أمره على الأغبياء، فكيف يشتبه حال هذا بالأنبياء، فإن من قال هذه المقالة صادقاً أو كاذباً، فلا بد أن الله ينصب عليه من الأدلة على بره أو فجوره ما هو أظهر من الشمس، فإن الفرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين مسيلمة الكذاب لمن شاهدهما أظهر من الفرق بين وقت الضحى وبين نصف الليل في حندس الظلماء، فمن شيم كل منهما وأفعاله وكلامه يستدل من له بصيرة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وكذب مسيلمة الكذاب وسَجاح والأسود العَنْسي. قال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، انجفل الناس، فكنت فيمن انجـفل، فلما رأيته، عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، قال: فكان أول ما سمعته يقول: «حديث : يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» تفسير : ولما قدم وفد ضمام بن ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه بني سعد بن بكر، قال لرسول الله فيما قال له: من رفع هذه السماء؟ قال: «حديث : الله» تفسير : قال: ومن نصب هذه الجبال؟ قال: «حديث : الله» تفسير : قال: ومن سطح هذه الأرض؟ قال: «حديث : الله» تفسير : قال: فبالذي رفع السماء، ونصب هذه الجبال، وسطح هذه الأرض، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ قال: «حديث : اللهم نعم» تفسير : ثم سأله عن الصلاة والزكاة والحج والصيام، ويحلف عند كل واحدة هذه اليمين، ويحلف له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: صدقت، والذي بعثك بالحق لا أزيد على ذلك ولا أنقص، فاكتفى هذا الرجل بمجرد هذا، وقد أيقن بصدقه صلوات الله وسلامه عليه بما رأى وشاهد من الدلائل الدالة عليه. وقال حسان بن ثابت:شعر : لَوْ لَمْ تَكُنْ فيه آياتٌ مُبَيِّنَةٌ كانَتْ بَديهَتُهُ تأتيكَ بالخَبَرِ تفسير : وأما مسيلمة، فمن شاهده من ذوي البصائر، علم أمره لا محالة بأقواله الركيكة التي ليست فصيحة، وأفعاله غير الحسنة بل القبيحة، وقرآنه الذي يخلد به في النار يوم الحسرة والفضيحة، وكم من فرق بين قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} تفسير : [البقرة: 255] إِلى آخرها. وبين قول مسيلمة قبحه الله ولعنه: يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي كم تنقين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين. وقوله قبحه الله: لقد أنعم الله على الحبلى، إِذ أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشى. وقوله خلده الله في نار جهنم، وقد فعل: الفيل وما أدراك ما الفيل، له خرطوم طويل، وقوله أبعده الله عن رحمته: والعاجنات عجناً، والخابزات خبزاً، واللاقمات لقماً، إِهالة وسمناً، إِن قريشاً قوم يعتدون، إلى غير ذلك من الخرافات والهذيانات التي يأنف الصبيان أن يلفظوا بها إلا على وجه السخرية والاستهزاء، ولهذا أرغم الله أنفَه، وشرب يوم حديقة الموت حتفَه، ومزق شملَه. ولعنه صحبُه وأهلُه. وقدموا على الصديق تائبين، وجاؤوا في دين الله راغبين، فسألهم الصديق خليفة الرسول صلوات الله وسلامه عليه ورضي عنه أن يقرؤوا عليه شيئاً من قرآن مسيلمة لعنه الله، فسألوه أن يعفيهم من ذلك، فأبى عليهم إلا أن يقرؤوا شيئاً منه؛ ليسمعه من لم يسمعه من الناس، فيعرفوا فضل ما هم عليه من الهدى والعلم، فقرؤوا عليه من هذا الذي ذكرناه وأشباهه، فلما فرغوا، قال لهم الصديق رضي الله عنه: ويحكم أين كان يذهب بعقولكم؟ والله إن هذا لم يخرج من إِلَ. وذكروا أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة، وكان صديقاً له في الجاهلية، وكان عمرو لم يسلم بعد، فقال له مسيلمة: ويحك يا عمرو ماذا أنزل على صاحبكم؟ يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المدة، فقال: لقد سمعت أصحابه يقرؤون سورة عظيمة قصيرة، فقال: وما هي؟ فقال: {أية : وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ}تفسير : [العصر:1-2] إِلى آخر السورة، ففكر مسيلمة ساعة، ثم قال: وأنا قد أنزل عليَّ مثله، فقال: وما هو؟ فقال: يا وَبْر يا وبر، إِنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حفر نقر. كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إِنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب. فإذا كان هذا من مشرك في حال شركه لم يشتبه عليه حال محمد صلى الله عليه وسلم وصدقه، وحال مسيلمة لعنه الله وكذبه، فكيف بأولي البصائر والنهى، وأصحاب العقول السليمة المستقيمة والحجا؟ ولهذا قال تعالى: {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ} تفسير : [الأنعام: 93] وقال في هذه الآية الكريمة: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَـٰتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ} وكذلك من كذب بالحق الذي جاءت به الرسل، وقامت عليه الحجج، لا أحد أظلم منه؛ كما جاء في الحديث: «حديث : أعتى الناس على الله رجل قتل نبياً، أو قتله نبي».
