Verse. 1380 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

قُلْ لَّوْ شَاۗءَ اللہُ مَا تَلَوْتُہٗ عَلَيْكُمْ وَلَاۗ اَدْرٰىكُمْ بِہٖ۝۰ۡۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيْكُمْ عُمُـرًا مِّنْ قَبْلِہٖ۝۰ۭ اَفَلَا تَعْقِلُوْنَ۝۱۶
Qul law shaa Allahu ma talawtuhu AAalaykum wala adrakum bihi faqad labithtu feekum AAumuran min qablihi afala taAAqiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم» أعلمكم «به» ولا نافية عطف على ما قبله، وفي قراءة بلام جواب لو أي لأعلمكم به على لسان غيري «فقد لبثت» مكثت «فيكم عمرا» سنينا أربعين «من قبله» لا أحدثكم بشيء «أفلا تعقلون» أنه ليس من قِبَلي.

16

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنا بينا فيما سلف، أن القوم إنما التمسوا منه ذلك الالتماس، لأجل أنهم اتهموه بأنه هو الذي يأتي بهذا الكتاب من عند نفسه، على سبيل الاختلاق والافتعال، لا على سبيل كونه وحياً من عند الله. فلهذا المعنى احتج النبي عليه الصلاة والسلام على فساد هذا الوهم بما ذكره الله تعالى في هذه الآية. وتقريره أن أولئك الكفار كانوا قد شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول عمره إلى ذلك الوقت، وكانوا عالمين بأحواله وأنه ما طالع كتاباً ولا تلمذ لأستاذ ولا تعلم من أحد، ثم بعد انقراض أربعين سنة على هذا الوجه جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس علم الأصول، ودقائق علم الأحكام، ولطائف علم الأخلاق، وأسرار قصص الأولين. وعجز عن معارضته العلماء والفصحاء والبلغاء، وكل من له عقل سليم فإنه يعرف أن مثل هذا لا يحصل إلا بالوحي والإلهام من الله تعالى، فقوله: {لَّوْ شَاء ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ } حكم منه عليه الصلاة والسلام بأن هذا القرآن وحي من عند الله تعالى، لا من اختلاقي ولا من افتعالي. وقوله: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مّن قَبْلِهِ } إشارة إلى الدليل الذي قررناه، وقوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } يعني أن مثل هذا الكتاب العظيم إذا جاء على يد من لم يتعلم ولم يتلمذ ولم يطالع كتاباً ولم يمارس مجادلة، يعلم بالضرورة أنه لا يكون إلا على سبيل الوحي والتنزيل. وإنكار العلوم الضرورية يقدح في صحة العقل. فلهذا السبب قال: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }. المسألة الثانية: قوله: {وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ } هو من الدراية بمعنى العلم. قال سيبويه: يقال دريته ودريت به، والأكثر هو الاستعمال بالباء. والدليل عليه قوله تعالى: {وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ } ولو كان على اللغة الأخرى لقال ولا أدراكموه. إذا عرفت هذا فنقول: معنى {وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ } أي ولا أعلمكم الله به ولا أخبركم به. قال صاحب «الكشاف»: قرأ الحسن {وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ } على لغة من يقول أعطأته وأرضأته في معنى أعطيته وأرضيته ويعضده قراءة ابن عباس {وَلاَ أَنذَرْتُكُمْ بِهِ } ورواه الفراء {وَلاَ أدرأتكم} به بالهمز، والوجه فيه أن يكون من أدرأته إذا دفعته، وأدرأته إذا جعلته دارياً، والمعنى: ولا أجعلكم بتلاوته خصماء تدرؤنني بالجدال وتكذبونني، وعن ابن كثير {ولأدرأكم} بلام الابتداء لإثبات الإدراء. وأما قوله تعالى: {بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مّن قَبْلِهِ } فالقراءة المشهورة بضم الميم، وقرىء {عُمُراً } بسكون الميم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ} أي لو شاء الله ما أرسلني إليكم فتلوت عليكم القرآن، ولا أعلمكم الله ولا أخبركم به؛ يقال: دَرَيْتُ الشيء وأدراني الله به، ودرَيته ودريت به. وفي الدارية معنىٰ الختل؛ ومنه دريت الرجل أي ختلته، ولهذا لا يطلق الداري في حق الله تعالىٰ وأيضاً عدم فيه التوقيف. وقرأ ٱبن كثير: «ولأدراكم به» بغير ألف بين اللام والهمزة؛ والمعنىٰ: لو شاء لأعلمكم به من غير أن أتلوه عليكم؛ فهي لام التأكيد دخلت على ألف أفعل. وقرأ ٱبن عباس والحسن «ولا أدراتكم به» بتحويل الياء ألفاً، على لغة بني عقيل؛ قال الشاعر:شعر : لعمرك ما أخشىٰ التصَّعلك ما بقيَ على الأرض قَيْسِيّ يسوق الأباعرا تفسير : وقال آخر:شعر : ألا آذنتْ أهلَ اليمامة طيءٌ بحرب كناصات الأغرّ المشهر تفسير : قال أبو حاتم: سمعت الأصمعيّ يقول سألت أبا عمرو بن العلاء: هل لقراءة الحسن «ولا أدراتكم به» وجه؟ فقال لا. وقال أبو عبيد: لا وجه لقراءة الحسن «ولا أدراتكم به» إلا الغلط. قال النحاس: معنىٰ قول أبي عبيد: لا وجه، إن شاء الله على الغلط؛ لأنه يقال: دريت أي علمت، وأدريت غيري، ويقال: درأت أي دفعت؛ فيقع الغلط بين دريت ودرأت. قال أبو حاتم: يريد الحسن فيما أحسِب «ولا أدريتكم به» فأبدل من الياء ألفاً على لغة بني الحارث بن كعب، يبدلون من الياء ألفاً إذا انفتح ما قبلها؛ مثل، {أية : إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ} تفسير : [طه: 63]. قال المهدويّ: ومن قرأ «أدرأتكم» فوجهه أن أصل الهمزة ياء، فأصله «أدريتكم» فقلبت الياء ألفاً وإن كانت ساكنة؛ كما قال: يايس في ييّس وطايىء في طيء، ثم قلبت الألف همزة على لغة من قال في العالم العألم وفي الخاتم الخأتم. قال النحاس: وهذا غلط، والرواية عن الحسن «ولا أدرأتكم» بالهمزة، وأبو حاتم وغيره تكلم أنه بغير همز، ويجوز أن يكون من درأت أي دفعت؛ أي ولا أمرتكم أن تدفعوا فتتركوا الكفر بالقرآن. قوله تعالى: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً} ظرف، أي مقداراً من الزمان وهو أربعون سنة. {مِّن قَبْلِهِ} أي من قبل القرآن، تعرفونني بالصدق والأمانة، لا أقرأ ولا أكتب، ثم جئتكم بالمعجزات. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أن هذا لا يكون إلا من عند الله لا من قِبلي. وقيل: معنى «لَبِثْت فِيكُمْ عُمُراً» أي لبثت فيكم مدّة شبابي لم أعص الله، أفتريدون مني الآن وقد بلغت أربعين سنة أن أُخالف أمر الله، وأُغيّر ما ينزله عليّ. قال قتادة: لبث فيهم أربعين سنة، وأقام سنتين يرى رؤيا الأنبياء، وتُوفّيَ صلى الله عليه وسلم وهو ابن اثنتين وستين سنة.

البيضاوي

تفسير : {قُل لَّوْ شَاء ٱللَّهُ} غير ذلك. {مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ} ولا أعلمكم به على لساني، وعن ابن كثير «ولأدراكم» بلام التأكيد أي لو شاء الله ما تلوته عليكم ولأعلمكم به على لسان غيري. والمعنى أنه الحق الذي لا محيص عنه لو لم أرسل به لأرسل به غيري. وقرىء «ولا أدرأكم» «ولا أدرأتكم» بالهمز فيهما على لغة من يقلب الألف المبدلة من الياء همزة، أو على أنه من الدرء بمعنى الدفع أي ولا جعلتكم بتلاوته خصماء تدرؤنني بالجدال، والمعنى أن الأمر بمشيئة الله تعالى لا بمشيئتي حتى اجعله على نحو ما تشتهونه ثم قرر ذلك بقوله: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً} مقداراً عمر أربعين سنة. {مِن قَبْلِهِ} من قبل القرآن لا أتلوه ولا أعلمه، فإنه إشارة إلى أن القرآن معجز خارق للعادة فإن من عاش بين أظهرهم أربعين سنة لم يمارس فيها علماً ولم يشاهد عالماً ولم ينشىء قريضاً ولا خطبة، ثم قرأ عليهم كتاباً بزت فصاحته فصاحة كل منطيق وعلا عن كل منثور ومنظوم، واحتوى على قواعد علمي الأصول والفروع وأعرب عن أقاصيص الأولين وأحاديث الآخرين على ما هي عليه علم أنه معلم به من الله تعالى. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي أفلا تستعملون عقلوكم بالتدبر والتفكر فيه لتعلموا أنه ليس إلا من الله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلآ أَدْرٰكُمْ } أعلمكم {بِهِ } و «لا» نافية عطف على ما قبله. وفي قراءة بلام جواب «لو» أي: لأعلَمكم به على لسان غيري {فَقَدْ لَبِثْتُ } مكثت {فِيكُمْ عُمُراً } سنين أربعين {مِّن قَبْلِهِ } لا أحدثكم بشيء {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أنه ليس من قبلي؟.

