Verse. 1378 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

ثُمَّ جَعَلْنٰكُمْ خَلٰۗىِٕفَ فِي الْاَرْضِ مِنْۢ بَعْدِہِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُوْنَ۝۱۴
Thumma jaAAalnakum khalaifa fee alardi min baAAdihim linanthura kayfa taAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ثم جعلناكم» يا أهل مكة «خلائف» جمع خليفة «في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون» فيها وهل تعتبرون بهم فتصدقوا رسلنا.

14

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ} مفعولان. والخلائف جمع خليفة، وقد تقدّم آخر «الأنعام» أي جعلناكم سكاناً في الأرض. {مِن بَعْدِهِم} أي من بعد القرون المهلكة. «لِنَنْظُر» نصب بلام كي، وقد تقدّم نظائره وأمثاله؛ أي ليقع منكم ما تستحقون به الثواب والعقاب، ولم يزل يعلمه غيباً. وقيل: يعاملكم معاملة المختبر إظهاراً للعدل. وقيل: النظر راجع إلى الرسل؛ أي لينظر رسلنا وأولياؤنا كيف أعمالكم. و «كيف» نصب بقوله: تعملون: لأن الاستفهام له صدر الكلام فلا يعمل فيه ما قبله.

البيضاوي

تفسير : {ثُمَّ جَعَلْنَـٰكُمْ خَلَـٰئِفَ فِى ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم} استخلفناكم فيها بعد القرون التي أهلكناها استخلاف من يختبر. {لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } أتعملون خيراً أو شراً فنعاملكم على مقتضى أعمالكم، وكيف معمول تعملون فإن معنى الاستفهام يحجب أن يعمل فيه ما قبله، وفائدته الدلالة على أن المعتبر في الجزاء جهات الأفعال وكيفياتها لا هي من حيث ذاتها ولذلك يحسن الفعل تارة ويقبح أخرى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ثُمَّ جَعَلْنَٰكُمْ } يا أهل مكة {خَلَٰئِفَ } جمع (خليفة) {فِى ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } فيها، وهل تعتبرون بهم فتصدّقوا رسلنا؟.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ‏ {‏ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون‏} ‏ قال‏:‏ ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية فقال‏:‏ صدق ربنا، ما جعلنا خلائف في الأرض إلا لينظر إلى أعمالنا، فأروا الله خير أعمالكم بالليل والنهار والسر والعلانية‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله ‏ {‏ثم جعلناكم خلائف‏} ‏ لأمة محمد صلى الله عليه وسلم‏.

ابو السعود

تفسير : قولُه عز وجل: {ثُمَّ جَعَلْنَـٰكُمْ خَلَـٰئِفَ فِى ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم} فإنه صريحٌ في أنه ابتداءٌ تعرّضَ لأمورهم وأن ما بـينّ فيه إنما هو مبادي أحوالِهم لاختبار كيفياتِ أعمالِهم على وجه يُشعر باستمالتهم نحوَ الإيمان والطاعةِ فمُحالٌ أن يكون ذلك إثرَ بـيانِ منتهى أمرِهم وخطابِهم ببتّ القولِ بإهلاكهم لكمال إجرامِهم والمعنى ثم استخلفناكم في الأرض من بعد إهلاكِ أولئك القرونِ التي تسمعون أخبارَها وتشاهدون آثارَها استخلافَ من يَختبر {لِنَنظُرَ} أي لنعاملَ معاملةَ من ينظُر {كَيْفَ تَعْمَلُونَ} فهي استعارةٌ تمثيلية، وكيف منصوبٌ على المصدرية بتعملون لا بننظر فإن ما فيه من معنى الاستفهام مانعٌ من تقدم عاملِه عليه أي أيَّ عملٍ أو على الحالية أي على أيّ حالٍ تعملون الأعمالَ اللائقةَ بالاستخلاف من أوصاف الحُسن كقوله عز وعلا: {أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } تفسير : [هود: 7, الملك: 2] ففيه إشعارٌ بأن المرادَ بالذات والمقصودَ الأصليَّ من الاستخلاف إنما هو ظهورُ الكيفياتِ الحسنةِ للأعمال الصالحةِ، وأما الأعمالُ السيئةُ فبمعزل من أن تصدُرَ عنهم لا سيما بعد ما سمِعوا أخبارَ القرونِ المهلَكه وشاهَدوا آثارَ بعضِها فضلاً عن أن يُنظمَ ظهورُها في سلك العلة الغائيةِ للاستخلاف، وقيل: منصوبٌ على أنه مفعولٌ به أي أيَّ عملٍ تعملون أخيراً أم شراً فنعاملَكم بحسبه فلا يكون في كلمة كيف حينئذ دلالةٌ على أن المعتبرَ في الجزاء جهاتُ الأعمالِ وكيفياتُها لا ذواتُها كما هو رأيُ القائل بل تكون حينئذ مستعارةً لمعنى أيّ شيء.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم} [الآية: 14]. قال بعضهم: لم تزل الأنبياء لهم خلفًا والأولياء لهم خلفًا أبدلهم الله كأنهم ليرى الباقون سنتهم ويتمسكوا بطريقتهم. قال الله: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم}. قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}. قال: إذا صح الإيمان لا يصح إلا أن يأذن الله له بذلك فى أزله، وجريه القضاء السابق له بالإيمان فيما يبدو عليه فى الوقت، وهو الذى سبق به القضاء فى الأزل.

