١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
34
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو الحجة الثانية، وتقريرها ما شرح الله تعالى في سائر الآيات من كيفية ابتداء تخليق الإنسان من النطفة والعلقة والمضغة وكيفية إعادته، ومن كيفية ابتداء تخليق السموات والأرض، فلما فصل هذه المقامات، لا جرم اكتفى تعالى بذكرها ههنا على سبيل الإجمال، وههنا سؤالات: السؤال الأول: ما الفائدة في ذكر هذه الحجة على سبيل السؤال والاستفهام والجواب: أن الكلام إذا كان ظاهراً جلياً ثم ذكر على سبيل الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤول، كان ذلك أبلغ وأوقع في القلب. السؤال الثاني: القوم كانوا منكرين الإعادة والحشر والنشر فكيف احتج عليهم بذلك؟ والجواب: أنه تعالى قدم في هذه السورة ذكر ما يدل عليه، وهو وجوب التمييز بين المحسن وبين المسيء وهذه الدلالة ظاهرة قوية لا يتمكن العاقل من دفعها، فلأجل كمال قوتها وظهورها تمسك به سواء ساعد الخصم عليه أو لم يساعد. السؤال الثالث: لم أمر رسوله بأن يعترف بذلك، والإلزام إنما يحصل لو اعترف الخصم به؟ والجواب: أن الدليل لما كان ظاهراً جلياً، فإذا أورد على الخصم في معرض الاستفهام، ثم إنه بنفسه يقول الأمر كذلك، كان هذا تنبيهاً على أن هذا الكلام بلغ في الوضوح إلى حيث لا حاجة فيه إلى إقرار الخصم به، وأنه سواء أقر أو أنكر، فالأمر متقرر ظاهر. أما قوله: {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } فالمراد التعجب منهم في الذهاب عن هذا الأمر الواضح الذي دعاهم الهوى والتقليد أو الشبهة الضعيفة إلى مخالفته، لأن الإخبار عن كون الأوثان آلهة كذب وإفك، والاشتغال بعبادتها- مع أنها لا تستحق هذه العبادة- يشبه الإفك.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ} أي آلهتكم ومعبوداتكم. {مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي قل لهم يا محمد ذلك على جهة التوبيخ والتقرير؛ فإن أجابوك وإلا فـ {قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} وليس غيره يفعل ذلك. {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} أي فكيف تنقلبون وتنصرفون عن الحق إلى الباطل.
البيضاوي
تفسير : {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} جعل الإعادة كالإبداء في الإلزام بها لظهور برهانها وإن لم يساعدوا عليها، ولذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينوب عنهم في الجواب فقال {قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} لأن لجاجهم لا يدعهم أن يعترفوا بها. {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} تصرفون عن قصد السبيل.
ابن كثير
تفسير : وهذا إبطال لدعواهم فيما أشركوا بالله غيره، وعبدوا من الأصنام والأنداد {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي: من بدأ خلق هذه السموات والأرض، ثم ينشىء ما فيهما من الخلائق، ويفرق أجرام السموات والأرض، ويبدلهما بفناء ما فيهما، ثم يُعيد الخلق خلقاً جديداً؟ {قُلِ ٱللَّهُ} هو الذي يفعل هذا، ويستقل به وحده لا شريك له {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} أي: فكيف تصرفون عن طريق الرشد إلى الباطل؟ {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِىۤ إِلَى ٱلْحَقِّ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ} أي: أنتم تعلمون أن شركاءكم لا تقدر على هداية ضال، وإنما يهدي الحيارى والضلال ويقلب القلوب من الغي إلى الرشد الله الذي لا إله إلا هو {أَفَمَن يَهْدِىۤ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّىۤ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ} أي: أفيتبع العبد الذي يهدي إلى الحق ويبصر بعد العمى، أم الذي لا يهدي إلى شيء إلا أن يهدى؛ لعماه وبكمه؛ كما قال تعالى إِخباراً عن إبراهيم أنه قال: {أية : يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً} تفسير : [مريم: 42] وقال لقومه: {أية : قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} تفسير : [الصافات:95-96] إلى غير ذلك من الآيات، وقوله: {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} أي: فما بالكم أن يذهب بعقولكم كيف سويتم بين الله وبين خلقه، وعدلتم هذا بهذا، وعبدتم هذا وهذا، وهلا أفردتم الرب جل جلاله المالك الحاكم الهادي من الضلالة بالعبادة وحده، وأخلصتم إليه الدعوة والإنابة، ثم بين تعالى أنهم لا يتبعون في دينهم هذا دليلاً ولا برهاناً، وإنما هو ظن منهم، أي: توهم وتخيل، وذلك لا يغني عنهم شيئاً، {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} تهديد لهم ووعيد شديد؛ لأنه تعالى أخبر أنه سيجازيهم على ذلك أتم الجزاء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } تصرفون عن عبادته مع قيام الدليل؟.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً} هم رؤساؤهم. {إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِ شَيْئاً} في الظن وجهان: أحدهما: أنه منزلة بين اليقين والشك، وليست يقيناً وليست شكاً. الثاني: إن الظن ما تردد بين الشك واليقين وكان مرة يقيناً ومرة شكاً.
ابن عطية
تفسير : هذا توقيف أيضاً على قصور الأصنام وعجزها، وتنبيه على قدرة الله عز وجل، و" بدء الخلق " يريد به إنشاء الإنسان في أول أمره، و" إعادته " هي البعث من القبور، و {تؤفكون } معناه: تصرفون وتحرمون، تقول العرب: أرض مأفوكة إذا لم يصبها مطر فهي بمعنى الخيبة والقلب، كما قال {أية : والمؤتفكة أهوى} تفسير : [النجم: 53] وقوله تعالى {قل هل من شركائكم من يهدي} الآية، {يهدي إلى الحق } يريد به يبين الطرق والصواب ويدعو إلى العدل ويفصح بالآيات ونحو هذا، ووصف الأصنام بأنها لا تهدي إلا أن تهدى، ونحن نجدها لا تهتدي وإن هديت، فوجه ذلك أنه عامل في العبارة عنها معاملتهم في وصفها بأوصاف من يعقل وذلك مجاز وموجود في كثير من القرآن، وذكر ذلك أبو علي الفارسي، والذي أقول: إن قراءة حمزة والكسائي تحتمل أن يكون المعنى أمن لا يهدي أحداً إلا أن يهدى ذلك الأحد بهداية من عند الله، وأما على غيرها من القراءات التي مقتضاها " أمن لا يهتدي إلا أن يهدى " فيتجه المعنى على ما تقدم لأبي علي الفارسي، وفيه تجوز كثير، وقال بعضهم: هي عبارة عن أنها لا تنتقل إلا أن تنقل، ويحتمل أن يكون ما ذكر الله من تسبيح الجمادات هو اهتداؤها ويحتمل أن يكون الاستثناء في اهتدائها إلى مناكرة الكفار يوم القيامة، حسبما مضى في هذه السورة، وقراءة حمزة والكسائي هي " يَهْدي " بفتح الياء وسكون الهاء، وقرأ نافع وأبو عمرو وشيبة والأعرج وأبو جعفر " يَهْدّي " بسكون الهاء وتشديد الدال، وقرأ ابن كثير وابن عامر " يَهَدي " بفتح الياء والهاء، وهذه أفصح القراءات، نقلت حركة تاء " يهتدي " إلى الهاء وأدغمت التاء في الدال، وهذه رواية ورش عن نافع وقرأ عاصم في رواية حفص "يَهِدّي" بفتح الياء وكسر الهاء وشد الدال، أتبع الكسرة الكسرة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، " يِهِدّي" بكسر الياء والهاء وشد الدال وهذا أيضاً إتباع وقال مجاهد: الله يهدي من الأوثان وغيرها ما شاء. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقرأ يحيى بن الحارث الزماري. " إلا أن يهَدّي" بفتح الهاء وشد الدال، ووقف القراء {فما لكم } ، ثم يبدأ {كيف تحكمون } ، وقوله {وما يتبع أكثرهم } ، إخبار عن فساد طرائقهم وضعف نظرهم وأنه ظن، ثم بين منزلة الظن من المعارف وبعده من الحق، و {الظن} في هذه الآية على بابه في أنه معتقد أحد جائزين لكن ثم ميل إلى أحدهما دون حجة تبطل الآخر، وجواز ما اعتقده هؤلاء إنما هو بزعمهم لا في نفسه. بل ظنهم محال في ذاته. و {الحق} أيضاً على بابه في أنه معرفة المعلوم على ما هو به. وبهذه الشروط " لا يغني الظن من الحق شيئاً ". وأما في طريق الأحكام التي تعبد الناس بظواهرها فيغني الظن في تلك الحقائق ويصرف من طريق إلى طريق. والشهادة إنما هي مظنونة. وكذلك التهم في الشهادات وغيرها تغني. وليس المراد في هذه الآية هذا النمط. وقرأ جمهور الناس. " يفعلون " وقرأ عبد الله بن مسعود " تفعلون " بالتاء على مخاطبة الحاضر.