ابن عطية

تفسير : هذه من كمال الحجة أي هذا الكلام ليس من قبلي ولا من عندي وإنما هو من عند الله، ولو شاء ما بعثني به ولا تلوته عليكم ولا أعلمتكم به، و {أدراكم} بمعنى أعلمكم يقال دريت بالأمر وأدريت غيري، وهذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثير في بعض ما روي عنه: " ولا دراكم به " وهي لام تأكيد دخلت على أدرى، والمعنى على هذا ولا علمكم به من غير طريقي وقرأ ابن عباس وابن سيرين وأبو رجاء والحسن " ولا أدرأتكم به "، وقرأ ابن عباس أيضاً وشهر بن حوشب، "ولا أنذرتكم به"، وخرج الفراء قراءة ابن عباس والحسن على لغة لبعض العرب منها قولهم: لبأت بمعنى لبيت، ومنها قول امرأة منهم: رثأت زوجي بأبيات أي رثيت، وقال أبو الفتح إنما هي " أدريتكم " قلبت الياء ألفاً لانفتاح ما قبلها، وروينا عن قطرب: أن لغة عقيل في أعطيتك أعطأتك، قال أبو حاتم: قلبت الياء ألفاً كما في لغة بني الحارث بن كعب: السلام علاك، ثم قال {فقد لبثت فيكم عمراً من قبله } أي الأربعين سنة قبل بعثته عليه السلام، ويريد لم تجربوني في كذب ولا تكلمت في شيء من هذا {أفلا تعقلون } أن من كان على هذه الصفة لا يصح منه كذب بعد أن كلا عمره وتقاصر أمله واشتدت حنكته وخوفه لربه، وقرأ الجمهور بالبيان في " لبثت" وقرأ أبو عمرو: "لبت" بإدغام الثاء في التاء، وقوله { فمن أظلم } الآية، جاء في هذه الآية التوقيف على عظم جرم المفتري على الله بعد تقدم التنصل من ذلك قبل، فاتسق القول واطردت فصاحته، وقوله {فمن أظلم } استفهام وتقرير أي لا أحد أظلم {ممن افترى على الله كذباً }، أو ممن {كذب بآياته } بعد بيانها، وذلك أعظم جرم على الله وأكثر استشراف إلى عذابه، ثم قرر {إنه لا يفلح } أهل الجرم، و{يفلح } معناه يظفر ببغيته، وقوله {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم } الآية، الضمير في {يعبدون} عائد على الكفار من قريش الذين تقدّمت محاورتهم، و {ما لا يضرهم ولا ينفعهم } هي الأصنام، وقولهم {هؤلاء شفعاؤنا } هو مذهب النبلاء منهم، فأمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يقررهم ويوبخهم أهم يعلمون الله بأنباء من السماوات والأرض لا يعلمها هو؟ وذكر {السماوات } لأن العرب من يعبد الملائكة والشعرى، وبحسب هذا حسن أن يقول { هؤلاء }، وقيل ذلك على تجوز في الأصنام التي لا تعقل، وفي التوقيف على هذا أعظم غلبة لهم، ولا يمكنهم ألا أن يقولوا: لا نفعل ولا نقدر، وذلك لهم لازم من قولهم: {هؤلاء شفعاؤنا } ،و {سبحانه} استئناف تنزيه لله عز وجل، وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر هنا: "عما يشركون" بالياء على الغيبة، وفي حرفين في النحل وحرف في الروم وحرف في النمل، وذكر أبو حاتم أنه قرأها كذلك نافع والحسن والأعرج وابن القعقاع وشيبة وحميد وطلحة والأعمش، وقرأ ابن كثير ونافع هنا وفي النمل فقط " تشركون" بالتاء على مخاطبة الحاضر، وقرأ حمزة والكسائي الخمسة الأحرف بالتاء وهي قراءة أبي عبد الرحمن.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَدْرَاكُم} أعلمكم، أو أنذركم. {عُمُراً} أراد ما تقدم من عمره، أو أربعين سنة، لأنه بُعث عن الأربعين، وهو المطلق من عمر الإنسان. {أَتُنَبِِّئُونَ اللَّهَ} أتخبرونه بعبادة من لا يعلم ما في السموات ولا ما في الأرض، أو ليس يعلم الله له شريكاً.

النسفي

تفسير : {قُل لَّوْ شَاء ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ } يعني أن تلاوته ليست إلا بمشيئة الله وإظهاره أمراً عجيباً خارجاً عن العادات، وهو أن يخرج رجل أمي لم يتعلم ولم يشاهد العلماء فيقرأ عليكم كتاباً فصيحاً يغلب كل كلام فصيح ويعلو على كل منثور ومنظوم، مشحوناً بعلوم الأصول والفروع والإخبار عن الغيوب التي لا يعلمها إلا الله {وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ } ولا أعلمكم الله بالقرآن على لساني {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مّن قَبْلِهِ } من قبل نزول القرآن أي فقد أقمت فيما بينكم أربعين سنة ولم تعرفوني متعاطياً شيئاً من نحوه ولا قدرت عليه، ولا كنت موصوفاً بعلم وبيان فتتهموني بإختراعه {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } فتعلموا أنه ليس إلا من عند الله لا من مثلي، وهذا جواب عما دسوه تحت قولهم أئت بقرآن غير هذا من إضافة الافتراء إليه. {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } يحتمل أن يريد افتراء المشركين على الله في أنه ذو شريك وذو ولد، وأن يكون تفادياً مما أضافوه إليه من الافتراء {أو كذّب بآياته} بالقرآن، فيه بيان أن الكاذب على الله والمكذب بآياته في الكفر سواء {إِنَّهُ لا يُفْلَحُ الْمُجرِمُون}

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ‏{‏ولا أدراكم به‏} ‏ يقول‏:‏ أعلمكم به‏. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله ‏{‏ولا أدراكم به‏} ‏ يقول‏:‏ ولا أشعركم به‏. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن، أنه قال ‏"‏ولا أدرأتكم به‏"‏ يعني بالهمز قال الفراء‏:‏ لا أعلم هذا يجوز من دريت ولا أدريت إلا أن يكون الحسن همزها على طبيعته، فإن العرب ربما غلطت فهمزت ما لم يهمز‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما‏.‏ أنه كان يقرأ ‏"‏قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أنذرتكم به‏"‏‏. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏ولا أنذرتكم به‏} ‏ قال‏:‏ ما حذرتكم به‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ‏ {‏فقد لبثت فيكم عمراً من قبله‏} ‏ قال‏:‏ لم أتل عليكم ولم أذكر‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي ‏ {‏فقد لبثت فيكم عمراً من قبله‏}‏ قال‏:‏ لبث أربعين سنة قبل أن يوحى إليه، ورأى الرؤيا سنتين، وأوحى الله إليه عشر سنين بمكة وعشراً بالمدينة، وتوفي وهو ابن اثنتين وستين سنة‏. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والترمذي عن ابن عباس قال‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين‏. وأخرج أحمد والبيهقي في الدلائل عن أنس رضي الله عنه‏.‏ أنه سئل بسن أي الرجال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذ بعث‏؟‏ قال‏:‏ كان ابن أربعين سنة‏. وأخرج البيهقي في الدلائل عن الشعبي قال‏:‏ نزلت النبوة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل عليه السلام ثلاث سنين، فكان يعلمه الحكمة والشيء لم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل عليه السلام، فنزل القرآن على لسانه عشرين، عشراً بمكة وعشراً بالمدينة‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك قال‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس أربعين، فأقام بمكة عشراً وبالمدينة عشراً، وتوفي على رأس ستين سنة‏.

