١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في بيان كيفية النظم. اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم كانوا يقولون: { أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [الأنفال: 32] ثم إنه أجاب عنه بأن ذكر أنه لا صلاح في إجابة دعائهم، ثم بين أنهم كاذبون في هذا الطلب لأنه لو نزلت بهم آفة أخذوا في التضرع إلى الله تعالى في إزالتها والكشف لها، بين في هذه الآية ما يجري مجرى التهديد، وهو أنه تعالى قد ينزل بهم عذاب الاستئصال ولا يزيله عنهم، والغرض منه أن يكون ذلك رادعاً لهم عن قولهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، لأنهم متى سمعوا أن الله تعالى قد يجيب دعاءهم وينزل عليهم عذاب الاستئصال، ثم سمعوا من اليهود والنصارى أن ذلك قد وقع مراراً كثيرة. صار ذلك رادعاً لهم وزاجراً عن ذكر ذلك الكلام، فهذا وجه حسن مقبول في كيفية النظم. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» {لَّمّاً } ظرف لأهلكنا، والواو في قوله: {وَجَاءتْهُمْ } للحال، أي ظلموا بالتكذيب. وقد جاءتهم رسلهم بالدلائل والشواهد على صدقهم وهي المعجزات، وقوله: {وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } يجوز أن يكون عطفاً على ظلموا، وأن يكون اعتراضاً، واللام لتأكيد النفي، وأن الله قد علم منهم أنهم يصرون على الكفر وهذا يدل على أنه تعالى إنما أهلكهم لأجل تكذيبهم الرسل، فكذلك يجزى كل مجرم، وهو وعيد لأهل مكة على تكذيبهم رسول الله، وقرىء {يَجْزِى } بالياء وقوله: {ثُمَّ جَعَلْنَـٰكُمْ خَلَـٰئِفَ } الخطاب للذين بعث إليهم محمد عليه الصلاة والسلام، أي استخلفناكم في الأرض بعد القرون التي أهلكناهم، لننظر كيف تعملون، خيراً أو شراً، فنعاملكم على حسب عملكم. بقي في الآية سؤالان: السؤال الأول: كيف جاز النظر إلى الله تعالى وفيه معنى المقابلة؟ والجواب: أنه استعير لفظ النظر للعلم الحقيقي الذي لا يتطرق الشك إليه، وشبه هذا العلم بنظر الناظر وعيان المعاين. السؤال الثاني: قوله: {ثُمَّ جَعَلْنَـٰكُمْ خَلَـٰئِفَ فِى ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } مشعر بأن الله تعالى ما كان عالماً بأحوالهم قبل وجودهم. والجواب: المراد منه أنه تعالى يعامل العباد معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم، ليجازيهم بحسبه كقوله: { أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } تفسير : [هود: 7] وقد مر نظائر هذا. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن الدنيا خضرة حلوة وأن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون » تفسير : وقال قتادة: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا، فأروا الله من أعمالكم خيراً، بالليل والنهار. المسألة الثالثة: قال الزجاج: موضع {كَيْفَ } نصب بقوله: {تَعْمَلُونَ } لأنها حرف، لاستفهام والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، ولو قلت: لننظر خيراً تعملون أم شراً، كان العالم في خير وشر تعملون.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} يعني الأمم الماضية من قبل أهل مكة أهلكناهم. {لَمَّا ظَلَمُواْ} أي كفروا وأشركوا. {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالمعجزات الواضحات والبراهين النيرات. {وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} أي أهلكناهم لعلمنا أنهم لا يؤمنون. يخوف كفار مكة عذاب الأمم الماضية؛ أي نحن قادرون على إهلاك هؤلاء بتكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم، ولكن نمهلهم لعلمنا بأن فيهم من يؤمن، أو يخرج من أصلابهم من يؤمن. وهذه الآية تردّ على أهل الضلال القائلين بخلق الهُدىٰ والإيمان. وقيل: معنىٰ «ما كانوا ليؤمنوا» أي جازاهم على كفرهم بأن طبع على قلوبهم؛ ويدلّ على هذا أنه قال: {كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ}.
البيضاوي
تفسير : {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ} يا أهل مكة. {لَمَّا ظَلَمُواْ} حين ظلموا بالتكذيب واستعمال القوى والجوارح لا على ما ينبغي {وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَاتِ } بالحجج الدالة على صدقهم وهو حال من الواو بإضمار قد أو عطف على ظلموا. {وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } وما استقام لهم أن يؤمنوا لفساد استعدادهم وخذلان الله لهم وعلمه بأنهم يموتون على كفرهم، واللام لتأكيد النفي. {كَذٰلِكَ } مثل ذلك الجزاء وهو إهلاكهم بسبب تكذيبهم للرسل وإصرارهم عليه بحيث تحقق أنه لا فائدة في إمهالهم {نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ } نجزي كل مجرم أو نجزيكم فوضع المظهر موضع الضمير للدلالة على كمال جرمهم وأنهم أعلام فيه.
ابن كثير
تفسير : أخبر تعالى عما أحل بالقرون الماضية في تكذيبهم الرسل فيما جاؤوهم به من البينات والحجج الواضحات، ثم استخلف الله هؤلاء القوم من بعدهم، وأرسل إليهم رسولاً لينظر طاعتهم له، واتباعهم رسوله. وفي صحيح مسلم من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إِن الدنيا حلوة خضرة، وإِن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» تفسير : وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا زيد بن عوف أبو ربيعة بهذا أنبأنا حماد عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن عوف بن مالك قال لأبي بكر: رأيت فيما يرى النائم كأن سبباً دُلِّيَ من السماء، فانتُشِط رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أعيد فانتشط أبو بكر، ثم ذرع الناس حول المنبر، ففضل عمر بثلاثة أذرع حول المنبر، فقال عمر: دعنا من رؤ ياك، لا أرب لنا فيها، فلما استخلف عمر، قال: يا عوف رؤياك؟ قال: وهل لك في رؤياي من حاجة، أو لم تنتهرني؟ قال: ويحك، إني كرهت أن تنعي لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، فقص عليه الرؤيا، حتى إذا بلغ: ذرع الناس إلى المنبر بهذه الثلاث الأذرع، قال: أما إحداهن، فإنه كان خليفة، وأما الثانية، فإنه لا يخاف في الله لومة لائم، وأما الثالثة، فإنه شهيد، قال: فقال: يقول الله تعالى: { ثُمَّ جَعَلْنَـٰكُمْ خَلَـٰئِفَ فِى ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} فقد استُخْلِفت يا بنَ أمِّ عمرَ، فانظر كيف تعمل؟ وأما قوله: فإني لا أخاف في الله لومة لائم فيما شاء الله، وأما قوله: شهيد، فأنى لعمر الشهادة، والمسلمون مطيفون به؟
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ } الأمم {مِن قَبْلِكُمْ } يا أهل مكة {لَمَّا ظَلَمُواْ } بالشرك {وَ} قد { جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ } الدلالات على صدقهم {وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } عطف على «ظلموا» {كَذٰلِكَ } كما أهلكنا أولئك {نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ } الكافرين.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ ءَآيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} يعني آيات القرآن التي هي تبيان كل شيء. {قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقآءَنَا} يعني مشركي أهل مكة. {ائتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَآ أَوْ بَدِّلْهُ} والفرق بين تبديله والإتيان بغيره أن تبديله لا يجوز أن يكون معه، والإتيان بغيره قد يجوز أن يكون معه. وفي قولهم ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم سألوه الوعد وعيداً، والوعيد وعداً، والحلال حراماً، والحرام حلالاً، قاله ابن جرير الطبري. الثاني: أنهم سألوه أن يسقط ما في القرآن من عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم، قاله ابن عيسى. الثالث: أنه سألوه إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور، قاله الزجاج. {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءي نَفْسِي} أي ليس لي أن أتلقاه بالتبديل والتغيير كما ليس لي أَن أتلقاه بالرد والتكذيب. {إِنْ أَتَّبعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} فيما أتلوه عليكم من وعد ووعيد وتحليل وتحريم أو أمر أو نهي. {إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} في تبديله وتغييره. {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} يعني يوم القيامة. قوله عز وجل: {قُل لَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ} يعني القرآن: {وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ولا أعلمكم به، قاله ابن عباس. الثاني: ولا أنذركم به، قاله شهر بن حوشب. الثالث: ولا أشعركم به، قاله قتادة. {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه أراد ما تقدم من عمره قبل الوحي إليه لأن عمر الإنسان مدة حياته طالت أو قصرت. الثاني: أنه أربعون سنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بعد الأربعين وهو المطلق من عمر الإنسان، قاله قتادة. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أني لم أدَّع ذلك بعد أن لبثت فيكم عمراً حتى أُوحِي إليّ، ولو كنت افتريته لقدمته.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية وعيد للكفار وضرب أمثال لهم، أي كما فعل هؤلاء فعلكم فكذلك يفعل بكم ما فعل بهم، وقوله، {وما كانوا ليؤمنوا } إخبار عن قسوة قلوبهم وشدّة كفرهم، وقرأ جمهور السبعة وغيرهم: " نجزي" بنون الجماعة، وفرقة " يجزي " بالياء على معنى يجزي الله، و {خلائف} جمع خليفة، وقوله {لننظر} معناه لنبين في الوجود ما علمناه أزلاً، لكن جرى القول على طريق الإيجاز والفصاحة والمجاز، وقرأ يحيى بن الحارث وقال: رأيتها في الإمام مصحف عثمان، "لنظر " بإدغام النون في الظاء، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن الله تعالى إنما جعلنا خلفاء لينظر كيف عملنا فأروا الله حسن أعمالكم في السر والعلانية، وكان أيضاً يقول: قد استخلفت يا ابن الخطاب فانظر كيف تعمل؟ وأحيانا كان يقول قد استخلفت يا ابن أم عمر، قوله تعالى {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } الآية، هذه الآية نزلت في قريش لأن بعض كفارهم قال هذه المقالة على معنى ساهلنا يا محمد واجعل هذا الكلام الذي هو من قبلك على اختيارنا وأحل ما حرمته وحرم ما حللته ليكون أمرنا حينئذ واحداً وكلمتنا متصلة، فذم الله هذه الصنعة وذكرهم بأنهم يقولون هذا للآيات البيّنات، ووصفهم لأنهم لا يؤمنون بالبعث، ثم أمر الله نبيه عليه السلام أن يرد عليهم بالحق الواضح وأن يستسلم ويتبع حكم الله تعالى ويعلم بخوفه ربه، و" اليوم العظيم " يوم القيامة.