النسفي
تفسير : {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَبْدَؤُا ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } إنما ذكر {ثم يعيده} وهم غير مقرين بالإعادة، لأنه لظهور برهانها جعل أمراً مسلماً على أن فيهم من يقر بالإعادة أو يحتمل إعادة غير البشر كإعادة الليل والنهار وإعادة الإنزال والنبات {قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } أمر نبيه بأن ينوب عنهم في الجواب يعني أنهم لا تدعهم مكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق فكلهم عنهم {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } فكيف تصرفون عن قصد السبيل. {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ } يرشد إليه {قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقّ أَفَمَن يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ } يقال هداه للحق وإلى الحق فجمع بين اللغتين ويقال هدى بنفسه بمعنى اهتدى كما يقال شرى بمعنى اشترى، ومنه قراءة حمزة وعلي {أمن لا يهدي} بمعنى يهتدي {لا يَهّدىِ} بفتح الياء والهاء وتشديد الدال: مكي وشامي وورش، وبإشمام الهاء فتحة: أبو عمرو، وبكسر الهاء وفتح الياء: عاصم غير يحيى، والأصل {يهتدي} وهي قراءة عبد الله فأدغمت التاء في الدال وفتحت الهاء بحركة التاء وكسرت لالتقاء الساكنين، وبكسر الياء والهاء وتشديد الدال: يحيى لاتباع ما بعدها وبسكون الهاء وتشديد الدال مدني غير ورش، والمعنى أن الله وحده هو الذي يهدي للحق بما ركب في المكلفين من العقول وأعطاهم من التمكين للنظر في الأدلة التي نصبها لهم، وبما وفقهم وألهمهم ووقفهم على الشرائع بإرسال الرسل، فهل من شركائكم - الذين جعلتم أنداداً لله - أحد يهدي إلى الحق مثل هداية الله؟ ثم قال: {أفمن يهدي إلى الحق أحق} بالاتباع أم الذي لا يهدي أي لا يهتدي بنفسه أولا يهدي غيره إلا أن يهديه الله. وقيل: معناه أم من لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه إلا أن يهدي إلا أن ينقل، أولا يهتدي ولا يصح منه الاهتداء إلا أن ينقله الله من حاله إلى أن يجعله حياً ناطقاً فيهديه {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } بالباطل حيث تزعمون أنهم أنداد الله
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ...} الآية توقيفٌ على قصور الأصنامِ وعَجْزِها، وتنبيهٌ على قدرة اللَّه عزَّ وجلَّ، و{تُؤْفَكُونَ }: معناه: تُصْرَفُونَ وتُحْرَمُونَ، وأرضٌ مَأْفُوكَةٌ؛ إِذا لم يُصِبْها مَطَرٌ، فهي بمعنى الخَيْبَةِ. وقوله تعالى: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى ٱلْحَقِّ}: أي: يبيِّن طرق الصواب، ثم وصف الأصنام بأنها لا تَهْدِي إِلا أنْ تُهْدَى. وقوله: {إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ }: فيه تَجوُّز، لأنا نجدها لا تُهْدَى وإِنْ هُدِيَتْ، وقال بعضهم: هي عبارة عن أنها لا تنتقلُ إِلا أنْ تُنْقَلَ، ويحتمل أنْ يكون ما ذَكَرَ اللَّه مِنْ تسبيح الجمادَاتِ هو ٱهتداؤُهَا، وقرأ نافع وأبو عمرو: «يَهْدِّي» - بسكون الهاء، وتشديد الدَّال -، وقرأ ابن كثير وابنُ عامر: يَهَدِّي - بفتح الياء والهاء، وتشديد الدَّال - وهذه رواية وَرْشٍ عن نافعٍ، وقرأ حمزة والكسائي: «يَهْدِي» - بفتح الياءِ، وسكون الهاء - ومعنى هذه القراءة: «أَمَّنْ لا يَهْدِي أَحداً إِلا أَن يُهْدى ذلك الأَحْدُ، ووقف القُرَّاء: {فَمَا لَكُمْ }، ثم يبدأ: {كَيْفَ تَحْكُمُونَ }. وقوله سبحانه: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا...} الآية: أخبر اللَّه سبحانه عن فساد طريقتهم، وضَعْفِ نَظَرِهم، وأنه ظَنٌّ، ثم بيَّن منزلة الظنِّ من المعارف، وبُعْدَهُ عن الحقِّ.
ابن عادل
تفسير : قوله - تعالى - {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} الآية. هذه هي الحجَّة الثانية عليهم. فإن قيل: القوم كانوا منكرين الإعادة، والحشر، والنشر، فكيف احتجَّ عليهم بذلك؟ فالجواب: أنَّه - تعالى - قدَّم في هذه السورة ما يدلُّ عليه، وهو وجوب التمييز بين المُحْسِن والمُسيءِ، وهذه الدَّلالة دلالةٌ ظاهرةٌ قويَّة، لا يمكن للعاقل دفعها؛ فلأجْلِ قُوَّتها، وظهورها تمسَّك بها، سواء الخَصْم عليها، أو لا. فإن قيل: لِمَ أمر رسوله أن يعترف بذلك، والإلزام إنَّما يحصلُ لو ا عترف الخصمُ به؟. فالجوابُ: أنَّ الدَّليل لمَّا كان ظاهراً جليّاً، فإذا أورد على الخَصْم في معرض الاستفهام، كأنَّه بنفسه يقول: الأمر كذلك، فكان هذا تنبيهاً، على أنَّ هذا الكلام بلغ في الوُضوح، إلى حيث لا حاجة فيه إلى إقرار الخصم به، وأنَّه سواء أقرَّ، أو أنكَرَ، فالأمرُ متقرِّر ظاهرٌ. قوله: {قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ}: هذه الجملةُ جوابٌ لقوله: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}، وإنَّما أتى بالجواب جملة اسمية، مصرَّحاً يجزأيها، مُعَاداً فيها الخبر، مطابقاً لخبر اسم الاستفهام؛ للتأكيد، والتَّثبيتِ، ولمَّا كان الاستفهام قبل هذا، لا مندوحة لهُم عن الاعتراف به، جاءت الجملةُ محذوفاً منها أحدُ جزأيها، في قوله: {أية : فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ}تفسير : [يونس:31]، ولم يَحْتَجْ إلى التَّأكيد بتصريح جزأيها. فصل قال القرطبيُّ: ومعنى الآية: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ} ينشئه من غير أصل، ولا سبق مثال: "ثُمَّ يُعِيدُهُ": يُحْييه بعد الموت كهَيْئتِهِ، فإن أجابُوك، وإلاَّ فـ {قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}، ثم قال: {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} أي: تصرفون عن قصد السَّبيل، والمُراد: التَّعجُّب منهم في الدُّنْيَا من هذا الأمر الواضح الذي دعاهُم الهوى والتَّقليد إلى مخالفته؛ لأنَّ الإخبار عن كون الأوثان آلهةً كذب، وإفكٌ الاشتغال بعبادتها، مع أنَّها لا تستحق العبادة أيضاً إفكٌ. قوله تعالى: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ} الآية. وهذه حجَّة ثالثة. واعلم أنَّ الاستدلالَ على وجودِ الصَّانع بالخلق أولاً، ثم بالهداية ثانياً، عادة مُطَّردة في القرآن، قال - تعالى - حكاية عن الخليل عليه الصلاة والسلام: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء:78]، وحكى عن موسى - عليه الصلاة والسلام - في جوابه لفرعون: {أية : رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}تفسير : [طه:50]، وأمر محمَّداً - عليه الصلاة والسلام - فقال: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ}تفسير : [الأعلى:1-3]. واعلم أنَّ الإنسان له جسدٌ وروحٌ، فالاستدلال على وجود الصَّانع بأحوال الجسد، هو الخلق، والاستدلال بأحوال الرُّوح، هو الهدايةُ. والمقصودُ من خلق الجسدِ: حصول الهداية للرُّوح، كما قال - تعالى -: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}تفسير : [النحل:78]، وهذا كالتَّصريح بأنَّه تعالى إنَّما خلق الجسد، وأعطى الحواسّ؛ لتكون آلة في اكتساب المعارف، والعلم. قوله: {يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ}، قد تقدَّم في أول الكتاب: أنَّ "هَدَى" يتعدَّى إلى اثنين ثانيهما: إمَّا باللاَّم أو بإلى، وقد يحذفُ الحرفُ تخفيفاً [الفاتحة:6]، وقد جمع بين التعديتين هنا بحرف الجر، فعدَّى الأول والثالث بـ "إلى"، والثاني باللاَّم، وحذف المفعول الأول من الأفعال الثلاثة، والتقدير: هل من شركائكم من يهدي غيره إلى الحق، قل الله يهدي من يشاء للحقِّ، أفمنْ يهدي غيره إلى الحقِّ، وزعم الكسائي، والفرَّاء، وتبعهما الزمخشري: أنَّ "يَهْدِي" الأول قاصرٌ، وأنَّه بمعنى: اهتدى، وفيه نظر؛ لأنَّ مقابله، وهو {قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ} متعدٍّ، وقد أنكر المبرِّدُ أيضاً مقالة الكسائي، والفراء، وقال: لا نَعْرِفُ "هَدَى" بمعنى: "اهتدى". قال شهاب الدِّين "الكسائي والفرَّاء أثبتاه بما نقلاه، ولكن إنَّما ضعف ذلك هنا؛ لما ذكرتُ لك من مقابلته بالمتعدِّي، وقد تقدَّم أنَّ التعدية بـ "إلى" أو اللاَّم، من باب التَّضمن في البلاغة، ولذلك قال الزمخشري: "يقال: هداه للحقِّ وإلى الحقِّ، فجمع بين اللغتين"، وقال غيره: "إنَّما عدَّى المسند إلى الله باللاَّم؛ لأنَّها أدلُّ في بابها على المعنى المراد من "إلى"؛ إذ أصلها لإفادة الملك، فكأنَّ الهداية مملوكةٌ لله - تعالى -". وفيه نظر؛ لأنَّ المراد بقوله: {أَفَمَن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ} هو الله - تعالى -، مع تعدِّي الفعل المسند إليه بـ "إلى". قوله: {أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ}: خبرٌ لقوله: "أَفَنْ يَهْدِيۤ"، و "أنْ" في موضع نصبٍ، أو جرٍّ بعد حذف الخافض، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ، وتقدير هذا كلّه: أفمن يهدي إلى الحقِّ أحقُّ بأن يُتَّبَع ممَّن لا يهدي. ذكر ذلك مكِّي بن أبي طالب، فجعل "أحَقُّ" هنا على بابها من كونها للتفضيل، وقد منع أبو حيَّان كونها للتَّفضيل، فقال: و "أحَقُّ" ليست للتفضيل، بل المعنى: "حَقيقٌ بأن يُتَّبع"، وجوَّز مكِّي أيضاً في المسألة وجهين آخرين: أحدهما: أن تكون "مَنْ" مبتدأ أيضاً، و "أنْ" في محلِّ رفعٍ، بدلاً منها بدل اشتمال، و "أحَقُّ" خبرٌ على ما كان. والثاني: أن يكون "أنْ يُتَّبَع" في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و "أحَقُّ" خبره مقدَّمٌ عليه. وهذه الجملة خبر لـ "مَنْ يَهْدِي"، فتحصَّل في المسألة ثلاثة أوجُه. قوله: {أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ}: نسقٌ على "أفَمَنْ"، وجاء هنا على الأفصح، مِنْ حيث إنَّهُ قد فصل بين "أمْ" وما عُطفتْ عليه بالخبر، كقولك: أزَيْدٌ قائمٌ أم عمرو، ومثله: {أية : أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ}تفسير : [الفرقان:15]، وهذا بخلاف قوله - تعالى -: {أية : أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ}تفسير : [الأنبياء:109] وسيأتي هذا في موضعه، وقرأ أبو بكر عن عاصمٍ: بكسر ياء "يهدِّي" وهائه، وحفص بكسر الهاء دون الياء، فأما كسر الهاء؛ فلالتقاء الساكنين، وذلك أنَّ أصله "يَهْتَدِي"، فلمَّا قُصِدَ إدغامُه سكنتِ التاء، والهاءُ قبلها ساكنة، فكسرت الهاءُ لالتقاء الساكنين، وأبو بكر أتبع الياء للهاء في الكسر، وقال أبو حاتم: في قراءة حفصٍ "هي لغة سُفْلَى مُضَرَ". ونقل عن سيبويه: أنَّه لا يجيز "يِهْدِي"، ويجيز "تِهْدِي، وإهْدِي"، قال: "لأنَّ الكسرة تثقلُ في الياء"، يعني: أنَّه يُجيز كسر حرفِ المضارعة من هذا النَّحو، نحو: تِهْدِي ونِهْدِي وإِهْدِي، إذ لا ثقل في ذلك، ولم يجزهُ في الياء؛ لثقل الحركة المجانسةِ لها عليها، وهذا فيه غضٌّ من قراءة أبي بكرٍ، لكنه قد تواتر قراءة، فهو مقبولٌ، وقرأ أبو عمرو وقالون، عن نافعٍ: بفتح الياء، واختلاس فتحة الهاء، وتشديد الدَّال، وذلك أنَّهُمَا لمَّا ثقَّلا الفتحة للإدغام، اختلسا الفتحة؛ تنبيهاً على أنَّ الهاءَ ليس أصلها الحركة، بل السُّكون، وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وورش: بإكمال فتحة الهاء على أصل النقل، وقد رُوي عن أبي عمرو، وقالوا: اختلاسُ كسرةِ الهاءِ، على أصل التقاء الساكنين، والاختلاسُ للتنبيه على أنَّ أصل الهاءِ السُّكون كما تقدَّم، وقرأ أهلُ المدينة - خلا ورشاً - بفتح الياء وسكون الهاء وتشديد الدَّال، وهذه القراءةُ استشكلها جماعةٌ من حيث الجمع بين السَّاكنين، قال المبرد: "مَنْ رَامَ هذا، لا بد أن يحرك حركة خفيَّة" قال أبو جعفر النَّحاس: لا يقدر أحدٌ أن ينطقَ به. قال شهاب الدِّين: "وقد قال في التيسير: "والنَّصُّ عن قالون بالإسكان"، قلت: ولا بعد في ذلك؛ فقد تقدَّم أنَّ بعض القُرَّاء يَقْرَأ {نِعْمَّا} [النساء:58] و {لاَ تَعْدُواْ} [النساء:154] بالجمع بين الساكنين، وتقدَّمت لك قراءاتٌ كثيرة، في قوله {يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} [البقرة:20]، وسيأتي مثل هذا في {يَخِصِّمُونَ} [يس:49]. وقرأ الأخوان "يَهْدِي" بفتح الياء، وسكون الهاء، وتخفيف الدال، من هدى يَهْدي، وفيه قولان: أحدهما: أنَّ "هَدَى" بمعنى: اهتدى. والثاني: أنَّه متعدٍّ، ومفعوله محذوفٌ كما تقدَّم، وتقدم في قول الكسائي، والفرَّاء في ذلك، وردُّ المبرد عليهما. وقال ابن عطيَّة: "والذي أقول: قراءةُ حمزة، والكسائيُّ؛ تحتمل أن يكون المعنى: أمْ مَنْ لا يهدي أحداً، إلاَّ أنْ يهدى ذلك الأحدُ بهداية الله، وأمَّا على غيرها من القراءات التي مقتضاها: أمْ مَنْ لا يهتدي، إلاَّ أنْ يُهْدَى. فيتجه المعنى على ما تقدَّم"، ثم قال: "وقيل: تمَّ الكلامُ عند قوله: "أمْ مَنْ لا يَهِدِّي"، أي: لا يهدِّي غيره"، ثم قال: "إلاَّ أنَّ يَهْدَى: استثناءٌ منقطع، أي: لكنه يحتاجُ إلى أن يُهْدَى، كما تقول: فلانُ لا يسمع غيره، إلاَّ أنْ يسمع، أي: لكنَّه يحتاجُ إلى أن يسمع". انتهى، ويجوز أن يكون استثناءً متصلاً؛ لأنَّه إذ ذاك يكون فيهم قابليَّةُ الهداية، بخلافِ الأصنام، ويجوز أن يكون استثناء من تمامِ المفعول له، أي: لا يهدي لشيءٍ من الأشياء، إلاَّ لأجْل أن يُهْدَى بغيره. قوله: "فَمَا لَكُمْ": مبتدأ وخبر، ومعنى الاستفهام هنا: الإنكارُ والتعجُّبُ، أي: أيُّ شيءٍ لكم في اتِّخاذ هؤلاء؛ إذا كانوا عاجزين عن هداية أنفسهم، فكيف يمكن أن يهدوا غيرهم؟ وقد تقدَّم: أنَّ بعض النحويين نصَّ على أنَّ مثل هذا التركيب، لا يتمُّ إلاَّ بحالٍ بعده، نحو: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ}تفسير : [المدثر:49]، {أية : وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ}تفسير : [المائدة:84] إلى غير ذلك، وهنا لا يمكن أن تقدَّر الجملةُ بعد هذا التركيب حالاً؛ لأنَّها استفهاميَّة، والاستفهاميَّة لا تقع حالاً. وقوله: {كَيْفَ تَحْكُمُونَ}: استفهامٌ آخر، أي: كيْفَ تحكمُونَ بالباطل، وتجعلُون لله أنْداداً، وشُركاء؟. فصل المعنى: {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِيۤ}: يرشد، "إِلَى ٱلْحَقِّ" فإذا قالوا: لا، ولا بدَّ لهم من ذلك {قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ} أي: إلى الحقِّ {أَفَمَن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يهدِّيۤ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ} أي: الله الذي يهدي إلى الحقِّ أحق بالاتِّباع، أم الصَّنم الذي لا يهتدي، إلاَّ أنْ يُهْدَى؟ فإن قيل: الأصنام جمادات لا تقبل الهداية، فكيف قال: {إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ}، والصَّنَمُ لا يتصوَّر أن يهتدي، ولا أنْ يُهْدَى؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أنَّ المراد من قوله: {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} الأصنام، والمراد من قوله: {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ}: رؤساء الكفر، والضلال، والدعاة إليهما؛ لقوله - تعالى -: {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة:31] إلى قوله: {أية : سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}تفسير : [التوبة:31] أي: أن الله - تعالى - هدى الخلق إلى الدِّين، بالدَّلائل العقليَّة، والنقليَّة، وهؤلاء الدُّعاة لا يقدرون أن يهدُوا غيرهم، إلاَّ إذا هداهم الله، فكان التَّمسك بدين الله، أولى من قُبُول قول هؤلاء الجهال. وثانيها: أن معنى الهداية في حقِّ الأصنامِ: الانتقال، والهدى: عبارة عن النَّقل والحركة، يقال: أهديت المرأة إلى زوجها، إذا انتقلت إليه، والهَدْيُ: ما يُهْدى إلى الحرم من النَّعَم، وسميت الهديَّةُ هديَّة؛ لانتقالها من شخص إلى غيره، وجاء فلان يهادى بين رجلين، إذا كان يمشي مُعْتمداً عليهما؛ لضعفه وتمايله. وإذا ثبت ذلك فالمرادُ: أنَّه لا ينتقل من مكان إلى مكان، إلاَّ أن يحمل وينقل بين عجز الأصنام. وثالثها: أنه ذكر الهداية على وجه المجاز؛ لأنَّ المشركينَ لمَّا اتَّخذُوا الأصنام آلهةً، وأنَّها لا تشفع لهم في الآخرة، وأنَّهم نزَّلُوها منزلة من يعقل، فلذلك عبَّر عنها كما يُعبَّر عمَّن يعلم ويعقل. ورابعها: أنْ يُحْمل على التقدير، أي: أنَّها لو كانت بحيث يمكنها أن تهدي، فإنَّها لا تهدي غيرها، إلاَّ بعد أن يهديها غيرها، ثم قال: {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} أي: تَقضُون، حين زعمتُم: أنَّ للهَ شريكاً. قوله: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً} الآية. أي: يقولون إنَّ الأصنامَ آلهة، وأنَّها تشفع لهم في الآخرة، "ظَنّاً": لمْ يردْ به كتابٌ ولا رسولٌ. وأراد بالأكثر، جميع من يقول ذلك. وقيل: وما يتبع أكثرهم في إقرارهم بالله إلاَّ ظنّاً؛ لأنَّه قولٌ غير مسندٍ إلى برهانٍ عندهم، بل سمعُوه من أسلافهم، وهذا القول أولى؛ لأنَّا في الأول نحتاج إلى أن نُفَسِّر الأكثر بالكُلِّ. قوله: "لاَ يُغْنِي": خبرُ "إنَّ"، و "شيئاً" منصوبٌ على المصدر، أي: شيئاً من الإغناء، و "منَ الحقِّ" نصبٌ على الحالِ من "شَيْئاً"؛ لأنَّهُ في الأصل صفةٌ له، ويجُوزُ أن تكون "مِن" بمعنى "بدل"، اي: لا يُغْنِي بدل الحقِّ، وقرأ الجمهور: "يَفْعلُون" على الغيبة، وقرأ عبد الله: "تَفْعَلون" خطاباً، وهو التفاتٌ بليغٌ، ومعنى الآية: إنَّ الظَّنَّ لا يدفع عنهم من عذَابِ الله شيئاً، وقيل: لا يقوم مقام العلم. فصل تمسَّك نُفاةُ القياس بهذه الآية، فقالوا: العملُ بالقياس عمل بالظَّنِّ، فوجب أن لا يجوز لهذه الآية، وأجيبوا: بأنَّ الدَّليل الذي دلَّ على وجوب العمل بالقياس، دليلٌ قاطعٌ، فكان وجوبُ العمل بالقياس معلوماً، فلم يكن العملُ بالقياس مظنوناً، فأجابوا: بأنَّه لو كان الحكم المستفاد من القياس يعلم كونه حكماً لله - تعالى -، لكان ترك العمل به كُفْراً؛ لقوله - تعالى -: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ}تفسير : [المائدة:44] ولمَّا لمْ يكُن كذلك، بطل العمل به، ثم عبَّرُوا عن هذه الحُجَّة، فقالوا: الحكم المستفاد من القياس: إمَّا أن يعلم كونه حكماً لله - تعالى -، أو يظن، أو لا يعلم ولا يظن. والأرض باطل، وإلاَّ لكان من لم يَحْكُم به كافراً؛ لقوله - تعالى -: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ}تفسير : [المائدة:44]، وبالاتِّفاق ليس كذلك. والثاني: باطلٌ؛ لأنَّ الحكم بالظَّنِّ لا يجوز؛ لقوله - تعالى -: {إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً}. والثالث: باطلٌ؛ لأنه إذا لم يكن ذلك الحكم معلوماً، ولا مظنوناً، كان مجرد التَّشهي، فكان باطلاً؛ لقوله - تعالى -: {أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ}تفسير : [مريم:59]. وأجاب مثبتُو القياس: بأنَّ حاصل هذا الدَّليل، يرجع إلى التَّمسك بالعمومات، والتَّمسُّك بالعمومات لا يفيد إلاَّ الظن، فإذا دلَّت العمومات، على المنع من التَّمسُّك بالظنِّ، لزم كونها دالَّة على المنع من التَّمسُّك بالظنِّ، وما أفْضَى ثُبُوته إلى نفيه، كان مَتْرُوكاً. دلَّت هذه الآيةُ: على أنَّ كلَّ من كان ظانّاً في مسائل الأصول، ولم يكُن قاطعاً؛ فإنَّه لا يكون مؤمناً. فإن قيل: فقول أهل السُّنَّة: أنَا مؤمنٌ - إن شاء اللهُ -، يمنع من القطع، فوجب أن يلزمَهُم الكفر. فالجواب من وجوه: الأول: مذهب الشافعي: أنَّ الإيمان عبارةٌ عن مجموع الاعتقادِ، والإقرارِ، والعمل، والشَّك إنَّما هو في هذه الأعمال، هل هي موافقةٌ لأمر الله - تعالى -؟ والشَّك في أحد أجزاء الماهيَّة، لا يوجب الشَّك في تمام الماهيَّة. الثاني: أنَّ الغرضَ من قوله: إن شاء اللهُ، بقاء الإيمان عند الخاتمة. الثالث: الغرض منه هضم النَّفْس وكسرُها.