ابو السعود

تفسير : وقوله عز وجل: {قُل لَّوْ شَاء ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ} تحقيقٌ لحقية القرآنِ وكونِه من عند الله تعالى إثرَ بـيانِ بطلانِ ما اقترحوا الإتيانَ به واستحالتِه عبارةً ودلالةً، وإنما صدر بالأمر المستقلِّ مع كونه داخلاً تحت الأمرِ السابقِ إظهاراً لكمال الاعتناءِ بشأنه وإيذاناً باستقلاله مفهوماً وأسلوباً، فإنه برهانٌ دالٌّ على كونه بأمر الله تعالى ومشيئتِه كما سيأتي، وما سبق مجردُ إخبارٍ باستحالة ما اقترحوه، ومفعولُ شاء محذوفٌ ينبىء عنه الجزاءُ لا غيرُ ذلك كما قيل فإن مفعولَ المشيئةِ إنما يحذف إذا وقعت شرطاً وكان مفعولُها مضمونَ الجزاءِ ولم يكن في تعلقها به غرابةٌ كما في قوله: شعر : لو شئتُ أن أبكي دماً لبكَيتُه تفسير : حيث لم يحُذف لفقدان الشرطِ الأخيرِ ولأن المستلزِمَ للجزاء أعني عدمَ تلاوتِه عليه الصلاة والسلام للقرآن عليهم إنما هو مشيئتُه تعالى له لا مشيئتُه لغير القرآن، والمعنى أن الأمرَ كلَّه منوطٌ بمشيئته تعالى وليس لي منه شيء قط، ولو شاء عدمَ تلاوتي له عليكم ـ لا بأن شاء عدمَ تلاوتي له من تلقاء نفسي بل بأن يُنزِلْه عليّ ولم يأمُرْني بتلاوته كما ينبىء عنه إيثارُ التلاوة على القراءة ـ ما تلوتُه عليكم {وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ} أي ولا أعلمَكم به بواسطتي، والتالي وهو عدمُ التلاوةِ والإدراءِ منتفٍ فينتفي المقدّم أعني مشيئتَه عدمَ التلاوة، ولا يخفى أنها مستلزمةٌ لعدم مشيئتِه التلاوة قطعاً، فانتفاؤُها مستلزمٌ لانتفائه حتماً وانتفاءُ عدمِ مشيئتِه التلاوةَ إنما يكون بتحقق مشيئةِ التلاوةِ فثبت أن تلاوتَه عليه الصلاة والسلام للقرآن بمشيئته تعالى وأمرِه، وإنما قيدنا الإدراءَ بكونه بواسطته عليه الصلاة والسلام لأن عدمَ الإعلامِ مطلقاً ليس من لوازم الشرطِ الذي هو مشيئةُ عدمِ تلاوتِه عليه السلام فلا يجوز نظمُه في سلك الجزاءِ، وفي إسناد عدمِ الإدراءِ إليه تعالى المنبىءِ عن استناد الإدراءِ إليه تعالى إيذانٌ بأنْ لا دخلَ له عليه السلام في ذلك حسبما يقتضيه المقامُ، وقرىء ولا أدرَأْنُكم ولا أدرَأَكم بالهمزة فيهما على لغة من يقول: أعطأتُ وأرضأتُ في أعطيت وأرضيتُ أو على أنه من الدرء بمعنى الدفعِ أي ولا جعلتُكم بتلاوته عليكم خصَماءَ تدرَؤُني بالجِدال، وقرىء ولا أنذرتُكم به وقرىء لأدْرَاكم بلام الجوابِ، أي لو شاء الله ما تلوتُه عليكم أنا ولأَعلَمكم به على لسان غيري، على معنى أنه الحقُّ الذي لا محيصَ عنه، لو لم أُرسل به أنا لأُرسل به غيري البتة، أو على معنى أنه تعالى يمُنّ على من يشاء فخصّني بهذه الكرامة. {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً} تعليلٌ للملازمة المستلزِمةِ لكون تلاوتِه بمشيئة الله تعالى وأمره حسبما بـيّن آنفاً، لكن لا بطريق الاستدلالِ عليها بعدم تلاوتِه عليه الصلاة والسلام فيما سبق بسبب مشيئتِه تعالى إياه بل بطريق الاستشهادِ عليها بما شاهدوا منه عليه الصلاة والسلام في تلك المدةِ الطويلةِ من الأمور الدالةِ على استحالة كونِ التلاوةِ من جهته عليه الصلاة والسلام بلا وحيٍ، وعمراً نُصب على التشبـيه بظرف الزمانِ، والمعنى قد أقمتُ فيما بـينكم دهراً مديداً مقدارَ أربعين سنةً تحفظون تفاصيلَ أحوالي طرّاً وتحيطون بما لديّ خبراً {مِن قَبْلِهِ} أي من قبل نزولِ القرآن لا أتعاطىٰ شيئاً مما يتعلق به لا من حيث نظمه المعجز ولا من حيث معناه الكاشفُ عن أسرار الحقائقِ وأحكامِ الشرائع {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي ألا تلاحِظون ذلك فلا تعقلون امتناعَ صدورِه عن مثلي، ووجوبَ كونِه منزلاً من عند الله العزيز الحكيم فإنه غيرُ خافٍ على من له عقلٌ سليمٌ. والحق الذي لا محيدَ عنه أن مَنْ له أدنى مَسَكةٍ من العقل إذا تأمل في أمره عليه الصلاة والسلام وأنه نشأ فيما بـينهم هذا الدهرَ الطويلَ من غير مصاحبةِ العلماء في شأن من الشؤون ولا مراجعةٍ إليهم في فن من الفنون ولا مخالطةِ البلغاءِ في المفاوضة والحِوار ولا خوضٍ معهم في إنشاء الخُطبِ والأشعار ثم أتى بكتاب بهَرتْ فصاحتُه كلَّ فصيح فائقٍ وبزّت بلاغتُه كلَّ بليغٍ رائقٍ أو علا نظمُه كلَّ منثور ومنظومٍ وحوى فحواه بدائعَ أصنافِ العلومِ، كاشفٌ أسرارَ الغيبِ من وراء أستارِ الكمُون ناطقٌ بأخبار ما قد كان وما سيكون، مصدقٌ لما بـين يديه من الكتب المنزلةِ مهيمنٌ عليها في أحكامها المُجْملة والمفصّلة لا يبقى عنده شائبةُ اشتباهٍ في أنه وحيٌ منزلٌ من عند الله، هذا هو الذي اتفقت عليه كلمةُ الجمهور، ولكن الأنسبَ ببناء الجوابِ فيما سلف على مجرد امتناعِ صدورِ التغيـير والتبديلِ عنه عليه الصلاة والسلام لكونه معصيةً موجبةً للعذاب العظيم واقتصارِ حالِه عليه الصلاة والسلام على اتباع الوحي وامتناعِ الاستبدادِ بالرأي من غير تعرضٍ هناك ولا هٰهنا لكون القرآنِ في نفسه أمراً خارجاً عن طَوْق البشرِ ولا لكونه عليه الصلاة والسلام غيرَ قادرٍ على الإتيان بمثله ـ أن يُستشهدَ هٰهنا على المطلب بما يلائم ذلك من أحواله المستمرةِ في تلك المدةِ المتطاولةِ من كمال نزاهتِه عليه الصلاة والسلام عما يوهم شائبةَ صدورِ الكذبِ والافتراءِ عنه في حق أحدٍ كائناً مَنْ كان كما ينبىء عنه تعقيبُه بتظليم المفتري على الله تعالى، والمعنى قد لبثتُ فيما بـين ظَهْرانيكم قبل الوحي لا أتعرض لأحد قط بتحكم ولا جدالٍ ولا أحوم حولَ مقالٍ فيه شائبةُ شبهةٍ فضلاً عما فيه كذبٌ أو افتراءٌ، ألا تلاحظون فلا تعقِلون أن مَنْ هذا شأنُه المطردُ في هذا العهد البعيدِ مستحيلٌ أن يفتريَ على الله عز وجل ويتحكم على كافة الخلقِ بالأوامر والنواهي الموجبةِ لسلب الأموالِ وسفكِ الدماءِ ونحو ذلك، وأن ما أتىٰ به وحيٌ مبـينٌ تنزيلٌ من رب العالمين.

القشيري

تفسير : قد عِشْتُ فيكم زماناً، وعرفتم أحوالي فيما تطلبون مني عليه برهاناً، فما ألفيتموني (...) بل وجدتموني في السداد مستقيماً، وللرشاد مستديماً، فلولا أَنَّ الله تعالى أرسلني، ولِمَا حَمَّلني مِنْ تكليفه أَهَّلَني لمَا كنتُ بهذا الشرع آتِياً ولا لهذا الكتاب تالياً. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} مالكم تعترضون؟ ولا لأنفسكم تنظرون؟

