١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا الكلام هو النوع الثالث من شبهاتهم وكلماتهم التي ذكروها في الطعن في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، حكاها الله تعالى في كتابه وأجاب عنها. واعلم أن من وقف على هذا الترتيب الذي نذكره، علم أن القرآن مرتب على أحسن الوجوه. المسألة الثانية: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن خمسة من الكفار كانوا يستهزئون بالرسول عليه الصلاة والسلام وبالقرآن. الوليد بن المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن حنظلة، فقتل الله كل رجل منهم بطريق آخر، كما قال: { أية : إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءينَ } تفسير : [الحجر: 95] فذكر الله تعالى أنهم كلما تلي عليهم آيات: {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ٱئْتِ بِقُرْءانٍ غَيْرِ هَـٰذَا أَوْ بَدّلْهُ } وفيه بحثان: البحث الأول: أن وصفهم بأنهم لا يرجون لقاء الله أريد به كونهم مكذبين بالحشر والنشر، منكرين للبعث والقيامة، ثم في تقرير حسن هذه الاستعارة وجوه: الأول: قال الأصم: {لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } أي لا يرجون في لقائنا خيراً على طاعة، فهم من السيئات أبعد أن يخافوها. الثاني: قال القاضي: الرجاء لا يستعمل إلا في المنافع، لكنه قد يدل على المضار من بعض الوجوه، لأن من لا يرجو لقاء ما وعد ربه من الثواب، وهو القصد بالتكليف، لا يخاف أيضاً ما يوعده به من العقاب، فصار ذلك كناية عن جحدهم للبعث والنشور. واعلم أن كلام القاضي قريب من كلام الأصم، إلا أن البيان التام أن يقال: كل من كان مؤمناً بالبعث والنشور فإنه لا بد وأن يكون راجياً ثواب الله وخائفاً من عقابه، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم، فلزم من نفي الرجاء نفي الإيمان بالبعث. فهذا هو الوجه في حسن هذه الاستعارة. البحث الثاني: أنهم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أمرين على البدل: فالأول: أن يأتيهم بقرآن غير هذا القرآن. والثاني: أن يبدل هذا القرآن وفيه إشكال، لأنه إذا بدل هذا القرآن بغيره، فقد أتى بقرآن غير هذا القرآن، وإذا كان كذلك كان كل واحد منهما شيئاً واحداً. وأيضاً مما يدل على أن كل واحد منهما هو عين الآخر أنه عليه الصلاة والسلام اقتصر في الجواب على نفي أحدهما، وهو قوله: {مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى } وإذا ثبت أن كل واحد من هذين الأمرين هو نفس الآخر، كان إلقاء اللفظ على الترديد والتخيير فيه باطلاً. والجواب: أن أحد الأمرين غير الآخر، فالإتيان بكتاب آخر، لا على ترتيب هذا القرآن ولا على نظمه، يكون إتياناً بقرآن آخر، وأما إذا أتى بهذا القرآن إلا أنه وضع مكان ذم بعض الأشياء مدحها، ومكان آية رحمة آية عذاب، كان هذا تبديلاً، أو نقول: الإتيان بقرآن غير هذا هو أن يأتيهم بكتاب آخر سوى هذا الكتاب. مع كون هذا الكتاب باقياً بحاله، والتبديل هو أن يغير هذا الكتاب. وأما قوله: إنه اكتفى في الجواب على نفي أحد القسمين. قلنا: الجواب المذكور عن أحد القسمين هو عين الجواب عن القسم الثاني. وإذا كان كذلك وقع الاكتفاء بذكر أحدهما عن ذكر الثاني. وإنما قلنا: الجواب عن أحد القسمين عين الجواب عن الثاني لوجهين: الأول: أنه عليه الصلاة والسلام لما بين أنه لا يجوز أن يبدله من تلقاء نفسه، لأنه وارد من الله تعالى ولا يقدر على مثله، كما لا يقدر سائر العرب على مثله، فكان ذلك متقرراً في نفوسهم بسبب ما تقدم من تحديه لهم بمثل هذا القرآن، فقد دلهم بذلك على أنه لا يتمكن من قرآن غير هذا. والثاني: أن التبديل أقرب إلى الإمكان من المجيء بقرآن غير هذا القرآن، فجوابه عن الأسهل يكون جواباً عن الأصعب، ومن الناس من قال: لا فرق بين الإتيان بقرآن غير هذا القرآن وبين تبديل هذا القرآن، وجعل قوله: {مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ } جواباً عن الأمرين، إلا أنه ضعيف على ما بيناه. المسألة الثالثة: اعلم أن إقدام الكفار على هذا الالتماس يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم ذكروا ذلك على سبيل السخرية والاستهزاء، مثل أن يقولوا: إنك لو جئتنا بقرآن آخر غير هذا القرآن أو بدلته لآمنا بك، وغرضهم من هذا الكلام السخرية والتطير. والثاني: أن يكونوا قالوه على سبيل الجد، وذلك أيضاً يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يكونوا قالوا ذلك على سبيل التجربة والامتحان، حتى إنه إن فعل ذلك، علموا أنه كان كذاباً في قوله: إن هذا القرآن نزل عليه من عند الله. وثانيها: أن يكون المقصود من هذا الالتماس أن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم والطعن في طرائقهم، وهم كانوا يتأذون منها، فالتمسوا كتاباً آخر ليس فيه ذلك. وثالثها: أن بتقدير أن يكونوا قد جوزوا كون هذا القرآن من عند الله، التمسوا منه أن يلتمس من الله نسخ هذا القرآن وتبديله بقرآن آخر. وهذا الوجه أبعد الوجوه. واعلم أن القوم لما ذكروا ذلك أمره الله تعالى أن يقول: إن هذا التبديل غير جائز مني {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ } ثم بين تعالى أنه بمنزلة غيره في أنه متوعد بالعذاب العظيم إن عصى. ويتفرع على هذه الآية فروع: الفرع الأول: أن قوله: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ } معناه: لا أتبع إلا ما يوحى إلي، فهذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام ما حكم إلا بالوحي، وهذا يدل على أنه لم يحكم قط بالاجتهاد. الفرع الثاني: تمسك نفاة القياس بهذه الآية فقالوا: دل هذا النص على أنه عليه الصلاة والسلام ما حكم إلا بالنص. فوجب أن يجب على جميع الأمة أن لا يحكموا إلا بمقتضى النص لقوله تعالى: { أية : وَٱتَّبِعُوهُ } تفسير : [الأعراف:158] الفرع الثالث: نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن ذلك منسوخ بقوله: {أية : لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } تفسير : [الفتح: 2] وهذا بعيد لأن النسخ إنما يدخل في الأحكام والتعبدات لا في ترتيب العقاب على المعصية. الفرع الرابع: قالت المعتزلة: إن قوله: {إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } مشروط بما يكون واقعاً بلا توبة ولا طاعة أعظم منها، ونحن نقول فيه تخصيص ثالث. وهو أن لا يعفو عنه ابتداء، لأن عندنا يجوز من الله تعالى أن يعفو عن أصحاب الكبائر.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} «تتلىٰ» تقرأ، و {بَيِّنَاتٍ} نصب على الحال؛ أي واضحات لا لبس فيها ولا إشكال. {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} يعني لا يخافون يوم البعث والحساب ولا يرجون الثواب. قال قتادة: يعني مشركي أهل مكة. {ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ} والفرق بين تبديله والإتيان بغيره أنّ تبديله لا يجوز أن يكون معه، والإتيان بغيره قد يجوز أن يكون معه؛ وفي قولهم ذلك ثلاثة أوجه: أحدها ـ أنهم سألوه أن يحول الوعد وعيداً والوعيد وعداً، والحلال حراماً والحرام حلالاً؛ قاله ٱبن جرير الطبريّ. الثاني ـ سألوه أن يسقط ما في القرآن من عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم؛ قاله ٱبن عيسىٰ. الثالث ـ أنهم سألوه إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور؛ قاله الزجاج. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ} أي قل يا محمد ما كان لي. {أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ} ومن عندي، كما ليس لي أن ألقاه بالردّ والتكذيب. {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ} أي لا أتبع إلا ما أتلوه عليكم من وعد ووعيد، وتحريم وتحليل، وأمر ونهي. وقد يستدل بهذا من يمنع نسخ الكتاب بالسنة؛ لأنه تعالىٰ قال: {قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ} وهذا فيه بعد؛ فإن الآية وردت في طلب المشركين مثل القرآن نظماً، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم قادراً على ذلك، ولم يسألوه تبديل الحكم دون اللفظ؛ ولأن الذي يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كان وحياً لم يكن من تلقاء نفسه، بل كان من عند الله تعالىٰ. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} أي إن خالفت في تبديله وتغييره أو في ترك العمل به. {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} يعني يوم القيامة.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا بَيّنَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا} يعني المشركين. {ٱئْتِ بِقُرْءانٍ غَيْرِ هَـٰذَا} بكتاب آخر نقرؤه ليس فيه ما نستبعده من البعث والثواب والعقاب بعد الموت، أو ما نكرهه من معايب آلهتنا. {أَوْ بَدّلْهُ} بأن تجعل مكان الآية المشتملة على ذلك آية أخرى ولعلهم سألوا ذلك كي يسعفهم إليه فيلزموه. {قُلْ مَا يَكُونُ لِى} ما يصح لي. {أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى} من قبل نفسي وهو مصدر استعمل ظرفاً، وإنما اكتفي بالجواب عن التبديل لاستلزام امتناعه الإتيان بقرآن آخر. {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ} تعليل لما يكون فإن المتبع لغيره في أمر لا يستبد بالتصرف فيه، وجواب للنقض بنسخ بعض الآيات ببعض ورد لما عرضوا له بهذا السؤال من أن القرآن كلامه واختراعه ولذلك قيد التبديل في الجواب وسماه عصياناً فقال: {إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى} أي بالتبديل. {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} وفيه إيماء بأنهم استوجبوا العذاب بهذا الاقتراح.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن تعنت الكفار من مشركي قريش الجاحدين المعرضين عنه: أنهم إذا قرأ عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم كتاب الله وحججه الواضحة، قالوا له: ائت بقرآن غير هذا، أي: رد هذا، وجئنا بغيره من نمط آخر، أو بدله إلى وضع آخر، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {قُلْ مَا يَكُونُ لِىۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِىۤ} أي: ليس هذا إلي، إنما أنا عبد مأمور ورسول مبلغ عن الله {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَىَّ إِنِّىۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} ثم قال محتجاً عليهم في صحة ما جاءهم به: {قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ} أي: هذا، إنما جئتكم به عن إِذن الله لي في ذلك، ومشيئته وإِرادته، والدليل على أني لست أتقوله من عندي، ولا افتريته، أنكم عاجزون عن معارضته، وأنكم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأت بينكم إِلى حين بعثني الله عز وجل، لا تنتقدون عليّ شيئاً تغمصوني به، ولهذا قال: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي: أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل؟ ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان ومن معه فيما سأله من صفة النبي صلى الله عليه وسلم قال هرقل لأبي سفيان: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: فقلت: لا، وكان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين، ومع هذا اعترف بالحق - والفضل ما شهدت به الأعداء - فقال له هرقل: فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله. وقال جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة: بعث الله فينا رسولاً نعرف صدقه ونسبه وأمانته، وقد كانت مدة مقامه عليه السلام بين أظهرنا قبل النبوة أربعين سنة، وعن سعيد بن المسيب: ثلاثاً وأربعين سنة، والصحيح المشهور الأول.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا } القرآن {بَيِّنَٰتٍ } ظاهرات حال {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا } لا يخافون البعث {ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَٰذآ } ليس فيه عيب آلهتنا {أَوْ بَدِّلْهُ } من تلقاء نفسك {قُلْ } لهم {مَّا يَكُونُ } ينبغي {لِى أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآئِ } قِبَلِ {نَفْسِى إِنْ } ما {أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى } بتبديله {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } هو يوم القيامة.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} كفار مكة. {بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذّآ أَوْ بَدِّلْهُ} إذا أتى بغيره جاز أن يبقى معه وإذا بدله فلا يبقى المبدل معه، طلبوا تحويل الوعد وعيداً والوعيد وعداً والحلال حراماً والحرام حلالاً، أو طلبوا إسقاط عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم، أو إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور. {مَا يُوحَى إِلَىَّ} من وعد ووعيد وأمر، ونهي وتحليل وتحريم {إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى} بتبديله وتغييره.