النسفي
تفسير : {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ } يا أهل مكة {لَمَّا ظَلَمُواْ } أشركوا وهو ظرف {أهلكنا} والواو في {وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم } للحال أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم رسلهم {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ } بالمعجزات {وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } إن بقوا ولم يهلكوا لأن الله علم منهم أنهم يصرون على كفرهم، وهو عطف على {ظلموا} أو اعتراض، واللام لتأكيد النفي يعني أن السبب في إِهلاكهم تكذيبهم للرسل، وعلم الله أنه لا فائدة في إمهالهم بعد أن ألزموا الحجة ببعثة الرسل {كَذٰلِكَ } مثل ذلك الجزاء يعني الإهلاك {نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ } وهو وعيد لأهل مكة على إجرامهم بتكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم {ثُمَّ جَعَلْنَـٰكُمْ خَلَـٰئِفَ فِى ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم } الخطاب للذين بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم أي استخلفناكم في الأرض بعد القرون التي أهلكناها {لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } أي لننظر أتعملون خيراً أو شراً فنعاملكم على حسب عملكم. و{كيف} في محل النصب بـ {تعملون} لا بـ {ننظر}، لأن معنى الاستفهام فيه يمنع أن يتقدم عليه عامله، والمعنى أنتم بمنظر منا فانظروا كيف تعملون، أبالاعتبار بماضيكم أم الاغترار بما فيكم؟ قال عليه السلام: «حديث : الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون»تفسير : { وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا بَيّنَاتٍ } حال {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا} لما غاظهم ما في القرآن من ذم عبادة الأوثان والوعيد لأهل الطغيان { ٱئْتِ بِقُرْءانٍ غَيْرِ هَـٰذَا } ليس فيه ما يغيظنا من ذلك نتبعك {أَوْ بَدّلْهُ } بأن تجعل مكان آية عذاب آية رحمة وتسقط ذكر الآلهة وذم عبادتها، فأمر بأن يجيب عن التبديل لأنه داخل تحت قدرة الإنسان وهو أن يضع مكان آية عذاب آية رحمة وأن يسقط ذكر الآلهة بقوله: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي } ما يحل لي {أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَائي نَفْسِي } من قبل نفسي {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ } لا أتبع إلا وحي الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تبديل، لأن الذي أتيت به من عند الله لا من عندي فأبدله {إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى } بالتبديل من عند نفسي {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } أي يوم القيامة. وأما الإتيان بقرآن آخر فلا يقدر عليه الإنسان، وقد ظهر لهم العجز عنه إلا أنهم كانوا لا يعترفون بالعجز ويقولون لو نشاء لقلنا مثل هذا. ولا يحتمل أن يريدوا بقوله {أئت بقرآن غير هذا أو بدله} من جهة الوحي لقوله: {إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} وغرضهم في هذا الاقتراح الكيد، أما اقتراح إبدال قرآن بقرآن ففيه أنه من عندك وأنك قادر على مثله فأبدل مكانه آخر، وأما اقتراح التبديل فلاختبار الحال، وأنه إن وجد منه تبديل فإما أن يهلكه الله فينجوا منه أولا يهلكه فيسخروا منه، فيجعلوا التبديل حجة عليه وتصحيحاً لإفترائه على الله
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ} الآية. لما حكى عنهم أنَّهم كانوا يقولون: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً}تفسير : [الأنفال:32] الآية. وأجاب بأن ذكر أنَّهُ: لا صلاح في إجابة دعائهم، ثم بيَّن أنَّهم كانوا كاذبين في هذا الطلب؛ لأنَّه لو نزلت بهم آفةٌ، تضرَّعُوا إلى الله تعالى في إزالتها، بيَّن ههنا ما يجري مجرى التهديد: وهو أنَّه تعالى قد أنزل بهم عذاب الاستئصال ولا يزيله عنهم؛ ليكون ذلك رَادعاً لهم عن قولهم: {أية : إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ}تفسير : [الأنفال:32]؛ لأنَّهم متى سمعُوا أنَّ الله قد يجيبُ دعاءهم، وينزل بهم عذاب الاستئصال، ثم سمعوا من اليهُود والنَّصارى، أنَّ ذلك قد وقع مراراً كثيرة، صار ذلك رَادِعاً عن ذكر هذا الكلام. قوله: "مِن قَبْلِكُمْ" متعلقٌ بـ "أهْلَكْنَا"، ولا يجوز أن يكون حالاً من "القُرُون"؛ لأنَّه ظرف زمانٍ، فلا يقعُ حالاً عن الجثَّة، كما لا يقع خبراً عنها، وقد تقدَّم تحقيقُ هذا أوَّل البقرة [البقرة:21]، وتقدم الكلامُ على "لمَّا" [البقرة:17]، قال الزمخشري: "لما" ظرف لـ "أهْلَكْنَا"، و "وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم" يجوز أن يكون معطوفاً على "ظَلَمُوا"، فلا محلَّ له عند سيبويه، ومحلُّه الجر عند غيره؛ لأنَّه عطف على ما هو في محلِّ جرِّ بإضافة الظرف إليه، ويجوز أن يكون في محلِّ نصب على الحال، أي: ظلمُوا بالتَّكذيب، وقد جاءتهُم رُسُلُهم بالحُجَجِ والشَّوَاهدِ على صدقهم. و "بالبَيِّنَاتِ" يجوز أن يتعلَّق بـ "جَاءتْهُم"، ويجوزُ أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ، على أنَّه حالٌ من "رُسلهُمْ"، أي: جاءُوا مُلتبسِين بالبيِّناتِ، مُصاحبين لها. قوله: {وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} يجوز عطفه على "ظَلَمُوا"، وهو الظَّاهرُ، وجوَّز الزمخشري أن يكون اعتراضاً قال: واللامُ لتأكيد نفي إيمانهم، ويعني بالاعتراض: كونه وقع بين الفعل، ومصدره التشبيهي في قوله: "كذلِكَ نَجْزِي" والضميرُ في "كانُوا" عائد على "القُرُون"، وجوَّز مقاتلٌ: أن يكون ضمير أهل مكة، وعلى هذا يكونُ التفاتاً، إذ فيه خُرُوجٌ من ضمير الخطابِ في قوله: "قَبْلِكُمْ"، إلى الغيبة، والمعنى: وما كنتم لتُؤمِنُوا. و "كذلِكَ" نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي: مثل ذلك الجزاء نجزي. وقرىء "يَجْزِي" بياء الغيبة؛ وهو التفاتٌ من التكلُّم في قوله: "أهْلَكْنَا"، إلى الغيبةِ. قوله: "ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ" أي: خلفاء {فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم} أي: من بعد القرون التي أهلكناهم، وهذا خطابٌ للذين بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم. قوله: "لِنَنظُرَ" متعلق بالجعل، وقرأ يحيى الذماري بنون واحدة، وتشديد الظَّاء، وقال يحيى: "هكذا رأيتُه في مصحف عثمان"، يعني: أنَّه رآها بنُون واحدة، ولا يعني أنَّهُ رآها مشددة؛ لأنَّ هذا الشَّكل الخاصَّ إنَّما حدث بعد عثمان، وخرجوها على إدغامِ النُّونِ الثانية في الظَّاء، وهو رَدِيءٌ جداً، وأحسنُ ما يقال هنا: إنَّه بالغ في إخفاءِ غُنَّة النُّون السَّاكنة، فظنَّه السَّامع إدغاماً، ورؤيته له بنُونٍ واحدةٍ، لا يدلُّ على قراءته إيَّاه مشددة الظَّاءِ، ولا مُخَفَّفها. قال أبو حيان: "ولا يدلُّ على حذف النُّون من اللفظِ" وفيه نظرٌ؛ لأنه كيف يقرأ ما لم يكن مكتوباً في المصحف الذي رآه؟ وقوله: "كَيْفَ" منصوبٌ بـ "تَعْملُون" على المصدر، أي: أيَّ عملٍ تعملُون، وهي معلِّقة للنَّظر. فإن قيل: كيف جاز النَّظرُ إلى الله تعالى وفيه معنى المقابلة؟ فالجواب: أنَّه استعير لفظُ النظرِ للعلم الحقيقيِّ، الذي لا يتطرَّقُ إليه الشَّكُّ، وشبه هذا العلم بنظرِ النظر، وعيان العاين. فإن قيل: قوله: "لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ" مُشْعرٌ بأنَّ الله - تعالى - ما كان عالماً بأحوالهم قبل وجودهم. فالجواب: أنَّه - تعالى - يعامل العباد معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم؛ ليُجازيهُم بجنسه، كقوله: {أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [هود:7]، قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : إنَّ الدُّنْيَا خضرةٌ حُلوةٌ وإنَّ الله مُستخْلفُكُمْ فيهَا فنَاظِرٌ كيف تعمَلُون"تفسير : ، قال الزجاج: "موضع "كيف" نصب بقوله: "تَعْمَلُون"؛ لأنَّها حرف استفهام، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله". قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} الآية. روي عن ابن عبَّاس: أن خمسة من الكفار كانوا يستهزءون بالرَّسول - عليه الصلاة والسلام - وبالقرآن: الوليدُ بن المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن حنظلة، فقتل الله - تعالى - كل واحدٍ منهم بطريقٍ، كما قال:{أية : إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ}تفسير : [الحجر:95]. وقال مقاتل: هم خمسة: عبد الله بن أميَّة المخزومي، والوليد بن المغيرة، ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري، والعاص بن عامر بن هشام، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن كنت تريد أن نؤمن بك، فأتِ بقرآنٍ ليس فيه تركُ عبادة اللاَّتِ، والعُزَّى، ومناة، وليسَ فيه عيبها، وإنْ لَمْ يُنْزلهُ الله، فقُلْ أنت من عند نفسك، أو بدله، فاجعل مكان آيةٍ عذابٍ آية رحمة، ومكان حرامٍ حلالاً، وحلال حراماً. فإن قيل: إذا بدَّل هذا القرآن فقد أتى بغير هذا القرآن، وإذا كان كذلك، كان كلُّ واحدٍ من هذين الأمرين هو نفس الآخر، وممَّا يدلُّ على أنَّ كلَّ واحدٍ منهما عين الآخر: أنَّه - عليه الصلاة والسلام - اقتصر على الجواب بنفي أحدهما، فقال:{ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ}، فيكون التَّرديد فيه والتخيير باطلاً. فالجواب: أنَّ أحد الأمرين غيرُ الآخر، فالإتيان بكتاب آخر، لا على ترتيب هذا القرآن ولا على نظمه، يكون إتياناً بقرآن آخر، وأمَّا إذا أتى بهذا القرآن، إلاَّ أنَّه وضع مكان ذمِّ بعض الأشياء مدحها، ومكان آية رحمةٍ آية عذابٍ، كان هذا تبديلاً، أو تقول: الإتيان بقُرآن غير هذا، هو أن يأتيهم بكتاب آخر سوى هذا الكتاب، والتبديل: هو أن يُغيِّر هذا الكتاب، مع بقاء هذا الكتاب. وقوله: إنَّه اكتفى في الجواب بنفي أحد القسمين: قلنا: إنَّ الجواب المذكُور عن أحد القسمين، هو عينُ الجواب عن القسم الثاني، فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر؛ لأنَّهُ - عليه الصلاة والسلام - بيَّن، أنَّه لا يجُوز أن يُبدِّله من تلقاءِ نفسه؛ لأنَّه واردٌ من الله - تعالى -، ولا يقدر على مثله، كما لا يقدر على مثله سائر العرب؛ لأنَّ ذلك كان مُتقرراً عندهم، لمَّا تحدَّاهُم بالإتيانِ بمثله. واعلم: أنَّ التماسهُم لهذا يحتمل أن يكون سُخْريةً واستهزاءً، ويحتمل أن يكوّن ذلك على سبيل الجدِّ، ويكون غرضهم: أنه إن فعل ذلك، علمُوا كذبه في قوله: إنَّ هذا القرآن منزَّلٌ عليه من عند الله، ويحتمل أن يكون التماسهم كتاباً آخر؛ لأن هذا القرآن مشتملٌ على ذم آلهتهم، والطَّعن في طرائقهم، فطلبُوا كتاباً آخر ليس فيه ذلك، أو يكونوا قد جوَّزُوا كون القرآن من عند الله، لكنَّهُم التمسُوا منه نسخَ هذا القرآن، وتبديله بقرآن آخر. قوله: "تِلْقاءِ" مصدرٌ على تِفْعَال، ولم يجيءْ مصدر بكسر التَّاء، إلاَّ هذا والتِّبيان، وقُرِىء شاذّاً بفتح التَّاء، وهو قياسُ المصادر الدَّالة على التَّكرار، كالتَّطْواف، والتَّجوال، وقد يستعمل التِّلقاء بمعنى قُبالتُكَ، فينتصبُ انتصابَ الظُّرُوف المكانيَّة. قوله: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ} لمَّا أمرهُ أن يقول: {مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ}، أمرهُ بأن يقُول: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ} فيما آمركم به، وأنهاكم عنه، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يحكم قط بالاجتهاد. وتمسَّك نفاة القياس بهذه الآية؛ لأنَّها تدلَّ على أنَّه - عليه الصلاة والسلام -، ما حكم إلاَّ بالنَّصِّ. ثم قال: {إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} قالت المعتزلة: هذا مشروطٌ بعدم التوبة. قوله تعالى: {قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ} الآية. لمَّا اتَّهمُوه بأنَّه أتى بهذا الكتاب من عند نفسه، احتجَّ عليهم بهذه الآية؛ وذلك بأنَّهم كانُوا عالمين بأحواله، وأنَّه ما طالع كتاباً، ولا تتلمَذ لأستاذ، ثم بعد أربعين سنة، أتى بهذا الكتاب العظيم المُشتَمل على نفائس علم الأصُول، ودقائق علم الأحكام، ولطائف علم الأخلاق، وأسرار قصص الأوَّلين، وعجز عن معارضته العلماء، والفُصحاء، والبُلغاء، فكل من له عقلٌ سليمٌ يعرف أنَّ مثل هذا، لا يحصُل إلاَّ بالوحْي، والإلهام من الله - تعالى -، والمعنى: لو شاء الله ما أنزل القرآن عليَّ. قوله: "وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ" أي ولا أعلمكم الله به، من دَريْتُ، أي: عَلِمْتُ. ويقال: دَرَيْتُ بكذا وأدْرَيْتُكَ بكذا، أي: أحطت به بطريق الدِّراية، وكذلك في "عَلِمْتُ به"؛ فتضمَّن العلمُ معنى الإحاطة، فتعَدَّى تعْديتَهَا. وقرأ ابن كثير - بخلاف عن البزِّيِّ - "ولأدْرَاكم"، بلام داخلة على "أدْرَاكم" مُثبتاً، والمعنى: ولأعْلِمكُم به من غير وساطتي: إمَّا بواسطة ملكٍ، أو رسولٍ غيري من البشر، ولكنَّه خَصَّنِي بهذه الفضيلةِ، وقراءةُ الجمهور "لا" فيها مُؤكَّدَةٌ؛ لأنَّ المعطوف على المنفيِّ منفيٌّ، وليست "لا" هذه هي التي يُنفى بها الفعلُ؛ لأنَّه لا يصحُّ نفي الفعل بها إذا وقع جواباً، والمعطوفُ على الجواب جوابٌ، ولو قلت: "لو كان كذا لا كان كذا" لم يجُزْ، بل تقول "ما كَانَ كذا"، وقرأ ابنُ عبَّاس، والحسن، وابن سيرين، وأبو رجاء: "ولاَ أدْرَأكم" بهمزةٍ ساكنةٍ بعد الرَّاء، وفي هذه القراءة تخريجان: أحدهما: أنها مبدلةٌ من ألف، والألفُ منقلبةٌ عن ياءٍ، لانفتاحِ ما قبلها وهي لغةٌ لعقيلٍ حكاها قطرب، يقولون في أعطيتُك: أعطأتُك. وقال أبو حاتم: "قلب الحسنُ الياء ألفاً، كما في لغة بني الحرث، يقولون: علاكَ وإلاكَ، ثمَّ همز على لغة من قال في العالم: العألم". وقيل: أبدلتِ الهمزة من نفس الياء، نحو: لَبَأتُ بالحجِّ، ورثَأتُ فلاناً، أي: لَبَّيْتُ ورَثَيْتُ. والثاني: أنَّ الهمزة أصليَّة، وأنَّ اشتقاقه من الدَّرْء وهو الدَّفْع، كقوله: {أية : وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ} تفسير : [النور:8]، ويقال: أدْرَأته، أي: جعلته دَارئاً، والمعنى: ولأجعلنَّكم بتلاوته خُصماء تَدْرَؤونني بالجدال، قال أبُو البقاء: "وقيل هو غلط؛ لأنَّ قارئها ظَنَّ أنَّها من الدَّرْءِ وهو الدَّفْعُ؛ وقيل: ليس بغلطٍ، والمعنى: لو شاء اللهُ لدفعكم عن الإيمان به". وقرأ شهر بن حوشب، والأعمش: "وَلاَأنذَرْتكُم" من الإنذار، وكذلك هي في مصحف عبد الله. قوله: "فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً" أي: حِيناً، وهو أربعون سنة، "مِّن قَبْلِهِ" أي: من قبل نُزُول القرآن، فقيل: الضَّمير في "قبلِه" يعود على النُّزول، وقيل: على القرآن، وقيل: على وقت النُّزُول، و "عُمُراً" مشبَّهٌ بظرف الزَّمان، فانتصب انتصابه، أي: مدة متطاولة، وقيل: هو على حذف مضافٍ، أي: مقدار عُمُر، وقرأ الأعمشُ: "عُمْراً" بسكون الميم، كقولهم "عَضْد" في "عَضُد". ثم قال: "أَفَلاَ تَعْقِلُون" أنَّهُ ليس من قبلي، قال المفسِّرون: لبث النبيُّ صلى الله عليه وسلم وشرَّف وكرَّم ومجدَّ وعظَّم فيهم قبل الوحْي أربعين سنة، ثم أوحي إليه، فأقام بمكَّة بعد الوحْي ثلاثة عشرة سنة، ثم هاجر إلى المدينة، فأقام بها عشر سنين، ثم تُوفي، وهو ابن ثلاث وستِّين سنة. وروى أنس - رضي الله عنه -: أنه أقام بمكَّة بعد الوحي عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتُوُفِّي وهو ابن ستين سنة، والأول أشهر وأظهر. قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} الآية. قال القرطبي: "هذا استفهامٌ بمعنى الجحد، أي: لا أحد أظلم ممَّن افترى على الله الكذب، وبدّل وأضاف شيئاً إليه ممَّا لم ينزل"، والمعنى: أنَّ هذا القرآن لوْ لَمْ يكُن من عند الله، لما كان أحدٌ في الدُّنيا أظلم على نفسه منِّي، حيث افتريتُه على الله، ولمَّا أقمتُ الدَّليلَ على أنَّه ليس الأمر كذلك، بل هُو وحيٌ من الله - تعالى -، وجب أن يقال: إنَّه ليس في الدُّنيا أحد أجهل، ولا أظلم على نفسه منكم. والمقصود: نَفْي الكذب عن نفسه. وقوله: "...أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ" فالمراد: إلحاق الوعيد الشديد بهم؛ حيث أنكروا دلائل الله - تعالى -، وكذَّبوا بآيات الله، وبمحمد صلى الله عليه وسلم، وبالقرآن، ثم قال: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي: لا يَنْجُو المشركُون، وهذا تأكيدٌ لما سبق من هذين الكلامين.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} [الآية: 13]. قال ابن عطاء: لما اعتمدوا سوانا. قال جعفر: لما قابلوا نعمتنا بالكفران. وقال أبو عثمان: {لَمَّا ظَلَمُواْ} لما لم يعرفوا حقوق أكابرهم، ولم يتأدبوا بآدابهم. وقال بعضهم: لما خالفوا الشعراء والوسائط. وقال محمد بن على الترمذى: {لَمَّا ظَلَمُواْ} لما ضيعوا السنن. وقال بعضهم: لما تكبروا وتجبروا ولم يخضعوا لقبول الحق. وقال أبو بكر الوراق: الظلم هو اتباع الهوى وركوب الشهوات والركض فى ميادين اللهو واللعب وهذه تؤدى إلى الهلاك. قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ}. قال بعضهم: لما لم يقابلوا نعمتنا بالشكر.
القشيري
تفسير : أخبر الحقُّ سبحانه بإهلاك الظالمين، كما في الخبر: "حديث : لو كان الظلم بيتاً في الجنَّة لسلّط اللَّهُ عليه الخراب"تفسير : . والظلمُ وَضْعُ الشيء في غير موضعه، فإذا وَضَعَ العبدُ قَصْدَه - عند حوائجه - في المخلوقين، وتعلَّق قلبُه بهم في الاستعانة، وطََلَبِ المأمول فقد وَضَعَ الشيءَ في غير موضعه، وهو ظلم؛ فعقوبة هذا الظلم خرابُ القلب، وهو انسداد طريق رجوع ذلك القلب إلى الله؛ لأنه لو رجع إلى الله لأعانه وكفاه، ولكنه يُصِرُّ على تعليق قلبه بالمخلوق فيبقى عن الله، ولا ترتفع حاجتُه من غيره، وكان من فقره وحاجته في مَضَرَّةٍ. فإنْ صار إلى مضرة المذلة والحاجة إلى اللئيم فتلك محنةٌ عظيمةٌ. وعلى هذا القياس إذا أحبَّ مخلوقاً فقد وَضَعَ محبته في غير موضعها، وهذا ظلم، وعقوبَتُه خراب روحه لِعَدَم صفاءِ ودِّه ومحبته لله، وذهاب ما كان يجده من الأنُس بالله، إذا بقي عن الله يُذيقه الحَقُّ طعمَ المخلوقين، فلا له مع الخْلقِ سَلْوة، ولا من الحقِّ إلا الجفوة، وعدم الصفوة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد اهلكنا القرون} يعنى الامم الماضية مثل قوم نوح وعاد {من قبلكم} متعلق باهلكنا وليس بحال من القرون لانه زمان اى اهلكناهم من قبل زمانكم يا اهل مكة {لما ظلموا} حين ظلموا بالتكذيب واستعمال القوى والجوارح لاعلى ما ينبغى {وجاءتهم} اى والحال انهم قد جاءتهم {رسلهم بالبينات} اى بالحجج الدالة على صدقهم {وما كانوا ليؤمنوا} وما استقام لهم ان يؤمنوا لفساد استعدادهم وخذلان الله لهم وعلمه بانهم يموتون على كفرهم وهو عطف على ظلموا كأنه قيل لما ظلموا واصروا على الكفر بحيث لم يبق فائدة في امهالهم اهلكناهم {كذلك} اى مثل ذلك الجزاء وهو اهلاكهم بسبب تكذيبهم للرسل واصرارهم عليه بحيث تحقق انه لا فائدة في امهالهم {نجزي القوم المجرمين} نجزى كل مجرم {ثم جعلناكم خلائف في الارض من بعدهم} استخلفناكم فيها بعد القرون التى اهلكناها استخلاف من يختبر لان الله تعالى لا يحتاج فى العلم باحوال الانسان الى الاختبار والامتحان فى الحقيقة ولكن يعامل معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم ليجازيهم بحسبه {لننظر} النظر في اللغة عبارة عن تقليب الحدقة نحو المرئى طلبا لرؤيته وهو في حقه تعالى مستعار للعلم المحقق الذى لا يتطرق اليه شك ولا شبهة بان يشبه هذا العلم بنظر الناظر وادراكه عين المرئى على سبيل المعاينة والمشاهدة ويطلق عليه لفظ النظر والرؤية على سبيل الاستعارة التصريحية ثم تسرى الاستعارة الى الفعل تبعا. قال الكاشفى [تابه بينيم در صورت شهادت بعد ازانكه دانستيم در غيب شما كه] {كيف تعملون} [جه كونه عمل خواهيد كرد ازخير وشرتا باشما بمقتضاى اعمال شما معامله كنيم ان خيرا فخير وان شرا فشر] شعر : جرا آبينة فعلست كويى كه دروى هرجه كردى مينمايد اكر كردى نكوئي نيك بينى وكربد كرده بد بيشت آيد تفسير : وكيف معمول تعملون فان معنى الاستفهام يحجب ان يعمل فيه ما قبله وفائدته الدلالة على ان المعتبر في الجزاء جهات الافعال وكيفياتها لا من حيث ذاتها ولذلك يحسن الفعل تارة ويقبح اخرى وفى الحديث (ان الدنيا حلوة خضرة) يعنى حسنة في المنظر (تعجب الناظر) والمراد من الدنيا صورها ومتاعها وانما وصفها بالخضرة لان العرب تسمى الشئ الناعم خضراء ولتشبيهها بالخضراوات فى سرعة زوالها وفيه بيان كونها غرارة يفتتن الناس بحسنها: قال الحافظ شعر : خوش عروسست جهان ازره صورت ليكن هر كه بيوست بدو عمر خودش كابين داد تفسير : قال في فتح القريب حسنها للنفوس ونضارتها ولذتها كالفاكهة الخضراء الحلوة فان النفس تطلبها طلبا حثيثا فكذلك الدنيا وهى فى الحال حلوة خضراء وفى المآل مرة كدرة نعمت المرضعة وبئست الفاطمة (وان الله مستخلفكم فيها) اى جاعلكم خلفاء فى الدنيا يعنى ان اموالكم ليست فى الحقيقة لكم وانما هى لله جعلكم فى التصرف فيها بمنزلة الوكلاء (فناظر كيف تعملون) اى تتصرفون قيل معناه جاعلكم خلفا ممن قبلكم واعطى ما بايديهم اياكم فناظر هل تعتبرون بحالهم وتتدبرون فى مآلهم. قال قتادة ذكر لنا عمر رضى الله عنه قال صدق ربنا جعلنا خلفاء الارض لينظر الى اعمالنا فاروه من اعمالكم خيرا بالليل والنهار والسر والعلانية. وفى الآية وعيد لاهل مكة على اجرامهم بتكذيب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليرتدعوا عن انكار النبوة واستعجال الشر حذرا من ان ينزل بهم عذاب الاستئصال كما نزل بمن قبلهم من المكذبين وهذا الوعيد والتهديد لا يختص بهم فان اهل كل قرن خليفة لمن قبله الى قيام الساعة فعلى العاقل ان يعتبر بمن مضى ويتدارك حاله قبل نزول القضاء. قال فى التأويلات النجمية ان لهذه الامة اختصاصا باستحقاق الخلافة الحقيقية التى اودعها الله فى آدم عليه السلام بقوله {أية : انى جاعل في الارض خليفة} تفسير : ولهذا السر ما كان في امة من الامم من الخلفاء ما كان فى هذه الامة بالصورة والمعنى وللخلافة صورة ومعنى فكما ان صورة الخلافة مبنية على الحكم بين الرعية الصورية بالعدل والتسوية على قانون الشرع والاجناب عن متابعة الهوى والطبع كذلك معنى الخلافة مبنى على الحكم بين الرعية المعنوية وهى الجوارح والاعضاء والقلب والروح والسر والنفس وصفاتها واخلاقها والحواس الخمس والقوى النفسانية بالحق كما كان سيرة الانبياء وخواص الاولياء فى طلب الحق ومجانبة الباطل وترك ما سوى الله والوصول الى الله
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ولقد أهلكنا القرونَ من قبلكم} يا أهل مكة، {لمَّا ظلمُوا} بالكفر وتكذيب الرسل، {وجاءتهم رسلُهم بالبينات}: بالمعجزات الواضحات، الدالة على صدقهم، {وما كانوا ليؤمنوا} أي: ما استقام لهم أن يُؤمنوا، لما سبق لهم من الشقاء ولفساد استعدادهم، أو ما كانوا ليؤمنوا بعد أن هلكوا لفوات محله، {كذلك} أي: مثل ذلك الجزاء ـ وهو إهلاكهم بسبب تكذيبهم الرسل وإصرارهم عليه، بحيث تحقق أنه لا فائدة في إمهالهم ـ {نجزي القوم المجرمين} أي: نجزي كل مجرم، أو نجزيهم، ووضع المظهر موضع المضمر؛ للدلالة على كمال جرمهم، وأنهم أعلام فيه. قال البيضاوي. {ثم جعلناكم} يا أمة محمد {خلائف في الأرض من بعدِهم} من بعد إهلاكهم، فقد استخلفناكم فيها بعد القرون التي أهلكناها، استخلاف من يختَبرُ {لننظُرَ} أي: لنظهر ما سبق به العلم، فيتبين في الوجود، {كيف تعملون}، أخيراً أم شراً؟ فنعاملكم على مقتضى أعمالكم. وكان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "إنما جعلنا خلفاً لينظر كيف عملنا، فأروا الله حسن أعمالكم في السر والعلانية" وكان أيضاً يقول: "قد استخلفتَ يا ابن الخطاب، فانظر كيف تعمل". الإشارة: ما هلك من هلك إلا لإخلاله بالشرائع أو بالحقائق، فالشرائع، صيانة للأشباح، والحقائق صيانة للأرواح، فمن قام بالشرائع كما ينبغي صان نفسه من الآفات الدنيوية والأخروية، ومن قام بالحقائق على ما ينبغي، صان روحَه من الجهل بالله في هذه الدار، وفي تلك الدار ومن قام بهما معاً صان جسمه وروحه، وكان من المقربين، ومن قام بالشرائع دون الحقائق صان جسمه وترك روحه معذَّبةً في هذه الدار بالخواطر والوساوس والأوهام، وفي تلك الدار بالبعد والمقام مع العوام. ومن قام بالحقائق دون الشرائع فإن كان دعوى عُذب جسمه وروحه لزندقته، وإن كان حقاً عذب جسمه هنا بالقتل، كما فُعل بالحلاج، والتحق بالمقربين في تلك الدار. ويقال لأهل كل عصر: ولقد أهلكنا القرون من قبلكم بالبُعد وغم الحجاب، لما ظلموا بالوقوف مع الحظوظ والشهوات، وجاءتهم رسلهم التي توصلهم إلى ربهم ـ وهم أولياء زمانهم ـ الآيات الواضحة على صدقهم، ولو لم يكن إلا هداية الخلق على يديهم ـ فأنكروهم، وما كانوا ليؤمنوا بهم لِمَا سبق لهم من البُعد، ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم، لننظر كيف تعملون مع شيوخ التربية في زمانكم، هل تنكرونهم أو تقرونهم، والله تعالى أعلم. ثم ذكر حال أهل الإنكار، فقال: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ}.
الطوسي
تفسير : أقسم الله تعالى في هذه الاية أنه اهلك من كان قبل هذه الأمة من القرون، وهو جمع قرن. وسمي أهل كل عصر قرناً لمقارنة بعضهم لبعض. والقرن هو المقاوم لقرينه في الشدة، ويعني بذلك الذين كذبوا رسل الله الذين بعثهم الله اليهم فكفروا بذلك بربهم وظلموا أنفسم، فأهلكهم الله بأنواع العذاب وفنون الاستئصال كما أهلك قوم لوط وقوم موسى وغيرهم، وبين بقوله {وما كانوا ليؤمنوا} ان هذه الأمم التي أهلكهم لم يكونوا مؤمنين ولو أبقاهم الله لم يؤمنوا بالرسل الذين أتوهم والكتب التي جاؤهم بها، ولما كان ذلك المعلوم من حالهم استحقوا من الله تعالى العذاب فأهلكهم. وقوله {كذلك نجزي القوم المجرمين} اي نعاقب مثل عقوبة هؤلاء المجرمين اذا استحقوا أو كانوا ممن لا يؤمن ولا يصلح. وجعل ابو علي الجبائي ذلك دليلا على ان تبقية الكافر إذا علم من حاله أنه يؤمن فيما بعد واجبة.
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} انفسهم بالغفلة وعدم المبالاة بسخط الله ومكره وهو تهديد للغافلين {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} فما اكترثوا بهم وببيّناتهم لغاية غفلتهم {وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} لغاية غفلتهم وانهماكم فى الشّهوات لتزيين الشّيطان لهم اعمالهم الشّهويّة {كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ} اى خلائف لنا او للاسلاف {فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ} وهم الواقعون فى جهنّام النّفس والنّفس كالمرأة الخبيثة لا ترضى بوضع يحصل لها وتتمنّى دائماً غير الوضع الّذى هو حاصل لها وهؤلاء باقتضاء فطرة النّفس سئلوا تبديل القرآن {أَوْ بَدِّلْهُ} يعنى اترك هذا القرآن وائت بمكانه قرآناً نرتضيه، او غيّره بتبديل ما لا نرتضيه الى ما نرتضيه {قُلْ مَا يَكُونُ} ما يصحّ {لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ} اى اغيّره بترك اصله او بتدبيل آياته او اقتصر على الامتناع عن التّبديل ليدلّ على انّ تركه اصلاً اولى بالامتناع {مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ} بدون امر ربّى {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ} يعنى ليس لى نفسيّة وامر نفسٍ واتّباع لامر النّفس لانّ شأنى واتّباعى مقصور على امر ربّى {إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} جواب سؤال عن العلّة وتعريض بهم حيث يعصون ولا يخافون.