القشيري

تفسير : عرَّفناكم بِسِرِّ مَنْ قَبْلَكُم، وما أصابهم بسب ذنوبهم، فإذا اعتبرتم بهم نَجْوتُم، ومن لم يعتبرْ بما سمعه اعتبر به من تبعه. ويقال أحللنا بهم من العقوبة ما يعتريكم، ومَنْ لم يعتبرُ بِمَنْ سَبَقَه اعتبرْ به مَنْ لَحِقَه.

الطوسي

تفسير : بين الله تعالى بهذه الاية أنه إنما جعل المخاطبين بهذه الخطاب بعد إهلاك من أهلك وتكليفه إياهم بطاعته وتصديق رسله مثل ما كان كلفهم {لننظر كيف تعملون} معناه إنكم إن عملتم بالمعاصي مثل ما عمل بها أولئك وكذبتم الرسل ولم ترجعوا عن الكفر أهلككم ببعض العقاب كما أهلك من تقدم. وإن آمنتم أثابكم الله في الدنيا والآخرة ورضي عنكم، فجعل قوله {لننظر كيف تعملون} دلالة لهم على اني أفعل بكم احد هذين: الثواب إن آمنتم وأطعتم، والعذاب إن كفرتم وعصيتم. واستعمل ذلك على هذا المعنى مجازاً كما يستعمله اهل اللغة على هذا المعنى، لانهم لا يعلمون ما يكون من المكلفين وما يفعل بهم من الثواب والعقاب وهو عالم بذلك. ومثل ذلك يستعمله العرب فيما يعلمه الانسان يقول القائل لغلامه الذي يأمره: إني سأعاقبك وأضربك لأنظر كيف صبرك، واعطيك مالا لأنظر كيف تعمل، وإن كان عالماً بما يؤل اليه الأمر في ذلك. وموضع {كيف} نصب بقوله {تعملون} وإنما قدم لانه للاستفهام ولا يجوز أن يكون معمولا {لننظر} لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل في الاستفهام ولو قلت لننظر أخيراً يعملون أو شراً؟ كان العامل في (خير، وشر) يعملون.

الهواري

تفسير : قوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد الهالكين جعلناكم خلفاء في الأرض من بعدهم. { لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}. قوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} أي الذين لا يؤمنون بالبعث {ائْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} أي أو بدل آية الرحمة بآية العذاب، أو بدل آية العذاب بآية الرحمن [وهذا قول] مشركي العرب. قال الله لنبيه محمد عليه السلام { قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي} أي من عندي {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}. { قُل} يا محمد {لَّوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ} يعني القرآن {وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ} أي: ولا أعلمكم الله به {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ} أي من قبل القرآن لا أدعى هذه النبوة. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} قال: لبثت أربعين سنة ضالاً. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: إن النبي عليه السلام بعث وهو ابن أربعين سنة. قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} يقول: لا أحد أظلم منه. وهذا على الاستفهام. قال: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ} أي المشركون. قوله: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ} إن لم يعبدوه {وَلاَ يَنفَعُهُمْ} إن عبدوه، يعني الأوثان { وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ} أي: إن الأوثان تشفع لهم ـ زعمواـ عند الله ليصلح لهم معايشهم في الدنيا من غير أن يقروا بالبعث. قال الله: (أية : وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ) تفسير : [النحل:38]. قوله: { قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ} أي لا يعلم أن في السماوات ولا في الأرض إلَهاً غيره. وهو كقول مؤمن آل فرعون: (أية : تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ) تفسير : [غافر:42] أي: لا أعلم أَنَّ في السماوات والأرض إلهاً غيره. { سُبْحَانَهُ} ينزّه نفسه عما قال المشركون. { وَتَعَالَى} من قبل العلو، أي ارتفع، مثل قوله: (أية : الكَبِيرُ المُتَعَالِ) تفسير : [الرعد:9]. { عَمَّا يُشْرِكُونَ}.