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} يعني وإذا قرئ على هؤلاء المشركين آيات كتابنا الذي أنزلناه إليك يا محمد بينات يعني واضحات تدل على وحدانيتنا وصحة نبوتك {قال الذين لا يرجون لقاءنا} يعني قال هؤلاء المشركون الذين لا يخافون عذابنا ولا يرجون ثوابنا لأنهم لا يؤمنون بالبعث بعد الموت وكل من كان منكراً للبعث فإنه لا يرجوا ثواباً ولا يخاف عقاباً {ائت بقرآن غير هذا أو بدله} قال قتادة: قال ذلك مشركو مكة، وقال مقاتل: هم خمسة نفر عبد الله بن أمية المخزومي والوليد بن المغيرة ومكرز بن حفص وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري والعاص بن عامر بن هشام، قال هؤلاء للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت تريد أن نؤمن بك فأت بقرآن غير هذا ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى ومناة وليس فيه عيبها وإن لم ينزله الله عليك فقل أنت من عند نفسك أو بدله فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة ومكان حرام حلالاً ومكان حلال حراماً. قال الإمام فخر الدين الرازي: اعلم أن إقدام الكفار على هذا الالتماس يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم ذكروا ذلك على سبيل السخرية والاستهزاء وهو قولهم لو جئتنا بقرآن غير هذا القرآن أو بدلته لآمنا بك وغرضهم السخرية والاستهزاء. الثاني: أن يكونوا قالوا ذلك على سبيل التجربة والامتحان حتى أنه لو فعل ذلك علموا أنه كان كاذباً في قوله: إن هذا القرآن ينزل عليه من عند الله. ومعنى قوله: ائت بقرآن غير هذا أو بدله يحتمل أن يأتي بقرآن آخر مع وجود هذه القرآن والتبديل لا يكون إلا مع وجوده وهو أن يبدل بعض آياته بغيرها كما طلبوه ولما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره الله أن يجيبهم بقوله {قل} أي قل يا محمد لهؤلاء {ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} يعني أن هذا الذي طلبتموه من التبديل ليس إليّ وما ينبغي لي أن أغيره من قبل نفسي ولم أومر به {إن أتبع إلا ما يوحى إليّ} يعني فيما آمركم به أو أنهاكم عنه وما أخبركم إلا ما يخبرني الله به وإن الذي أتيتكم به هو من عند الله لا من عندي {إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} أي: قل لهم يا محمد إني أخشى من الله إن خالفت أمره أو غيرت أحكام كتابه أو بدلته فعصيته بذلك أن يعذبني بعذاب عظيم في يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت. قوله سبحانه وتعالى: {قل} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين طلبوا منك تغيير القرآن وتبديله {لو شاء الله ما تلوته عليكم} يعني لو شاء الله لم ينزل علي هذا القرآن ولم يأمرني بقراءته عليكم {ولا أدراكم به} قال ابن عباس: ولا أدراكم الله به ولا أعلمكم به {فقد لبثت فيكم عمراً من قبله} يعني فقد مكثت فيكم قبل أن يوحى إلي هذا القرآن مدة أربعين سنة لم آتكم بشيء ووجه هذا الاحتجاج أن كفار مكة كانوا قد شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه وعلموا أحواله وأنه كان أمياً لم يطالع كتاباً ولا تعلم من أحد مدة عمره قبل الوحي وذلك أربعون سنة ثم بعد الأربعين جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس العلوم وأخبار الماضين وفيه من الأحكام والآداب ومكارم الأخلاق والفصاحة والبلاغة ما أعجز البلغاء والفصحاء عن معارضته فكل من له عقل سليم وفكر ثاقب يعلم أن هذا لم يحصل إلا بوحي من الله تعالى لا من عند نفسه وهو قوله {أفلا تعقلون} يعني أن هذا القرآن من عند الله أوحاه إليّ لا من قبل نفسي (ق) عن ابن عباس قال: حديث : أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة فمكث ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ثم أمر بالهجرة فهاجر إلى المدينة فمكث بها عشر سنين ثم توفي صلى الله عليه وسلمتفسير : : وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة، وفي رواية حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة خمس عشرة سنة يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئاً وثمان سنين يوحى إليه وأقام بالمدينة عشراً أو توفي وهو ابن خمس وستين سنة تفسير : أخرجاه في الصحيحين (ق) عن عائشة قالت: حديث : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنةتفسير : . أخرجاه في الصحيحين (م) عن أنس قال: حديث : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين وعمر وهو ابن ثلاث وستين أخرجه مسلم تفسير : (ق). عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال سمعت حديث : أنس بن مالك يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كان ربعة من القوم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير أزهر اللون ليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم ليس بجعد قطط ولا سبط رجل أنزل عليه الوحي وهو ابن أربعين سنة فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه الوحي وبالمدينة عشراً وتوفاه الله على رأس ستين سنة وليس في رأسه ولحيته عشرون شعره بيضاءتفسير : . أخرجاه في الصحيحن قال الشيخ محيي الدين النووي: ورد في عمره صلى الله عليه وسلم ثلاث روايات إحداها أنه صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن ستين سنة والثانية خمس وستون سنة والثالثة ثلاث وستون سنة وهو أصحها وأشهرها رواها مسلم من حديث أنس وعائشة وابن عباس واتفق العلماء على أن أصحها ثلاث وستون سنة وتأولوا الباقي عليه فرواية ستين سنة اقتصر فيها على العقود وترك الكسر ورواية الخمس متأولة أيضاً بأنها حصل فيها اشتباه. قوله: يسمع الصوت، يعني صوت الهاتف من الملائكة ويرى الضوء يعني ضوء الملائكة أو نور آيات الله حتى رأى الملك بعينه وشافه بالوحي من الله عز وجل وقوله ليس بالأبيض الأمهق المراد به الشديد البياض كلون الجص وهو كريه المنظر وربما توهم الناظر أنه برص. والمراد: أنه كان أزهر اللون بين البياض والحمرة. قوله عز وجل: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً} يعني فزعم أن له شريكاً وولداً والمعنى: أني لم أفتر على الله كذباً ولم أكذب عليه في قولي إن هذا القرآن من عند الله وأنتم قد افتريتم على الله الكذب فزعمتم أن له شريكاً وولداً والله تعالى منزه عن الشريك والولد وقيل: معناه إن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله لما كان أحد في الدنيا أظلم على نفسه مني من حيث إني أفتريته على الله ولما كان هذا القرآن من عند الله أوحاه إليّ وجب أن يقال ليس أحد في الدنيا أجهل ولا أظلم على نفسه منكم من حيث إنكم أنكرتم أن يكون هذا القرآن من عند الله فقد كذبتم بآياته وهو قوله تعالى: {أو كذب بآياته} يعني جحد بكون القرآن من عند الله وأنكر دلائل التوحيد {إنه لا يفلح المجرمون} يعني المشركون وهذا وعيد وتأكيد لما سبق.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَـٰتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا } يعني: بعْضَ كفار قريش: {ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ }، ثم أمر سبحانه نبيه أَنْ يردَّ عليهم بالحق الواضح، فقال: {قُل لَّوْ شَاءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ } ولا أعلمكم به، و{أَدْرَٰكُم } بمعنى: أعلمكم، تقول: دَرَيْتُ بالأَمْرِ، وأَدْرَيْتُ بِهِ غيري، ثم قال: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ } يعني: الأربعين سنةً قبل بعثته عليه السلام، أي: فلم تجرِّبوني في كَذِبٍ، ولا تكلَّمتُ في شيءٍ مِنْ هذا {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }؛ أنَّ من كان على هذه الصفة لا يصحُّ منه كذب بعد أَنْ ولَّى عمره، وتقاصَرَ أملُهُ، واشتدَّت حِنْكَته وخوفُه لربِّه. وقوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ }: ٱستفهامٌ وتقريرٌ، أي: لا أحد أظلم ممَّن ٱفترى على اللَّه كذباً، أو ممَّن كذَّب بآياته؛ بَعْد بيانها، والضمير في {يَعْبُدُونَ } لكفَّار قريش، وقولهم: {هَـؤُلاءِ شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ }: هذا قول النبلاء منهم، ثم أمر سبحانه نبيَّه أن يقرِّرهم ويوبِّخهم بقوله: {أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ }، وذكر السمٰوات؛ لأن من العرب من يعبد الملائكَةَ والشِّعْرَى، وبحسب هذا حَسُنَ أن يقول: {هَـؤُلاءِ شُفَعَـٰؤُنَا }، وقيل: ذلك على تجوُّز في الأصنام التي لا تَعْقِلُ.
البقاعي
تفسير : ولما تقدم أن من قضى بشقاوته لا يتأتى إيمانه بآية من الآيات حتى تنزل به سطوته وتذيقه بأسه ونقمته. وكان القرآن أعظم آية أنزلت إلى الناس لما لا يخفى. أتبع ذلك عطفاً على قوله {قال الكافرون إن هذا لسحر مبين} بقوله بياناً لذلك: {وإذا تتلى} بناه للمفعول إيذاناً بتكذيبهم عند تلاوة أي تالٍ كان. وأبداه مضارعاً إشارة إلى أنهم يقولون ذلك ولو تكررت التلاوة {عليهم} أي على هؤلاء الناس {آياتنا} أي على ما لها من العظمة بإسنادها إلينا {بينات} فإنه مع ما اشتمل عليه مما لزمهم به الإقرار بحقيقته قالوا فيه ما لا معنى له إلا التلاعب والعناد، ويجوز عطفه على {ثم جعلناكم خلائف} - الآية - والالتفات إلى مقام الغيبة للإيذان بأنهم للإعراض لإساءتهم الخلافة، والموصول بصلته في قوله: {قال الذين لا يرجون لقآءنا} في موضع الضمير تنبيهاً على أن هذا الوصف علة قولهم، ولعله عبر بالرجاء ترغيباً لهم لأن الرجاء محط أمرهم في طلب تعجيله للخير ودفعه للضمير. فكان من حقهم أن يرجوا لقاءه تعالى رغبة في مثل ما أعده لمن أجابه، ولوح إلى الخوف بنون العظمة ليكون ذلك أدعى لهم إلى الإقبال {ائت} أي من عندك {بقرآن} أي كلام مجموع جامع لما تريد {غير هذا} في نظمه ومعناه {أو بدله} أي بألفاظ أخرى والمعاني باقية وقد كانوا عالمين صلى الله عليه وسلم مثلهم في العجز عن ذلك ولكنهم قصدوا أنه يأخذ في التعبير حرصاً على إجابة مطلوبهم فيبطل مدعاه أو يهلك. ولما كان كأنه قيل: فماذا أقول لهم؟ قال: {قل ما يكون} أي يصح ويتصور بوجه من الوجوه {لي} ولما كان التبديل يعم القسمين الماضيين قال: {أن أبدله} وقال: {من تلقاء} أي عند وقِبَل {نفسي} إشارة إلى الرد عليهم في إنكار تبديل الذي أنزله بالنسخ بحسب المصالح كما أنزل أصله لمصلحة العباد مع نسخ الشرائع الماضية به، فأنتج ذلك قطعاً قوله: {إن أتبع } أي بغاية جهدي {إلاّ ما} ولما كان قد علم أن الموحي إليه الله قال {يوحى إلي} أي سواء كان بدلاً أو أصلاً؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكداً لإنكارهم مضمونه: {إني أخاف} أي على سبيل التجدد والاستمرار {إن عصيت ربي} أي المحسن إليّ والموجد لي والمربي والمدبر بفعل غير ما شرع لي {عذاب يوم عظيم} فإني مؤمن به غير مكذب ولا شاك كغيري ممن يتكلم من الهذيان بما لا يخاف عاقبته في ذلك اليوم، وإذا خفته - مع استحضار صفة الإحسان - هذا الخوف فكيف يكون خوفي مع استحضار صفة الجلال. ولما تم ما دفع به مكرهم في طعنهم، اتبعه بعذره صلى الله عليه وسلم في الإبلاغ على وجه يدل قطعاً على أنه كلام الله وما تلاه إلاّ بإذنه فيجتث طعنهم من أصله ويزيله بحذافيره فقال: {قل} أي لهم معلماً أنه سبحانه إما أن يشاء الفعل وإما أن يشاء عدمه وليست ثَمّ حالة سكوت أصلاً {لو شآء الله} أي الذي له العظمة كلها أن لا أتلوه عليكم {ما تلوته} أي تابعت قراءته {عليكم ولآ أدراكم} أي أعلمكم على وجه المعالجة هو سبحانه {به} على لساني؛ ولما كان ذكر ذلك أتبعه السبب المعرف به فقال: {فقد لبثت فيكم عمراً} ولما كان عمره لم يستغرق زمان القبل قال: {من قبله} مقدار أربعين سنة بغير واحد من الأمرين لكون الله لم يشأ واحداً منهما إذ ذاك، ثم أتيتكم بهذا الكتاب الأحكم المشتمل على حقائق علم الأصول ودقائق علم الفروع ولطائف علم الأخلاق وأسرار قصص الأولين في عبارة قد عجزتم - وأنتم أفصح الناس وأبلغهم - عن معارضة آية منها، فوقع بذلك العلم القطعي الظاهر جداً أنه من عند الله فلذلك سبب عنه إنكار العقل فقال: {أفلا تعقلون} إشارة إلى أنه يكفي - في معرفة أن القرآن من عند الله وأن غيره عاجز عنه - كون الناظر في أمره وأمري من أهل العقل، أي أفلا يكون لكم عقل فتعرفوا به حقيقة القرآن بما أرشدكم إليه في هذه الآية من هذا البرهان الظاهر والسلطان القاهر القائم على أنه ما يصح لي بوجه أن أبدله من قبل نفسي لأني مثلكم وقد عرفتم أنكم عاجزون عن ذلك مع التظاهر، فأنا وحدي - مع كوني أمياً - أعجز، ومن أنه تعالى لو شاء ما بلغكم، ومن أني مكثت فيكم إتياني به زمناً طويلاً لا أتلو عليكم شيئاً ولا أدعي فيكم علماً ولا أتردد إلى عالم؛ وتعرفوا أن قائل ما قلتم مكذب بآيات الله، وفاعل ما طلبتم كاذب على الله، وكل من ذلك أظلم الظلم {فمن} أي فهو سبب لأن يقال: من {أظلم ممن افترى} أي تعمد {على الله} أي الذي حاز جميع العظمة {كذباً} أي أيّ كذب كان، وكان الأصل: مني، على تقدير أن لا يكون هذا القرآن من عند الله كما زعمتم، ولكنه وضع هذا الظاهر مكانه تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف {أو كذب بآياته} كما فعلتم أنتم، وذلك من أعظم الكذب. ولما كان التقدير: لا أحد أظلم منه فهو لا يفلح لأنه مجرم، علله بقوله مؤكداً لأجل إنكارهم: {إنه لا يفلح} أي بوجه من الوجوه {المجرمون} فد وضح أن المقصود نفي الكذب عن نفسه صلى الله عليه وسلم وإلحاق الوعيد حيث كذبوا بالآيات بعد ثبوت أنها من عند الله والإعلام بأنه لا أحد أظلم منهم لأنهم كذبوا على الله في كل ما ينسبونه إليه مما نهى عنه وكذبوا بآياته، والإتيان بالغير قد يكون مع وجود الأول والتبديل لا يكون إلاّ برفع الأول ووضع غيره مكانه؛ والتلقاء: جهة مقابلة الشيء، أتبعه بمجيئه بعده؛والمشيئة خاصة تكون سبباً مؤدياً إلى وقوع الشيء، ومرتباً له على وجه قد يمكن أن يقع خلافه، والإرادة نظيرها؛ والعقل: العلم الغريزي الذي يمكن به الاستدلال بالشاهد على الغائب، ويجوز أن يكون {ويعبدون} حالاً من {الذين لا يرجون لقاءنا} أي قالوا ذلك عابدين {من دون الله} أي الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال الذي ثبت عندهم أن هذا القرآن كلامه لعجزهم عن معارضة شيء منه وهو ينهاهم عن عبادة غيره وهم يعلمون قدرته على الضر والنفع. ولما كان السياق للتهديد والتخويف، قدم الضر لذلك وتنبيهاً لهم على أنهم مغمورون في نعمه التي لا قدرة لغيره على منع شيء منها، فعليهم أن يقيدوها بالشكر فقال: {ما لا يضرهم} أي أصلاً من الأصنام وغيرها {ولا ينفعهم} في معارضة القرآن بتبديل أو غيره ولا في شيء من الأشياء، ومن حق المعبود أن يكون مثيباً على الطاعة معاقباً على المعصية وإلا كانت عبادته عبثاً، معرضين عما جاءهم من الآيات البينات من عند من يعلمون أنه يضرهم وينفعهم ولا يملك شيئاً من ذلك أحد سواه، وقد أقام الأدلة على ذلك غير مرة، وفي هذا غاية التبكيت لهم بمنابذة العقل مع ادعائهم رسوخ الأقدام فيه وتمكن المجال منه؛ والعبادة: خضوع بالقلب في أعلى مراتب الخضوع؛ ثم عجب منهم تعجيباً آخر فقال: {ويقولون} أي لم يكفهم قوله ذلك مرة من الدهر حتى يجددوا قوله مستمرين عليه: {هؤلاء} أي الأصنام أو غيرهم {شفعاؤنا} أي ثابته شفاعتهم لنا {عند الله} أي الملك الأعظم الذي لا يمكن الدنو من شيء من حضرته إلا بإذنه، وقد مضى إبطال ما تضمنته هذه المقالة في قوله تعالى {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} وفيه تخجيلهم في العجز عن تبديل القرآن أو الإتيان بشيء من مثله حيث لم تنفعهم في ذلك فصاحتهم ولا أغنت عنهم شيئاً بلاغتهم، وأعوزهم في شأنه فصحاءهم، وضل عنهم شفعاءهم، فدل ذلك قطعاً على أنه ما من شفيع إلا بإذنه من بعد، فكأنه قال: بماذا أجيبهم؟ فقال: {قل} منكراً عليهم هذا العلم {أتنبئون} أي تخبرون إخباراً عظيماً {الله} وهو العالم بكل شيء المحيط بكل كمال {بما لا يعلم} أي لا يوجد له به علم في وقت من الأوقات {في السماوات} ولما كان الحال مقتضياً لغاية الإيضاح، كرر النافي تصريحاً فقال: {ولا في الأرض} وفي ذلك من الاستخفاف بعقولهم مما لا يقدرون على الطعن فيه بوجه ما يخجل الجماد، فإن ما لا يكون معلوماً لله لا يكون له وجود أصلاً، فلا نفي أبلغ من هذا كما أنك إذا بالغت في نفي شيء عن نفسك تقول: هذا شيء ما عمله الله مني. ولما بين تعالى هنا ما هم عليه من سخافة العقول وركاكة الآراء، ختم ذلك بتنزيه نفسه بقوله: {سبحانه} أي تنزه عن كل شائبة نقص تنزهاً لا يحاط به {وتعالى} أي وفعل بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال فعل المبالغ في التنزه {عما يشركون*} أي يوجدون الإشراك به.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} قال: لا يرجون لقاءنا. إيتِ بقرآن غير هذا أو بدِّله قال: هذا قول مشركي أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم} .
