Verse. 1376 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

وَاِذَا مَسَّ الْاِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْۢبِہٖۗ اَوْ قَاعِدًا اَوْ قَاۗىِٕمًا۝۰ۚ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْہُ ضُرَّہٗ مَرَّ كَاَنْ لَّمْ يَدْعُنَاۗ اِلٰى ضُرٍّ مَّسَّہٗ۝۰ۭ كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِيْنَ مَا كَانُوْا يَعْمَلُوْنَ۝۱۲
Waitha massa alinsana alddurru daAAana lijanbihi aw qaAAidan aw qaiman falamma kashafna AAanhu durrahu marra kaan lam yadAAuna ila durrin massahu kathalika zuyyina lilmusrifeena ma kanoo yaAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا مس الإنسان» الكافر «الضُّرُّ» المرض والفقر «دعانا لجنبه» أي مضطجعا «أو قاعدا أو قائما» أي في كل حال «فلما كشفنا عنه ضُره مرَّ» على كفره «كأن» مخففة واسمها محذوف، أي كأنه «لم يدعنا إلى ضرٍّ مسه كذلك» كما زُيّن له الدعاء عند الضرر والإعراض عند الرخاء «زُيِّن للمسرفين» المشركين «ما كانوا يعملون».

12

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم وجهان: الأول: أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه لو أنزل العذاب على العبد في الدنيا لهلك ولقضى عليه، فبين في هذه الآية ما يدل على غاية ضعفه ونهاية عجزه، ليكون ذلك مؤكداً لما ذكره من أنه لو أنزل عليه العذاب لمات. الثاني: أنه تعالى حكى عنهم أنهم يستعجلون في نزول العذاب، ثم بين في هذه الآية أنهم كاذبون في ذلك الطلب والاستعجال، لأنه لو نزل بالإنسان أدنى شيء يكرهه ويؤذيه، فإنه يتضرع إلى الله تعالى في إزالته عنه وفي دفعه عنه وذلك يدل على أنه ليس صادقاً في هذا الطلب. المسألة الثانية: المقصود من هذه الآية، بيان أن الإنسان قليل الصبر عند نزول البلاء، قليل الشكر عند وجدان النعماء والآلاء، فإذا مسه الضر أقبل على التضرع والدعاء مضطجعاً أو قائماً أو قاعداً مجتهداً في ذلك الدعاء طالباً من الله تعالى إزالة تلك المحنة، وتبديلها بالنعمة والمنحة، فإذا كشف تعالى عنه ذلك بالعافية أعرض عن الشكر، ولم يتذكر ذلك الضر ولم يعرف قدر الإنعام، وصار بمنزلة من لم يدع الله تعالى لكشف ضره، وذلك يدل على ضعف طبيعة الإنسان وشدة استيلاء الغفلة والشهوة عليه، وإنما ذكر الله تعالى ذلك تنبيهاً على أن هذه الطريقة مذمومة، بل الواجب على الإنسان العاقل أن يكون صابراً عند نزول البلاء شاكراً عند الفوز بالنعماء، ومن شأنه أن يكون كثير الدعاء والتضرع في أوقات الراحة والرفاهية. حتى يكون مجاب الدعوة في وقت المحنة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : من سره أن يستجاب له عند الكرب والشدائد فليكثر الدعاء عند الرخاء » تفسير : . واعلم أن المؤمن إذا ابتلي ببلية ومحنة، وجب عليه رعاية أمور: فأولها: أن يكون راضياً بقضاء الله تعالى غير معترض بالقلب واللسان عليه. وإنما وجب عليه ذلك لأنه تعالى مالك على الإطلاق وملك بالاستحقاق. فله أن يفعل في ملكه وملكه ما شاء كما يشاء، ولأنه تعالى حكيم على الإطلاق وهو منزه عن فعل الباطل والعبث، فكل ما فعله فهو حكمة وصواب، وإذا كان كذلك فحينئذ يعلم أنه تعالى إن أبقى عليه تلك المحنة فهو عدل، وإن أزالها عنه فهو فضل، وحينئذ يجب عليه الصبر والسكوت وترك القلق والاضطراب. وثانيها: أنه في ذلك الوقت إن اشتغل بذكر الله تعالى والثناء عليه بدلاً عن الدعاء كان أفضل، لقوله عليه السلام حكاية عن رب العزة « حديث : من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين » تفسير : ولأن الاشتغال بالذكر اشتغال بالحق، والاشتغال بالدعاء اشتغال بطلب حظ النفس، ولا شك أن الأول أفضل، ثم إن اشتغل بالدعاء وجب أن يشترط فيه أن يكون إزالته صلاحاً في الدين، وبالجملة فإنه يجب أن يكون الدين راجحاً عنده على الدنيا. وثالثها: أنه سبحانه إذا أزال عنه تلك البلية فإنه يجب عليه أن يبالغ في الشكر وأن لا يخلو عن ذلك الشكر في السراء والضراء، وأحوال الشدة والرخاء، فهذا هو الطريق الصحيح عند نزول البلاء. وههنا مقام آخر أعلى وأفضل مما ذكرناه، وهو أن أهل التحقيق قالوا: إن من كان في وقت وجدان النعمة مشغولاً بالنعمة لا بالمنعم كان عند البلية مشغولاً بالبلاء لا بالمبلي، ومثل هذا الشخص يكون أبداً في البلاء، أما في وقت البلاء فلا شك أنه يكون في البلاء، وأما في وقت حصول النعماء فإن خوفه من زوالها يكون أشد أنواع البلاء، فإن النعمة كلما كانت أكمل وألذ وأقوى وأفضل، كان خوف زوالها أشد إيذاء وأقوى إيحاشاً، فثبت أن من كان مشغولاً بالنعمة كان أبداً في لجة البلية. أما من كان في وقت النعمة مشغولاً بالمنعم، لزم أن يكون في وقت البلاء مشغولاً بالمبلي. وإذا كان المنعم والمبلي واحداً، كان نظره أبداً على مطلوب واحد، وكان مطلوبه منزهاً عن التغير مقدساً عن التبدل ومن كان كذلك كان في وقت البلاء وفي وقت النعماء، غرقاً في بحر السعادات، واصلاً إلى أقصى الكمالات، وهذا النوع من البيان بحر لا ساحل له، ومن أراد أن يصل إليه فليكن من الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر. المسألة الثالثة: اختلفوا في {ٱلإِنسَـٰنَ } في قوله: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ } فقال بعضهم: إنه الكافر، ومنهم من بالغ وقال: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان، فالمراد هو الكافر، وهذا باطل، لأن قوله: { أية : ياأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ } تفسير : [الانشقاق: 6، 7] لا شبهة في أن المؤمن داخل فيه، وكذلك قوله: { أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَـٰنِ حِينٌ مّنَ ٱلدَّهْرِ } تفسير : [الدهر: 1] وقوله: { أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ } تفسير : [المؤمنون: 12] وقوله: { أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ } تفسير : [ق: 16] فالذي قالوه بعيد، بل الحق أن نقول: اللفظ المفرد المحلى بالألف واللام حكمه أنه إذا حصل هناك معهود سابق انصرف إليه، وإن لم يحصل هناك معهود سابق وجب حمله على الاستغراق صوناً له عن الإجمال والتعطيل. ولفظ {ٱلإِنسَـٰنَ } ههنا لائق بالكافر، لأن العمل المذكور لا يليق بالمسلم ألبتة. المسألة الرابعة: في قوله: {دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا } وجهان: الوجه الأول: أن المراد منه ذكر أحوال الدعاء فقوله: {لِجَنبِهِ } في موضع الحال بدليل عطف الحالين عليه، والتقدير: دعانا مضطجعاً أو قاعداً أو قائماً. فإن قالوا: فما فائدة ذكر هذه الأحوال؟ قلنا: معناه: إن المضرور لا يزال داعياً لا يفتر عن الدعاء إلى أن يزول عنه الضر، سواء كان مضطجعاً أو قاعداً أو قائماً. والوجه الثاني: أن تكون هذه الأحوال الثلاثة تعديداً لأحوال الضر، والتقدير: وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعداً أو قائماً دعانا وهو قول الزجاج. والأول: أصح، لأن ذكر الدعاء أقرب إلى هذه الأحوال من ذكر الضر، ولأن القول بأن هذه الأحوال أحوال للدعاء يقتضي مبالغة الإنسان في الدعاء، ثم إذا ترك الدعاء بالكلية وأعرض عنه كان ذلك أعجب. المسألة الخامسة: في قوله: {مَرَّ } وجوه: الأول: المراد منه أنه مضى على طريقته الأولى / قبل مس الضر ونسي حال الجهد. الثاني: مر عن موقف الابتهال والتضرع لا يرجع إليه كأنه لا عهد له به. المسألة السادسة: قوله تعالى: {كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرّ مَّسَّهُ } تقديره: كأنه لم يدعنا، ثم أسقط الضمير عنه على سبيل التخفيف ونظيره قوله تعالى: { أية : كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ } تفسير : [يونس: 45] قال الحسن: نسي ما دعا الله فيه، وما صنع الله به في إزالة ذلك البلاء عنه: المسألة السابعة: قال صاحب «النظم»: قوله: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ } {إِذَا } موضوعة للمستقبل. ثم قال: {فَلَمَّا كَشَفْنَا } وهذا للماضي، فهذا النظم يدل على أن معنى الآية أنه هكذا كان فيما مضى وهكذا يكون في المستقبل. فدل ما في الآية من الفعل المستقبل على ما فيه من المعنى المستقبل، وما فيه من الفعل الماضي على ما فيه من المعنى الماضي، وأقول البرهان العقلي مساعد على هذا المعنى وذلك لأن الإنسان جبل على الضعف والعجز وقلة الصبر، وجبل أيضاً على الغرور والبطر والنسيان والتمرد والعتو، فإذا نزل به البلاء حمله ضعفه وعجزه على كثرة الدعاء والتضرع، وإظهار الخضوع والانقياد، وإذا زال البلاء ووقع في الراحة استولى عليه النسيان فنسي إحسان الله تعالى إليه، ووقع في البغي والطغيان والجحود والكفران. فهذه الأحوال من نتائج طبيعته ولوازم خلقته، وبالجملة فهؤلاء المساكين معذورون ولا عذر لهم. المسألة الثامنة: في قوله تعالى: {كَذٰلِكَ زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أبحاث: البحث الأول: أن هذا المزين هو الله تعالى أو النفس أو الشيطان، فرع على مسألة الجبر والقدر وهو معلوم. البحث الثاني: في بيان السبب الذي لأجله سمى الله سبحانه الكافر مسرفاً. وفيه وجوه: الوجه الأول: قال أبو بكر الأصم: الكافر مسرف في نفسه وفي ماله ومضيع لهما، أما في النفس فلأنه جعلها عبداً للوثن، وأما في المال فلأنهم كانوا يضيعون أموالهم في البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. الوجه الثاني: قال القاضي: إن من كانت عادته أن يكون عند نزول البلاء كثير التضرع والدعاء، وعند زوال البلاء ونزول الآلاء معرضاً عن ذكر الله متغافلاً عنه غير مشتغل بشكره، كان مسرفاً في أمر دينه متجاوزاً للحد في الغفلة عنه، ولا شبهة في أن المرء كما يكون مسرفاً في الإنفاق فكذلك يكون مسرفاً فيما يتركه من واجب أو يقدم عليه من قبيح، إذا تجاوز الحد فيه. الوجه الثالث: وهو الذي خطر بالبال في هذا الوقت، أن المسرف هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس، ومعلوم أن لذات الدنيا وطيباتها خسيسة جداً في مقابلة سعادات الدار الآخرة. والله تعالى أعطاه الحواس والعقل والفهم والقدرة لاكتساب تلك السعادات العظيمة، فمن بذل هذه الآلات الشريفة لأجل أن يفوز بهذه السعادات الجسمانية الخسيسة، كان قد أنفق أشياء عظيمة كثيرة، لأجل أن يفوز بأشياء حقيرة خسيسة، فوجب أن يكون من المسرفين. البحث الثالث: الكاف في قوله تعالى: {كَذٰلِكَ } للتشبيه. والمعنى: كما زين لهذا الكافر هذا العمل القبيح المنكر زُيِّن للمسرفين ما كانوا يعملون من الإعراض عن الذكر ومتابعة الشهوات.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ} قيل: المراد بالإنسان هنا الكافر، قيل: هو أبو حذيفة ابن المغيرة المشرك، تصيبه البأساء والشدّة والجهد. {دَعَانَا لِجَنبِهِ} أي على جنبه مضطجعاً. {أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً} وإنما أراد جميع حالاته؛ لأن الإنسان لا يعدو إحدىٰ هذه الحالات الثلاثة. قال بعضهم: إنما بدأ بالمضطجع لأنه بالضر أشدّ في غالب الأمر، فهو يدعو أكثر، واجتهاده أشدّ، ثم القاعد ثم القائم. {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ} أي استمر على كفره ولم يشكر ولم يتّعظ. قلت: وهذه صفة كثير من المخلطين الموحدين، إذا أصابته العافية مرّ على ما كان عليه من المعاصي؛ فالآية تعمّ الكافر وغيره. {كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ} قال الأخفش: هي «كأنّ» الثقيلة خُفّفت، والمعنى كأنه؛ وأنشد:شعر : وَيْ كأنْ من يكن له نَشَبٌ يُحْـ ـبَبْ ومن يفتقر يَعشْ عيش ضُرّ تفسير : {كَذٰلِكَ زُيِّنَ} أي كما زين لهذا الدعاءُ عند البلاء والإعراض عند الرخاء. {زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ} أي للمشركين أعمالهم من الكفر والمعاصي. وهذا التزيين يجوز أن يكون من الله، ويجوز أن يكون من الشيطان، وإضلاله دعاؤه إلى الكفر.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا} لإزالته مخلصاً فيه. {لِجَنبِهِ} ملقى لجنبه أي مضطجعاً. {أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا} وفائدة الترديد تعميم الدعاء لجميع الأحوال أو لأصناف المضار. {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ} يعني مضى على طريقته واستمر على كفره أو مر عن موقف الدعاء لا يرجع إليه. {كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا } كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن كما قال:شعر : وَنَحْرٌ مُشْرِقُ اللَّوْن كَأْن ثَدْيَاهُ حُقَّان تفسير : {إِلَىٰ ضُرّ مَّسَّهُ} إلى كشف ضر. {كَذٰلِكَ} مثل ذلك التزيين. {زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من الانهماك في الشهوات والإِعراض عن العبادات.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن الإنسان وضجره وقلقه إذا مسه الشر كقوله: {أية : وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ} تفسير : [فصلت: 51] أي: كثير، وهما في معنى واحد، وذلك لأنه إِذا أصابته شدة، قلق لها وجزع منها، وأكثر الدعاء عند ذلك، فدعا الله في كشفها ورفعها عنه في حال اضطجاعه وقعوده وقيامه، وفي جميع أحواله، فإِذا فرج الله شدته، وكشف كربته، أعرض ونأى بجانبه، وذهب كأنه ما كان به من ذلك شيء {مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ} ثم ذم تعالى من هذه صفته وطريقته فقال: {كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} فأما من رزقه الله الهداية والسداد والتوفيق والرشاد، فإنه مستثنى من ذلك؛ كقوله تعالى: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} تفسير : [هود: 11] وكقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : عجباً لأمر المؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيراً له، إِن اصابته ضراء فصبر، كان خيراً له، وإِن أصابته سراء فشكر، كان خيراً له، وليس ذلك لأحد إِلا للمؤمن».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَٰنَ } الكافر {ٱلضُّرُّ } المرض والفقر {دَعَانَا لِجَنبِهِ } أي مضطجعاً {أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا } أي في كل حال {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ } على كفره {كَأَن } مخففة واسمها محذوف: أي كأنه {لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرِّ مَّسَّهُ كَذٰلِكَ } كما زُيّن له الدعاء عند الضرّ والإِعراض عند الرخاء {زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ } المشركين {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَإِذَا مَسَّ الإنسَانَ الضُّرُّ دََعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قآئِماً} فيه وجهان: أحدهما: أنه إذا مسه الضر دعا ربه في هذه الأحوال. الثاني: دعا ربه فيكون محمولاً على الدعاء في جميع أحواله.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ} لجنبه يتعلق بدعانا، أو بمس.