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَمَنْ } أي لا أحد {أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } بنسبة الشريك إليه {أَوْ كَذَّبَ بِئَايَٰتِهِ } القرآن {إِنَّهُ } أي الشأن {لاَ يُفْلِحُ } يَسْعد {ٱلْمُجْرِمُونَ } المشركون.
الشوكاني
. تفسير : قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ } استفهام فيه معنى الجحد، أي لا أحد أظلم {مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ } الكذب، وزيادة {كَذِبًا } مع أن الافتراء لا يكون إلا كذباً لبيان أن هذا مع كونه افتراء على الله هو كذب في نفسه، فربما يكون الافتراء كذباً في الإسناد فقط، كما إذا أسند ذنب زيد إلى عمرو، ذكر معنى هذا أبو السعود في تفسيره، قيل: وهذا من جملة رده صلى الله عليه وسلم على المشركين لما طلبوا منه أن يأتي بقرآن غير هذا القرآن، أو يبدّله، فبين لهم أنه لو فعل ذلك لكان من الافتراء على الله، ولا ظلم يماثل ذلك، وقيل: المفتري على الله الكذب هم: المشركون، والمكذب بآيات الله هم أهل الكتاب {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ } تعليل لكونه لا أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته، أي لا يظفرون بمطلوب، ولا يفوزون بخير، والضمير في {إنه} للشأن، أي إن الشأن هذا. ثم نعى الله سبحانه عليهم عبادة الأصنام، وبين أنها لا تنفع من عبدها ولا تضرّ من لم يعبدها، فقال: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي: متجاوزين الله سبحانه إلى عبادة غيره، لا بمعنى ترك عبادته بالكلية {مَالاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } أي: ما ليس من شأنه الضرّر ولا النفع، ومن حق المعبود أن يكون مثيباً لمن أطاعه معاقباً لمن عصاه، والواو لعطف هذه الجملة على جملة {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا} و"ما" في {مَالاَ يَضُرُّهُمْ } موصولة أو موصوفة، والواو في {وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } للعطف على {وَيَعْبُدُونَ } زعموا أنهم يشفعون لهم عند الله، فلا يعذبهم بذنوبهم. وهذا غاية الجهالة منهم، حيث ينتظرون الشفاعة في المآل ممن لا يوجد منه نفع ولا ضرّ في الحال. وقيل: أرادوا بهذه الشفاعة إصلاح أحوال دنياهم، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب عنهم، فقال: {قُلْ أَتُنَبّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ } قرأ أبو السمال العدوي "تنبئون" بالتخفيف من أنبأنا ينبىء. وقرأ من عداه بالتشديد من نبأ ينبىء. والمعنى: أتخبرون الله أن له شركاء في ملكه يعبدون كما يعبد، أو أتخبرونه أن لكم شفعاء بغير إذنه، والله سبحانه لا يعلم لنفسه شريكاً ولا شفيعاً بغير إذنه من جميع مخلوقاته الذين هم في سمواته وفي أرضه؟ وهذا الكلام حاصله: عدم وجود من هو كذلك أصلاً، وفي هذا من التهكم بالكفار مالا يخفى، ثم نزّه الله سبحانه نفسه عن إشراكهم، وهو يحتمل أن يكون ابتداء كلام غير ادخل في الكلام الذي أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب به عليهم، ويحتمل أن يكون من تمام ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم جواباً عليهم. قرأ حمزة والكسائي {عَمَّا يُشْرِكُونَ } بالتحتية. وقرأ الباقون بالفوقية، واختار القراءة الأولى أبو عبيد. قوله: {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ } قد تقدّم تفسيره في البقرة. والمعنى: أن الناس ما كانوا جميعاً إلا أمة واحدة موحدة لله سبحانه، مؤمنة به، فصار البعض كافراً وبقي البعض الآخر مؤمناً، فخالف بعضهم بعضاً. وقال الزجاج: هم العرب كانوا على الشرك. وقال: كل مولود يولد على الفطرة، فاختلفوا عند البلوغ، والأوّل أظهر. وليس المراد أن كل طائفة أحدثت ملة من ملل الكفر مخالفة للأخرى، بل المراد: كفر البعض وبقي البعض على التوحيد، كما قدّمنا: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ } وهي: أنه سبحانه لا يقضى بينهم فيما اختلفوا فيه إلا يوم القيامة{لَّقُضِىَ بِيْنَهُمْ } في الدنيا {فِيمَا } هم {فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } لكنه قد امتنع ذلك بالكلمة التي لا تتخلف، وقيل معنى: {لَّقُضِىَ بِيْنَهُمْ } بإقامة الساعة عليهم، وقيل: لفرغ من هلاكهم. وقيل: الكلمة: إن الله أمهل هذه الأمة فلا يهلكهم بالعذاب في الدنيا. وقيل: الكلمة: أنه لا يأخذ أحداً إلا بحجة، وهي إرسال الرسل كما قال تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَث رَسُولاً } تفسير : [الإسراء: 15]. وقيل: الكلمة: قوله «سبقت رحمتي غضبي». وقرأ عيسى بن عمر: «لقضى» بالبناء للفاعل. وقرأ من عداه بالبناء للمفعول. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة، قال: قال النضر: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزّى، فأنزل الله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَـٰتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَالا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } الآية. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ } قال ابن مسعود: كانوا على هدى. وروى أنه قرأ هكذا. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً } قال: آدم وحده {فَٱخْتَلَفُواْ } قال: حين قتل أحد ابني آدم أخاه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في الآية قال: كان الناس أهل دين واحد على دين آدم، فكفروا، فلولا أن ربك أجلهم إلى يوم القيامة لقضى بينهم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قال النضر: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى، فأنزل الله {فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون، ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} .