ابو السعود
تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} التفاتٌ من خطابهم إلى الغَيبة إعراضاً عنهم وتوجيهاً للخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعديد جناياتِهم المضادةِ لما أريد منهم بالاستخلاف، من تكذيب الرسولِ والكفر بالآيات البـيناتِ وغيرِ ذلك كدأب مَنْ قبلهم من القرون المهلَكة، وصيغةُ المضارعِ للدِلالة على تجدد جوابِهم الآتي حسبَ تحددِ التلاوة {ءايَـٰتِنَا} الدالةُ على حقية التوحيدِ وبُطلانِ الشركِ، والإضافةُ لتشريف المضافِ والترغيبِ في الإيمان به والترهيبِ عن تكذيبه {بَيّنَـٰتٍ} حالَ كونِها واضحاتِ الدِلالةِ على ذلك، وإيرادُ فعل التلاوةِ مبنياً للمفعول مسنداً إلى الآيات دون رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ببنائه للفاعل للإشعار بعدمِ الحاجةِ لتعيّن التالي وللإيذان بأن كلامَهم في نفس المتلوِّدون التالي {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا} وضعَ الموصولُ موضعَ الضميرِ إشعاراً بعلّية ما في حيز الصلةِ العظيمةِ المحكيةِ عنهم وأنهم إنما اجترءوا عليها لعدم خوفِهم من عقابه تعالى يوم اللقاءِ لإنكارهم له ولما هو من مباديه من البعث وذماً لهم بذلك أي قالوا لمن يتلوها عليهم وهو رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وإنما لم يذكر إيذاناً بتعينه {ٱئْتِ بِقُرْءانٍ غَيْرِ هَـٰذَا} أشاروا بهذا إلى القرآنِ المشتملِ على تلك الآياتِ لا إلى نفسها فقط قصداً إلى إخراج الكلِّ من البـين أي ائت بكتاب آخرَ نقرؤه ليس فيه ما نستبعده من البعث والحسابِ والجزاءِ وما نكرهه من ذم آلهتِنا ومعايبِها والوعيدِ على عبادتها {أَوْ بَدّلْهُ} بتغيـير ترتيبِه بأن تجعلَ مكانَ الآيةِ المشتملةِ على ذلك آيةً آخرى خاليةً عنها وإنما قالوه كيداً وطمعاً في المساعدة ليتوسلوا به إلى الإلزام والاستهزاء به {قُلْ} لهم {مَا يَكُونُ لِى} أي ما يصح وما يستقيم لي ولا يمكنني أصلاً {أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى} أي من قبل نفسي وهو مصدرٌ استعمل ظرفاً، وقرىء بفتح التاءِ وقصر الجواب ببـيان امتناعِ ما اقترحوه على اقتراحهم الثاني للإيذان بأن استحالةَ ما اقترحوه أولاً من الظهور بحيث لا حاجة إلى بـيانها وأن التصدّيَ لذلك مع كونه ضائعاً ربما يُعد من قبـيل المجاراةِ مع السفهاء إذ لا يصدُر مثلُ ذلك الاقتراحِ عن العقلاء، ولأن ما يدل على استحالة الثاني يدل على استحالة الأولِ بالطريق الأولى. {إِنْ أَتَّبِعُ} أي ما أتبع في شيء مما آتي وأذَرُ {إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ} من غير تغيـير له في شيء أصلاً على معنى قصرِ حالِه عليه السلام على اتباع ما يوحىٰ إليه لا قصرِ اتباعِه على ما يوحى إليه كما هو المتبادرُ من ظاهر العبارةِ كأنه قيل: ما أفعل إلا اتباعَ ما يوحىٰ إلي وقد مر تحقيقُ المقامِ في سورة الأنعام، وهو تعليلٌ لصدر الكلامِ، فإن مَنْ شأنُه اتباعُ الوحي على ما هو عليه لا يستبد بشيء دونه قطعاً، وفيه جوابٌ للنقض بنسخ بعضِ الآياتِ ببعض وردٌّ لما عرّضوا به عليه الصلاة والسلام بهذا السؤال من أن القرآنَ كلامُه عليه الصلاة والسلام ولذلك قيّد التبديلُ في الجواب بقوله: {مِن تِلْقَاء نَفْسِى} وسماه عصياناً عظيماً مستتبِعاً لعذاب عظيم بقوله تعالى: {إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} فإنه تعليلٌ لمضمون ما قبله من امتناع التبديلِ واقتصارِ أمرِه عليه الصلاة والسلام على اتباع الوحي، أي أخاف إن عصيتُه تعالى ـ بتعاطي ما ليس لي من التبديل من تلقاء نفسي والإعراضِ عن اتباع الوحي ـ عذابَ يوم عظيم هو يومُ القيامة أو يومُ اللقاءِ الذي لا يرجونه، وفيه إشعارٌ بأنهم استوجبوه بهذا الاقتراحِ. والتعرضُ لعنوان الربوبـيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام لتهويل أمرِ العصيان وإظهارِ كمالِ نزاهتِه عليه السلام عنه، وإيرادُ اليوم بالتنوين التفخيميّ ووصفُه بالعظم لتهويل ما فيه من العذاب وتفظيعِه، ولا مساغَ لحمل مُقترَحِهم على التبديل والإتيانِ بقرآن آخرَ من جهة الوحي بتفسير قوله تعالى: {مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى} بأنه لا يتسهّلُ لي أن أبدلَه بالاستدعاء من جهة الوحي، ما أتبع إلا ما يوحىٰ إليّ من غير صنعٍ ما من الاستدعاء وغيرِه من قِبلي، لأنه يرده التعليلُ المذكورُ لا لأن المقترَحَ حينئذٍ ليس فيه معصيةٌ أصلاً كما تُوُهم، فإن استدعاءَ تبديلِ الآياتِ النازلِة ـ حسبما تقتضيه الحكمةُ التشريعيةُ بعضِها ببعض، لا سيما بموجب اقترحِ الكفرة ـ مما لا ريبَ في كونه معصيةً بل لأنه ليس فيه معصيةُ الافتراءِ مع أنها المقصودةُ بما ذُكر في التعليل، ألا يُرى إلى ما بعده من الآيتين الكريمتين فإنه صريحٌ في أن مقترحَهم الإتيانُ بغير القرآنِ وتبديلُه بطريق الافتراءِ وأن زعمَهم في الأصل أيضاً كذلك.
القشيري
تفسير : إذا اقترحوا عليك بأَنْ تأتيهَم بما لم نأمركَ به، أو تُرِيَهُم ما لم نُظْهِرْ عليك من الآياتِ.. فأَخْبِرْهم أنَّكَ غير مُسْتَقَلٍ بِك، ولا موكولٍ إليكَ؛ فنحن القائمُ عليكَ، المصَّرفُ لكَ، وأنتَ المتَّبعُ لما نُجريه عليك غيرَ مُبْتَدِعٍ لِما يَحصُل منك.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذا تتلى عليهم} اى على مشركى مكة {آياتنا} القرآنية الدالة على حقيقة التوحيد وبطلان الشرك حال كونها {بينات} واضحات الدلالة على ذلك {قال الذين لا يرجون لقاءنا}: يعنى [اميد ندار ند ديدار مارا وسيدن بما] وهو عبارة عن كونهم مكذبين للحشر. قال في التأويلات النجمية فيه اشارة الى انه ليس لهم شوق الى الله وطلبه اذ الشوق من شان القلب الحى وقلوبهم ميتة ونفوسهم حية فلما فى القرآن مما يوافق القلوب ويخالف النفوس ما قبله ارباب النفوس {ائت بقرآن غير هذا} القرآن المنزل بان لا يكون على ترتيب هذا ونظمه وبان يكون خاليا عما نستبعده من امر البعث والجزاء وعما نكرهه من ذم آلهتنا وتحقيرها {أو بدله} بان يكون هذا القرآن المنزل باقيا على نظمه وترتيبه لكن يوضع مكان الآيات الدالة على ما نستبعده وتستكرهه آيات اخر موافقة لطريقتنا كما بدل احبار اليهود التوراة ورهبان النصارى الانجيل بما كان موافقا لهواهم ولعلهم سألوا ذلك طمعا في ان يسعفهم الى اتيانه من قبل نفسه فيلزموه بان يقولوا قد تبين لنا انك كاذب فى دعوى ان ما تقرأه علينا كلام الهى وكتاب سماوى اوحى اليك بوساطة الملك وانك تقوله من عند نفسك وتفترى على الله كذبا {قل ما يكون لي} اى ما يصح لى ولا يمكننى اصلا {ان ابدله من تلقاء نفسي} اى من قبل نفسى وانما اكتفى بالجواب عن التبديل لاستلزام امتناعه امتناع الاتيان بقرآن آخر كذا قال البيضاوى وهو اولى مما في الكشاف. والبيان ان التبديل داخل تحت قدرة الانسان واما الاتيان بقرآن آخر فغير مقدور عليه للانسان وذلك لان التبديل ربما يحتاج الى تغيير سورة او مقدارها واعجاز القرىن يمنع من ذلك كما لا يخفى وهو اللائح بالبال {ان اتبع الا ما يوحى الى} تعليل لما يكون فان المتبع لغيره فى امر لم يستبد بالتصرف فيه بوجه اى ما اتبع فى شيء الا ما يوحى الى من غير تغيير له فى شيء اصلا عن معنى قصر حاله عليه السلام على اتباع ما اليه لاقصر اتباعه على ما يوحى اليه كما هو المتبادر من ظاهرة العبارة كأنه قيل ما افعل الا اتباع ما يوحى الىّ وقد مر تحقيق المقام فى سورة الانعام {انى اخاف ان عصيت ربى} اى بالتبديل {عذاب يوم عظيم} هو يوم القيامة. وفيه اشارة الى التبديل اذا كان عصيانا مستوجبا للعذاب يكون اقتراحه كذلك لانه نتيجته والنتيجة مبنية على المقدمة فعلم منه ان المؤدى الى المكروه او الحرام مكروه او حرام الا ترى ان بعض الكيوف التى يستعملها ارباب الشهوات فى هذا الزمان مؤد الى استقثال الصوم الفرض واستقثال امر الله تعالى ليس من علامات الايمان نسأل الله تعالى ان يجذب عناننا من الوقوع فى مواقع الهلاك
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وإذا تُتلى عليهم} يعني كفار قريش {آياتُنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا} من المشركين {ائْتِ بقرآن غيرِ هذا} أي: بكتاب آخر ليس فيه ما نستبعده من البعث والحساب، والعقاب بعد الموت، أو ما ذكره من سب آلهتنا، وعيب ديننا، أو اجعل هذا الكلام الذي من قِبَلك على اختيارنا، فأحل ما حرمته، وحرم ما أحللته؛ ليكون أمرنا واحداً وكلمتنا متصلة، {أوبدِّلْه} بأن تجعل مكان الآية المشتملة على ذلك آية أخرى. {قل} لهم يا محمد: {ما يكون}: ما يصح {لي أن أبدِّله من تلقاء نفسي}: من قِبل نفسي، وإنما اكتفى بالجواب المذكور عن التبديل؛ لاستلزام امتناعه امتناع الإتيان بقرآن آخر، قل لهم: {إنْ} أي: ما {أتبعُ إلا ما يوحى إليَّ}، لا أقدر أن أقول شيئاً من عندي. قال البيضاوي: هو تعليل لما يكون، فإن المتبع لغيره في أمر لم يستبد بالتصرف فيه بوجه، وجواب للنقض بنسخ بعض الآيات لبعض، ورد لما عَرّضوا له بهذا السؤال من أن القرآن كلامه واختراعُه، ولذلك قيد التبديل في الجواب وسماه عصياناً فقال: {إني أخاف إن عصيتُ ربي عذاب يوم عظيم} يوم القيامة، وفيه إيماء بأنهم استوجبوا العذاب بهذا الاقتراح. هـ. {قل لو شاءَ اللهُ ما} أرسلني إليكم، ولا {تلوتُه عليكم ولا أدْرَاكم} أي: أعلمكم {به} على لساني. وفي قراءة ابن كثير: ولأدراكم، بلام التأكيد، أي: لو شاء الله ما تلوته عليكم ولأعلمكم به على لسان غيري. والمعنى أنه الحق لا شك فيه، لو لم أُرْسَل به أنا لأرسل به غيري. وحاصل المعنى: أن الأمر بمشيئة الله لا بمشيئتي، حتى أجعله على نحو ما تشتهون. ثم قرر ذلك بقوله: {فقدْ لبثتُ فيكم عُمُراً} منذ أربعين سنة {مِن قبله} أي: من قبل نزول هذا القرآن، لا أتلوه ولا أعلم منه شيئاً، وفيه إشارة إلى القرآن معجز خارق للعادة، فأن من عاش بين أظهرهم أربعين سنة لم يدرس فيها علماً، ولا يشاهد عالِماً، ولم ينشد قريضاً ـ أي: شعراً ـ ولا خطبة، ثم قرأ عليهم كتاباً أعجزت فصاحتُه كل منطيق، وفاق كل منظوم ومنثور، واحتوى على قواعد عِلْمي الأصول والفروع، وأعرب عن أَقاصيص الأولين وأحاديث الآخرين على ما هي عليه، عُلم انه معلم به من عند الله. قاله البيضاوي. فكل من له عقل سليم أدرك حقِّيته، ولذلك قرعهم بقوله: {أفلا تعقلون} أي: أفلا تستعملون عقولكم بالتدبر والتفكر، فتعلموا أنه ليس من طوْق البشر، بل هو من عند الحكيم العليم الواحد القهار. الإشارة: إذا ظهر أهل التربية الداعون إلى الله بطريق صعبة على النفوس، يُسيرون الناس عليها، كخرق العوائد وتخريب الظواهر والتجريد، قال من لا يرجو الوصول إلى الله ـ لغلبة الهوى عليه: ائتونا بطريق غير هذا لنتبعكم عليه، يكون سهلاً على النفوس، موافقاً لعوائدنا، أو بدلوا هذا بطريق أسهل، وأما هذا الذي أتيتم به، فلا نقدر عليه، وربما رموه بالبدعة، فيقولون لهم: ما يكون لنا أن نبدله من تلقاء أنفسنا، إن نتبع إلا ما سلك عليه أشياخنا وأشياخهم، فما ربَّوْنا به نُربّي به من تبعنا، فإن خالفنا طريقهم خفنا من عقاب الله، حيث غششنا من اتبعنا، ولقد مكثنا معكم قبل صحبة أشياخنا سنين، فلم تروا علينا شيئاً من ذلك حتى صحبناهم، فدل ذلك على أنه موروث عن أشياخهم وأشياخ أشياخهم، أفلا تعقلون؟. ثم سجل الظلم على من كذَب أو كذّب، فقال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}.