اطفيش

تفسير : {ثم جَعَلْناكم} عطف على أهلكنا، والخطاب لأهل مكة أو للعموم {خَلائِف فى الأرْضِ مِنْ بَعْدهم} اختباراً لكم {لننْظُر} أى نعلم علما، كما يعاين أحدكم الشئ ببصره فيعلمه، وذلك إشارة إلى إظهار غاية العدل إذ كان يعامل العباد معاملة من كان يطلب العلم بما عملوا، مع أن علمه أزلى عام لا يزيد ولا ينقص، وقيل لنبين فى الوجود، وقرأ يحيى بن الحارث لنظر بادغام النون الثانى فى الظاء، وقال: إنه رآها كذلك فى مصحف عثمان. {كَيفَ} حال من الواو بعدها، وفيها دلالة على أن المعتبر فى الجزاء حالة الفعل وكيفيته، لا هو من حيث ذاته، ولذلك ترى الفعل الواحد يحسن تارة ويقبح أخرى، ويحسن فى حق إنسان ويقبح فى حق آخر {تعْملُون} فتجازوا عليه خيراً أو شراً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الدنيا حلوة خضراء وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء" تفسير : أى احذروا فتنة الدنيا والنساء، وجملة تعملون مفعول ننظر، وعلقه عن العمل اسم الاستفهام وهو كيف، ومعنى تعليقه هنا تعطيله عن نصب المفرد، مع أنه الأصل إلى نصب محل الجملة، وليست كيف مفعول به للنظر، لأن لها الصدر بل لم تكن مفعولا به فى كلام العرب قط.

اطفيش

تفسير : {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ} يَا أَهل مكة {خَلاَئِفَ فِى الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ} العطف على أَهلكنا، والهاء للقرون والمراد الإِيجاد لهم فى الأَرض، وإِسكانهم فيها بعد إِذهاب من قبلهم سواءٌ من اتفقت أَرضهم ومن لم تتفق {لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} أَى لنعلم كيف تعملون أَى لنظهر متعلق علمنا للناس من إِيمان من يؤمن منكم للاعتبار بإِهلاك من قبلكم أَو لغيره لمعجزات الرسول، ومن كفر من يكفر منكم وكيف حال الواو، والمعنى لننظر على أَى حال تعملون فإِن المعتبر جهة الفعل لانفسه، أَلا ترى أَن الفعل الواحد يقبح تارة ويحسن أُخرى كضرب اليتيم يحسن تأْديبا ويقبح ظلماً له واحتقارا، لا مفعول مطلق أَى عمل تعلمون كما قيل ولا مفعولا به، لكن كيف للسؤال عن الأَحوال لا عن الذوات، نعم يجوز السؤال بها على التجوز، وإِن جاءَ عن العرب كيف ظننت زيدا؟ فهى مفعول به والأَولى أَنها حال وعاملها محذوف، والمجموع مفعول ثان أَى كيف يفعل وإِذا لم يجعل مفعولا به قدر المفعول به أَى لننظر كيف تعملون ما يعرض لكم، وفى الآية استعارة تمثيلية، شبه تمكينه العباد من الطاعة والمعصية والأَمر بالطاعة ورضاها والنهى عن المعاصى وبغضها باختبار الإِنسان مع تمكينه مما يعمل أَو يترك، والجامع ظهور ما يترتب على ذلك، وهى مبنية على استعارة مفردة تبعية، فإِن النظر موضوع للنظر بالعين واستعمل فى العلم أَى ليظهر معلومنا خارجاً فيجازى عليه، وفى الحديث حديث : إِن الدنيا حلوة خضرة، أَو خضرة نضرة، وإِن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملونتفسير : ، وعن قتادة: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاءَ إِلا لينظر أَعمالنا، فأَروا الله من أَعمالكم خيراً بالليل وبالنهار.