الخازن

تفسير : {وإذا مس الإنسان الضر} أي الشدة والجهد والمراد بالإنسان في هذه الآية الكافر {دعانا لجنبه} أي على جنبه مضطجعاً {أو قاعداً أو قائماً} يريد جميع حالاته لأن الإنسان لا ينفك عن إحدى هذه الحالات الثلاث والمعنى أن المضرور لا يزال داعياً في جميع حالاته إلى أن ينكشف ضره سواء كان مضطجاً أو قائماً أو قاعداً وهذا القول فيه بعد لأن ذكر الدعاء إلى هذه الأحوال أقرب من ذكر الضر {فلما كشفنا عنه ضره} يعني فلما أزلنا عنه ما نزل به من الضر ودفعنا عنه {مر} يعني على طريقته الأولى قبل مس الضر {كأن لم يدعنا} فيه حذف تقديره كأنه لم يدعنا وإنما أسقط الضمير على سبيل التخفيف {إلى ضر مسه} والمعنى أنه استمر على حالته الأولى قبل أن يمسه الضر ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء والضيق والفقر {كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون} يعني مثل ما زين لهذا الكافر هذا العمل القبيح كذلك زين للمسرفين والمزين هو الله سبحانه وتعالى لأنه مالك الملك والخلق كلهم عبيده يتصرف فيهم كيف يشاء وقيل المزين هو الشيطان وذلك بأقدار الله إياه على ذلك والمسرف هو المجاوز الحد في كل شيء وإنما سمي الكافر مسرفاً لأنه أتلف نفسه وضيعها في عبادة الأصنام وأتلف ماله وضيعه في البحائر والسوائب وما كانوا ينفقونه على الأصنام وسدنتها يعني خدامها. وقال ابن جريج: في قوله كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون يعني من الدعاء عند المصيبة وترك الشكر عند الرخاء. وقيل: كما زين لكم أعمالكم كذلك زين للمسرفين الذين كانوا من قبلكم أعمالهم. وبيان مقصود الآية أن الإنسان قليل الصبر عند نزول البلاء قليل الشكر عند حصول النعماء والرخاء فإذا مسه الضر أقبل على الدعاء والتضرع في جميع حالاته مجتهداً في الدعاء طالباً من الله إزالة ما نزل به من المحنة والبلاء فإذا كشف الله ذلك عنه أعرض عن الشكر ورجع إلى ما كان عليه أولاً وهذه حالة الغافل الضعيف اليقين فأما المؤمن العاقل فإنه بخلاف ذلك فيكون صابراً عند البلاء شاكر الله عند الرخاء والنعماء كثير التضرع والدعاء في جميع أوقات الراحة والرفاهية وهاهنا مقام أعلى من هذا وهو أن المؤمن إذا ابتلي ببلية أو نزل به مكروه يكون مع صبره على ذلك راضياً بقضاء الله غير معرض بالقلب عنه بل يكونه شاكراً لله عز وجل في جميع أحواله وليعلم العبد المؤمن أن الله تبارك وتعالى مالك الملك على الإطلاق حكيم في جميع أفعاله وله التصرف في خلقه بما يشاء ويعلم أنه إن أبقاه على تلك المحنة فهو عدل وإن أزالها عنه فهو فضل. قوله سبحانه وتعالى: {ولقد أهلكنا القرون من قبلكم} يعني أهلكنا الأمم الماضية من قبلكم يخوف بذلك كفار مكة {لما ظلموا} يعني لما أشركوا {وجاءتهم رسلهم بالبينات} يعني فكذبوهم {وما كانوا ليؤمنوا} يعني: هذه الأمم برسلهم ويصدقوهم بما جاؤوا به من عند الله {كذلك نجزي القوم المجرمين} يعني: كما أهلكنا الأمم الخالية لما كذبوا رسلهم كذلك نهلككم أيها المشركون بتكذيبكم محمداً صلى الله عليه وسلم {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم} الخطاب لأهل مكة الذين أرسل فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعنى ثم جعلناكم أيها الناس خلفاء في الأرض من بعد القرون الماضية الذين أهلكناهم {لننظر كيف تعملون} يعني خيراً أو شراً فنعاملكم على حسب أعمالكم والنظر هنا بمعنى العلم يريد لنختبر أعمالكم وهو يعلم ما يكون قبل أن يكون. قال أهل المعاني: معنى النظر، هو طلب العلم وجاز في وصف الله سبحانه وتعالى إظهاراً للعدل لأنه سبحانه وتعالى يعامل العباد معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم ليجازيهم بحسبه كقوله تبارك وتعالى: {أية : ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}تفسير : [الملك: 2] ذكره الواحدي والرازي (م) عن سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"حديث : إن الدنيا حلوة خضرة وأن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واحذروا فتنة النساء" تفسير : أخرجه مسلم قوله فاتقوا الدنيا معناه احذروا فتنة الدنيا واحذروا فتنة النساء.