ابو السعود
تفسير : وقوله عز وجل: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا} استفهامٌ إنكاريٌّ معناه الجحدُ أي لا أحدَ أظلمُ منه على معنى أنه أظلم من كل ظالم، وإن كان سبكُ التركيب مفيداً لإنكار أن يكون أحدٌ أظلم منه من غير تعرضٍ لإنكار المساواةِ ونفيها، فإنه إذا قيل: مَنْ أفضلُ من فلان أو لا أعلمَ منه يُفهم منه حتماً أنه أفضلُ من كل فاضل وأعلمُ من كل عالم، وزيادةُ قوله تعالى: {كَذِبًا} مع أن الافتراءَ لا يكون إلا كذلك للإيذان بأن ما أضافوه إليه ضِمْناً وحملوه عليه الصلاة والسلام صريحاً مع كونه افتراءً على الله تعالى ـ كذبٌ في نفسه، فربّ افتراءٍ يكون كذبُه في الإسناد فقط كما إذا أسند ذنبُ زيدٍ إلى عمرو، وهذا للمبالغة منه عليه الصلاة والسلام في التفادي عما ذُكر من الافتراء على الله سبحانه {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} فكفر بها، وهذا تظليمٌ للمشركين بتكذيبهم للقرآن وحملِهم على أنه من جهته عليه الصلاة والسلام، والفاءُ لترتيب الكلامِ على ما سبق من بـيان كونِ القرآنِ بمشيئته تعالى وأمرِه، فلا مجال لحمل الافتراءِ باتخاذ الولدِ والشريك، أي وإذا كان الأمرُ كذلك فمن افترى عليه تعالى بأن يختلقَ كلاماً فيقول: هذا من عند الله أو يبدل بعضَ آياتِه تعالى ببعض كما تجوّزون ذلك في شأني، وكذلك مَن كذب بآياته تعالى كما تفعلونه أظلمُ من كل ظالم {إِنَّهُ} الضمير للشأن وقع اسماً لإن والخبرُ ما يعقُبه من الجملة، ومدارُ وضعِه موضعَه ادعاءُ شهرتِه المغنيةِ عن ذكره، وفائدةُ تصديرِها به الإيذانُ بفخامة مضمونِها مع ما فيه من زيادة تقريرِه في الذهن فإن الضميرَ لا يُفهم منه من أول الأمرِ إلا شأنٌ مبْهمٌ له خطرٌ فيبقى الذهنُ مترقباً لما يعقُبه فيتمكن عند ورودِه عليه فضلُ تمكنٍ، فكأنه قيل: إن الشأنَ هذا أي {لاَ يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي لا ينجُون من محذور ولا يظفَرون بمطلوب، والمرادُ جنسُ المجرمين فيندرج فيه المفتري والمكذب اندراجاً أولياً. {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} حكايةٌ لجناية أخرى لهم نشأتْ عنها جنايتُهم الأولى معطوفةٌ على قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} الآية، عطفَ قصةٍ على قصة، ومن دون متعلقٌ بـيعبدون ومحلُّه النصبُ على الحالية من فاعله أي متجاوزين الله سبحانه لا بمعنى تركِ عبادتِه بالكلية بل بمعنى عدم الاكتفاءِ بها وجعلها قريناً لعبادة الأصنامِ كما يُفصح عنه سياقُ النظمِ الكريم {مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} أي ما ليس من شأنه الضرُّ والنفعُ من الأصنام التي هي جمادات، وما موصولةٌ أو موصوفةٌ، وتقديمُ نفي الضررِ لأن أدنى أحكامِ العبادةِ دفعُ الضررِ الذي هو أولُ المنافع، والعبادةُ أمرٌ حادث مسبوقٌ بالعدم الذي هو مظِنّةُ الضرر فحيث لم تقدِر الأصنامُ على الضرر لم يوجد لإحداث العبادة سببٌ، وقيل: لا يضرّهم إن تركوا عبادتَها ولا ينفعهم إن عبدوها. كان أهلُ الطائفِ يعبُدون اللاتَ وأهلُ مكةَ عزّىٰ ومَناةَ وهُبَل وإسافاً ونائلةً {وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ} عن النضْر بن الحارثِ إذا كان يوم القيامة يشفع لي اللاتُ. قيل: إنهم كانوا يعتقدون أن المتوليَ لكل إقليمٍ روحٌ معينٌ من أرواح الأفلاكِ فعيّنوا لذلك الروحِ صنماً معيناً من الأصنام واشتغلوا بعبادته ومقصودُهم ذلك الروحُ ثم اعتقدوا أن ذلك الروحَ يكون عند الإلٰهِ الأعظمِ مشتغلاً بعبوديته وقيل: إنهم كانوا يعبدون الكواكبَ فوضعوا لها أصناماً معينة واشتغلوا بعبادتها قصداً إلى عبادة الكواكبِ، وقيل: إنهم وضعوا طلسماتٍ معينةً على تلك الأصنام ثم تقربوا إليها، وقيل: إنهم وضعوا هذه الأصنامَ على صور أنبـيائِهم وأكابرِهم وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيلِ فإن أولئك الأكابرَ يشفعون لهم عند الله تعالى. {قُلْ} تبكيتاً لهم {أَتُنَبّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ} أي أتخبرونه بما لا وجودَ له أصلاً وهو كونُ الأصنامِ شفعاءَهم عند الله تعالى إذ لولاه لعلمه علامُ الغيوبِ، وفيه تقريعٌ لهم وتهكّمٌ بهم وبما يدعونه من المُحال الذي لا يكاد يدخُل تحت الصحة والإمكانِ، وقرىء أتنبِّـيون بالتخفيف وقوله تعالى: {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ} حالٌ من العائد المحذوفِ في يعلم مؤكدةٌ للنفي، لأن ما لا يوجد فيهما فهو منتفٍ عادة {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} عن إشراكهم المستلزمِ لتلك المقالةِ الباطلةِ أو عن شركائهم الذين يعتقدونهم شفعاءَهم عند الله تعالى وقرىء تُشركون بتاء الخطاب على أنه من جملة القولِ المأمورِ به، وعلى الأول هو اعتراضٌ تذيـيليٌّ من جهته سبحانه وتعالى.
القشيري
تفسير : الْكَذِبُ في الشرع قبيحٌ، وإذا كان على الله فهو أقبح. ومِنَ المْفتَرين على الله: الذين يُظْهِرون من الأحوال ما ليسوا فيه صادقين، وجزاؤهُم أَنْ يُحْرَمُوا ذلك أبداً، فلا يَصلِون إلى شيء.
اسماعيل حقي
تفسير : {افلا تعقلون} افلا تستعملون عقولكم بالتدبر والتفكر فيه لتعلموا انه ليس الا من الله {فمن اظلم ممن افترى على الله كذبا} احتراز مما اضافوه اليه عليه السلام كناية وهوانه عليه السلام نظم هذا القرآن من عند نفسه ثم قال انه من عند الله افتراء عليه فان قولهم ائت بقرآن غير هذا او بدله كناية عنه فقوله عليه السلام فمن اظلم ممن افترى كناية عن نفسه كأنه قيل لو لم يكن هذا القرآن من عند الله كما زعمتم لما كان احد في الدنيا اظلم على نفسه من حيث افتريته على الله لكن الامر ليس كذلك بل هو وحى الهى {او كذب بآياته} فكفر بها {انه لا يفلح المجرمون} لا ينجون من محذور ولا يظفرون بمطلوب. وفي التأويلات النجمية اى لا يتخلص الكذابون والمكذبون من قيد الكفر وحجب الهوى وعذاب البعد وجحيم النفس انتهى وذلك لان الطريق طريق الصدق والاخلاص لا طريق الكذب والرياء فمن سلك سبيل الصدق افلح ونجا وصل ومن سلك سبيل الكذب خاب وهلك وضل. وعن ابى القاسم الفقيه انه قال اجمع العلماء على ثلاث خصال انها اذا صحت ففيها النجاة ولا يتم بعضها الا ببعض الاسلام الخالص من الظلم وطيب الغذاء والصدق لله فى الاعمال وفى الحديث "حديث : ان من اعظم الفرية ثلاثا ان يفتى الرجل على عينيه يقول رأيت ولم ير" تفسير : يعنى فى المنام "حديث : او يفترى على والديه فيدعي الى غير ابيه او يفترى على يقول سمعت من رسول الله ولم يسمع منى" تفسير : يقول الفقير فاذا لم يصح هذا الواحد من امته فكيف يصح لرسول الله عليه الصلاة والسلام والانبياء عليهم السلام امناء الله على ما اوحى اليهم لا يزيدون فيه ولا ينقصون ولا يبدلون فكذا الاولياء قدس الله اسرارهم امناء الله على ألهم اليهم يبلغونه الى من هو اهل له من غير زيادة ولا نقصان ومن انكر كون الامى وليافلينكر كونه نبيافان ذلك مفض الى ذلك ومستلزم له. قال الامام السخاوى قوله (ما تخذ الله من ولي جاهل ولو اتخذه لعلمه) ليس بثابت ولكن معناه صحيح والمراد بقوله ولو اتخذه وليا لعلمه يعنى لو اراد اتخاذه وليا لعلمه ثم اتخذه وليا انتهى. وقال الامام الغزالى فى شرح الاسم الحكيم من الاسماء الحسنى ومن عرف الله تعالى فهو حكيم وان كان ضعيف المنة فى سائر العلوم الرسمية كليل اللسان قاصر البيان فيها انتهى فظهر ان العلم الزائد على ما يقال له علم الحال ليس بشرط فى ولاية الولى وان الله تعالى اذا اراد بعبده خيرا يفقهه فى الدين ويعلمه من لدنه علم اليقين. حديث : قال عمر رضى الله عنه يا نبى الله مالك افصحنا فقال عليه السلام "جاءنى جبريل فلقننى لغة ابى اسماعيل وان