الالوسي

تفسير : {ثُمَّ جَعَلْنَـٰكُمْ خَلَـٰئِفَ فِى ٱلأًَرْضِ مِن بَعْدِهِم} فإنه صريح في أنه ابتداء تعرض لأمورهم وإن ما بين فيه مبادي أحوالهم لاختبار كيفية أعمالهم على وجه يشعر باستمالتهم نحو الإيمان والطاعة فمحال أن يكون ذلك إثر بيان منتهى أمرهم وخطابهم ببت القول بإهلاكهم لكمال إجرامهم والعطف على قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا}تفسير : [يونس: 13] لا على ما قبله، والمعنى ثم استخلفناكم في الأرض بعد إهلاك أولئك القرون التي تسمعون أخبارها وتشاهدون آثارها {لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} أي لنعلم أي عمل تعملون فكيف مفعول مطلق لتعلمون، وقد صرح في «المغني» بأن كيف تأتي كذلك وأن منه {أية : كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ }تفسير : [الفجر: 6] وليست معمولة {لِنَنظُرَ} لأن الاستفهام له الصدارة فيمنع ما قبله من العمل فيه، ولذا لزم تقديمه على عامله هنا. وقيل: محلها النصب على الحال من ضمير {تَعْمَلُونَ} كما هو المشهور فيها إذا كان بعدها فعل نحو كيف ضرب زيد أي على أي حال تعملون الأفعال اللائقة بالاستخلاف من أوصاف الحسن، وفيه من المبالغة في / الزجر عن الأعمال السيئة ما فيه، وقيل: محلها النصب على أنها مفعول به لتعملون أي أي عمل تعملون خيراً أو شراً، وقد صرحوا بمجيئها كذلك أيضاً، وجعلوا من ذلك نحو كيف ظننت زيداً، وبما ذكر فسر الزمخشري الآية، وتعقبه القطب بما تعقبه ثم قال: ولعله جعل {كَيْفَ} هٰهنا مجازاً بمعنى أي شيء لدلالة المقام عليه. وذكر بعض المحققين أن التحقيق أن معنى كيف السؤال عن الأحوال والصفات لا عن الذوات وغيرها فالسؤال هنا عن أحوالهم وأعمالهم ولا معنى للسؤال عن العمل إلا عن كونه حسناً أو قبيحاً وخيراً أو شراً فكيف ليست مجازاً بل هي على حقيقتها، ثم إن استعمال النظر بمعنى العلم مجاز حيث شبه بنظر الناظر وعيان المعاين في تحققه، والكلام استعارة تمثيلية مرتبة على استعارة تصريحية تبعية، والمراد يعاملكم معاملة من يطلب العلم بأعمالكم ليجازيكم بحسبها كقوله تعالى: {أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [المُلك: 2] وقيل يمكن أن يقال: المراد بالعلم المعلوم فحينئذ يكون هذا مجازاً مرتباً على استعارة، وأياً ما كان فلا يلزم أن لا يكون الله سبحانه وتعالى عالماً بأعمالهم قبل استخلافهم، وليس مبني تفسير النظر بالعلم على نفي الرؤية كما هو مذهب بعض القدرية القائلين بأنه جل شأنه لا يرى ولا يرى فأنا ولله تعالى الحمد ممن يقول: إنه تبارك وتعالى يرى ويرى والشروط في الشاهد ليست شروطاً عقلية كما حقق في موضعه، وان الرؤية صفة مغايرة للعلم وكذا السمع أيضاً، وممن يقول أيضاً: إن صور الماهيات الحادثة مشهودة لله تعالى أزلاً في حال عدمها في أنفسها في مرايا الماهيات الثابتة عنده جل شأنه بل هو مبني على اقتضاء المعنى له فإنك إذا قلت: أكرمتك لأرى ما تصنع فمعناه أكرمتك لأختبرك وأعلم صنعك فأجازيك عليه، ومن هنا يعلم أن حمل النظر على الانتظار والتربص كما هو أحد معانيه ليس بشيء، وبعض الناس حمل كلام بعض الأفاضل عليه وارتكاب شططاً وتكلم غلطاً. هذا وقرىء {لنظر} بنون واحدة وتشديد الظاء ووجه ذلك أن النون الثانية قلبت ظاءاً وأدغمت.

ابن عاشور

تفسير : عطف على {أية : أهلكنا}تفسير : [يونس: 13] وحرف (ثم) مؤذن ببعد ما بين الزمنين، أي ثم جعلناكم تخلفونهم في الأرض. وكون حرف (ثم) هنا عاطفاً جملة على جملة تقتضي التراخي الرتبي لأن جعلهم خلائف أهم من إهلاك القرون قبلهم لما فيه من المنة عليهم، ولأنه عوضهم بهم. والخلائف: جمع خليفة. وتقدم في قوله: {أية : وهو الذي جعلكم خلائف الأرض}تفسير : في سورة [الأنعام: 165]. والمراد بـ{الأرض} بلاد العرب، فالتعريف فيه للعهد؛ لأن المخاطبين خلفوا عاداً وثموداً وطسماً وجديساً وجُرهماً في منازلهم على الجملة. والنظر: مستعمل في العلم المحقق، لأن النظر أقوى طرق المعرفة، فمعنى {لننظر} لنتعلم، أي لنعلم علماً متعلقاً بأعمالكم. فالمراد بالعلم تعلقه التنجيزي. و{كيف} اسم استفهام معلق لفعل العلم عن العمل، وهو منصوب بـ{ننظر}، والمعنى في مثله: لنعلم جواب كيف تعملون، قال إياس بن قبيصة: شعر : وأقبلت والخطى يخطر بيننا لا علم مَن جبانها من شجاعها تفسير : أي (لا علم) جَواب مَن (جبانها). وإنما جعل استخلافهم في الأرض علة لعلم الله بأعمالهم كناية عن ظهور أعمالهم في الواقع إن كانت مما يرضي الله أو ممَّا لا يرضيه فإذا ظهرت أعمالهم علمها الله علم الأشياء النافعة وإن كان يعلم أن ذلك سيقع علماً أزلياً، كما أن بيت إياس بن قبيصة معناه ليَظهر الجبانُ من الشجاع. وليس المقصود بتعليل الإقْدام حصول علمه بالجبان والشجاع ولكنه كنّى بذلك عن ظهور الجبان والشجاع. وقد تقدم نظير هذا في قوله تعالى: {أية : وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء}تفسير : في سورة [آل عمران: 140].