البقاعي

تفسير : ولما بين تعالى أن دأبهم استعجالهم بالخير، وكان منه استكشاف الضر، بينَ أن حالهم عنده الاعتراف، وشكرهم على النجاة منه الإنكار فدأبهم الطغيان والعمه، وذلك في غاية المنافاة لما يدعونه من رجاحة العقول وإصالة الآراء وسلامة الطباع، فالحاصل أن الانسان عند البلاء غير صابر، وعند الرجاء غير شاكر، فكأنه قيل: فإذا مس الإنسان منهم الخير كان في غفلة بالفرح والأشر والمرح {وإذا مسَّ الإنسان} منهم {الضر} وإن كان من جهة يتوقعها لطغيان هو فيه ولا ينزع عنه خوفاً مما يتوقعه من حلول الضر لشدة طغيانه وجهله {دعانا} مخلصاً معترفاً بحقنا عالماً بما لنا من كمال العظمة عاملاً بذلك معرضاً عما ادعاه شريكاً لنا كائناً {لجنبه} أي مضطجعاً حال إرادته للراحة، وكأنه عبر باللام إشارة إلى أن ذلك أسر أحواله إليه {أو قاعداً} أي متوسطاً في أحواله {أو قآئماً} أي في غاية السعي في مهماته، لا يشغله عن ذلك شيء في حال من الأحوال، بل يكون ظرف المس بالضر ظرف الدعاء بالكشف، ويجوز أن يكون عبر بالأحوال الثلاثة عن مراتب الضر، وقال: لجنبه، إشارة إلى استحكام الضر وغلبته بحيث لا يستطيع جلوساً كما يقال: فلان لما به، وأشار بالفاء إلى قرب زمن الكشف فقال: {فلما كشفنا} أي بما لنا من العظمة {عنه ضره} أي الذي دعانا لأجله {مرّ} أي في كل ما يريده لاهياً عنا بكل اعتبار {كأن} أي كأنه {لم يدعنآ} أي على ما كان يعترف به وقت الدعاء من عظمتنا؛ ولما كان المدعو يأتي إلى الداعي فيعمل ما دعاه لأجله قال: {إلى} أي كشف {ضر مسه} أي كأن لم يكن له بنا معرفة أصلاً فضلاً عن أن يعترف بأنا نحن كشفنا عنه ضره، فهذه الآية في بيان ضعف الإنسان وسوء عبوديته، والتي قبلها في بيان قدرة الله وحسن ربوبيته؛ والمسُ: لقاء من غير فصل؛ والدعاء: طلب الفعل من القادر عليه؛ والضر: إيجاب الألم بفعله أو السبب المؤدي إليه. ولما كان هذا من فعل الإنسان من أعجب العجب. كان كأنه قيل:لم يفعل ذلك؟ فقيل: لما يزين له من الأمور التي يقع بها الاستدراج لإسرافه. وهذا دأبنا أبداً {كذلك} أي مثل هذا التزيين العظيم الرتبة؛ ولما كان الضار مطلق التزيين، بنى للمفعول قوله: {زين للمسرفين} أي كلهم العريقين في هذا الوصف {ما كانوا} أي بجبلاتهم {يعملون} أي يقبلون عليه على سبيل التجديد والاستمرار من المعصية بالكفر وغيره مع ظهور فساده ووضوح ضرره؛ والإسراف: الإكثار من الخروج عن العدل. ولما كان محط نظرهم الدنيا، وكان هذا صريحاً في الإمهال للظالمين والإحسان إلى المجرمين، أتبعه بقوله تعالى مهدداً لهم رادعاً عما هم فيه من اتباع الزينة مؤكداً لأنهم ينكرون أن هلاكهم لأجل ظلمهم: {ولقد أهلكنا} أي بما لنا من العظمة {القرون} أي على ما لهم من الشدة والقوة؛ ولما كان المهلكون هلاك العذاب المستأصل بعض من تقدم، أثبت الجار فقال: {من قبلكم لما ظلموا} أي تكامل ظلمهم إهلاكاً عم آخرهم وأولهم كنفس واحدة دفعاً لتوهم أنه سبحانه لا يعم بالهلاك، وقال تعالى عطفاً على {أهلكنا}: {وجآءتهم رسلهم} أي إلى كل أمة رسولها {بالبينات} أي التي بينت بمثلها الرسالة {وما} أي والحال أنهم ما {كانوا} أي بجبلاتهم، وأكد النفي بمن ينكر أن يتأخر إيمانهم عن البيان فقال: {ليؤمنوا} ولو جاءتهم كل آية، تنبيهاً لمن قد يطلب أنه سبحانه يريهم بوادر العذاب أو ما اقترحوه من الآيات ليؤمنوا، فبين سبحانه أن ذلك لا يكون سبباً لإيمان من قضى بكفره، بل يستوي في التكذيب حاله قبل مجيء الآيات وبعدها ليكون سبباً لهلاكه. فكأنه قيل: هل يختص ذلك بالأمم الماضية؟ فقيل: بل {كذلك} أي مثل ذلك الجزاء العظيم {نجزي القوم} أي الذين لهم قوة على محاولة ما يريدونه {المجرمين} لأن السبب هو العراقة الإجرام وهو قطع ما ينبغي وصله، فحيث ما وجد جزاؤه؛ والإهلاك: الإيقاع فيما لا يتخلص منه من العذاب؛ والقرن: أهل العصر لمقارنة بعضهم لبعض. ولما صرح بأن ذلك عام لكل مجرم، أتبعه قوله: {ثم جعلناكم} أي أيها المرسل إليهم أشرف رسلنا {خلائف في الأرض} أي لا في خصوص ما كانوا فيه: ولما كان زماننا لم يستغرق ما بعد زمان المهلكين أدخل الجار فقال: {من بعدهم} أي القرون المهلكة إهلاك الاستئصال {لننظر} ونحن - بما لنا من العظمة - أعلم بكم من أنفسكم، وإنما ذلك لنراه في عالم الشهادة لإقامة الحجة {كيف تعملون} فيتعلق نظرنا بأعمالكم موجودة تخويفاً للمخاطبين من أن يجرموا فيصيبهم ما أصاب من قبلهم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله ‏ {‏دعانا لجنبه‏} ‏ قال‏:‏ مضطجعاً. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله ‏ {‏دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً} ‏ قال‏:‏ على كل حال‏. وأخرج أبو الشيخ عن أبي الدرداء قال‏:‏ ادع الله يوم سرائك يستجب لك يوم ضرائك.

ابو السعود

تفسير : {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ} أي أصابه جنسُ الضرِّ من مرض وفقرٍ وغيرِهما من الشدائد إصابةً يسيرة {دَعَانَا} لكشفه وإزالتِه {لِجَنبِهِ} حالٌ من فاعل دعا بشهادة ما عُطف عليه من الحالين واللام بمعنى على كما في قوله تعالى: {أية : يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ } تفسير : [الإسراء: 107] أي دعانا كائناً على جنبه أي مضطجعاً {أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا} أي في جميع الأحوالِ مما ذُكر وما لم يذكر، وتخصيصُ المعدوداتِ بالذكر لعدم خلوِّ الإنسانِ عنها عادةً أو دعانا في جميع أحوالِ مرضِه على أنه المرادُ بالضر خاصة مُضجَعاً عاجزاً عن القعود وقاعداً غيرَ قادرٍ على النهوض وقائماً لا يستطيع الحَراك {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ} الذي مسه غِبَّ ما دعانا حسبما ينبىء عنه الفاء {مَرَّ} أي مضىٰ واستمرَّ على طريقته التي كان ينتحيها قبل مساسِ الضرِّ ونسيَ حالةَ الجَهْدِ والبلاءِ، أو مر عن موقف الضراعةِ والابتهالِ ونأى بجانبه {كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا} أي كأنه لم يدعُنا فخُفف وحُذف ضميرُ الشأن كما في قوله: شعر : كأنْ لم يكن بـين الحَجون إلى الصفا تفسير : والجملةُ التشبـيهيةُ في محل النصبِ على الحالية من فاعل مرّ أي مرّ مشبَّهاً بمن لم يدْعنا {إِلَىٰ ضُرّ} أي إلى كشف ضرَ {مَسَّهُ} وهذا وصفٌ للجنس باعتبار حال بعضِ أفرادِه ممن هو متصفٌ بهذه الصفات {كَذٰلِكَ} نصبٌ على المصدرية وذلك إشارةٌ إلى مصدر الفعلِ الآتي، وما فيه من معنى البعدِ للتفخيم والكافُ مقحَمةٌ للدلالة على زيادة فخامةِ المشارِ إليه إقحاماً لا يكاد يُترَك في لغة العرب ولا في غيرها ومن ذلك قولهم: مثلُك لا يَبخلُ مكان أنت لا تبخل أي مثلَ ذلك التزيـينِ العجيب {زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ} أي للموصوفين بما ذكر من الصفات الذميمةِ وإسرافُهم لما إن الله تعالى إنما أعطاهم القُوى والمشاعرَ ليصرِفوها إلى مصارفها ويستعملوها فيما خُلقت له من العلوم والأعمالِ الصالحة، فلما صرفوها إلى ما لا ينبغي وهي رأسُ مالِهم فقد أتلفوها وأسرفوا إسرافاً ظاهراً، والتزيـينُ إما من جهة الله سبحانه على طريقه التخليةِ والخِذلانِ أو من الشيطان بالوسوسة والتسويل {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من الاعراض عن الذكر والدعاءِ والانهماكِ في الشهوات، وتعلقُ الآيةِ الكريمة بما قبلها من حيث إن في كل منهما إملاءً للكفرة على طريقة الاستدراجِ بعد الأنقاذِ من الشر المقدّرِ في الأولى ومن الضرِّ المقررِ في الأخرى. {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ} أي القرونَ الخاليةَ مثلَ قومِ نوحٍ وعادٍ وأضرابِهم و(من) في قوله تعالى: {مِن قَبْلِكُمْ} متعلقةٌ بأهلكنا أي أهلكناهم من قبل زمانِكم والخطابُ لأهل مكةَ على طريقة الالتفاتِ للمبالغة في تشديد التهديدِ بعد تأيـيدِه بالتوكيد القسمي {لَمَّا ظَلَمُواْ} ظرفٌ للإهلاك أي أهلكناهم حين فعلوا الظلمَ بالتكذيب والتمادي في الغي والضلالِ من غير تأخير، وقوله تعالى: {وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم} حالٌ من ضمير ظلموا بإضمار قد، وقوله تعالى: {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} متعلقٌ بجاءتهم على أن الباءَ للتعدية أو بمحذوف وقع حالاً من رسلهم، دالةٌ على إفراطهم في الظلم وتناهيهم في المكابرة، أي ظلموا بالتكذيب وقد جائتهم رسلُهم بالآيات البـينةِ الدالةِ على صدقهم أو ملتبسين بها حين لا مجالَ للتكذيب، وقد جُوِّز أن يكون قولُه تعالى: {وَجَاءتْهُمْ} عطفاً على ظلموا فلا محلَّ له من الإعراب عند سيبويه، وعند غيره محلُّه الجرُّ لأنه معطوفٌ على ما هو مجرورٌ بإضافة الظرفِ إليه، وليس الظلمُ منحصراً في التكذيب حتى يُحتاج إلى الاعتذار بأن الترتيبَ للذكرى لا يجب كونُه على وفق الترتيبِ الوقوعيّ كما في قوله تعالى:{أية : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ }تفسير : [يوسف: 100] الخ، بل هو محمولٌ على سائر أنواعِ الظلم والتكذيبُ مستفادٌ من قوله تعالى: {وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} على أبلغ وجهٍ وآكده فإن اللامَ لتأكيد النفي أي وما صح وما استقام لهم أن يؤمنوا لفساد استعدادِهم وخذلانِ الله تعالى إياهم لعلمه بأن الألطافَ لا تنجع فيهم، والجملةُ على الأول عطفٌ على ظلموا لأنه إخبارٌ بإحداث التكذيب، وهذا بالإصرار عليه، وعلى الثاني عطفٌ على ما عطف عليه، وقيل: اعتراضٌ بـين الفعلِ وما يجري مَجرى مصدرِه التشبـيهيِّ أعني قولَه تعالى: {كَذٰلِكَ} فإن الجزاءَ المشارَ إليه عبارةٌ عن مصدره أي مثلَ ذلك الجزاءِ الفظيعِ أي الإهلاكِ الشديدِ الذي هو الاستئصالُ بالمرة {نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي كلَّ طائفةٍ مجرمة، وفيه وعيدٌ شديدٌ وتهديدٌ أكيدٌ لأهل مكةَ لاشتراكهم لأولئك المهلَكين في الجرائم والجرائر التي هي تكذيبُ الرسولِ والإصرارُ عليه وتقريرٌ لمضمون ما سبق من قوله تعالى: {وَلَوْ يُعَجّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ} وقرىء بالياء على الالتفات إلى الغَيبة وقد جُوِّز أن يكون المرادُ بالقوم المجرمين أهلَ مكةَ على طريقة وضع الظاهرِ موضعَ ضميرِ الخطابِ إيذاناً بأنهم أعلامٌ في الإجرام ويأباه كلَّ الإباء.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ}[12] قال: الدعاء هو التبري مما سوى الله تعالى.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً} [الآية: 12]. قال أبو حفص: الدعاء باب الله الأعظم وهو سلاح المؤمن عند النوائب. وقال: الدعاء الذى فيه الإجابة هو أن لا ترى حيلة بعقل ولا بعلم. وقال سهل: الدعاء هو التبرى مما سوى الله. وقال أبو حفص: يرجع العبد إلى ربه بالحقيقة عند الفاقات ونزول المصائب والمحن، ولو رجع إليه فى أيام الرفاهية لأكرم فى وقت نزول المصائب بالرضاء، ولكنه لما لم يكن له فى أوقات الرفاهية رجوع إليه ردَّه فى حال المصائب والضروريات إلى الدعاء واللجأ وهذا أيضًا مقام جليل، فتح باب الدعاء على العبد عند نزول البلاء، والمحروم من يرجع فيما يترك به من المصائب والضروريات إلى العبيد، ويقطع قلبه عن ربه، فمصيبته فى إعراضه عن ربه أكثر من مصيبته بنزول البلاء عليه. قال بعضهم: الخلق مجبورون تحت قسيمته، مقهورون فى خلقته ألا ترى إذا ضاقت القلوب واشتدت عليهم الأمور كيف يرجعون إلى الملك الغفور. ودعاء أهل الحقائق فيما بلغنى عن بعضهم أنه كان يقول: يا من حجبنى بالدعاء احجبنى عن موضع رؤية الدعاء. وسمعت جدى يقول: الدعاء على العبادة خيانة، وعلى حد اليقين نجاة وعبادة، كما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: " حديث : الدعاء هو العبادة " تفسير : ولكن للدعاء أوقات وآداب وشروط: فمن يطالب نفسه بأوقات الدعاء وأدبه وشروطه كان محرومًا فيه، وآداب الدعاء وشرائطه ما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: " حديث : ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة " تفسير : واعلموا أن الله لا يستجيب الدعاء من قلب غافل لاهٍ.