اطفيش
تفسير : {ولقَدْ أهْلكنا القُرونَ مِنْ قبْلكُم} يا أهل مكة {لما ظَلمُوا} أنفسهم بالشرك، واستعمالها فى المهلكات {وجَاءتْهم رسُلُهم بالبيناتِ} الدلائل على صدقهم، والواو عاطفة على ظلموا عطف سابق على لاحق، أو يقدر وجاءتهم رسلهم بالبينات فلم يؤمنوا بدليل ما بعد، أو يعنى ما بعد عن التقدير، فتكون لعطف لاحق على سابق، أو هى للحال على تقدير قد، ولم يشترط البصريون تقديرها. {وما كانُوا ليؤمِنُوا} بهم لفساد قلوبهم وخذلانهم، وسبق الشقاوة فأهلكوا بتكذيبهم حين لا حكمة فى إبقائهم، وذلك مستأنف أو عطف على ظلموا، أو جاءتهم رسلهم، أو حال من هاء جاءتهم، وعلى الاستئناف وهو معترض بين كذلك وأهلكنا. {كَذَلكَ} أى مثل ذلك الإِهلاك، فإنه جزاء على تكذيبهم، أو قدر مثل ذلك الجزاء وهو الإهلاك فى مقابلة التكذيب {نَجْزى} وقرئ يجزى بالمثناة التحتية {القَوم المجْرمينَ} أى قوم كانوا، فاحذروا يا أهل مكة أن تكونوا منهم، أو نجزيكم يا أهل مكة لتكذيبكم كمن قبلكم، فوضع الظاهر موضع المضمر إعلاما بكمال جرمهم، وأنهم فيه مشاهير.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ} كقوم نوح وعاد وثمود. والقرن هنا أَهل كل زمان مأْخوذ من الاقتران، فكل أَهل زمان مقترنون فى أَعمالهم وأَحوالهم {لَمَّا ظَلَمُوا} أَنفسهم بالإِشراك والفجور، وأَصروا إِلى أَجلهم فلم يبق وجه لتأْخيرهم. ولما ظرف متعلق بأَهلكنا خارج عن الصدر استغنى بما قبله عما يكون جواباً له لو قدم، أَو حرف استغنى كذلك كما يستغنى عن جواب إِن بما تقدمها، والظرف المضاف للحدث مشعر بأَن ذلك الحدث علة لمتعلقه كتعليق الحكم بالمشتق، وليست لما نفسها للتعليل، والمعنى أَن إِهلاكهم بسبب ظلمهم كما نقول فى إِذا التعليلية إِنها ظرف، والتعليل مستفاد بمدخولها لأَحرف تعليل كما شهر {وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ} الدلائل على صدقهم فلا عذر لهم، عطف على أَهلكنا عطف سابق على لاحق، أَو حال من واو ظلموا بتقدير قد لأَنه ماض مثبت متصرف، وقيل أَو بدون تقديرها {وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا} حال من هاءِ جاءَتهم، أَو عطف على جاءَتهم واللام لتأْكيد النفى بمعنى أَنهم أَشقياءُ لا يتركون الإِصرار، وليس الجملة تأْكيداً للجملة قبلها لأَن الأُولى تكذيب، وهذه إِصرار عليه والضمير للقرون، وأَجاز مقاتل كونه لأَهل مكة، وهو ضعيف {كَذَلِكَ} أَى مثل ذلك الإِهلاك للإِصرار على ترك الإِيمان {نَجْزِى الْقَوْمَ المُجْرِمِينَ} سائِر المجرمين الذين بعد كأُهل مكة أَو هم المراد فالأَصل نجزيهم، فوضع الظاهر موضع المضمر ليصفهم بالإِجرام الذى هو علة للإِهلاك وللفاصلة وعليه فأَل للعهد.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ} مثل / قوم نوح وعاد وثمود وهو جمع قرن بفتح القاف أهل كل زمان مأخوذ من الاقتران كأن أهل ذلك الزمان اقترنوا في أعمالهم وأحوالهم، وقيل: القرن أربعون سنة وقيل: ثمانون وقيل مائة وقيل هو مطلق الزمان، والمراد هنا المعنى الأول وكذا في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خير القرون قرني ثم الذين يلونهم»تفسير : وقوله: شعر : إذا ذهب القرن الذي أنت فيهم وخلفت في قرن فأنت غريب تفسير : {مِن قَبْلِكُمْ} أي من قبل زمانكم، والخطاب لأهل مكة على طريقة الالتفات للمبالغة في تشديد التهديد بعد تأييده بالتوكيد القسمي، والجار والمجرور متعلق بأهلكنا، ومنع أبو البقاء كونه حالا من القرون {لَمَّا ظَلَمُواْ} أي حين فعلوا الظلم بالتكذيب والتمادي في الغي والضلال، والظرف متعلق بأهلكنا وجَعْل (لما) شرطية بتقدير جواب هو أهلكناهم بقرينة ما قبله تكلف لا حاجة إليه وقوله سبحانه: {وَجَآءتْهُمْ رُسُلُهُم} حال من ضمير {ظَلَمُواْ} بإضمار قد وقوله تعالى: {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} متعلق بجاءتهم على أن الباء للتعدية أو بمحذوف وقع حال من {رُسُلُهُمْ} دالة على إفراطهم في الظلم وتناهيهم في المكابرة أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم رسلهم بالآيات البينة الدالة على صدقهم أو متلبسين بها حين لا مجال للتكذيب، وجوز أبو البقاء وغيره عطفه على {ظَلَمُواْ} فلا محل له من الإعراب أو محله الجر وذلك عند من يرى إضافة الظرف إلى المعطوف عليه، والترتيب الذكري لا يجب أن يكون حسب الترتيب الوقوعي كما في قوله تعالى: {أية : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا } تفسير : [يوسف: 100] ولا حاجة إلى هذا الاعتذار بناء على أن الظلم ليس منحصراً في التكذيب بل هو محمول على سائر أنواع الظلم، والتكذيب مستفاد من قوله تعالى: {وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } على أبلغ وجه وآكده لأن اللام لتأكيد النفي. وهذه الجملة على الأول عطف على {ظَلَمُواْ} وليس من العطف التفسيري في شيء على ما قاله صاحب «الكشف» خلافاً للطيبـي لأن الأولى إخبار بإحداث التكذيب وهذه إخبار بالإصرار عليه، وعلى الثاني عطف على ما عطف عليه، وقيل: اعتراض للتأكيد بين الفعل وما يجري مجرى مصدره التشبيهي أعني قوله سبحانه: {كَذٰلِكَ} فإن الجزاء المشار إليه عبارة عن مصدره أي مثل ذلك الجزاء الفظيع أي الإهلاك الشديد الذي هو الاستئصال بالمرة {نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي كل طائفة مجرمة فيشمل القرون، وجعل ذلك عبارة عنهم غير مناسب للسياق. وقرىء {يجزي} بياء الغيبة التفاتاً من التكلم في {أَهْلَكْنَا} إليها. وحاصل المعنى على تقدير العطف أن السبب في إهلاكهم تكذيبهم الرسل وأنهم ما صح وما استقام لهم أن يؤمنوا لفساد استعدادهم وخذلان الله تعالى إياهم، ويقتصر على الأمر الأول في بيان الحاصل على تقدير الاعتراض، وذكر الزمخشري بدل الأمر الثاني علم الله تعالى أنه لا فائدة في إمهالهم بعد أن ألزموا الحجة ببعثة الرسل عليهم السلام وجعل بياناً على التقديرين وفيه ما يحتاج إلى الكشف فتدبره. وتعليل عدم الإيمان بالخذلان ونحوه ظاهر، وكلام القاضي صريح في تعليله أيضاً بعلم الله تعالى أنهم يموتون على الكفر. واعترض بأنه مناف لقولهم: إن العلم تابع للمعلوم، وتكلف بعض الفضلاء في تصحيحه ما تكلف ولم يأت بشيء. وقال بعض المحققين: معنى كون العلم تابعاً للمعلوم أن علمه تعالى في الأزل بالمعلوم المعين الحادث تابع لماهيته بمعنى أن خصوصية العلم وامتيازه عن سائر العلوم إنما هو باعتبار أنه علم بهذه الماهية، وأما وجود الماهية وفعليتها فيما لا يزال فتابع لعلمه الأزلي التابع لماهيته بمعنى أنه تعالى لما علمها في الأزل على هذه الخصوصية لزم أن تتحقق وتوجد فيما لا يزال على هذه الخصوصية فنفس موتهم على الكفر وعدم إيمانهم متبوع لعلمه تعالى الأزلي ووقوعه تابع له وهذا مما لا شبهة فيه وهو مذهب أهل السنة رحمهم الله تعالى وبه ينحل إشكالات كثيرة فليحفظ. وذكر مولانا الشيخ إبراهيم الكوراني أن معنى كون العلم تابعاً للمعلوم أنه متعلق به كاشف له على ما هو عليه وبنى على ذلك كون الماهيات ثابتة غير مجعولة في ثبوتها، والقول بالتبعية المذكورة مما ذهب إليه الشيخ الأكبر قدس سره ونازع في ذلك عبد الكريم الجيلي. وقال الشيخ محمد عمر البغدادي عليه الرحمة: إن كون العلم تابعاً للمعلوم بالنظر إلى حضرة الأعيان القديمة التي أعطت الحق العلم التفصيلي بها وأما بالنظر إلى العلم الإجمالي الكلي فالمعلوم تابع للعلم لأن الحق تعالى لما تجلى من ذاته لذاته بالفيض الأقدس حصلت الأعيان واستعداداتها فلم تحصل عن جهل تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - وحينئذ فلا