١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن الذي يغلب على ظني أن ابتداء هذه السورة في ذكر شبهات المنكرين للنبوة مع الجواب عنها. فالشبهة الأولى: أن القوم تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمداً عليه السلام بالنبوة فأزال الله تعالى ذلك التعجب بقوله: { أية : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مّنْهُمْ } تفسير : [يونس: 2] ثم ذكر دلائل التوحيد ودلائل صحة المعاد، وحاصل الجواب أنه يقول: إني ما جئتكم إلا بالتوحيد والإقرار بالمعاد، وقد دللت على صحتها، فلم يبق للتعجب من نبوتي معنى. والشبهة الثانية: للقوم أنهم كانوا أبداً يقولون: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً في ادعاء الرسالة فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب إليم. فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بما ذكره في هذه الآية. فهذا هو الكلام في كيفية النظم. ومن الناس من ذكر فيه وجوهاً أخرى: فالأول: قال القاضي: لما بين تعالى فيما تقدم الوعد والوعيد أتبعه بما دل على أن من حقهما أن يتأخرا عن هذه الحياة الدنيوية لأن حصولهما في الدنيا كالمانع من بقاء التكليف. والثاني: ما ذكره القفال: وهو أنه تعالى لما وصف الكفار بأنهم لا يرجون لقاء الله ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وكانوا عن آيات الله غافلين؛ بين أن من غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب جهلاً منهم وسفهاً. المسألة الثانية: أنه تعالى أخبر في آيات كثيرة أن هؤلاء المشركين متى خوفوا بنزول العذاب في الدنيا استعجلوا ذلك العذاب كما قالوا: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [الأنفال: 32] وقال تعالى: { أية : سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } تفسير : [المعارج: 1] الآية. ثم إنهم لما توعدوا بعذاب الآخرة في هذه الآية وهو قوله: { أية : أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } تفسير : [يونس: 8] استعجلوا ذلك العذاب، وقالوا: متى يحصل ذلك كما قال تعالى: { أية : يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا } تفسير : [الشورى: 18] وقال في هذه السورة بعد هذه الآية: { أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } تفسير : [يونس:48] إلى قوله: { أية : الآن وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } تفسير : [يونس:51] وقال في سورة الرعد: { أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَـٰتُ } تفسير : [الرعد: 6] فبين تعالى أنهم لا مصلحة لهم في تعجيل إيصال الشر إليهم، لأنه تعالى لو أوصل ذلك العقاب إليهم لماتوا وهلكوا، لأن تركيبهم في الدنيا لا يحتمل ذلك ولا صلاح في إماتتهم، فربما آمنوا بعد ذلك، وربما خرج من صلبهم من كان مؤمناً، وذلك يقتضي أن لا يعاجلهم بإيصال ذلك الشر. المسألة الثالثة: في لفظ الآية إشكال، وهو أن يقال: كيف قابل التعجل بالاستعجال، وكان الواجب أن يقابل التعجيل بالتعجيل، والاستعجال بالاستعجال. والجواب عنه من وجوه: الأول: قال صاحب «الكشاف»: أصل هذا الكلام، ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير إلا أنه وضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته وإسعافه بطلبهم، حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل لهم. الثاني: قال بعضهم حقيقة قولك عجلت فلاناً طلبت عجلته، وكذلك عجلت الأمر إذا أتيت به عاجلاً، كأنك طلبت فيه العجلة والاستعجال أشهر وأظهر في هذا المعنى، وعلى هذا الوجه يصير معنى الآية لو أراد الله عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم لقضى إليهم أجلهم، قال صاحب هذا الوجه، وعلى هذا التقدير: فلا حاجة إلى العدول عن ظاهر الآية. الثالث: أن كل من عجل شيئاً فقد طلب تعجيله، وإذا كان كذلك، فكل من كان معجلاً كان مستعجلاً، فيصير التقدير، ولو استعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير إلا أنه تعالى وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم بطلبها، لأن اللائق به تعالى هو التكوين واللائق بهم هو الطلب. المسألة الرابعة: أنه تعالى سمى العذاب شراً في هذه الآية، لأنه أذى في حق المعاقب ومكروه عنده كما أنه سماه سيئة في قوله: { أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ } تفسير : [الرعد: 6] وفي قوله: { أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40]. المسألة الخامسة: قرأ ابن عامر {لَقُضِىَ } بفتح اللام والقاف {أَجَلُهُمْ } بالنصب، يعني لقضى الله، وينصره قراءة عبدالله {لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } وقرأ الباقون بضم القاف وكسر الضاد وفتح الياء {أَجَلُهُمْ } بالرفع على ما لم يسم فاعله. المسألة السادسة: المراد من استعجال هؤلاء المشركين الخير هو أنهم كانوا عند نزول الشدائد يدعون الله تعالى بكشفها، وقد حكى الله تعالى عنهم ذلك في آيات كثيرة كقوله: { أية : ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْـئَرُونَ } تفسير : [النمل: 53] وقوله: { أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا } تفسير : [يونس: 12]. المسألة السابعة: لسائل أن يسأل فيقول: كيف اتصل قوله: {فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } بما قبله وما معناه؟ وجوابه أن قوله: {وَلَوْ يُعَجّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ } متضمن معنى نفي التعجيل، كأنه قيل: ولا يعجل لهم الشر، ولا يقضي إليهم أجلهم فيذرهم في طغيانهم أي فيمهلهم مع طغيانهم إلزاماً للحجة. المسألة الثامنة: قال أصحابنا: إنه تعالى لما حكم عليهم بالطغيان والعمه امتنع أن لا يكونوا كذلك. وإلا لزم أن ينقلب خبر الله الصدق كذباً وعلمه جهله وحكمه باطلاً، وكل ذلك محال، ثم إنه مع هذا كلفهم وذلك يكون جارياً مجرى التكليف بالجمع بين الضدين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ}. فيه ثلاث مسائل: الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ} قيل: معناه ولو عجل الله للناس العقوبة كما يستعجلون الثواب والخير لماتوا، لأنهم خلقوا في الدنيا خلقاً ضعيفاً، وليس هم كذا يوم القيامة؛ لأنهم يوم القيامة يخلقون للبقاء. وقيل: المعنىٰ لو فعل الله مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريدون فعله معهم في إجابته إلى الخير لأهلكهم؛ وهو معنىٰ «لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ». وقيل: إنه خاص بالكافر؛ أي ولو يعجل الله للكافر العذاب على كفره كما عجل له خير الدنيا من المال والولد لعجّل له قضاء أجله ليتعجل عذاب الآخرة؛ قاله ابن إسحاق. مقاتل: هو قول النضّر بن الحارث: اللَّهُمَّ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء؛ فلو عجل لهم هذا لهلكوا. وقال مجاهد: نزلت في الرجل يدعو على نفسه أو ماله أو ولده إذا غضب: اللهم أهلكه، اللهم لا تبارك له فيه والعنه، أو نحو هذا؛ فلو استجيب ذلك منه كما يستجاب الخير لقضي إليهم أجلهم. فالآية نزلت ذامّة لخُلق ذميم هو في بعض الناس يدعون في الخير فيريدون تعجيل الإجابة ثم يحملهم أحياناً سوء الخلق على الدعاء في الشر؛ فلو عجّل لهم لهلكوا. الثانية ـ وٱختلف في إجابة هذا الدعاء؛ فروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إني سألت الله عز وجل ألا يستجب دعاء حبيب على حبيبه»تفسير : . وقال شَهْرُ ابن حَوْشَب: قرأت في بعض الكتب أن الله تعالىٰ يقول للملائكة الموكَّلين بالعبد: لا تكتبوا على عبدي في حال ضجره شيئاً؛ لطفاً من الله تعالىٰ عليه. قال بعضهم: وقد يستجاب ذلك الدعاء؛ واحتج بحديث جابر الذي رواه مسلم في صحيحه آخر الكتاب، حديث : قال جابر: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غَزْوَةِ بَطْنِ بُواطٍ وهو يطلب المجدِي بن عمرو الجُهَنيّ وكان الناضح يَعْتَقبه منا الخمسة والستة والسبعة، فدارت عُقبة رجلٍ من الأنصار على ناضح له فأناخه فركب، ثم بعثه فتلدّن عليه بعض التلدن؛ فقال له: شَأ؛ لعنك اللهٰ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن هذا اللاعنُ بعيره»؟ قال: أنا يا رسول الله؛ قال: «ٱنزل عنه فلا تصحبنا بملعون لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعةً يُسأل فيها عطاءٌ فيستجيب لكم».تفسير : في غير كتاب مسلم أن حديث : النبيّ صلى الله عليه وسلم كان في سفر فلعن رجل ناقته فقال: «أين الذي لعن ناقته»؟ فقال الرجل: أنا هذا يا رسول الله؛ فقال: «أخرها عنك فقد أُجِبت فيها»تفسير : ذكره الحُليميّ في منهاج الدين. «شأ» يروىٰ بالسين والشين، وهو زجر للبعير بمعنىٰ سِر. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ} قال العلماء: التعجيل من الله، والاستعجال من العبد. وقال أبو عليّ: هما من الله؛ وفي الكلام حذف؛ أي ولو يعجل الله للناس الشر تعجيلاً مثل استعجالهم بالخير، ثم حذف تعجيلاً وأقام صفته مقامه، ثم حذف صفته وأقام المضاف إليه مقامه؛ هذا مذهب الخليل وسيبويه. وعلى قول الأخفش والفراء كاستعجالهم، ثم حذف الكاف ونصب. قال الفراء: كما تقول ضربت زيداً ضربك، أي كضربك. وقرأ ابن عامر «لقضى إليهم أجلهم». وهي قراءة حسنة؛ لأنه متصل بقوله {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ}. قوله تعالىٰ: {فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} أي لا يعجل لهم الشر فربما يتوب منهم تائب، أو يخرج من أصلابهم مؤمن. {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي يتحيرون. والطغيان: العلوّ والارتفاع؛ وقد تقدّم في «البقرة». وقد قيل: إن المراد بهذه الآية أهل مكة، وإنها نزلت حين قالوا: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} تفسير : [الأنفال: 32] الآية، على ما تقدّم والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {وَلَوْ يُعَجّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ} ولو يسرعه إليهم. {ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ} وضع موضع تعجيله لهم بالخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم في الخير حتى كأن استعجالهم به تعجيل لهم أو بأن المراد شر استعجلوه كقولهم {أية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [الأنفال: 32] وتقدير الكلام، ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله للخير حين استعجلوه استعجالاً كاستعجالهم بالخير، فحذف منه ما حذف لدلالة الباقي عليه. {لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } لأميتوا وأهلكوا وقرأ ابن عامر ويعقوب "لَقضى" على البناء للفاعل وهو الله تعالى وقرىء «لقضينا». {فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } عطف على فعل محذوف دلت عليه الشرطية كأنه قيل؛ ولكن لا نعجل ولا نقضي فنذرهم إمهالاً لهم واستدراجاً.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن حلمه ولطفه بعباده: أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم في حال ضجرهم وغضبهم، وأنه يعلم منهم عدم القصد بالشر إلى إرادة ذلك، فلهذا لا يستجيب لهم والحالة هذه لطفاً ورحمة؛ كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأموالهم أو لأولادهم بالخير والبركة والنماء، ولهذا قال: {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} الآية، أي: لو استجاب لهم كلَّ ما دعوه به في ذلك، لأهلكهم، ولكن لا ينبغي الإكثار من ذلك؛ كما جاء في الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا حاتم بن إسماعيل، حدثنا يعقوب بن مجاهد أبو حزرة عن عبادة بن الوليد، حدثنا جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة، فيستجيب لكم» تفسير : ورواه أبو داود من حديث حاتم بن إسماعيل به. وقال البزار: وتفرد به عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري، لم يشاركه أحد فيه، وهذا كقوله تعالى: {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَـٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ} تفسير : [الإسراء: 11] الآية، وقال مجاهد في تفسير هذه الآية: {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ} الآية، هو قول الإنسان لولده أو ماله إذا غضب عليه: اللهم لا تبارك فيه، والعنه، فلو يعجل لهم بالاستجابة في ذلك ما يستجاب لهم في الخير، لأهلكهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل لما استعجل المشركون العذاب: {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم } أي كاستعجالهم {بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ } بالبناء للمفعول وللفاعل {إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } بالرفع والنصب، بأن يهلكهم ولكن يمهلهم {فَنَذَرُ } نترك {ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيـَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ } يتردّدون متحيّرين.