البقاعي
تفسير : ولما علم أنهم معترفون بأمر الهداية وما يتبعها من الرزق والتدبير أعاد سبحانه السؤال عنها مقرونة بالإعادة تنبيهاً لهم على ما يتعارفونه من أن الإعادة أهون، فإنكارها مع ذلك إما جمود أو عناد، وإنكار المسلمات كلها هكذا، وسوقه على الطريق الاستفهام أبلغ وأوقع في القلب فقال: {قل} أي على سبيل الإنكار عليهم والتوبيخ لهم {هل من شركائكم} أي الذين زعمتموهم شركاء لي وأشركتموهم في أموالكم من أنعامكم وزروعكم {من يبدؤا الخلق} كما بدأته ليصح لهم ما ادعيتم من الشركة {ثم يعيده}. ولما كان الجواب قطعاً من غير توقف. ليس فيهم من يفعل شيئاً من ذلك، وكان لجاجهم في إنكار الإعادة وعنادهم لا يدعهم انة يجيبوا بالحق، أمره بجوابهم بقوله: {قل الله} أي الذي له الأمر كله {يبدؤا الخلق} أي مهما أراد {ثم يعيده} وأتى هنا بجزئي الاستفهام وكذا ما يأتي في السؤال عن الهداية تأكيداً للأمر بخلاف ما اعترفوا به، فإنه اكتفى فيه بأحد الجزأين في قوله {فسيقولون الله} ولم يقل: يرزقنا - إلى آخره؛ ثم زاد في تبكيتهم على عدم الإذعان لذلك بالتعجيب منهم في قوله: {فأنى تؤفكون*} أي كيف ومن أي جهة تصرفون بأقبح الكذب عن وجه الصواب من صارف ما، وقد استنارت جميع الجهات،ورتب هذه الجمل أحسن ترتيب، وذلك أنه سألهم أولاً عن سبب دوام حياتهم وكمالها بالرزق والسمع والبصر وعن بدء الخلق في إخراج الحي من الميت وما بعده، وكل ذلك تنبيهاً على النظر في أحوال أنفسهم مرتباً على الأوضح فالأوضح، فلما اعترفوا به كله أعاد السؤال عن بدء الخلق ليقرن به الإعادة تنبيهاً على أنهما بالنسبة إلى قدرته على حد سواء، فلما فرغ مما يتعلق بأحوال الجسد أمره أن يسألهم عن غاية ذلك، والمقصود منه من أحوال الروح في الهداية التي في سبب السعادة إمعاناً في الاستدلال بالمصنوع على الصانع على وجه مشير إلى التفضيل فقال: {قل} أي يا أفهم العباد وأعرفهم بالمعبود {هل من شركائكم} أي الذين زعمتم أنهم شركاء لله، فلم تكن شركتهم إلا لكم لأنكم جعلتم لهم حظاً من أموالكم وأولادكم {من يهدي} أي بالبيان أو التوفيق ولو بعد حين {إلى الحق} فضلاً عن أن يهدي للحق على أقرب ما يكون من الوجود إعلاماً. ولما كانوا جاهلين بالجواب الحق في ذلك أو معاندين، أمره أن يجيبهم معرضاً عن انتظار جوابهم آتياً بجزئي الاستفهام أيضاً فقال: {قل الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {يهدي} ولما كان قادراً على غاية الإسراع، عبر باللام فقال: {للحق} إن أراد، ويهدي إلى الحق من يشاء، لا أحد ممن زعموهم شركاء، فالاشتغال بشيء منها بعبادة أو غيرها جهل محض واختلال في المزاج كبير، فالآية من الاحتباك: ذكر {إلى الحق} أولاً دليلاً على حذفه ثانياً، و{للحق} ثانياً دليلاً على حذفه أولاً، فتسبب عن ذلك إنكار أتباعهم لهم فقال: {أفمن يهدي} أي منتهياً في هداه ولو على بعد {إلى الحق} أي الكامل الذي لا زيغ فيه بوجه ولو على أبعد الوجوه {أحق أن يتبع} أي بغاية الجهد {أم من لا يهدي} أي يهتدي فضلاً عن أن يهدي غيره إلى شيء من الأشياء أصلاً ورأساً؛ وإدغام تاء الافتعال للإيماء إلى انتفاء جميع أسباب الهداية حتى أدانيها، فإن التاء عند أرباب القلوب معناها انتهاء التسبب إلى أدناه {إلا أن يهدى} أي يهديه هاد غيره كائناً من كان، وهذا يعم كل ما عبد من دون الله من يعقل وممن لا يعقل؛ فلما أتم ذلك على هذا النهج القويم كان كأنه قيل: أتجيبون أم تسكتون؟ وإذا أجبتم أتؤثرون الحق فترجعوا عن الضلال أم تعاندون، تسبب عن ذلك سؤالهم عى وجه التوبيخ بقوله: {فما} اي أيّ شيء ثبت {لكم} في فعل غير الحق من كلام أو سكوت؛ ثم استأنف تبكيتاً آخر فقال: {كيف تحكمون* } فيما سألناكم عنه مما لا ينبغي أن يخفى على عاقل، أبالباطل أم بالحق؟ فقد تبين الرشد من الغي؛ والبدء:العقل الأول؛ والإعادة: إيجاد الشيء ثانياً؛ والهداية: التعريف بطريق الرشد من الغي. ولما أخبر بإقرارهم عن بعض ما يسألون عنه ثم عقبه بما لوح إلى إنكارهم أو سكوتهم عن بعضه مما يتعلق بشركائهم، عطف على ما صرح به من قولهم {فسيقولون} وما لوح إليه من "فسينكرون" أو "فسيسكتون" قوله: {وما يتبع} أي بغاية الجهد {أكثرهم} أي نطقه أو سكوته في عبادته للأصنام وقوله: إنها شفعاء، وغير ذلك {إلا ظناً} تنبيهاً على أنهم إنما هم مقلدون وتابعون للأهواء. ولما كان الظن لا ينكر استعماله في الشرائع، نبه على أن محله إنما هو حيث لا يوجد نص على المقصود،فيقاس حينئذ على النصوص بطريقة، وأما إذا وجد القاطع في حكم فإنه لا يجوز العدول عنه بوجه من الوجوه فقال تعالى في جواب من يقول: أو ليس الظن مستعملاً في كثير من الأحكام؟: {إن الظن لا يغني} أي أصلاً {من الحق} أي الكامل {شيئاً} أي بدله، ولايكون بدل الحق إلا إذا كان تابعه مخالفاً فيه لقاطع يعمله. ولما صار ظهور الفرق ضرورياً،أوقع تهديد المتمادي في غيه في جواب من كأنه قال: إن ذلك غير خفي عنهم ولكنهم يستكبرون فلا يرجعون، فقال: {إن الله} أي المحيط بكل شيء {عليم} أي بالغ العلم {بما يفعلون*} فاصبر فلسوف يعملون.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {أم من لا يهدي إلا أن يهدى} قال: الأوثان؛ الله يهدي منها ومن غيرها ما شاء.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [الآية: 34]. قال ابن عطاء: يبدأ بإظهار القدرة فيوجد المعدوم، ثم يعيدها بإظهار الهيئة فيفقد الموجود. وقيل: يبدأ بكشف الأولياء فيمحو منها كل خاطر سواه، ثم يعيد فيبقى بإبقائه، فلذلك عظم حال العارف ودليله.
القشيري
تفسير : كَشف قبيحَ ما انطوت عليه عقائدُهم من عبادتهم ما لا يصحُّ منه الخْلقُ والإعادة، وأثبت أن المعبودَ مَنْ مِنْه الخَلْقُ والإعادة. قومٌ جعلوا له في الإيجاد شركاءَ بدعوى القَدَرِ، وقوم منعوا جواز قدرته على الإعادة. وكل هذا جنوحٌ إلى الْكفْرِ وذهابٌ عن الدِّين.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} ابثت الحجة على ان الحدثان معلولة لا يزاحم القدم المنزه عن العلل وكيف يكون من العاجز القدرة على ايجاد الموجود وهو كان معد وما وفى وجوده عند قدم جلاله بالحقيقة معدوم حيث لا يقوم بنفسه بل يقوم بالقديم هذا مرد على من اقبل الى غير الله ثم وصف نفسه تعالى الشريك بانه يبدئ الاشياء ومعيدها ابدا يكون بشهود قدمه على العدم بوصف كشوف جميع الصفات ثم يسلط انوار العظمة والهيبة فتضمحل الحوادث تحت اذيال سرادق العزة ثم يعيده بكشف جمال البقاء فيبقيها ببقائها فى بقائه فينقلب فى مدارك تصريفه بنعت المشية وارادة القديمة يبدئ انوار القيومية فى قلوب العارفين فيبدئ بلطفائها خلق المعرفة ثم يغشيها بسطوات الجلال حتى لا يبقى فى ظهور المعروف سوى المعروف ثم يعيدها بكشف قناع الجمال وحسن البهاء فتبقى لشاهد حسنه قال ابن عطا يبدئ باظهار القدرة فيوجد المعدوم ثم يعيدها باظهار الهيبة وفقد الموجود وقيل يبدئ بكشف الاولياء فيمحوا منها كل خاطر سواء ثم يعيده فتنقى بابقائه فلذلك عظم حال العارف فلما قدس عليه الخليفة عن ساحة الانس اية عدن مكان العلة المخاطبين بقوله {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِيۤ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِيۤ} صدق هذه الاية ما ذكر فى الاية الاولى وهى مصداقها بان الهادى لا يكون الا المكون القديم والمنزه الزلى كما ان وصفه القدرة القديمة فايضا وصفه الهداية الابدية هو تعالى يهدى بنفسه وكشف انوار وجوده للحق الذى على اوليائه واصفيائه وهو