مخالفة بين الشيخ الأكبر قدس سره والجيلي، على أنه إن بقيت هناك مخالفة فالحق مع الشيخ لأن الجيلي بالنسبة إليه نحلت تدندن حول الحمى، والدليل أيضاً مع الشيخ كنار على علم لكنه قد أبعد رضي الله تعالى عنه الشوط بقوله: العلم تابع للمعلوم والمعلوم أنت وأنت هو والبحث وعر المسلك صعب المرتقى وتمام الكلام فيه يطلب من محله. واستفادة معنى العلم هنا على ما قيل من التأكيد الذي أفادته اللام، وفي الآية وعيد شديد وتهديد أكيد لأهل مكة لأنهم وأولئك المهلكين مشتركون فيما يقتضي الإهلاك، ويعلم مما تقرر أن ضمير {كَانُواْ} للقرون وهو ظاهر، وجوز مقاتل أن يكون الضمير لأهل مكة وهو خلاف الظاهر، وكذا جوز كون المراد بالقوم المجرمين أهل مكة على طريقة وضع الظاهر موضع ضمير الخطاب إيذاناً بأنهم أعلام في الإجرام وذكر {ٱلْقَوْمَ} إشارة إلى أن العذاب عذاب استئصال. والتشبيه على هذا ظاهر إذ المعنى يجزيكم مثل جزاء من قبلكم، وأما على الأول فهو على منوال {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا }تفسير : [البقرة: 143] وأضرابه وفيه بعد أيضاً بل قال بعض المحققين: يأباه كل الإباء قوله سبحانه:
ابن عاشور
تفسير : عاد الخطاب إلى المشركين عودا على بدئه في قوله: {أية : إن ربكم الله}تفسير : [يونس: 3] إلى قوله {أية : لتعلموا عدد السنين والحساب}تفسير : [يونس: 5] بمناسبة التماثل بينهم وبين الأمم قبلهم في الغرور بتأخير العذاب عنهم حتى حل بهم الهلاك فجأة. وهذه الآية تهديد وموعظة بما حل بأمثالهم. والجملة معطوفة على جملة: {أية : ولو يعجل الله للناس الشر}تفسير : [يونس: 11] بما تضمنته من الإنذار بأن الشر قد ينزل بهم ولكن عذاب الله غير معجل، فضرب لهم مثلاً بما نزل بالأمم من قبلهم فقضَى إليهم بالعذاب أجلُهم وقد كانوا يعرفون أمما منهم أصابهم الاستيصال مثل عاد وثمود وقوم نوح. ولتوكيد التهديد والوعيد أكدت الجملة بلام القسم وقد التي للتحْقيق. والإهلاك: الاستيصال والإفناء. والقرون: جمع قرن وأصله مدة طويلة من الزمان، والمراد به هنا أهل القرون. وتقدم بيانه عند قوله تعالى: {أية : ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن}تفسير : في سورة [الأنعام: 6]. وقوله: {من قبلكم} حال من القرون. و{لمّا} اسم زمان بمعنى حين على التحقيق، وتضاف إلى الجملة. والعرب أكثروا في كلامهم تقديم (لما) في صدر جملتها فأشِمَّت بذلك التقديم رائحة الشرطية فأشبهت الشروط لأنها تضاف إلى جملة فتشبه جملةَ الشرط، ولأن عاملها فعل مُضي فبذلك اقتضت جملتين فأشبهت حروفَ الشرط. والمعنى: أهلكناهم حينما ظلموا، أي أشركوا وجاءتهم رسلهم بالبينات مثل هود وصالح ولم يؤمنوا. وجملة: {وجاءتهم} معطوفة على جملة {ظلموا}. والبينات: جمع بينة، وهي الحجة على الصدق، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : فقد جاءكم بينة من ربكم}تفسير : في سورة [الأنعام: 157]. وجملة: {وما كانوا ليؤمنوا} معطوفة عليها. ومجموع الجمل الثلاث هو ما وُقِّت به الإهلاك {أية : وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا}تفسير : [القصص: 59]. وعبر عن انتفاء إيمانهم بصيغة لام الجحود مبالغة في انتفائه إشارة إلى اليأس من إيمانهم. وجملة: {كذلك نجزي القوم المجرمين} تذييل. والتعريف في {القوم المجرمين} للاستغراق فلذلك عم القرون الماضية وعم المخاطبين، وبذلك كان إنذاراً لقريش بأن ينالهم ما نال أولئك. والمُراد بالإجرام أقصاه، وهو الشرك. والقول في {كذلك نجزي القوم المجرمين} كالقول في نظيره آنفاً. وكذلك ذكر لفظ (القوم) فهو كما في نظيره في هذه السورة وفي البقرة.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِٱلْبَيِّنَاتِ} (13) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَهْلَ مَكَّةَ بِمَا أَنْزَلَهُ مِنَ العَذابِ فِي الأَقْوَامِ السَّابِقَةِ (القُرُونَ) الذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهُ فِيمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ مِنَ البَيِّنَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ، وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، وَكَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ لأَِنَّهُمْ مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا لَوْ تَرَكَهُمُ اللهُ، فَاعْتَبِرُوا يَا كُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَكَمَا أَهْلَكَ اللهُ مَنْ قَبْلَكُمْ، كَذَلِكَ يَفْعَلُ اللهُ بِالمُجْرِمِينَ مِنْكُمْ. القَرْنُ - القَوْمُ المُقْتَرِنُونَ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ. ظَلَمُوا - بِالكُفْرِ وَتَكْذِيبِ الرُّسُلِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فإياكم أن تسوّل لكم أنفسكم أن تظلوا على عداوتكم لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنكم لن تنالوا منه شيئاً، وسيتم الله نوره، فلستم بدعاً عن سابق الخلق. و {ٱلْقُرُونَ}: جمع قرن، والقرن من المقارنة، وكل جماعة اقترنوا في شيء نسميهم "قرنا". وقد يكون القرن في الزمنية، ولذلك حسبوا القرن مائة سنة، والبشر الذين يجتمعون في مائة سنة يسمونهم قرناً. أو القرن جماعة يقترنون في شيء يجمعهم، مهما طال بهم الأمد. وقوله الحق: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} فهل لو أمهلهم الله - تعالى - كانوا سيؤمنون؟ لا، فلله علمٌ أزليٌّ، يعلم الأشياء على وفق ما تكون عليه اضطراراً أو اختياراً. والمثل من حياتنا وأعرافنا - ولله المثل الأعلى - نجد الإنسان حين يريد بناء بيت، فالأمر يختلف حسب مقدرته؛ الفقير مثلاً يطلب بناء حجرتين؛ فيخطط رجل البناء لبناء حجرتين، وإذا كان الإنسان متوسط الحال؛ فهو يتجه إلى مهندس يصمِّم له بناء على قدر سعته، وإن كان الإنسان ثرياً؛ فهو يستدعي المهندس الذي يبني له بيتاً حسب إمكانات ورغبات هذا الثرى، ويصمم المهندس نموذجاً للبناء قبل أن يبدأ فيه، وتظهر فيه كل التفاصيل، حتى ألوان النوافذ والأبواب والحجرات. والعالم قبل أن يخلقه الله سبحانه وتعالى كانت هيئته مقدرة أزلاً عنده سبحانه، وهذا هو مطلق القدرة من الحق تعالى، ويأتي واقع الكون على وفق ما قدره الخالق سبحانه أزلاً؛ حتى ولو كان هناك اختيار للمخلوق الكافر، فالله سبحانه يعلمه. وقد صحَّ أن القلم جفَّ حتى في الأمور الاختيارية، وسبحانه يعلم ما تجري به الأمور القهرية وما يقضيه على خلقه بدون اختيار منهم، أما في الأمور الاختيارية فقد أعطى لخلقه الاختيار. وقد علم ما سوف يفعلونه غيباً؛ فصمم المسألة على وفق ما علم. وإياك أن تظن أنه أراد بذلك أن يُلزمك، لا، فقد علم أنك ستختار. وهكذا علم الحق سبحانه من سيظلم نفسه - أزلاً - وسبق في علمه أن أهل القرون السابقة الذين أهلكهم لا يؤمنون. {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} والظلم معناه نقل الحق من صاحبه إلى غيره، والحقوق الموهوبة من الخالق للبشر قد يظلمون فيها بعضهم البعض، لكن أعلى درجات الظلم حين يظلم أحدٌ حقَّ الإله الأعلى في أن يكون إلهاً واحداً، وأن ينقل ذلك لغيره. تلك هي قمة الظلم؛ لذلك قال سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]. وهم قد ظلموا في قضية العقيدة الأولى، أو ظلموا في الحقوق بينهم وبين أنفسهم مصداقاً لقوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [يونس: 44]. والواحد منهم ظالم ومظلوم في آن واحد؛ لأن الإنسان ملكاته متعددة، ومن هذه الملكات ملكة الإيمان الفطري، وملكة النفع العاجل الذاتي. فإذا تغلبت ملكة