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى في هذه الآية أنه إذا قرأ النبي صلى الله عليه وآله على الكفار آيات الله وكلامه. و {بينات} نصب على الحال. وهي الآيات التي امر فيها عباده بأشياء ونهاهم عن اشياء {قال الذين لا يرجون لقاءنا} اي لقاء عذاب الله او ما وعدهم به من ثوابه ان اطاعوه {ائت بقرآن غير هذا} الذي تتلوه علينا {أو بدله} فاجعله على خلاف ما تقرأه علينا، وإنما فرق بين قوله {ائت بقرآن غير هذا أو بدله} لان الاتيان بغيره قد يكون معه، وتبديله لا يكون إلا برفعه، والاتيان بغيره. وانما لم يرجوا ثواب الله وعذابه لأنهم كانوا غير مقرين بالله ولا معترفين بنبوة نبيه صلى الله عليه وآله ولا يصدقونه فيما يخبرهم به عن الله ويذكرهم به من البعث والنشور والحساب والجزاء. وكان قولهم هذا له على وجه التعنت والتسبب إلى الكفر به وتكذيبه، واحتجاجاً عليه بما ليس بحجة لأنه صلى الله عليه وآله كان قد بين لهم ان هذا القرآن ليس من كلامه وانه ليس له تغييره وتبديله، فأرادوا أن يوهموا ان الأمر موقوف على رضاهم به، وليس يرضون بهذا فيريدون غيره. وقال الزجاج: إنه كان غرضهم اسقاط ما فيه من عيب آلهتم وتسفيه أحلامهم ومن ذكر البعث والنشور، فأمر الله تعالى نبيه أن يقول لهم في جواب ذلك: ليس لي {أن أبدله من تلقاء نفسي} أي من جهة نفسي ومن ناحية نفسي كأنه قيل له: قل ليس لي أن اتلقاه بالتبديل كما ليس لي أن اتلقاه بالرد. والتلقاء جهة مقابلة الشيء إلا أنه قد يستعمل ظرفاً فيقال: هو تلقاءه كما يقال: هو حذاه وقبالته وتجاهه. قوله {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} أى ليس لي أن أتبع إلا الذي يوحى إلي {إني أخاف إن عصيت ربي} في اتباع غيره {عذاب يوم عظيم} يعني يوم القيامة. ومن استدل بهذه الاية على أن نسخ القرآن بالسنة لا يجوز فقد أبعد؛ لأنه اذا نسخ ما يتضمنه القرآن بالسنة، فالسنة لا يقولها النبي صلى الله عليه وآله إلا بوحي من الله. وليس بنسخه من قبل نفسه. بل يكون ذلك النسخ مضافاً إلى الله. وانما لا يكون قرآناً لأنه تعالى قد يوحي إلى نبيه ما هو قرآن وما ليس بقرآن، لأن جميع ما بينه النبي صلى الله عليه وآله من الشريعة لم يبينها إلا بوحي من الله لقوله {أية : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}تفسير : وان كان تفصيل ذلك ليس بموجود في القرآن فالاستدلال بذلك على ما قالوه بعيد.
فرات الكوفي
تفسير : {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا أئت بقرآنٍ غير هذا أو بدّله قل: ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إِن أتبع إِلا ما يوحى إِلي 15} فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي حمزة الثمالي قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله [تعالى. ر]: {ائت بقرآنٍ غير هذا أو بدّله} فقال أبو جعفر [عليه السّلام. أ]: ذلك قول أعداء الله لرسول الله من خلفه - وهم يرون أن الله لا يسمع قولهم -: لو أنه جعل إِماماً غير علي أو بدّله مكانه فقال الله رداً [ر (ظ): يرد] عليهم قولهم: {قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} يعني [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب عليه السلام. ب، ر] {إِن اتبع إِلا ما يوحى إِلي} من ربي في علي، فذلك قوله {ائت بقرآن غير هذا أو بدّله}.
اطفيش
تفسير : {وإذا تُتلَى عَليْهم} أى على المشركين، أو على الناس مطلقا {آياتُنا} القرآن {مبيِّناتٍ} حال {قالَ الذينَ لا يرْجُون لقاءنَا} قالوا أى المشركون، فوضع الظاهر موضع الضمير على الوجه الأول، أو قال مشركو الناس على الوجه الثانى، وكان هذا القول متكرراً منهم حقيقة، أو قالوه مرة، وكانوا بعدم توبتهم وبإصرارهم على ما يتضمن ذلك القول كمكرريه. {ائتِ} من الله ويقرأ ورش: "لقاءنا ائت" بمد نون لقاءنا بألف يبدلها من ياء ائت المبدلة من الهمزة، التي هى فاء الفعل وسقط ألف نا للألف المذكورة، وأما همزة الوصل فى ائتنا فلم تثبت، لأن همزة الوصل لا تثبت فى الدرج، فانظر قوله تعالى: {أية : يا صالح ائتنا} تفسير : فى الأعراف {بقُرآنٍ غَيْر هَذا} بحيث لا يكون فيه ما نستبعده كالبعث أو نكرهه كذم آلهتنا، والنهى عن عبادتها، والوعيد على الشرك {أو بَدِّلْهُ} كله أو ما نكره، أو نستبعد منه، وآية عذاب أو تحريم بعكسها من تلقاء نفسك، أو ائت بقرآن من تلقاء نفسك، أو بدل بعضه، قال ذلك مشركو العرب، وعبارة بعض: مشركو مكة، وعبارة بعض: عبد الله بن أمية المخزومى، والوليد بن المغيرة، ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبى قيس العامرى، والعاصى بن عامر بن هشام، وقيل: الاثنى عشر المستهزئون، قالوا: إن كنت تحب أن نؤمن بك فائت بقرآن ليس فيه ما يغيظنا، قالوا ذلك استهزاءً وسخرية، أو تلويحا بأن القرآن من كلامه حتى يمكن له تبديله، فإنه إذا بدله ولو قال إنه مبدل من الله كالتصريح بأنه منه، لأن كلام الله ليس متلاعباً به، قابلا لطلب تبديله، ويهلك الله من بدله فيستريحوا منه. {قلْ ما يكُون لى} وسكن الياء غير نافع، وابن كثير، وأبى عمرو {أن أبدِّله من تِلْقاء نفْسِى} تلقاء فى الأصل مصدر لقى بالتشديد، وقيل لقى بالتخفيف استعمل ظرفا بمعنى جهة مقابلة، أى من جهة نفسى وكسر تائه شاذ، وقرئ بفتحها وسكن غير نافع، وأبى عمرو ياء نفسى، وإنما اكتفى بالجواب على التبديل لاستلزام امتناع التبديل لبعضه من تلقاء نفسه امتناع تبديله كله من تلقاء نفسه، وهذا على التفسير الأخير فى {ائت بقرآن غير هذا أو بدله". وأما على الأول فإنما استغنى بالجواب على التبديل، لأنه الممكن الجملة، بخلاف الإتيان بقرآن آخر من الله، فإنه ليس فى مقدور البشر، زيدت الياء فى المصاحف بعد همزة تلقائى، وعليها دائرة حمراء علامة لزيادتها فى الخط، لأنه لا تسكن سكونا حيا بعد كسرة، فبان بالدائرة أنها لا ينطق بها، ولا يمد الصوت بها، والهمزة قبلها لم توجد فى مصحف عثمان، فلذلك تكتب بغير الأسود كما فى سائر ما لم يوجد فيه، وتلك الياء موجودة فيه، هذا ما استقرت عليه كتبنا معشر المغاربة. واختار أبو عمرو الدانى وغيره أن تلك الياء هى صورة الهمزة، وعليه فتجعل الهمزة الصفراء عليها وحركتها تحتها، وقيل: الياء حركة الهمزة، وكانت العرب تصور الحركة حرفاً، وقيل: صورة للكسرة، فإنها من الياء فتدل الياء عليها، ولأن الإعراب قد يكون بالياء، وقيل: تسهيل، وقيل: تمكين للحركة لئلا تختلس، لكن بلا إشباع وقيل: بيان الهمزة وتقوية، وكذا الكلام فى {أية : وإيتاء ذى القربى} تفسير : و {أية : من وراء حجاب} تفسير : ونحو ذلك. {إنْ أتبعُ إلاَّ ما يُوحَى إلىَّ} تعليل جملى لقوله: {ما يكون لى} لا تصرف لى فيه بالإتيان بغيره، ولا تبديل بعضه، ومالى إلا اتباع ما يوحى إلىَّ، فلا أنسخ منه إلا ما أنزل الله سبحانه وتعالى على نسخه وليس من كلامى كما تزعمون فأتصرف فيه، بل وحى متبع. {إنِّى} وسكن الياء غير نافع وابن كثير وأبى عمرو {أخافُ إنْ عَصيتُ ربِّى} بتبديله كله أو بعضه {عَذابَ يَومٍ عَظيمٍ} يوم القيامة، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وهذا دليل على أنهم لم يريدوا بكل من الإتيان والتبديل إتيانا وتبديلا من الله، لأن هذا لا عذاب عليه، ولا معصية فيه، بل أرادوا إتياناً وتبديلا منك، أو إتيانا من الله وتبديلا منك، اللهم إلا أن يردوا كليهما من الله، فيكون المراد إن عصيت ربى بطلبى إياه قرآنا آخر، أو تبديل بعضه، بل هذا أبلغ، فإنه إذا كان ذلك معصية توجب عذابا، فإقدامى على إتيان بآخر، أو تبديل بعض أشد، وعلى كل حال ففى الآية إشارة إلى أنهم أوجبوا لأنفسهم العذاب، لأن طلب المعصية معصية، قيل: ذلك منسوخ بقوله: {أية : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}.
اطفيش
تفسير : {وإَذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ} أَى عليكم يا أَهل مكة، فجاءَ على طريق الالتفات من الخطاب فى قوله جعلناكم وتعملون إِلى الغيبة {آيَاتُنَا} القرآن مطلقا وقيل آيات التوحيد{بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} منهم كالخمسة المستهزِئين بالرسول صلى الله عليه وسلم، وبالقرآن "أية : إِنا كفيناك المستهزئين} تفسير : [الحجر: 95]، {أية : الذين جعلوا القرآن عضين"تفسير : [الحجر: 91] عبدالله بن أُمية المخزومى والوليد بن المغيرة ومكرز بن حفص وعمرو بن عبدالله بن أبى قيس العامرى والعاصى بن عامر بن هشام، وإِسناد القول إلى الكل إِسناد إِلى المجموع، لذا لم يقولوا كلهم ائْتنا بقرآن إلخ، أو لرضى من لم يقل بقول القائِل، واللقاءُ يكون بالبعث، لا يخافون البعث ولا يرجون ثواباً لإِنكارهم إِياه، وفى تتلى قبل التفات إِلى الغيبة أَى سكاكى لا جمهورى ومقتضى الظاهر، وإِذا تتلو عليهم لقوله {ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرَ هَذَا} لأَنه خطاب له صلى الله عليه وسلم أَى بقرآن مغاير لهذا بنفى البعث وبعدم عيب آلهتنا اللات والعزى ومناة والقائِل بعض والباقون راضون {أَوْ بَدِّلْهُ} أَى أَوقع التبديل فى بعض بأَن تجعل مقام البعث انتفاءَه، ومكان عيب الآلهة مدحها ومكان العذاب الرحمة، ومكان الحلال الحرام قالوا ذلك استهزاءً أَو ليقولوا إِن طاوعهم بغير هذا القرآن أَو بالتبديل، إِنك كاذب إِذ لو كان من الله لم تبدله لكن قد يولون لجهلهم إِن الله بدله أَو أَتى بغيره، أَو كنوا بذلك عن أَنه منك فأْت بغيره من الله، ولما كان ما صدق غير هذا وما صدق التبديل واحدا وهو التغيير، وأيضاً امتناع التبديل يستلزم امتناع الإِتيان بغير هذا إِذ عدم القدرة على تبديل البعض يستلزم عدم القدرة على تبديله كله أَجاب بواحد فقال {قُلْ مَا يَكُونُ} يصح {لِى أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِى} ولم يقل أَو آتى بغيره، ولكن لا مانع من تقديره وتلقاءَ مصدر لقى استعمل ظرف مكان بمعنى الجهة المقابلة، والمراد هنا من قبل نفسى، ويفسر أيضاً بالجانب، ومن المصادر التى جاءَت على تفعال بالكسر تبيان وتهدار وتلعاب كتلقاء، وأَما تمساح فاسم {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ} تعليل لقوله ما يكون أَى ما يكون لى أَن أُبدله من تلقاءِ نفسى لأَنى لا أَتبع إِلا ما يوحى إِلى، فإِذا أُوحى بِإِسقاط آية أَو بعضها حكماً أَو تلاوة أَو تبديليها أَو بعضها فعلت، وذلك نسخ من الله لا من تلقاءِ نفسى، فلا تتوهموا أَن ما أَذكر من النسخ من عندى بل من عند الله، فلا تقولوا بدل كما بدلت من قبل أَو أَسقط كما فعلت من قبل، وقد ذم الله من فعل ذلك، فويل للذين يكتبون الكتاب بأَيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، وقال يحرفون الكلم وقال {إِنِّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى} بالتغيير أَو التبديل أَو الكتم، فإِنه إِسقاط أَو غير ذلك من مخالفة الله عز وجل {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} هو يوم القيامة، فقد استوجبتم العذاب العظيم بطلب ذلك منى.