القشيري

تفسير : إذا امتُحِنَ العبدُ وأصابه الضُّرُّ أزعجته الحالُ إلى أَنْ يرومَ التخلُّصَ مما ناله، فيعلمَ أنَّ غيْر الله لا يُنْجِيه، فتحمله الضرورةَ على صِدْق الالتجاءِ إلى الله، فإذا كَشَفَ اللَّهُ عنه ما يدعو لأَجْلِهِ شَغَلَتْه راحةُ الخلاصِ عن تلك الحالة، وزَايَلَه ذلك الالتياع، وصار كأنه لم يكن في بلاءِ قط: شعر : كأنَّ الفتى لم يَعْرَ يوماً إذا اكتسى ولم يكُ صُعلوكاً إذا ما تَموَّلاَّ تفسير : ويقال بلاءٌ يُلْجِئُك إلى الانتصاب بين يَدَيْ معبودِك أجدى لك من عطاءٍ ينْسِيك ويكفيك عنه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً} ان الله تعالى وصف المتحيرين === القضاؤ والقدر والارادة والمشية فاذا اظلم عليهم سحوف ليالى البليات واذهب عنهم بمناشرة القهر اثر الراحات حرك يد اللطف الازلى سلاسل عقود قلوبهم الى اقبال الحضرة واضاء تنفس صباح لوائح الغيب فى اسرارهم فصرفهم بنعت الاضطرار الى باب الربوبية فراوا هنالك اعلام قهر الجبروت وخرجت عقولهم من ممكن جنس الامتحان وحثهم الى التضرع فى ميادين السلطنة فيخلصوا من ورطة الامتحان بدعائهم على باب الرحمن فلما سكنوا عن تواتر البلاء ===عقولهم بقاءهم فى الاستقامة فيصول عليهم عساكر القصريات واغرقتهم فى بحار الشهوات واعمتهم عن انظار المشاهدات ويفعلون قبائح الاعمال وينسون عهود الافضال فايام النوال ====== يا ليتهم لو كانوا صادقين فى اللجا اليه والتضرع بين يديه فان من بلغ الى مقام الدعاء وعرف مقاماته فهو فى منزل الانبساط والمنبسط شاهد رضوانه وموضع نظر واحسانه ومن وصف هذا الداعى ان يكون مستانساً بربه ويدعوه فى جميع حالاته واذا دعاه دعاه نبيه صادقة وعقيدة صافية فدعاه فى زمان البلاء الصير وفى زمان النعمة الشكر قال ابو حفص الدعاء باب الله الاعظم وهو سلاح المؤمن عند النوائب وقال ايضاً يرجع العبد الى ربه بالحقيقة عند الفاقان ونزول المصائب بالرضا ولكنه لما لم يكن له فى اوقات الرفاهية رجوع اليه رد فى حال المصائب والضروريات الى الدعاء واللجاء وقال الشخ ابو عبد الرحمن السلمى مسمعت جدى يقول الله علم على العادة جناية وعلى اليقين نجاة وعبادة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء هو العبادة ولكن للدعاء اوقات وآداب وشروط فمن لم يطالب نفسه باوقات الدعاء وادابه وشروطه كان محروماً وآداب الدعاء وشروطه ما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ادعوا الله وانتم موقنون بالايجابة واعلموا ان الله لا يستجيب جعاء من قلب غافل لاه ثم زاد فى وصف هؤلاء الذين لم يدركوا حقائق العبودية فى مشاهد الربوبية بانهم هلكوا بانصرافهم عن باب الله ومحل الاخلاص الى م تابعة الشهوات والاقتداء بالوسواس بقوله {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} الظلم ههنا الانكار بعد الاعتراف والاعجاب بالرأى بعد ترك السنة والاسوة لما عتوا على اسماء الله بعد علمهم بصدق كراماته اهلكهم الله بان تركهم فى حجاب الشهوة والنفس ولم يعرفهم طريق الخطأ ولم يرشدهم الى طريق اهل قربه ووصاله قال ابن عطا فى قوله لما ظلموا لما اعتمدوا سوانا فقال ابو عثمان لما ظلموا لما لم يعرفوا حقوق اكابرهم ولما يتادبوا بآدابهم ثم خون الله سبحانه خلفاء الانبياء من الصديقين والمقربين لا يلتفتوا فى طريق الله الى شئ غير الله ولن يروا عزا من طريق السنن الى سبيل اهل اليقين بقوله {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} خلفاء الارض نواب الانبياء وورثة الرسل وهم اهل الاستقامة والتمكين والجمعية الذين يخاطبهم الله فى كل نفس بلسان الولاية ويورثهم خطابه الاداب السيئة والاعمال الزكية والاخلاق الكريمة والاسوة الحسنة ثم يورثهم هذه الاحكام بالانس بالذكر والخوض فى الفكر والسير بالقلوبفى انوار الغيوب والطيران بالارواح فى عالم الافراح وايواء الاسرار الى سرادق المجد فيرون بعد ذلك فى حضرة القدس مجالس الانس ويشربون من بحار محبته ويشتاقون الى لقائه ويعشقون بوجهه ويرونه بظهور الصفات او كشوف الذات كفاحاً ويسمعون منه تعالى كلاماً صرفاً فيرجعون بعد ذلك الى دعوة الخلق الى الله بالسنة الموعظة والامر بالمعروف والنهى عن المنكر وحفظ حدود الله عليهم قال بعضهم لم يزل الانبياء لهم خلفاء والاولياء لهم خلفاء ابدلهم الله مكانهم ليروا السباقين سنتهم ويمسكوا على طريقتهم قال الله ثم جعلناكم خلائف فى الارض من بعدهم.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (لجنبه): متعلق بحال محذوفة، أي: مضطجعاً لجنبه، و(كأن) مخففة. يقول الحق جل جلاله: {وإذا مسَّ الإنسان الضُّرُّ} في بدنه أو ماله أو أحبابه، {دعانا} لإزالته مخلصاً فيه، وتضرع إلينا حال كونه مضطجعاً {لجَنْبِه أو قاعداً أو قائماً}، وفائدة الترديد تقسم الدعاء لجميع الأحوال أو لأصناف المضار، {فلما كشفنا عنه ضُرَّه مرَّ} أي: مضى على طريقه واستمر على كفره، ولم يشكر الله على دفعه، أو مرَّ عن موقف الدعاء، ولم يرجع إليه. {كأن لم يَدْعُنَا} أي: كأنه لم يدعنا {إلى} كشف {ضُرّ مسَّهُ} قط: {أية : نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ}تفسير : [الزمر:8] {كذلك زُيّنَ للمسرفين} أي: مثل هذا التزيين زين للمسرفين {ما كانوا يعلمون} من الانهماك في الشهوات، والإعراض عن شكر المنعم عند المسرات وذهاب العاهات. وفي الآية تهديد لمن تشبه بهذه الحالة، بل الواجب على العبد دوام التجائه إلى ربه، والشكر له عند ظهور إجابته وإسدال عافيته. الإشارة: من حسن الأدب؛ السكون تحت مجاري الأقدار، والتسليم لأحكام الواحد القهار، "فليس الشأن تُرزق الطلب، إنما الشأن أن تُرزق حسن الأدب"، وحسن الأدب: هو الفهم عن الله؛ فإذا شرح صدرك للدعاء، فادع ولا تكثر، فإن المدعو قريب، ليس بغافل فيُنبه، ولا ببعيد فتنادي عليه، فإذا دعوته وأجابك فاشكره، وإن أخَّر عنك الإجابة فاصبر؛ فقد ضمن الإجابة فيما يريد، لا فيما تريد، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد. والله تعالى أعلم. ثم هدد من أساء الأدب، فقال: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ}.

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى في هذه الاية عن قلة صبر الانسان، اذا ناله الضر دعا ربه على سائر حالاته التي يصيبه ذلك عليها، سواء كان قائما أو قاعداً إذا أطاقه، أو على جنبه من شدة المرض فيجتهد الدعاء لأن يهب الله له العافية. وليس غرضه بذلك نيل الثواب للآخرة. وانما غرضه زوال ما هو فيه من الآلام، فاذا كشف الله عنه ذلك الضرر، ووهب له العافية، مرّ معرضاً عن شكر ما وهبه له من نعمة وعافية فلا يتذكر ما كان فيه من الآلام، وصار في الاعراض عن ذلك بمنزلة من لم يدع الله كشف ألمه ولا سأله ازالة الضرر عنه الذي كان به. وقوله {كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون} قال ابو علي الجبائي: الشياطين الذين دعوا المسرفين إلى المعاصي واغووهم بها وبترك شكر نعم الله زينوا لهؤلاء المسرفين ما كانوا يعملونه من المعاصي والاعراض عن ذكر نعمه واداء شكره. والغرض بذلك انه ينبغي لمن وهب الله له العافية بعد المرض ان يتذكر حسن صنع الله اليه وجزيل نعمه عليه، فيشكره على ذلك ويسأله ادامة ذلك عليه. ونبه بذلك على انه يجب عليه الصبر عند المرض وترك الجزع عند احتساب الأجر وطلب الثواب في الصبر على ذلك، وأن يعلم أن الله محسن اليه بذلك، وليس بظالم له. وقال الحسن التزيين هو التحسين من الشيطان والغواة. وقال غيره هو التحبيب بالشهوة لتحبيب المشتهى. وقوله {أو قاعداً أو قائماً} نصب على الحال. وقوله {كأن} هي المخففة عن الثقيلة، وتقديره كأنه لم يدعنا، ومثله قول الخنساء: شعر : كأن لم يكونوا حمى متقى اذ الناس اذ ذاك من عزّ بزّ تفسير : اي كأنهم. وقوله {مر كأن لم} اي استمر على طريقته الأولى كأنه لم يدعنا ولم يسألنا ذلك. وموضع الكاف نصب على أنه مفعول ما لم يسم فاعله والمعنى زين للمسرفين عملهم {كذلك} أي مثل ذلك.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ} حال كونه على جنبه فاللاّم بمعنى على والمقصود مطلق القاء البدن على الارض سواء كان على الجنب او الظّهر او الوجه ويعبّر بالالقاء على الجنب عن مطلق احوال الالقاء كثيراً فى العرب والعجم {أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً} اى فى جملة الاحوال فلفظة او لتفصيل الاحوال {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ} كان المناسب ان يقول فاذا كشفنا حتّى يصحّ تعقيبه للشّرط المستقبل لكنّه ادّاه بالشّرط الماضى اشارة الى انّ مسيس الضّرّ والدّعاء عقيبه سجيّة للانسان مستغرق للماضى والمستقبل كأنّه قال: اذا مسّ الانسان الضّرّ دعانا وقد مسّه الضّرّ فدعانا فلمّا كشفنا عنه ضرّه {مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ} كناية عن اعراضه وعدم عنايته بشأن من كان محتاجاً اليه ومتنعّماً به وقد صار هذه العبارة مثلاً فى العرب والعجم فى هذا المعنى اذا ذكر بعده ما يدلّ على تشبيه حال المحتاج بغير المحتاج {كَذٰلِكَ} اى مثل ما زيّن للمكشوفى الضّرّ اعمالهم حتّى لا يبالوا بمن دعوه لكشفه وغفلوا عنه {زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من اتّباع الشّهوات والانهماك فيها حتّى وقعوا فى الغفلات.