النفع العاجل؛ تخرج النفس اللوَّامة؛ لتعيد الأمر إلى صوابه، أما إن كانت نفس تأمر بالسوء فهي تطلب تحقيق الشهوات فقط؛ لأنها نفس أمَّارة بالسوء. أما إن اطمأنت النفس إلى حكم الله تعالى ورضيت به ونفذت ما قاله الله سبحانه، فهي نفس مطمئنة. ومن يظلم نفسه فهو الذي يتبع شهوات نفسه، وهو قد أعطاها متعة عاجلة؛ ليستقبل بعد ذلك شقاءً آجلاً؛ فيكون قد ظلم نفسه. {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} والحق سبحانه لم يتركهم، بل أرسل الرسل مُؤيَّدين بالمعجزات؛ ليبصّروهم. لكن الله تعالى يعلم أنهم لا يؤمنون؛ لذلك قال: {وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} أي: أنه سبحانه لو تركهم أحياء فلن يؤمنوا، فهو الذي خلقهم وقد علم أزلاً أنهم لن يختاروا الإيمان. والحق سبحانه هو العالم الأعلى الذي يعلم الأشياء على وفق ما تكون عليه، لا على وفق ما يقهر خلقه عليه، فلو كان علمه - سبحانه - على وفق ما يَقْهر الخلق عليه لكانت المسألة منتهية. والمثال - ولله المثل الأعلى - أنت في البيت وتريد أن تقوم وزوجتك برحلة، فإن كان الأولاد صغاراً؛ فأنت تغلق عليهم الباب بعد أن تقول لهم: إن طعامكم في الثلاجة؛ لحماً وسمكاً وجبناً وزيتوناً. وبعد أن تخرج أنت وزوجتك تقول لها: إن أبناءنا لن يأكلوا إلا جبناً وزيتوناً؛ لأنهم سوف يستسهلون هذا الطعام. ولو لم يكن في الثلاجة إلا الجبن، لما قلت ذلك؛ لأن هذا هو لون الطعام القهري. لكن ما دام في الأمر اختيار؛ فأنت تستشف من سابق سلوك الأبناء. وعندما ترجع تجد أبناءك قد تصرفوا وفق ما حكمت به، رغم أنك تركت لهم الاختيار. ومثال هذا في القرآن قوله الحق: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ} تفسير : [المسد: 1-3]. وفي هذا حكم من الله تعالى بأن أبا لهب سيموت كافراً، وهذا حكم مُعْلَن ويُردَّد في الصلاة، ونحفظه، وأبو لهب هو عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان كافراً مثل غيره من الكفار. وقد آمن من الكفار الكثير. ألم يسلم عمر؟ ألم يسلم عكرمة بن أبي جهل؟ ألم يسلم عمرو بن العاص؟ ألم يسلم خالد بن الوليد؟ فما المانع أن يسلم أبو لهب هو الآخر؟ لا، لم يسلم وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه أن ذلك لن يكون منه. وما كان من الممكن أن يمكر أبو لهب ويعلن إسلامه تكذيباً للقرآن؛ لأن الحق علم أزلاً سلوك أبي لهب. {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ}. وقوله: {كَذٰلِكَ} أي: مثل هذا الجزاء الذي كان للأمم السابقة التي أهلكت في القرون الماضية تجزي ممن يحدِّد كل شيء؛ لأن القضايا في الكون واحدة. فالقضية الإيمانية موجودة من أول ما أرسلت الرسل إلى أن تنتهي الدنيا. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ ...}.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه مهدداً مقسماً: {وَ} الله يا أهل مكة {لَقَدْ أَهْلَكْنَا} بمقتضى قهرنا وجلالنا {ٱلْقُرُونَ} الماضية {مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} أي: حين ظلموا مثل ظلمكم، وخرجوا عن إطاعة الله وإقامة حدوده مثل خروجكم {وَ} هم أيضاً أمثالكم، قد {جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} بالبراهين القاطعة، والحجج الساطعة الدالة على صدقهم؛ إنما جاءهم ليمتنعوا عمَّا هم عليه من الظلم والفساد {وَمَا كَانُواْ} أي: أولئك الأمم {لِيُؤْمِنُواْ} لهم، ويصدقوهم فيما جاءوا به أمثالكم، بل كذبوهم وأصروا لهم على ما هم عليه، بل زادوا عليها؛ عناداً ومكابرةً، فأخذناهم بظلمهم، وأهلكناهم بإصرارهم بعدما نبهنا عليهم فلم ينتبهوا {كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ} [يونس: 13] المصرين على الجرم مع ورود الزواجر والروادع. {ثُمَّ} بعد إهلاكهم واستئصالهم {جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ} أي: استخلفناكم، فهم خلفائه {فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم} مختبرين، مبتلين أمثالهم {لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 14] أتعملون الخير فيجازيكم خيراً، أم تعملون الشر فيجازيكم شراً، مثل ما جزيناهم؟. {وَ} هم كانوا من شدة انهماكهم في الغفلة والضلال {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} أي: مع كونها مبينات لأحوال النشأة الأخرى وأهوال عذابها ونكالها {قَالَ} الكافرون: {ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} بل ينكرون الحشر والنشر، والثواب والعقاب، وجميع ما يترتب على النشأة الأخرى، فكيف لقاءنا فيها {ٱئْتِ} أيها الداعي من عند ربك {بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ} القرآن إن أردت أن نؤمن لك {أَوْ بَدِّلْهُ} وغيِّر بعض آياته المشتملة على الإنذارات والتخويفات الشديدة، فإنا لا طاقة لنا بها. إنما يقصدون بقولهم هذا استهزاءً وسخريةً برسول الله، واستخفافاً بكتاب الله {قُلْ} يا أكمل الرس في جوابهم: {مَا يَكُونُ} أي: ما يصح ويجوز {لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ} وأحرفه {مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ} على مقتضى أهويتكم الفاسدة {إِنْ أَتَّبِعُ} أي: ما أتبع وانتطر {إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ} وليس في وسعي وطاقتي سوى الاتباع والانتظار، وكيف أتصرف فيه {إِنِّيۤ أَخَافُ} بمجرد استماع قولكم هذا العصيان على نفسي، فكيف {إِنْ عَصَيْتُ} بقصد التبديل والتغير؟ {رَبِّي} استوجبت {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15] كما استوجبتم بسوئكم هذا على سبيل الاقتراح والإلحاح. {قُل} أيضاً لهم إلزاماً وتبكيتاً: {لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ} أي: لو تعلق مشيئته غير هذا المتلو {مَا تَلَوْتُهُ} أنا، وما أوحاه علي، وما أجراه على لساني {عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ} وأعلمكم على لساني، ولكن تعلق بمشيئته بهذا فأوحاه وأجراه {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً} مدة أربعين سنة {مِّن قَبْلِهِ} أي: قبل وحي القرآن بلا تلاوة وإدراء وإعلام {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [يونس: 16] وتستعملون عقولكم في هذا الأمر، ولا تدبرون وتدربون فيه مع أنكم متدربون بأساليب الكلام، متبالغون فيه أقصى الغاية. {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} ونسب إليه ما لم يصدر عنه؛ افتراءً ومراءً {أَوْ كَذَّبَ بِآيَـٰتِهِ} التي صدرت عنه، ونزلت على رسله وأنبيائه؛ لإصلاح أحوال عباده، وإرشادهم مبدأه ومعاده، وبالجملة: {إِنَّهُ} سبحانه {لاَ يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ} [يونس: 17] المفترون عليه بالأباطيل الزائفة، المكذبون كلامه المنزل من عنده على رسله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أنه أهلك الأمم الماضية بظلمهم وكفرهم، بعد ما جاءتهم البينات على أيدي الرسل وتبين الحق فلم ينقادوا لها ولم يؤمنوا. فأحل بهم عقابه الذي لا يرد عن كل مجرم متجرئ على محارم الله، وهذه سنته في جميع الأمم. { ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ } أيها المخاطبون { خَلائِفَ فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } فإن أنتم اعتبرتم واتعظتم بمن قبلكم واتبعتم آيات الله وصدقتم رسله، نجوتم في الدنيا والآخرة. وإن فعلتم كفعل الظالمين قبلكم، أحل بكم ما أحل بهم، ومن أنذر فقد أعذر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):