الخليلي
نحن نعرف أن الآيات ثلاثة أنواع: آيات كونية، وهي العجائب التي في الكون ويسميها الله سبحانه آيات، فالآية هي عجيبة من العجائب، سواء في الذكاء أو الجمال أو الخلُلُق، وقد سَمَّى الحق سبحانه الظواهر الكونية آيات، فقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} [فصلت: 37] وقال سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} [الروم: 21] وهذه من الآيات الكونية. وهناك آيات هي الدليل على صدق الرسل ـ عليهم السلام ـ في البلاغ عن الله، وهي المعجزات؛ لأنها خالفت ناموس الكون المألوف للناس. فكل شيء له طبيعة، فإذا خرج عن طبيعته؛ فهذا يستدعى الانتباه. مثلما يحكي القرآن عن سيدنا إبراهيم ـ عليه السلام ـ أن أعداء أخذوه ورموه في النار فنجّاه الحق سبحانه من النار؛ فخرج منها سالماً، ولم يكن المقصود من ذلك أن ينجو إبراهيم من النار، فلو كان المقصود أن ينجو إبراهيم عليه السلام من النار؛ لحدثت أمور أخرى، كألا يمكِّنهم الحق ـ عزَّ وجلّ ـ من أن يمسكوه، لكنهم أمسكوا به وأشعلوا النار ورموه فيها، ولو شاء الله تعالى أن يطفئها لفعل ذلك بقليل من المطر، لكن ذلك لم يحدث؛ فقد تركهم الله في غيّهم، ولأنه واهب النار للإحراق قال سبحانه وتعالى لها: {يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] وهكذا تتجلّى أمامهم خيبتهم. إذن: الآيات تُطلَق على الآيات الكونية، وتطلق على الآيات المعجزات، وتطلق أيضاً على آيات القرآن ما دامت الآيات القرآنية من الله والمعجزات من الله، وخلق الكون من الله، فهل هناك آية تصادم آية؟ لا؛ لأن الذي خلق الكون وأرسل الرسل بالمعجزات وأنزل القرآن هو إله واحد، ولو كان الأمر غير ذلك لحدث التصادم بين الآيات، والحق سبحانه هو القائل: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء: 82] وقوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} [يونس: 15] أي: آيات واضحة. ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} وعرفنا أن الرجاء طلب أمر محبوب ومن الممكن أن يكون واقعاً، مثلما يرجو إنسان أن يدخل ابنه كلية الطب أو كلية الهندسة. ومقابل الرجاء شيء آخر محبوب، لكن الإنسان يعلم استحالته، وهو التمنِّي، فالمحبوبات ـ إذن ـ قسمان: أمور مُتمنَّاه وهي في الأمور المستحيلة، لكن الإنسان يعلن أنه يحبها، والقسم الثاني أمور نحبها، ومن الممكن أن تقع، وتسمى رجاء. {ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} هم مَن لا يؤمنون، لا بإلهٍ، ولا ببعثٍ؛ فقد قالوا: {مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} [الجاثية: 24] وقالوا: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} [المؤمنون: 82] وإذا كان الإنسان لا يؤمن بالبعث؛ فهو لا يؤمن بلقاء الله سبحانه؛ لأن الذي يؤمن بالبعث يؤمن بلقاء الله، ويُعدّ نفسه لهذا اللقاء بالعبادة والعمل الصالح، ولكن الكافرين الذين لا يؤمنون بالبعث سيُفاجَأون بالإله الذي أنكروه، وسوف تكون المفاجأة صعبة عليهم؛ ولذلك قال الحق سبحانه: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} [النور: 39] السراب: هو أن يمشي الإنسان في خلاء الصحراء، ويخيل إليه أن هناك ماءً أمامه، وكلّما مشى ظن أن الماء أمامه، وما إن يصل إلى المكان فالضوء ينعكس؛ ليصور الماء وهو ليس بماء: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ} [النور: 39] إنه يُفاجَأ بوجود الله سبحانه الذي لم يكن في باله، فهو واحد من الذين لا يرجون لقاء الله، وهو ممن جاء فيهم القول: {وَقَالُوۤاْ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} [السجدة: 10] رغم أن الكون الذي نراه يُحتِّم قضية البعث؛ لأننا نرى أن لكل شيء دورة، فالوردة الجميلة الممتلئة بالنضارة تذبل بعد أن تفقد مائيِّتها، ويضيع منها اللون، ثم تصير تراباً. وأنت حين تشم الوردة فهذا يعني أن ما فيها من عطر إنما يتبخر مع المياه التي تخرج منها بخاراً، ثم تذبل وتتحلل بعد ذلك. إذن: فللوردة دورة حياة. وأنت نظرت إلى أي عنصر من عناصر الحياة مثل المياه سوف تجد أن الكمية الموجودة من الماء ساعة خلق الله السموات الأرض هي بعينها؛ لم تَزِدْ ولم تنقص. وقد شرحنا ذلك من قبل. وكل شيء تنتفع به له دورة، والدورة تُسلم لدروة أخرى، وأنت مستفيد بين هذه الدورات؛ هدماً وبناءً. والذين لا يرجون لقاء الله، ولا يؤمنون بالبعث، ولا بثوات أو عقاب، لا يلتفتون إلى الكون الذي يعيشرون فيه؛ لأن النظر في الكون وتأمُّل أحواله يُوجِب عليهم أن يؤمنوا بأنها دورة من الممكن أن تعود. وسبحانه القائل: {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} [الأنبياء: 104] وهؤلاء الذين لا يرجون لقاء الله يأتي القرآن بما جاء على ألسنتهم: {ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ} [يونس: 15] هم هنا يطلبون طلبين: {ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ}، {أَوْ بَدِّلْهُ}. أي: يطلبون غير القرآن. ولنلحظ أن المتكلم هو الله سبحانه؛ لذلك فلا تفهم أن القولين متساويان. {ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ} هما طلبان الطلب الأول: أنهم يطلبون قرآناً غير الذي نزل. والطلب الثاني: أنهم يريدون تبديل آية مكان آية، وهم قد طلبوا حذف الآيات التي تهزأ بالأصنام، وكذلك الآيات التي تتوعدهم بسوء المصير. ويأتي جواب من الله سبحانه على شق واحد مما طلبوه وهو المطلب الثاني، ويقول سبحانه: {قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ} ولم يرد الحق سبحانه على قولهم: {ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ}. وكان مقياس الجواب أن يقول: "ما يكون لي أن آتي بقرآن غير هذا أو أبدله"؛ لكنه اكتفى بالرد على المطلب الثاني {أَوْ بَدِّلْهُ}؛ لأن الإتيان بقرآن يتطلب تغييراً للكل. ولكن التبديل هو الأمر السهل. وقد نفى الأسهل؛ ليسلِّموا أن طلب الأصعب منفي بطبيعته. وأمر الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ} أي: أن أمر التبديل وارد، لكنه ليس من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. بل بأمر من الله سبحانه وتعالى، إنما أمر الإتيان بقرآن غير هذا ليس وارداً. إذن: فالتبديل وارد شرط ألا يكون من الرسول صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال الحق سبحانه: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} [النحل: 101] وهو ما تذكره هذه الآية: {قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ} و{تِلْقَآءِ} من "لقاء"؛ فتقول: "لقيت فلاناً"، ويأتي المصدر من جنس الفعل أو حروفه، ويسمون "التلقاء" هنا: الجهة. والحق سبحانه يقول في آية أخرى: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ} [القصص: 22] و{تِلْقَآءَ مَدْيَنَ} أي: جهة مدين. و"التلقاء" قد تأتي بمعنى اللقاء؛ لأنك حين تقول: "لقيته" أي: أنا وفلان التقينا في مكان واحد، وحين نتوجّه إلى مكان معيّن فنحن نُوجَد فيه. ويظن بعض الناس أن كل لفظ يأتي لمعنيين يحمل تناقضاً، ونقول: لا، ليس هناك تناقض، بل انفكاك جهة، مثلما قال الحق سبحانه: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} [البقرة: 144] والشطر معناه: الجهة؛ ومعناه أيضاً: النصف، فيقال: "أخذ فلان شطر ماله"، أي: نصفه، و"اتجهت شطر كذا"، أي: إلى جهة كذا. وهذه معان غير متناقضة؛ فالإنسان منا ساعة يقف في أي مكان؛ يصبح هذا المكان مركزاً لمرائيه، وما حوله كله محيطاً ينتهي بالأفق. ويختلف محيط كل إنسان حسب قوة بصره، ومحيط الرؤية ينتهي حين يُخيَّل لك أن السماء انطبقت على الأرض، هذا هو الأفق الذي يخصُّك، فإن كان بصرُك قويّاً فأفقك يتَّسع، وإن كان البصر ضعيفاً يضيق الأفق. ويقال: "فلان ضيَيِّق الأفق" أي: أن رؤيته محدودة، وكل إنسان منا إذا وقف في مكان يصير مركزاً لما يحيطه من مَرَاء؛ ولذلك يوجد أكثر من مركز، فالمقابل لك نصف الكون المرئي، وخلفك نصف الكون المرئي الآخر، فإذا قيل: إن "الشطر" هو "النصف"، فالشطر أيضاً هو "الجهة". وهنا يقول الحق سبحانه: {قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ}. أي: أنه صلى الله عليه وسلم لا يأتي بالقرآن من عند نفسه صلى الله عليه وسلم، بل يُوحَى إليه. ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15] أي: أنه صلى الله عليه وسلم لو جاء بشيء من عنده، ففي هذا معصية لله تعالى، ونعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُعرف عنه أنه كان شاعراً، ولا كان كاتباً، ولا كان خطيباً. وبعد أن نزل الوحي عليه من الله جاء القرآن في منتهى البلاغة. وقد نزل الوحي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الأربعين من عمره ولا توجد عبقرية يتأجَّل ظهورها إلى هذه المرحلة من العمر، ولا يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أجَّل عبقريته إلى هذه السِّن؛ لأنه لم يكن يضمن أن يمتد به العمر. ويأتي لنا الحق سبحانه بالدليل القاطع على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتَّبِع إلا ما يُوحَى إليه فيقول: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15] ويأتي الأمر بالرَّدِّ من الحق سبحانه على الكافرين:
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بِيِّنَـٰتٍ} التفات من خطابهم إلى الغيبة إعراضاً عنهم وتوجيهاً للخطاب إلى سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم بتعديد جناياتهم المضادة لما أريد منهم بالاستخلاف من التكذيب والكفر بالآيات البينات وغير ذلك كدأب من قبلهم من القرون المهلكة. وصيغة المضارع للدلالة على تحدد جوابهم الآتي حسب تجدد التلاوة. والمراد بالآيات الآيات الدالة على التوحيد وبطلان الشرك. وقيل: ما هو أعم من ذلك. والإضافة لتشريف المضاف والترغيب في الإيمان به والترهيب عن تكذيبه ونصب {بَيّنَـٰتٍ} على الحال أي حال كونها واضحات الدلالة على ما تضمنته، وإيراد فعل التلاوة مبنياً للمفعول مسنداً إلى الآيات دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ببنائه للفاعل للإشعار بعدم الحاجة لتعيين التالي وللإيذان بأن كلامهم في نفس المتلو ولو تلاه رجل من إحدى القريتين عظيم. {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} وضع الموصول موضع الضمير إشعاراً بعلية ما في حيز الصلة للعظيمة المحكية عنهم وذماً لهم بذلك أي قالوا لمن يتلوها عليهم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم {ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَا} أشاروا بهذا إلى القرآن المشتمل على تلك الآيات لا إلى أنفسها فقط قصداً إلى إخراج الكل من البين أي ائت بكتاب آخر نقرؤه / ليس فيه ما نستبعده من البعث وتوابعه أو ما نكرهه من ذم آلهتنا والوعيد على عبادتها {أَوْ بَدّلْهُ} بأن تجعل مكان الآية المشتملة على ذلك آية أخرى، ولعلهم إنما سألوا ذلك كيداً وطمعاً في إجابته عليه الصلاة والسلام ليتوسلوا [به] إلى الإلزام والاستهزاء وليس مرادهم أنه عليه الصلاة والسلام لو أجابهم آمنوا. {قُلْ} أيها الرسول لهم {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدّلَهُ} المصدر فاعل {يَكُوْن} وهي من كان التامة وتفسر بوجد ونفي الوجود قد يراد به نفي الصحة فإن وجود ما ليس بصحيح كلا وجود، فالمعنى هنا ما يصح لي أصلاً تبديله {منْ تلْقَآء نَفْسي} أي من جهتي ومن عندي. وأصل تلقاء مصدر على تفعال التاء ولم يجيء مصدر بكسرها غيره وغير تبيان في المشهور. وقرىء شاذاً بالفتح وهو القياس في المصادر الدالة على التكرار كالتطواف والتجوال، وقد خرج هنا من ذلك إلى الظرفية المجازية، والجر بمن لا يخرج الظرف عن ظرفيته ولذا اختصت الظروف الغير المتصرفة كعند بدخولها عليها ومن الناس من وهم في ذلك. وقصر الجواب ببيان امتناع ما اقترحوه على اقتراحهم الثاني للإيذان بأن استحالة ما اقترحوه أولاً من الظهور بحيث لا حاجة إلى بيانها ولأن ما يدل على استحالة الثاني يدل على استحالة الأول بالطريق الأولى فهو بحسب المآل والحقيقة جواب عن الأمرين. {إِنْ أَتَّبِعُ} أي ما أتبع فيما آتى وأذر {إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} من غير تغيير له في شيء أصلاً على معنى قصر حاله عليه الصلاة والسلام على اتباع ما يوحى لا قصر اتباعه على ما يوحى إليه كما هو المتبادر من ظاهر العبارة فكأنه قيل: ما أفعل إلا اتباع ما يوحى إلي، والجملة مستأنفة بياناً لما يكون فإن من شأنه اتباع الوحي على ما هو عليه لا يستقل بشيء دونه أصلاً، وفي ذلك على ما قيل جواب لنقض مقدر وهو أنه كيف هذا وقد نسخ بعض الآيات ببعض، ورد لما عرضوا له بهذا السؤال من أن القرآن كلامه صلى الله عليه وسلم، وكذا تقييد التبديل في الجواب بقوله: {مِن تِلْقَآء نَفْسِي} لرد تعريضهم بأنه من عنده عليه الصلاة والسلام ولذلك أيضاً سماه عصياناً عظيماً مستتبعاً لعذاب عظيم بقوله عز وجل: {إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} وهو تعليل لمضمون ما قبله من امتناع التبديل واقتصار أمره صلى الله عليه وسلم على أتباع الوحي أي إني أخاف إن عصيته تعالى بتعاطي التبديل والإعراض عن الوحي عذاب يوم عظيم هو يوم القيامة ويوم اللقاء الذي لا يرجونه، وفيه إيماء بأنهم استوجبوا العذاب بهذا الاقتراح لأن اقتراح ما يوجبه يستوجبه أيضاً وإن لم يكن كفعله، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره عليه الصلاة والسلام لتهويل أمر العصيان وإظهار كمال نزاهته صلى الله عليه وسلم، وفي إيراد اليوم بالتنوين التفخيمي ووصفه بعظيم ما لا يخفى ما فيه من العذاب وتفظيعه، وجوز العلامة الطيبي كون الجواب المذكور جواباً عن الاقتراحين من غير حاجة إلى شيء وذلك بحمل التبديل فيه على ما يعم تبديل ذات بذات أخرى كبدلت الدنانير دراهم وهو الذي أشاروا إليه بقولهم: {ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَا} وتبديل صفة بصفة أخرى كبدلت الخاتم حلقة وهو الذي أشاروا إليه بقولهم: {أَوْ بَدّلْهُ}. وأورد عليه بأن تقييد التبديل بقوله سبحانه: {مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ} يمنع حمله على الأعم لأنه يشعر بأن ذلك مقدور له صلى الله عليه وسلم ولكن لا يفعله بغير إذنه تعالى والتبديل الذي أشاروا إليه أولاً غير مقدور له عليه الصلاة والسلام حتى أن