الله ادبنى فاحسن تأديبى ثم امرنى بمكارم الاخلاق فقال خذ العفو وائمر بالعرف" تفسير : الآية فقد استبان الحق والله اعلم حيث يجعل رسالته فاياك ان تنكر ولاية مثل يونس وغيره من الاميين فان شواهدهم تنادى على صحة دعواهم بل واياك ان تطلق لسانك بالطعن على لحنهم فان سين بلال احب الى الله من شين غيره في اشهد: وفي المثنوى قدس سره شعر : كرحديثت كزبود معنيت راست آن كزئ لفظ مقبول خداست تفسير : وذلك لان خطأ الاحباب اولى من صواب الاغيار كما فى المثنوى. وعن ابى الدرداء رضى الله عنه انه قال (ان لله عبادا يقال لهم الابدال لم يبلغوا ما بلغوا بكثرة الصوم والصلاة والتمتع وحسن الحلية وانما بلغوا بصدق الورع وحسن النية وسلامة الصدور والرحمة لجميع المسلمين اصطفاهم الله بعلمه واستخلصهم لنفسه وهم اربعون رجلا على مثل قلب ابراهيم عليه السلام لا يموت الرجل منهم حتى يكون الله قد انشأ من يخلفه واعلم انهم لا يسبون شيئا ولا يلعنونه ولا يؤذون من تحتهم ولا يحقرونه ولا يحسدون من فوقهم اطيب الناس خبرا والينهم عريكة واسخاهم نفسا لا تدركهم الخيل المجراة ولا الرياح العواصف فيما بينهم وبين ربهم انما قلوبهم تصعد فى السقوف العلى ارتياحا الى الله فى استباق الخيرات اولئك حزب الله هم المفلحون) كذا فى روض الرياحين للامام اليافعى: وفى المثنوى فى وصف الاولياء شعر : مرده است ازخودشده زنده برب زان بوداسرار حقش دردولب
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {فمن أظلم} لا أحد أظلم {ممن افترى على الله كذباً} بأن تقوَّل على الله ما لم يقل، وهذا بيان لبراءته، مما اتهموه به من اختراعه القرآن، وإشارة إلى كذبهم على الله في نسبة الشركاء له والولد، {أو كذَّب بآياته} فكفر بها، فلا أظلم منه {إنه} أي: الأمر والشأن {لا يُفلح المجرمون} أي: لا يظفرون ببغيتهم، ولا تنجح مساعيهم؛ لإشراكهم بالله. كما قال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعُهم} من الجمادات التي لا تقدر على ضر ولا نفع، والمعبود ينبغي أن يكون مثيباً ومُعاقباً، حتى تكون عبادته لجلب نفع أو دفع الضر. {ويقولون هؤلاء} الأوثان {شفعاؤنا عند الله} تشفع لنا فيما يهمنا من أمور الدنيا، أو في الآخرة إن يكن بعث، وكأنهم كانوا شاكين فيه، وهذا من فرط جهالتهم، حيث تركوا عبادة الموجد للأشياء، الضار النافع، إلى عبادة ما يُعلم قطعاً أنه لا يضر ولا ينفع. {قل أتنبّئون الله} أتخبرونه {بما لا يعلم} وجوده {في السماوات ولا في الأرض} وهو أن له شريكاً فيهما يستحق أن يعبد. وفيه تقريع وتهكم بهم. قال ابن جزي: هو رد عليهم في قولهم بشفاعة الأصنام، والمعنى: أن شفاعة الأصنام ليست بمعلومة لله الذي هوعالم بما في السماوات والأرض، وكل ما ليس بمعلوم له فهو عدم محض، ليس بشيء، فقوله: {أتنبئون الله} تقرير لهم على وجه التوبيخ والتهكم، أي: كيف تعلمون الله بما لا يعلم. هـ. قال ابن عطية: وفي التوقيف على هذا أعظم غلبةٍ لهم، إذ لا يمكنهم إلا أن يقولوا: لا نفعل، ولا نقدر أن نخبر الله بما لا يعلم. ثم نزه نفسه عن ذلك فقال: {سبحانه وتعالى} أي: تنزيهاً له وتعاظم {عما يشركون} أي: إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم معه. وقرأ الأخوان: بالتاء، أي: عما تشركون أيها الكفار. الإشارة: في هذه الآية زجر كبير لأهل الدعوى، الذين ادعوا الخصوصية افتراء، ولأهل الإنكار الذين كذبوا من ثبتت خصوصيته، وتسجيل عليهم بالإجرام، وبعدم النجاح والفلاح، وفيها أيضاً: زجر لمن اعتمد على مخلوق في جلب نفع أو دفع ضر، أو اغتر بصحبة ولي يظن أنه يشفع له مع إصراره، وعظيم أوزاره. والله تعالى أعلم. ثم إن إختلاف الناس على الأنبياء وتكذيبهم وإشراكهم، إنما هو أمر عارض،حصل لهم بإندراس العلم وقلة الإنذار كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً}.