اسماعيل حقي

تفسير : {قل لو شاء الله} ان لا اتلو عليكم ما اوحى الى من القرآن {ما تلوته عليكم} لانى امى وليس التلاوة والقراءة من شأنى كما كان حالي مع جبريل اول ما نزل فقال "حديث : اقرأ قلت لست بقارئ فغطنى جبريل ثم ارسلني فقال اقرأ باسم ربك الذى خلق فقراته لما جعلني قارئا ولو شاء الله ان لا اقرأه ما كنت قادرا على قراءته عليكم" تفسير : -حكى- ان واحدا من المشايخ الاميين استدعى منه بعض المنكرين الوعظ بطريق التعصب والعناد زعما منهم انه لا يقدر عليه فيفتضح لأنه كان كرديا لا يعرف لسان العرب ولا يحسن الوعظ والتذكير فنام بالغم فاذن له صلى الله عليه وسلم فى المنام بذلك فلما اصبح جلس مجلس الوعظ والتذكير وقرر من كل تأويل وتفسير وقال "أمسيت كرديا واصبحت عربيا" وذلك من فضل الله وهو على كل شيء قدير: قال الحافظ شعر : فيض روح القدس ار باز مدد فرمايد ديكران هم بكنند آنجه مسيحا ميكر تفسير : {ولا ادراكم به} ماض من دريت الشيء ودريت به اى علمته وادرانيه غيرى اى اعلمنيه والمعنى ولا اعلمكم الله القرآن على لسانى ولا اشعركم به اصلا {فقد لبثت فيكم} اى مكثت بين ظهرانيكم {عمرا} بضمتين الحياة والجمع اعمار كما في القاموس. قال ابو البقاء ينصب نصب الظروف اى مقدار عمر او مدة عمر. قال ابن الشيخ اى مدة متطاولة وهى اربعون سنة {من قبله} القرآن لا اتلوه ولا اعلمه وكان عليه السلام لبث فيهم قبل الوحي اربعين سنة ثم اوحى اليه فاقام بمكة بعد الوحى ثلاث عشرة سنة ثم هاجر الى المدينة فاقام بها عشر سنين وتوفي ابن ثلاث وستين سنة فمن عاش بين اظهرهم اربعين سنة لم يمارس فيها علما ولم يشاهد عالما ولم ينشئ قريضا ولا خطبة ثم قرا عليهم كتابا بزت فصاحته فصاحة كل منطيق وعلى كل منثور ومنظوم واحتوى على قواعد علمى الاصول والفروع واعرب عن اقاصيص الاولين واحاديث الآخرين على ما هى عليه انه معلم به من عند الله وأن ما قرأه عليه معجز خارق للعادة شعر : امئ دانا كه بعلم فزون راندرقم برورق كاف ونون بى خط وقرطاس زعلم ازل مشكل لوح وقلمش كشت حل

الطوسي

تفسير : حكي عن الحسن انه قرأ {ولا أدراكم به} وقرأ ابو ربيعة وقنبل الا المالكي والعطار {ولأدراكم به} يجعلانها (لاماً) ادخلت على (ادراكم) وأمال {أدراكم} و (ادراك) في جميع القرآن ابو عمرو وحمزة والكسائي وخلف والداحوني عن ابن ذكوان، والكسائي عن ابي بكر، وافقهم يحيى والعليمي في هذه السورة. حكى سيبويه: دريته ودريت به، قال واكثر الاستعمال التعدي بالباء، يبين ذلك قوله {ولا أدراكم به} ولو كان على اللغة الاخرى لقال ولا ادراكموه، وقالوا: الدرية على وزن (فعلة) كما قالوا الشعرة والفطنة، وهي مصادر يراد بها ضروب من العلم. فأما الدراية فكالهداية والدلالة، وكأن الدراية التأني والتعمل لعلم الشيء وعلى هذا المعنى ما تصرف من هذه الكلمة، وقالوا: داريت الرجل اذا لاينته وختلته فعلى هذا لا يوصف الله تعالى بالداري، واما قول الراجز. شعر : اللهم لا أدري وانت الداري تفسير : فلا يكون حجة في جواز ذلك لأمرين: احدهما - انه لما تقدم قوله: لا أدري استجاز أن يذكر الداري بعده، ليزدوج الكلام، كما قال تعالى {أية : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه}تفسير : ونظائره كثيرة. والثاني - إن الأعراب ربما ذكروا أشياء امتنع جوازها كما قال: شعر : لو خافك الله عليه حرمه تفسير : وقال آخر: شعر : اللهم إن كنت الذي بعهدي ولم تغيرك الأمور بعدي تفسير : فاما الهمزة على ما حكي عن الحسن، فلا وجه له لأن الدرء الدفع، كما قال {أية : فادرءوا عن أنفسكم الموت} تفسير : وقال {أية : فادّارأتم فيها} تفسير : وقوله عليه السلام (ادرأوا الحدود بالشبهات) قال الفراء: ان كان ما حكي عن الحسن لغة، وإلا يجوز أن يكون الحسن ذهب إلى طبعه وفصاحته فذهب إلى درأت الحد، وقد يغلط بعض العرب في الحرف اذا ضارعه آخر في الهمزة فيهمز ما ليس مهموزاً، سمعت امرأة من غني تقول: رثأت زوجي بأبيات، ويقولون: لبأت بالحج وحلأت السويق. وكل ذلك غلظ، لأن (حلأت) انما هو من دفع الابل العطاش عن الماء و "لبأت" من اللباء الذي يؤكل، و "رثأت" من الرثية اذا حلبت الحليب على الرايب، ومن أمال فتحة الراء وأمال الالف بعدها، فلان هذه الألف تنقلب ياء في أدريته، وهما مدريان. ومن لم يمل فلأن الاصل عدم الامالة، ولأن كثيراً من الفصحاء لا يميل ذلك. ومعنى قوله {ولا أدراكم به} قال ابن عباس ولا أعلمكم به من (دريت به) وأدراني الله به. ومعنى الاية الأمر للني صلى الله عليه وآله بأن يقول لهؤلاء الكفار لو اراد الله ان يمنعهم فائدته ما أعلمهم به، ولا أمر النبي صلى الله عليه وآله بتلاوته عليهم. وقوله {فقد لبثت فيكم عمراً من قبله} معناه لبثت عليه هذه الصفة لا أتلوه عليكم ولا يعلمكم الله به حتى أمرني به وشاء اعلامكم. وقال قتادة: لبث في قومه أربعين سنة قبل أن يوحى اليه. وقوله {أفلا تعقلون} معناه هلا تتفكرون فيه بعقولكم فتتبينوا بذلك ان هذا القرآن من عند الله انزله تصديقاً لنبيه صلى الله عليه وآله. قال الرماني: والعقل هو العلم الذي يمكن به الاستدلال بالشاهد على الغائب. الناس يتفاضلون فيه بالأمر المتفاوت فبعضهم أعقل من بعض اذ كان أقدر على الاستدلال من بعض. ومعنى ذلك ان يقول لهم قد لبثت فيكم حيناً طويلا ونشأت بين أظهركم وعرفتم منصرفي ومنقلبي فلو كان ما أتيت به مخترعاً او كان ما فيه من الاخبار من عند غير الله لكنتم عرفتم ذلك اذ فيكم ولدت ونشأت ومعكم تصرفت {أفلا تعقلون} في التدبير والنظر والانصاف فتفعلون فعل من يعقل. وعلى انه صلى الله عليه وآله لو كان اخذ ذلك من غيره وخالط اهلها، او لو كان شاعراً، اولو كان يعلم السحر - كما ادعوا - ثم خفي ذلك اجمع عليهم حتى لم يعرفوا الوجه الذي منه اخذ لكان في ذلك أعظم الحجة. وعلى ما روي عن قنبل يكون المعنى {لو شاء الله ما تلوته} يكون نفياً للتلاوة {ولأدراكم} ولأعلمكم ثبوته، ويكون اثباتاً للعلم، وعلى قراءة الباقين يكون نفياً للأمرين معاً.

الجنابذي

تفسير : {قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ} اى لا اعلمكم الله به على لسانى يظنّ فى بادى النّظر انّ حقّ العبارة ان يقال: لو لم يشأ الله ما تلوته حتّى يفيد ترتّب عدم التّلاوة على عدم المشيّة ويستفاد من مفهومه ترتّب التّلاوة على المشيّة، ومفاد الآية ترتّب عدم التّلاوة على المشيّة واستلزامه بحسب المفهوم لترتّب التّلاوة على عدم المشيّة والحال انّ الوجودىّ يحتاج الى العلّة الوجوديّة والعدم لا علّة له، وما قالوا: علّة العدم عدم، فهو من باب المشاكلة ولو سلّم فيقتضى تعليق عدم التّلاوة على عدم المشيّة لا على نفس المشيّة، والجواب انّه تعالى اراد ان يشير الى انّه لا شأن له (ص) عدميّاً كان او وجوديّاً الاّ وهو متعلّق بمشيّة الله والعدم الصرّف وان كان لا علّة له ولا تعلّق له بشيء، لكنّ الاعدام الشّأنيّة اى اعدام الملكات كالوجوديّات تقتضى علّة وتعلّقاً واذا كان عدم تلاوته مع انّه عدمىّ متعلّقاً بمشيّته تعالى فتلاوته كانت متعلّقة بالطّريق الاولى، لانّها حادثة وجوديّة مقتضيته للعلّة والتّعلّق، ومفهوم الآية تعلّق التّلاوة بعدم مشيّة عدم التّلاوة وهو اعمّ من مشيّة التّلاوة او عدم المشيّة مطلقاً {فَقَدْ لَبِثْتُ} الفاء عاطفة على لو شاء الله ما تلوته بملاحظة المعنى مع اشعاره بالسببيّة للاثبات كأنّه قال: تلوته بمشيّة الله لا بمشيّتى وادّعائى ذلك بسبب لبثى فيكم وعدم ظهور مثل ذلك منّى، كأنّه اشار بتلك السببيّة الى قياسين اقترانيّين من الشّكل الاوّل وقياسٍ استثنائىٍّ مأخوذٍ من نتيجة القياس الثّانى واستثناء نقيض تاليه ترتيبه هكذا: لو لم يكن القرآن باتّباع الوحى ومشيّة الله لكان باختلاقٍ من تلقاء نفسى وكلّما كان باختلاقٍ من تلقاء نفسى ظهر مثل ذلك منّى قبل ذلك؛ ينتج لو لم يكن بمشيّة الله لظهر مثله قبل ذلك وكلّما ظهر مثله قبل ذلك شاهدتموه وسمعتموه ولكن لم تشاهدوه منّى فقد لبثت {فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ} قبل القرآن مدّة اربعين سنة لا يظهر عنّى امثال ذلك، وما سمعتم منّى {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} لا تدركون بعقولكم او لا تتصرّفون فى مدركاتهم بعقولكم او تصيرون عقلاء.