حقائق العبودية والتأدب باداب الشريعة وايضا الله هو الحق يهدى اهله الى نفسه لنفسه لانه كان محبا لاهله فى الازل فتحقق حق محبته على اهل محبته ثم عرف حقوقه لحقه لاهل حقيقته بان يزيلوا علة النظر الى غيره وان يتبعوا بنعت المحبة والشوق ما يوجب رضاه بوصف الاسوة والاقتداء بالكتاب والسنة وذلك قوله {إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ} سئل الحسين من هذا الحق الذى يشرون اليه قال معلل الانام ولا يصل سئل الواسطى ما حقيقة الحق قال حقيقته لا تقف عليه الا الحق قال الحسين الحق من الحق ومن اجل الحق وهو قائم الحق مع الحق وليس وراء ذلك الا رؤية الحق قال الله افمن يهدى الى الحق احق ثم ان الله سبحانه اخبر عن حال الكل انهم عن احراك حقيقة القدم وعظمة البقاء فى توهم النفوس وقتام الظنون بقوله {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً} ظاهر الاية وصف اهل البعاد وللقوم اشارات فيها ان العقول محجوبة بالايات والقلوب محجوبة بالذات والارواح محجوبة بالراحات و النفوس محجوبة بالشهوات والاسرار محجوبة بالخطرات وما وجدت الكل من ساحة الكبرياء الا رسوم الافعال وما ةقع عليها الا ظلال الملكوت وتصرقات الجبروت واين الحدث عن ادراك كنه القدم والاصل ممتنع بذاته عن ان يطلع على حقيقة وجوده خاطر من الخواطر وسر من الاسرار ولب من الالباب حاشا انهم فى مخائيل الظنون من اثبات الوحدانية بل مستبصرين بنور الحق وهم على بصيرة فى طريق معرفته وتوحيده قال تعالى على بصيرة ومن اتبعنى بل هم مستغرقون بنور الحق فى بحار الازلية والسرمدية وما هم مبتلين بقطرة من وصول حقائقها يشربون من === انهارا وهم عطاس كما قال قائلهم واقف فى الماء عطشان ولكن ليس يسقى وهكذا دابهم ابد الابدين كيف يصل الحدثان الى قدم الرحمن هوه نزه عن الاتصال والانفصال قال الجنيد فى هذه الاية مر على بذى ارباب التوحيد حتى ابو يزيد ما خرجوا من الدنيا الا على التوهم وهكذا قال الواسطى لا ظنا انهم قد وصلوا وهم فى محل الانفصال لا وصل ولا فصل على الحقيقة ذات ممتنع على الاتصال كما هو ممتنع عن الانفصال وسئل ابو حفض عن حقيقة التوكل فقال كيف يجوز لنا ان نتكلم فى حقايق الاحوال والله يقول وما يتبع اكثرهم الا ظنا سئل ابو عثمان عن الظن قال هواجس النفس فى طلب مرادها.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده} البد بالفارسية [ابتداكردن] اى يخلق على الخلق اولا ثم يعيده بعد الموت ولما كانوا مقرين بالبدء ومنكرين للاعادة عنادا ومكابرة امر صلى الله تعالى عليه وسلم بان يبين لهم من يفعل ذلك فقيل له {قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده} اى هو يفعلهما لا غير كائنا من كان فأنى تؤفكون} اى كيف تصرفون وتقلبون عن قصد السبيل والاستفهام انكارى
ابن عجيبة
تفسير : قلت: من قرأ (يَهَدّي) بفتح الهاء، فأصله: يهتدي، نُقِلت حركة التاء إلى الهاء، وأدغمت في الدال. ومن قرأ بكسر الهاء فعلى التقاء الساكنين، حين سكنت التاء لتدغم. ومن كسر الياء فعلى الاتباع، ومن قرأ بالاختلاس فإشارة إلى عروض الحركة، ومن قرأ: "يهدي" بالسكون، فمعناه يهدي غيره. يقول الحق جل جلاله: {قل} لهم: {هل من شركائكم من يبدأُ الخلقَ} بإظهاره للوجود {ثم يُعيده} بالبعْث. فإن قلت كيف يحتج عليهم بالإعادة، وهم لا يعترفون بها؟ فالجواب: أنها لظهور برهانها وتواتر أخبارها كأنها معلومة عندهم، فلو أنصفوا ونظروا لأقروا بها، ولذلك أمر الرسول بأن ينوب عليهم في الجواب، فقال: {قل اللهُ يبدأُ الخلق ثم يُعيده}: لأن لجاجهم وجحودهم لا يتركهم يعترفون بها، ولذلك قال لهم: {فأنى تُؤفكون}: تُصرفون عن سواء السبيل، و {قل} لهم أيضاً: {هل من شركائكم من يهدي إلى الحق} بنصب الدلائل، وإرسال الرسل، والتوفيق للنظر والتدبر؟ {قل اللهُ يهدي للحق}. قال البيضاوي: وهدى كما يعدى بإلى؛ لتضمنه معنى الانتهاء، يعدى باللام للدلالة على منتهى غاية الهداية. انظر تمامه. {أفمن يَهدي إلى الحق} وهو الحق {أحقُّ أن يُتبع أمَّن لا يهدي} إلى شيء، فأولى ألا يهدي غيره {إِلا أن يُهدى}؟ أي: إلا أن يهديه غيره، وهي معبوداتهم، كالملائكة والمسيح وعزير، فلا يستطيعون أن يهدوا أنفسهم إلا أن يهديهم الله. وحمل ابن عطية الآية على الأصنام، وقال: معنى قوله: {أمن لا يهدي إلا أن يهدى} هي عبارة عن أنها لا تنتقِل إلا أن تنقلَ. قال: ويحتمل أن يكون ما ذكره الله من تسبيح الجمادات؛ هو اهتداؤه. ويحتمل أن يكون الاستثناء في اهتدائها إشارة إلى مناكرة الكفار يوم القيامة حسبما مضى في هذه السورة. هـ. {فما لكم كيف تحكمون} أي: أيُّ شيء حصل لعقولكم، فكيف تحكمون بشيء يقتضي العقل بطلانه بأدنى تفكر؟. اِلإشارة: في الآية تحريض على رفع عن السِّوى، إلى من بيده البدء والإعادة، والإرشاد والهداية، إلا من جعل على يديه الإرشاد والهداية، وهم الأنبياء والأولياء والعلماء الأتقياء، فالخضوع إليهم خضوع إلى الله على الحقيقة، واتباعهم اتباع لله على الحقيقة، وكل من تبع غيرهم فإنما يتبع الظن والهوى دون الحق، كما أبان ذلك بقوله تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً}.
الطوسي
تفسير : أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهؤلاء الكفار الذين اتخذوا مع الله آلهة يعبدونها {هل من شركائكم من يبدؤ الخلق} بأن ينشئهم ويخترعهم. ثم اذا أماتهم يعيدهم ويحييهم، لينبئهم بذلك على انه لا يقدر على ذلك الا الله القادر لنفسه الذي لا يعجزه شيء. وقيل في معنى {شركائكم} قولان: احدهما - انهم الذين جعلوهم شركاء في العبادة. الثاني - الذين جعلوهم شركاء في اموالهم من اوثانهم، كما قال {أية : فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا} تفسير : والاعاذه ايجاد الشيء ثانياً، وقال لنبيه قل لهم: الله تعالى القادر لنفسه هو الذي يبدؤ الخلق فينشئهم ثم يميتهم ثم يعيدهم لا يعجزه شيء عن ذلك. وقوله {فأنى تؤفكون} معناه أنى تصرفون عن الحق وتقلبون عنه، ومنه الافك، والكذب، لانه قلب المعنى عن جهته.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} ذكر الاعادة فى الالزام امّا لكون المخاطبين معتقدين بالاعادة او لوضوح برهانها او للاكتفاء بالابداء فى الالزام وذكر الاعادة للتّنبيه والاستطراد، او المراد بالاعادة هو تكميل المواليد بالبلوغ الى كمالاتها المترقّبة منها ولمّا لم يكن لهم جواب سوى الاعتراف بانّ الله هو المبدأ والمعيد وليس هذا من فعل الشّركاء امر تعالى نبيّه (ص) ان يجيب عنهم فقال {قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} الى اين تصرفون عن الله بعد قدرته وعجز الشّركاء.
اطفيش
تفسير : {قُلْ هَل مِنْ شُركائِكم من يَبْدأُ الخَلْق} يوجده بعد إن لم يكن {ثمَّ يُعيدهُ} يبعثه بعد ذهابه استفهام إنكار أو تقرير، أى أقروا بما عندكم فى ذلك، من ثبوت من يفعل ذلك من شركائكم أو عدمه، وقد تبين يقينا أن شركاءهم لا تفعل ذلك، فانتفت الألوهية والربوبية عنها، وثبتنا لمن يفعل ذلك، وهو الله سبحانه وتعالى، وهم ولو كانوا لا يقرون بالبعث لله، لكنه كالشئ الذى يقرن به لظهور دليل البعث وبرهانه، فكأنهم مصدقون به فخوصموا به، ولشدة غوصهم فى بحر إنكاره حتى لا يمكن نطقهم بإثباته، أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يجيب بإثبات البدء فقال: {قُل اللهُ يَبْدأ الخَلْق ثمَّ يُعيدهُ} حقاً واضحاً، أقررتم أو جحدتم {فَأنَّى تُؤفكونَ} تصرفَون عن إثبات البعث، وعن العبادة.