المقترحين يعلمون استحالة ذلك لكن اقترحوه / لما مر وقالوا: لو شئنا لقلنا مثل هذا مكابرة وعناداً، ثم إن الظاهر أنهم اقترحوا التبديل والإتيان بطريق الافتراء قيل: لا مساغ للقول بأنهم اقترحوا ذلك من جهة الوحي فكأنهم قالوا: ائت بقرآن غير هذا أو بدله من جهة الوحي كما أتيت بالقرآن من جهته ويكون معنى قوله: {مَا يَكُونُ لِي} الخ ما يتسهل لي ولا يمكنني أن أبدله لما في «الكشاف» من أن قوله: {إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} يرد ذلك، ووجه بأنهم لم يطلبوا ما هو عصيان على هذا التقدير حتى يقول في جوابهم ما ذكر، ونظر فيه بأن الطلب من غير اذن عصيان فإن لم يحمل ما يتسهل لي على أن ذلك لكونه غير مأذون كان الجواب غير مطابق لسؤالهم لأن السؤال عن تبديل من الله تعالى وهو عليه الصلاة والسلام قال: لا يمكنني التبديل من تلقاء نفسي في الجواب وإن حمل عليه فالعصيان أيضاً منزل عليه، وأجيب بأن صاحب «الكشاف» حمل {مَّا يَكُونُ} على أنه لا يمكن ولا يتسهل والعصيان يقع على الممكن المقدور لا أنهم طلبوا ما هو عصيان أو ليس والمطابقة حاصلة بل أشدها لأن الحاصل إما التبديل من تلقاء نفسي فغير ممكن وأما من قبل الوحي فأنا تابع غير متبوع. نعم لا ينكر أنه يمكن أن يأتي وجه آخر بأن يحمل على أنه لا يحل لي ذلك دون إذن وصاحب «الكشاف» لم ينفه. وذكر بعض المحققين أنه لا مساغ لحمل مقترحهم على ما هو من جهة الوحي لمكان التعليل بإني أخاف الخ إذ المقصود بما ذكر فيه معصية الافتراء كما يرشد إلى ذلك صريح ما بعده من الآيتين الكريمتين وحينئذ لا يتحقق فيه تلك المعصية، ومعصية استدعاء تبديل ما اقتضته الحكمة التشريعية لا سيما بموجب اقتراح الكفرة ليست مقصودة فلا ينفع تحققها، وهو كلام وجيه يعلم منه ما في الكلام السابق من النظر. بقي أنه يفهم من بعض الآثار أنهم طلبوا الإتيان من جهة الوحي فعن مقاتل أن الآية نزلت في خمسة نفر عبد الله بن أمية المخزومي والوليد بن المغيرة ومكرز بن حفص وعمرو بن عبد الله بن أبـي قيس العامري والعاص بن عامر بن هشام قالوا للنبـي صلى الله عليه وسلم: إن كنت تريد أن نؤمن من لك فائت بقرآن ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى ومنات وليس فيه عيبها وإن لم ينزل الله تعالى عليك فقل أنت من نفسك أو بدله فاجعل مكان آية عذاب رحمة ومكان حرام حلالاً ومكان حلالا حراماً، وربما يقال: إن هذا على تقدير صحته لا يأبـى أن يكون ما في الآية ما أشار إليه تالي الشرطية الثانية من كلامهم فتدبر.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة: {أية : ولو يعجل الله للناس الشر}تفسير : [يونس: 11] الخ لأن ذلك ناشىء عن قولهم: {أية : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم}تفسير : [الأنفال: 32] كما تقدم فذلك أسلوب من أساليب التكذيب. ثم حُكي في هذه الآية أسلوب آخر من أساليب تكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون القرآن موحى إليه من الله تعالى فهم يتوهمون أن القرآن وضَعه النبي صلى الله عليه وسلم من تلقاء نفسه، ولذلك جعلوا من تكذيبهم أن يقولوا له {ائت بقرآنٍ غير هذا أو بَدّله} إطماعاً له بأن يؤمنوا به مغايراً أو مبدَّلاً إذا وافق هواهم. ومعنى {غير هذا} مخالفهُ. والمراد المخالفة للقرآن كله بالإعراض عنه وابتداء كتاب آخر بأساليب أخرى، كمثل كتب قصص الفرس وملاحمهم إذ لا يحتمل كلامهم غير ذلك، إذ ليس مرادهم أن يأتي بسُورَ أخرى غير التي نزلتْ من قبل لأن ذلك حاصل، ولا غَرض لهم فيه إذا كان معناها من نوع ما سبقها. ووصف الآيات بـ{بينات} لزيادة التعجيب من طلبهم تبديلها لا بطلب تبديله إذ لا طمع في خير منه. والتبديل: التغيير. وقد يكون في الذوات، كما تقول: بدلت الدنانير دراهم. ويكون في الأوصاف، كما تقول: بدلت الحلقة خاتماً. فلما ذكر الإتيان بغيره من قبل تعيَّن أن المراد بالتبديل المعنى الآخر وهو تبديل الوصف، فكان المراد بالغير في قولهم: {غير هذا} كلاماً غير الذي جاء به من قبل لا يكون فيه ما يكرهونه ويغيظهم. والمراد بالتبديل أن يعمد إلى القرآن الموجود فيغير الآيات المشتملة على عبارات ذم الشرك بمدحه، وعبارات ذم أصنامهم بالثناء عليها، وعبارات البعث والنشر بضدها، وعبارات الوعيد لهم بعبارات بشارة. وسموا ما طلبوا الإتيان به قُرآناً لأنهُ عوض عن المسمى بالقرآن، فإن القرآن علَم على الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أي ائت بغير هذا مما تُسميه قرآناً. والضمير في {بدله} عائد إلى اسم الإشارة، أي أو بدل هذا. وأجمل المراد بالتبديل في الآية لأنه معلوم عند السامعين. ثم إن قولهم يحتمل أن يكون جداً، ويحتمل أن يريدوا به الاستهزاء، وعلى الاحتمالين فقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يجيبهم بما يقلع شبهتهم من نفوسهم إن كانوا جادين، أو من نفوس من يسمعونهم من دهمائهم فيحسبوا كلامهم جِداً فيترقبوا تبديل القرآن. وضمير الغيبة في قوله: {وإذا تتلى عليهم} راجع إلى الناس المراد منهم المشركون أو راجع إلى {الذين لا يرجون لقاءنا} في قوله: {أية : إن الذين لا يرجون لقاءنا}تفسير : [يونس: 7]. وتقديم الظرف في قوله: {إذا تتلى} على عامله وهو {قَال الذين لا يرجون لقاءنا} للاهتمام بذكر ذلك الوقت الذي تتلى فيه الآيات عليهم فيقولون فيه هذا القول تعجيباً من كلامهم ووهن أحلامهم. ولكون العامل في الظرف فعلاً ماضياً عُلم أن قولهم هذا واقع في الزمن الماضي، فكانت إضافة الظرف المتعلق به إلى جملة فعلها مضارع وهو {تتلى} دالة على أن ذلك المضارع لم يرد به الحال أو الاستقبال إذ لا يتصور أن يكون الماضي واقعاً في الحال أو الاستقبال فتعين أن اجْتلاب الفعل المضارع لمجرد الدلالة على التكرر والتجدد، أي ذلك قولهم كُلما تتلى عليهم الآيات. وما صْدق {الذين لا يرجون لقاءنا} هو ما صدق الضمير في قوله: (عليهم)، فكان المقام للإضمار، فما كان الإظهار بالموصولية إلا لأن الذين لا يرجون لقاء الله اشتهر به المشركون فصارت هذه الصلة كالعلَم عليهم. كما أشرنا إليه عند قوله آنفاً {أية : إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضُوا بالحياة الدنيا}تفسير : [يونس: 7]، وليس بين الصلة وبين الخبر هنا علاقةُ تعليل فلا يكون الموصول للإيماء إلى وجه بناء الخبر. ولما كان لاقتراحهم معنى صريح، وهو الإتيان بقرآن آخر أو تبديل آيات القرآن الموجودِ، ومعنى التزامي كنائي، وهو أنه غير منزل من عند الله وأن الذي جاء به غير مرسل من الله، كان الجواب عن قولهم جوابين، أحدهما: ما لقنه الله بقوله: {قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} وهو جواب عن صريح اقتراحهم، وثانيهما: ما لَقنه بقوله: {أية : قُل لو شاء الله ما تلوته عليكم}تفسير : [يونس: 16] وهو جواب عن لازم كلامهم. وعن مجاهد تسمية أناس ممن قال هذه المقالة وهم خمسة: عبد الله بن أمية، والوليدُ بن المغيرة، ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس، والعاص بن عامر، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ائت بقرآن ليس فيه ترك عبادة الأصنام واللاتِ والعزى ومناةَ وهُبل، وليس فيه عَيبها. وقد جاء الجواب عن اقتراحهم كلاماً جامعاً قضاء لحق الإيجاز البديع، وتعويلاً على أن السؤال يبين المراد من الجواب، فأحسوا بامتناع تبديل القرآن من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا جواب كاف، لأن التبديل يشمل الإتيان بغيره وتبديل بعض تراكيبه. على أنه إذا كان التبديل الذي هو تغيير كلمات منه وأغراض ممتنعاً كان إبطال جميعه والإتيان بغيره أجدر بالامتناع. وقد جاء الجواب بأبلغ صيغ النفي وهو {ما يكون لي أن أبدله} أي ما يكون التبديل مِلكاً بيدي. و{تِلقاء} صيغة مصدر على وزن التفعال. وقياس وزن التفعال الشائع هو فتح التاء وقد شذ عن ذلك تلقاء، وتبيان، وتمثال، بمعنى اللقاء والبيان والمُثول فجاءت بكسر التاء لا رابع لها، ثم أطلق التلقاء على جهة التلاقي ثم أطلق على الجهة والمكان مطلقاً كقوله تعالى: {أية : ولما توجه تلقاء مدين}تفسير : [القصص: 22]. فمعنى {من تلقاء نفسي} من جهة نفسي. وهذا المجرور في موضع الحال المؤكدة لجملة: {ما يكون لي أن أبدله} وهي المسماة مؤكدة لغيرها إذ التبديل لا يكون إلا من فعل المبدل فليست تلك الحال للتقييد إذ لا يجوز فرض أن يبدَّل من تلقاء الله تعالى التبديلَ الذي يرومونه، فالمعنى أنه مبلغ لا متصرف. وجملة: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} تعليل لجملة: {ما يكون لي أن أبدله} أي ما أتبع إلا الوحي وليس لي تصرف بتغيير. و{ما} مصدرية. واتباع الوحي: تبليغ الحاصل به، وهو الموصى به. والاتباع مجاز في عدم التصرف، بجامع مشابهة ذلك للاتباع الذي هو عدم تجاوز الاقتفاء في المشي. واقتضت (إنْ) النافية وأداةُ الاستثناء قصرَ تعلق الاتباع على ما أوحى الله وهو قصر إضافي، أي لا أبلغ إلا ما أوحي إلي دون أن يكون المتَّبَع شيئاً مخترعاً حتى أتصرف فيه بالتغيير والتبديل، وقرينة كونه إضافياً وقوعه جواباً لرد اقتراحهم. فمن رام أن يحتج بهذا القصر على عدم جواز الاجتهاد للنبيء صلى الله عليه وسلم فقد خرج بالكلام عن مهيعه. وجملة: {إني أخاف إن عصيت ربي} الخ في موضع التعليل لجملة: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} ولذلك فصلت عنها. واقترنت بحرف (إن) للاهتمام، و(إنَّ) تؤذن بالتعليل. وقوله: {إن عصيت ربي}، أي عصيته بالإتيان بقرآن آخر وتبديله من تلقاء نفسي. ودل سياق الكلام على أن الإتيان بقرآن آخر غير هذا بمعنى إبطال هذا القرآن وتعويضه بغيره، وأن تبديله بمعنى تغيير معاني وحقائق ما اشتمل عليه ممتنع. ولذلك لم يلقن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول هنا: إلا ما شاء الله، أو نحو ذلك.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ} الآية. أمر الله تعالى: في هذه الآية الكريمة نبيه صلى الله عليه وسلم. أن يقول: إنه ما يكون له أن يبدل شيئاً من القرآن من تلقاء نفسه، ويفهم من قوله من تلقاء نفسي، أن الله تعالى يبدل منه ما شاء بما شاء. وصرح بهذا المفهوم في مواضع أخر كقوله: {أية : وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّل} تفسير : [النحل: 101] الآية: وقوله: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} تفسير : [البقرة: 106] الآية: وقوله {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ} تفسير : [الأعلى: 6-7]
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: لا يرجون لقاءنا: أي لا يؤمنون بالبعث والدار الآخرة. من تلقاء نفسي: أي من جهة نفسي. ولا أدراكم به: أي لا أعلمكم به. عمراً من قبله: أي أربعين سنة قبل أن يوحى إليّ. المجرمون: المفسدون لأنفسهم بالشرك والمعاصي. ما لا يضرهم: أي إن لم يعبدوه. وما لا ينفعهم: أي إن عبدوه. أتنبئون: أتعلِّمون وتخبرون الله. سبحانه: أي تنزيها له. عما يشركون: أي به معه من الأصنام. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير قضايا أصول الدين الثلاث: التوحيد والوحي والبعث فقوله تعالى {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} أي إذا قرئت عليهم آيات الله عز وجل {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} وهم المنكرون للبعث إذ به يتم اللقاء مع الله تعالى للحساب والجزاء. {ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ} أي بأن يكون خالياً من عيب آلهتنا وانتقاصها. أوأبقه ولكن بدل كلماته بما لا يسوءنا فاجعل مكان آية فيها ما يسوءنا آية أخرى لا إساءة فيها لنا وقولهم هذا إما أن يكون من باب التحدي أو الاستهزاء والسخرية ولكن الله تعالى علَّم رسوله طريقة الرد عليهم بناء على ظاهر قولهم فقال له {قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ} أي إنه لا يتأتَّى لي بحال أن أبدله من جهة نفسي لأني عبدالله ورسوله ما اتبع إلا ما يوحى إلي {إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} بتبديل كلامه {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي عذاب يوم القيامة وقوله {قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ} أي قل لهم رداً على طلبهم: لو شاء الله أن لا أتلوه عليكم ما تلوته عليكم، ولا أدراكم هو به أي ولا أعلَمكم فالأمر أمره وأنا لا أعصيه ويدل لكم على صحة ما أقول: إني لبثت فيكم عمراً أي أربعين سنة قبل أن آتيكم به {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}: معنى ما أقول لكم من الكلام وما أذكر لكم من الحجج؟. هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى والثانية [15 - 16] أما الآية الثالثة فقد تضمنت التنديد بالمجرمين الذين يكْذِبون على الله تعالى بنسبة الشريك إليه ويكذِّبون بآياته ويجحدونها فقال تعالى {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} أي لا أحد أظلم منه {أَوْ كَذَّبَ بِآيَـٰتِهِ} بعدما جاءته أي لا أحد أظلم من الأثنين، وقوله تعالى {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ} دل أولاً على أن المذكورين مجرمون وأنهم لا يفلحون شأنهم شأن كل المجرمين. وإذا لم يفلحوا فقد خابوا وخسروا. وقول تعالى في الآية الرابعة {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} أي من الأصنام {وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ} وهم في ذلك كاذبون مفترون فلذا أمر الله أن يرد عليهم بقوله {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} إذ لو كان هناك من يشفع عنده لعلِمَهُم وأخبر عنهم فلم الكذب على الله والافتراء عليه ثم نزه الله تعالى نفسه عن الشرك به والشركاء له فقال {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- من الدعوة إلى الله تعالى تلاوة آياته القرآنية على الناس تذكيراً وتعليماً. 2- بيان ما كان عليه المشركون من تعنت وجحود ومكابرة. 3- كون النبي صلى الله عليه وسلم عاش أربعين سنة لم يعرف فيها علماً ولا معرفة ثم برز في شيء من العلوم والمعارف فتفوق وفاق كل أحد دليل على أنه نبي يوحى إليه قطعاً. 4- لا أحد أظلم من أحد رجلين رجل يكْذب على الله تعالى وآخر يكذِّب الله تعالى. 5- إبطال دعوى المشركين أن آلهتهم تشفع لهم عند الله يوم القيامة. 6- بيان سبب عبادة المشركين لآلهتهم وهو رجاؤهم شفاعتها لهم.