اطفيش

تفسير : {قُلْ لَو شاءَ اللهُ} غير ذلك {ما تَلوتُه عَليْكُم} بأن لا ينزله علىَّ، والأمر بمشيئته، ولا بمشيئتى، فضلا عن أن أجعله كما تحبون، ولولا أن الله سبحانه وتعالى أنزله على ما قدرت عليه، فإنه عجيب خارق للعادة، لا يستطيع مثله مخلوق، ولا سيما أنى لم أعلم الكتابة، ولم أشاهد العلماء ساعة من عمرى، ولا نشأت فى بلد فيه علماء. {ولا أدْراكُم} أعلمكم ولا نافية، والألف ممالة، وقرأ ورش بين بين، وأخلص الفتح ابن كثير، وقالون، وحفص، وهشام، والنقاشى عن الأخفش {بهِ} على لسانى، وقرأ ابن كثير ولأدراكم بلام جواب لو، وإسقاط الألف قبل الدال، وذلك لما عطف على جواب لو صح قرنه باللام، لأنه كالجواب، ومعناها التوكيد، وكذا لام جواب لولا، ولام جواب القسم، ويفدن الربط مع ذلك أيضا، والمعنى: ولأعلمكم به على لسان غيرى، فإنه الحق الذى لا مفر منه، لو لم أرسل به لأرسل به غيرى، ولكن مَنَّ الله علىَّ به، وذلك رواية النقاش، عن أبى ربيعة، عن البزى، عن ابن كثير. وقرأ ابن كثير من طريق آخر كالجمهور، وقرأ الحسن، وابن سيرين، وأبو رجاء، ولا ادرأتكم به بهمزة ساكنة بعد الراء على لغة من يقلب الألف المبدلة من الياء فى الآخر ألفا، قال أبو حاتم: هى لغة بنى الحارث بن كعب، وعن قطرب لغة عقيل، قلت: هى لغة القبيلتين، وقبائل من اليمن، وتعضده قراءة ابن عباس، وشهر بن حوشب، ورويت تلك القرءاة عن ابن عباس أيضا: ولأنذرتكم به وروى الفراء، ولا أدراكم به بهمزة مفتوحة بدون تاء على تلك اللغة، وذلك أن الألف والهمزة من واد واحد، ويجوز أن يكون الهمزة من درأ دفعه، وأدخلت همزة التعدية أولا للبعدية، يقال: أدراه إياه، أى جعله دافعا له، فتعدى بالهمزة إلى مفعول آخر، أى ولاجعلتكم أو لأجعلكم خصماء تدافعوننى. {فَقَد لبثْتُ} وقرأ أبو عمرو لبث بالإدغام {فِيكُم عُمراً} قطعة من عمرى، أو زماناً مقدار عمر، وقرئ بسكون الميم {مِنْ قَبْله} من قبل القرآن، وذلك أنه لبث فيهم أربعين سنة لا يقول به ولا يتلوه، ولا يتعاطى مثله، ولا خطبة ولا رسالة {أفلا تَعْقلُون} تدركون بعقولكم أنه من الله لا افتراء منى، ولا مشيئة منى، فإن فصاحته غلبت كل فصاحة، وأعرب عن أقاصيص وأحاديث الأولين والآخرين، واحتوى على قواعد على الأصول والفروع، مع بعدى عن مظان علم ذلك وتناوله، ونشأتى بين أظهركم، وعلمكم بحالى، وإقراركم بأنى لا أكذب، حتى سميت بينكم أميناً. روى أنه كان يرى بمكة خمس عشرة سنة، يرى الضوء وهو نور الملائكة، أو نور آيات الله سبحانه وتعالى، ويسمع الصوت وهو صوت الهاتف من الملائكة، حتى تم أربعون عاماً رأى الملك عيانا وشافهه بالوحى من الله سبحانه وتعالى. وروى أنه وُكِّل به إسرافيل ثلاث سنين، يترآى له ويأتيه بالكلمة من الوحى والشىء، ثم جبريل عليه السلام، فجاءه بالقرآن وأقام بمكة عشر سنين فى وحى جبريل والنظر إلى ثلاث السنين من إسرافيل، يكون ذلك ثلاث عشرة، وقيل: أقام بها بالوحى خمس عشرة سنة، كأنه قرن به إسرافيل خمس سنين، وأقام بالمدينة عشراً، ومات ابن ثلاث وستين على الصحيح، وليس فى رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء.