الشوكاني
. تفسير : لما ذكر الله سبحانه الوعيد على عدم الإيمان بالمعاد، ذكر أن هذا العذاب من حقه أن يتأخر عن هذه الحياة الدنيا. قال القفال: لما وصفهم بالغفلة أكد ذلك بأن من غاية غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب، فبيّن الله سبحانه أنه لا مصلحة في إيصال الشرّ إليهم، فلعلهم يتوبون ويخرج من أصلابهم من يؤمن، قيل: معنى {وَلَوْ يُعَجّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ } لو عجل الله للناس العقوبة كما يتعجلون بالثواب والخير {لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } أي: ماتوا. وقيل المعنى: لو فعل الله مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريدون فعله معهم في إجابته إلى الخير لأهلكهم. وقيل: الآية خاصة بالكفار الذين أنكروا البعث، وما يترتب عليه. قال في الكشاف: وضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير، إشعاراً بسرعة إجابته وإسعافه بطلبتهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل له. والمراد: أهل مكة، وقولهم: {أية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [الأنفال: 32] الآية. قيل: والتقدير: ولو يعجل الله لهم الشرّ عند استعجالهم به تعجيلاً مثل تعجيله لهم بالخير عند استعجالهم به، فحذف ما حذف لدلالة الباقي عليه. قال أبو عليّ الفارسي: في الكلام حذف، والتقدير: {وَلَوْ يُعَجّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ } تعجيلاً مثل {ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ } ثم حذف تعجيلاً وأقام صفته مقامه، ثم حذف صفته وأقام المضاف إليه مقامه قال: هذا مذهب الخليل وسيبويه، وهو قول الأخفش والفرّاء، قالوا: وأصله كاستعجالهم، ثم حذف الكاف ونصب. قال الفراء: كما تقول: ضربت زيداً ضربك، أي كضربك، ومعنى {لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } لأهلكوا، ولكنه سبحانه لم يعجل لهم الشرّ فأمهلوا. وقيل معناه: أميتوا. وقرأ ابن عامر «لقضى» على البناء للفاعل، وهي قراءة حسنة لمناسبة ذلك لقوله: {وَلَوْ يُعَجّلُ ٱللَّهُ } قوله: {فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } الفاء للعطف على مقدّر يدلّ عليه الكلام، لأن قوله: {وَلَوْ يُعَجّلُ ٱللَّهُ } يتضمن نفي التعجيل، فكأنه قيل: لكن لا يعجل لهم الشرّ، ولا يقضي إليهم أجلهم، فنذرهم الخ: أي فنتركهم ونمهلهم، والطغيان: التطاول، وهو العلوّ والارتفاع، ومعنى {يَعْمَهُونَ } يتحيرون، أي نتركهم يتحيرون في تطاولهم وتكبرهم، وعدم قبولهم للحق استدراجاً لهم منه سبحانه وخذلاناً. ثم بيّن الله سبحانه أنهم كاذبون في استعجال الشرّ، ولو أصابهم ما طلبوه لأظهروا العجز والجزع، فقال: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ } أي: هذا الجنس الصادق على كل ما يحصل التضرر به {دَعَانَا لِجَنبِهِ } اللام للوقت، كقوله: جئته لشهر كذا، أو في محل نصب على الحال بدلالة عطف قاعداً أو قائماً عليه، وتكون اللام بمعنى على: أي دعانا مضطجعاً {أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا } وكأنه قال: دعانا في جميع الأحوال المذكورة وغيرها، وخصّ المذكورة بالذكر؛ لأنها الغالب على الإنسان، وما عداها نادر كالركوع والسجود، ويجوز أن يراد أنه يدعو الله حال كونه مضطجعاً غير قادر على القعود، وقاعداً غير قادر على القيام، وقائماً غير قادر على المشي، والأوّل: أولى. قال الزجاج: إن تعديل أحوال الدعاء أبلغ من تعديد أحوال المضرّة، لأنه إذا كان داعياً على الدوام، ثم نسي في وقت الرخاء كان أعجب. قوله: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرّ مَّسَّهُ } أي: فلما كشفنا عنه ضرّه الذي مسه، كما تفيده الفاء، مضى على طريقته التي كان عليها قبل أن يمسه الضرّ، ونسي حالة الجهد والبلاء، أو مضى عن موقف الدعاء والتضرّع، لا يرجع إليه؛ كأنه لا عهد له به، كأنه لم يدعنا عند أن مسه الضرّ إلى كشف ذلك الضرّ الذي مسه. وقيل معنى {مَرَّ } استمرّ على كفره، ولم يشكر، ولم يتعظ. قال الأخفش: «أن» في {كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا } هي المخففة من الثقيلة، والمعنى: كأنه انتهى. والجملة التشبيهية في محل نصب على الحال، وهذه الحالة التي ذكرها الله سبحانه للداعي لا تختص بأهل الكفر، بل تتفق لكثير من المسلمين، تلين ألسنهم بالدعاء وقلبهم بالخشوع والتذلل عند نزول ما يكرهون بهم. فإذا كشفه الله عنهم غفلوا عن الدعاء والتضرّع، وذهلوا عما يجب عليهم من شكر النعمة التي أنعم الله بها عليهم، من إجابة دعائهم ورفع ما نزل بهم من الضرّ، ودفع ما أصابهم من المكروه. وهذا مما يدلّ على أن الآية تعمّ المسلم والكافر، كما يشعر به لفظ الناس، ولفظ الإنسان، اللهم أوزعنا شكر نعمك، وأذكرنا الأحوال التي مننت علينا فيها بإجابة الدعاء، حتى نستكثر من الشكر الذي لا نطيق سواه، ولا نقدر على غيره، وما أغناك عنه وأحوجنا إليه {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ } تفسير : [إبراهيم: 7]. والإشارة بقوله: {كَذٰلِكَ زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } إلى مصدر الفعل المذكور بعده كما مرّ غير مرة، أي: مثل ذلك التزيين العجيب زين للمسرفين عملهم. والمسرف في اللغة: هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس، ومحل {كذلك} النصب على المصدرية. والتزيين هو: إما من جهة الله تعالى على طريقة التحلية وعدم اللطف بهم، أو من طريق الشيطان بالوسوسة، أو من طريق النفس الأمارة بالسوء. والمعنى: أنه زين لهم الإعراض عن الدعاء، والغفلة عن الشكر، والاشتغال بالشهوات. ثم ذكر سبحانه ما يجري مجرى الردع والزجر، عما صنعه هؤلاء، فقال: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ } يعني: الأمم الماضية من قبل هؤلاء الكفار المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم: أي أهلكناهم من قبل زمانكم. وقيل: الخطاب لأهل مكة على طريق الالتفات للمبالغة في الزجر، و "لما" ظرف لـ {أهلكنا}: أي أهلكناهم حين فعلوا الظلم بالتكذيب، والتجاري على الرسل، والتطاول في المعاصي من غير تأخير لإهلاكهم، كما أخرنا إهلاككم، والواو في {وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَاتِ } للحال بإضمار قد، أي وقد جاءتهم رسلهم الذين أرسلناهم إليهم بالبينات، أي بالآيات البينات الواضحات الدلالة على صدق الرسل، وقيل الواو للعطف على {ظَلَمُواْ } والأوّل أولى، وقيل: المراد بالظلم هنا: هو الشرك. والواو في {وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } للعطف على ظلموا، أو الجملة اعتراضية. واللام لتأكيد النفي: أي وما صح لهم وما استقام أن يؤمنوا لعدم استعدادم لذلك، وسلب الألطاف عنهم {كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ } أي: مثل ذلك الجزاء نجزي القوم المجرمين. وهو الاستئصال الكلي لكل مجرم، وهذا وعيد شديد لمن كان في عصره من الكفار، أو لكفار مكة على الخصوص. ثم خاطب سبحانه الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {ثُمَّ جَعَلْنَـٰكُمْ خَلَـٰئِفَ } أي: استخلفناكم في الأرض بعد تلك القرون التي تسمعون أخبارها وتنظرون آثارها، والخلائف جمع خليفة، وقد تقدّم الكلام عليه في آخر سورة الأنعام، واللام في {لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } لام كي: أي: لكي ننظر كيف تعملون من أعمال الخير أو الشرّ، و {كَيْفَ } في محل نصب بالفعل الذي بعده: أي لننظر أيّ عمل تعملونه، أو في محل نصب على الحالية، أي على أيّ حالة تعملون الأعمال اللائقة بالاستخلاف. ثم حكى الله سبحانه نوعاً ثالثاً من تعنتهم وتلاعبهم بآيات الله، فقال: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا بَيّنَاتٍ } وفيه التفات من الخطاب إلى الغيبة إعراضاً عنهم، والمراد بالآيات: الآيات التي في الكتاب العزيز: أي وإذا تلا التالي عليهم آياتنا الدالة على إثبات التوحيد، وإبطال الشرك، حال كونها بينات: أي واضحات الدلالة على المطلوب {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } وهم المنكرون للمعاد، وقد تقدّم تفسيره قريباً: أي قالوا لمن يتلوها عليهم، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم {ٱئْتِ بِقُرْءانٍ غَيْرِ هَـٰذَا أَوْ بَدّلْهُ } طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعوا ما غاظهم فيما تلاه عليهم من القرآن من ذمّ عبادة الأوثان، والوعيد الشديد لمن عبدها أحد أمرين: إما الإتيان بقرآن غير هذا القرآن مع بقاء هذا القرآن على حاله، وإما تبديل هذا القرآن بنسخ بعض آياته، أو كلها، ووضع أخرى مكانها مما يطابق إرادتهم ويلائم غرضهم، فأمره الله أن يقول في جوابهم: {مَا يَكُونُ لِى } أي: ما ينبغي لي، ولا يحلّ لي، أن أبدّله من تلقاء نفسي؛ فنفى عن نفسه أحد القسمين، وهو التبديل؛ لأنه الذي يمكنه لو كان ذلك جائزاً، بخلاف القسم الآخر وهو الإتيان بقرآن آخر، فإن ذلك ليس في وسعه ولا يقدر عليه. وقيل: إنه صلى الله عليه وسلم نفى عن نفسه أسهل القسمين ليكون دليلاً على نفي أصعبهما بالطريق الأولى، وهذا منه من باب مجاراة السفهاء، إذ لا يصدر مثل هذا الاقتراح عن العقلاء بعد أن أمره الله سبحانه بذلك. وهو أعلم بمصالح عباده وبما يدفع الكفار عن هذه الطلبات الساقطة والسؤالات الباردة، و {تِلْقَاء } مصدر استعمل ظرفاً، من قبل {من تلقاء نفسي}. قال الزجاج: سألوه إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور. وقيل: سألوه أن يسقط ما فيه من عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم؛ وقيل: سألوه أن يحوّل الوعد وعيداً والحرام حلالاً والحلال حراماً، ثم أمره أن يؤكد ما أجاب به عليهم من أنه ما صح له، ولا استقام أن يبدّله من تلقاء نفسه بقوله: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحِى إِلَىَّ } أي: ما أتبع شيئاً من الأشياء إلا ما يوحى إليّ من عند الله سبحانه من غير تبديل ولا تحويل، ولا تحريف ولا تصحيف، فقصر حاله صلى الله عليه وسلم على اتباع ما يوحى إليه، وربما كان مقصد الكفار بهذا السؤال التعريض للنبي صلى الله عليه وسلم بأن القرآن كلامه، وأنه يقدر على الإتيان بغيره والتبديل له، ثم أمره الله سبحانه أن يقول لهم تكميلاً للجواب عليهم: {إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } فإن هذه الجملة كالتعليل لما قدّمه من الجواب قبلها، واليوم العظيم هو يوم القيامة: أي {إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى } بفعل ما تطلبون على تقدير إمكانه عذاب يوم القيامة. ثم أكد سبحانه كون هذا القرآن من عند الله، وأنه صلى الله عليه وسلم إنما يبلغ إليهم منه ما أمره الله بتبليغه لا يقدر على غير ذلك، فقال: {قُل لَّوْ شَاء ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ } أي: أن هذا القرآن المتلوّ عليكم هو بمشيئة الله وإرادته، ولو شاء الله أن لا أتلوه عليكم ولا أبلغكم إياه ما تلوته، فالأمر كله منوط بمشيئة الله، ليس لي في ذلك شيء قوله: {وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ } معطوف على ما تلوته، ولو شاء الله ما أداركم بالقرآن: أي ما أعلمكم به على لساني يقال: دريت الشيء وأدراني الله به. هكذا قرأ الجمهور بالألف من أدراه يدريه أعلمه يعلمه. وقرأ ابن كثير: "ولأدراكم به" بغير ألف بين اللام والهمزة، والمعنى: ولو شاء الله لأعلمكم به من غير أن أتلوه عليكم. فتكون اللام لام التأكيد دخلت على ألف أفعل. وقد قرىء «أدرؤكم» بالهمزة، فقيل: هي منقلبة عن الألف، لكونهما من واد واحد، ويحتمل أن يكون من درأته إذا دفعته، وأدرأته إذا جعلته دارياً. والمعنى: لأجعلكم بتلاوته خصماء تدرءونني بالجدال وتكذبونني. وقرأ ابن عباس، والحسن "ولا أدراتكم به" قال أبو حاتم: أصله: ولا أدريتكم به، فأبدل من الياء ألفاً، قال النحاس: وهذا غلط. والرواية عن الحسن «ولا أدرأتكم» بالهمزة. قوله: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مّن قَبْلِهِ } تعليل لكون ذلك بمشيئة الله، ولم يكن من النبي إلا التبليغ، أي قد أقمت فيما بينكم عمراً من قبله، أي زماناً طويلاً. وهو أربعون سنة من قبل القرآن تعرفونني بالصدق والأمانة، لست ممن يقرأ ولا ممن يكتب {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } الهمزة للتقريع والتوبيخ، أي أفلا تجرون على ما يقتضيه العقل من عدم تكذيبي لما عرفتم من العادة المستمرة إلى المدّة الطويلة بالصدق والأمانة. وعدم قراءتي للكتب المنزلة على الرسل وتعلمي لما عند أهلها من العلم، ولا طلبي لشيء من هذا الشأن، ولا حرصي عليه، ثم جئتكم بهذا الكتاب الذي عجزتم عن الإتيان بسورة منه، وقصرتم عن معارضته وأنتم العرب المشهود لهم بكمال الفصاحة، المعترف لهم بأنهم البالغون فيها إلى مبلغ لا يتعلق به غيركم؟ وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {وَلَوْ يُعَجّلُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسِ ٱلشَّرَّ } الآية، قال: هو قول الإنسان لولده وماله إذا غضب عليهم: اللهم لا تبارك فيه والعنه. {لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } قال: لأهلك من دعا عليه وأماته. وأخرج أبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، في الآية قال: قول الرجل للرجل: اللهم العنه، اللهم اخزه، وهو يحب أن يستجاب له. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في الآية قال: هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له. وحكى القرطبي في تفسيره عن ابن إسحاق، ومقاتل، في الآية قالا: هو قول النضر بن الحارث: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [الأنفال: 32]. فلو عجل لهم هذا لهلكوا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله: {دَعَانَا لِجَنبِهِ } قال: مضطجعاً. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا } قال: على كل حال. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي الدرداء، قال: ادع الله يوم سرّائك يستجاب لك يوم ضرّائك. وأقول أنا: أكثر من شكر الله على السرّاء يدفع عنك الضرّاء. فإن وعده للشاكرين بزيادة النعم مؤذن بدفعه عنهم النقم، لذهاب حلاوة النعمة عند وجود مرارة النقمة، اللهم اجمع لنا بين جلب النعم وسلب النقم، فإنا نشكرك عدد ما شكرك الشاكرون بكل لسان في كل زمان. ونحمدك عدد ما حمدك الحامدون بكل لسان في كل زمان. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {ثُمَّ جَعَلْنَـٰكُمْ خَلَـٰئِفَ فِى ٱلأَرْضِ } الآية، قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية فقال: صدق ربنا ما جعلنا خلائف في الأرض إلا لينظر إلى أعمالنا. فأروا الله خير أعمالكم بالليل والنهار، والسرّ والعلانية. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج، قال: {خَلَـٰئِفَ فِى ٱلأَرْضِ } لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {ٱئْتِ بِقُرْءانٍ غَيْرِ هَـٰذَا أَوْ بَدّلْهُ } قال: هذا قول مشركي أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ } أعلمكم به. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، قال: {وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ } ولا أشعركم به. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ "ولا أنذرتكم به". وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ، في قوله: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مّن قَبْلِهِ } قال: لم أتل عليكم ولم أذكر. وأخرجا عنه قال: لبث أربعين سنة قبل أن يوحى إليه ورأى الرؤيا سنتين، وأوحى الله إليه عشر سنين بمكة، وعشراً بالمدينة، وتوفي وهو ابن اثنتين وستين سنة. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري، والترمذي، عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاثة عشر يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: ولو يعجل الله للكافر العذاب على كفره كما عجل له خير الدنيا من المال والولد لعجل له قضاء أجله ليتعجل عذاب الآخرة، قاله ابن إسحاق. الثاني: معناه أن الرجل إذا غضب على نفسه أو ماله أو ولده فيدعو بالشر فيقول: لا بارك الله فيه وأهلكه الله، فلو استجيب ذلك منه كما يستجاب منه الخير لقضي إليهم أجلهم أي لهلكوا. فيكون تأويلاً على الوجه الأول خاصاً في الكافر، وعلى الوجه الثاني عاماً في المسلم والكافر. {فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} قال قتادة: يعني مشركي أهل مكة. {فِي طُغْيَانِهِمْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: في شركهم، قاله ابن عباس. الثاني: في ضلالهم، قاله الربيع بن أنس. الثالث: في ظلمهم، قاله عليّ بن عيسى. {يَعْمَهُونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يترددون، قاله ابن عباس وأبو مالك وأبو العالية. الثاني: يتمادون، قاله السدي. الثالث: يلعبون، قاله الأعمش.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية قال مجاهد نزلت في دعاء الرجل على نفسه أو ماله أو ولده ونحو هذا، فأخبر الله تعالى أنه لو فعل مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريدون فعله معهم في إجابته إلى الخير لأهلكهم، ثم حذف بعد ذلك من القول جملة يتضمنها الظاهر، تقديرها ولا يفعل ذلك ولكن يذر الذين لا يرجون فاقتضب القول وتوصّل إلى هذا المعنى بقوله {فنذر الذين لا يرجون لقاءنا } فتأمل هذا التقدير تجده صحيحاً، و {استعجالهم } نصب على المصدر، والتقدير مثل استعجالهم، وقيل: التقدير تعجيلاً مثل استعجالهم، وهذا قريب من الأول، وقيل إن هذه الآية نزلت في قوله {أية : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء} تفسير : [الأنفال:32] وقيل نزلت في قوله {أية : آتنا بما تعدنا} تفسير : [الأعراف: 77] وما جرى مجراه، وقرأ جمهور القراء " لقُضي" على بناء الفعل للفاعل ورفع "الأجلُ" وقرأ ابن عامر وحده وعوف وعيسى بن عمر ويعقوب، "لقضى" على بناء الفعل للفاعل ونصب " الأجلَ"، وقرأ الأعمش: " لقضينا"، و" الأجل " في هذا الموضع أجل الموت، ومعنى قضى في هذه الآية أكمل وفرغ، ومنه قول أبي ذؤيب: [الكامل ] شعر : وعليهما مسرودتان قضاهما داودُ أوْ صَنَعُ السوابغِ تبع تفسير : وأنشد أبو علي في هذا المعنى: [الطويل ] شعر : قضيت أموراً ثم غادرت بعدها فوائح في أكمامها لم تفتق تفسير : وتعدّى " قضى" في هذه الآية بـ " إلى " لما كان بمعنى فرغ، وفرغ يتعدى بإلى ويتعدى باللام، فمن ذلك قول جرير: شعر : ألانَ فقد فرغت إلى نُمَير فصرت على جماعتها عذابا تفسير : ومن الآخر قوله عز وجل {أية : سنفرغ لكم أيه الثقلان} تفسير : [الرحمن:31] وقرأ الأعمش:" فنذر الذين لا يرجون لقاءنا "، و {يرجون} في هذا الموضع على بابها والمراد الذين لا يؤمنون بالبعث فهم لا يرجون لقاء الله، والرجاء مقترن أبداً بخوف، " والطغيان " الغلو في الأمر وتجاوز الحد، و" العمه " الخبط في ضلال، فهذه الآية نزلت ذامة لخلق ذميم هو في الناس، يدعون في الخير فيريدون تعجيل الإجابة فيحملهم أحياناً سوء الخلق على الدعاء في الشر، فلو عجل لهم لهلكوا، وقوله تعالى: {وإذا مسّ الإنسان الضر} الآية، هذه الآية أيضاً عتاب على سوء الخلق من بعض الناس، ومضمنه النهي عن مثل هذا والأمر بالتسليم إلى الله تعالى والضراعة إليه في كل حال والعلم بأن الخير والشر منه لا رب غيره، وقوله {لجنبه} في موضع حال كأنه قال: مضطجعاً، ويجوز أن يكون حالاً من الإنسان والعامل فيه {مس}، ويجوز أن يكون حالاً من ضمير الفاعل في {دعانا} والعامل فيه دعا وهما معنيان متباينان، و {الضر} لفظ لجميع الأمراض، والرزايا في النفس والمال والأحبة هذا قول اللغويين، وقيل هو مختص برازيا البدن، الهزال والمرض، وقوله {مر} يقتضي أن نزولها في الكفار ثم هي بعد تتناول كل من دخل تحت معناها من كافر أو عاص، فمعنى الآية {مر } في إشراكه بالله وقلة توكله عليه، وقوله {زين} إن قدرناه من الله تعالى فهو خلقه الكفر لهم واختراعه في نفوسهم صحبة أعمالهم الفاسدة ومثابرتهم عليها، وإن قدرنا ذلك من الشيطان فهو بمعنى الوسوسة والمخادعة، ولفظة التزيين قد جاءت في القرآن بهذين المعنيين من فعل الله تعالى ومرة من فعل الشياطين.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلَوْ يُعَجِّلُ} للكافر عذاب كفره كما عجل له المال والولد لقضي أجله ليعجل له عذاب الآخرة. أو لو استجيب للرجل إذا غضب فدعا على نفسه أو ماله، أو ولده فقال: لا بارك الله فيه، أو أهلكه {لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} لهلكوا. {الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} خاص بمشركي مكة، أو عام. {طُغْيَانِهِمْ} شركهم "ع" أو ضلالتهم، أو ظلمهم. {يَعْمَهُونَ} يترددون، أو يتمادون، أو يلعبون.
النسفي
تفسير : {وَلَوْ يُعَجّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ } أصله ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير، فوضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم، والمراد أهل مكة وقولهم {أية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء }تفسير : [الأنفال:32]أي ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما نعجل لهم الخير ونجيبهم إليه {لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } لأميتوا وأهلكوا. {لقضى إليهم أجلهم} شامي على البناء للفاعل وهو الله عز وجل {فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِى طُغْيَانِهِمْ } شركهم وضلالهم {يَعْمَهُونَ } يترددون، ووجه اتصاله بما قبله أن قوله {ولو يعجل الله} متضمن معنى نفي التعجيل كأنه قيل. ولا نعجل لهم الشر ولا نقضي إليهم أجلهم فنذرهم في طغيانهم أي فنمهلهم ونفيض عليهم النعمة مع طغيانهم إلزاماً للحجة عليهم {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ } أصابه والمراد به الكافر {ٱلضُّرُّ دَعَانَا } أي دعا الله لإزالته {لِجَنبِهِ } في موضع الحال بدليل عطف الحالين أي {أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا } عليه أي دعانا مضطجعاً. وفائدة ذكر هذه الأحوال أن معناه أن المضرور لا يزال داعياً لا يفتر عن الدعاء حتى يزول عنه الضر، فهو يدعونا في حالاته كلها سواء كان مضطجعاً عاجزاً عن النهوض، أو قاعداً لا يقدر على القيام، أو قائماً لا يطيق المشي {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ } أزلنا ما به {مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرّ مَّسَّهُ } أي مضى على طريقته الأولى قبل مس الضر ونسي حال الجهد، أو مر عن موقف الابتهال والتضرع لا يرجع إليه كأنه لا عهد له به، والأصل «كأنه لم يدعنا» فخفف وحذف ضمير الشأن {كَذٰلِكَ } مثل ذلك التزيين {زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ } للمجاوزين الحد في الكفر زين الشيطان بوسوسته {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من الإعراض عن الذكر واتباع الكفر.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {لقضي إليهم} مبنياً للفاعل {أجلهم} بالنصب: ابن عامر ويعقوب. الآخرون مبنياً للمفعول ورفع {أجلهم} أو بدله بضم اللام وسكون الهاء: روى خلف عن الكسائي والاختبار عنه وعن غيره الإشمام {لي أن} بفتح الياء وكذلك {إني أخاف}: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. {نفسي أن} بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع. {ولأدراكم} بلام الابتداء فعلاً مثبتاً: روى أبو ربيعة عن البزي وحمزة. وقرأ حمزة وعلي وأبو عمرو وخلف وورش من طريق النجاري والخراز عن جبيرة وهبيرة وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وحماد ويحيى من طريق أبي حمدون بالإمالة فعلاً ماضياً منفياً بلا. الباقون:مثله ولكن بالتفخيم. {تشركون} بتاء الخطاب وكذلك في "النحل" و "الروم": حمزة وعلي وخلف. الباقون بالياء. الوقوف: {أجلهم} ط لأن ما بعده مستقبل فنحن نذر {يعمهون} ه {أو قائماً} ط {مسه} ط {يعملون} ه {ظلموا} لا لأن الواو للحال {ليؤمنوا} ط {المجرمين} ه {تعملون} ه {بينات} لا لأن ما بعده جواب "إذا" {أو بدله} ط. {نفسي} ج ط لأن "ان" النافية لها صدر الكلام ولكن القائل متحد {إليّ} ط ج لمثل ما قلنا {عظيم} ه {به} ط والوصل أولى للفاء أو لشدة اتصال المعنى {من قبله} ط {تعقلون} ه {بآياته} ط {المجرمون} ه {عند الله} ط {في الأرض} ط {يشركون} ه {فاختلفوا} ط {يختلفون} ه {من ربه} ج ط للابتداء بالأمر مع الفاء {فانتظروا} ج لاحتمال الابتداء أو التعليل {المنتظرين} ه. التفسير: إنه سبحانه ابتدأ في هذه السورة بذكر شبهات القوم؛ فالأولى أنهم تعجبوا من تخصيص الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالنبوة فأزال ذلك التعجب بالإنكار وبالدلائل الدالة على صحة المبدا والمعاد فكأنه قيل: إنه ما جاء إلا بدليل التوحيد والإقرار بالمعاد فليس للتعجب معنى. ثم شرع في شبهة أخرى وهي أنهم كانوا يقولون أبداً اللهم إن كان محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء فأجابهم بقوله: {ولو يعجل الله} الآية. وقال القاضي: لما ذكر الوعيد على عدم الإيمان بالمبدإ والمعاد ذكر أن ذلك العذاب من حقه أن يتأخر عن هذه الحياة الدنيا وإلا نافى التكليف. وقال القفال: لما وصفهم فيما مر بالغفلة أكد ذلك بأن من غاية غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب فبيّن الله تعالى أنه لا مصلحة في تعجيل إيصال الشر إليهم فلعلهم يؤمنون، أو يخرج من أصلابهم من يؤمن. كانوا عند نزول الشدائد يدعون الله بكشفها كما يجيء في الآية التالية، وفي الرخاء كانوا يستعجلون النبي بالعذاب فقال ما معناه: ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما يعجل لهم الخير ونجيبهم إليه لأميتوا وأهلكوا. قال في الكشاف: أصل الكلام ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير. فوضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل منه لهم. وقيل: التعجيل معناه طلب العجلة إلا أن الاستعجال أشهر وأظهر. فمعنى الآية لو أراد الله عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم. وقيل: هما متلازمان فكل معجل يلزمه الاستعجال إلا أنه تعالى وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم بطلبها لأن اللائق به التكوين واللائق بهم الطلب. وسمي العذاب في الآية شراً لأنه أذى وألم في حق المعاقب به. ثم إن قوله {لو يعجل} كان متضمناً لمعنى نفي التعجيل فيمكن أن يكون قوله {فنذرهم} معطوفاً على منوي كأنه قيل: ولكن لا يعجل فيذرهم إلزاماً للحجة أو لمصالح أخرى. ثم بين أنهم كاذبون في استعجال الشر ولو أصابهم ما طلبوه أظهروا العجل والطيش فقال: {وإذا مس الإنسان الضر} أي هذا الجنس {دعانا لجنبه} اللام في معنى الوقت كقولك: جئته لشهر كذا. وإن شئت قلت في موضع الحال لأن الظرف والحال متآخيان فيصح عطف أحدهما على الآخر وتأويل أحدهما بالآخر أي دعانا مضطجعاً {أو قاعداً أو قائماً} أو وقت اضطجاعه وقعوده وقيامه. والمراد أنه يدعو الله في جميع أحواله لا يفتر عن الدعاء. ثم إن خص الضر بالمرض احتمل أن يراد أنه يدعو الله حين كان مضطجعاً غير قادر على القعود أو قاعداً غير قادر على القيام، أو قائماً لا يطيق المشي إلى أن يخف كل الخفة ويرزق الصحة بكمالها. أو يراد أن من المضرورين من هو أسوأ حالاً وهو صاحب الفراش، ومنهم من هو أخف وهو القادر على القعود، ومنهم المستطيع للقيام وكلهم لا يصبرون على الضراء. قال بعض المفسرين: الإنسان ههنا هو الكافر. ومنهم من بالغ فقال: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان فالمراد به الكافر. وهذا شبه تحكم لورود مثل قوله تعالى: {أية : هل أتى على الإنسان}تفسير : [الدهر: 1] إلا أن يساعده نقل صحيح. والأصح عند العلماء العموم لأن الإنسان خلق ضعيفاً لا يصبر على اللأواء ولا يشكر عند النعماء إلا من عصمه الله وقليل ما هم، وهم الذين نظرهم في جميع الأحوال على المقدر المؤجل للأمور حسب إرادته ومشيئته فلا جرم إن أصابهم السراء شكروا وإن أصابهم الضراء صبروا فأفنوا إرادتهم في إرادته ورضوا بقضائه. قال الزجاج: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعداً أو قائماً: وضعف بأن تعديد أحوال الدعاء أبلغ من تعديد أحوال الضر لأنه إذا كان داعياً على الدوام ثم نسي ذلك في وقت الرخاء كان أعجب. ومعنى {مرّ} مضى على طريقته التي له قبل مس الضراء ومرّ عن موقف الدعاء والتضرع لا يرجع إليه. ومعنى {كأن لم يدعنا} كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن {كذلك} مثل ذلك التزيين {زين للمسرفين ما كانوا يعملون} من تتبع الشهوات. والمزين هو الله تعالى أو النفس أو الشيطان مفرع عن مسألة الجبر والقدر وقد مر مراراً. قال العلماء: سمي الكافر مسرفاً لأنه أنفق ماله من الاستعداد الشريف من القوى البدنية والأموال النفيسة في الأمور الخسيسة الزائلة من الأصنام التي هي أحقر من لا شيء، ومن الشهوات الفانية التي لا أصل لها ولا دوام. والمسرف في اللغة هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس فصح ما قلنا. ثم ذكر ما يجري مجرى الردع والزجر لهم عن إلقاء الشبه والأغاليط فقال: {ولقد أهلكنا القرون } وقد مضى تفسير القرن في أول الأنعام {ولما} ظرف لأهلكنا والواو في {وجاءتهم} للحال أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم { رسلهم} بالدلائل والحجج على صدقهم وهي المعجزات. وقوله: {وما كانوا ليؤمنوا} إما أن يكون عطفاً على {ظلموا} أو يكون اعتراضاً واللام لتأكيد النفي، وإن الله قد علم منهم أنهم يصرون على الكفر والسبب في إهلاكهم تكذيب الرسل وعلم الله بإصرارهم {كذلك} أي مثل ذلك الجزاء وهو الاستئصال الكلي نجزي كل مجرم، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم خاطب الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: {ثم جعلناكم خلائف} أي استخلفناكم {في الأرض} بعد تلك القرون {لننظر كيف تعملون} خيراً أو شراً. استعير النظر للعمل الحقيقي الذي لا يتطرق إليه شك، ويعني به العلم الذي يتعلق به الجزاء كما مر في "الأعراف". قال قتادة: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا فأروا الله من أعمالكم خيراً بالليل والنهار. ثم حكى نوعاً ثالثاً من شبهاتهم فقال: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا} أي لا يؤمنون بالمعاد لأن كل من كان مؤمناً بالنشور فإنه يرجو ثواب الله ويخاف عقابه، وانتفاء اللازم دليل انتفاء الملزوم. طلبوا من الرسول أحد أمرين: إما الإتيان بقرآن غير هذا القرآن مع بقاء هذا القرآن على حاله، إما تبديل هذا القرآن بنسخ بعض الآيات ووضع أخرى في مكانها. فأمره الله تعالى أن يقول في جوابهم {ما يكون لي} أي ما ينبغي وما يحل {أن أبدله من تلقاء نفسي} من قبل نفسي فنفى عن نفسه أحد القسمين الذي هو أسهل وأقل ليلزم منه نفي الأصعب الأكثر بالطريق الأولى. ثم أكد الجواب بقوله: {إن أتبع} أي ما أتبع {إلا ما يوحى إلي} إن نسخت آية تبعت النسخ وإن بدلت آية مكان آية تبعت التبديل. وقد تمسك بهذا نفاة القياس ونفاة جواز الاجتهاد وأجيب بأن رجوعهما أيضاً إلى الوحي. ونقل عن ابن عباس أن قوله: {إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} منسوخ بقوله:{أية : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}تفسير : [الفتح: 2] وضعف بأن النسخ إنما يكون في الأحكام والتعبدات لا في ترتيب العقاب على المعصية. قال المفسرون: هذا الالتماس منهم يحتمل أن يكون على سبيل السخرية. فقد روى مقاتل والكلبي أنهم خمسة نفر من مشركي مكة وهم المستهزؤون في قوله:{أية : إنا كفيناك المستهزئين}تفسير : [الحجر: 95]. ويحتمل أن يكون على سبيل التجربة والامتحان حتى إنه إن فعل ذلك علموا أنه كاذب، أو أرادوا أن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم فطلبوا قرآناً آخر لا يكون كذلك. ثم أكد كون هذا القرآن من عند الله سبحانه وأنه غير مستبد في إيراده فقال: {لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم} ولا أعلمكم الله {به} على لساني. ومن قرأ بلام الابتداء. فمعناه ما تلوته أنا عليكم ولأخبركم الله به على لسان غيري، ولكنه يمنّ على من يشاء من عباده فرآني أهلاً لذلك دون غيري. وقرىء {لا أدرأكم به} بالهمزة. ووجهه أن تكون الهمزة مقلوبة من الألف، أو يكون من الدرء الدفع. ومعنى ادرأته جعلته دارئاً أي لم أجعلكم بتلاوته خصماً تدرؤنني بالجدال وتكذبونني {فقد لبثت فيكم عمراً} أي بعضاً معتبراً من العمر وهو أربعون سنة {من قبله} أي من قبل نزول القرآن {أفلا تعقلون} فيه قدح في صحة عقولهم لأن ظهور مثل هذا الكتاب العظيم المشتمل على علوم الأوّلين والآخرين المعجز للثقلين عن معارضته على من عرفوا حاله من عدم التعلم والمدارسة ومخالطة العلماء إذا شك فيه أنه من قبيل الوحي والمدد السماوي، كان ذلك إنكاراً للضروريات وافتراء على الله فلهذا قال {فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً} الآية. وفيه أن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله ثم نسبه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الله لم يكن أحد أظلم منه. ثم قبح الله أصنامهم معارضة لهم بنقيض مقصودهم من الالتماس فقال {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم} إن لم يعبدوه {ولا ينفعهم} إن عبدوه ومن حق المعبود أن يكون مثيباً معاقباً. وفيه إشعار بأنها جماد، والمعبود لا بد أن يكون أكمل من العابد، وإذا كانت المنافع والمضار كلها من الله فلا تليق العبادة إلا له {ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} قد ذكرنا وجه ذلك في أوائل سورة البقرة في قوله:{أية : فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون}تفسير : [الآية: 22] ثم أنكر عليهم معتقدهم بقوله: {قل أتنبئون الله بما لا يعلم} والمراد أنه لا وجود لكونهم شفعاء إذ لو كان موجوداً لكان معلوماً للعالم بالذات المحيط بجميع المعلومات وهذا مجاز مشهور. تقول: ما علم الله ذلك مني. والمقصود أنه ما وجد منك ذلك قط. وفي قوله: {في السموات ولا في الأرض} تأكيد آخر لنفيه لأن ما لم يوجد فيهما فهو منتفٍ معدوم. قوله: {سبحانه وتعالى عما يشركون} إما أن يكون من تمام ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم، أو ابتداء كلام من الله تعالى تنزيهاً لنفسه عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به. ثم بيّن أن عبادة الأصنام بدعة وأن الناس - يعني العرب أو البشر كلهم - كانوا على الدين الحق فاختلفوا. وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة في قوله:{أية : كان الناس أمة واحدة}تفسير : [الآية: 213] والمقصود ههنا تقبيح صورة الشرك وعبادة الأصنام من دون الله في أعينهم، وتنفير طباعهم عن مثل هذا الأمر المستحدث الفظيع {ولولا كلمة سبقت من ربك} من بناء أمر الثواب والعقاب على التكليف لا على الإلجاء والقسر، أو من تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة، أو من قوله: "حديث : سبقت رحمتي غضبي"تفسير : {لقضى بينهم} عاجلاً ولميز المحق من المبطل. ثم ذكر نوعاً رابعاً من أغاليطهم فقال: {ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه} وقد مر تفسيره في "الأنعام" في قوله:{أية : لولا نزل عليه آية من ربه}تفسير : [الأنعام: 37] كأنهم لم يعتدّوا بالقرآن آية فاقترحوا غيره تعنتاً. {فقال إنما الغيب لله} هو المختص بعلمه {فانتظروا} نزول ما اقترحتموه وهذا أمر فيه تهديد ووعيد والله ورسوله أعلم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ...} الآية: هذه الآيةُ نزلَت، في دعاء الرَّجُل على نَفْسه أو ولده، أو ماله، فأخبر سبحانه أنَّه لو فعل مع النَّاس في إِجابته إِلى المَكْروه مثْلَ ما يريدُ فعله معهم في إِجابته إِلى الخَيْر، لأهلكهم، وحُذِفَ بعد ذلك جملة يتضمَّنها الظاهرُ، تقديرها: فلا يفعلْ ذلك، ولكنْ يَذَرُ {ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا...} الآية، وقيل: إِن هذه الآية نزلَتْ في قولهم: { أية : إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ } تفسير : [الأنفال:32]، وقيل: نَزَلَتْ في قولهم: { أية : فأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } تفسير : [هود:32]، وما جرى مجراه، والعَمَهُ: الخبط في ضلال. وقوله سبحانه: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ...} الآية: هذه الآية أيضاً عتاب على سوء الخُلُقِ من بعض الناس، ومضمَّنه النهْيُ عن مثل هذا، والأَمرُ بالتسليم إِلى اللَّه والضَّراعة إِليه في كلِّ حال، والعلْمُ بأنَّ الخير والشر منه، لا رَبَّ غيره، وقوله: {لِجَنبِهِ }، في موضع الحال؛ كأنه قال: مُضْطَجِعاً، والضُّرُّ عامٌ لجميع الأمراض والرزايا. وقوله: {مَرَّ } يقتضي أن نزولها في الكفَّار، ثم هي بعد تتناوَلُ كلَّ من دَخَلَ تحْتَ معناها مِنْ كافرٍ وعاصٍ. وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ...} الآية: آيةُ وعيدٍ للكفَّار، وضرْبِ أمثالٍ لهم، و{خَلَـٰئِفَ }: جمع خليفة. وقوله: {لِنَنظُرَ }: معناه: لنبيِّن في الوجود ما عَلِمْناه أزلاً، لكنْ جرى القول على طريق الإِيجاز والفصاحةِ والمجازِ، وقال عمر رضي اللَّه عنه: إِنَّ اللَّه تعالَى إِنما جَعَلَنَا خلفاءَ؛ لينظر كَيْفَ عَمَلُنَا؛ فَأَرُوا اللَّه حُسْنَ أَعمالكم في السر والعلانية.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ...} الآية. هذا الامتناعُ نفيٌ في المعنى، تقديره: لا يُعَجِّلُ الله لهم الشَّر، قال الزمخشري: "فإن قلت: كيف اتَّصل به قوله: {فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا}، وما معناها؟ قلت: قوله "وَلَوْ يُعَجِّلُ" متضمّن معنى نفي التَّعجيلِ، كأنَّه قيل: ولا نُعَجِّل لهم بالشَّرِّ، ولا نقضي إليهم أجلهم". قوله "ٱسْتِعْجَالَهُمْ" فيه أوجهٌ: أحدها: أنَّه منصوبٌ على المصدر التَّشبيهيِّ، تقديره: استعجالاً مثل استعجالهم، ثُمَّ حذف الموصوف، وهو "اسْتِعْجَال"، وأقام صفته مقامه، وهي "مِثل"، فبقي: ولو يعجِّل الله مثل استعجالهم، ثم حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، قال مكِّي: "وهذا مذهبُ سيبويه"، وقد تقدَّم مراراً أنَّ مذهب سيبويه في هذا، أنَّه منصوبٌ على الحالِ من ذلك المصدرِ المُقدَّرِ، وإن كان مشهورُ أقوالِ المُعْربين غيره، ففي نسبةِ ما ذكرناه أولاً لسيبويه نظرٌ. والثاني: أن تقديره: تعجيلاً مثل استعجالهم، ثم فعل به ما تقدَّم قبله، وهذا تقديرُ أبي البقاء، فقدَّر المحذوف مطابقاً للفعل الذي قبلهُ؛ فإنَّ "تَعْجِيلاً" مصدر لـ "عَجّلَ"، وما ذكره مكِّي موافقٌ للمصدر الذي بعده. والذي يظهر؛ ما قدَّره أبو البقاء؛ لأنَّ موافقة الفعل أولى، ويكون قد شبَّه تعجيله تعالى باستعجالهم، بخلاف ما قدَّره مكِّي، فإنَّه لا يظهر؛ إذ ليس "اسْتِعْجَال" مصدراً لـ "عَجَّل"، وقال الزمخشري: "أصله: ولو يعجِّل الله للنَّاس الشرَّ تعجيله لهم الخير، فوضع "اسْتِعْجَالهُم بالخَيْرِ" موضع تعجيله لهم الخيرَ؛ إشعاراً بسُرعةِ إجابته لهُمْ وإسعافه بطلبهم، كأنَّ استعجالهُم بالخير تعجيلٌ لهُم"، قال أبو حيَّان: "ومدلُولُ "عَجَّل" غير مدلول "اسْتَعْجَل"؛ لأنَّ "عَجَّل" يدلُّ على الوقوع، و "اسْتَعْجَل" يدلُّ على طلب التَّعجيل، وذلك واقعٌ من الله - تعالى -، وهذا مضافٌ إليهم، فلا يكون التقدير على ما قاله الزمخشري، فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون التقدير: تَعْجِيلاً مثل استعجالهم بالخير، فشبَّه التَّعجيل بالاستعجالِ؛ لأنَّ طلبهم للخَيْر، ووقوع تعجيله مقدَّمٌ عندهم على كلِّ شيء. والثاني: أن يكون ثمَّ محذوفٌ يدلُّ عليه المصدر تقديره: ولو يُعَجِّل اللهُ للنَّاسِ الشرَّ، إذا استعجلوا به اسْتعْجَالهُم بالخير؛ لأنَّهم كانوا يَسْتَعْجِلُون بالشرِّ ووقوعه على سبيل التَّهكم، كما كانُوا يَسْتعجلُون بالخير". الثالث: أنَّه منصوبٌ على إسقاط الخافض، وهو كاف التَّشبيه، والتقدير: كاستعجالهم. قال أبُو البقاء: "وهو بعيدٌ؛ إذ لو جاز ذلك، لجاز "زيدٌ غلام عمرو" أي: كغلام عمرو". وبهذا ضعَّفهُ جماعةٌ، وليس بتضعيفٍ صحيحٍ؛ إذ ليس في المثال الذي ذكر فعلٌ يتعدَّى بنفسه عند حذف الجارِّ، وفي الآية فعلٌ يَصِحُّ فيه ذلك، وهو قوله: "يُعَجل"، وقال مكِّي: "ويَلزَمُ مَنْ يجُوِّز حذفَ حرفِ الجر منه، أن يُجيز "زيدٌ الأسدُ"، أي: كالأسد". قال شهابُ الدِّين: "قوله: ويَلْزَمُ.. إلى آخره"، لا رَدَّ فيه على هذا القائل، إذ يلتزمه، وهو التزامٌ صحيحٌ سائغٌ؛ إذ لا يُنكِرُ أحَدٌ "زيدٌ الأسد"، على معنى: كالأسَد، وعلى تقدير التَّسليم، فالفرقُ ما ذكره أبو البقاء، أي: إنَّ الفعل يطلب مصدراً مُشَبَّهاً، فصار مدلُولاً عليه. وقال بعضهم: تقديره: في استعجالهم؛ نقله مكِّي، فلمَّا حذفت "في" انتصبَ، وهذا لا معنى له، وقال البغوي: المعنى "ولو يُعَجِّل الله إجابة دعائهم في الشرِّ والمكروه استعجالهم بالخير، أي: كما يحبُّون استعجالهم بالخير". وقال القرطبي: قال العلماء: التَّعجيلُ من الله، والاستعجال من العبدِ، وقال أبو عليّ: هُمَا من الله. فصل في كيفية النَّظم وجوه: أحدها: قال ابن الخطيب: "إنَّه ابتدَأ السورة بذكر شُبُهَاتِ المنكرينَ للنُّبوَّة مع الجواب عنها: فالشبهة الأولى: أنَّ القوم تعجَّبُوا من تخصيص الله محمداً بالنُّبوة، فأزال الله ذلك التعجُّب بقوله: {أية : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ} تفسير : [يونس:2]، ثم ذكر دلائل التَّوحيدِ، ودلائل صحَّة المعاد. وحاصل الجواب أن يقول: إنِّي ما جئتُكُم إلاَّ بالتوحيد، والإقرار بالمعاد، وقد دَلَّلنا على صحتهما، فلمْ يَبْقَ للتعجُّب من نبوَّتِي معنى. والشبهة الثانية: أنَّهم كانوا يقولون: اللَّهُمَّ إن كان ما يقول محمدٌ حقاً في ادِّعاء النُّبوَّة والرٍِّسالة، فأمطر علينا حجارة من السَّماء، أو ائتِنَا بعذابٍ أليمٍ، فأجاب الله - تعالى - عن هذه الشبهة بهذه الآية. وثانيها: قال القاضي: "لمَّا بيَّن الله - تعالى - الوعْد والوعِيدَ، أتبعهُ بما يدلُّ على أن من حقِّهما، أن يتأخَّرا عن هذه الحياة الدُّنيويَّة؛ لأنَّ حصولهما في الدُّنيا، كالمانع من بقاءِ التَّكليف. وثالثها: قال القفال: إنَّه لمَّا وصف الكفار بأنهم لا يرجون لقاء الله، ورضوا بالحياةِ الدُّنيا، واطمأنوا بها، وكانُوا عن آيات الله غافلين، بيَّن أنَّ من غفلتهم، أنَّ الرسول - عليه الصلاة والسلام - متى أنذرهم استعجلوا العذاب جهلاً منهم وسفهاً. فصل أخبر - تعالى - في آيات كثيرة: أنَّ هؤلاء المشركين متى خُوفوا بنزول العذاب في الدُّنيا، استعجلوا ذلك العذاب، كقولهم: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الأنفال:32]، وقوله تعالى: {أية : سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ}تفسير : [المعارج:1] الآية، ثم إنهم لما توعدوا بعذاب الآخرة في هذه الآية، بقوله {أية : أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}تفسير : [يونس:8]، استعجلوا ذلك العذاب، وقالوا متى يحصل ذلك؟ كما قال - تعالى -: {أية : يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا}تفسير : [الشورى:18]، وقال بعد هذه الآية، في هذه السورة: {أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}تفسير : [يونس:48]؛ إلى قوله {أية : الآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ}تفسير : [يونس:51] وقال - تعالى - في سورة الرعد: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ}تفسير : [الرعد:6]. فبيَّن - تعالى - أنه لا مصلحة في تعجيل إيصال الشرّ إليهم؛ لأنه - تعالى - لو أوصل ذلك إليهم لماتوا، لأن تركيبهم في الدنيا لا يحتمل ذلك ولا صلاح في إماتتهم، فربما آمنُوا بعد ذلك، أو خرج من صلبهم من يؤمن، وذلك يقتضي ألاَّ يُعَاجلهُم الله بإيصال الشرِّ إليهم. وسمى العذاب شرّاً؛ لأنه أذى في حقِّ المعاقب، كما سماه سيئة في قوله: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ}تفسير : [الرعد:6]، وفي قوله: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى:40]. والمراد من استعجالهم الخير: أنَّهم كانوا عند نزول الشدائد يدعون الله بكشفها؛ لقوله: {أية : إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}تفسير : [النحل:53]، {أية : فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا}تفسير : [الزمر:49]. قوله: "لقُضِيَ" قرأ ابنُ عامر: "لقَضَى" بفتح القاف مبنياً للفاعل، "أجلهم" بالنصب مفعولاً، والباقون: بالضمِّ والكسر مبنياً للمفعول، "أجلهم" رفعاً لقيامه مقام الفاعل، وقرأ الأعمش، ويعقوب، وعبد الله: "لقَضَيْنَا" مسنداً لضمير المُعَظِّم نفسه، وهي مؤيِّدةٌ لقراءةِ ابنِ عامرِ. فصل معنى {لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} أي: لفرغ من هلاكهم ولماتُوا جميعاً، وقيل: إنَّها نزلت في النَّضر بن الحارث، حين قال: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ}تفسير : [الأنفال:32] الآية. قوله: {فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّه معطوفٌ على قوله: "ولوْ يُعجل اللهُ"، على معنى أنَّه في قُوَّة النَّفي، وقد تقدَّم تحقيقه في سؤال الزمخشري، وجوابه فيه، إلاَّ أنَّ أبا البقاء ردَّ عطفه على "يُعَجِّلُ"، فقال: "ولا يجُوزُ أن يكون معطوفاً على "يُعَجِّلُ"؛ إذ لو كان كذلك لدخل في الامتناع الذي تقتضيه "لَوْ"، وليس كذلك؛ لأنَّ التعجيل لم يقع، وتركهم في طغيانهم وقع". قال شهاب الدِّين: "إنَّما يتمُّ هذا الرَّدُّ، لو كان معطوفاً على "يُعَجِّلُ" فقط، باقياً على معناه، وقد تقدَّم أنَّ الكلام صار في قُوَّة: لا نُعجل لهم الشَّرَّ: فنذرهم، فيكون "فَنَذَرُهُم" معطوفاً على جملة النَّفي، لا على الفعل الممتنع وحده، حتَّى يلزم ما قال". والثاني: أنَّه معطوفٌ على جملةٍ مقدَّرة: أي: ولكن نمهلهم فنذر، قالهُ أبو البقاء. والثالث: أن تكون جملة مستأنفة، أي: فنحنُ نذر الذين؛ قاله الحوفي. فصل المعنى: {فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا}: لا يخافون البعث، والحساب {في طغيانهم يَعْمهُونَ}. قال أهل السنة: إنَّه - تعالى - لمَّا حكم عليهم بالطُّغيان والعمه، امتنع أن لا يكونوا كذلك، وإلا لزم أن يَنْقَلِبَ خبر الله تعالى الصِّدق كذباً، وعلمهُ جهلاً، وحكمه باطلاً، وكلّ ذلك محالٌ. قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ}: الجهد والشدة {دَعَانَا لِجَنبِهِ} أي: على جنبه مضطجعاً {أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً} يريد في جميع حالاته؛ لأنَّ الإنسان لا يعدُو إحدى هذه الحالات، وفي كيفية النظم وجهان: الأول: أنه تعالى لمَّا بيَّن في الآية الأولى أنَّه لو أنزل العذاب على العبد في الدُّنيا، لهلك ولقُضِيَ عليه؛ فبيَّن في هذه الآية ما يدُلُّ على ضعفه، ونهاية عجزه؛ ليكون ذلك مؤكداً لما ذكره، من أنَّه لو أنزل عليه العذاب لمات. الثاني: أنه - تعالى - حكى عنهم: أنَّهُم يستعجلُون نُزُول العذاب، فبيَّن في هذه الآية، أنَّهم كاذبُون في ذلك الاستعجال؛ لأنَّه لو نزل بالإنسان أدنى شيء يُؤذيه، فإنَّه يتضرَّعُ في إزالته عنه، فدلَّ على أنَّهُ ليس صادقاً في هذا الطَّلب. قوله: "لِجَنْبِهِ" في محلِّ نصبٍ على الحال؛ ولذلك عطف الحال الصَّريحة عليه، والتقدير: دعانا مضطجعاً لجنبه، أو مُلْقياً لجنبه، واللاَّمُ على بابها عند البصريين، وزعم بعضهم: أنَّها بمعنى: "عَلَى"، ولا حاجة إليه، واختلف في صاحب الحال: فقيل: الإنسان والعامل فيها "مسَّ"، قاله ابن عطية، ونقله أبو البقاء عن غيره، واستضعفه من وجهين: أحدهما: أنَّ الحال على هذا واقعةٌ بعد جواب "إذا"، وليس بالوجه، كأنه يعني: أنَّه ينبغي ألاَّ يجاب الشَّرطُ، إلاَّ إذا استوفى معمولاته، وهذه الحال معمولةٌ للشرط، وهو "مسَّ"، وقد أجيب قبل أن يستوفي معموله. ثم قال: "والثاني: أن المعنى: كثرةُ دعائه في كلِّ أحواله، لا على أن الضُّرَّ يُصيبُهُ في كل أحواله، وعليه جاءت آياتٌ كثيرةٌ في القرآن"، وقال أبو حيَّان: "وهذا الثاني يلزم فيه من مسِّه الضُّرَّ، دعاؤه في هذه الأحوال؛ لأنَّه جوابُ ما ذكرت فيه هذه الأحوال، فالقَيْدُ في الشرط قيدٌ في الجواب، كما تقول: إذا جاءنا زيدٌ فقيراً أحْسَنَّا إليه، فالمعنى، أحْسَنَّا إليه في حال فَقْرِه". وقيل: صاحبُ الحال هو الضمير الفاعل في "دعانا"، وهو واضحٌ، أي: دعانا في جميع أحواله؛ لأنَّ هذه الأحوال الثلاثة لا يخلو الإنسان عن واحدةٍ منها. فصل قيل: المراد بـ "الإنسان" هنا: الكَافِر. وقيل: أبو حذيفة بن المغيرة، تصيبه البأساء والشدة والجهد، {دَعَانَا لِجَنبِهِ} أي: على جنبه مضطجعاً {أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً} وإنَّما أرادَ تسمية حالاته؛ لأنَّ الإنسانَ لا يعدُو هذه الحالات. وقيل: وإنَّما بدأ بالمضطجع؛ لأنَّه بالضُّر أشدّ في غالب الأمْرِ، فهو يدعُو أكثر، والاجتهاد فيه أشدّ، ثمَّ القاعد ثم القَائم. وقيل: المراد بالإنسان: الجنسُ، وهذه الأحوال بالنسبة إلى المجموع، أي: مِنْهم من يدعُو مُسْتلقياً، ومنهم مَنْ يدعُو قَائِماً، أو يرادُ به شخصٌ واحدٌ، جمع بين هذه الأحوال الثلاثة بحسب الأوقات، فيدعو في وقت على هذه الحال، وفي وقت على أخرى، والصحيحُ أنَّ المراد بـ "الإنسان": الجنس، وقال آخرون: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان فالمراد به: الكافر، وهذا باطل؛ لقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}تفسير : [الإنشقاق:6، 7] لا شبهة في أنَّ المؤمنَ داخلٌ، وكذا قوله: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ}تفسير : [الإنسان:1]، وقوله: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ}تفسير : [المؤمنون:12]، {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ}تفسير : [ق:19]، والحقُّ: أنَّ اللفظ المفرد، المحلَّى بالألف واللام، إن حصل معهودٌ سابقٌ، صرف إليه، وإن لم يحصل معهودٌ سابقٌ، حمل على الاستغراق صوناً له عن الإجمال والتَّعطيل، وقال صاحبُ النَّظْم: قوله {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ} وضعهُ للمستقبل، وقوله: {فَلَمَّا كَشَفْنَا} للماضي، فهذا النَّظْمُ يدلُّ على أنَّ معنى الآية يدل: على أنَّهُ كان هكذا فيما مضى، وهكذا يكون في المستقبل، فدل ما في الآية من الفعل المستقبل على ما فيه من المعنى المستقبل، وما فيه من الماضي، على الماضي". قوله: {كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ} قد تقدَّم الكلامُ على مثل هذا، عند قوله: {أية : كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ}تفسير : [النساء:73]، تقديره: كأنَّه لم يدعنا، ثم أسقط الضمير تخفيفاً، كقوله تعالى {أية : كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ}تفسير : [يونس:45] قال الزمخشري: "فحذف ضمير الشَّأن؛ كقوله: [الهزج] شعر : 2880-........................... كأنْ ثَدْيَاهُ حُقَّانِ" تفسير : يعني: على رواية من رواه "ثَدْياهُ" بالألف، ويروى: "كأن ثَدْيَيه" بالياء، على أنها أعملت في الظَّاهر، وهو شاذٌّ، وهذا البيت صدره: [الهزج] شعر : 2881- وَوجهٍ مُشْرقِ النَّحْرِ كَأنْ ثدْيَاهُ حقَّانِ تفسير : وهذه الجملةُ التَّشبيهيَّةُ: في محلِّ نصبٍ على الحال من فاعل "مرَّ"، أي: مضى على طريقته، مشبهاً من لم يدعُ إلى كشف ضُرٍّ، و "مسَّهُ" صفةً لـ "ضُرّ"، وقيل: "مَرَّ" عن موقف الابتهال والتضرُّع لا يرجع إليه، ونسي ما كان فيه من الجهدِ والبلاء، كأن لم يدعنا، ولم يطلُب منَّا كشف ضُرِّه. قوله: {كَذٰلِكَ زُيِّنَ} الكاف من "كذلِكَ" في موضع نصب على المصدر، أي: مثل ذلك التَّزيين والإعراض عن الابتهال، وفاعل "زُيِّنَ" المحذوف: إمَّا الله - تعالى -، و إمَّا الشيطان، و {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} في محل رفع لقيامه مقام الفاعل، و "مَا" يجوز أن تكون مصدريَّة، وأن تكون بمعنى "الذي". فصل قال أبو بكر الأصم: سُمّي الكافرُ مُسْرفاً؛ لأنَّه ضيَّع ماله ونفسه، أمَّا النَّفس، فإنه جعلها عبداً للوثن؛ وأمَّا المالُ؛ فلأنهم كانوا يُضَيِّعُون أموالهم في البحيرة، والسَّائبة، والوصيلة والحامِ. وقيل: من كانت عادتُه كثرة التضرُّع والدعاء، عند نزول البلاء، وعند زوال البلاء بعرضُ عن ذكرِ الله وعن شكره، يكون مُسْرِفاً في أمر دينه، وقال ابن الخطيب: "المُسرفُ هو الذي ينفقُ المال الكثير؛ لأجل الغرضِ الخسيس، ومعلومٌ أنَّ لذَّاتِ الدنيا وطيباتها خسيسةٌ جداً، في مقابلة سعادات الآخرة، والله - تعالى - أعطى الحواسَّ، والعقل والفهم، والقدرة، لاكتساب السعادات العظيمة الأخرويَّة، فمن بذل هذه الآلات العظيمة الشريفة؛ ليفوز بالسعادات الخسيسة، كان قد أنفق أشياء عظيمة؛ ليفوز بأشياء حقيرة؛ فوجب أن يكون من المسرفين".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير} قال: هو قول إنسان لولده وماله إذا غضب عليه: اللهمَّ لا تبارك فيه والعنه {لقضي إليهم أجلهم} قال: لأهلك من دعا عليه ولأماته. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير} قال: قول الرجل للرجل: اللهمَّ اخزه اللهمَّ العنه، قال: وهو يحب أن يستجاب له كما يحب اللهمَّ اغفر له اللهمَّ ارحمه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له.
القشيري
تفسير : أي لو أَجبناهم إذا دعوا على أنفسهم عند غيظهم وضَجَرِهم لعَجلَّنا إهلاَكهم، ولكن تَحَمَّلْنَا ألا نُجِيبَهم، وبرحمتنا عليهم لا نسمع منهم دعاءَهم، وربما يشكو العبدُ بأنّ الربَّ لا يجيب دُعاءه، ولو عَلِمَ أنه تَرَكَ إجابَتَهُ لُطْفاً منه وأَنَّ في ذلك بلاءً لو أجابه، كما قيل: شعر : أُنَاسً أعرضوا عنَّا بلا جُرْمٍ ولا مـعـنـى أساءوا ظنَّهم فينـــا فهلاَّ أحسنوا الظنَّــا
اسماعيل حقي
تفسير : {ولو يعجل الله} [واكر تعجيل كند خداى تعالى] {للناس الشر استعجالهم بالخير} التعجيل تقديم الشيء قبل وقته والاستعجال طلب العجلة والمراد بالشر العذاب وسمى به لانه اذى مكروه فى حق المعاقب -روى- ان النضر بن الحارث قال منكرا لنبوته عليه السلام اللهم ان كان محمدا حقا في ادعاء الرسالة فامطر علينا حجارة من السماء او ائتنا بعذاب اليم وكانوا يستعجلون العذاب المتوعد به من لسان النبوة فقال تعالى {ولو يعجل الله للناس الشر} والعذاب حيث استعجلوه استعجالا مثل {استعجالهم بالخير} والرحمة والعافية {لقضى اليهم اجلهم} لادى اليهم الاجل الذى عين لعذابهم واميتوا واهلكوا بالمرة وما امهلوا طرفة عين لان تركيبهم فى الدنيا لا يحتمل ما استعجلوه من العذاب ولكن لا نعجل ولا نقضى {فنذر الذين} اى نترك فالفاء للعطف على مقدر لا على يعجل اذ لو كان كذلك لدخل في الامتناع الذى يقتضيه لو وليس كذلك لان التعجيل لم يقع وتركهم في طغيانهم يقع كما في تفسير ابى البقاء {لا يرجون لقاءنا} لا يتوقعون جزاءنا في الآخرة التى هى محل اللقاء لانكارهم البعث {فى طغيانهم} الذى هو عدم رجاء اللقاء وانكار البعث والجزاء وهو متعلق بنذر او بقوله {يعمهون} اى حال كونهم متحيرين ومترددين وذلك لانه لا صلاح ولا حكمة فى اماتتهم واهلاكهم عاجلا اذر بما آمنوا بعد ذلك او ربما خرج من اصلابهم من يكون مؤمنا ولذلك لا يعالجهم الله تعالى بايصال الشر اليهم بل يتركهم امهالا لهم واستدراجا. قال الحدادى الآية عامة فى كل من يستعجل العقاب الذى يستحقه بالمعاصى ويدخل فيها دعاء الانسان على نفسه وولده وقومه بما يكره ان يستجاب له مثل قول الرجل اذا غضب على ولده اللهم لا تبارك فيه والعنه وقوله لنفسه رفعنى الله من بينكم وفى الحديث "حديث : دعاء المرء على محبوبه غير مقبول" تفسير : وعن ابن عمر رضى الله عنهما رفعه "حديث : انى سئلت الله لا يقبل دعاء حبيب على حبيبه" تفسير : ولكن قد صح "حديث : ان دعاء الوالد على ولده لا يرد" تفسير : فيجمع بينهما كما فى المقاصد الحسنة. وقال شهر بن حوشب قرأت فى بعض الكتب ان الله تعالى يقول للملكين الموكلين لا تكتبا على عبدى فى حال ضجره شيئا. ثم بين الله تعالى انهم كاذبون فى استعجال العذاب بناء على انه لو نزل بالانسان ادنى شيء يكرهه لا يصبر عليه بل يتضرع الى الله فى ازالته عنه فقال {واذا مس الانسان} اصابه {الضر} جنس الضر من مرض وفقر وغيرهما من الشدائد اصابة يسيرة {دعانا} [بخواند مارا باخلاص براى ازاله او] {لجنبه} اللام بمعنى على كما فى قوله تعالى {أية : يخرون للاذقان} تفسير : اى دعانا كائنا على جنبه اى مضطجعا او ملقى لجنبه على الارض لما به من المرض واللام على بابها {او قاعدا او قائما} وذلك ان من الضرر ما يغلب الانسان ويجعله صاحب فراش يضطره الى الاضطجاع ومنه ما يكون اخف من ذلك ويجعله بحيث يقدر على القعود ومنه ما يتمكن الانسان معه على القيام لا غير. ففائدة الترديد تعميم الدعاء لجميع اصناف الضرر. ويجوز ان يكون لجميع الاحوال اى دعانا فى جميع احواله مما ذكر وما لم يذكر لازالة ما يضر عنه فى حال ما من احواله. وتخصيص المعدودات بالذكر لعدم خلو الانسان عنها عادة {فلما كشفنا عنه ضره} رفعناه وازلناه بسبب اخلاصه فى الدعاء {مر} مضى على طريقته التى كان ينتحيها قبل مساس الضر ونسى حالة الجهد والبلاء واستمر على كفره {كأن} اى كأنه {لم يدعنا الى ضر مسه} اى مشبها بمن لم يدع الى كشف ضره فهو حال من فاعل مر وهذا وصف للجنس باعتبار حال بعض افراده ممن هو متصف بهذه الصفات {كذلك} اى مثل ذلك التزيين. فالكاف اسم منصوب المحل على انه صفة مصدر محذوف لقوله {زين للمسرفين ما كانوا يعملون} من الاعراض على التضرع والانهماك فى الشهوات حين انكشاف الضر عنهم. وسمى الكافر مسرفا لكونه مسرفا فى امر دينه متجاوزا عن الحد فى الغفلة عنه فانه لا شبهة فى ان المرء كما يكون مسرفا فى الانفاق فكذا يكون مسرفا فى اتباع الهوى وتضييع العمر فيما لا يعنيه بل يضره: قال الصائب شعر : ازين جه سود كه دركلستان وطن دارم مراكه عمر جو نركس بخواب ميكذرد
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (استعجالهم): نصب على المصدر، أي: استعجالاً مثل استعجالهم بالخير. قال البيضاوي: وضع موضع تعجيله لهم بالخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم في الخير، حتى كأن استعجالهم به تعجيل لهم. هـ. (فَنَذَرَ): عطف على فعل محذوف دلت عليه الشرطية، كأنه قيل: ولكن لا نعجل ولا نقضي بل نمهلهم فنذر.. الخ. يقول الحق جل جلاله: {ولو يعجلُ الله الناس الشرَّ} حيث يطلبونه، كقولهم: {أية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ تفسير : [الأنفال: 32]، {أية : ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ}تفسير : [الأعراف: 77] {استعجالهم بالخير}؛ كما يعجل الله لهم الخير حين يسألونه {لقُضِيَ إليهم أجلُهُم} أي: لأميتوا وأهلكوا من ساعتهم، وقرأ ابن عباس ويعقوب: "لَقَضى" بالبناء للفاعل، أي: لقضى الله إليهم أجلهم، ولكن من حلمه تعالى وكرمه يُمهلهم إلى تمام أجلهم، {فَنذَرُ الذين لا يرجون لقاءنا} استدراجاً وإمهالاً {في طغيانهم يعمهون}: يتحيرون. والعمه: الخبط في الضلال، وهذا التفسير أليق بمناسبة الكلام، وقيل: نزلت في دعاء الإنسان على نفسه وماله بالشر، أي: لو عجل اللهُ للناس الشر كما يحبون تعجيل الخير لهلكوا سريعاً، فهو كقوله: {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ} تفسير : [الإسراء: 11] ويكون قوله: {فنذر...} الخ استئنافاً. والله تعالى أعلم. الإشارة: من حلمه تعالى وسعة جوده أنه لا يعامل عبده بما يستحقه من العقاب، ولا يعاجله بما يطلبه إن لم يكن فيه سداد وصواب، حُكي أن رجلاً قال لبعض الأنبياء ـ عليهم السلام ـ: قل لربي: كم أعصيه وأخالفه ولم يعاقبني، فأوحى الله إلى ذلك النبي: ليعلم أني أنا وأنت أنت. هـ. بل من عظيم كرمه تعالى أنه قد يعامل السائرين بعكس ما يستحقونه في جانب المخالفة؛ فقد تهوى بهم أنفسهم إلى مقام الخفض فيرتفعون، وإلى مقام البُعد فيقتربون، وهذا في قوم سبقت لهم العناية، فلم تضرهم الجناية، وحفت بهم الرعاية، فلم تستهوهم الغواية، إذا صدرت منهم المخالفة ندموا وانكسروا. والغالب فيمن كانت تحت جناح الأولياء الكبار أن يسلك به هذا المسلك العظيم وما ذلك على الله بعزيز. وإذا كان الحق تعالى يُعجل الخير ويمهل الشر، كان الواجب على العبد شكره على الدوام، لا الإعراض عنه ونسيانه، كما نبيه عليه تعالى بقوله: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ}.
الطوسي
تفسير : قرا ابن عامر ويعقوب {لقضي إليهم أجلهم} بفتح القاف. الباقون بضمها على ما لم يسم فاعله. قال ابو علي الفارسي: اللام في قوله {لقضي إليهم أجلهم} جواب (لو) في قوله {ولو يعجل الله للناس} والمعنى {ولو يعجل الله للناس} دعاء {الشر} اي ما يدعون به من الشر على انفسهم في حال ضجر وبطر {استعجالهم} اياه بدعاء "الخير" فأضاف المصدر إلى المفعول به وحذف الفاعل كقوله دعاء الخير، وحذف ضمير الفاعل، والتقدير {ولو يعجل الله للناس الشر} استعجالا مثل {استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم} قال ابو عبيدة: معناه الفراغ من اجلهم ومدتهم المضروبة للحياة، فهلكوا. وهو قريب من قوله {أية : ويدعو الإنسان بالشر دعاؤه بالخير وكان الإنسان عجولاً}. تفسير : وقيل للميت مقضي كأنه قضي إذا مات وقضى فعل، التقدير استوفى أجله، قال ذو الرمة: شعر : إذا الشخص فيها هزه الآل أغمضت عليه كاغماض المقضي هجولها تفسير : والمعنى أغمضت هجول هذه البلاد على الشخص الذي فيها، فلم ير لقربه كاغماض المقضي، وهو الميت. فأما قوله {لقضي إليهم} وبما يتعلق هذا الجار، فانه لما كان معنى (قضى) معنى (فرغ) وكان قولك (فرغ) قد يتعدى بهذا الحرف وفي التنزيل {أية : سنفرغ لكم} تفسير : فانه يمكن أن يكون الفعل يتعدى باللام كما يتعدى ب (إلى) كما ان اوحى في قوله {وأوحينا إليه} قد تعدى بـ (إلى) وفي قوله {أية : بأن ربك أوحى لها} تفسير : تعدّى باللام، فلما كان معنى قضى فرغ، وفرغ تعلق بها (إلى) كذلك تعلق بقضى. ووجه قراءة ابن عامر واسناده الفعل إلى الفاعل، لأن الذكر قد تقدم في قوله {ولو يعجل الله للناس} فقال (لقضى) الله - على هذا - وقوى ذلك بقوله {أية : ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده} تفسير : فقوله {قضى أجلاً} اضافه إلى الفاعل فكذلك في هذه الآية. وقوله {وأجل مسمى عنده} يعني أجل البعث بدلالة قوله {أية : ثم أنتم تمترون} تفسير : أي تشكون في البعث. ومن ضم القاف وبنى الفعل للمفعول، فلأنه في المعنى مثل قول من بنى الفعل للفاعل. أخبر الله تعالى في هذه الاية انه لو عجل للخلق الشر، والتعجيل تقديم الشيء قبل حينه. وقد يكون تقديم الشيء في المكان، فلا يكون تعجيلا. والفرق بين التعجيل والاسراع ان التعجيل بالشيء عمله قبل وقته الذي هو أولى به. والاسراع عمله في وقته الذي هو احق به، وضده الابطاء. الشر ظهور ما فيه الضرر. واصله الاظهار من قولهم: شررت الثوب اذا اظهرته للشمس، ومنه شرر النار لظهوره وانتشاره. وقوله {لقضي إليهم أجلهم} قيل: إن معناه لأميتوا كأنه قيل لقطع اجلهم وفرغ منه قال ابو ذؤيب: شعر : وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع تفسير : وقال الحسين بن علي المغربي: معناه ردّ قطع أجلهم اليهم لكون السبب فيه دعاؤهم. وقوله {استعجالهم بالخير} نصب استعجالهم على المصدر وتقديره ولو يعجل الله للناس تعجيله استعجالهم بالخير اذا دعوا. وقيل في معناه قولان احدهما - قال مجاهد وقتادة: وهو كقول الرجل لولده وماله في حال غضبه: اللهم لا تبارك فيه والعنه. وقال الحسن: هو كقوله {أية : ويدعو الإنسان بالشر دعاؤه بالخير} تفسير : وقال الجبائي: معناه إنهم يطلبون الخير قبل حينه، وسبيله في أنه لا ينبغي أن يكون كسبيل الشر من الاهلاك بالعقاب قبل حينه لما فيه من الاقتطاع عن التوبة واللطف. وقوله {فنذر الذين لا يرجون لقاءنا} معناه نترك الذين لا يخافون لقاءنا أو لا يطمعون فيه بمعنى أنهم لا يخافون عقاب معاصينا، ولا يطمعون في ثواب طاعتنا {في طغيانهم يعمهون} فالطغيان الغلو في ظلم العباد والطاغي والباغي نظائر. و (العمه) شدة الحيرة، وتقديره نتركهم وهم يترددون في ضلالتهم، لا أنه يريد منهم العمه في الطغيان، لأنه إنما يتركهم ليتوبوا من ذلك ويؤمنوا لكنه بين أنه لا يعاجلهم بالعقاب في الدنيا، وهم مع ذلك لا يرعوون بل يترددون في الطغيان. وقيل المعنى نتركهم في الاخرة يتحيرون في جزاء طغيانهم.
الجنابذي
تفسير : {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ} عطف على انّ الّذين لا يرجون لقاءنا وتخلّل ان الّذين آمنوا غير مخلٍّ بالوصل والعطف لانّه جوابٌ لسؤالٍ ناشٍ عن المعطوف عليه فكأنّه من متعلّقاته كأنّه قال: انّ الّذين لا يرجون لقاءنا حالهم كذا مع انّ حال المؤمنين كذا ولو عجّلنا لهم الشّرّ الّذى استحقوه لم يبقوا فى الدّنيا متمتّعين {ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ} تعجيلاً مثل تعجيله لهم الخير فالباء للتعدية او مثل حثّه وحمله ايّاهم على العجلة فى الخير او بالخير فالباء بمعنى فى او للسبيّة او مثل عجلتهم فى الخير او بسبب الخير {لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} لاقضى اليهم قضاء مدّتهم الّتى اجّلوا فيها او لاقضى اليهم آخر عمرهم الّذى اجّلوا اليه {فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} عطف على لو يعجّل الله باعتبار المعنى اى لم يعجّل فنذر الّذين لا يرجون او جزاء شرطٍ محذوفٍ اى اذا لم نقض اليهم اجلهم فنذرهم فى طغيانهم.
الأعقم
تفسير : {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير} الآية نزلت في أهل مكة حين قالوا: يا محمد ائتنا بعذاب إن كنت صادقاً، يعني ولو عجلنا هذا الشر الذي دعوا به حتى نعجل لهم الخير ونحسهم إليه {لقضي إليهم أجلهم} لهلكوا، وقيل: هو كقول الرجل لولده في حال الغضب: اللهم العنه ولا تبارك فيه، وقيل: الشر عقوبات أعمالهم وهو الشر كما يريدون العاجل في دنياهم الذي هو الخير لأماتهم عاجلاً ونقلهم إلى ذلك العذاب، وقيل: الخير منافع الدنيا، وقيل: الثواب والعقاب {فنذر الذين لا يرجون لقاءنا} لما وعدنا من الثواب والعقاب {في طغيانهم يعمهون} يتحيرون {وإذا مسّ الانسان الضر} أي أصابه بلاء وشدة ومشقة {دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً} أراد جميع حالاته، وقيل: أحوال مرضه وصحته {فلما كشفنا عنه ضرّه مرَّ} اي أعرض {كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} أي كأنه لم يدعنا قط {كذلك زين للمسرفين} أي زيَّن لهم الشيطان والغواة، ثم حذر سبحانه بهذه الآية ما نزل بالأمم الماضية فقال: {ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا}، قوله: {كذلك نجزي القوم المجرمين} أي كما أهلكناهم بكفرهم كذلك نعاقب القوم المجرمين {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم} أي من بعد القرون الذين أهلكناهم {وإذا تتلى عليهم آياتنا بيِّنات} الآية نزلت في مشركي قريش، وقيل: في عبد الله بن أميَّة والوليد بن المغيرة والعاص وغيرهم قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ائت بقرآن {غير هذا} ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى ومنات وهُبَل، وقيل: قالوا: ائْتِ بقرآن ليس فيه عيبٌ لنا ولا لآلهتنا {أو بدَّله} فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة، فنزلت الآية {قل ما يكون لي} ما ينبغي لي ولا يحل {أن أُبدِّله}، كقوله تعالى: {أية : ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} تفسير : [المائدة: 116] {من تلقاء نفسي} أي من قِبل نفسي {إن اتبع إلاَّ ما يوحى إلي} فيما آمركم به وأنهاكم عنه {عذاب يوم عظيم} وهو يوم القيامة {قل} يا محمد {لو شاء الله ما تلوته عليكم} أي ما قرأته بأن لا ينزل عليَّ ولا يأمرني بقراءته عليكم {ولا أدراكم به} أي ولا أعلمكم به على لساني وقراءتي، وقرأ ابن عباس ولا أنذركم به {فقد لبثت فيكم عمراً} لبث (صلى الله عليه وآله وسلم) في قومه أربعين سنة إلى أن أتاه الوحي {من قبله} أي من قبل نزول القرآن {أفلا تعقلون} فتدبرون {فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً} أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً {أو كذب بآياته} بحججه والافتراء أن يقول عليه ما لم يقل {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم} يعني الأوثان التي هي جماد لا تقدر على نفع ولا ضر، وقيل: إن عبدوها لم تنفعهم وإن تركوها لم تضرهم، ومن حق المعبود أن يكون مثيباً على الطاعة، ومعاقب على المعصيَّة، وكان أهل الطائف يعبدون اللات، وأهل مكة العزى ومنات وهُبَل {و} كانوا {يقولون هؤلاء شفعاؤنا} عند الله، وعن النضر بن الحرث أنه قال: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى {قل أتنبئون الله بما لا يعلم} تخبرونه بكونهم شفعاء عنده {في السموات ولا في الأرض} يعني لا يعلم الله له شريكاً ولا هؤلاء شفعاء {سبحانه} تنزيهاً عما يقولون {وتعالى} أي تعالت صفاته {عمَّا يشركون}.
اطفيش
تفسير : {ولو يُعجِّل اللهُ للنَّاس الشرَّ} كالفقر والمرض والموت {اسْتعْجالهم بالخَيْر} أى تعجيلا مثل استعجالهم، أى مناسبا لاستعجالهم بمعنى تعجيلا آتيا على مقتضى استعجالهم بالخير، ومقتضاه التعجيل، وإلا فالاستعجال غير التعجيل بل طلب العجلة، وذلك أنهم يحبون العجلة بالخير، ويكرهون الشر، وقد استوجبوه بأعمالهم، فأملهه الله رفقا ولطفاً، هذا ما ظهر لى فى إعراب الآية ومعناها، ولك أن تقول: استعجالهم بالخير سبب وملزوم فى الجملة للتعجيل به، فوضع موضع التعجيل، فكأنه قيل: تعجيلا مثل تعجيلهم، وفيه إشارة إلى سرعة إجابته حتى كان استعجالهم بالخير تعجيل به لهم. وأما على قول ابن عباس، وقتادة أن ذلك فى دعاء الإنسان عند الغضب على نفسه وأهله وماله بالشر، وقول بعض: إنه فى قولهم: {أية : إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء} تفسير : وقول بعض إنه فى قولهم: {أية : إيتنا بما تعدنا} تفسير : ونحو ذلك، فالتقدير ولو يعجل الله للناس الشر حين استعجلوه استعجالا مثل استعجالهم بالخير، فحذف عامل المصدر وغيره للدلالة عليه، ويجوز الوجه الأول أيضا فى هذه الأقوال. {لقُضِىَ إلَيهمْ أجلُهم} وصل إليهم أجل الموت فيموتوا، فإن الموت من جملة الشر، وقرأ ابن عامر، ويعقوب، وعيسى بن عمرو بالبناء للفاعل وهو الله، ونصب الأجل كما قرأ ابن مسعود لقضينا إليهم أجلهم، وفى الحديث: حديث : "لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدعو به، فإن أحدكم إذا مات انقطع عمله، وإن أحدكم يزداد فى أجله خيرا، تفسير : ويجوز أن يقول: حديث : اللهم أمتنى إذا كان الموت خيراً لى" تفسير : وفى الحديث: "حديث : اللهم أتخذ عندك عهداً لن تخلفنيه فإنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر، فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة يقرب بها إليك وكفارة له يوم القيامة ". تفسير : {فنَذرُ} عطف على حرف النفى ومنفيه محذوفين مدلولا عليهما بلو، فإنها امتناعية، والامتناع نفى، والتقدير لا نفعل ذلك فنذر {الَّذينَ} موضوع موضع الضمير تقبيحا لهم بصلته، على أن المراد بالناس الكفار فقط، وإلا فالظاهر على أصله، وقرأ الأعمش فذر {لا يرْجُون لقاءنا فى طُغْيانهم يعْمهُون} يترددون إمهالا واستدراجاً.
الالوسي
تفسير : {وَلَوْ يُعَجّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ} هم الذين لا يرجون لقاء الله تعالى المذكورون في قوله سبحانه: {أية : إَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا }تفسير : [يونس: 7] الخ، والآية متصلة بذلك دالة على استحقاقهم للعذاب وأنه سبحانه إنما يمهلهم استدراجاً وذكر المؤمنين وقع في البين تتميماً ومقابلة، وجىء بالناس بدل ضميرهم تفظيعاً للأمر. وفي «إرشاد العقل السليم» إنما أوردوا باسم الجنس لما أن تعجيل الخير لهم ليس دائراً على وصفهم المذكور إذ ليس كل ذلك بطريق الاستدراج، والمراد لو يعجل الله تعالى لهم {ٱلشَّرَّ} الذي كانوا يستعجلون به تكذيباً واستهزاءاً فإنهم كانوا يقولون:{أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً / مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : ، [الأنفال: 32]{أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}تفسير : [يونس: 48] ونحو ذلك. وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن قتادة أنه قال: هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له، وأخرجا عن مجاهد أنه قال: هو قول الإنسان لولده وماله إذا غضب اللهم لا تبارك فيه اللهم العنه، وفيه حمل ـ الناس ـ على العموم والمختار الأول، ويؤيده ما قيل: من أن الآية نزلت في النضر بن الحرث حين قال: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ}تفسير : [الأنفال: 32] الخ. وقوله سبحانه: {ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ} نصب على المصدرية، والأصل - على ما قال أبو البقاء ـ تعجيلاً مثل استعجالهم فحذف تعجيلاً وصفته المضافة وأقيم المضاف إليه مقامها. وفي «الكشاف» ((وضع {ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ} موضع تعجيله لهم [الخير] إشعاراً بسرعة إجابته سبحانه لهم وإسعافه بطلبتهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل لهم)) ((وهو كلام رصين يدل على دقة نظر صاحبه كما قال ابن المنير، إذ لا يكاد يوضع مصدر مؤكد مقارناً لغير فعله في الكتاب العزيز بدون مثل هذه الفائدة الجليلة، والنحاة يقولون في ذلك: أجري المصدر على فعل مقدر دل عليه المذكور ولا يزيدون عليه، وإذا راجع الفطن قريحته وناجى فكرته علم أنه إنما قرن بغير فعله لفائدة وهي في قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً} تفسير : [نوح: 17] التنبيه على نفوذ القدرة في المقدور وسرعة إمضاء حكمها حتى كأن إنبات الله تعالى لهم نفس نباتهم أي إذا وجد الإنبات وجد النبات حتماً حتى كأن أحدهما عين الآخر فقرن به)). وقال الطيبـي: كان أصل الكلام ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله ثم وضع موضعه الاستعجال ثم نسب إليهم فقيل (استعجالهم بالخير) لأن المراد أن رحمته سبقت غضبه فأريد مزيد المبالغة وذلك أن استعجالهم الخير أسرع من تعجيل الله تعالى لهم ذلك فإن الإنسان خلق عجولاً والله تعالى صبور حليم يؤخر للمصالح الجمة التي لا يهتدي إليها عقل الإنسان ومع ذلك يسعفهم بطلبتهم ويسرع إجابتهم. وأوجب أبو حيان ((كون التقدير تعجيلاً مثل استعجالهم أو أن ثَمَّ محذوفاً يدل علييه المصدر أي لو يعجل الله للناس الشر إذا استعجلوه استعجالهم بالخير قال: لأن مدلول عجل غير مدلول استعجل لأن عجل يدل على الوقوع واستعجل يدل على طلب التعجيل وذلك واقع من الله تعالى وهذا مضاف إليهم فلا يجوز ما قرره الزمخشري وأتباعه)) وأجاب السفاقسي بأن استفعل هنا للدلالة على وقوع الفعل لا على طلبه كاستقر بمعنى أقر، وقوله: وهذا مضاف إليهم مبني على أن المصدر مضاف للفاعل ويحتمل أن يكون مضافاً للمفعول ولا يخفى أن كل ذلك ناشئ من قلة التدبر. ومعنى قوله سبحانه: {لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} لأميتوا وأهلكوا بالمرة يقال: قضى إليه أجله أي أنهى إليه مدته التي قدر فيها موته فهلك. وفي إيثار صيغة المبني للمفعول جري على سنن الكبرياء مع الإيذان بتعين الفاعل. وقرأ ابن عامر ويعقوب {لقضى} على البناء للفاعل، وقرأ عبد الله {لقضينا} وفيه التفات، واختيار صيغة الاستقبال في الشرط وإن كان المعنى على المضي لإفادة أن عدم قضاء الأجل لاستمرار عدم التعجيل فإن المضارع المنفي الواقع موقع الماضي لي بنص في إفادة انتفاء استمرار الفعل بل قد يفيد استمرار انتفائه أيضاً بحسب المقام كما حقق في موضعه. وذكر بعض المحققين أن المقدم هٰهنا ليس نفس التعجيل المذكور بل هو إرادته المستتبعة للقضاء المذكور وجوداً وعدماً لأن القضاء ليس أمراً مغايراً لتعجيل الشر في نفسه بل هو إما نفسه أو جزئي منه / كسائر جزئياته من غير مزية له على البقية إذ لم يعتبر في مفهومه ما ليس في مفهوم تعجيل الشر من الشدة والهول فلا يكون في ترتبه عليه وجوداً أو عدماً مزيد فائدة مصححة لجعله تالياً له فليس كقوله تعالى: {أية : ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ}تفسير : [الحجرات: 7] ولا كقوله سبحانه: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبّهِمْ } تفسير : [الأنعام: 30] وقوله تعالى: {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ}تفسير : [فاطر: 45] إذا فسر الجواب بالاستئصال، وأيضاً في ترتيب التالي على إرادة المقدم ما ليس في ترتيبه على المقدم نفسه من الدلالة على المبالغة وتهويل الأمر والدلالة على أن الأمور منوطة بإرادته تعالى المبنية على الحكم البالغة. وقوله سبحانه: {فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} أي نتركهم إمهالاً واستدراجاً {فِي طُغْيَـٰنِهِمْ} الذي هو عدم رجاء اللقاء وإنكار البعث والجزاء وما يتفرع على ذلك من الأعمال السيئة والمقالات الشنيعة {يَعْمَهُونَ} أي يترددون ويتحيرون، لا يصح عطفه على شرط {لَوْ} ولا على جوابها لانتفائه وهو مقصود إثباته وليست {لَوْ} بمعنى أن كما قيل فهو إما معطوف على مجموع الشرطية لأنها في معنى لا يعجل لهم وفي قوته فكأنه قيل: لا يعجل بل يذرهم أو معطوف على مقدر تدل عليه الشرطية أي ولكن يمهلهم أو ولكن لا يعجل ولا يقضي فيذرهم وبكل قال بعض، وقيل: الجملة مستأنفة والتقدير فنحن نذرهم، وقيل: إن الفاء واقعة في جواب شرط مقدر والمعنى لو يعجل الله تعالى ما استعجلوه لأبادهم ولكن يمهلهم ليزيدوا في طغيانهم ثم يستأصلهم وإذا كان كذلك فنحن نذر هؤلاء الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يترددون ثم نقطع دابرهم. وصاحب «الكشف» بعد ما قرر أن اتصال {وَلَوْ يُعَجّلُ} الخ بقوله تعالى: {أية : إَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا }تفسير : [يونس: 7] الخ وأن ذكر المؤمنين إنما وقع في البين تتميماً ومقابلة وليس بأجنبـي قال: إنه لا حاجة إلى جعل هذا جواب شرط مقدر. وفي وضع الموصول موضع الضمير نوع بيان للطغيان بما في حيز الصلة وإشعار بعليته للترك والاستدراج.
ابن عاشور
تفسير : مجيء حرف العطف في صدر هذه الآية يقتضي في علم البلاغة خصوصية لعطفها على ما قبلها ومزيد اتصالها بما قبلها فتعين إيضاح مناسبة موقعها. والظاهر أن المشركين كانوا من غرورهم يحسبون تصرفات الله كتصرفات الناس من الاندفاع إلى الانتقام عند الغضب اندفاعاً سريعاً، ويحسبون الرسل مبعوثين لإظهار الخوارق ونكاية المعارضين لهم، ويسوون بينهم وبين المشعوذين والمتحدّين بالبطولة والعجائب، فكانوا لما كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وركبوا رؤوسهم ولم تصبهم بأثر ذلك مصائب من عذاب شامل أو موتان عام ازدادوا غروراً بباطلهم وإحالة لكون الرسول صلى الله عليه وسلم مرسلاً من قبل الله تعالى. وقد دلت آيات كثيرة من القرآن على هذا كقوله: {أية : وإذْ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم}تفسير : [الأنفال: 32] وقوله: {أية : يستعجلونك بالعذاب}تفسير : [الحج: 47] وقوله: {أية : فإن للذين ظلموا ذَنوباً مثلَ ذَنوب أصحابهم فلا يستعجلون}تفسير : [الذاريات: 59] وقد بينا ذلك في سورة الأنعام وفي سورة الأنفال. وكان المؤمنون ربما تمنوا نزول العذاب بالمشركين واستبطأوا مجيء النصر للنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأصحابه كما جاء في الحديث: أنَّ المسلمين قالوا: ألا تستنصر. وربما عجب بعضهم من أن يرزق الله المشركين وهم يكفُرون به. فلما جاءت آيات هذه السورة بقوارع التهديد للمشركين أعقبت بما يزيل شبهاتهم ويطمئن نفوس المؤمنين بما يجمَعه قوله: {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليْهم أجلهم}. وهو إجمال ينبىء بأن الله جعل نظام هذا العالم على الرفق بالمخلوقات واستبقاء الأنواع إلى آجال أرادها، وجعل لهذا البقاء وسائل الإمداد بالنعم التي بها دوام الحياة، فالخيرات المُفاضة على المخلوقات في هذا العالم كثيرة، والشرور العارضة نادرة ومعظمها مسبب عن أسباب مجعولة في نظام الكون وتصرفات أهله، ومنها ما يأتي على خلاف العادة عند محل آجاله التي قدرها الله تعالى بقوله: {أية : لكل أمة أجل}تفسير : [يونس: 49] وقوله: {أية : لكل أجل كتاب}تفسير : [الرعد: 38]. فهذه الجملة معطوفة على جملة {أية : إن الذين لا يرجون لقاءنا}تفسير : [يونس: 7] الآية، فحيث ذكر عذابهم الذي هم آيلون إليه ناسب أن يبين لهم سبب تأخير العذاب عنهم في الدنيا لتكشف شبهة غرورهم وليعلم الذين آمنوا حكمةً من حكم تصرف الله في هذا الكون. والقرينة على اتصال هذه الجملة بجملة {أية : إن الذين لا يرجون لقاءنا}تفسير : [يونس: 7] قولُه في آخر هذه {فنذَر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون}. فبينت هذه الآية أن الرفق جعله الله مستمراً على عباده غير منقطع عنهم لأنه أقام عليه نظام العالم إذْ أراد ثَبات بنائِه، وأنه لم يقدّر توازيَ الشر في هذا العالم بالخير لطفاً منه ورفقاً، فالله لطيف بعباده، وفي ذلك منة عظيمة عليهم، وأن الذين يستحقون الشر لو عُجل لهم ما استحقوه لبطل النظام الذي وضع عليه العالم. والناس: اسم عام لجميع الناس، ولكن لما كان الكلام على إبطال شبهة المشركين وكانوا المستحقين للشرّ كانوا أولَ من يتبادر من عموم الناس، كما زاده تصريحاً قوله: {فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون}. وقد جاء نظم الآية على إيجاز محكم بديع، فذُكر في جانب الشر {يُعَجل} الدال على أصل جنس التعجيل ولو بأقل ما يتحقق فيه معناه، وعبر عن تعجيل الله الخيرَ لهم بلفظ {استعجالهم} الدال على المبالغة في التعجيل بما تفيده زياد السين والتاء لغير الطلب إذ لا يظهر الطلب هنا، وهو نحو قولهم: استأخر واستقدم واستجلَب واستقام واستبان واستجاب واستمتع واستكبر واستخفى وقوله تعالى: {أية : واستغشوا ثيابهم}تفسير : [نوح: 7]. ومعناه: تعجّلهم الخيرَ، كما حمله عليه في «الكشاف» للإشارة إلى أن تعجيل الخير من لدُنه. فليس الاستعجال هنا بمعنى طلب التعجيل لأن المشركين لم يسألوا تعجيل الخير ولا سألوه فحصل، بل هو بمعنى التعجل الكثير، كما في قول سُلْمِيّ بن رَبيعة: شعر : وإذا العذارَى بالدخان تقنَّعت واستعجلتْ نصب القدور فملت تفسير : (أي تعجلت)، وهو في هذا الاستعمال مثله في الاستعمال الآخر يتعدى إلى مفعول، كما في البيت وكما في الحديث «حديث : فاستعجلَ الموتَ».تفسير : وانتصب {استعجالهم} على المفعولية المطلقة المفيدة للتشبيه، والعامل فيه {يُعجل}. والمعنى: ولو يعجل الله للناس الشر كما يجعل لهم الخير كثيراً، فقوله: {استعجالهم} مصدر مضاف إلى مفعوله لا إلى فاعله، وفاعل الاستعجال هو الله تعالى كما دل عليه قوله: {ولو يعجل الله}. والباء في قوله: {بالخير} لتأكيد اللصوق، كالتي في قوله تعالى: {أية : وامسحوا برؤوسكم}تفسير : [المائدة: 6]. وأصله: استعجالهم الخير، فدلَّت المبالغة بالسين والتاء وتأكيد اللصوق على الامتنان بأن الخير لهم كثير ومكين. وقد كثر اقتران مفعول فعل الاستعجال بهذه الباء ولم ينبهوا عليه في مواقعه المتعددة. وسيجيء في النحل. وقد جعل جواب (لو) قوله: {لقضي إليهم أجلهم}، وشأن جواب (لو) أن يكون في حيز الامتناع، أي وذلك ممتنع لأن الله قدَّر لآجال انقراضهم ميقاتاً معيَّناً {أية : ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون}تفسير : [الحجر: 5]. والقضاء: التقدير. والأجل: المدة المعينة لبقاء قوم. والمعنى: لقضي إليهم حلول أجلهم. ولما ضمن (قضي) معنى بَلَغ ووصل عدي بـ(إلى). فهذا وجه تفسير الآية وسر نظمها، ولا يلتفت إلى غيره في فهمها. وهذا المعنى مثل معنى {أية : قُل لو أن عندي ما تستعجلون به لقُضي الأمر بيني وبينكم}تفسير : في سورة [الأنعام: 58]. وجملة: { فنذر الذين لا يرجون لقاءنا} الخ مفرعة على جملة {ولو يعجل الله للناس} إلى آخرها. وقرأ الجمهور {لقضي} بالبناء للنائب ورفعِ {أجلهم} على أنه نائب الفاعل. وقرأه ابن عامر ويعقوب بفتح القاف والضاد ونصب {أجلهم} على أن في (قضي) ضميراً عائداً إلى اسم الجلالة في قوله: {ولو يجعل الله للناس الشر} الخ. وجملة: {فنذر الذين لا يرجون لقاءنا} مفرعة على جملة (لو) وجوابها المفيدة انتفاء أن يعجل الله للناس الشر بانتفاء لازمه وهو بلوغ أجلهم إليهم، أي فإذا انتفى التعجيل فنحن نذر الذين لا يرجون لقاءنا يعمهون، أي نتركهم في مدة تأخير العذاب عنهم متلبسين بطغيانهم، أي فرطِ تكبرهم وتعاظمهم. والعمه: عدم البصر. وإنما لم ينصب الفعل بعد الفاء لأن النصب يكون في جواب النفي المحْض، وأما النفي المستفاد من (لو) فحاصل بالتضمن، ولأن شأن جواب النفي أن يكون مسبباً على المنفي لا على النفي، والتفريع هنا على مستفاد من النفي. وأما المنفي فهو تعجيل الشر فهو لا يُسبب أن يترك الكافرين يعمهون، وبذلك تعرف أن قوله: {فنذر} ليس معطوفاً على كلام مقدر وإنما التقديرُ تقدير معنى لا تقدير إعراب، أي فنترك المنكرين للبعث في ضلالهم استدراجاً لهم. وقوله: {في طغيانهم يعمهون} تقدم نظيره في قوله: {أية : ويمدهم في طغيانهم يعمهون}تفسير : في سورة [البقرة: 15]. والطغيان: الكفر. والإتيان بالموصولية في تعريف الكافرين للدلالة على أن الطغيان أشده إنكارهم البعث، ولأنه صار كالعلامة عليهم كما تقدم آنفاً.
الواحدي
تفسير : {ولو يعجل الله للناس الشرَّ...} الآية. نزلت في دعاء الرَّجل على نفسه وأهله وولده بما يكره أني يستجاب له، والمعنى: لو استجبتُ لهم في الشَّرِّ كما يحبُّون أن يستجاب لهم في الخير {لقضي إليهم أجلهم} لماتوا، وفُرغ من هلاكهم. نزلت في النَّضر بن الحارث حين قال: {أية : اللَّهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك...} تفسير : الآية. يدلُّ على هذا قوله: {فنذر الذين لا يرجون لقاءنا} يعني: الكفَّار الذين لا يخافون البعث. {وإذا مسَّ الإِنسان} يعني: الكافر {الضرُّ} المرض والبلاء {دعانا لجنبه} أَيْ: مضطجعاً {أو قاعداً أو قائماً فلما كشفنا عنه ضرَّه مرَّ} طاغياً على ترك الشُّكر {كأن لم يدعنا إلى ضرٍّ مسَّه} لنسيانه ما دعا الله فيه، وما صنع الله به {كذلك زين} كما زُيِّن لهذا الكافر الدُّعاء عند البلاء، والإِعراض عند الرَّخاء {زين للمسرفين} عملهم، وهم الذين أسرفوا على أنفسهم، إذ عبدوا الوثن. {ولقد أهلكنا القرون من قبلكم} يخوِّف كفار مكَّة بمثل عذاب الأمم الخالية {وما كانوا ليؤمنوا} لأنَّ الله طبع على قلوبهم جزاءً لهم على كفرهم {كذلك نحزي القوم المجرمين} نفعل بمَنْ كذَّب بمحمَّدٍ كما فعلنا بمَنْ قبلهم جزاءً لكفرهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الشر: كل ما فيه ضرر في العقل أو الجسم أو المال والولد، والخير عكسه: ما فيه نفع يعود على الجسم أو المال أو الولد. لقضي إليهم أجلهم: لهلكوا وماتوا. فنذر: أي نترك. في طغيانهم يعمهون: أي في ظلمهم وكفرهم يترددون لا يخرجون منه كالعميان. الضر: المرض وكل ما يضر في جسمه، أو ماله أو ولده. مر كأن لم يدعنا: مضى في كفره وباطله كأن لم يكن ذاك الذي دعا بكشف ضره. كذلك زين: مثل ذلك النسيان بسرعة لما كان يدعو لكشفه، زين للمسرفين إسرافهم في الظلم والشر. القرون: أي أهل القرون. بالبينات: بالحجج والآيات على صدقهم في دعوتهم. خلائف: أي لهم، تخلفونهم بعد هلاكهم. معنى الآيات: هذه الفترة التي كانت تنزل فيها هذه السورة المكية كان المشركون في مكة في هيجان واضطراب كبيرين حتى إنهم يطالبون بنزول العذاب عليهم إذ ذكر تعالى ذلك عنهم في غير آية من كتابه منها {أية : سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ}تفسير : [المعارج: 1] ومنها {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ}تفسير : [العنكبوت: 53] وفي هذا الشأن نزل قوله تعالى {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ} أي عند سؤالهم إياه، أو فعلهم ما يقتضيه كاستعجاله الخير لهم {لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} أي لهلكوا الهلاك العام وانتهى أجلهم في هذه الحياة، وقوله تعالى {فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي لم نعجل لهم العذاب فنذر الذين لا يرجون لقاءنا أي لا يؤمنون بلقائنا وما عندنا من نعيم وجحيم نتركهم في طغيانهم في الكفر والظلم والشر والفساد يعمهون حيارى يترددون لا يعرفون مُتجهاً ولا مخرجاً لما هم فيه من الضلال والعمى. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [11] أما الآية الثانية [12] فقد تضمنت بيان حقيقة وهي أن الإِنسان الذي يعيش في ظلمة الكفر ولم يستنر بنور الإِيمان إذا مسه الضر وهو المرض والفقر وكل ما يضر دعا ربه على الفور لجنبه أو قاعداً أو قائماً يا رباه يا رباه فإذا استجاب الله له وكشف ما به من ضر مرَّ كأن لم يكن مرض ولا دعا واستجيب له واستمر في كفره وظلمه وغيِّه. وقوله تعالى {كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي كما أن الإِنسان الكافر سرعان ما ينسى ربه الذي دعاه ففرج ما به كذلك حال المسرفين في الظلم والشر فإنهم يرون ما هم عليه هو العدل والخير ولذا يستمرون في ظلمهم وشرهم وفسادهم. هذا ما دل عليه قوله تعالى {كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. وقوله تعالى في الآية الثالثة {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} هذا خطاب لأهل مكة يخبرهم تعالى مهدداً إياهم بإمضاء سنته فيهم بأنه أهلك أهل القرون من قبلهم لَمَّا ظلموا أي أشركوا وجاءتهم رسلهم بالبينات أي بالآيات والحجج، وأبوْا أن يؤمنوا لِما ألفوا من الشرك والمعاصي فأهلكهم كعاد وثمود وأصحاب مدين وقوله تعالى {كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي مثل ذلك الجزاء بالإِهلاك العام نجزي القوم المجرمين في كل زمان ومكان إن لم يؤمنوا ويستقيموا. وقوله تعالى {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} أي يقول لمشركي العرب من أهل مكة وغيرها، ثم جعلناكم خلائف في الأرض بعد إهلاك من قبلكم لننظر كيف تعملون فإن كان عملكم خيراً جزيناكم به وإن كان سوءاً جزيناكم به وتلك سنتنا في عبادنا وما الله بغافل عما يعمل الظالمون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- مظاهر رحمة الله بعباده إذ لو عجل لهم ما يطلبون من العذاب كما يعجل لهم الخير عندما يطلبونه لأهلكم وقضى إليهم أجلهم فماتوا. 2- يعصي الله العصاةُ ويكفر به الكافرون ويتركهم في باطلهم وشرهم فلا يعجل لهم العذاب لعلهم يرجعون. 3- بيان أن الإِنسان الكافر يعرف الله عند الشدة ويدعوه ويضرع إليه فإذا نجاه عاد إلى الكفر به كأن لم يكن يعرفه. 4- استمرار المشركين على إسرافهم في الكفر والشر والفساد مُزين لهم حسب سنة الله تعالى فمثلهم مثل الكافر يدعو عند الشدة وينسى عند الفرج. 5- وعيد الله لأهل الإِجرام بالعذاب العاجل أو الآجل إن لم يتوبوا. 6- كل الناس أفراداً وأمماً مُمهَلُون مُراقَبُون في أعمالهم وسلوكهم ومَجزيون بأعمالهم خيرها وشرها لا محالة.
القطان
تفسير : الطغيان: مجاوزة الحد في الشر: يعمهون: يترددون في حيرتهم وضلالهم. القرون: جمع قرن ويطلق على كل مائة سنة، وفي كتب اللغة اختلاف كبير في تحديده. خلائف: جمع خليفة وهو من يخلف غيره. {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ}. لو أجاب اللهُ ما يستعجِلُ به الناسُ على أنفسِهم من الشرّ مثلَ استعجالِهم لِطلبِ الخير لأَهَلَكَهُم جميعا، ولكنّه يتلطّف بهم، فيرجئُ هلاكَهم، انتظاراً لما يظهر منهم حسب ما علمه فيهم، فّتتضح عدالتُه في جزائهم. وفي هذه الآية جواب لمشركي مكة الذين قالوا: اللهمّ إن كان ما يقولُ محمد حقّا في ادّعاء الرسالة فأَمطْر علينا حجارة من السماء. لقد استعجلوا وقوعَ الشر، كما يستعجلون الخير، ولكنّ الله أخّرهم الى ما أراده. {فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}. إننا ندعُ لا يتوقّعون لقاءَنا فيما هم فيه من طغيان في الكفر والتكذيب، يتردّدون فيه متحيّرين لا يهتدون سبيلاً للخروج منه. قراءات: قرأ ابن عامر ويعقوب: "لقَضى اليهم أجلهم" بفتح القاف والباقون "لقُضي اليهم أجلهم" بضم القاف. {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً}. واذا أصاب الانسانَ ضررٌ في نفسه او مالِه او نحوِ ذلك أحسَّ بضعفه، ودعا ربَّه على أي حال من أحواله: مضجِعاً لجنْبه، او هو قاعد، أو قائم على قدميه، حائراً في أمره - دعاه ان يكشف ما نزلَ به من مِحنته. {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ}. فلما استجاب الله له، فكشف عنه ضره وأزال عنه السوء، انصرف عن جانبِ الله، مضى في طريقِه واستمرَّ على عصيانه ونسيَ فضلَ الله عليه، كأن لم يصبْه ضرر، ولم يدعُ الله ليكشفَه عنه. {كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. وكمثلِ هذا المسْلك زُيَّن الشيطانُ للمشركين من طغاةِ مكّة وغيرِهم ما كانوا يعملون من سوءٍ وكفرٍ وعناد، وما اقترفوه من باطل. {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ}. بيّن هنا ما يجري مجرى التهديد، وهو أنه تعالى يُنزل بهم عذابَ الاستئصال كما حدَث للأمم الغابرة قبلَهم حتى يكون ذلك رادعاً لهم عن هذا الطلب. ولقد أهلكْنا كثيراً من الأمم السابقة قبلكم بسبب كفِرهم حين جاءتهم رسُلهم بالآياتِ الواضحة على صِدق دعوتِهم الى الإيمان، وما كان في عِلم الله أنهم سيؤْمنون، لإصرارهم على الكفر والعصيان. فاعتبِروا يا كفّارَ قريش، فكما اهلكنا مَن قبلكم، سنجزي المجرمين بإهلاكهم. {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}. ثم جعلناكم يا امة محمد خلفاء الأرض، تعمرُونها من بعدِ هؤلاء السابقين، لنختبركم ونرى ماذا تعملون في خلافتكم فنجازيكم به بمقتضى سُنّتنا فيمن قبلكم. وهذا واضح في ان هذه الخلافة منوطةٌ بالأعمال الصالحة والاستقامة والعدل والاحسان، حتى لا يغترَّ إنسان بما سيناله من مُلك او ولاية. وهذا كما قال تعالى: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} تفسير : [النور: 55].
د. أسعد حومد
تفسير : {طُغْيَانِهِمْ} (11) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ حِلْمِهِ وَلُطْفِهِ بِعِبَادِهِ، وَيَقُولُ إِنَّهُ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِذَا دَعَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَوْلاَدِهِمْ بِالشَّرِّ فِي حَالِ ضَجَرِهِمْ وَغَضَبِهِمْ، لأَِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لاَ يُرِيدُونَ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُمْ لُطْفاً مِنْهُ، وَرَحْمَةً بِهِمْ. أَمَّا إِذَا دَعَوا لأَِنْفُسِهِمْ وَأَوْلاَدِهِمْ بِالخَيْرِ وَالبَرَكَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَجِيبُ لَهُمْ. وَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَوِ اسْتَجَابَ لَهُمْ فِي كُلِّ دَعْوَةٍ تَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ لأَهْلَكَهُمْ. وَيَتْرُكُ اللهُ تَعَالَى الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، وَلاَ يَرْجُونَ لِقَاءَهُ فِي الآخِرَةِ، سَادِرِينَ فِي غَيِّهِمْ، مُسْتَمِرِّينَ فِي طُغْيَانِهِمْ، مُتَحَيِّرِينَ لاَ يَهْتَدُونَ إِلَى الخُرُوجِ مِمَّا هُمْ فِيهِ، حَتَّى يَجِيءَ اليَوْمُ الذِي وَعَدَهُمُ اللهُ بِهِ. (وَقَدْ يَكُونُ المَعْنَى: لَوْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُعَجِّلُ لِلنَّاسِ إِجَابَةَ دُعَائِهِمْ وَاسْتِعْجَالِهِمْ فِي الشَّرِّ فِيمَا فِيهِ مَضَرَّتُهُمْ، فِي النَّفْسِ وَالمَالِ وَالوَلَدِ - كَمَا اسْتَعْجَلَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ رَسُولَ اللهِ بِالعَذَابِ الذِي أَنْذَرَهُمْ بِهِ - كَاسْتِعْجَالِهِمْ بِالخَيْرِ الذِي يَطْلُبُونَهُ بِدُعَائِهِمْ اللهَ، لَقَضَى إِلَيْهِمْ أَجَلَهُمْ قَبْلَ وَقْتِهِ الطَّبِيعِيِّ المُحَدَّدِ لَهُمْ، كَمَا أَهْلَكَ الذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ، وَاسْتَعْجَلُوا بِالعَذَابِ مِنْ قَبْلِهِمْ). فِي طُغْيَانِهِمْ - فِي تَجَاوُزِهِم الحَدَّ فِي الكُفْرِ. يَعْمَهُونَ - يَعْمُونَ عَنِ الرُّشْدِ، أَوْ يَتَحَيَّرُونَ فِي الضَّلاَلَةِ. لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ - لأَهْلَكَهُمْ وَأَبَادَهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذه الآية تتناول قضية عقدية قد تكون شُغُل الناس الشاغل في الدعاء لله تعالى، وقد لا يُجاب دعاؤهم مع كثرة الدعاء، ويُحزنهم على أنفسهم، ويقول الواحد منهم: لماذا لا يقبل الله دعائي؟ أو يقع بعضهم في اليأس. ونقول لكل إنسان من هذا الفريق: لا، أنت تدعو، مرة تدعو بالشر ومرة تدعو بالخير، فلو أن الله سبحانه وتعالى قد أجابك في جميع الدعاء، فسوف يجيب دعاءك في الشر ودعاءك في الخير، ولو أن الله سبحانه وتعالى عجَّل لك دعاء الشر، كما تحب أن يُعجَّل لك دعاء الخير، لَقُضِي إليك أجلك وانتهت المسألة، وهناك من قالوا: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32]. ولو استجاب الحق لمثل هذا الدعاء، لكان وبالاً على مَنْ دعوا ذلك الدعاء. إذن: فمن مصلحتك حين تدعو على نفسك أو تدعو بأي وبال ألا يجيبك الله تعالى، وافهم أن لله تعالى حكمة في الإجابة؛ لأنه سبحانه وتعالى مُنزَّه عن أن يكون موظفاً عند الخلق، ومَن يدعُهُ بشيء يجبه عليه، بل لا بد من مشيئته سبحانه في تقرير لون الإجابة؛ لأنه لو كان الأمر عكس ذلك لانتقلت الألوهية للعبد. لقد صان الحق سبحانه عباده بوضع رقابة على الدعاء؛ وأنت تعتقد أن دعاءك بخير، ولكن رقابة الحق سبحانه التي تعلم كل شيء أزلاً تكاد أن تقول لك: لا، ليس خيراً. وانتظر الخير بعدم استجابة دعائك؛ لأنه القائل سبحانه: {أية : وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ...} تفسير : [البقرة: 216]. إذن: فمعرفتك ليست نهائية في تقرير الخير والشر؛ لذلك دَعِ الإلهَ الأعلى - وهو المأمون عليك - أن يستجيب أو لا يستجيب لما تدعوه وأنت في ظنك أنه الخير، فالمعرفة العليا هي التي تفرق بين الخير والشر، وفي المنع - أحياناً - عين العطاء؛ ولذلك يقول الحق: {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} تفسير : [الإسراء: 11]. وقد تلحّ في دعاء لو استجيب لك؛ لكان شرّاً. والله سبحانه يعلم ما هو الخير لك، وهو سبحانه يجيب أحياناً بعض خلقه في أشياء كان الإنسان منهم يتمنى أن توجد، ثم يكتشف الإنسان أنها لم تكن خيراً، وأحياناً يأتي لك بأشياء كنت تظن أنها شر لك، فتجد فيها الخير. وهكذا يصحّح لك الحق سبحانه بحكمته تصرفاتك الاختيارية. وقد قال الكافرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم. {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32]. ومن قالوا هذا القول هم: العاص بن وائل السهمي، والوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد المطلب والأسود بن عبد يهود، وكانوا قد وصلوا إلى قمة الاضطراب؛ فهم قد اضطربوا أولاً حين اتهموه بأنه ساحر، ولم ينتبهوا إلى غباء ما يقولون؛ لأنه إن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدرة السحر؛ فلماذا لم يسحرهم هم ليؤمنوا أيضاً؟ واضطربوا مرة ثانية، وحاولوا أن يقولوا: إن القرآن شعر، أو له طبيعة الشعر والكلام المسجوع، والقرآن ليس كذلك. ولو أن جماعة غيرهم قالت مثل هذا القول لكان لهم عذرهم لأنهم ليسوا أهل لغة، أما هؤلاء فهم قوم أهل دُرْبة على الفصاحة والبلاغة، وكانوا يعقدون أسواق الشعر والخطابة، ثم اضطربوا مرة ثالثة، وحاولوا الطعن في مكانه محمد صلى الله عليه وسلم وهم يُقروّن بعظمة القرآن؛ فقالوا: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. والحق سبحانه وتعالى حينما يتعرض لحادثة وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مع الكافرين؛ لا يقتصر في الحدث على ما وقع، ولكنه يعالج قضية عامة كونية إلى أن تقوم الساعة، ويجعل الحدث الحاصل في زمنه سبباً فقط؛ ليعطي عموم الحكم في كل زمان وفي كل مكان. وإلا اقتصر الأمر على معالجة حدث وقع لشخص الحدث وشخص الحكم في القوم الموجودين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد جاء القرآن للناس كافة، وجاء للزمان عامة، فلا بد أن تكون القضية المعروضة - أيّ قضية - أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوم عاصروه لها سبب خاص، ولكن العبرة بعموم الموضوع لا بخصوص السبب. ويعالج الله سبحانه وتعالى في هذه المسألة الشخصية من هؤلاء الذين قالوا ذلك قضيةً كونيةً ستظل إلى أن تقوم الساعة. فقد دَعَوْا على أنفسهم: {أية : إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32]. كما قال قوم عاد لهود: {أية : أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} تفسير : [الأعراف: 70]. إذن: هم قد دعوا بشرٍّ على أنفسهم. ويعالج الله قضية الدعاء بالخير أو الدعاء بالشرّ، لأن الإنسان قد يضيق ذَرْعاً بأمور تحيط بذاته أو بالمحيط به؛ فإذا ضاق ذرعاً بأمور تحيط به في ذاته من ألم كمرض - مثلاً، أو عاهة لا يقوى على الصبر عليها، أو لا يقوى على تحمّلها؛ فيقول: "يا رب، أرحني يا رب"، وهو هنا يدعو على نفسه بالموت. فلو أن الله سبحانه وتعالى استجاب دعاءه لَقُضيت المسألة. ولكن الله هو الحكيم العزيز، لا يأتمر بأمر أحد من خلقه، ولا يعجل بعَجَلة العباد، وكما يؤجل لك استجابته لدعوة الخير منك، فهو يؤجل أيضاً إجابتك لدعوة الشرّ منك على نفسك؛ وفي ذلك رحمة منه سبحانه. وإذا كنت تقول: أنا أدعو بالخير، والله سبحانه وتعالى لا يعطيني، فخذ مقابلها: أنك تدعو بالشرّ على نفسك، ولا يجيبك الله. ثم ألا يضيق الأب أحياناً ذَرْعاً بمن حوله، فيقول: فليأخذني الله؛ لأستريح من وجوهكم؟ هَبْ أن الله سبحانه أجابه إلى هذه الدعوة، فماذا يكون الموقف؟ وقد تجد من يقول: يا رب أصبني بالعمى فلا أراهم، أو تدعو المرأة على نفسها أو على أولادها. وأنتم تحبون أن يجيب الله تعالى دعاءكم، فلو كان يجيبكم على دعاء الشرّ لانتهت حياتكم إلى الفزع، مثل هذه الأم التي تدعو بالمتناقضات فتقول لولدها - مثلاً: "ربنا يسقيني نارك" فتطلب السُّقيا بالنار، رغم أن السُّقيا للرِّي، والنار للحرارة. إذن: قد يضيق الإنسان ذرعاً بنفسه، أو يضيق ذرعاً بمن حوله؛ فيدعو على نفسه بالشرّ، وحين يدعو الإنسان فيجب عليه أن ينزّه الحق سبحانه وتعالى عن أن ينفذ ما يدعو العبد به دون أن يمر الدعاء على حكمته سبحانه وتعالى. {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ}، فكما قبلتم أن يؤجل الله تعالى لكم دعاء الشر على أنفسكم؛ فاقبلوا منه تأجيل دعائكم بالخير؛ لأن الخير فيما تطلبون غير الخير فيما يعلم الله؛ فهو العليم الخبير. وقد تطلب خيراً تعلمه ولكن الله يعلم فيه شراً؛ فمن مصلحتك ألا يجيبك. وكما تحترم عدم إجابته لك في الشر على نفسك، أو على من تحب، فاحترم عدم إجابته لك فيما تظنه خيراً لك، أو لمن تحب؛ لأن الله لا يعجل بعجله عباده؛ لأنه سبحانه هو الذي خلقهم، وهو أعلم بهم، فهو القائل: {أية : خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ...} تفسير : [الأنبياء: 37]. وهو سبحانه القائل: {أية : سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} تفسير : [الأنبياء: 37]. والحق سبحانه لو استجاب لهؤلاء الذين دعوا: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً ...} تفسير : [الأنفال: 32]. لكانت نهايتهم بجنس ما دعوا به، وقُضي عليهم، ثم انتهوا بعد ذلك إلى عذاب الجحيم. ولكن الحق سبحانه شاء لهم البقاء؛ ليؤمن من يختار الإيمان، أما من اختار الكفر؛ فعليه أن يتحمّل تبعة الطغيان التي تتمثل في أن الواحد منهم لا يختار الكفر فقط، بل يتجاوز الحد، ويطلب ممن آمن أن يرتد عن إيمانه، وفي ذلك مجاوزة للحد؛ ولذلك فهم يعمهون في هذا الطغيان، أي: تتكاثر عليهم الظروف، ويثبت - لهم ولمن بعدهم - عجز الكفر عن مواجهة قدرة الحق. وفي الحياة أمثلة - ولله المثل الأعلى - فهناك من يملك عدوه، فيضربه؛ لكنه لا يقتله، ثم يتكرر من هذا الخصم الإساءة، فيضربه من جديد، ثم تتكرر الإساءة فيضربه، وهو لا يقتله أبداً ليداوم على إذلاله، والقويّ لا يقتل خصمه، بل يؤلمه؛ فلا يرفع الخصم رأسه. والحق سبحانه يقول: {فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}. أي: أن الحق سبحانه يترك أهل الباطل؛ لتتجمع عليهم سيئاتهم، ويذوقون ويل خصومة الإسلام فلا يرفعون رءوسهم؛ لأن أهل الإسلام يردّون لهم الإساءة مضاعفة، ولسوف ييأس أهل الباطل من أنهم سينتصرون على الحق بأي شكل وبأي لون. وهم مهما تحايلوا في أساليب النكاية في الإسلام، تجد الحق سبحانه وتعالى ينصر المسلمين. والمثل أمامنا من سيرته حين أمره الحق سبحانه بأن يهاجر، وكان الكفار يحاصرون بيته بشباب من القبائل، فخرج صلى الله عليه وسلم ولم يشعروا، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : شاهت الوجوه ". تفسير : وشاء سبحانه ذلك؛ ليعلموا أنهم لن يستطيعوا الانتصار على محمد صلى الله عليه وسلم، لا بالمواجهة، ولا بتبييت المكر. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} معناه لَفُرغَ مِنهُ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن كرمه بالبر مع أهل الشريعة بقوله: {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} [يونس: 11] إلى قوله: {كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 14]. اعلم أن في قوله: {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ} إشارة إلى أن الشر من نتائج أخلاق الناس وأوصافهم الذميمة النفسانية ليس له مدد من الله ليظهر أثره فيهم عاجلاً، بل يكلهم الله إلى أنفسهم والصفات المجبولة عليها، والخير كله من نتائج نظر العناية الربانية يستمده من بحر الفضل والكرم، فيظهر أثره فيهم آجلاً وهو سر قوله تعالى: "حديث : سبقت رحمتي على غضبي"،تفسير : ولو كان السبق للغضب والقهر؛ لقضى إليهم أجلهم بهلاك الصورة، والمعنى يدل على هذا التأويل قوله تعالى: {فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} [يونس: 11] أي: الذين لا يشتاقون إلى لقائنا فيسلكون طريق وصلنا على أقدام الخيرات، {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [يونس: 11] المعنى: فنذرهم بالخذلان إلى طغيان نفوسهم الأمارة بالسوء، متحيزين في دينه ضلالة النفوس؛ ليزدادوا شراً مع شرهم، فيظهر أثره فيهم بالتدريج آجلاً. وفي قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً} [يوسن: 12] أشار إلى خاصية نفس الإنسان أنها لا ترجع إلى الله طبعاً إلا في مقام الحاجة الضرورية بالاضطرار في أية حالة يكون من حالاتها، {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ} [يونس: 12] أي: إذا استجبنا دعاءها وقضينا حاجتنا، {مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ} [يونس: 12] عاد المشئوم إلى طبعه، فرجعت قهقهري إلى خاصية أنانيتها وهي نسيان حضرتنا وكفران نعمتنا، إن الإنسان لظلومٌ كفار، {كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ} [يونس: 12] أي: للمقصرين في محبتنا وطلبنا والمجاوزين عن حد محبة غيرنا وطلب ما سوانا، {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [يونس: 12] من الإسراف في تركنا وطلب غيرنا. {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} [يونس: 13] أي: أوضعوا محبتنا وطلب لقائنا في غير موضعها من الدنيا والآخرة وما فيهما، {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} بالحجج القاطعة قالاً وحالاً؛ ليدلوهم بها إلى محبتنا وطلبنا، {وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} [يونس: 13] بتلك الحجج؛ ليهتدوا إلينا بنور الإيمان إذ وكلناهم إلى أنفسهم بالخذلان، {كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ} [يونس: 13] فكلهم إلى أنفسهم بشؤم جرائمهم فهلكهم كما هلكنا القرون الماضية في متابعة أهوائهم واستغراقهم في طلب شهواتهم، {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ} [يونس: 14] يا أمة محمد {خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم} [يونس: 14] أي: من إهلاكهم به يشير إلى أن لهذه الأمة اختصاصاً باستحقاق الخلافة الحقيقية التي أودعها في آدم عليه السلام بقوله تعالى: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}تفسير : [البقرة: 30] ولهذا السر ما كان في أمة من الأمم من الخلفاء ما كان في هذه الأمة بالصورة والمعنى، {لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 14] في خلافتنا، ثم اعلم أن المخالفة صورة ومعنى كما أن صورة الخلافة مبنية على الحكم بين الرغبة بالعدل والسوية وقانون الشرع والاجتناب من متابعة الهوى والطبع، كذلك معنى الخلافة مبينة على الحكم بين الرغبة المعنوية وهي: الجوارح والأعضاء والقلب والروح والسر والنفس وصفاتها وأخلاقها والحواس الخمسة والقوى النفسانية والخلق كما كان سيرة الأنبياء - عليهم السلام - وخواص الأولياء في طلب الحق ومجانية الباطل، وترك ما سوى الله للوصول إلى الله، وسيأتي شرحها في موضعه إن شاء الله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا من لطفه وإحسانه بعباده، أنه لو عجل لهم الشر إذا أتوا بأسبابه، وبادرهم بالعقوبة على ذلك، كما يعجل لهم الخير إذا أتوا بأسبابه { لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } أي: لمحقتهم العقوبة، ولكنه تعالى يمهلهم ولا يهملهم، ويعفو عن كثير من حقوقه، فلو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة. ويدخل في هذا، أن العبد إذا غضب على أولاده أو أهله أو ماله، ربما دعا عليهم دعوة لو قبلت منه لهلكوا، ولأضره ذلك غاية الضرر، ولكنه تعالى حليم حكيم. وقوله: { فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا } أي: لا يؤمنون بالآخرة، فلذلك لا يستعدون لها، ولا يعلمون ما ينجيهم من عذاب الله، { فِي طُغْيَانِهِمْ } أي: باطلهم، الذي جاوزوا به الحق والحد. { يَعْمَهُونَ } يترددون حائرين، لا يهتدون السبيل، ولا يوفقون لأقوم دليل، وذلك عقوبة لهم على ظلمهم، وكفرهم بآيات الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):