القطان
تفسير : من تلقاء نفسي: من عند نفسي. لبثت فيكم عمراً: مدة من الحياة. {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ}. واذا تتلى على هؤلاء المشركين آياتُنا الواضحة، قال لك يا محمد الكافرون الذين لا يتوقّعون لقاءَنا ولا يخافون عذابَ الله: أحضِر لنا كتاباً غير القرآن، او بدِّلْ ما فيه مما لا يُعجبنا ولا يخالفُ دينَنا ومعتقداتِنا الوثنية. {قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}. قل لهم ايها الرسول: لا يمكنني أن أُغير او ابدل من عندي ولا يجوز لي ذلك، وما أنا الا متَّبعٌ ومبلّغٌ ما يوحي إلي من ربي، إن أخاف إن خالفتُ ربي عذابَ يومٍ عظيمَ الشأن هو يوم القيامة. {قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ}. قل لهم، ايها الرسول: لو شاءَ اللهُ ان لا يُنزل عليَّ قرآناً من عنده، وان لا أبلّغكم به - ما أنزله، وما تلوته عليكم، ولا أعلمكم اللهُ به.. لكنه نَزَل، وأرسلني به، وتلوتُه عليكم كما أمرني. {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. وقد مكثتُ بينكم زمناً طويلا قبل البعث لم ادَّعِ فيه الرسالة، ولم أتلُ عليكم شيئا، وانتم تشهدون لي بالصدق والامانة. أفلا تعقِلون أن مَن عاش بينكم أربعين سنةً لم يقرأ كتابا ولم يلقَّن من أحدٍ علما، ولم يمارس اساليب البيان من شعرٍ ونثر - لا يمكنه ان يأتَي بمثلِ هذا القرآن المعجِز، فاعقِلوا الأمور وأدركوها. قراءات: قرأ ابن كثير: "ولأدراكم به" والباقون: "ولا أدراكم به". {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ}. ان شر أنواعِ الظلم الإجرام افتراءُ الكذب على الله، والتكذيبُ بآيات الله التي جاء بها رسوله. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ }. لن يفوز الذين اجترموا الكفر وافتروا على الله الكذب عندما يلاقون ربهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتُنَا} {بَيِّنَاتٍ} {بِقُرْآنٍ} {تِلْقَآءِ} (15) - كَانَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ إِذَا قَرَأَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم القُرْآنَ عَلَيْهِمْ قَالُوا لَهُ: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ، وَضَعْ قُرْآناً غَيْرَهُ لَيْسَ فِيهِ مَا لا نُؤْمِنُ بِهِ مِنَ البَعْثِ، وَالجَزَاءِ عَلَى الأَعْمَالِ، وَلاَ مَا نَكْرَهُهُ مِنْ ذَمٍّ لآلِهَتِنَا. وَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ آمِراً نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ: إِنَّنِي عَبْدٌ مَأْمُورٌ، وَرَسُولٌ أُبَلِّغُ مَا يَأْمُرُنِي بِهِ رَبِّي، وَأتَّبِعُ أَوَامِرَهُ، وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِي، وَلاَ مِمَّا تُجِيزُهُ لِي رِسَالَتِي، أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي، وَإِنِّي أَخَافُ، إِنْ أَنَا عَصَيْتُ أَمْرَهُ، عَذَابَ يَوْمٍ شَدِيدِ الخَطَرِ وَالهَوْلِ.
الثعلبي
تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} قتادة: يعني مشركي مكة، مقاتل: هم خمسة نفر: عبد الله بن أُمية المخزومي والوليد بن المغيرة ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري، والعاص بن عامر بن هاشم. قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم {ٱئْتِ بِقُرْآنٍ} ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى ومناة وهبل وليس فيه عنهما أي {بَدِّلْهُ} تكلم به من تلقاء نفسك. وقال الكلبي: نزلت في المستهزئين، قالوا: يا محمد ائت بقرآن غيره [ليس فيه ما يغيظنا، أو بدّله] فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة أو آية رحمة آية عذاب أو حرام حلالا أو حلال حراماً {قُلْ} لهم يا محمد {مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِي} من قبل نفسي ومن عندي {ۤ إِنْ أَتَّبِعُ} ما أطيع فيما آمركم وأنهاكم {إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ} أعلمكم {بِهِ} وقرأ الحسن: ولا أدراتكم به، وهي لغة بني عقيل يحولون الياء ألفاً فيقولون: أعطأت بمعنى أعطيت، ولبأت بمعنى لبّيت وجاراة وناصاة للجارية والناصية. فأنشد المفضل: شعر : لقد أذنت أهل اليمامة طيّ بحرب كناصاة الأغر المشهر تفسير : وقال زيد الخيل: شعر : لعمرك ما أخشى التصعلك ما بقا على الأرض قيسيّ يسوق الأباعرا تفسير : أي ما بقي، وقال آخر: شعر : زجرت فقلنا لا نريع لزاجر إن الغويّ إذا نَها لم يعتب تفسير : أي نهى. وروى البري عن ابن كثير ولادراكم بالقصر على الإيجاب يريد: ولا عملكم به من غير قراءتي عليكم. وقرأ ابن عباس: ولا أدراتكم من الإنذار، وهي قراءة الحسن {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً} حيناً وهو أربعون سنة {مِّن قَبْلِهِ} من قبل نزول القرآن ولم آتكم بشيء {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} انه ليس من قبلي. قال ابن عباس: نبّيء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعون سنة وأقام بمكة ثلاثة عشرة وبالمدينة عشرة وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} فزعم أنه له شريكاً أو صاحبة أو ولداً {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} محمد والقرآن {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ} لا يأمن ولا ينجو المشركون {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ} إن عصوه {وَلاَ يَنفَعُهُمْ} أن أطاعوه يعني الأصنام {وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ} تخبرون {ٱللَّهَ} قرأه العامة: بالتشديد، وقرأ أبو الشمال العدوي: أتُنبئون بالتخفيف وهما لغتان. نبأ ينبئ بنية، وأنبأني إنباءً بمعنى فاعل جمعها. قوله تعالى: {أية : قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ}تفسير : [التحريم: 3] {بِمَا لاَ يَعْلَمُ} بما لا يعلم الله تعالى صحته وحقيقته ولا يكون {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} ومعنى الآية: أتخبرون الله أنّ له شريكاً أو عنده شفيعاً بغير إذنه ولا يعلم الله أنّ له شريكاً في السماوات {وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} لأنه لا شريك له فلذلك لا يعلمه نظيره قوله عزّ وجلّ: {أية : أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الرعد: 33]. ثم نزّه نفسه فقال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} قرأ يحيى بن ثابت والأعمش وأبو حمزة والكسائي وخلف: تشركون بالتاء هاهنا وفي سورة النحل والروم، وهو اختيار أبي عبيد للمخاطبة التي قبلها، وقرأ الباقون كلها بالياء، واختارها أبو حاتم، وقال: كذلك تعلمناها. {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} على ملة واحدة الإسلام دين آدم (عليه السلام) إلى أن قتل أحد ابني آدم أخاه فاختلفوا. قاله مجاهد والسدي. قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا على عهد نوح فبعث الله إليهم نوحاً، وقيل: كانوا أمة واحدة مجتمعة على التوحيد يوم الميثاق. وقيل: أهل سفينة نوح، وقال أبو روق: كانوا أمة واحدة على ملّة الإسلام زمن نوح (عليه السلام) بعد الغرق، وقال عطاء: كانوا على دين واحد الإسلام من لدن إبراهيم (عليه السلام) إلى أن غيّره عمرو بن يحيى، عطاء: يدلّ على صحة هذه التأويلات قراءة عبد الله: {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَٱخْتَلَفُوا}، وقال الكلبي: وما كان الناس إلاّ أمة واحدة كافرة على عهد إبراهيم فاختلفوا فتفرقوا، مؤمن وكافر. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} بأن جعل للدنيا مدة لكل أمة أجلا لا تتعدى ذلك، قال أبو روق وقال الكلبي: هي أن الله أخّر هذه الأمة ولا يهلكهم بالعذاب في الدنيا، وقيل: هي أنه لا يأخذ إلاّ بعد إقامة الحجة. وقال الحسن، ولولا كلمة سبقت من ربك مضت في حكمه أنه لا يقضي فيهم فيما اختلفوا فيه بالثواب والعقاب دون القيامة. {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} في الدنيا فأدخل المؤمنين الجنة بأعمالهم والكافرين في النار بكفرهم ولكنه سبق من الله الأجل فجعل موعدهم يوم القيامة. وقال أبو روق: لقضي بينهم، لأقام عليهم الساعة، وقيل: الفزع من هلاكهم، وقال عيسى ابن عمر: لقضى بينهم بالفتح لقوله: {مِن رَّبِّكَ} {فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من الذين {وَيَقُولُونَ} يعني أهل مكة {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ} أي على محمد {مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ} لهم يا محمد ما سألتموني الغيب {إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ} ما يعلم أحدكم بفعل ذلك إلاّ هو، وقيل: الغيب، نزول الآية متى تنزل نزل {فَٱنْتَظِرُوۤاْ} نزول الآية {إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ} لنزولها، وقيل: فانتظروا قضاء الله بيننا بإظهار الحق على الباطل. وقال الحسن: فانتظروا مواعيد الشيطان وكانوا مع إبليس على موعد فيما يعدهم ويمنيهم أني معكم من المنتظرين. فأنجز الله وعده ونصر عبده.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نحن نعرف أن الآيات ثلاثة أنواع: آيات كونية، وهي العجائب التي في الكون ويسميها الله سبحانه آيات، فالآية هي عجيبة من العجائب، سواء في الذكاء أو الجمال أو الخُلُق، وقد سَمَّى الحق سبحانه الظواهر الكونية آيات؛ فقال تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ..} تفسير : [فصلت: 37]. وقال سبحانه: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً..} تفسير : [الروم: 21]. وهذه من الآيات الكونية. وهناك آيات هي الدليل على صدق الرسل ـ عليهم السلام ـ في البلاغ عن الله، وهي المعجزات؛ لأنها خالفت ناموس الكون المألوف للناس. فكل شيء له طبيعة، فإذا خرج عن طبيعته؛ فهذا يستدعي الانتباه. مثلما يحكي القرآن عن سيدنا إبراهيم ـ عليه السلام ـ أن أعداءه أخذوه ورموه في النار فنجّاه الحق سبحانه من النار؛ فخرج منها سالماً، ولم يكن المقصود من ذلك أن ينجو إبراهيم من النار، فلو كان المقصود أن ينجو إبراهيم عليه السلام من النار؛ لحدثت أمور أخرى، كألا يمكِّنهم الحق ـ عزَّ وجلّ ـ من أن يمسكوه، لكنهم أمسكوا به وأشعلوا النار ورموه فيها، ولو شاء الله تعالى أن يطفئها لفعل ذلك بقليل من المطر، لكن ذلك لم يحدث؛ فقد تركهم الله في غيّهم، ولأنه واهب النار للإحراق قال سبحانه وتعالى لها: {أية : يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الأنبياء: 69]. وهكذا تتجلّى أمامهم خيبتهم. إذن: الآيات تُطلَق على الآيات الكونية، وتطلق على الآيات المعجزات، وتطلق أيضا على آيات القرآن ما دامت الآيات القرآنية من الله والمعجزات من الله، وخلق الكون من الله، فهل هناك آية تصادم آية؟ لا؛ لأن الذي خلق الكون وأرسل الرسل بالمعجزات وأنزل القرآن هو إله واحد، ولو كان الأمر غير ذلك لحدث التصادم بين الآيات، والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} تفسير : [النساء: 82]. وقوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ..} [يونس: 15] أي: آيات واضحة. ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} وعرفنا أن الرجاء طلب أمر محبوب ومن الممكن أن يكون واقعاً، مثلما يرجو إنسان أن يدخل ابنه كلية الطب أو كلية الهندسة. ومقابل الرجاء شيء آخر محبوب، لكن الإنسان يعلم استحالته، وهو التمنِّي، فالمحبوبات ـ إذن ـ قسمان: أمور مُتمنَّاه وهي في الأمور المستحيلة، لكن الإنسان يعلن أنه يحبها، والقسم الثاني أمور نحبها، ومن الممكن أن تقع، وتسمى رجاء. {ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} هم مَن لا يؤمنون، لا بإلهٍ، ولا ببعثٍ؛ فقد قالوا: {أية : مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} تفسير : [الجاثية: 24]. وقالوا: {أية : أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ..} تفسير : [المؤمنون: 82]. وإذا كان الإنسان لا يؤمن بالبعث؛ فهو لا يؤمن بلقاء الله سبحانه؛ لأن الذي يؤمن بالبعث يؤمن بلقاء الله، ويُعدّ نفسه لهذا اللقاء بالعبادة والعمل الصالح، ولكن الكافرين الذين لا يؤمنون بالبعث سيُفاجَأون بالإله الذي أنكروه، وسوف تكون المفاجأة صعبة عليهم؛ ولذلك قال الحق سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً..} تفسير : [النور: 39]. السراب: هو أن يمشي الإنسان في خلاء الصحراء، ويخيل إليه أن هناك ماءً أمامه، وكلّما مشى ظن أن الماء أمامه، وما إن يصل إلى المكان يجد أن الماء قد تباعد. وهذه العملية لها علاقة بقضية انعكاس الضوء، فالضوء ينعكس؛ ليصور الماء وهو ليس بماء: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ..} تفسير : [النور: 39]. إنه يُفاجَأ بوجود الله سبحانه الذي لم يكن في باله، فهو واحد من الذين لا يرجون لقاء الله، وهو ممن جاء فيهم القول: {أية : وَقَالُوۤاْ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} تفسير : [السجدة: 10]. رغم أن الكون الذي نراه يُحتِّم قضية البعث؛ لأننا نرى أن لكل شيء دورة، فالوردة الجميلة الممتلئة بالنضارة تذبل بعد أن تفقد مائيَّتها، ويضيع منها اللون، ثم تصير تراباً. وأنت حين تشم الوردة فهذا يعني أن ما فيها من عطر إنما يتبخر مع المياه التي تخرج منها بخاراً، ثم تذبل وتتحلل بعد ذلك. إذن: فللوردة دورة حياة. وأنت إن نظرت إلى أي عنصر من عناصر الحياة مثل المياه سوف تجد أن الكمية الموجودة من الماء ساعة خلق الله السماوات والأرض هي بعينها؛ لم تَزِدْ ولم تنقص. وقد شرحنا ذلك من قبل. وكل شيء تنتفع به له دورة، والدورة تُسلم لدورة أخرى، وأنت مستفيد بين هذه الدورات؛ هدماً وبناءً. والذين لا يرجون لقاء الله، ولا يؤمنون بالبعث، ولا بثواب أو عقاب، لا يلتفتون إلى الكون الذي يعيشون فيه؛ لأن النظر في الكون وتأمُّل أحواله يُوجِب عليهم أن يؤمنوا بأنها دورة من الممكن أن تعود. وسبحانه القائل: {أية : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ..} تفسير : [الأنبياء: 104]. وهؤلاء الذين لا يرجون لقاء الله يأتي القرآن بما جاء على ألسنتهم: {ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ..} [يونس: 15]. هم هنا يطلبون طلبين: {ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ}، {أَوْ بَدِّلْهُ}. أي: يطلبون غير القرآن. ولنلحظ أن المتكلم هو الله سبحانه؛ لذلك فلا تفهم أن القولين متساويان. {ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ} هما طلبان: الطلب الأول: أنهم يطلبون قرآناً غير الذي نزل. والطلب الثاني: أنهم يريدون تبديل آية مكان آية، وهم قد طلبوا حذف الآيات التي تهزأ بالأصنام، وكذلك الآيات التي تتوعدهم بسوء المصير. ويأتي جواب من الله سبحانه على شق واحد مما طلبوه وهو المطلب الثاني، ويقول سبحانه: {قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ} ولم يرد الحق سبحانه على قولهم: {ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ}. وكان مقياس الجواب أن يقول: "ما يكون لي أن آتي بقرآن غير هذا أو أبدله"؛ لكنه اكتفى بالرد على المطلب الثاني {أَوْ بَدِّلْهُ}؛ لأن الإتيان بقرآن يتطلب تغييراً للكل. ولكن التبديل هو الأمر السهل. وقد نفى الأسهل؛ ليسلِّموا أن طلب الأصعب منفي بطبيعته. وأمر الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ} أي: أن أمر التبديل وارد، لكنه ليس من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. بل بأمر من الله سبحانه وتعالى، إنما أمر الإتيان بقرآن غير هذا ليس وارداً. إذن: فالتبديل وارد شرط ألا يكون من الرسول صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال الحق سبحانه: {أية : وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ..} تفسير : [النحل: 101]. وهو ما تذكره هذه الآية: { قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ} و {تِلْقَآءِ} من "لقاء"؛ فتقول: "لقيت فلاناً"، ويأتي المصدر من جنس الفعل أو حروفه، ويسمون "التلقاء" هنا: الجهة. والحق سبحانه يقول في آية أخرى: {أية : وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ..} تفسير : [القصص: 22]. و{تِلْقَآءَ مَدْيَنَ} أي: جهة مدين. و"التلقاء" قد تأتي بمعنى اللقاء؛ لأنك حين تقول: "لقيته" أي: أنا وفلان التقينا في مكان واحد، وحين نتوجّه إلى مكان معيّن فنحن نُوجَد فيه. ويظن بعض الناس أن كل لفظ يأتي لمعنيين يحمل تناقضاً، ونقول: لا، ليس هناك تناقض، بل انفكاك جهة، مثلما قال الحق سبحانه: {أية : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} تفسير : [البقرة: 144]. والشطر معناه: الجهة؛ ومعناه أيضاً: النصف، فيقال: "أخذ فلان شطر ماله"، أي: نصفه، و"اتجهت شطر كذا"، أي: إلى جهة كذا. وهذه معان غير متناقضة؛ فالإنسان منا ساعة يقف في أي مكان؛ يصبح هذا المكان مركزاً لمرائيه، وما حوله كله محيطاً ينتهي بالأفق. ويختلف محيط كل إنسان حسب قوة بصره، ومحيط الرؤية ينتهي حين يُخيَّل لك أن السماء انطبقت على الأرض، هذا هو الأفق الذي يخصُّك، فإن كان بصرُك قويّاً فأفقك يتَّسع، وإن كان البصر ضعيفاً يضيق الأفق. ويقال: "فلان ضَيِّق الأفق" أي: أن رؤيته محدودة، وكل إنسان منا إذا وقف في مكان يصير مركزاً لما يحيطه من مَرَاء؛ ولذلك يوجد أكثر من مركز، فالمقابل لك نصف الكون المرئي، وخلفك نصف الكون المرئي الآخر، فإذا قيل: إن "الشطر" هو "النصف"، فالشطر أيضاً هو "الجهة". وهنا يقول الحق سبحانه: {قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ}. أي: أنه صلى الله عليه وسلم لا يأتي بالقرآن من عند نفسه صلى الله عليه وسلم، بل يُوحَى إليه. ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ..} [يونس: 15]. أي: أنه صلى الله عليه وسلم لو جاء بشيء من عنده، ففي هذا معصية لله تعالى، ونعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُعرف عنه أنه كان شاعراً، ولا كان كاتباً، ولا كان خطيباً. وبعد أن نزل الوحي عليه من الله جاء القرآن في منتهى البلاغة. وقد نزل الوحي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الأربعين من عمره ولا توجد عبقرية يتأجَّل ظهورها إلى هذه المرحلة من العمر، ولا يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أجَّل عبقريته إلى هذه السِّن؛ لأنه لم يكن يضمن أن يمتد به العمر. ويأتي لنا الحق سبحانه بالدليل القاطع على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتَّبِع إلا ما يُوحَى إليه فيقول: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15]. ويأتي الأمر بالرَّدِّ من الحق سبحانه على الكافرين: {قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ...}.