الهواري

تفسير : قوله: { وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ} يعني المرض. والإِنسان ها هنا المشرك. { دَعَانَا لِجَنبِهِ} أي: وهو مضطجع على جنبه { أَوْ قَاعِداً} يقول: أو دعانا قاعداً { أَوْ قَائِماً} قال: { فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ} أي: مَرَّ معرضاً عن الله عزّ وجلّ الذي كشف عنه الضر. {كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ}، أي: لنكشفه عنه. {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ} أي للمشركين { مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. قوله: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ} يريد من أهلك من القرون السالفة { لَمَّا ظَلَمُوا} أي: لما أشركوا، وهذا ظلم شرك. { وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالبَيِّنَاتِ} فكذبوا رسلهم فأهلكهم الله. قوله: {وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا} [أخبر بعلمه فيهم]. ذكروا عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس أنه كان يقرأ هذا الحرف (أية : وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) تفسير : [الأنبياء:95]. قال: وجب على قرية أهلكناها أنهم لم يكونوا ليؤمنوا. قوله: {كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} وهذا جرم شرك. يقول: كذلك نجزي القوم المشركين. يعني ما عذبهم به في الدنيا فأهلكهم حين كذبوا رسلهم ولهم في الآخرة النار.

اطفيش

تفسير : {وإذ مسَّ الإنسانَ} الكافر، أو الإنسان مطلقا فإن الإنسان مطلقا لا تكون حاله بعد زوال ما مسه من ضر، مثل حاله قبل الزوال فى التضرع والابتهال، إلا من شاء الله، فقد يديم الدعاء، ولو قبل المس أو بعده، ويرضى بالقضاء، وقد يكون البلاء عنده أحب. {الضُّرُّ} كمرض وجوع وشدة، وهو عام، وقيل: مختص بالبدن كالهزال والمرض والجرح، والعام الضرر. من كتب: {وإذا مس} إلى: {لو كانوا يعلمون} فى فخارة طرية نظيفة، وملأها زيت طيب، ومحاها به وغلاه على النار اللينة، ودهن به ما أوجعه من جنب أو ساق أو قدم، برئ إن شاء الله تعالى. {دَعانا لجنْبهِ} متعلق بحال محذوفة جوازاً أى مضجعاً على جنبه، فاللام بمعنى على، أو الأصل ملقى لجنبه وإلقاؤه جنبه اضطجاعه {أو قاعِداً} عطف على تلك الحال المحذوفة {أو قائماً} وصاحب الحال الضمير المستتر فى دعاه، والمراد بتلك الأحوال تعميم الدعاء بأى حال كان لا يفتر حتى يزول الضر، أو أراد أنه يدعونا حال كونه مضطجعا عند مس الضر، أو قاعدا، أو قائما، وأجاز الزجاج أن يكون صاحب الحال الإنسان، فالمعنى أنه إذا مس الإنسان الضر حال اضطجاعه أو قعوده أو قيامه وهو ضعيف لمجيئه بعد الجواب، وأجاز جار الله أن يكون ذلك بيانا لأحوال المضرورين، أى منهم من هو أشد وهو صاحب الفراش، ومن هو أخف وهو القادر على القعود، ومن يستطيع القيام، وكل لا يستغنون عن الدعاء، وصاحب الحال على هذا ضمير دعا. {فلمَّا كشفنا عنْه ضُرَّه مَرَّ} مضى على حاله قبل مس الضر من الكفر، أو من عدم التضرع والابتهال، ونسى حال الشدة، أو مر عن موقف الدعاء لا يرجع عنهم، كأنه لا عهد له به {كأنْ لَم يدْعُنا} هى كان المشددة، خففت وحذف اسمها ضمير الشأن، أو ضمير الإنسان، والأول أكثر وأشهر {إلى ضُرٍّ مَسَّه} أى إلى كشف ضر ماس له. {كَذلكَ زُيِّن} المزين الشيطان لعنه الله بوسوسته، أو الله تعالى بخذلانه {للمسْرِفينَ} أى مثل ذلك التزيين للإنسان زين للمسرفين، أى المشركين أو الكافرين مطلقا، والإسراف الانهماك فى الشهوات، والإعراض عن العبادات، وإنفاق المال حيث لا يحل كإنفاقه فى الزنى، والمزمار، والبحائر، والسوائب، والأصنام وخدمتها، بل الإسراف كتضييع النفس بفعل ما يهلكها، أو أراد الإنسان وعبر عنه بالظاهر ذماً بالإسراف وجمع لأنه الجنس. {ما كانُوا يَعْملونَ} وهو ما ذكرنا أنه هو الإسراف، كما تقول: أهلك الفاسق زناه، وتريد بفسقه الزنى.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ} الكافر، والإِنسان المطلق لأَن من شأْنه ولو مؤْمناً القلق بالضر {الضُّرُّ} المرض أَو الفقر أَو الذل أَو غير ذلك مما يسوؤُه، وعبر بالمس تلويحاً بأَنه يقلق من أَول الأَمر، وتكذيباً لما يوهمه طلبهم الشر من القدرة عليه كيف تطلبونه وأَنتم لا تطيقونه ولا تصبرون عليه، وبياناً لكونه لو قضى إِليهم لم يؤَخروه ولم يطيقوه على أَى حال كان من قيام أَو قعود أَو اضطجاع ملحا كما قال {دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً} بالنصب على الحال، أَى ثابتاً أَو مضطجعاً على جنبه الأَيمن أَو الأَيسر، فاللام بمعنى على أَو ملقياً لجنبه على الأَرض، فتكون على أَصلها إِلا أَنها للتقوية، وأَو لتنويع الأَحوال فهى كالواو، ويجوز أَن تكون لتنويع أَصناف المضار أَى لمرض لا يطيق معه القعود ولا القيام، أَو لمرض يطيق معه القيام كالقعود أَو يطيق معه القعود كالاضطجاع لا القيام، والأَول أَولى لعمومه وخصوص الثانى بالأَمراض، وعلى كل حال ذلك غالب لا حصر لأَنه بقى الركوع والسجود والميل جانباً دون استواء قعود أَو اضطجاع، والاستلقاءُ والانكباب على الوجه وهو نهى عنه، فذلك تمثيل، وقد يدخل الركوع فى القيام والميل والسجود فى القعود على معنى أَن القعود ماعدا الاضطجاع والقيام، وكم مريض لا يطيق الاضطجاع ولا القعود بل الميل، ولعل ذلك الترتيب في الذكر أَن الاضطجاع أَولى بالتسلى لأَنه مظنة سكون، وبعده القيام فإِنه مظنة اشتغال بعمل، ومع ذلك لا يترك الدعاءَ والقعود دونهما فإِن فيه انتصاباً غير تام فأَخر. والله أَعلم {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ} دام على حاله من التقصير والغفلة ولو كان موحدا، وعلى حاله من الكفر إِن كان كافراً، أَو ذهب عن موضع الدعاءِ، أَو عن الدعاءِ لا يرجع إِليه، وهذا كثير فى أَهل التوحيد فلا يختص الإِنسان المذكور بالمشرك، ولا يتعين اختصاصه به لقوله {وكذلك زين للمسرفين} لصحة أَن يكون المعنى تلك خصلة سوءٍ فيمن كان موحدا أَو مشركا كما زين للمشركين مطلق ما يعملونه من شرك، أَو أَراد بالإِسراف الفسق بالشرك أَو بما دونه، كل يلح فى الحاجة فإِذا حصلت {كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ} أَى كأَنه، أَى الشأْن أَو الإِنسان الداعى، وجوز سيبويه فى مثل ذلك أَن يرجع الضمير إِلى ما يصلح بالمقام لا إِلى خصوص الشأْن، والجملة حال من ضمير مس، والمعنى مشبها من لم يدعنا إِلى إِزالة ضر مسه أَو فى شأْن ضر بالدفع على أَن تكون على بمعنى فى، والأَصل الأَول وهو بعد الكشف كحاله قبل الابتلاءِ والتضرع والقوة وعدم الضر. ومسه نعت ضر. قال أَبو الدرداءِ: ادع الله يوم سرائك يستجيب لك يوم ضرائك، وعن أَبى هريرة وسلمان: من سره أَن يستجيب الله تعالى له عند الشدائد والكروب فليكثر الدعاءَ فى الرخاءِ {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} من الاستغراق فى الشهوات وفى ترك العبادة واستعمال الجوارح فى المعاصى وقد خلقت للطاعة، إِسراف كاستعمال المال فيما يضيع أَو يضر، أَى مثل ذلك المرور على حاله من الدعاء عند الضر والإِعراض عند الرخاءِ قبل الابتلاءِ، ولم أَقل مثل ذلك التزيين لأَنه لم يتقدم لفظ زين ولو كان فى ضمن ما ذكر، ويجوز أَن يكون الكلام كناية كقولك مثلك لا يبخل إِلى جعل الكاف زائِدة على معنى أَنه زين للمسرفين ما كانوا يعملون ذلك التزيين.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ} أي إذا أصابه جنس الضر من مرض وفقر وغيرهما من الشدائد إصابة يسيرة، وقيل: مطلقاً {دَعَانَا} لكشفه وإزالته {لِجَنبِهِ} في موضع الحال ولذا عطف عليه الحال الصريحة أعني قوله سبحانه: {أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا} أي دعانا مضطجعاً أو ملقى لجنبه، واللام على ظاهرها، وقيل: إنها بمعنى على كما في قوله تعالى: {أية : يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ }تفسير : [الإسراء: 107] ولا حاجة إليه وقد يعبر بعلى وهي تفيد استعلاءه عليه واللام تفيد اختصاص كينونته واستقراره بالجنب إذ لا يمكنه الاستقرار على غير تلك الهيئة ففيه مبالغة زائدة. واختلف في ذي الحال فقيل: إنه فاعل {دَعَانَا} وقيل: هو مفعول {مَسَّ} واستضعف بأمرين: أحدهما تأخر الحال عن محلها من غير داع. الثاني أن المعنى على أنه يدعو كثيراً في كل أحواله إلا أنه خص المعدودات بالذكر لعدم خلو الإنسان عنها عادة لا أن الضر يصيبه في كل أحواله. وأجيب عن هذا بأنه لا بأس به فإنه يلزم من مسه الضر في هذه الأحوال دعاؤه فيها أيضاً لأن القيد في الشرط قيد في الجواب فإذا قلت إذا جاء زيد فقيراً أحسنا إليه فالمعنى أحسنا إليه في حال فقره وأنت تعلم أن الأظهر هو الأول، واعتبر بعضهم توزيع هذه الأحوال على أفراد الإنسان على معنى أن من الإنسان من يدعو على هذه الحالة ومنه من يدعو على تلك، وذكر غير واحد أنه يجوز أن يكون المراد بهذه الأحوال تعميم أصناف المضار لأنها إما خفيفة / لا تمنع الشخص القيام أو متوسطة تمنعه القيام دون القعود أو شديدة تمنعه منها وانفهام ذلك منها بمعونة السياق و {إِذَا} قيل إنها على أصلها وقيل إنها للمضي. {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ} الذي مسه غب ما دعانا كما ينبىء عنه الفاء {مَرَّ} أي مضى واستمر على ما كان عليه قبل ونسي حالة الجهد والبلاء أو مر عن موقف الدعاء والابتهال ونأى بجانبه، والمرور على الأول مجاز وعلى الثاني باق على حقيقته ويكون كناية عن عدم الدعاء {كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا} أي كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن، ومثل ذلك قوله:شعر : ووجه مشرق النحر كأن ثدياه حقانتفسير : فإن الأصل فيه كأنه فخفف كأن