اطفيش

تفسير : {قُلْ لَّوْ شَاءَ اللهُ} أَن يكون قرآن غيره أَو أَن يبدله ثم ينزله فاكتفى عن هذا بقوله {مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ} أَعلمكم الله {بِهِ} على لسانى فإِن عدم التلاوة وعدم الإِدراءِ به سببان وملزومان لعدم إِنزاله والمشهور أَن مفعول المشيئة يحذف، إِلا إِن كان غريباً، والتقدير لو شاءَ الله عدم تلاوته عليكم وعدم إِدرائِه إِياكم به ما تلوته عليكم ولا أَدراكم به. والباءُ للإِلصاق من درى المتعدى بما كما تقول عرفت بكذا ولا معمول له إِلا ما دخلت عليه الباءُ، كأَنه قيل اتصل على به فتعدى الآخر بالهمزة، أَو صلة فى المفعول الثانى لأَدرى المتعدى للاثنين من درى المتعدية لواحد وللصلة للتأْكيد نصاً على الكلية ولذلك ساغت فى المعطوف على جواب لو مع أَنه لا يكون بلا النافية، إِلا أَن يقال إِن هذا مما يغتفر فى ثوانيه ما لا يغتفر فى أَوائِله، وضمير أَدرى عائِد إِلى الله، وقرىء أَدرأَكم بهمزة بعد الراءِ على لغة عقيل من قبل الأَلف المبدلة من ياءِ آخر الهمزة ولو كان أَصل تلك الياءِ أَلفاً كأَعطيتك فيقولن أَعطاتك بهمزة ساكنة بدلا من أَلف أَعطى المبدلة عن الياءِ المبدلة عن الواو، أَو معنى قراءَة الهمزة لأَجعلنكم خصماءَ بتلاوته تدرأُوننى بالجدال من الدرءِ بمعنى الدفع {فقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً} مدة قيل أَو مقدار عمر {مِنْ قَبْلِهِ} قبل مجيئى بما قلت أَنه قرآن مكثت فيكم أَربعين سنة تشاهدوننى لا أَقرأُ كتابة ولا أَكتب ولا أُجالس من يقرؤُها أُو يكتب، ولا أُجالس أَصحاب الأَخبار والقصص أَو الكهانة ولا أَدعى شيئاً، وشاهدتم صدقى ولا أَنشىءُ شعراً ولا أَقرؤه ولا خطبة وجئْتكم بكلام بليغ لا تطيقون مثله مخبر بالغيوب مشتمل على الآداب ومكارم الأَخلاق والأَحكام المقبولة فى قلوب من تدبروا {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أَتلاحظون ذلك ولا تعقلون بذلك أَنه من الله لا منى، ولأَنى مع بلاغتى الزائِدة على بلاغتكم لا آتى بمثله فى سائر كلامى وإِذا كان ذلك.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ} تحقيق لحقية القرآن وأنه من عنده سبحانه إثر بيان بطلان ما اقترحوه على أتم وجه، وصدر بالأمر المستقل إظهاراً لكمال الاعتناء بشأنه وإيذاناً باستقلاله مفهوماً وأسلوباً فإنه برهان دال على كونه يأمر الله تعالى ومشيئته كما ستعلمه إن شاء الله تعالى، وما سبق مجرد إخبار باستحالة ما اقترحوه، ومفعول المشيئة محذوف ينبىء عنه الجزاء كما هو المطرد في أمثاله، ويفهم من ظاهر كلام بعضهم أنه غير ذلك وليس بذلك وهو ظاهر، والمعنى أن الأمر كله منوط بمشيئته تعالى وليس لي منه شيء أصلاً ولو شاء سبحانه عدم تلاوتي له عليكم وعدم إدرائكم به بواسطتي بأن لم ينزله جل شأنه علي ولم يأمرني بتلاوته ما تلوته عليكم. {وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ} أي ولا أعلمكم به بواسطتي والتالي وهو عدم التلاوة والإدراء منتف فينتفي المقدم وهو مشيئته العدم وهي مستلزمة لعدم مشيئته الوجود فانتفاؤه مستلزم لانتفائه وهو إنما يكون بتحقق مشيئة الوجود فثبت أن تلاوته عليه الصلاة والسلام للقرآن وإدراءه تعالى بواسطته بمشيئته تعالى. / وتقييد الإدراء بذلك هو الذي يقتضيه المقام وحيث اقتصر بعضهم في تقدير المفعول في الشرط على عدم التلاوة علل التقييد بأن عدم الإعلام مطلقاً ليس من لوازم الشرط الذي هو عدم مشيئة تلاوته عليه الصلاة والسلام فلا يجوز نظمه في سلك الجزاء، ولم يظهر وجه الاقتصار على ذلك وعدم ضم عدم الإدراء إليه مع أن العطف ظاهر فيه، وفي إسناد عدم الإدراء إليه تعالى المنبىء عن استناد الإدراء إليه سبحانه أعلام بأنه لا دخل عليه الصلاة والسلام في ذلك حسبما يقتضيه المقام أيضاً. وفي رواية أبـي ربيعة عن ابن كثير {ولأدراكم} بلام التوكيد وهي الواقعة في جواب {لَوْ} أي لو شاء الله ما تلوته عليكم ولأعلمكم به على لسان غيري على معنى أنه الحق الذي لا محيص عنه لو لم أرسل به لأرسل به غيري، وجيء باللام هنا للإيذان بأن إعلامهم به على لسان غيره صلى الله عليه وسلم أشد انتفاء وأقوى، ولعل {لا} في القراءة الأولى لأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع وإلا فهي لا تقع في جواب {لَوْ} فلا يقال: لو قام زيد لا قام عمرو بل ما قام، ومن هنا نص السمين على أنها زائدة مؤكدة للنفي. وروي عن ابن عباس والحسن وابن سيرين أنهم قرأوا {ولا أدرأتكم} بإسناد الفعل إلى ضميره صلى الله عليه وسلم كالفعل السابق، والأصل ولا أدريتكم فقلت الياء ألفا على لغة من يقلب الياء الساكنة المفتوح ما قبلها ألفاً وهي لغة بلحرث بن كعب وقبائل من اليمن حتى قلبوا ياء التثنية ألفا وجعلوا المثنى في جميع الأحوال على لفظ واحد وحكى ذلك قطرب عن عقيل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن الحسن أنه قرأ {ولا أدرأتكم} بهمزة ساكنة فقيل: إنها مبدلة من الألف المنقلبة عن الياء كما سمعت وقيل: إنها مبدلة من الياء ابتداء كما يقال في لبيت لبئت وعلى القولين هي غير أصلية، وجاء ذلك في بعض اللغات كما نص عليه غير واحد، وجوز أن تكون أصلية على أن الفعل من الدرء وهو الدفع والمنع ويقال أدرأته أي جعلته دارئاً أي دافعاً، والمعنى ولا جعلتكم بتلاوته خصماء تدرءونني بالجدال. وقرىء {ولا أدراكم} بالهمز وتركه أيضاً مع إسناد الفعل إلى ضمير الله تعالى. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان يقرأ {ولا أنذرتكم به}. {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً} نوع تعليل للملازمة المستلزمة لكون ذلك بمشيئة الله عز وجل حسبما مر آنفاً. واللبث الإقامة، ونصب {عُمُراً} على التشبيه بظرف الزمان والمراد منه مدة، وقيل: هو على تقدير مضاف أي مقدار عمر، وهو بضم الميم وقرأ الأعمش بسكونها للتخفيف، والمعنى قد أقمت فيما بينكم مدة مديدة وهي مقدار أربعين سنة تحفظون تفاصيل أحوالي وتحيطون خبراً بأقوالي وأفعالي {مِن قَبْلِهِ} أي من قبل نزول القرآن أو من قبل وقت نزوله، ورجوع الضمير للتلاوة ليس بشيء لا أتعاطى شيئاً مما يتعلق بذاك لا من حيث نظمه المعجز ولا من حيث معناه الكاشف عن أسرار الحقائق وأحكام الشرائع. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي ألا تلاحظون ذلك فلا تعقلون امتناع صدوره عن مثلي ووجوب كونه منزلاً من عند الله العزيز الحكيم فإن ذلك غير خاف على من له عقل سليم وذهن مستقيم بل لعمري أن من كان له أدنى مسكة من عقل إذا تأمل في أمره صلى الله عليه وسلم وأنه نشأ فيما بينهم هذا الدهر الطويل من غير مصاحبة العلماء في شأن من الشؤون ولا مراجعة إليهم في فن من الفنون ولا مخالطة / للبلغاء في المحاورة والمفاوضة ولا خوض معهم في إنشاء الخطب والمعارضة ثم أتى بكتاب بهرت فصاحته كل ذي أدب وحيرت بلاغته مصاقع العرب واحتوى على بدائع أصناف العلوم ودقائق حقائق المنطوق والمفهوم وغدا كاشفاً عن أسرار الغيب التي لا تنالها الظنون ومعرباً عن أقاصيص الأولين وأحاديث الآخرين من القرون ومصدقاً لما بين يديه من الكتب المنزلة ومهيمناً عليها في أحكامه المجملة والمفصلة لا يبقى عنده اشتباه في أنه وحي منزل من عند الله جل جلاله وعم أفضاله، هذا هو الذي اتفقت عليه كلمة الجمهور وهو أوفق بالرد عليهم كما لا يخفى على المتأمل. وقيل: إن الأنسب ببناء الجواب فيما سلف على امتناع صدور التغيير والتبديل عنه عليه الصلاة والسلام لكونه معصية موجبة للعذاب العظيم واقتصاره صلى الله عليه وسلم على اتباع الوحي وامتناع الاستبداد بالرأي من غير تعرض هناك ولا هنا لكون القرآن في نفسه أمراً خارجاً عن طوق البشر ولا لكونه عليه الصلاة والسلام غير قادر على الإتيان بمثله أن يستشهد هٰهنا بما يلائم ذلك من أحواله صلى الله عليه وسلم المستمرة في تلك المدة المتطاولة من كمال نزاهته عليه الصلاة والسلام عما يوهم شائبة صدور الكذب والافتراء عنه في حق أحد كائناً من كان كما ينبىء عنه تعقيبه بتظليم المفتري على الله تعالى، والمعنى قد لبثت فيما بين ظهرانيكم قبل الوحي لا أتعرض لأحد قط بتحكم ولا جدال ولا أحوم حول مقال فيه شائبة شبهة فضلاً عما فيه كذب وافتراء ألا تلاحظونه فلا تعقلون أن من هذا شأنه المطرد في هذا العهد البعيد يستحيل أن يفتري على الله عز وجل ويتحكم على كافة الخلق بالأوامر والنواهي الموجبة لسلب الأموال وسفك الدماء وغير ذلك وإن ما أتى به وحي مبين تنزيل من رب العالمين انتهى. وأنت تعلم أن هذا غير منساق إلى الذهن وأن الكلام الأول مشير في الجملة إلى كون القرآن أمراً خارجاً عن طوق البشر وأنه صلى الله عليه وسلم غير قادر على الإتيان بمثله على أنه بعد لا يخلو عن مقال فتأمل.