الواحدي

تفسير : {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم} يعني: أهل مكَّة {لننظر كيف تعملون} لنختبر أعمالكم. {وإذا تتلى عليهم} على هؤلاء المشركين {آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا} لا يخافون البعث: {ائت بقرآن غير هذا} ليس فيه عيب آلهتنا {أو بدَّله} تكلَّمْ به من ذات نفسك، فبدِّلْ منه ما نكرهه {قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفس} ما ينبغي لي أَنْ أغيِّره من قبل نفسي {إن أتبع إلاَّ ما يوحى غليَّ} ما أُخبركم إلاَّ ما أخبرني الله به، أَي: الذي أتيتُ به من عند الله، لا من عندي نفسي فأبدِّله. {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم} ما قرأتُ عليكم القرآن {ولا أدراكم به} ولا أعلمكم الله به {فقد لبثت فيكم عُمراً من قبله} أقمتُ فيكم أربعين سنةً لا أُحدِّثكم شيئاً {أفلا تعقلون} أنَّه ليس من قبلي. {فمن أظلم ممن أفترى على الله كذباً} لا أحد أظلم ممَّن يظلم ظلم الكفر، أَيْ: إني لم أفترِ على الله، ولم أكذب عليه، وأنتم فعلتم ذلك حيث زعمتم أنَّ معه شريكاً {إنَّه لا يفلح المجرمون} لا يسعد مَنْ كذَّب أنبياء الله. {ويعبدون من دون الله ما لا يضرُّهم} إنْ لم يعبدوه {ولا ينفعهم} إن عبدوه {ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} في إصلاح معاشهم في الدُّنيا؛ لأنَّهم لا يقرُّون بالبعث {قل أتنبؤون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض} أتخبرون الله أنَّ له شريكاً، ولا يعلم الله سبحانه لنفسه شريكاً في السَّموات ولا في الأرض، ثمَّ نزَّه نفسه عمَّا افتروه فقال: {سبحانه وتعالى عما يشركون}. {وما كان الناس إلاَّ أمة واحدة} يعني: من لدن عهد إبراهيم عليه السَّلام إلى أن غيَّر الدِّين عمرو بن لُحي {فاختلفوا} واتَّخذوا الأصنام {ولولا كلمة سبقت من ربك} بتأخير عذاب هذه الأُمَّة إلى القيامة {لقضي بينهم} بنزول العذاب. {ويقولون} يعني: أهل مكَّة: {لولا} هلاَّ {أنزل عليه آية من ربه} مثلُ العصا وما جاءت به الأنبياء {فقل إنما الغيب لله} أَيْ: إنَّ قولكم: هلاَّ أنزل عليه آيةٌ غيبٌ، وإنَّما الغيب لله لا يعلم أحدٌ لمَ لمْ يفعل ذلك {فانتظروا} نزول الآية {إني معكم من المنتظرين}. {وإذا أذقنا الناس} كفار مكَّة {رحمة} مطراً وخَصْباً {من بعد ضرَّاء مستهم} فقرٍ وبؤسٍ {إذا لهم مكر في آياتنا} قولٌ بالتَّكذيب، أَيْ: إذا أخصبوا بطروا، فاحتالوا لدفع آيات الله {قل الله أسرع مكراً} أسرع نقمةً. يعني: إنَّ ما يأتيهم من العقاب أسرعُ في أهلاكهم ممَّا أتوه من المكر في إبطال آيات الله {إنَّ رسلنا} يعني: الحفظة {يكتبون ما تمكرون} للمجازاة به في الآخرة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 14- ثم جعلناكم - يا أمة محمد - خلفاء فى الأرض، تعمرونها من بعد هؤلاء السابقين، لنختبركم ونظهر ما تختارونه لأنفسكم من طاعة أو عصيان، بعد أن عرفتم ما جرى على أسلافكم. 15- وحينما تجلت آيات القرآن من رسولنا - محمد - على المشركين، قال له الكافرون الذين لا يخافون عذاب الله ولا يرجون ثوابه: آتنا كتاباً غير هذا القرآن، أو بَدِّل ما فيه مما لا يعجبنا. قل لهم - أيها الرسول: لا يمكننى ولا يجوز أن أغير أو أبدل فيه من عندى. ما أنا إلا متبع ومبلغ ما يوحى إلىَّ من ربى، إنى أخاف إن خالفت وحى ربى عذاب يوم عظيم خطره، شديد هوله. 16- قل لهم - يا أيها الرسول -: لو شاء الله ألا ينزل علىَّ قرآناً من عنده، وألا أبلغكم به ما أنزله، وما تلوته عليكم، ولا أعلمكم الله به. لكنه نزل، وأرسلنى به، وتلوته عليكم كما أمرنى، وقد مكثت بينكم زمناً طويلا قبل البعث لم أدّع فيه الرسالة، ولم أتل عليكم شيئاً، وأنتم تشهدون لى بالصدق والأمانة، ولكن جاء الوحى به فأمرت بتلاوته، ألا فاعقلوا الأمور وأدركوها، واربطوا بين الماضى والحاضر. 