وحذف ضمير الشأن، لكن صرح ابن هشام في «شواهده» أن ذلك غير متعين إذ يجوز كون الضمير للوجه أو للصدر على رواية ـ وصدر ـ وروي كأن ثدييه على إعمال كأن في اسم مذكور ولا يبعد أن يجوز ذلك في الرواية الأولى على بعض اللغات، والجملة التشبيهية في موضع الحال من فاعل {مَرَّ} أي مر مشبهاً بمن لم يدعنا {إِلَىٰ ضُرّ} أي إلى كشفه لأنه المدعو إليه، وقيل: لا حاجة إلى التقدير، وإلى بمعنى اللام أي لضر {مَسَّهُ} والظاهر أن هذا وصف لجنس الإنسان مطلقاً أو الكافر منه باعتبار حال بعض الأفراد ممن هو متصف بهذه الصفات. وذكر الشهاب أن للمفسرين في المراد بالإنسان هنا ثلاثة أقوال فقيل: الجنس وقيل: الكافر وقيل: شخص معين وعليه لا حاجة إلى الاعتبار لكن لا اعتبار له. {كَذٰلِكَ} أي مثل ذلك التزيين العجيب {زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ} أي للموصوفين بما ذكر من الصفات الذميمة {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من الإعراض عن الذكر والدعاء والانهماك في الشهوات، والإسراف مجاوزة الحد وسموا أولئك مسرفين لما أن الله تعالى إنما أعطاهم القوى والمشاعر ليصرفوها إلى مصارفها ويستعملوها فيما خلقت له من العلوم والأعمال الصالحة وهم قد صرفوها إلى ما لا ينبغي مع أنها رأس مالهم، وفاعل التزيين إما مالك الملك جل شأنه وإما الشيطان عليه اللعنة وقد مر تحقيق ذلك وكذلك فتذكر. وتعلق الآية الكريمة بما قبلها قيل من حيث أن في كل منهما إملاء للكفرة على طريقة الاستدراج بعد الإنقاذ من الشر المقرر في الأولى ومن الضر المقرر في الأخرى. وذكر الإمام في وجه الانتظام مع الآية الأولى وجهين ((الأول: أنه تعالى بين في الأولى أنه لو أنزل العذاب على العبد في الدنيا لهلك وأكد ذلك في هذه الآية حيث دلت على غاية ضعفه ونهاية عجزه. والثاني: أنه سبحانه أشار في الأولى إلى أن الكفرة يستعجلون نزول العذاب وبين جل شأنه في هذه أنهم كاذبون في ذلك الطلب حيث أفادت أنه لو نزل بالإنسان أدنى شيء يكرهه فإنه يتضرع إلى الله تعالى في إزالته عنه)) انتهى ولكل وجهة. وفي الآية ذم لمن يترك الدعاء في الرخاء ويهرع إليه في الشدة واللائق بحال الكامل التضرع إلى مولاه في السراء والضراء فإن ذلك أرجى للإجابة ففي الحديث «حديث : تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة»تفسير : . وأخرج أبو الشيخ عن أبـي الدرداء قال: ادع الله تعالى يوم سرائك يستجب لك يوم ضرائك، وفي حديث للترمذي عن أبـي هريرة، ورواه الحاكم عن سلمان وقال صحيح الإسناد «حديث : من سره أن يستجيب الله تعالى له عند الشدائد والكروب فليكثر الدعاء في الرخاء»تفسير : والآثار في ذلك كثيرة.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : ولو يعجل الله للناس الشر}تفسير : [يونس: 11] الآية، لأن الغرض الأهم من كلتيهما هو الاعتبار بذميم أحوال المشركين تفظيعاً لحالهم وتحذيراً من الوقوع في أمثالها بقرينة تنهية هذه الآية بجملة {كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون}. فلما بُين في الآية السابقة وجه تأخير عذابِ الاستئصال عنهم وإرجاء جزائهم إلى الآخرة بُين في هذه الآية حالهم عندما يمسهم شيء من الضر وعندما يُكشف الضر عنهم. فالإنسان مراد به الجنس، والتعريف باللام يفيد الاستغراق العرفي، أي الإنسان الكافر، لأن جمهور الناس حينئذٍ كافرون، إذ كان المسلمون قبل الهجرة لا يعْدُون بضعة وسبعين رجلاً مع نسائهم وأبنائهم الذين هم تبع لهم. وبهذا الاعتبار يكون المنظور إليهم في هذا الحكم هم الكافرون، كما في قوله تعالى: {أية : ويقول الإنسان أئذا ما مِت لسَوف أخرج حيا}تفسير : [مريم: 66] ـ وقوله: ـ {أية : يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسوّاك}تفسير : [الانفطار: 6، 7]. ويأخذ المسلمون من هذا الحكم ما يناسب مقدار ما في آحادهم من بقايا هذه الحال الجاهلية فيفيق كلٌّ من غفلته. وعدل عن الإتيان بالضمير الراجع إلى (الناس) من قوله: {أية : ولو يجعل الله للناس الشر}تفسير : [يونس: 11] لأن في ذكر لفظ الإنسان إيماء إلى التذكير بنعمة الله عليهم إذ جعلهم، من أشرف الأنواع الموجودة على الأرض. ومن المفسرين من جعل اللام في الإنسان للعهد وجعل المراد به أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي، واسمه مُهَشِّم، وكان مشركاً، وكان أصابه مرض. والضر تقدم في قوله: {أية : وإن يمسسك الله بضر}تفسير : في سورة {الأنعام: 17]. والدعاء: هنا الطلب والسؤال بتضرع. واللام في قوله: لجنبه} بمعنى (على) كقوله تعالى: {أية : يخرون لِلأذقان}تفسير : [الإسراء: 109] وقوله: {أية : وتلَّه للجبين}تفسير : [الصافات: 103]. ألا ترى أنه جاء في موضع اللام حرف (على) في قوله تعالى: {أية : فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جُنوبكم}تفسير : [النساء: 103] وقوله: {أية : الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم}تفسير : [آل عمران: 190] ونحوه قول جابر بن جني التغلبي: شعر : تناولَه بالرمح ثم انثنى به فخَرَّ صريعاً لليدين وللفم تفسير : أي على اليدين وعلى الفم، وهو متولد من معنى الاختصاص الذي هو أعم معاني اللام، لأن الاختصاص بالشيء يقع بكيفيات كثيرة منها استعلاؤه عليه. وإنما سلك هنا حرف الاختصاص للإشارة إلى أن الجنب مختص بالدعاء عند الضر ومتصل به فبالأولى غيره. وهذا الاستعمال منظور إليه في بيت جابر والآيتين الأخريين كما يظهر بالتأمل، فهذا وجه الفرق بين الاستعمالين. وموضع المجرور في موضع الحال، ولذلك عطف {أو قاعداً أو قائماً} بالنصب. وإنما جعل الجنب مجروراً باللام ولم ينصب فيقال مثلاً مضطجعاً أو قاعداً أو قائماً لتمثيل التمكن من حالة الراحة بذكر شق من جسده لأن ذلك أظهر في تمكنه، كما كان ذكر الإعطاء في الآيتين الأخريين وبيت جابر أظهر في تمثيل الحالة بحيث جمع فيها بين ذكر الأعضاء وذكر الأفعال الدالة على أصل المعنى للدلالة على أنه يدعو الله في أندر الأحوال ملابَسَةً للدعاء، وهي حالة تطلب الراحة وملازمة السكون. ولذلك ابتدىء بذكر الجنب، وأما زيادة قوله: {أو قاعداً أو قائماً} فلقصد تعميم الأحوال وتكميلها، لأن المقام مقام الإطناب لزيادة تمثيل الأحوال، أي دعانا في سائر الأحوال لا يلهيه عن دعائنا شيء. والجنب: واحد الجنوب. وتقدم في قوله: {أية : فتكوى بها جباههم وجنوبهم}تفسير : في سورة [براءة: 35]. والقعود: الجلوس. والقيام: الانتصاب. وتقدم في قوله: {أية : وإذا أظلم عليهم قاموا}تفسير : في سورة [البقرة: 20]. و(إذا) هنا لمجرد الظرفية وتوقيتِ جوابها بشرطها، وليست للاستقبال كما هو غالب أحوالها لأن المقصود هنا حكاية حال المشركين في دعائهم الله عند الاضطرار وإعراضهم عنه إلى عبادة آلهتهم عند الرخاء، بقرينة قوله: {كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون} إذ جعلها حالاً للمسرفين. وإذ عبر عن عملهم بلفظ {كانوا} الدال على أنه عملهم في ماضي أزمانهم، ولذلك جيء في شرطها وجوابها وما عطف عليهما بأفعال المضي لأن كون ذلك حالهم فيما مضى أدخلُ في تسجيله عليهم مما لو فرض ذلك من حالهم في المستقبل إذ لعل فيهم من يتعظ بهذه الآية فيقطع عن عمله هذا أو يساق إلى النظر في الحقيقة. ولهذا فرع عليه جملة: {فلما كشفنا عنه ضره مرَّ} لأن هذا التفريع هو المقصود من الكلام إذ الحالة الأولى وهي المفرع عليها حالة محمودة لولا ما يعقبها. والكشف: حقيقته إظهار شيء عليه ساتر أو غطاء. وشاع إطلاقه على مطلق الإزالة. إما على طريقة المجاز المرسل بعلاقة الإطلاق، وإما على طريقة الاستعارة بتشبيه المزال بشيء ساتر لشيء. والمرور: هنا مجازي بمعنى استبدال حالة بغيرها. شُبه الاستبدال بالانتقال من مكان إلى آخر لأن الانتقال استبدال، أي انتقل إلى حال كحَال من لم يسبق له دعاؤُنا، أي نسي حالة اضطراره واحتياجه إلينا فصار كأنه لم يقع في ذلك الاحتياج. و(كأنْ) مخففة كأنَّ، واسمها ضمير الشأن حذف على ما هو الغالب. وعدي الدعاء بحرف (إلى) في قوله: {إلى ضر} دون اللام كما هو الغالب في نحو قوله: شعر : دعوت لما نابني مسورا تفسير : على طريقة الاستعارة التبعية بتشبيه الضر بالعدو المفاجىء الذي يدعو إلى من فاجأه ناصراً إلى دفعه. وجَعْل (إلى) بمعنى اللام بُعد عن بلاغة هذا النظم وخلط للاعتبارات البلاغية. وجملة: {كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون} تذييل يعم ما تقدم وغيره، أي هكذا التزيين الشيطاني زين لهم ما كانوا يعملون من أعمالهم في ماضي أزمانهم في الدعاء وغيره من ضلالاتهم. وتقدم القول في معنى مَوقع (كذلك) في أمثال هذه الآية عند قوله تعالى: {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطا}تفسير : في سورة [البقرة: 143] وقوله:{أية : كذلك زينا لكل أمة عملهم}تفسير : في سورة [الأنعام: 108]، فالإشارة إلى التزيين المستفاد هنا وهو تزيين إعراضهم عن دعاء الله في حالة الرخاء، أي مثلَ هذا التزيين العجيب زين لكل مُسرف عمله. والإسراف: الإفراط والإكثار في شيء غير محمود. فالمراد بالمسرفين هنا الكافرون. واختير لفظ {المسرفين} لدلالته على مبالغتهم في كفرهم، فالتعريف في المسرفين للاستغراق ليشمل المتحدث عنهم وغيرهم. وأسند فعل التزيين إلى المجهول لأن المسلمين يعلمون أن المزين للمسرفين خواطرهم الشيطانية، فقد أسند فعل التزيين إلى الشيطان غيرَ مرة، أو لأن معرفة المزين لهم غيرُ مهمة ههنا وإنما المهم الاعتبار والاتعاظ باستحسانهم أعمالهم الذميمة استحساناً شنيطاً. والمعنى أن شأن الأعمال الذميمة القبيحة إذا تكررت من أصحابها أن تصير لهم دُربة تُحسن عندهم قبائحها فلا يكادون يشعرون بقبحها فكيف يقلعون عنها كما قيل: شعر : يقضى على المرء في أيام محنته حتى يَرى حسناً ما ليس بالحسن