الطوسي
تفسير : قوله {فمن أظلم ممن} ظاهره الاستفهام والمراد به الاستعظام والاخبار به انه لا احد اظلم ممن اخترع كلاماً او خبراً ثم اضافه إلى الله ويريد به النبي نفسه لو كان فعل {أو كذب بآياته} يعنيهم {إنه لا يفلح} اي لا يفوز {المجرمون} وانما قال: لا احد اظلم ممن هذه صفته، لانه ظلم كفر، وهو اعظم من ظلم ليس بكفر. والتقدير لا احد اظلم ممن يظلم ظلم كفر، فعلى هذا من يدعي الربويية داخل في هذه الجملة لان ظلمه ظلم كفر، كأنه قيل لا احد اظلم من الكافر، وليس لاحد ان يقول: المدعي للربوبية اظلم من المدعي للنبوة وهو كاذب. والكذاب بآيات الله ظالم لنفسه بما يدخل عليها من استحقاق العقاب وظالم لغيره ممن يجوز ان تلحقه المنافع والمضار بتكذيبه اياه ورده عليه، لان من شأنه ان يعمه مثل هذا الكتذيب. و (من) في الآية للاستفهام وهي لا توصل لانها تضمنت حرف الاستفهام فعوملت معاملته، كما انها اذا كانت بمعنى الجزاء لم توصل لتضمنها معنى (إن) التي هي ام الباب في الجزاء.
الجنابذي
تفسير : {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} تعريض بنفسه وبهم على سبيل التّرديد على طريقة الانصاف مع الخصم بعد ما اثبت كونه غير مفترٍ كأنّه قال: ان كنت مفترياً على الله كما تكنون بذلك فانا اظلم النّاس وان كنت آتياً بآيات الله وتكذّبونها فانتم اظلم النّاس، او تعريض بكلتا الفرينتين بهم ويكون او للتّفصيل لا للتّشكيك كأنّه قال بعد ما اثبت انّى غير مفترٍ: فانتم اظلم النّاس من جهة افترائكم على الله بنصب الآلهة لانفسكم وبتكذيب آياته {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ} فى موضع التّعليل.
اطفيش
تفسير : {فَمنْ أظْلم ممَّن افْتَرى عَلى اللهِ كَذباً} أى لا أحد أظلم منه، فلو لم يكن القرآن من الله عز وجل لم يكن أحد أظلم منى لافترائى به عليه، وذلك من جملة المقول، أو مستأنف يفهم أنه لو لم يكن منه لم يكن أحد أظلم من محمد حاشاه، أو المعنى أنه لا أظلم منكم حيث أثبتم الشركة والولد لله سبحانه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الفرية، ويقوى هذا المعنى قوله تعالى: {أو كذَّبَ بآياتِهِ} القرآن ودلائل التوحيد {إنَّه} أى الشأن {لا يُفلح المجْرمونَ} المشركون.
اطفيش
تفسير : {فَمَنْ أَظْلَمُ} لا أَظلم {مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً} فلو كان منى ونسبته إِلى الله لم يكن أَحد أَظلم منى، فكيف يحب عاقل أَن يكون أَظلم الخلق، أَو أَنتم افتريتم على الله بادعاءِ الولد له والصاحبة والشريك فلا أَظلم منكم {أَو كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} هى القرآن لا ما نصبه من الأَدلة العقلية كخلق السماوات والأَرض والجبال وغير ذلك، وأَحوال كل الخلق لأَنهم لم يكذبوها إِلا بتكلف أَن عدم الاعتبار بها تكذيب فتشمل الآيات القرآن والأَدلة العقلية، لكن تسمية عدم الاعتبار تكذيباً مجاز فيجمع بين الحقيقة والمجاز إِلا إن اعتبرنا عموم المجاز فنقول معى التكذيب عدم العمل بالقرآن، والعقلية {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} المشركون وأَصحاب الكبائِر مطلقاً، أَو هؤلاءِ المشركون كما مر مثله.