17- ليس هناك أشد ظلماً لنفسه ممن كفر وافترى الكذب على الله، أو كذب بآيات الله التى جاء بها رسوله. إنه لا ينجح الكافر فى عمله، وقد خسر خسراناً مبيناً بكفره، ومغاضبته لله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {جَعَلْنَاكُمْ} {خَلاَئِفَ} (14) - ثُمَّ اسْتَخْلَفَكُمْ اللهُ تَعَالَى فِي الأَرْضِ، بَعْدَ أَنْ أَهْلَكَ السَّابِقِينَ، وَذَلِكَ بِمَا آتَاكُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيا مِنْ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ، فِي الدِّينِ وَالدُّنْيا، لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَكُونُ أَعْمَالُكُمْ فِي خِلاَفَتِكُمْ، وَيَظْهَرُ مَا تَخْتَارُونَهُ لأَِنْفُسِكُمْ مِنْ طَاعَةٍ أَوْ عِصْيَانٍ بَعْدَ أَنْ عَرَفْتُمْ مَا حَلَّ بِمَنْ سَبَقَكُمْ. وَقَالَ قُتَادَةُ: صَدَقَ اللهُ رَبُّنا، مَا جَعَلَنَا خُلَفَاءَ إِلاَّ لِيَنْظُرَ إِلى أَعْمالِنا، فَأَرُوا اللهَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ خَيْراً بِالليْلِ أَو النَّهارِ. وَفِي ذلِكَ إيمَاءٌ إِلى أنَّ الخِلاَفَةَ مَنُوطَةٌ بِالأعْمَالِ لِكَيْلا يَغْتَرَّ النَّاسُ بِمَا سَيَنَالُونَهُ، وَيَظُنُّوا أَنَّهُ بَاقٍ لَهُمْ، وَأَنَّهُمْ سَيَكُونُونَ بِمَنْجَاةٍ مِنْ مُقْتَضَى سُنَّةِ اللهِ فِي الظَّالِمِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و{خَلاَئِفَ}: جمع خليفة، وهو من يَخْلُف غيره. والحق سبحانه وتعالى حينما وصف الإنسان أصدر أول بيان عن الإنسان قال للملائكة: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً...} تفسير : [البقرة: 30]. والله سبحانه وتعالى قادر، وسميع، وعليم، وله من كل صفات الكمال المطلق، وأنت قد تكون لك قدرة وقد تُعَدِّي أثر قدرتك إلى غيرك، ولكنك لن تستطيع أن تُعدِّي قدرتك إلى سواك، فإن كنت قوياً؛ فلن تستطيع أن تَهَبَ ضعيفاً قدراً من قوتك. بل كل الذي تستطيعه هو أن تهبه أثر قدرتك، فإن كان غير قادر على أن يحمل شيئاً؛ فأنت قد تحمله عنه، وإن كان غير قادر على المشي؛ فأنت تأخذ بيده، لكنك لا تستطيع أن تهبه جزءاً من قوتك الذاتية، فيظل هو عاجزاً، وتظل أنت قادراً - كما أنت. هذا هو حال الخلق: تجد غنياً وآخر فقيراً، ويُعطي الغني للفقير من غناه، ويُعطي العالمُ للجاهل بعضَ العلم، لكنه لا يهبه مَلَكَة العلم؛ ليعلم. أما الحق الأعلى سبحانه فهو وحده القادر على أن يهب من قدرته المطلقة للخلق قدرة موهوبة محدودة، وقد أعطاهم سبحانه أثر القدرة العالية في الأفلاك التي صنعها ولا دخل للإنسان فيها؛ من شمس، وقمر، ونجوم، ورياح، ومطر. وأعطى الحق سبحانه للإنسان طاقة من قدرته في الأمور التي حوله؛ فأصبح قادراً على أن يفعل بعض الأفعال التي تتناسب مع هذه الطاقة الموهوبة. وبذلك عدَّى له الحق سبحانه من قدرته؛ ليقدر على الفعل، ومن غناه؛ ليعطي الفقير، ومن علمه؛ ليعطي الجاهل، ومن حلمه؛ ليحْلِم على الذي يؤذيه. إذن: فالخلق لا يعدّون صفاتهم إلى غيرهم ولكنهم يعدون آثار صفاتهم إلى غيرهم، وتظل الصفة هنا قوة، والصفة هناك ضعفاً. أما الواحد الأحد فهو الذي يستطيع أن يهب من قدرته للعاجز قدرة؛ فيفعل. فهل كل الكون هكذا؟ إن الكون قسمان: قسم وهبة الله سبحانه وتعالى للإنسان بدون مجال له فيه. وقد أقامه الحق بقدرته، وهذا القسم من الكون مستقيم في أمره استقامة لا يتأتّى لها أي خَلَل، مثل: نظام الأفلاك والسماء ودوران الشمس والقمر والريح وغيرها، ولا تعاني من أي عطب أو خلل، ولا يتأتى لهذا القسم فساد إلا بتدخُّل الإنسان. وقسم آخر في الكون تركه الحق سبحانه للإنسان؛ حتى يقيمه بالقوة الموهوبة له من الله. وأنت لا تجد فساداً في كون الله تعالى إلا وجدت فيه للإنسان يداً، أما الأمور التي ليس للإنسان فيها يد فهي مستقيمة، ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} تفسير : [الرحمن: 5]. والمراصد تحدِّد موقع الأرض بين الشمس والقمر، وموقع القمر بين الأرض والشمس بدقة تتناسب مع قوله الحق: {بِحُسْبَانٍ}؛ لأن الإنسان ليس له دخل في هذه الأمور. وفيما لنا فيه اختيار علينا أن نتدخل بمنهج الله تعالى؛ لتستقيم حركتنا مثل استقامة الحركة في الأكوان العليا التي لا دخل لنا فيها. إذن: فالذي يُفْسد الأكوان هو تدخُّل الإنسان - فيما يحيط به، وفيما ينفعل له وينفعل به - على غير منهج الله؛ ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ * ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} تفسير : [الرحمن: 1-5]. أي: هذه الأكوان مخلوقة بحساب، وتستطيعون أن تُقَدِّروا أوقاتكم وحساباتكم على أساسها. ويقول سبحانه: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ * وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الرحمن: 5-9]. وحتى تستقيم لكم الأمور الدنيا في حركتكم في الكون - كما استقامت لكم الأمور العليا؛ وازنوا كل الأمور بالعدل؛ فلا يختل لكم ميزان؛ لأن الذي يُفسِد الكون أنكم تتدخلون فيما أعطي لكم من مواهب الله قدرة وعلماً وحركة على غير منهج الله. فادخلوا على أمور حياتكم بمنهج الله في "افعل" و"لا تفعل"؛ ليستقيم لكم الكون الأدنى كما استقام لكم الكون الأعلى. وهنا يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ} وقد خلف الإنسانُ اللهَ تعالى في الأرض، في أنه - مثلاً - يحرث الأرض ويسقيها؛ فيخرج له الزرع، وحين يأخذ الإنسان أسباب الله فهو ينال نتيجة الأخذ بالأسباب. ولكن آفة الإنسان بغروره، حين تستجيب له الأشياء، فهو يظن أنه قادر بذاته، لا بأسباب الله. والحق سبحانه وتعالى يُعطي بعطاء ربوبيته للمؤمن، وللكافر؛ لأنه سبحانه هو الذي استدعى الإنسان إلى الوجود، لكنه جلّ وعلا ميَّز المؤمن، لا بعطاء الأسباب فقط، ولكن بالمنهج، والتكليف المتمثل في "افعل كذا" و"لا تفعل كذا"، فإن أخذ العطاءين من الله يبقَ له حسن الجزاء في الدنيا والآخرة، وإن أخذ العطاء الثاني في "افعل" و"لا تفعل"، فهو يأخذ الآخرة، أما دنياه فتظل متخلّفة. ومن يُردْ أن يأخذ حُسْن الدنيا والآخرة، فليأخذ عطاء ربوبية الله تعالى بالأخذ بالأسباب، وعطاء الألوهية باتّباع المنهج. إلا أن آفة الخليفة في الأرض أنه يرى بعض الأمور مستجيبة له؛ فيطغى، ويظن أنه أصيل في الكون، ونقول له: ما دمت تظن أنك أصيل في الكون فحافظ على روحك، وعلى قوتك، وعلى غناك، وأنت لن تستطيع ذلك. فأنت إنْ تمردت على أوامر الله بالكفر - مثلاً، فلماذا لا تتمرد على المرض أو الموت؟ إذن: أنت مقهور للأعلى غصباً عنك، ويجب أن تأخذ من الأمورالتي تنزل عليك بالأقدار؛ لتلجمك، وتقهرك، إلى أن تأخذ الأمور التي لك فيها اختيار بمنهج الله سبحانه. ولو ظن الخليفة في الأرض أنه أصيل في الكون، فعليه أن يتعلّم مما يراه في الكون، فأنت قد توكّل محامياً في العقود والتصرفات؛ فيتصرف في الأمور كلها دون الرجوع إليك ولا يعرض عليك بياناً بما فعل، فتقوم أنت بإلغاء التوكيل. فيلتفت مثل هذا المحامي إلى أن كل تصرف له دون التوكيل قد صار غير مقبول. فماذا عن توكيل الله للإنسان بالخلافة؟ يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ} فاذا كنتم قد خَلَفْتُم من هلكوا، فمن اللازم أن تأخذوا العظة والعبرة في أن الله تعالى غالب على أمره، ولا ترهقوا الرسل، بل تأخذوا المنهج، أو على الأقل، لا تعارضوهم إن لم تؤمنوا بالمنهج الذي جاءوا به من الله. واتركوهم يعلنون كلمة الله، وليعيدوا صياغة حركة المؤمنين برسالاتهم في هذا الكون على وفق ما يريده الله سبحانه، وأنتم أحرار في أن تؤمنوا أو لا تؤمنوا. {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ...} تفسير : [الكهف: 29]. والدليل على ذلك أن الإسلام حينما فتح كثيراً من البلاد ترك لهم حرية اعتناق الإسلام أو البقاء على أديانهم، مع أنه قد دخل بلادهم بالدعوة أو الغلبة، ولكنه لم يقهر أحداً على الدين، وأخذ المسلمون منهم الجزية مقابل حماية المسلمين لهم. ولو كان الإسلام قد انتشر بالسيف لما أبقى أحداً على دينه، ولكن الإسلام لم يُكْره أحداً، وحمى حرية الاختيار بالسيف. ولأن الذين لم يؤمنوا بالإسلام عاشوا في مجتمع تتكفّل الدولة الإسلامية فيه بكل متطلبات حياتهم، والمسلم يدفع زكاة لبيت المال، فعلى من لم يؤمن - وينتفع بالخدمات التي يقدمها المجتمع المسلم - أن يدفع الجزية مقابل تلك الخدمات. وإذا اعتقد الإنسان أنه خليفة، وظل متذكراً لذلك، فهو يتذكر أن سطوة من استخلفه قادرة على أن تمنع عنه هذه الخلافة. إذن: فخذوا الأمر بالتسليم، وساعدوا النبي صلى الله عليه وسلم على دعوته، وآمنوا به أولاً، وإن لم تؤمنوا به فاتركوه؛ ليعلن دعوته، ولا تعاندوه، ولا تصرفوا الناس عنه؛ لأن الحق هو القائل: {أية : ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} تفسير : [يونس: 14]. وساعة تأتي لأمر يعلله الله بكلمة {أية : لِيَعْلَمَ...} تفسير : [المائدة: 94]. أو {لِنَنظُرَ...} [يونس: 14]. فاعلم أن الله عالم وعليم، علم كل الأمور قبل أن توجد، وعلم الأشياء التي للناس فيها اختيار، وهو القائل: {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ...} تفسير : [الحديد: 25]. وقد علم الحق سبحانه أزلاً كل شيء، وإذا قال الله: {وَلِيَعْلَمَ} فليس معنى ذلك أن هناك علماً جديداً لم يكن يعلمه سوف ينشأ له، لكنه يعلم علم مشهد وإقرار منك؛ حتى لا يقول قائل: لماذا يحاسبنا الله على ما عَلمَ أزلاً؟ بل يأتي سبحانه بالاختبار الذي يحدِّد للعبد المعايير التي تتيح للمؤمن أن يدخل الجنة، وللعاصي أن يُحاسَب ويُجازَى. وبذلك يعلم الإنسان أن الحق سبحانه شاء ذلك؛ ليعرف كل عبد عِلم الواقع، لا عِلْم الحصول. إذن: فذكر كلمة {وَلِيَعْلَمَ} وكلمة {لِنَنظُرَ} في القرآن معناها علم واقع، وعلم مشهد، وعلم حُجّة على العبد؛ فلا يستطيع أن ينكر ما حدث، وقوله الحق: {أية : وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [الحديد: 25]. هذه الآية تبين لنا أدوات انتظام الحكم الإلهي: رسل جاءوا بالبرهان والبينة، وأنزل الحديد للقهر، قال الحق سبحانه: {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ..} تفسير : [الحديد: 25]. وقرن ذلك بالرسل، فقال: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} والنصرة لا تكون إلا بقوة، والقوة تأتي بالحديد الذي يظل حديداً إلى أن تقوم الساعة، وهو المعدن ذو البأس، والذي لن يخترعوا ما هو أقوى منه، وعلْم الله سبحانه هنا عِلْم وقوع منكم، لا تستطيعون إنكاره؛ لأنه سبحانه لو أخبر خبراً دون واقع منكم؛ فقد تكذبون؛ لذلك قال سبحانه: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ} وفي هذا لون من الاحتياط الجميل. وقوله: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} كأن الله يطلب منكم أن تنصروه، لكن إياكم أن تفهموا المعنى أنه سبحانه ضعيف، معاذ الله، بل هو قوي وعزيز. فهو القائل: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} تفسير : [التوبة: 14]. بل يريد سبحانه أن يكون أعداء الإيمان أذلاء أمامكم؛ لأنه سبحانه يقدر عليهم. إذن: فقول الحق سبحانه: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} إنما يعني: أن يكون علم الله بمن ينصر منهجه أمراً غيبيّاً؛ حتى لا يقول أحدٌ إن انتصار المنهج جاء صدفة، بل يريد الحق سبحانه أن يجعل نُصْرة منهجه بالمؤمنين، حتى ولو قَلَّت عدَّتُهم، وقلّ عددهم. إذن: قوله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ} [يونس: 14]. أي: نظر واقع، لا نظر علم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ ...}.