ابن عاشور

تفسير : هذا جواب عن لازم اقتراحهم وكنايتهِ عن رميهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالكذب عن الله فيما ادعى من إرساله وإنزال القرآن عليه كما تقدم في الجواب قبله. ولكونه جواباً مستقلاً عن معنى قصدوه من كلامهم جاء الأمر به مفصولاً عن الأول غير معطوف عليه تنبيهاً على استقلاله وأنه ليس بتكملة للجواب الأول. وفي هذا الجواب استدلال على أنه مرسل من الله تعالى، وأنه لم يختلق القرآن من عنده بدليلٍ التفَّتْ في مطاويه أدلة، وقد نظم فيه الدليل بانتفاء نقيض المطلوب على إثبات المطلوب، إذ قوله: {لو شاء الله ما تلوته} تقديره لو شاء الله أن لا أتلوه عليكم ما تلوتُه. فإن فعل المشيئة يكثر حذف مفعوله في جملة الشرط لدلالة الجزاء عليه، وإنما بني الاستدلال على عدم مشيئة الله نفي تلاوته لأن ذلك مدَّعى الكفار لزعمهم أنه ليس من عند الله، فكان الاستدلال إبطالاً لدعواهم ابتداء وإثباتاً لدعواه مآلا. وهذا الجمع بين الأمرين من بديع الاستدلال، أي لو شاء الله أن لا آتيكم بهذا القرآن لما أرسلني به ولبقيت على الحالة التي كنت عليها من أول عمري. والدليل الثاني مطوي هو مقتضى جواب (لو)، فإن جواب (لو) يقتضي استدراكاً مطرداً في المعنى بأن يثبت نقيض الجواب، فقد يُستغنى عن ذكره وقد يذكر، كقول أبَي بن سُلْمِي بن ربيعة: شعر : فلو طَار ذو حافر قبلها لطارت ولكنه لم يطر تفسير : فتقديره هنا: لو شاء الله ما تلوته لكنني تلوته عليكم. وتلاوته هي دليل الرسالة لأن تلاوته تتضمن إعجازه علمياً إذ جاء به من لم يكن من أهل العلم والحكمة، وبلاغياً إذ جاء كلاماً أعجز أهل اللغة كلهم مع تضافرهم في بلاغتهم وتفاوت مراتبهم، وليس من شأن أحد من الخلق أن يكون فائقاً على جميعهم ولا من شأن كلامه أن لا يستطيع مثلَه أحد منهم. ولذلك فُرعت على الاستدلال جملةُ: {فقد لبثت فيكم عُمراً من قبله أفلا تعقلون} تذكيراً لهم بقديم حاله المعروفة بينهم وهي حال الأمية، أي قد كنت بين ظهرانيكم مدة طويلة، وهي أربعون سنة، تشاهدون أطوار نشأتي فلا ترون فيها حالة تشبه حالة العظمةِ، والكمال المتناهي الذي صار إليه لما أوحَى الله إليه بالرسالة، ولا بلاغة قول واشتهاراً بمقاولة أهل البلاغة والخطابة والشعر تشبه بلاغة القول الذي نطق به عن وحي القرآن، إذ لو كانت حالته بعد الوحي حالاً معتاداً وكانت بلاغة الكلام الذي جاء به كذلك لكان له من المقدمات من حين نشأته ما هو تهيئة لهذه الغاية وكان التخلق بذلك أطواراً وتدرجاً. فلا جرم دل عدم تشابه الحالين على أن هذا الحال الأخير حال رَباني محض، وأن هذا الكلام موحًى إليه من عند الله ليس له بذاته عمل فيه. فما كان هذا الكلام دليلاً على المشركين وإبطالاً لادعائهم إلا لَما بني على تلاوة القرآن فكان ذكر القرآن في الاستدلال هو مناطه، ثم لما فرع عليه جملة: {فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون} إذ كان تذكيراً لهم بحاله قبل أن يتلو عليهم القرآن ولولا ذانك الأمران لعاد الاستدلال مصادرة، أي استدلالاً بعين الدعوى لأنهم ينهَض لهم أن يقولوا حينئذٍ: ما أرسلك الله إلينا وقد شاء أن لا يرسلك إلينا ولكنك تقولت على الله ما لم يقله. فهذا بيان انتظام هذا الدليل من هذه الآية. وقد آل الدليل بهذا الوجه إلى الاستدلال عليهم بمعجزة القرآن والأمية. ولكلمة {تلوته} هنا من الوقع ما ليس لغيرها لأنها تتضمن تالياً كلاماً، ومتلواً، وباعثاً بذلك المتلو. فبالأول: تشير إلى معجزة المقدرة على تلاوة الكتاب مع تحقق الأمية لأن أسلوب الكتب الدينية غير الأسلوب الذي عرفه العرب من شعرائهم وخطبائهم. وبالثاني: تشير إلى القرآن الذي هو معجزة دالة على صدق الآتي به لما فيه من الحقائق والإرشاد الديني الذي هو من شأن أنبياء الأديان وعلمائها، كما قال تعالى: {أية : وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنآ إلا الظالمون}تفسير : [العنكبوت: 48، 49]. وبالثالث: تشير إلى أنه كلام من عند الله تعالى، فانتظمت بهذا الاستدلال دلالة صدق النبي صلى الله عليه وسلم في رسالته عن الله تعالى. والتلاوة: قراءة المكتوب أو استعراض المحفوظ، فهي مشعرة بإبلاغ كلام من غير المبلِّغ. وقد تقدمت عند قوله تعالى: {أية : واتَّبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان}تفسير : في سورة [البقرة: 102]، وعند قوله: {أية : وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً}تفسير : في سورة [الأنفال: 2]. و{أدراكم} عَرَّفكم. وفعل الدراية إذا تعلق بذات يتعدى إليها بنفسه تارة وبالباء أيضاً، يقال: دَريته ودريت به. وقد جاء في هذه الآية على الاستعمال الثاني وهو الأكثر في حكاية سيبويه. قرأ الجمهور {ولا أدراكم به} بحرف النفي عطفاً على {ما تلوته عليكم} أي لو شاء الله ما أمرني بتلاوة القرآن عليكم ولا أعلمكم الله به. وقرأه البزي عن ابن كثير في إحدى روايتين عنه بلام ابتداء في موضع لا النافية، أي بدون ألِف بعد اللام فتكون عطفاً على جواب (لو) فتكون اللام لاماً زائدة للتوكيد كشأنها في جواب (لو). والمعنى عليه: لو شاء الله ما تلوته عليكم ولو شاء لجعلكم تدرون معانيه فلا تكذِبوا. وتفريع جملة: {فقد لبثت فيكم} تفريع دليلِ الجملة الشرطية وملازمتها لطَرَفَيها. والعُمُر: الحياة. اشتق من العُمران لأن مدة الحياة يَعْمُر بها الحي العالم الدنيوي. ويطلق العُمر على المدة الطويلة التي لو عاش المرء مقدارها لكان قد أخذ حظه من البقاء. وهذا هو المراد هنا بدليل تنكير {عُمرا} وليس المراد لبثت مدة عُمري، لأن عمره لم ينته بل المراد مدة قدْرها قدْر عُمُرٍ متعارَف، أي بقدر مدة عُمر أحد من الناس. والمعنى لبثت فيكم أربعين سنة قبل نزول القرآن. وانتصب {عمراً} على النيابة عن ظرف الزمان، لأنه أريد به مقدار من الزمان. واللبث: الإقامة في المكان مدة. وتقدم في قوله تعالى: {أية : قال كم لبثتَ}تفسير : في سورة [البقرة: 259]. والظرفية في قوله {فيكم} على معنى في جماعتكم، أي بيْنكم. و(قبل) و(بعد) إذا أضيفاً للذوات كان المراد بعض أحوال الذات مما يدل عليه المقام، أي من قبلِ نزوله. وضمير (قبله) عائد إلى القرآن. وتفريع جملة: {أفلا تعقلون} على جملة الشرط وما تفرع عليها تفريع للإنكار والتعجب على نهوض الدليل عليهم، إذ قد ظهر من حالهم ما يجعلهم كمن لا يعقل. ولذلك اختير لفظ {تعقلون} لأن العقل هو أول درجات الإدراك. ومفعول {تعقلون} إما محذوف لدلالة الكلام السابق عليه. والتقدير أفلا تعقلون أنَّ مثل هذا الحال من الجمع بين الأمية والإتيان بهذا الكتاب البديع في بلاغته ومعانيه لا يكون إلا حال من أفاض الله عليه رسالته إذ لا يتأتى مثله في العادة لأحد ولا يتأتى ما يقاربه إلا بعد مدارسة العلماء ومطالعة الكتب السالفة ومناظرة العلماء ومحاورة أهل البلاغة من الخطباء والشعراء زمناً طويلاً وعُمراً مديداً، فكيف تأتَّى ما هو أعظم من ذلك المعتادِ دَفعةً لمن قضى عمره بينهم في بلاده يرقبون أحواله صباح مساءَ، وما عُرف بلدهم بمزاولة العلوم ولا كان فيهم من أهل الكتاب إلا من عَكف على العبادة وانقطع عن معاشرة الناس. وإما أن ينزل {تعقلون} منزلة اللازم فلا يقدّر له مفعول، أي أفلا تكونون عاقلين، أي فتعرفوا أن مثل هذا الحال لا يكون إلا من وحي الله.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}؟ في هذه الآية الكريمة حجة واضحة على كفار مكة، لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث إليهم رسولاً حتى لبث فيهم عمراً من الزمن. وقدر ذلك أربعون سنة، فعرفوا صدقه، وأمانته، وعدله، وأنه بعيد كل البعد من أن يكون كاذباً على الله تعالى، وكانوا في الجاهلية يسمونه الأمين، وقد ألقمهم الله حجراً بهذه الحجة في موضع آخر، وهو قوله: {أية : أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 69] ولذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان، ومن معه من صفاته صلى الله عليه وسلم، قال هرقل لأبي سفيان: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: فقلت: لا، وكان أبو سفيان في ذلك الوقت زعيم الكفار، ورأس المشركين ومع ذلك اعترف بالحق، والحق ما شهدت به الأعداء. فقال له هرقل: فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله. اهـ. ولذلك وبخهم الله تعالى بقوله هنا: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَدْرَاكُمْ} (16) - وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّنِي إِنَّمَا جِئْتُكُمْ بِهَذا القُرْآنِ بِإِذِنِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَلَوُ شَاءَ اللهُ أَنْ لاَ أَتْلُوَهُ عَلَيْكُمْ مَا تَلَوْتُهُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ لاَ يُعْلِمَكُمْ بِهِ بِإِرْسَالِي إِلَيْكُمْ، لَمَا أَرْسَلَنِي، وَلَمَا أَدْرَاكُمْ بِهِ، وَلكِنَّهُ شَاءَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْكُمْ بِهذَا العِلْمِ لِتَهْتَدُوا، وَتَكُونُوا خَلائِفَ فِي الأَرْضِ. فَقَدْ عِشْتُ فِيكُمْ وَبَيْنَكُمْ سِنِينَ طَوِيلَةً مِنْ عُمْرِي لَمْ أُبَلِّغْكُمْ خِلاَلَهَا شَيئاً، لأَِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَوْحَى إِلَيَّ بِرِسَالَتِهِ، فَلَمَّا أَوْحَى إِلَيَّ، وَأَمَرَنِي بِأَنْ أُبَلِّغَكُمْ أَوَامِرَهُ فَعَلْتُ، أَلَيْسَ لَكُمْ عُقُولٌ تُمَيِّزُونَ بِهَا بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ؟ (وَلَمَّا سَأَلَ هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومِ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ عَنْ صِفَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لاَ. فَقَالَ هِرَقْلُ: أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبَ لِيَكْذِبَ عَلَى اللهِ). لاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ - لاَ أَعْلَمَكُمْ بِهِ بِوَاسِطَتِي.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا يبلِّغ محمدٌ صلى الله عليه وسلم هؤلاء الذين طلبوا تغيير القرآن أو تبديله: لقد عشت طوال عمري معكم، ولم تكن لي قوة بلاغة أو قوة شعر، أو قوة أدب. فمن له موهبة لا يكتمها إلى أن يبلغ الأربعين، ورأيتم أنه صلى الله عليه وسلم لم يجلس إلى معلِّم، بل عندما اتهمتموه وقلتم: {أية : إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ..} تفسير : [النحل: 103]. وفضحكم الحق سبحانه بأن أنزل في القرآن قوله تعالى: {أية : لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [النحل: 103]. ولم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من شبه الجزيرة العربية، ولم يقرأ مؤلَّفَات أحد. فمن أين جاء القرآن إذن؟ لقد جاء من الله سبحانه، وعليكم أن تعقلوا ذلك، ولا داعي للاتهام بأن القرآن من عند محمد؛ لأنكم لم تجرّبوه خطيباً أو شاعراً، بل كل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن نزلت عليه الرسالة، هو بلاغ من عند الله. وبطبيعة الحال لا يمكن أن يُنسَب الكمال إلى إنسان فينفيه، فالعادة أن يسرق شاعر ـ مثلاً ـ قصيدة من شاعر آخر، أو أن ينتحل كاتب مقالة من آخر. لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبلِّغكم أن كمال القرآن ليس من عنده، بل هو مجرد مبلِّغ له، وكان يجب أن يتعقَّلوا تلك القضية بمقدِّماتها ونتائجها؛ فلا يلقوا لأفكارهم العنان؛ ليكذبوا ويعاندوا، فالأمر بسيط جداً. يقول الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [يونس: 16]. إذن: فالمقدمة التي يريد الحق سبحانه وتعالى أن يقنع بها الكافرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرسله الله رسولاً من أنفسهم، فإن قلت: {أية : إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ..} تفسير : [آل عمران: 164]. أي: أنه صلى الله عليه وسلم من جنس الناس، لا من جنس الملائكة، أو {مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} أي: من أمة العرب، لا من أمة العَجَم، أو {مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} أي: من قبيلتهم التي يكذِّب أصحابُها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم. إذن: فحياته صلى الله عليه وسلم معروفة معلومة لكم، لم يَغِبْ عنكم فترة؛ لتقولوا بُعِثَ بعثةً؛ ليتعلَّم علماً من مكان آخر، ولم يجلس إلى معلِّم عندكم ولا إلى معلِّم خارجكم، ولم يَتْلُ كتاباً، فإذا كان الأمر كذلك، فيجب أن تأخذوا من هذا مقدِّمة وتقولوا: فمن أين جاءت له هذه الحكمة فجأة؟ أنتم تعلمون أن المواهب والعبقريات لا تنشأ في الأربعينات، ولكن مخايل العبقرية إنما تنشأ في نهاية العقد الثاني وأوائل العقد الثالث، فمن الذي آخّر العبقرية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقول هذا القول البليغ الذي أعجزكم، وأنتم أمّة البلاغة وأمة الفصاحة المرتاضون عليها من قديم، وعجزتم أمام ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؟ كان يجب أن تقولوا: لم نعرف عنه أنه يعلم شيئاً من هذا، فإذا حَلّ لكم اللغز وأوضح لكم: أن القرآن ليس من عندي؛ كان يجب أن تصدقوه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يعزوه إلى خالقه وربه سبحانه. والدليل على أنكم مضطربون في الحكم أنكم ساعة يقول لكم: القرآن بلاغ عن الله، تكذِّبونه، وتقولون: لا، بل هو من عندك، فإذا فَترَ عنه الوحي مرّةً قلتم: قلاه ربُّه. لماذا اقتنعتم بأن له ربّاً يَصِلُه بالوحي ويهجره بلا وحي؟ أنتم ـ إذن ـ أنكرتم حالة الوصل بالوحي، واعترفتم بالإله الخالق عندما غاب عنه الوحي، وكان يجب أن تنتبهوا وتعودوا إلى عقولكم؛ لتحكموا على هذه الأشياء، وقد ذكر الحق سبحانه ذلك الأمر في كثير من آياته، يقول سبحانه: {أية : وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} تفسير : [آل عمران: 44]. ويقول سبحانه: {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ..} تفسير : [القصص: 44]. ويقول سبحانه: {أية : وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ..} تفسير : [القصص: 45]. ويقول سبحانه: {أية : وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ} تفسير : [العنكبوت: 48]. فمن أين جاءت تلك البلاغة؟ كان يجب أن تأخذوا هذه المقدِّمات؛ لتحكموا بأنه صادق في البلاغ عن الله؛ لذلك يُنهي الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. وحين ينبهك الحق سبحانه وتعالى إلى أن تستعمل عقلك، فهذا دليل على الثقة في أنك إذا استعملت عقلك؛ وصلت إلى القضية المرادة. والله سبحانه وتعالى مُنزَّه عن خديعة عباده، فمن يخدع الإنسان هو من يحاول أن يصيب عقله بالغفلة، لكن الذي ينّبه العقل هو من يعلم أن دليل الحقيقة المناسبة لما يقول، يمكن الوصول إليه بالعقل. وقول الحق سبحانه في آخر الآية: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} يدلنا على أن القضية التي كذَّبوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم نشأت من عدم استعمال عقولهم، فلو أنهم استعملوا عقولهم في استخدام المقدمات المُحسَّة التي يؤمنون بها ويسلمون؛ لانتهوا إلى القضية الإيمانية التي يقولها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو أنهم فكّروا وقالوا: محمد نشأ بيننا ولم نعرف له قراءة، ولا تلاوة كتاب ولا جلوساً إلى معلِّم، ولم يَغبْ عنا فترة ليتعلَّم، وظل مدة طويلة إلى سِنِّ الأربعين ولم يرتض على قول ولا على بلاغة ولا على بيان؛ فمن أين جاءته هذه الدفعة القوية؟ كان يجب أن يسألوه هو عنها: من أين جاءتك هذه؟ وما دام قد قال لهم: إنها جاءته من عند الله، فكان يجب أن يصدِّقوه. ومهمة العقل دائما مأخوذة من اشتقاقه، "فالعقل" مأخوذ من "عقال" البعير. وعقال البعير هو الحبل الذي تربط به ساقي الجمل؛ حتى لا ينهض ويقوم؛ لنوفِّر له حركته فيما نحب أن يتحرك فيه، فبدلاً من أن يسير هكذا بدون غرض، وبدون قصد، فنحن نربط ساقيه؛ ليرتاح ولا يتحرك، إلى أن نحتاجه في حركة. إذن: فالعقل إنما جاء؛ ليحكم المَلَكَات؛ لأن كل مَلَكَة لها نزوع إلى شيء، فالعين لها مَلَكَة أن ترى كل شيء، فيقول لها العقل: لا داعي أن تشاهدي ذلك؛ لأنه منظر سيؤذيك، والأذن تحب أن تسمع كل قول، فيقول لها العقل: لا تسمعي إلى ذلك؛ حتى لا يضرك. إذن: فالعقل هو الضابط على بقية الجوارح. وكذلك كلمة "الحِكْمة"، مأخوذة من"الحَكَمة" وهي في "اللِّجام" الذي يوضع في فم الفرس؛ حتى لا يجمح، وتظل حركته محسوبة؛ فلا يتحرك إلا إلى الاتجاه الذي تريده. إذن: شاء الحق سبحانه أن يميّز الإنسان بالعقل والحكمة؛ ليقيم الموازين لملكات النفس؛ فخذوا المقدمات المُحَسَّة التي تؤمنون بها وتشهدونها وتسلمونها لرسول الله صلى الله عليه سلم لتستنبطوا أنه جاء بكلامه من عند الله تعالى. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ ...}.