الأندلسي
تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} الآية، قال ابن عباس وابن الكلبي: نزلت في المستهزئين بالقرآن من أهل مكة، قالوا: يا محمد أئت بقرآن غير هذا فيه ما نسألك والتبديل يكون في الذات بأن تجعل ذات بدل ذات أخرى، ويكون في الصفة وهو أن يزال بعض نظمه بأن يجعل مكان آية العذاب أية الرحمة ولما كان الإِتيان بقرآن غير هذا غير مقدور للإِنسان لم يحتج إلى نفيه ونفي ما هو مقدور للإِنسان وإن كان مستحيلاً ذلك في حقه صلى الله عليه وسلم فقيل له: قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي. {قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ} الآية، هذه مبالغة في التبرئة مما لو طلبوا منه، أي أن تلاوته عليهم هذا القرآن إنما هو لمشيئة الله تعالى وإحداثه أمر عجيباً خارجاً عن العادات وهو أن يخرج رجل أمّي لم يتعلم ولم يسمع ولم يشاهد العلماء ساعة من عمره ولا نشأ في بلدة فيها علماء فيقرأ عليكم كتاباً فصيحاً يبهر كلام كل فصيح ويعلو كل منثور ومنظور مشحوناً بعلوم من الأصول والفروع، واخبار ما كان وما يكون ناطقاً بالغيوب التي لا يعلمها إلا الله تعالى. وقد بلغ بين ظهرانيكم أربعين سنة تطّلعون على أحواله ولا يخفى عليكم شىء من أسراره، ولا سمعتم منه حرفاً من ذلك، ولا عرفه به أحد من أقرب الناس منه وألصقهم به. ومفعول شاء محذوف، أي قل لو شاء الله أن لا أتلوه. وجاء جواب لو على الفصيح من عدم إثبات اللام لكونه منفياً بما. ويقال: دريت به وأدريت زيداً به. والمعنى ولا أعلمكم به على لساني، ونبه على أن ذلك وحي من الله بإِقامته فيهم عمراً وهو أربعون سنة من قبل ظهور القرآن على لساني يافعاً وكهلاً، لم تجربوني في كذب ولا تعاطيت شيئاً من هذا ولا عانيت اشتغالاً فكيف أتهم باختلاقه. والظاهر عود الضمير في من قبله على القرآن. {فَمَنْ أَظْلَمُ} تقدم الكلام عليه. {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الضمير عائد على كفار قريش الذين تقدمت محاوراتهم. و{مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} هو الاصنام جماد لا تقدر على نفع ولا ضر. قيل: ان عبدوها لم تنفعهم وإن تركوها لم تضرهم، ومن حق المعبود أن يكون مثيباً على الطاعة معاقباً على المعصية، وكان أهل الطائف يعبدون اللات وأهل مكة يعبدون العزى ومناة واساف ونائلة وُهبَل. وفي قوله: من دون الله، دلالة على أنهم يعبدون الأصنام ولا يعبدون الله. قال ابن عباس: يعنون في الآخرة، أي النفع والضر. {أَتُنَبِّئُونَ} استفهام على سبيل التهكم بما ادعوه من المحال الذي هو شفاعة الأصنام واعلام بأن الذين أنبئوا به باطل غير منطو تحت الصحة فكأنهم يخبرونه بشىء لا يتعلق به علمه. {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} تقدم الكلام عليها في البقرة. و"الكلمة" هنا هو القضاء والتقدير لبني آدم بالآجال المؤقتة. {وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ} الآية هذه من اقتراحهم وكانوا لا يعتقدون بما أنزل عليه من الآيات العظام المتكاثرة التي لم ينزل على أحد من الأنبياء مثلها، وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر بديعة غريبة من الآيات، دقيقة المسلك من بين المعجزات. وجعلوا نزولها كلا نزول فكأنه لم ينزل عليه شىء قط، حتى قالوا: لولا أنزل عليه آية من ربه واحدة، وذلك لفرط عنادهم وتماديهم في التمرد وانهماكهم في الغيّ به. {فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ} أي هو سبحانه المختص بعلم الغيب المستأثر به لا علم لي ولا لأحد به، يعني أن الصارف عن إنزال الآيات المقترحة أمر مغيب لا يعلمه إلا هو. {فَٱنْتَظِرُوۤاْ} نزول ما اقترحتموه. {إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ} بما يفعل الله تعالى بكم لعنادكم وجحدكم الآيات وجحدكم من جاء بها.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن حال من خالف الخلافة وحال وافقها بقوله: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} [يونس: 15] إلى قوله: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18]، {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} أي: على ذوي النفس المتمردة، {آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} أي: القرآن المبين بحقائق الأشياء. {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} [يونس: 15] أي: أ رباب النفوس الذين ما فيهم الشوق إلى لقاء الحق؛ لأن تشوق النفس وشوقها وهواها إلى الدنيا وزخارفها، وإن شوق الحق والصدق في طلبه من نشأة القلب وقلوب أرباب النفوس ميتة ونفوسهم حية، فلمَّا كان في القرآن ما يوافق القلوب ويخالف النفوس ما قبلوه أرباب النفوس، وقالوا: يا محمد {ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ} [يونس: 15] أي: بقرآن يوافق طباعنا وفيه ما يهوى به أنفسنا، {أَوْ بَدِّلْهُ} [يونس: 15] أنت كما بدلوا من اليهود والنصارى والتوراة والإنجيل أحبارهم ورهبانهم بما كانوا موافقاً لهواهم فضلوا وأضلوا كثيراً، {قُلْ} [يونس: 15] يا محمد. {مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ} [يونس: 15] أي: ليس اتباع أرباب النفوس، ولا اتباع هوى نفسي إلا اتباع الوحي فيما أمر به أو نهى عنه، {إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} [يونس: 15] أي: إن خالفته لهوى غيره، {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15] أي: عذاب يوم تجزي فيه عظام الأمور، وهي فريق في الجنة، وفريق في السعير، فلفريق سعادة القرب والمواصلة وهي أجر عظيم، ولفريق شقاوة اليد والمفارقة وهي عذاب عظيم. {قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ} [يونس: 16] أي: القرآن لأني أمي وليست التلاوة والقراءة من شأني كما كان حالي مع جبريل عليه السلام أول ما نزل فقال لي: "حديث : اقرأ، قلت لست بقارئ، فغطني جبريل عليه السلام ثم أرسلني، فقال: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ} فقرأته لما جعلني قارئاً ولو شاء الله ألا أقرأه ما كانت قادراً على قراءته عليكم"،تفسير : {وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ} [يونس: 16]، وما كانت أعلمك بالقرآن ولا أعلمك. {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ} [يونس: 16] أي: من قبل نزول القرآن وما كانت تالياً للقرآن، {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [يونس: 16] لكي تتفكروا وتدركوا بنظر العقل المميز الحق من الباطل والهدى من الضلال، {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} [يونس: 17] في دعوة النبوة والرسالة ونزول القرآن، {أَوْ كَذَّبَ بِآيَـٰتِهِ} [يونس: 17] يعني: أو من كذب بالقرآن وبمن أنزل عليه، {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ} [يونس: 17] أي: لا يتخلص الكذابون والمكذبون من فيه الكفر وحجب الهوى وعذاب البعد وحجبهم النفس، {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [يونس: 18] أي: ويعبد المكذبون مع كفرهم وتكذيبهم بالأنبياء. {مَا لاَ يَضُرُّهُمْ} [يونس: 18] أي: لا يبعدوا، {وَلاَ يَنفَعُهُمْ} [يونس: 18] إذ يعبدوه، {وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ} [الأنبياء: 18] لا ينحتون في الخشب والحجارة ويجعلون شريكاً لله في العبادة، {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ} [يونس: 18] شريكاً لنفسه لا شفيعاً بغير إذنه، {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [يونس: 18] ممن في السماوات من الملائكة والنجوم، {وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} [يونس: 18] أي: ولا ممن في الأرض من الأنبياء والمرسلين والأولياء والمؤمنين. كما قال: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}تفسير : [البقرة: 255]، ثم نزَّه عما أضافوه إليه، فقاله سبحانه وتعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18] أي: عما أثبتوا له شريكاً في العبادة وشفيعاً في الشفاعة فأخر عن أخلاقه الناس بعد الائتلاف بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} [يونس: 19] الآيتين: {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} يعني: في بدء الخلقة وأصل الفقرة التي فطر الناس عليها في عالم الأرواح، كما قال تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}تفسير : [التين: 4] أي: أرواح الإنسان قبل تعلقها بالقالب، فلما تعلقت به قال: {أية : ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}تفسير : [التين: 5]. {فَٱخْتَلَفُواْ} [يونس: 19] أي: استماع خطاب: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172] إذ الأرواح كانت جنوداً مجندةً في صفوف مختلفة فاستمع كل طائفة على حسب حالها في القرب والبعد من تلك الصفوف، {فَٱخْتَلَفُواْ} عند جواب: {بَلَىٰ} لأن جواب كل طائفة بحسب استماعه الخطاب، ثم بعد الولادة اختلفوا بحسب تربية الوالدين كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يُمجسانه"،تفسير : ثم اختلفوا بعد البلوغ بحسب المعاملات الطبيعية والشرعية. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} [يونس: 19] أي: حكم قدره الله تعالى بأن لا يجازي عباده عن كل اختلاف حتى يبلغهم بتغير الأحوال واختلافهم إلى السعادة المقدرة لهم وإلى الشقاوة المقدرة لهم، {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} [يونس: 19] بالهلاك والعذاب مجازاة لهم، {فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [يونس: 19] من كفران النعم فإنكار النبوة ورد الشريعة واتباع الهوى بالطبيعة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يذكر تعالى تعنت المكذبين لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهم إذا تتلى عليهم آيات الله القرآنية المبينة للحق، أعرضوا عنها، وطلبوا وجوه التعنت فقالوا، جراءة منهم وظلما: { ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ } فقبحهم الله، ما أجرأهم على الله، وأشدهم ظلما وردا لآياته. فإذا كان الرسول العظيم يأمره الله، أن يقول لهم: { قُلْ مَا يَكُونُ لِي } أي: ما ينبغي ولا يليق { أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي } فإني رسول محض، ليس لي من الأمر شيء، { إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ } أي: ليس لي غير ذلك، فإني عبد مأمور، { إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } فهذا قول خير الخلق وأدبه مع أوامر ربه ووحيه، فكيف بهؤلاء السفهاء الضالين، الذين جمعوا بين الجهل والضلال، والظلم والعناد، والتعنت والتعجيز لرب العالمين، أفلا يخافون عذاب يوم عظيم؟!!. فإن زعموا أن قصدهم أن يتبين لهم الحق بالآيات التي طلبوا فهم كذبة في ذلك، فإن الله قد بين من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، وهو الذي يصرفها كيف يشاء، تابعا لحكمته الربانية، ورحمته بعباده. { قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا } طويلا { مِنْ قَبْلِهِ } أي: قبل تلاوته، وقبل درايتكم به، وأنا ما خطر على بالي، ولا وقع في ظني. { أَفَلا تَعْقِلُونَ } أني حيث لم أتقوله في مدة عمري، ولا صدر مني ما يدل على ذلك، فكيف أتقوله بعد ذلك، وقد لبثت فيكم عمرا طويلا تعرفون حقيقة حالي، بأني أمي لا أقرأ ولا أكتب، ولا أدرس ولا أتعلم من أحد؟!! فأتيتكم بكتاب عظيم أعجز الفصحاء، وأعيا العلماء، فهل يمكن -مع هذا- أن يكون من تلقاء نفسي، أم هذا دليل قاطع أنه تنزيل من حكيم حميد؟ فلو أعملتم أفكاركم وعقولكم، وتدبرتم حالي وحال هذا الكتاب، لجزمتم جزما لا يقبل الريب بصدقه، وأنه الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، ولكن إذ أبيتم إلا التكذيب والعناد، فأنتم لا شك أنكم ظالمون. { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ } ؟!! فلو كنت متقولا لكنت أظلم الناس، وفاتني الفلاح، ولم تخف عليكم حالي، ولكني جئتكم بآيات الله، فكذبتم بها، فتعين فيكم الظلم، ولا بد أن أمركم سيضمحل، ولن تنالوا الفلاح، ما دمتم كذلك. ودل قوله: { قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا } الآية، أن الذي حملهم على هذا التعنت الذي صدر منهم هو عدم إيمانهم بلقاء الله وعدم رجائه، وأن من آمن بلقاء الله فلا بد أن ينقاد لهذا الكتاب ويؤمن به، لأنه حسن القصد.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):