الالوسي
تفسير : وقوله سبحانه: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـئَايَـٰتِهِ} استفهام إنكاري معناه النفي أي لا أحد أظلم من ذلك، ونفى الأظلمية كما هو المشهور كناية عن نفس المساواة فالمراد أنه أظلم من كل ظالم وقد مر تحقيق ذلك. والآية مرتبطة بما قبلها على أن المقصود منها تفاديه صلى الله عليه وسلم مما لوحوا به من نسبة الافتراء على الله سبحانه إليه عليه الصلاة والسلام وحاشاه وتظليم للمشركين بتكذيبهم للقرآن وكفرهم به، وزيادة {كَذِبًا} مع أن الافتراء لا يكون إلا كذلك للإيذان بأن ما لوحوا به ضمناً وحملوه عليه الصلاة والسلام عليه صريحاً مع كونه افتراء على الله سبحانه كذب في نفسه فرب افتراء يكون كذبه في الإسناد فقط كما إذا أسندت ذنب زيد إلى عمرو وهذا للمبالغة منه صلى الله عليه وسلم في التفادي مما ذكر، والفاء لترتيب الكلام على ما سبق من بيان كون القرآن بمشيئته تعالى وأمره أي وإذا كان الأمر كذلك فمن افترى عليه سبحانه بأن يخلق كلاماً فيقول: هذا من عند الله تعالى أو يبدل بعض آياته ببعض كما تجوزون ذلك في شأني، وكذلك من كذب بآياته جل شأنه كما تفعلونه أنتم أظلم من كل ظالم، وقيل: المقصود من الآية تظليم المشركين بافترائهم على الله تعالى في قولهم: إنه تعالى عما يقولون ذو شريك وذو ولد وتكذيبهم بآياته سبحانه، وهي مرتبطة أما بما قلبها أيضاً على معنى أني لم أفتر على الله تعالى ولم أكذب عليه وقد قام الدليل على ذلك وأنتم قد فعلتم ذلك حيث زعمتم أن لله تعالى شريكاً وان له / ولداً وكذبتم نبيه صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عنده سبحانه وأما بقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} تفسير : [يونس: 13] الخ على أن يكون قوله تعالى: {أية : ثُمَّ جَعَلْنَـٰكُمْ خَلَـٰئِفَ }تفسير : [يونس:14] وقوله سبحانه: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا بَيّنَاتٍ }تفسير : [يونس: 15] إلى هنا إعلاماً بأن المشركين الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واستنوا بسنن من قبلهم في تكذيب آيات الله تعالى والرسل عليهم الصلاة والسلام ويكون هذا عوداً إلى الأول بعد الفراغ من قصة المشركين، وقيل: وجه تعلقها بمت تقدم أنهم إنما سألوه صلى الله عليه وسلم تبديل القرآن لما فيه من ذم آلهتهم الذين افتروا في جعلها آلهة، وقيل: إن الآية توطئة لما بعدها ولا يخفى أن الأول هو الأنسب بالمقام وأوفق بالفاء وأبعد عن التكلف وأقرب انسياقاً إلى الذهن السليم {أَنَّهُ} أي الشأن {لاَ يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي لا ينجون من محذور ولا يفوزون بمطلوب، والمراد جنس المجرمين فيندرج فيه المفتري والمكذب اندراجاً أولياً، ولا يخفى ما في اختيار ضمير الشأن من الاعتناء بشأن ما يذكر بعده من أول الأمر.
ابن عاشور
تفسير : لما قامت الحجة عليها بما لا قبل لهم بالتنصل منه أعقبت بالتفريع على افترائهم الكذب وذلك مما عرف من أحوالهم من اتخاذهم الشركاء له كما أشار إليه قوله: {أية : ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا }تفسير : [يونس: 13] أي أشركوا إلى قوله:{أية : لننظر كيف تعملون}تفسير : [يونس: 14] وتكذيبهم بآيات الله في قولهم: {أية : ائت بقرآن غير هذا أو بدّله}تفسير : [يونس: 15]. وفي ذلك أيضاً توجيه الكلام بصلاحيته لأن يكون إنصافاً بينه وبينهم إذ هم قد عرضوا بنسبته إلى الافتراء على الله حين قالوا: {أية : ائت بقرآن غير هذا}تفسير : [يونس: 15]، وصرحوا بنفي أن يكون القرآن من عند الله، فلما أقام الحجة عليهم بأن ذلك من عند الله وأنه ما يكون له أن يأتي به من تلقاء نفسه فُرع عليه أن المفتري على الله كذباً والمكذبين بآياته كلاهما أظلم الناس لا أحد أظلم منهما، وذلك من مجاراة الخصم ليعثر، يخيل إليه من الكلام أنه إنصاف بينهما فإذا حصحص المعنى وُجد انصبابه على الخصم وحده. والتفريع صالح للمعنيين، وهو تفريع على ما تقدم قبله مما تضمن أنهم أشركوا بالله وكذبوا بالقرآن. ومحل (أو) على الوجهين هو التقسيم، وهو إما تقسم أحوال، وإما تقسم أنواع. والاستفهام إنكاري. والظلم: هنا بمعنى الاعتداء. وإنما كان أحد الأمرين أشد الظلم لأنه اعتداء على الخالق بالكذب عليه وبتكذيب آياته. وجملة: {إنه لا يفلح المجرمون} تذييل، وموقعه يقتضي شمول عمومه للمذكورين في الكلام المذيَّل (بفتح التحتية) فيقتضي أن أولئك مجرمون، وأنهم لا يفلحون. والفلاح تقدم في قوله تعالى: {أية : وأولئك هم المفلحون}تفسير : في سورة [البقرة: 5]. وتأكيد الجملة بحرف التأكيد ناظر إلى شمول عموم المجرمين للمخاطبين لأنهم ينكرون أن يكونوا من المجرمين. وافتتاح الجملة بضمير الشأن لقصد الاهتمام بمضمونها.