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ} ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الإنسان في وقت الكرب، يبتهل إلى ربه بالدعاء في جميع أحواله. فإذا فرج الله كربه، أعرض عن ذكر ربه، ونسي ما كان فيه كأنه لم يكن فيه قط. وبين هذا في مواضع أخر كقوله: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ} تفسير : [الزمر: 8] الآية: وقوله: {أية : فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْم} تفسير : [الزمر: 49] الآية: وقوله: {أية : وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ} تفسير : [فصلت: 51] والآيات في مثل ذلك كثيرة. إلا أن الله استثنى من هذه الصفات الذميمة عباده المؤمنين، بقوله في سورة هود: {أية : وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}تفسير : [هود: 10-11]، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : عجباً للمؤمن لا يقضي الله له قضاء، إلا كان خيراً له، إن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له، وإن أصابته سراء فشكر كان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ".

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلإِنسَانَ} {قَآئِماً} (12) - إِنَّ الإِنْسَانَ كَثِيرُ التَّضَجُّرِ وَالقَلَقِ إِذَا مَسَّهُ الضُّرُّ وَالشَّرُّ، فَإِذا مَسَّهُ السُّوءُ أَكْثَرَ مِنَ التَّضَرُّعِ إِلى اللهِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ، رَاجِياً كَشْفَ مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ، وَهُوَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ، وَهُوَ قَاعِدٌ، وَهُوَ قَائِمٌ، وَفِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ. فَإِذَا فَرَّجَ اللهُ كَرْبَهُ وَشِدَّتَهُ أَعْرَضَ وَنَأَى، وَذَهَبَ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضُرٌّ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَدْعُ اللهَ رَبَّهُ. وَيَذُمُّ اللهُ تَعَالَى مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُمْ مِنَ النَّاسِ، وَأَسْمَاهُمْ بِالمُسْرِفِينَ. وَقَدْ حَسَّنَ مَسْلَكُ هؤُلاءِ الدَّاعِينَ للهِ فِي الشِّدَّةِ، وَالنَّاسِينَ لَهُ فِي الرَّخَاءِ، لِمُشْرِكِي مَكَّةَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنْ أَعْمَالِ السُّوءِ وَالشِّرْكِ، حَتَّى إِنَّهُمْ اسْتَعْجَلُوا بِالعَذَابِ الذِي أَنْذَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وَمِنْ صِفَاتِ المُؤْمِنِ الصَّبْرُ عَلَى الشَّدَائِدِ، وَالشُّكْرُ عَلَى اليُسْرِ، وَفِي كِلاَ الحَالَيْنِ خَيْرٌ لَهُ. الضُّرُّ - الجَهْدُ وَالبَلاَءُ وَالشِّدَّةُ. دَعَانَا لِجَنْبِهِ - اسْتَغَاثَ بِنَا لِنَكْشِفَ مَا نَزَلَ بِهِ وَهُوَ مُلْقىً إِلى جَنْبِهِ. مَرَّ - اسْتَمَرَّ عَلَى كُفْرِهِ وَلَمْ يَتَّعِظْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يصور الحق سبحانه حال البشر؛ الذين لم يرتبطوا دائماً بالإله، وبمنهج الإله؛ هؤلاء الذين يتجهون إلى الله في لحظات الأزمات، ثم ينسون الإيمان وتكاليفه من بعد ذلك. وحياتنا مليئة بهذا الصنف من البشر. وفي قريتنا - على سبيل المثال - كان الذي يشرف على رعاية صحة الناس حلاّق الصحة، إلى أن تخرَّج أحد أبناء القرية في كلية الطب، فأخذ حلاق الصحة يشيع عنه ما لا يليق. وفي أحد الأيام لاحظ الفلاحون خروج حلاق الصحة مبكراً وهو يحمل لِفَافة كبيرة، فأرادوا أن يعرفوا ما بها، واكتشفوا أن ابن حلاق الصحة مريض وهو يريد أن يذهب به إلى الطبيب، هو - إذن - لا يخدع نفسه، رغم محاولته خداع أهل القرية بالشائعات الكاذبة عن الطبيب. وكذلك الإنسان مع منهج الله، قد يخدع الآخرين في لحظة اليسر، لكنه لا ينسى الله لحظة العسر. وساعة يأتيه الضر، وحين تعزُّ الأسباب عليه فهو لا يجد إلا كلمة "يا رب". وأنت تجدها من أعتى الفُجَّار، ومن أقسى العُتاة، تجد الواحد من هؤلاء وهو يدعو الله ساعة الضرّ. وهذا ما يقوله الحق سبحانه هنا: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ}. والمثل من حياة هؤلاء الكافرين الذين دعوا على أنفسهم، ولو كانوا يرغبون في إنهاء الحياة، فلماذا يدعون الله وهم قد كفروا به؟ إنه كذب مفضوح، والإنسان حين يضيق بنفسه قد يدعو على نفسه بالضُّر؛ مثلما قال المتنبي: شعر : كَفَى بِكَ داءً أن تَرَى الموتَ شَافياً وحَسْب المنايا أن يكُنَّ أمَانِيَا تفسير : أي: يكفي أن يصل الإنسان إلى الدرجة التي يتمنى فيها الموت. ونلحظ أن الحق سبحانه قد جاء بموقف الإنسان من الضر في أكثر من موضع، فنجد آية تفرد الإنسان بمعنى؛ وآية ثانية تفرده بمعنى آخر، وآية ثالثة تصور وضع الإنسان بشكل آخر. يقول سبحانه: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ...} تفسير : [الزمر: 8]. ويقول الحق في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا}. ويقول سبحانه في موضع آخر: {أية : وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} تفسير : [النحل: 53-54]. إذن: فالحق سبحانه يأتي بها مفردةً مرّة، ومرة يأتي بها جمعاً. ومرة يأتي بها مفردة على ألوان شتّى، ومرة يأتي بها جمعاً بألوان شتّى، ومرة يذكرها في البر، ومرة يذكرها في البحر: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ...} تفسير : [الإسراء: 67]. إذن: فالآيات تستوعب حالات الإنسان المختلفة؛ إذا ما أصابه ضرّ، ولم يجد مَفْزعاً له لا من ذاته ولا من البيئة المحيطة به، فلا يجد من يلجأ إليه إلا ربه. ومن الأسف أن هذا الإنسان يكون كافراً بالله. والآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها تعطينا صوراً متعددة؛ فالحق سبحانه يقول: {دَعَانَا لِجَنبِهِ} أي: وهو مضطجع، {أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً}. وهكذا تتناول الآية الإنسان في تصرفاته في الكون. والآية متمشية مع أطوار تكوين الإنسان؛ فالطفل الصغير لا يستطيع أن يتقلّب، بل يقلّبه أهله؛ لينام على جنبه، يكبر قليلاً فهو يتقلب بمفرده ثم تأتي حركة القوة الثانية؛ فيقعد الطفل، ثم يقف دون أن يمشي، ثم يمشي من بعد ذلك. والآية هنا تعطينا التصوير الدقيق لثلاث حالات: {دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً}، ولم تَأت حركة المشي؛ لأن المتحرك للمشي لا يقعده الضر، لكن من يمر بالمراحل الأخرى قائماً أو قاعداً أو راقداً على الجنب، فقد يناله الضر. وتلك هي مراحل النقض لمظاهر الحياة، فالإنسان يعيش الطفولة، ثم فُتوَّة الشباب، ثم يأتيه الضعف والشيب، فلا يستطيع أن يمشي بقوة الشاب، وإن كان يستطيع الوقوف، ثم تدخل عليه الشيخوخة؛ فيقعد، ولا يستطيع أن يقف، ثم تتقدم به الشيخوخة؛ فلا يمشي، ولا يقف، ولا يقعد، ويظل راقداً على جنبه، وقد يقلّبه أهله. إذن: نقض كل شيء إنما يأتي على عكس بنائه؛ فكما بنيت مراحل الإنسان هكذا جنباً، فقعوداً فقياماً، فسعياً وحركة، فهي تنتهي بالعكس؛ لأن النقض دائماً على عكس البناء. ومن هذا خرجنا بالاستدلال على صدق الله في إخباره لخلقه بكيفية الخلق؛ لأننا لم نشاهد عملية الخلق، مصداقاً لقوله سبحانه: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. ولأن الحق لم يُشْهدْ أحداً على كيفية خَلْق السماء والأرض وخلق الإنسان، فنحن لا نأخذ معلومات عن كيفية الخلق بعيداً عن القرآن؛ لذلك لا نصدق الافتراضات القائلة بأن الأرض كانت قطعة من الشمس وانفصلت عنها ثم انخفضت درجة حرارتها؛ فكل هذه افتراضات لم تثبت صحتها، والحق سبحانه قد قال: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ...} تفسير : [الكهف: 51]. وهذا القول يدل على أن العقل البشري لا يمكن أن يصل إلى معرفة كيفية خلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان، وهو معزول عن منهج السماء. فإن حُدِّثْتُمْ كيف خُلقتم بصورة تختلف عما جاء في القرآن فقولوا: كذبتم، وإن حُدِّثتم كيف خُلقت السماوات والأرض بغير ما جاء في كتاب الله؛ فقولوا: كذبتم؛ لأن الله هو الذي خلق السماوات والأرض والإنسان وحده، ولا أحد معه، وما شهد أحد من هؤلاء مشهداً ليخبركم به. ويقول الحق سبحانه: {أية : وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. والمضلون: هم الذين يقولون لكم افتراضات غير صحيحة عن تطور القرد حتى صار إنساناً، وأن الأرض كانت قطعة من الشمس وانفصلت عنها؛ كل هذه افتراضات قالها من سمّاهم الحقُّ سبحانه: {ٱلْمُضِلِّينَ}. ولو لم يقل الله تعالى هذه الآية، ثم جاء قوم ليقولوا: الإنسان كان في الأصل قرداً، لقلنا: إن القرآن لم يتعرض لذلك، وكان من الممكن أن نصدقهم، لكن الله سبحانه شاء لنا أن تكون لدينا المناعة ضد هذا الإضلال. وعملية الخلق غيب عنا، أخبرنا عنها من خلقنا سبحانه، فلم يكن معه شاهدٌ رأى هذا المشهد؛ ليقول لنا. والخلق الذي به الحياة ينقضه الموتُ، ولكن الموت مشهد نشهده، وأي نقض لشيء - كما عرفنا - إنما يأتي على عكس بنائه، فإن بنينا عمارة من عشرين طابقاً، وأردنا أن