اطفيش
تفسير : {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَّنْ يَبْدَؤا الْخَلْقَ ثُمَّ يَعِيدُهُ} ظاهر هذا الكلام إِنما يخاطب به من يقر لله بالبعث وهم لا يقرون، فكيف يقول لهم شركاؤُكم لا تقدر على ما أَقدر عليه من البعث مع أَنهم لا يقرون بقدرته عليه، ولكن خاطبهم بذلك لظهور حجة البعث ببرهان البدءِ حتى كأَنهم آمنوا بالبعث، فهو يخاطبهم: كيف تعبدون من لا يقدر عليه وليس كما قيل أَن الآية برهان للبعث بأَنه لا بد من التمييز بين المحسن والمسىءِ، وهذا سؤال سادس أَمر رسول الله صلى الله علي وسلم بالجواب عنه ولو يسكتون لجاجا وكبرا ولا ينتظر أَن يقولوا لأَنه هو الذى معكم لا يجدون إِنكاره فقال {قُلِ اللهُ يَبْدَؤا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} للجزاءِ، وجه كون هذا جواباً لقوله هل من شركائِكم إِلخ أَنهم يقولون شركاؤنا لا تبدأُ الخلق ولا تعيده، فيقول الله تعالى: أَنا الله، أَنا الله، أَنا الله وحدى لأَنى أَبدأُ الخلق وأُعيده، ما لا يبدأُ الخلق ويعيده ليس إِلهاً، والإِعادة لا يقرون بها لكن ذكرت اتباعاً للابتداءِ ولتحققها بدلائِل كأَنهم أَقروا بها {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} تغلبون عن الإِقرار بذلك.
ابن عاشور
تفسير : استئناف على طريقة التكرير لقوله قبله {أية : قل من يرزقكم من السماء والأرض}تفسير : [يونس: 31]. وهذا مقام تقرير وتعديد الاستدلال، وهو من دواعي التكرير وهو احتجاج عليهم بأن حال آلهتهم على الضد من صفات الله تعالى فبعد أن أقام عليهم الدليل على انفراد الله تعالى بالرزق وخلق الحواس وخلق الأجناس وتدبير جميع الأمور وأنه المستحق للإلهية بسبب ذلك الانفراد بين هنا أن آلهتهم مسلوبة من صفات الكمال وأن الله متصف بها. وإنما لم يعطف لأنه غرض آخر مستقل، وموقع التكرير يزيده استقلالاً. والاستفهام إنكار وتقرير بإنكار ذلك إذ ليس المتكلم بطالب للجواب ولا يسعهم إلا الاعتراف بذلك فهو في معنى نفي أن يكون من آلهتهم من يبدأ الخلق ثم يعيده، فلذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يرتقي معهم في الاستدلال بقوله: {اللّهُ يبدأ الخلق ثم يعيده} فصار مجموع الجملتين قصراً لصفة بَدْء الخلق وإعادته على الله تعالى قصرَ إفراد، أي دون شركائكم، أي فالأصنام لا تستحق الإلهية والله منفرد بها. وذكر إعادة الخلق في الموضعين مع أنهم لا يعترفون بها ضَرب من الإدماج في الحجاج وهو فن بديع. وإضافة الشركاء إلى ضمير المخاطبين تقدم وجهه آنفاً عند قوله: {أية : مكانكم أنتم وشركاؤكم}تفسير : [يونس: 28]. وقوله: {فأنى تؤفكون} كقوله: {أية : فأنى تصرفون}تفسير : [يونس: 32]. وأفكهُ: قلبه. والمعنى: فإلى أي مكان تقلبون. والقلب مجازي وهو إفساد الرأي. و(أنى) هنا استفهام عن مكان مجازي شبهت به الحقائق التي يُحول فيها التفكير. واستعارة المكان إليها مثل إطلاق الموضوع عليها والمجال أيضاً.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ} إلى قوله: {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ}. ألقم الله تعالى المشركين في هذه الآيات حجراً، بأن الشركاء التي يعبدونها من دونه لا قدرة لها على فعل شيء، وأنه هو وحده جل وعلا الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده بالإحياء مرة أخرى، وأنه يهدي من يشاء. وصرح بمثل هذا في آيات كثيرة كقوله: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [الروم: 40]، وقوله تعالى: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَـاةً وَلاَ نُشُورا} تفسير : [الفرقان: 3] وقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [فاطر: 3] الآية. وقوله: {أية : أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} تفسير : [النحل: 17] الآية: وقوله: {أية : أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِه}تفسير : [الرعد: 16] وقوله: {أية : قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} تفسير : [الزمر: 38] الآية. وقوله: {أية : أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ} تفسير : [الملك: 21] الآية. وقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْق} تفسير : [العنكبوت: 17]. الآية. والآيات: في مثل ذلك كثيرة، ومعلوم أن تسوية ما لا يضر ولا ينفع ولا يقدر على شيء، مع من بيده الخير كله المتصرف بكل ما شاء، لا تصدر إلا ممن لا عقل له، كما قال تعالى عن أصحاب ذلك: {أية : وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِير} تفسير : [الملك: 10].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: من شركائكم: جمع شريك من أشركوه في عبادة الله تعالى. من يبدأ الخلق: أي ينشيء الإِنسان والحيوان أول ما ينشئه فذلك بدء خلقه. فأنى تؤفكون: أي كيف تصرفون عن الحق بعد معرفته. أمَّن لا يَهِدِّي: أي لا يهتدي. كيف تحكمون: أي هذا الحكم الفاسد وهو اتباع من لا يصح اتباعه لأنه لا يهدي. معنى الآيات: ما زال السياق في حجاج المشركين لبيان الحق لهم ودعوتهم إلى اتباعه فيقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم قل لهؤلاء المشركين {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}؟ أي هل يوجد من بين آلهتكم التي تعبدونها من يبدأ خلق إنسان من العدم ثم يميته، ثم يعيده؟ وجوابهم معروف وهو لا يوجد إذاً فكيف تؤفكون أي تصرفون عن الحق بعد معرفته والإِقرار به؟ وقل لهم أيضاً {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ} أي يوجد من آلهتكم من يهدي إلى الحق؟ والجواب لا يوجد لأنها لا تتكلم ولا تعلم إذاً فقل لهم الله يهدي إلى الحق أي بواسطة نبيه ووحيه وآياته. وقل لهم {أَفَمَن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ} والجواب معروف الذي يهدي إلى الحق أحق بأن يتبع ممن لا يهتدي إلا أن يُهدى، إذاً لم لا تتقون الله فتوحدوه وتؤمنوا برسوله وكتابه فتهتدوا، وتتركوا آلهتكم التي لا تهدي إلى الحق؟ {فَمَا لَكُمْ} أي أيُّ شيء ثبت لديكم في ترك عبادة الله لعبادة غيره من هذه الأوثان، {كَيْفَ تَحْكُمُونَ} أي حكم هذا تحكمون به وهو اتباع من لا يهدي وترك عبادة من يهدي إلى الحق. وقوله تعالى {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً} أي أن أكثر هؤلاء المشركين لا يتبعون في عبادة أصنامهم إلا الظن فلا يقين عندهم في أنها حقاً آلهة تستحق العبادة، {إِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً} أي إن الظن لا يكفي عن العلم ولا يغني عنه أي شيء من الإِغناء، والمطلوب في العقيدة العلم لا الظن. وقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} هذه الجملة تحمل الوعيد الشديد لهم على إصرارهم على الباطل وعنادهم على الحق فسيجزيهم بذلك الجزاء المناسب لظلمهم وعنادهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير التوحيد بإبطال الآلهة المزعومة حيث اعترف عابدوها بأنها لا تبدأ خلقاً ولا تعيده بعد موته، ولا تهدي إلى الحق، والله يبدأ الخلق ثم يعيده ويهدي إلى الحق. 2- إبطال الأحكام الفاسدة وعدم إقرارها ووجوب تصحيحها. 3- لا يقبل الظن في العقائد بل لا بد من العلم اليقيني فيها. 4- كراهية القول بالظن والعمل به وفي الحديث "حديث : إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ".
د. أسعد حومد
تفسير : {شُرَكَآئِكُمْ} {يَبْدَأُ} (34) - قُلْ لَهُمْ يَا أَيُّها الرَّسُولُ: هَلْ أَحَدٌ مِنْ شُرَكَائِكُم الذِينَ عَبَدْتُمُوهُمْ مَعَ اللهِ، أَو مِنْ دُونِ اللهِ، مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَنْدَادِ، مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْشَىءَ الخَلْقَ ابْتِداءً، ثُمَّ يُعِيدُهُ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ فَنَائِهِ؟ فَإِذَا عَجَزُوا عَنِ الإِجَابَةِ فَقُلْ لَهُمْ: اللهُ هُوَ الذِي أَنْشَأَ الخَلْقَ ابْتِدَاءً، وَهُوَ القَادِرُ عَلَى إِعَادَتِهِ، لأَِنَّ الإِعَادَةَ أَسْهَلُ مِنَ الابْتِدَاءِ. وَبِمَا أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ شُرَكاَءَهُم لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِنَ الخَلْقِ، وَلاَ إِعَادَةِ الخَلْقِ، فَقُلْ لَهُمْ كَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنِ الإِيمَانِ بِاللهِ، وَهُوَ الحَقُّ وَالرَّشَادُ، إِلى عِبَادَةِ الأَصْنَامِ وَالأَنْدَادِ وَهِيَ البَاطِلُ وَالضَّلاَلَةُ؟ تُؤْفَكُونَ - تُصْرَفُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهنا يأمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسألهم: {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ..} [يونس: 34]. ومعنى أن الله يسأل القوم هذا السؤال أنه لا بد أن تكون الإجابة كما أرادها هو سبحانه. وإنْ قال قائل: وكيف يأمنهم على مثل هذا الجواب، ألم يكن من الجائز أن ينسبوا هذا إلى غير الله؟ نقول: إن هذا السؤال: لا يُطرح إلا وطارحه يعلم أن له إجابة واحدة، فلن يجد المسئول إجابة إلا أن يقول: إن الذي يفعل ذلك هو الله سبحانه ولا يمكن أن يقولوا: إن الصنم يفعل ذلك؛ لأنهم يعلمون أنهم هم الذين صنعوا الأصنام، ولا قدرة لها على مثل هذا الفعل. فالإجابة معلومة سلفاً: إن الله سبحانه وتعالى وحده هو القادر على ذلك، وهذا يوضح أن الباطل لجلج والحق أبلج، وللحق صَوْلة؛ فأنت ساعة تنطق بكلمة الحق في أمر ما، تجدها قد فعلت فِعْلها فيمن هو على الباطل، ويأخذ وقتاً طويلاً إلى أن يجد كلاماً يرد به ما قلته، بل يحدث له انبهار واندهاش، وتنقطع حجته. ولذلك لم يَقُل الحق سبحانه هنا مثلما قال من قبل: {أية : فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ ..}تفسير : [يونس: 31]. بل قال: {قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ..} [يونس: 34]. وجاء بها الحق سبحانه هكذا؛ لأنهم حينما سُئلوا هذا السؤال بهرهم الحق وغلب ألسنتهم وخواطرهم؛ فلم يستطيعوا قول أي شيء. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - نجد وكيل النيابة يضيّق الخناق على المتهم بأسئلة متعددة إلى أن يوجه له سؤالاً ينبهر المتهم من فرط دقته وليس له إلا إجابة واحدة تتأبى طباعه ألا يجيب عنه، فيجيب المتهم معترفاً. والإنسان - كما خلقه الله تعالى - صالح لأن يؤمن، وصالح لأن يكفر، فإرادته هنا تتدخل، لكن أبعاضه مؤمنة عابدة مسبحة، فاللسان الذي قد ينطق الكفر، هو في الحقيقة مؤمن مُسبِّحٌ، حامد، شاكر، لكن إرادة الإنسان التي شاءها الله - سبحانه - متميزة بالاختيار قد تختار الكفر - والعياذ بالله - فينطق اللسان بالكفر. وقد تأتمر اليد بأمر صاحبها؛ فتمتد لتسرق، أو تسعى الأقدام - مثلاً - إلى محل احتساء الخمر، ولكن هل هذه الفاعلات راضية عن تلك الأفعال؟ لا، إنها غير راضية، إنما هي خاضعة لإرادة الفاعل. وحين يسأل السؤال: من يبدأ الخلق ثم يعيده؟ فاللسان بفطرية تكوينه المؤمنة يريد أن يتكلم؛ لكنه لا يملك إرادة الكلام، فيبين الحق سبحانه للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجيب نيابة عن الأبعاض المؤمنة، فيقول سبحانه: {قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ..} [يونس: 34] وهو بذلك يؤكد الصيغة، ويكفي أن يقول محمد صلى الله عليه وسلم هذا القول مُبلِّغاً عن ربه، وينال هذا القول شرف العندية: {قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} [يونس: 34]. والإفك: هو الكذب المتعمَّد، وهو الافتراء، وهناك فارق بين الكذب غير المتعمد والكذب المتعمد، فالكذب غير المتعمد هو من ينقل ما بلغه عن غيره حسبما فهم واعتقد، وهو لون من ألوان الكذب لا يصادف الحق، ويتراجع عنه صاحبه إن عرف الحق. أما الافتراء فهو الكذب المتعمد، أي: أن يعلم الإنسان الحقيقة ويقلبها؛ ولذلك نجد العلماء قد وقفوا هنا وقفة؛ فمنهم من قال: هناك صدق، وهناك كذب، لكن علماء آخرين قالوا: لا، إن هناك واسطة بين الصدق والكذب. ومثال ذلك: أن يدخل ابنٌ على أبيه، بعد أن سمع هذا الابن من الناس أن هناك حريقاً في بيت فلان، فيقول الابن لوالده: هناك حريق في بيت فلان؛ فيذهب الأب ليعاين الأمر، فإن وجد حريقاً فقول الابن صدق، وإن لم يكن هناك حريق فالخبر كاذب، ولكن ناقل الخبر نقله حسبما سمع. إذن: فهناك فَرْق بين صدق الخبر وصدق المُخْبِر، فمرة يَصْدُق الخبر ويصدُق المخبر، ومرة يصدُق الخبر ولا يصدُق المخبِر، ومرة يصدق المخبر ولا يصدق الخبر. فهُنا أربعة مواقف، والذين قالوا إن هناك واسطة بين الصدق والكذب هم مَنْ قالوا: إن الصدق يقتضي مطابقة بين الواقع والخبر. أما الكذب فهو ألا يطابق الواقع الخبر. لذلك يجب أن نفرِّق بين صدق الخبر في ذاته، وصدق المخبر، بأنه يقول ما يعتقد. أما صدق الخبر فهو أن يكون هو الواقع. وقول الحق سبحانه: {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} أي: فكيف تقلبون الحقائق؛ لأنكم تعرفون الواقع وتكذبونه كذباً متعمداً؟ وكلنا نعلم قول الحق سبحانه: {أية : وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ}تفسير : [النجم: 53]. والمؤتفكة: هي القرى التي كُفئت أعلاها إلى أسفلها، كذلك الكذَّاب يقلب الحقيقة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى - مبينًا عجز آلهة المشركين، وعدم اتصافها بما يوجب اتخاذها آلهة مع الله- { قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ } أي: يبتديه { ثُمَّ يُعِيدُهُ } وهذا استفهام بمعنى النفي والتقرير، أي: ما منهم أحد يبدأ الخلق ثم يعيده، وهي أضعف من ذلك وأعجز، { قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } من غير مشارك ولا معاون له على ذلك. { فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } أي: تصرفون، وتنحرفون عن عبادة المنفرد بالابتداء، والإعادة إلى عبادة من لا يخلق شيئًا وهم يخلقون. { قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ } ببيانه وإرشاده، أو بإلهامه وتوفيقه. { قُلِ اللَّهُ } وحده { يَهْدِي لِلْحَقِّ } بالأدلة والبراهين، وبالإلهام والتوفيق، والإعانة إلى سلوك أقوم طريق. { أَمَّنْ لا يَهِدِّي } أي: لا يهتدي { إِلا أَنْ يُهْدَى } لعدم علمه، ولضلاله، وهي شركاؤهم، التي لا تهدي ولا تهتدي إلا أن تهدى { فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } أي: أيّ شيء جعلكم تحكمون هذا الحكم الباطل، بصحة عبادة أحد مع الله، بعد ظهور الحجة والبرهان، أنه لا يستحق العبادة إلا الله وحده. فإذا تبين أنه ليس في آلهتهم التي يعبدون مع الله أوصافا معنوية، ولا أوصافا فعلية، تقتضي أن تعبد مع الله، بل هي متصفة بالنقائص الموجبة لبطلان إلهيتها، فلأي شيء جعلت مع الله آلهة؟ فالجواب: أن هذا من تزيين الشيطان للإنسان، أقبح البهتان، وأضل الضلال، حتى اعتقد ذلك وألفه، وظنه حقًا، وهو لا شيء. ولهذا قال: وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء أي: ما يتبعون في الحقيقة شركاء لله، فإنه ليس لله شريك أصلا عقلا ولا نقلا وإنما يتبعون الظن و { إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا } فسموها آلهة، وعبدوها مع الله، {أية : إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } . تفسير : { إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } وسيجازيهم على ذلك بالعقوبة البليغة.
همام الصنعاني
تفسير : 1161- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، في قوله تعالى: {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ}: [الآية: 34]، قال: أنّى تُصْرَفون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):