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَاتِهِ} (17) - لاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظُلْماً، وَلاَ أَشَدُّ إِجْرَاماً مِنْ رَجُلٍ تَقَوَّلَ عَلَى اللهِ، وَكَذَبَ عَلَيْهِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللهِ، وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَلاَ أَظْلَمَ مِنْ رَجُلٍ كَفَرَ بِاللهِ، وَكَذَّبَ بِمَا يَرَاهُ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ، وَبِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رُسُلِهِ، وَلاَ يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ الذِينَ يَلْقَوْنَ رَبَّهُمْ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا كَافِرِينَ. لاَ يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ - لاَ يَفُوزُونَ بِمَطْلُوبٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهنا يوضح القرآن على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم: أأكذب على الله؟ إذا كنت لم أكذب عليكم أنتم في أموري معكم وفي الأمور التي جرَّبتموها، أفأكذب على الله؟! إن الذي يكذب في أول حياته من المعقول أن يكذب في الكِبَر، وإذا كنت لم أكذب عليكم أنتم، فهل أكذب على الله؟ وإذَا لم أكن قد كذبت وأنا غير ناضج التفكير، في طفولتي قبل أن أصل إلى الرجولة، فأنا الآن لا أستطيع الكذب. فإذا كنتم أنتم تتهمونني بذلك، فأنا لا أظلم نفسي وأتهمها بالكذب، فتصبحون أنتم المكذبين؛ لأنكم كذبتموني في أن القرآن مبلغ عن الله، ولو أنني قلت: إنه من عند نفسي لكان من المنطق أن تُكذِّبوا ذلك؛ لأنه شرف يُدَّعى. ولكن أرفعه إلى غيري؛ إلى من هو أعلى مني ومنكم. وقوله الحق: {فَمَنْ أَظْلَمُ} أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله سبحانه كذباً؛ لأن الكاذب إنما يكذب ليدلِّس على من أمامه، فهل يكذب أحد على من يعلم الأمور على حقيقتها؟ لا أحد بقادر على ذلك. ومن يكذب على البشر المساوين له يظلمهم، لكن الأظلم منه هو من يكذب على الله سبحانه. والافتراء كذب متعمد، فمن الجائز أن يقول الإنسان قضية يعتقدها، لكنها ليست واقعاً، لكنه اعتقد أنها واقعة بإخبار من يثق به، ثم تبين بعد ذلك أنها غير واقعة، وهذا كذب صحيح، لكنه غير متعمد، أما الافتراء فهو كذب متعمد. ولذلك حينما قسم علماء اللغة الكلام الخبري؛ قسموه إلى: خبر وإنشاء، والخبر يقال لقائله: صدقت أو كذبت، فإن كان الكلام يناسب الواقع فهو صدق، وإن كان الكلام لا يناسب الواقع فهو كذب. وقوله الحق: {ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} يبين لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قلتم إنني ادعيت أن الكلام من عند الله، وهو ليس من عند الله. فهذا يعني أن الكلام كذب وهو من عندي أنا، فما موقف من يكَذب بآيات الله؟ إن الكذب من عندكم أنتم، فإن كنتم تكذبونني وتدَّعون أني أقول إن هذا من الله، وهو ليس من الله، وتتمادون وتُكذِّبون بالآيات وتقولون هي من عندك، وهي ليست من عندي، بل من عند الله؛ فالإثم عليكم. والكذب إما أن يأتي من ناحية القائل، وإما من ناحية المستمع، وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم عدالة التوزيع في أكثر من موقع، مثلما يأتي القول الحق مبيِّناً أدب النبوة: {أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ..} تفسير : [سبأ: 24]. وليس هناك أدب في العرض أكثر من هذا، فيبين أن قضيته صلى الله عليه وسلم وقضيتهم لا تلتقيان أبداً، واحدة منهما صادقة والأخرى كاذبة، ولكن من الذي يحدد القضية الصادقة من الكاذبة؟ إنه الحق سبحانه. وتجده سبحانه يقول على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم: {أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} وفي ذلك طلب لأن يعرضوا الأمر على عقولهم؛ ليعرفوا أي القضيتين هي الهدى، وأيهما هي الضلال. وفي ذلك ارتقاء للمجادلة بالتي هي أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول الحق سبحانه: {أية : قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ...} تفسير : [سبأ: 25]. أي: كل واحدة سيُسأل عن عمله، فجريمتك لن أسأل أنا عنها، وجريمتي لا تُسأل أنت عنها. ونسب الإجرام لجهته ولم يقل: "قل لا تُسألون عما أجرمنا ولا نُسأل عما تجرمون" وشاء ذلك ليرتقي في الجدل، فاختار الأسلوب الذي يُهذِّب، لا ليهيِّج الخصم؛ فيعاند، وهذا من الحكمة؛ حتى لا يقول للخصم ما يسبب توتره وعناده فيستمر الجدل بلا طائل. وهنا يقول الحق سبحانه: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} فإذا كان الظلم من جهتي؛ فسوف يحاسبني الله عليه، وإن كان من جهتكم؛ فاعلموا قول الحق سبحانه: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ} ولم يحدد من المجرم، وترك الحكم للسامع. كما تقول لإنسان له معك خلاف: سأعرض عليك القضية واحكم أنت، وساعة تفوضه في الحكم؛ فلن يصل إلا إلى ما تريد. ولو لم يكن الأمر كذلك لما عرضت الأمر عليه. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):