نهدمها لسبب أو لآخر؛ فنحن نهدم الطابق العشرين أولاً، ثم نوالي الهدم بعد ذلك، فما بُني أولاً يهدم أخيراً؛ لأن نَقْض كل شيء يأتي على عكس بنائه. وبما أن الموت نَقْضٌ للحياة؛ فالروح إذا ما خرجت من الجسم، وتُرك الجثمان بلا دفن، فالجثمان يتصلَّب، ثم يصير جيفَةً، ثم يتبخر منه الماء، ويتحلل الجسد إلى العناصر الأولى في التراب، هذه مراحل الموت. وقد أخبرنا الحق عن كيفية الخلق، فبيَّن أنه سبحانه خلق الإنسان من التراب والماء فصار طيناً، ثم استوى الطين، فصوَّره الحق صورة الإنسان ونفخ فيه الروح، وآخر مراحله في الإيجاد هي الروح؛ لذلك فخروج الروح هو أول مرحلة في الموت. والله سبحانه وتعالى في هذه الآية جاء بوضع الإنسان على الجنب وقائماً وقاعداً، ولم يأت بالمشي؛ لأن الماشي عنده قدرة فلا ضرّ في ذاته، وإن أصابه ضرّ فمن غيره، والضرّ مقابل النفع، والنافع هو مَنْ يُبقِي الشيء على صلاحه الممتع المريح، في الذات أو في الخارج. فساعة تكون ذاتك مستقيمة وملكاتها وأعضاؤها كلها سليمة؛ فليس عندك ضرّ، لكن إذا حدث خلل في أي عضو من الأعضاء؛ فالمتاعب تبدأ، ولذلك يقال عن السلامة العامة: هي ألا تشعر بأن لك أعضاء؛ لأنك حين تشعر أن لك عَيْناً - مثلاً - فاعرف أنها تؤلمك، وإذا شعرت بأذنك فاعرف أنها تؤلمك. وأنت تطحن الطعام بضروسك وتأكل ولا تدري بها. ويوم أن تدري بها فهذا يعني أن ألماً قد بدأ. وهكذا لا يشعر الإنسان بفقد السلامة إلا إذا عرف وانتبه إلى أن له عضواً من أعضائه، فيقول: "آه يا عيني"، و "آه يا أذني". ونقول: إن وجع العين مؤلم ألماً مخصوصاً، وكذلك نقول: على أي عضو من الأعضاء، أما من لا يشكو بأعضائه فهو لا يشعر بها؛ لأنها تؤدي أعمالها على الوجه المناسب. والسلامة فيمن حولك تتمثل في أن يحققوا لك المتعة والصفاء بدون كدر. وبذلك تظهر منفعتهم لك. وكل إنسان له كبرياء ذاتي، يبيّنها قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7]. ولا يذل الإنسان إلا حين يعاني من آفة ما، ولا يأتي طغيانه إلا عند استكمال النعمة في الخارج والنعمة في الداخل، وإن بدأت النعمة في الانقباض عن الإنسان، فكبرياؤه تتطاير. ومن كان يستعرض قوته على الناس، قد يرجو القيام من الوقود؛ ليخطو بضع خطوات فلا يستطيع. والإنسان لا يستغني إلا بما هو ذاتي فيه؛ لا بما هو موهوب له؛ لذلك فعليه ألا يغتر؛ لأن الواهب الأعلى قد يقبض هبتَه، فقد يأخذ منك العافية، وكثيراً ما رأينا أصحّاء قد مرضوا، ورأينا أغنياء قد افتقروا، وأصحاب جاه قد خرجوا من جاههم. إذن: فلا داعي للغرور؛ لأن الله قد وهبك كل شيء، وليس لك شيء ذاتيٌّ فيك أبداً؛ لذلك يجب أن ينعدم الغرور، فما دام كل ما فيك موهوباً من الواهب الأعلى سبحانه، فالواهب قد يسلب ما وهب، وما إن تُسلب من الإنسان نعمة فهو ينتبه. فلا داعي - إذن - لأن يغتر أحد؛ حتى لا يسلم نفسه رخيصة للضياع. والمثال: قد تكون عاديْتَ طبيباً، وهو الوحيد في المكان الذي تقطنه، وقد يحاول البعض الإصلاح بينك وبين هذا الطبيب، فتتأبَّى أنت، ثم يأتي لك مرض؛ فتلجأ إليه؛ لأن الله قد وهبه القدر السليم من التشخيص بالعلم، فلا يجب - إذن - أن تغتر أو تتعالى على أحد. لكن الإنسان هو الإنسان؛ لذلك يقول الحق سبحانه: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ...} [يونس: 12]. والكافر ما إن يمسّه الضرّ؛ حتى يقع في بئر الهوان. أما المؤمن فهو مع ربه دائماً، وإذا مسّه الضرّ فهو يدعو الله تعالى دائماً ولا ينساه؛ لذلك يتلطف به سبحانه، عكس الكافر الذي يدعو الله ساعة الضرّ فقط. وأين كان ذلك الكافر ساعة أن دعاه الله سبحانه بالرسل إلى الإيمان؟ ونسيان الإنسان أمر وارد في تكوينه الفطري الأول؛ لأن الإنسان حين يعيش في محيط ما. فهو يحب النفع من خارجه، وإذا امتنع عنه هذا النفع الخارجي، فهو يأخذ النفع من ذاته؛ من تحرُّك أبعاضه وخدمتها لبعضها البعض. ثم لا يجد له مفزعاً إلا أن يؤمن بمن خلقه أولاً. وانظر إلى التعبير القرآني: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ..} تفسير : [الإسراء: 67]. إذن: فمن يَعْبُد غيرَ الله - سبحانه وتعالى - يضل عنه معبوده، ولا يعرف كيف ينقذ من يعبده؛ لذلك يعود المشرك إلى الله، ولا يجد سواه سبحانه، فهو الذي ينقذ الإنسان لحظة الخطر؛ لأنه الرب الخالق هو أرحم بصنعته، وهذه الرحمة تنقذ الإنسان حتى لو كان كافراً، وهذا كلام منطقي؛ لأننا شهدنا بوحدانية الله تعالى في عالم الذر؛ حينما أخذ الله سبحانه علينا العهد الأول، وقال لنا: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ...} تفسير : [الأعراف: 172]. قلنا: {أية : بَلَىٰ...} تفسير : [الأعراف: 172]. وهذا إيمان الفطرة قبل أن توجد الغفلة أو التقليد؛ لذلك حين تتفرق الآلهة الباطلة من حول الكافر فهو يرجع إلى نفسه ويدعو الله، بل ويوسِّط من يسأله أن يدعو له الله سبحانه. وقد يدعو الإنسان من يواسيه لحظة المرض فلا يجد ولداً من أبنائه، أو قريباً من أقربائه، ولكنه فور أن يدعو الله تعالى؛ تلمسه رحمته سبحانه، وقد تجد إنساناً حين يستجيب الحق سبحانه لدعائه قد تركبه حماقة الغرور من جديد، ويقول ما جاء به الحق على لسان قارون: {أية : إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ...} تفسير : [القصص: 78]. ويقول: كنت محتاطاً وقد رتبت أموري، ثم يأخذه الحق سبحانه وتعالى أخْذَ عزيز مقتدر. فإذا مسكم الضر؛ فلن تجدوا من البيئات الخارجة عنكم، ولا من ذوات نفوسكم، ما يغنيكم عن خالقكم، وفي لحظة الخطر لا تستطيعون الكذب على أنفسكم؛ فلا تسألون حينئذ أحداً إلا الله سبحانه، وتتذكرون في تلك اللحظة عهد الذَّر الأول، وتعودون إليه سبحانه. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً}. وقوله الحق: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ} يصوّر الضرّ وكأنه يغطي الإنسان ويلفّه، فلا منقذ له أبداً؛ لأن الكشف هو رفع لغطاء يغطي كل الإنسان، وهكذا يعطينا الله تعالى صورة لاستيعاب الضرّ للجسم كله؛ حتى وإن كان بأداة من أدوات الإدراك مثل قوله سبحانه: {أية : فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} تفسير : [النحل: 112]. فكأن الجوع والخوف قد لفّ القرية كلها، فلم تعُد البطون وحدها هي الجائعة، بل كل ما في الأجسام جائع وخائف. وهنا يقول الحق سبحانه: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ}. وكلمة {مَرَّ} تفيد أن هنا وقفة، فحين يقال: إن فلاناً مرّ عليَّ؛ مقابلها: وقف عندي. ونفهم من قوله الحق: إن هذا الذي مسهّ الضرّ كان له وقفة عند الله سبحانه؛ حين لفّه الضرّ ولم يجد معيناً له غير الله تعالى، أما قبل ذلك فقد كان يأخذ الخير من الله ولا يتذكر الإيمان به سبحانه، وبعد أن يذهب عنه الضرّ وينسى الإيمان؛ {كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ} وكأنه قد نسي تذلّله إلى الله، فهو يمر من مرحلة الذلة والخضوع والدعاء إلى الله إلى مرحلة الاستكبار، فلم يقف عند من أنقذه من ضره، وهذه هي الصفاقة. ويُنهي الحق سبحانه وتعالى الآية بقوله: {كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وهنا تأتي قضية ثانية؛ فالحادثة حادثة خاصة وينقلها الحق سبحانه إلى عمومية تأتي في الكون كله؛ فالمسرفون قديماً حصل لهم هذا، والذي زَيَّن لهم المرور إما أن يكون الشيطان، وإما أن يكون الحمل من الحق على صفات موجودة فيه، فالحق سبحانه هو القائل: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً...} تفسير : [البقرة: 10]. وقوله تعالى هنا: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ...} [يونس: 12]. وهذا ما حدث للمسرفين سابقاً، وما سوف يحدث من المسرفين لاحقاً. والإنسان له عمل مكوَّن من القول والفعل، والعمل هو كل حادثة متفرعة عن جوارح الإنسان، وإن كان القول مقابله الفعل؛ فالاثنان عمل. وبعد أن يعرض الحق سبحانه هذه القضية في عمومها، وفي خصوصها، وفي انسحابها على الكون كله، يبيّن لنا ضرورة الانتباه للكافرين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ويحذر الكافرين: أأسلمنا رسولاً إلى خصومه أم نصرنا كل رسول جاء على خصومه؟ إن السوابق تدل على أن كُّلاً أخذناه بذنبه، فاحذروا أن تكونوا كذلك. ويقول سبحانه بعد ذلك: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا إخبار عن طبيعة الإنسان من حيث هو، وأنه إذا مسه ضر، من مرض أو مصيبة اجتهد في الدعاء، وسأل الله في جميع أحواله، قائما وقاعدا ومضطجعا، وألح في الدعاء ليكشف الله عنه ضره. { فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ } أي: استمر في غفلته معرضا عن ربه، كأنه ما جاءه ضره، فكشفه الله عنه، فأي ظلم أعظم من هذا الظلم؟!! يطلب من الله قضاء غرضه، فإذا أناله إياه لم ينظر إلى حق ربه، وكأنه ليس عليه لله حق. وهذا تزيين من الشيطان، زين له ما كان مستهجنا مستقبحا في العقول والفطر. { كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ } أي: المتجاوزين للحد { مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }.