Verse. 1399 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

قُلْ ہَلْ مِنْ شُرَكَاۗىِٕكُمْ مَّنْ يَّہْدِيْۗ اِلَى الْحَقِّ۝۰ۭ قُلِ اللہُ يَہْدِيْ لِلْحَقِّ۝۰ۭ اَفَمَنْ يَّہْدِيْۗ اِلَى الْحَقِّ اَحَقُّ اَنْ يُّتَّبَعَ اَمَّنْ لَّا يَہِدِّيْۗ اِلَّاۗ اَنْ يُّہْدٰى۝۰ۚ فَمَا لَكُمْ۝۰ۣ كَيْفَ تَحْكُمُوْنَ۝۳۵
Qul hal min shurakaikum man yahdee ila alhaqqi quli Allahu yahdee lilhaqqi afaman yahdee ila alhaqqi ahaqqu an yuttabaAAa amman la yahiddee illa an yuhda fama lakum kayfa tahkumoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق» بنصب الحجج وخلق الاهتداء «قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق» وهو الله «أحق أنْ يُتبع أمَّن لا يهدي» يهتدي «إلا أن يهدى» أحق أن يتبع استفهام تقرير وتوبيخ، أي الأول أحق «فما لكم كيف تحكمون» هذا الحكم الفاسد من اتَّباع ما لا يحق اتباعه.

35

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو الحجة الثالثة، واعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولاً، ثم بالهداية ثانياً، عادة مطردة في القرآن، فحكى تعالى عن الخليل عليه السلام أنه ذكر ذلك فقال: { أية : ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ } تفسير : [الشعراء: 78] وعن موسى عليه السلام أنه ذكر ذلك فقال: { أية : ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } تفسير : [طه:50] وأمر محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: { أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلاَعْلَىٰ ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ } تفسير : [الأعلى: 1 ـ 3] وهو في الحقيقة دليل شريف، لأن الإنسان له جسد وله روح، فالاستدلال على وجود الصانع بأحوال الجسد هو الخلق، والاستدلال بأحوال الروح هو الهداية فههنا أيضاً لما ذكر دليل الخلق في الآية الأولى، وهو قوله: { أية : أمَّنْ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } تفسير : [النمل: 64] أتبعه بدليل الهداية في هذه الآية. واعلم أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح، كما قال تعالى: { أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلاْبْصَـٰرَ وَٱلافْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } تفسير : [النحل: 78] وهذا كالتصريح بأنه تعالى إنما خلق الجسد، وإنما أعطى الحواس لتكون آلة في اكتساب المعارف والعلوم، وأيضاً فالأحوال الجسدية خسيسة يرجع حاصلها إلى الالتذاذ بذوق شيء من الطعوم أو لمس شيء من الكيفيات الملموسة، أما الأحوال الروحانية والمعارف الإلهية، فإنها كمالات باقية أبد الآباد مصونة عن الكون والفساد، فعلمنا أن الخلق تبع للهداية، والمقصود الأشرف الأعلى- حصول الهداية. إذا ثبت هذا فنقول: العقول مضطربة والحق صعب، والأفكار مختلطة، ولم يسلم من الغلط إلا الأقلون، فوجب أن الهداية وإدراك الحق لا يكون إلا بإعانة الله سبحانه وتعالى وهدايته وإرشاده، ولصعوبة هذا الأمر قال الكليم عليه السلام بعد استماع الكلام القديم { أية : رَبّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى } تفسير : [طه: 25] وكل الخلق يطلبون الهداية ويحترزون عن الضلالة، مع أن الأكثرين وقعوا في الضلالة، وكل ذلك يدل على أن حصول الهداية والعلم والمعرفة ليس إلا من الله تعالى. إذا عرفت هذا فنقول: الهداية إما أن تكون عبارة عن الدعوة إلى الحق، وإما أن تكون عبارة عن تحصيل تلك المعرفة وعلى التقديرين فقد دللنا على أنها أشرف المراتب البشرية وأعلى السعادات الحقيقية، ودللنا على أنها ليست إلا من الله تعالى. وأما الأصنام فإنها جمادات لا تأثير لها في الدعوة إلى الحق ولا في الإرشاد إلى الصدق، فثبت أنه تعالى هو الموصل إلى جميع الخيرات في الدنيا والآخرة، والمرشد إلى كل الكمالات في النفس والجسد، وأن الأصنام لا تأثير لها في شيء من ذلك، وإذا كان كذلك كان الاشتغال بعبادتها جهلاً محضاً وسفهاً صرفاً، فهذا حاصل الكلام في هذا الاستدلال. المسألة الثانية: قال الزجاج: يقال هديت إلى الحق، وهديت للحق بمعنى واحد، والله تعالى ذكر هاتين اللغتين في قوله: {قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقّ أَفَمَن يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ }. المسألة الثالثة: في قوله: {أَم مَّنْ لاَّ يَهِدِّى } ست قراءات: الأول: قرأ ابن كثير وابن عامر وورش عن نافع {يَهْدِى } بفتح الياء والهاء وتشديد الدال، وهو اختيار أبي عبيدة وأبي حاتم، لأن أصله يهتدي أدغمت التاء في الدال ونقلت فتحة التاء المدغمة إلى الهاء. الثانية: قرأ نافع ساكنة الهاء مشددة الدال أدغمت التاء في الدال وتركت الهاء على حالها، فجمع في قراءته بين ساكنين كما جمعوا في { أية : يَخِصّمُونَ } تفسير : [يس: 49] قال علي بن عيسى وهو غلط على نافع. الثالثة: قرأ أبو عمرو بالإشارة إلى فتحة الهاء من غير إشباع فهو بين الفتح والجزم مختلسة على أصل مذهبه اختياراً للتخفيف، وذكر علي بن عيسى أنه الصحيح من قراءة نافع. الرابعة: قرأ عاصم بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال فراراً من التقاء الساكنين، والجزم يحرك بالكسر. الخامسة: قرأ حماد ويحيى بن آدم عن أبي بكر عن عاصم بكسر الياء والهاء أتبع الكسرة للكسرة. وقيل: هو لغة من قرأ {نستعين ونعبد} السادسة: قرأ حمزة والكسائي {مَّن يَهْدِى } ساكنة الهاء وبتخفيف الدال على معنى يهتدي والعرب تقول: يهدي، بمعنى يهتدي يقال: هديته فهدى أي اهتدى. المسألة الرابعة: في لفظ الآية إشكال، وهو أن المراد من الشركاء في هذه الآية الأصنام وأنها جمادات لا تقبل الهداية، فقوله: {أَم مَّنْ لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يَهْدِي } لا يليق بها. والجواب من وجوه: الأول: لا يبعد أن يكون المراد من قوله: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } هو الأصنام. والمراد من قوله: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ } رؤساء الكفر والضلالة والدعاة إليها. والدليل عليه قوله سبحانه: {ٱتَّخَذُواْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ ٱللَّهِ } إلى قوله: { أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَـٰنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تفسير : [التوبة: 31] والمراد أن الله سبحانه وتعالى هدى الخلق إلى الدين الحق بواسطة ما أظهر من الدلائل العقلية والنقلية. وأما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون على أن يهدوا غيرهم إلا إذا هداهم الله تعالى، فكان التمسك بدين الله تعالى أولى من قبول قول هؤلاء الجهال. الوجه الثاني: في الجواب أن يقال: إن القوم لما اتخذوها آلهة، لا جرم عبر عنها كما يعبر عمن يعلم ويعقل، ألا ترى أنه تعالى قال: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ } تفسير : [الأعراف: 194] مع أنها جمادات وقال: { أية : إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءكُمْ } تفسير : [فاطر: 14] فأجرى اللفظ على الأوثان على حسب ما يجري على من يعقل ويعلم فكذا ههنا وصفهم الله تعالى بصفة من يعقل، وإن لم يكن الأمر كذلك، الثالث: أنا نحمل ذلك على التقدير، يعني أنها لو كانت بحيث يمكنها أن تهدي، فإنها لا تهدي غيرها إلا بعد أن يهديها غيرها، وإذا حملنا الكلام على هذا التقدير فقد زال السؤال. الرابع: أن البنية عندنا ليست شرطاً لصحة الحياة والعقل، فتلك الأصنام حال كونها خشباً وحجراً قابلة للحياة والعقل، وعلى هذا التقدير فيصح من الله تعالى أن يجعلها حية عاقلة ثم إنها تشتغل بهداية الغير. الخامس: أن الهدى عبارة عن النقل والحركة يقال: هديت المرأة إلى زوجها هدى، إذا نقلت إليه والهدي ما يهدى إلى الحرم من النعم، وسميت الهدية هدية لانتقالها من رجل إلى غيره، وجاء فلان يهادى بين اثنين إذا كان يمشي بينهما معتمداً عليهما من ضعفه وتمايله. إذا ثبت هذا فنقول: قوله: {أَم مَّنْ لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يَهْدِى } يحتمل أن يكون معناه أنه لا ينتقل إلى مكان إلا إذا نقل إليه، وعلى هذا التقدير فالمراد الإشارة إلى كون هذه الأصنام جمادات خالية عن الحياة والقدرة. واعلم أنه تعالى لما قرر على الكفار هذه الحجة الظاهرة قال: {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } يعجب من مذهبهم الفاسد ومقالتهم الباطلة أرباب العقول. ثم قال تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّا } وفيه وجهان: الأول: وما يتبع أكثرهم في إقرارهم بالله تعالى إلا ظناً، لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم، بل سمعوه من أسلافهم. الثاني: وما يتبع أكثرهم في قولهم الأصنام آلهة وأنها شفعاء عند الله إلا الظن والقول الأول أقوى، لأنا في القول الثاني نحتاج إلى أن نفسر الأكثر بالكل. ثم قال تعالى: {إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقّ شَيْئًا } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: تمسك نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: العمل بالقياس عمل بالظن، فوجب أن لا يجوز، لقوله تعالى: {إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقّ شَيْئًا }. أجاب مثبتو القياس، فقالوا: الدليل الذي دل على وجوب العمل بالقياس دليل قاطع، فكان وجوب العمل بالقياس معلوماً، فلم يكن العمل بالقياس مظنوناً بل كان معلوماً. أجاب المستدل عن هذا السؤال، فقال: لو كان الحكم المستفاد من القياس يعلم كونه حكماً لله تعالى لكان ترك العمل به كفراً لقوله تعالى: { أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } تفسير : [المائدة: 44] ولما لم يكن كذلك، بطل العمل به وقد يعدون عن هذه الحجة بأنهم قالوا: الحكم المستفاد من القياس إما أن يعلم كونه حكماً لله تعالى أو يظن أو لا يعلم ولا يظن والأول باطل وإلا لكان من لم يحكم به كافراً لقوله تعالى: { أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } تفسير : [المائدة: 44] وبالاتفاق ليس كذلك. والثاني: باطل، لأن العمل بالظن لا يجوز لقوله تعالى: {إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقّ شَيْئًا } والثالث: باطل، لأنه إذا لم يكن ذلك الحكم معلوماً ولا مظنوناً، كان مجرد التشهي، فكان باطلاً لقوله تعالى: { أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَـوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوٰتِ } تفسير : [مريم: 59]. وأجاب مثبتو القياس: بأن حاصل هذا الدليل يرجع إلى التمسك بالعمومات، والتمسك بالعمومات لا يفيد إلا الظن. فلما كانت هذه العمومات دالة على المنع من التمسك بالظن، لزم كونها دالة على المنع من التمسك بها، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان متروكاً. المسألة الثانية: دلت هذه الآية على أن كل من كان ظاناً في مسائل الأصول، وما كان قاطعاً، فإنه لا يكون مؤمناً. فإن قيل: فقول أهل السنة أنا مؤمن إن شاء الله يمنع من القطع فوجب أن يلزمهم الكفر. قلنا: هذا ضعيف من وجوه: الأول: مذهب الشافعي رحمه الله: أن الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل، والشك حاصل في أن هذه الأعمال هل هي موافقة لأمر الله تعالى؟ والشك في أحد أجزاء الماهية لا يوجب الشك في تمام الماهية. الثاني: أن الغرض من قوله إن شاء الله بقاء الإيمان عند الخاتمة. الثالث: الغرض منه هضم النفس وكسرها والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ} يقال: هداه للطريق وإلى الطريق بمعنًى واحد؛ وقد تقدم. أي هل من شركائكم من يُرشد إلى دين الإسلام؛ فإذا قالوا لا ولا بدّ منه فـ «قُلْ» لهم {ٱللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ} ثم قل لهم موبِّخاً ومقرراً. {أَفَمَن يَهْدِيۤ} أي يرشد. {إِلَى ٱلْحَقِّ} وهو الله سبحانه وتعالى. {أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ} يريد الأصنام التي لا تهدي أحداً، ولا تمشي إلا أن تُحمل، ولا تنتقل عن مكانها إلا أن تنقل. قال الشاعر:شعر : للفتى عقلٌ يعيش به حيث تَهْدِي ساقَه قَدَمُهْ تفسير : وقيل: المراد الرؤساء والمضلون الذين لا يرشدون أنفسهم إلى هُدًى إلا أن يُرْشَدوا. وفي «يَهدِي» قراءات ست: الأُولى ـ قرأ أهل المدينة إلا وَرْشاً «يَهْدّي» بفتح الياء وإسكان الهاء وتشديد الدال؛ فجمعوا في قراءتهم بين ساكنين كما فعلوا في قوله: {لاَ تَعْدُواْ} وفي قوله: «يَخْصِّمُونَ» قال النحاس: والجمع بين الساكنين لا يقدر أحد أن ينطق به. قال محمد بن يزيد: لا بد لمن رام مثل هذا أن يحرك حركة خفيفة إلى الكسر، وسيبويه يسمي هذا اختلاس الحركة. الثانية ـ قرأ أبو عمرو وقالون في روايةٍ بين الفتح والإسكان، على مذهبه في الإخفاء والاختلاس. الثالثة ـ قرأ ابن عامر وابن كثير وورش وابن مُحَيْصن «يَهَدّي» بفتح الياء والهاء وتشديد الدال. قال النحاس: هذه القراءة بيّنة في العربية، والأصل فيها يهتدي أدغمت التاء في الدال وقلبت حركتها على الهاء. الرابعة ـ قرأ حفص ويعقوب والأعمش عن أبي بكر مثل قراءة ابن كَثير، إلا أنهم كسروا الهاء، قالوا: لأن الجزم إذا ٱضْطُرّ إلى حركته حُرّك إلى الكسر. قال أبو حاتم: هي لغة سُفْلَى مضر. الخامسة ـ قرأ أبو بكر عن عاصم «يِهِدّي» بكسر الياء والهاء وتشديد الدال، كل ذلك لإتباع الكسر الكسر كما تقدم في البقرة في {أية : يَخْطَفُ} تفسير : [البقرة: 20]. وقيل: هي لغة من قرأ «نِسْتَعِينُ» و {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ}تفسير : [آل عمران: 24] ونحوه. وسيبويه لا يجيز «يِهِدّي» ويجيز «تهِدّي» و «نهِدّي» و «إهدي» قال: لأن الكسرة في الياء تثقل. السادسة ـ قرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى بن وَثّاب والأعمش «يَهْدِي» بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال؛ من هَدَى يهدي. قال النحاس: وهذه القراءة لها وجهان في العربية وإن كانت بعيدة، وأحد الوجهين أن الكسائي والفراء قالا: «يهدي» بمعنى يهتدي. قال أبو العباس: لا يعرف هذا، ولكن التقدير أمن لا يهدي غيره، تم الكلام، ثم قال: «إلاَّ أَنْ يُهْدَى» استأنف من الأوّل، أي لكنه يحتاج أن يهدى؛ فهو استثناء منقطع، كما تقول؛ فلان لا يُسمِع غيره إلا أن يُسمع، أي لكنه يحتاج أن يُسْمَع. وقال أبو إسحاق: {فَمَا لَكُمْ} كلام تام، والمعنى: فأي شيء لكم في عبادة الأوثان. ثم قيل لهم: {تَحْكُمُونَ } أي لأنفسكم وتقضون بهذا الباطل الصراح، تعبدون آلهة لا تغني عن أنفسها شيئاً إلا أن يُفعل بها، والله يفعل ما يشاء فتتركون عبادته؛ فموضع «كيف» نصب بـ «تحكمون».

البيضاوي

تفسير : {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ} بنصب الحجج وإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام والتوفيق للنظر والتدبر، وهدى كما يعدى بإلى لتضمنه معنى الانتهاء يعدى باللام للدلالة على أن المنتهي غاية الهداية وأنها لم تتوجه نحوه على سبيل الاتفاق ولذلك عدى بها ما أسند إلى الله تعالى. {قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقّ أَفَمَن يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ} أم الذي لا يهتدي إلا أن يهدى من قولهم: أهدى بنفسه إذا اهتدى، أو لا يهدي غيره إلا أن يهديه الله وهذا حال أشراف شركائهم كالملائكة والمسيح وعزير، وقرأ ابن كثير وورش عن نافع وابن عامر "يهدِّى" بفتح الهاء وتشديد الدال. ويعقوب وحفص بالكسر والتشديد والأصل يهتدي فأدغم وفتحت الهاء بحركة التاء أو كسرت لالتقاء الساكنين. وروى أبو بكر "يهدي" بإتباع الياء الهاء. وقرأ أبو عمرو بالإدغام المجرد ولم يبال بالتقاء الساكنين لأن المدغم في حكم المتحرك. وعن نافع برواية قالون مثله وقرىء {إِلا أَنْ يَهْدِى} للمبالغة {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} بما يقتضي صريح العقل بطلانه. {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ} فيما يعتقدونه. {إِلاَّ ظَنَاً} مستنداً إلى خيالات فارغة وأقيسة فاسدة كقياس الغائب على الشاهد والخالق على المخلوق بأدنى مشاركة موهومة، والمراد بالأكثر الجميع أو من ينتمي منهم إلى تمييز ونظر ولا يرضى بالتقليد الصرف. {إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقّ} من العلم والاعتقاد الحق. {شَيْئاً} من الإِغناء ويجوز أن يكون مفعولاً به و {مِنَ ٱلْحَقّ} حالاً منه، وفيه دليل على أن تحصيل العلم في الأصول واجب والاكتفاء بالتقليد والظن غير جائز. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} وعيد على اتباعهم للظن وإعراضهم عن البرهان. {وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ} افتراء من الخلق. {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ} مطابقاً لما تقدمه من الكتب الإلهية المشهود على صدقها ولا يكون كذباً كيف وهو لكونه معجزاً دونها عيَّارٌ عليها شاهد على صحتها، ونصبه بأنه خبر لكان مقدراً أو علة لفعل محذوف تقديره: ولكن أنزله الله تصديق الذي. وقرىء بالرفع على تقدير ولكن هو تصديق. {وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ} وتفصيل ما حقق وأثبت من العقائد والشرائع. {لاَ رَيْبَ فِيهِ} منتفياً عنه الريب وهو خبر ثالث داخل في حكم الاستدراك، ويجوز أن يكون حالاً من الكتاب فإنه مفعول في المعنى وأن يكون استئنافاً. {مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} خبر آخر تقديره كائناً من رب العالمين أو متعلق بتصديق أو تفصيل، و {لاَ رَيْبَ فِيهِ} اعتراض أو بالفعل المعلل وبهما أن يكون حالاً من الكتاب أو من الضمير في {فِيهِ}، ومساق الآية بعد المنع عن اتباع الظن لبيان ما يجب اتباعه والبرهان عليه. {أَمْ يَقُولُونَ} بل أيقولون. {ٱفْتَرَاهُ} محمد صلى الله عليه وسلم ومعنى الهمزة فيه للإنكار. {قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ} في البلاغة وحسن النظم وقوة المعنى على وجه الافتراء فإنكم مثلي في العربية والفصاحة وأشد تمرناً في النظم والعبارة. {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ} ومع ذلك فاستعينوا بمن أمكنكم أن تستعينوا به. {مِن دُونِ ٱللَّهِ} سوى الله تعالى فإنه وحده قادر على ذلك. {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أنه اختلقه. {بَلْ كَذَّبُواْ} بل سارعوا إلى التكذيب. {بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ} بالقرآن أول ما سمعوه قبل أن يتدبروا آياته ويحيطوا بالعلم بشأنه، أو بما جهلوه ولم يحيطوا به علماً من ذكر البعث والجزاء وسائر ما يخالف دينهم. {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} ولم يقفوا بعد على تأويله ولم تبلغ أذهانهم معانيه، أو ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإِخبار بالغيوب حتى يتبين لهم أنه صدق أم كذب، والمعنى أن القرآن معجز من جهة اللفظ والمعنى ثم إنهم فاجئوا تكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه ويتفحصوا معناه ومعنى التوقع في لما أنه قد ظهر لهم بالآخرة إعجازه لما كرر عليهم التحدي فزادوا قواهم في معارضته فتضاءلت دونها، أو لما شاهدوا وقوع ما أخبر به طبقاً لأخباره مراراً فلم يقلعوا عن التكذيب تمرداً وعناداً. {كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أنبياءهم. {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ } فيه وعيد لهم بمثل ما عوقب به من قبلهم. {وَمِنْهُمُ} ومن المكذبين. {مَن يُؤْمِنُ بِهِ} من يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكن يعاند، أو من سيؤمن به ويتوب عن الكفر. {وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ} في نفسه لفرط غباوته وقلة تدبره، أو فيما يستقبل بل يموت على الكفر، {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ} بالمعاندين أو المصرين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقِّ } بنصب الحجج وخلق الاهتداء؟ {قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقِّ } وهو الله {أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّى } يهتدى {إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ } أحق أن يتبع؟ استفهام تقرير وتوبيخ، أي الأوّل أحق {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } هذا الحكم الفاسد من اتباع ما لا يحق اتباعه؟.

ابو السعود

تفسير : {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ} احتجاجٌ آخرُ على ما ذكر جيء به إلزاماً لهم غِبَّ إلزامٍ وإفحاماً إثرَ إفحام وفصلُه عما قبله لما ذُكر من الدلالة على استقلاله {مَّن يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ} أي بوجه من الوجوه فإن أدنىٰ مراتبِ المعبودية هدايةُ المعبودِ لعبَدته إلى ما فيه صلاحُ أمرِهم وأما تعيـينُ طريقِ الهدايةِ وتخصيصُه بنصب الحجج وإرسالِ الرسلِ والتوفيقِ للنظر والتدبر كما قيل فمُخِلٌّ بما يقتضيه المقام من كمال التبكيتِ والإلزامِ فإن العجزَ عن الهداية على وجه خاصَ لا يستلزم العجزَ عن مطلق الهدايةِ. وهدىٰ كما يُستعمل بكلمة إلى لتضمّنه معنى الانتهاءِ يُستعمل باللام للدلالة على أن المنتهىٰ غايةُ الهداية وأنها لم تتوجه نحوه على سبـيل الاتفاق ولذلك استُعمل بها ما أسند إلى الله تعالى حيث قيل: {قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقّ} أي هو يهدي له دون غيره وذلك بما ذكر من نصب الأدلةِ والحججِ وإرسالِ الرسل وإنزال الكتبِ والتوفيقِ للنظر والتدبر وغيرِ ذلك من فنون الهداياتِ، والكلامُ في الأمر بالسؤال والجوابِ كما مر فيما مر {أَفَمَن يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ} وهو الله عز وجل {أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّى} بكسر الهاء أصله يهتدي فأُدغم وكُسرت الهاء لالتقاء الساكنين وقرىء بكسر الياء إتباعاً لها لحركة الهاء وقرىء بفتح الهاء نقلاً لحركة التاء إليها أي لا يهتدي بنفسه فضلاً عن هداية غيرِه، وفيه من المبالغة ما لا يخفى وإنما نُفي عنه الاهتداءُ مع أن المفهومَ مما سبق نفيُ الهدايةِ لما أن نفيَها مستتبعٌ لنفيه غالباً فإن من اهتدى إلى الحق لا يخلو عن هداية غيرِه في الجملة وأدناها كونُه قدوةً له بأن يراه فيسلُكَ مسلَكَه من حيث لا يدري، والفاءُ لترتيب الاستفهامِ على ما سبق من تحقق هدايتِه تعالى صريحاً وعدمِ هدايةِ شركائِهم المفهومِ من القصر ومن عدم الجوابِ المنبىء عن الجواب بالعدم فإن ذلك مما يَضطرهم إلى الجواب الحقِّ لا لتوجُّبِه الاستفهامَ إلى الترتيب كما يقع في بعض المواقعِ فإن ذلك مختصٌّ بالإنكاري كما في قوله تعالى: {أية : أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 162] الخ ونحوه، والهمزةُ متأخرةٌ في الاعتبار وإنما تقديمُها في الذكر لإظهار عراقتِها في اقتضاء الصدارةِ كما هو رأيُ الجمهورِ حتى لو كان السؤالُ بكلمة أي لأخِّرت حتماً، ألا يُرى إلى قوله تعالى: {أية : فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ } تفسير : [الأنعام: 83] إثرَ تقديرِ ما يُلجىء المشركين إلى الجواب من حالهم وحالِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرىء لا يهدي بمعنى لا يهتدي لمجيئه لازماً أو لا يهدي غيرَه، وصيغةُ التفضيلِ إما على حقيقتها والمفضلُ عليه محذوف كما اختاره مكي والتقدير أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع ممن لا يهدي أم من لا يهدي أحق الخ. وإما بمعنى حقيقتي كما اختاره أبو حيان، وأياً ما كان فالاستفهامُ للإلزام وأن يُتَّبعَ في حيز النصب، أو الجرِّ بعد حذفِ الجارِّ على الخلاف المعروفِ أي بأن يتبع {إِلا أَنْ يَهْدِى} استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوالِ أي لا يهتدي أو لا يهتدي غيره في حال من الأحوال إلا حالَ هدايتِه تعالى له إلى الاهتداء أو إلى هداية الغير، وهذا حالُ أشرافِ شركائِهم من الملائكة والمسيحِ وعزيرٍ عليهم السلام وقيل: المعنى أم من لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقلُ إليه إلا أن يُنقل إليه أو إلا أن ينقُلَه الله تعالى من حاله إلى أن يجعله حيواناً مكلفاً فيهديَه. وقرىء إلا أن يهتدي من التفعيل للمبالغة {فَمَا لَكُمْ} أي أيُّ شيءٍ لكم في اتخاذكم هؤلاء شركاءَ لله سبحانه وتعالى والاستفهامُ للإنكار التوبـيخيِّ وفيه تعجيبٌ من حالهم وقوله تعالى: {كَيْفَ تَحْكُمُونَ} أي بما يقضي صريحُ العقل ببطلانه إنكارٌ لحكمهم الباطلِ وتعجبٌ منه وتشنيعٌ لهم بذلك، والفاءُ لترتيب كلا الإنكارين على ما ظهر من وجوب اتباعِ الهادي إلى الحق. إن قلت: التبكيتُ بالاستفهام السابقِ إنما يظهر في حق من يعكسُ جوابَه الصحيحَ فيحكم بأحقية من لا يَهدي بالاتباع دون مَنْ يهدي، وهم ليسوا حاكمين بأحقية شركائِهم لذلك دون الله سبحانه وتعالى بل باستحقاقهما جميعاً مع رجحان جانبه تعالى حيث يقولون: هؤلاء شفعاؤُنا عند الله قلتُ: حكمُهم باستحقاقه تعالى للاتباع بطريق الاشتراكِ حكمٌ منهم بعدم استحقاقِه تعالى لذلك بطريق الاستقلال فصاروا حاكمين باستحقاق شركائِهم له دون الله تعالى من حيث لا يحتسبون.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ} [الآية: 35]. سُئل الحسين من هذا الحق الذى يشيرون إليه فقال: هو معل الأيام ولا يعتل. سئل الواسطى رحمة الله عليه ما حقيقة الحق؟ قال: حقيقته لا يقف عليها إلا الحق. وأنشد الحسين بن منصور: شعر : حَقِيقَـةُ الحــقِّ مُستَنِيـــرُ صَارِخَــةٌ مَـنْ بِنَــا خَبِيــرُ حَقَائِـقُ الحـقِّ قَـد تَجلَّــتْ مَبْلَــغُ مَـنْ رَامَهَـا عَسِيـــرُ تفسير : قال بعضهم: الحق لا يجرى به قولٌ، ولا يثبت له وصف ولا يذكر له حد.

القشيري

تفسير : الحقُّ اسمٌ من أسمائه سبحانه، ومعناه أنه موجود، وأنه ذو الحق، وأنه مُحِقُ الحقِّ. والحقُّ من أوصاف الخَلْق ما حَسُنَ فعله وصحُّ اعتقاده وجاز النطق به. و{ٱللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ}: أي إلى الحق هدايته. وهداه له وهداه إليه بمعنىً؛ فَمَنْ هداه الحقُّ للحقِّ وَقَفَه على الحقِّ، وعزيزٌ منْ هداه الحقُّ إلى الحقِّ للحقِّ، فماله نصيبٌ وماله حَظٌ.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل هل من شركائكم من يهدى} غيره {الى الحق} ولو كانت الهداية بوجه من الوجوه فان ادنى مراتب العبودية هداية المعبود لعبدته الى ما فيه صلاح امرهم وهدى كما يستعمل بكلمة الى لتدل على انتهاء ما قبلها الى مدخولها كذلك يستعمل باللام التعليلية لتدل على ان الهداية لا تتوجه نحو ما دخل عليه اللام الا لاجل ان تؤدى اليه ويترتب هو عليها كما هو شأن العلة والمعلل بها وقد جمع بين التعديتين فى هذه الآية {قل الله يهدى} من يشاء {للحق} دون غيره بنصب الادلة وارسال الرسل وانزال الكتب والتوفيق للنظر الصحيح والتدبر الصائب فان العقول مضطربة والافكار مختلطة وتعيين الحق صعب ولا يسلم من الغلط الا الاقل من القليل فالاهتداء لادراك الحقائق لا يكون الا باعانة الله وهدايته وارشاده {أفمن يهدى} غيره {الى الحق} هو الله تعالى {أحق ان} اى بان {يتبع} والمفضل عليه محذوف اى ممن لا يهدى {ام من لا يهدى} بكسر الهاء وتشديد الدال اصله لا يهتدى وادغم وكسر الهاء لالتقاء الساكنين اى لا يهتدى فى حال من الاحوال {الا ان يهدى} الا فى حال هدايته تعالى له الى الاهتداء. فان قلت الاصنام جمادات لا تقبل الهداية فكيف يصح ان يقال فى حقها الا ان يهدى وايضا كلمة من تستعمل فى ذوى العقول دون الجمادات فلا يليق ان يقال فى حقها ام من لا يهدى. قلت هذا انتفاء الاهتداء الا ان يهدى حال اشراف شركائهم كالملائكة والمسيح وعزير عليهم السلام فهذا بيان لفساد مذهب من يتخذ العقلاء الذين يقبلون الهداية اربابا بعد ما بين فساد مذهب مطلق اهل الشرك من عبدة الاوثان وغيرها بقوله {أية : قل هل من شركائكم من يبدا الخلق} تفسير : الآية فانه لا شك ان المراد بالشركاء فيه ما يتناول الاصنام وغيرها. وقل فى التبيان الصنم لا ينفع ولا يضر ولا يقدر على شيء فى نفسه الا ان يهدى يعنى يدخل ويخرج وينقل ويتصرف فيه والله تعالى جل عن ذلك وظاهر هذا الكلام يدل على ان الاصنام ان هديت اهتدت وليس كذلك لانها حجارة لا تهدتى الا انهم لما اتخذوها آلهة عبر عنها كما يعبر عمن يعقل ويفعل {كيف تحكمون} بما يقضى صريح العقل ببطلانه وهو انكار لحكمهم الباطل حيث سوّوا بين من يحتاجون هم اليه وهو الله تعالى وبين من يحتاج هو اليهم وهو ما عبدوه من دون الله من الاصنام ولا مساواة بين القادر والعاجز جدا شعر : عجر وقدرت كه هر دو ضدانند عقل كركويدت كه يكسانند عجز بر خلق مى دراند بوست قادرى بركمال حضرت اوست

الطوسي

تفسير : قرأ أهل الكوفة الا عاصماً {يهدي} بفتح الياء وسكون الهاء وتخفيف الدال. وقرأه أهل المدينة إلا ورشاً بفتح الياء، وسكون الهاء، وتشديد الدال. وقرأه ابن كثير وابن عامر وابو عمرو وورش بفتح الياء والهاء وتشديد الدال، الا أن السوسي من طريق ابن جيش لا يشبع فتحة الهاء، وكذلك روى الحماني عن شجاع وقرأه يعقوب وحفص والاعشى والبرجمي بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال ورواه ابو بكر الا الأعشى والبرجمي بكسر الياء والهاء وتشديد الدال. قال ابو علي: من قرأ {يهدي} بفتح الياء والهاء وتشديد الدال فقد نسبهم إلى غاية الذهاب عن الحق في معادلتهم الآلهة بالله تعالى، ألا ترى ان المعنى أفمن يهدي غيره إلى طريق التوحيد والحق أحق ان يتبع أم من لا يهتدي هو إلا أن يهدى، والتقدير أفمن يهدي غيره فحذف المفعول الثاني، فان قيل: هذه التي اتخذوها آلهة لا تهتدي وإن هديت لأنها موات من حجارة وأوثان ونحو ذلك!؟ قيل: تقدير الكلام على أنها إن هديت اهتدت وإن لم تكن في الحقيقة كذلك لأنهم لما اتخذوها آلهة عبر عنها كما يعبر عن الذي يجب له العبادة، كما قال { أية : ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض شيئاً ولا يستطيعون } تفسير : وقال { أية : إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم} تفسير : فاجرى عليه اللفظ كما يجري على من يعلم، كأنه قال أم من لا يهدي الا ان يهدى أي أم من لا يعلم حتى يُعلم، ومن لا يستدل على شيء حتى يدل، وإن كان لو دل أو أعلم لم يعلم ولم يستدل. واراد الله بذلك تعجيبهم من أنفسهم وتبيين جهلهم وقلة تمييزهم في تسويتهم من لا يعلم ولا يقدر بالله القادر العالم. وقرأ حمزة والكسائي {أم من لا يهدي} معناه أم من لا يهدي غيره، ولكن يهدى أي لا يعلم شيئاً ولا يعرّفه، ولكن يهدى أي لا هداية له، ولو هدي أيضاً لم يهتد، غير أن اللفظ جرى عليه كما قلناه فيما تقدم. ومن شدد، فلأن أصله يهتدي فأدغم التاء في الدال. ومن حرك الهاء القى حركة الحرف المدغم على الهاء لأنها من كلمة واحدة. ومن كسر الهاء لم يلق الحركة تشبيهاً بالمنفصل، وكسر الهاء لالتقاء الساكنين. ومن سكن الهاء جمع بين الساكنين. من أشم فلأن الاشمام في حكم التحريك. ومن كسر الياء اتبع الياء ما بعدها من الكسر لان أصله يفتعل. وقال قوم: معنى {أم من لا يهدي إلا أن يهدى} لا يتحرك حتى يحرك. أمر الله تعالى نبيه أن يقول أيضاً لهؤلاء الكفار الذين اتخذوا مع الله شركاء في العبادة {هل من شركائكم} الذين تعبدونهم من دون الله أو تشركون بينهما في العبادة من يهدي غيره إلى الحق والى طريق الرشاد، ثم قال: قل يا محمّد {الله يهدي للحق} وأفعال الخير، ثم قال "أفمن يهدي غيره إلى الحق" والى الصراط المستقيم أولى {أن يتبع} ويقبل قوله، {أم من لا يهدي إلا أن يهدى} أي إلا بعد أن يهدى وحكي عن البلخي أنه قال: هدى واهتدى بمعنى واحد. وقوله {فما لكم كيف تحكمون} أي بما تدعونه من عبادة - من دون الله - فالهداية المعرفة بطريق الرشاد من الغي، فكل هداية قائدة إلى سلوك طريق النجاة بدلا من طريق الهلاك. وقال الزجاج {ما لكم} كلام تام، كأنه قال أي شيء لكم في عبادة الأوثان ثم قال لهم {كيف تحكمون؟!} على أي حال، فموضع {كيف} نصب بـ {تحكمون} ويقال هديته للحق والى الحق بمعنى واحد.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ} ولمّا كان ههنا عدم تبادرهم الى الجواب متوقّعاً لخفاء هداية الله عليهم او لاحتمالهم هداية اصنامهم امره (ص) بالتّبادر الى الجواب من قبلهم فقال {قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ} مقول قوله (ص) او استيناف كلام من الله {أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ} قرئ يهدّى بتشديد الدّالّ من اهتدى بابدال التّاء دالاً وادغامها وقرئ حينئذٍ بكسر الهاء على قانون تحريك السّاكن بالكسرة وبفتحها على نقل حركة التّاء، وقرئ فى صورة كسر الهاء بفتح الياء على الاصل وبكسرها على اتّباعها، وقرئ بتخفيف الدّال من الهدى بمعنى الرّشاد او بمعنى الدّلالة {إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ} تنزيل الآيات فى الاشراك بالآله وتأويلها فى الاشراك بالولاية ولذا فسّر من يهدى بمحمّد (ص) وآله (ع) من بعده (ص)، وعلى التّأويل يجوز تفسير الآية هكذا قل هل من شركاءكم من يهدى غيره او يهتدى بنفسه الى الحقّ قل الله فى مظاهره النّبويّة او الولويّة يهدى غيره او يهتدى بنفسه الى الحقّ افمن يهدى غيره او يهتدى الى الحقّ احقّ ان يتّبع ام من لا يهدى غيره او لا يهتدى على قراءة تخفيف الدّال، او ام من لا يهتدى فقط على قراءة تشديد الدّال، وكأنّه للاشارة الى التّأويل اتى فى الكلّ بلفظ من الّتى هى لذوى العقول {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} باىّ حكم تحكمون فتختارون ما ليس له جهة ادراك على من يملك المدارك كلّها.

اطفيش

تفسير : {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائكُم} أوثانكم {مَنْ يَهْدى} بنصب الحجج، وإرسال الراسل، والتوفيق للنظر والتدبر {إلَى الحقِّ} وعربت الهداية بإلى لتضمنها معنى الإنهاء والإيصال، وتقدر أيضا باللام، لدلالتها على أن المنتهى غاية للهداية، ولكون أصل اللام للملك، والهداية ملك لله كما قيل، ولم يرد القائل أن اللام للملك، لأن اللام لم تدخل على اسم من ملك الهداية فيما فيه البحث على العموم، ولم توضع إلى لذلك، ولكنها قد تستعمل فيه عروضا وموافقة، وإنما وضعت للغاية، بخلاف اللام فإنها تدل بالوضع على أن المنتهى غاية الهداية، ولذى عدى بها ما أسند إلى الله تعالى فى قوله: {قُلِ اللهُ يَهْدِى للحقِّ} لا بإلى، وأما {أفمَنْ يَهْدى إلَى الحقِّ} فإنه ولو عدى فيه بإلى فيما أسند إلى الله، لأنه هو من يهدى إلى الحق، لكنه ليس بصريح، بخلاف: {قُلِ اللهُ يهدى للحق} كذا قال شيخ الإسلام تصحيحا لكلام القاضى، والحق عندى أن تعدية الهداية بإلى واللام لغتان، واللام بمعنى إلى، فكأنه قيل: قل الله يهدى إلى الحق، أفمن يهدى غيره إلى الحق. {أحقُّ أنْ يتَّبعَ أمَّن} عطف على من {لا يَهدِّى} لا يهتدى، فضلا عن أن يهدى غيره، وأصله يهتدى، أبدلت التاء دالا، ونقلت فتحتها للهاء، وأدغمت الدال فى الدال، وذلك رواية ورش، وقالون، عن نافع، وفى رواية عن قالون عنه اختلاس فتحة الهاء، وهو رواية عن أبى عمرو، وابن جماز، وبإخلاص الفتح قرأ ابن عامر، وأبو جعفر، بخلاف عن ابن جماز كرواية ورش. قال الإمام الأندلسى أبو عمرو الدانى: النص عن قالون بإسكان الهاء، وكذا نسب القاضى إلى أبى عمرو، ونافع فى رواية عنه، ولم يباليا بالتقاء الساكنين، لأن المدغم فى حكم المتحرك، وكذا روى عن أبى جعفر، والأعرج، ونص الدانى قبل ذلك، على أن قالون وأبا عمرو يخفيان حركة الهاء وهو الاختلاس، وقد ذكر اليزيدى، أن أبا عمرو يسم الهاء شيئا من الفتح، فلعل النص عن قالون، والرواية عن أبى عمرو وغيرهما بالإسكان، مراد بهما الاختلاس أو الإشمام لقربهما من السكون، وقرأ حفص بكسر الهاء، كأنه حذف فتح التاء حذفا أو أراد الإبدال والإدغام والهاء ساكنة فكسرها، لئلا يلتقى ساكنان، وكذا قرأ يعقوب، وكسر أبو بكر الهاء لذلك، والباء موافقة للهاء، وكل ذلك من الاهتداء، وقرأ حمزة والكسائى بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال من هدى الثلاثى اللازم بمعنى اهتدى. {إلا أنْ يُهْدى} وقرأ يحيى بن الحارث الذمارى، بتشديد الدال وفتح الهاء والياء، وذلك مبالغة، ومعنى اهتداء الشركاء إذا هديت وهو المراد بقوله: {أمن لا يهدِّى إلا أن يهدى} انتقالها إذ نقلت، وتجردها عن وسخ ونحوه، والوقوع فى هوة، وتكسر إذا جردت وأنفذت، أو معناه أنها لا تهتدى إلى الحق إلا إن علمتموها، فبتعليمكم تهتدى، وهذه مجاراة لهم فى تنزيلها منزلة من يعقل ويسمع، أو أنها لا تهتدى إلى النطق والتسبيح، إلا أن خلق الله فيها قوة ذلك، وليس من شأنها قبل أن يخلق فيها تلك القوة النطق والتسبيح، ومن ذلك نطقها يوم القيامة بإنكار عبادتهم لها، ويجوز قبل أن يكون المراد بالشركاء فى قوله: {قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق} رؤساء الكفر، فإنهم لا يهدون غيرهم، ولا يهتدون، إلا إن هداهم الله، أو المراد إشراف الشركاء كالملائكة وعزير، وعيسى لا يهدون غيرهم إلا أن هداهم الله إلى هداية غيرهم، وهذا إنما يأتى على قراءة، أم من لا يهدى بإسكان الهاءين باء مفتوحة ودال مكسورة مخففة. {فمَالكُم} استفهام توبيخ مبتدأ أو خبر {كَيفَ} استفهام آخر مستأنف، وهى حال من الواو بعدها {تحْكمُونَ} هذا الحكم الفاسد الذى يقتضى العقل بطلانه، ويوقف الفراء على قوله: "لكم" واستأنف بقوله: {كيف}.

اطفيش

تفسير : {قُلْ هَلْ مِنْ شَرَكَائِكُمْ مَّنْ يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ} ضد الباطل، هذا سؤال سابع: هل من شركائِكم من يعرف الحق ويهدى إِليه بنصب الدلائِل وإِرسال الرسل والأَنبياء وإِنزال الكتب فما يصح أَن يكون إِلها من لا يهدى عباده إِلى مصالحهم الدينية والدنيوية، ولا يكون هو المحلل المحرم ولا محيد عنهم عن أَن يقولوا آلهتنا لا تقدر على ذلك، فليست أَهلا لأَن تكون متبوعة، وكأنهم أَقروا بأَن ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حق من الله لظهور برهانه، ولو يسكتون لجاجا وعناداً فأَمره صلى الله عليه وسلم الله تعالى أَن يقول عنهم ولا ينتظر أَن يقولوا فقال {قُلِ اللهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ} والسؤال الثامن أَم يقولون إِلخ فأَمره بالجواب، إِذ قال قل فأْتوا ويجوز أَن يكون الهدى بمعنى التوفيق، وأَن يكون أَمره بالقول عنهم لجهلهم بما يقولون، وأَما يبدأُ الخلق فيبعد أَن يجهلوا أَن آلهتهم لا تبدأُ الخلق ولا تعيد وهدى يتعدى باللام تارة وبإِلى أُخرى تفننا {أَفَمَنْ يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ} بالحجج {أَحَقُّ} ممن لا يهدى إِليه {أَنْ يُتَّبَعَ} فيما أَمر أَو نهى أَو قال وهو الله جل وعلا، وأَحق اسم تفضيل على معناه والباءُ مقدرة أَى أَحق بأَن يتبع، وذلك على فرض أَن للأَصنام حق اتباع على زعمهم، وأَنها تأْمر وتنهى كأَنه قيل: إِذا كان لها حق اتباع، فالله أَحق منها بالاتباع، أَو المراد بالاتباع المراعاة بالعبادة أَو اسم تفضيل خارج عنه أَى حقيق بالاتباع، وإِنما نفى الاهتداءَ مع أَن ما قبله نفى للهداية مبالغة بأَن من لا يهتدى أَبعد من أَن يكون هادياً، فقد يكون الشىءُ مهتديا فى شأْنه لا يهدى غيره، فكيف من لا يهدى ولا يهدى أَو لمراعاة كون من اهتدى لا يخلو من أَن يصدر منه هداية بالنطق أَو الإِشارة أَو ظهور ما يقتدى به مشاهدة بالاتباع {أَمَّنْ لاَ يَهْدِّى} لا يهتدى أَبدلت التاء دالا وأَدغمت فى الدال بعد نقل فتحها للهاءِ {إِلاَّ أَنْ يُهْدَى} وهو الأَصنام، والمراد باهتدائِها موافقة ما يليق بها فى ظاهر الأَمر كجعلها حيث لا تداس ولا يلحقها الوسخ ولا تنتقل بنفسها أَو على فرض أَنها تعقل وتهتدى بمن هداها، وعبر عن الأَصنام بمن ملايمة لتعظيمهم إِياها ولاستحضارها فى مقامات مالا يتصف به الجماد. وقيل الشركاءُ شامل لعيسى والملائِكة فى الموضعين، وقيل فى الأَخير فتكون من على أَصلها أَو عمت العاقل وغيره، وأَما النجوم والشمس والقمر فى شأُن من يعبدهن فإِنهن كالأَصنام، أَو المراد أَو عاقل لا يهدى إِلى أَن يهدى بعموم العاقل عموماً بدلياً لا بقصد خصوص عيسى والملائِكة، فكيف يكون الجماد مهتديا لا هادياً {فَمَا لَكُمْ} إِنكار للياقة وتعجيب من اتخاذ من عجز عن مصالح نفسه إِلهاً، ومثل هذا لا بد له من حال مذكورة مثل مالك لا تتكلم، وقوله ما لكم عن التذكرة معرضين، أَو مقدرة كهذه الآية، أَى مالكم متخذين ما لا يملك ضراً ولا نفعاً آلهة أَو متخذين ما لا يهدى إِلهاً، أَو متبعين ما لا يهتدى. وينبغى الوقف بين مالكم وكيف تحكمون لأَن كلا استفهام مستقل {كَيْفَ تَحْكُمُونَ} إِنكار للياقة وتعجيب من الحكم بما يقضى بادىءَ الرأْى ببطلانه من اتخاذ من ذكر آلهة.

الالوسي

تفسير : {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِي إِلَى ٱلْحَقِّ} احتجاج آخر على ما ذكر جىء به إلزاماً غب إلزام وإفحاماً إثر إفحام. وفصله إيذاناً بفضله واستقلاله في إثبات المطلوب كما في سابقه. والمراد هل من يهدي إلى الحق بإعطاء العقل وبعثة الرسل وإنزال الكتب والتوفيق إلى النظر والتدبر بما نصب في الآفاق والأنفس إلى غير ذلك آلله سبحانه أم الشركاء؟. ومنهم من يبقى الكلام على ما يتبادر منه كما سمعت فيما قبل، ومن الناس من خصص طريق الهداية، والتعميم أوفق بما يقتضيه المقام من كمال التبكيت والإلزام كما لا يخفى {قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ} أي هو سبحانه يهدي له دون غيره جل شأنه، والكلام في / الأمر على طرز ما سبق، وفعل الهداية يتعدى إلى اثنين ثانيهما بواسطة وهي إلى أو اللام وقد يتعدى لهما بنفسه وهو لغة على ما قيل كاستعماله قاصراً بمعنى اهتدى، والمبرد أنكر هذا حيث قال: إن هدى بمعنى اهتدى لا يعرف لكن لم يتابعه على ذلك الحفاظ كالفراء وغيره، وقد جمع هنا بين صلتيه إلى واللام تفنناً وإشارة بإلى إلى معنى الانتهاء وباللام للدلالة على أن المنتهى غاية للهداية وأنها لم تتوجه إليه على سبيل الاتفاق بل على قصد من الفعل وجعله ثمرة له ولذلك عدى بها ما أسند إليه سبحانه كما ترى. وأما قوله تعالى: {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى ٱلْحَقِّ} فالمقصود به التعميم وإن كان الفاعل في الواقع هو الله جل شأنه. وقيل: اللام هنا للاختصاص والجمهور على الأول، والمفعول محذوف في المواضع الثلاثة، وجواز اللزوم في الأول مما لا يلتفت إليه، ويقدر فيها على طرز واحد كالشخص ونحوه، وقيل: التقدير قل هل من شركائكم من يهدي غيره إلى الحق قل الله يهدي من يشاء إلى الحق أفمن يهدي غيره إلى الحق {أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي} بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال وهي قراءة يعقوب. وحفص، وأصله يهتدي وكسر الهاء لالتقاء الساكنين. وقرأ حماد ويحيـى عن أبـي بكر عن عاصم بكسر الياء والهاء والتشديد وكسرت الياء اتباعاً للهاء، وكان سيبويه يرى جواز كسر حرف المضارعة لغة إلا الياء لثقل الكسرة عليها وهذه القراءة حجة عليه. وقرأ ابن كثير وورش عن نافع وابن عامر بفتح الياء والهاء والتشديد والأصل يهتدي فنقلت فتحة التاء إلى الهاء قبلها ثم قلبت دالاً لقرب مخرجهما وأدغمت فيها. وقرأ أبو عمرو وقالون عن نافع كذلك لكنه اختلس فتحة الهاء تنبيهاً على أن الحركة فيها عارضة، وفي بعض الطرق عن أبـي عمرو أنه قرأ بالإدغام المجرد عن نقل الحركة إلى ما قبلها أو التحريك بالكسر لالتقاء الساكنين. واستشكل ذلك بأن فيه الجمع بين الساكنين ولذا قال المبرد: من رام هذا لا بد أن يحرك حركة خفيفة قال ابن النحاس إذ بدونه لا يمكن النطق، وذكر القاضي أنه لم يبال بالتقاء الساكنين لأن المدغم في حكم المتحرك، وأنكر بعضهم هذه القراءة وادعى أنه إنما قرأ بالاختلاس، والحق أنه قرأ بهما وروي ذلك عن نافع أيضاً وتفصيله في «لطائف الإشارات والطيبة». وقرأ حمزة والكسائي {يَهْدِي} كيرمي، وهو إما لازم بمعنى يهتدي كما هو أحد استعمالات فعل الهداية على المعول عليه كما علمت آنفاً أو متعد أي لا يهدي غيره، ورجح هذا بأنه الأوفق بما قبل فإن المفهوم منه نفي الهداية لا الاهتداء، وقد يرجح الأول بأن فيه توافق القراءات معنى وتوافقها خير من تخالفها، وإنما نفى الاهتداء مع أن المفهوم مما سبق نفي الهداية كما ذكر لما أن نفيها مستتبع لنفيه غالباً فإن من اهتدى إلى الحق لا يخلو عن هداية غيره في الجملة وأدناها كونه قدوة له بأن يراه فيسلك مسلكه، والفاء لترتيب الاستفهام على ما سبق كأنه قيل: إذا كان الأمر كذلك فأنا أسألكم أمن يهدي إلى الحق الخ.، والمقصود من ذلك الإلزام، والهمزة على هذا متأخرة في الاعتبار وإنما قدمت في الذكر لإظهار عراقتها في اقتضاء الصدارة كما هو المشهور عند الجمهور. وصيغة التفضيل إما على حقيقتها والمفضل عليه محذوف كما اختاره مكي والتقدير أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع ممن لا يهدي أم من لا يهدي أحق، وإما بمعنى حقيق كما اختاره أبو حيان، وهو خبر عن الموصول، والفصل بالخبر بين أم وما عطفت عليه هو الأفصح كما قال السمين، وقد لا يفصل كما في قوله سبحانه: {أية : أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ / مَّا تُوعَدُونَ}تفسير : [الأنبياء: 109] والإظهار في موضع الإضمار لزيادة التقرير، و {أَن يُتَّبَعَ} في حيز النصب أو الجر بعد حذف الجار على الخلاف المعروف في مثله أو بأن يتبع. {إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ} استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا يهتدي أو لا يهدي غيره في حال من الأحوال إلا حال هدايته تعالى له إلى الاهتداء أو إلى هداية الغير، وهذا على ما قاله جمع حال أشراف شركائهم كالمسيح وعزير والملائكة عليهم السلام دون الأوثان لأن الاهتداء الذي هو قبول الهداية وهداية الغير مختصان بذوي العلم فلا يتصور فيها. وأخرج ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ وغيرهما أن المراد الأوثان؛ ووجه ذلك بأنه جار على تنزيلهم لها منزلة ذوي العلم، وقيل: المعنى أم من لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينقل إليه إلا أن ينقل إليه أو إلا أن ينقله الله تعالى من حاله إلى أن يجعله حيواناً مكلفاً فيهديه وهو من قولك: هديت المرأة إلى زوجها وقد هديت إليه وقيل: الآية الأولى {أية : قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } تفسير : [يونس: 34] في الأصنام أو فيما يعمهم ونحو الملائكة عليهم السلام وهذه في رؤساء الضلالة كالأحبار والرهبان الذين اتخذوا أرباباً من دون الله وليس بالعيد فيما أرى، ويؤيده التعبير بالاتباع فإنه يقتضي العمل بأوامرهم والاجتناب عن نواهيهم وهذا لا يعقل في الأوثان إلا بتكلف، وهو وإن عقل في أشراف شركائهم لكنهم لا يدعون إلا إلى خير واتباعهم في ذلك لا ينعى على أحدهم اللهم إلا أن يقال: إن المشركين تقولوا عليهم أوامر ونواهي فنعى عليهم اتباعهم لهم في ذلك، وعبر بالاتباع ولم يعبر بالعبادة بأن يقال: أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يعبد أم من لا يهدي إلا أن يهدى مع أن الآية متضمنة إبطال صحة عبادتهم من حيث أنهم لا يهدون وأدنى مراتب العبودية هداية المعبود لعبدته إلى ما فيه صلاح أمرهم مبالغة في تفظيع حال عبادتهم لأنه إذا لم يحسن الاتباع لم تحسن العبادة بالطريق الأولى وإذا قبح حال ذاك فحال هذه أقبح والله تعالى أعلم. وقرىء {إلا أن يهدى} مجهولاً مشدداً دلالة على المبالغة في الهداية. {فَمَالَكُمْ} أي أي شيء لكم في اتخاذ هؤلاء العاجزين شركاء لله سبحانه وتعالى، والكلام مبتدأ وخبر والاستفهام للإنكار والتعجب. وعن بعض النحاة أن مثل هذا التركيب لا يتم بدون حال بعده نحو قوله تعالى: {أية : فَمَا لَكُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ }تفسير : [المدثر: 49] فلعل الحال هنا محذوف لظهوره كأنه قيل: فما لكم متخذين هؤلاء شركاء ولا يصح أن يكون قوله عز وجل: {كَيْفَ تَحْكُمُونَ} في موضع الحال لأن الجملة الاستفهامية لا تقع حالاً بل هو استفهام آخر للإنكار والتعجب أيضاً أي كيف تحكمون بالباطل الذي يأباه صريح العقل ويحكم ببطلانه من اتخاذ الشركاء لله جل وعلا، والفاء لترتيب الإنكار على ما ظهر من وجوب اتباع الهادي.

ابن عاشور

تفسير : هذا تكرير آخر بعد قوله: {أية : قل هل من شركائكم من يَبدأ الخلق ثم يعيده}تفسير : [يونس: 34]. وهذا استدلال بنقصان آلهتهم عن الإرشاد إلى الكمال النفساني بنشر الحق، وبأن الله تعالى هو الهادي إلى الكمال والحق، ومجموع الجملتين مفيد قَصْر صفة الهداية إلى الحق على الله تعالى دون آلهتهم قصرَ إفراد، كما تقدم في نظيره آنفاً. ومعلوم أن منة الهداية إلى الحق أعظم المنن لأن بها صلاح المجتمع وسلامة أفراده من اعتداء قويّهم على ضعيفهم، ولولا الهداية لكانت نعمة الإيجاد مختلة في مضمحلة. والمراد بالحق الدين، وهو الأعمال الصالحة، وأصوله وهي الاعتقاد الصحيح. وقد أتبع الاستدلال على كمال الخالق ببدء الخلق وإعادته بالاستدلال على كماله بالهداية كما في قول إبراهيم ـ عليه السلام ـ {أية : الذي خلقني فهو يهدين}تفسير : [الشعراء: 78] وقول موسى ـ عليه السلام ـ {أية : ربّنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هَدى}تفسير : [طه: 50] وقوله تعالى: {أية : سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدّر فهدى}تفسير : [الأعلى: 1 ـ 3]. وذلك أن الإنسان الذي هو أكمل ما على الأرض مركب من جسد وروح، فالاستدلال على وجود الخالق وكماله بإيجاد الأجساد وما فيها هو الخلق، والاستدلال عليه بنظام أحوال الأرواح وصلاحها هو الهداية. وقوله: {أفمن يهدي إلى الحق أحق من يتبع} إلى آخره تفريع استفهام تقريري على ما أفادته الجملتان السابقتان من قصر الهداية إلى الحق على الله تعالى دون آلهتهم. وهذا مما لا ينبغي أن يختلف فيه أهل العقول بأن الذي يهدي إلى الحق يوصل إلى الكمال الروحاني وهو الكمال الباقي إلى الأبد وهو الكون المصون عن الفساد فإن خلق الأجساد مقصود لأجل الأرواح، والأرواح مراد منها الاهتداء، فالمقصود الأعلى هو الهداية. وإذ قد كانت العقول عرضة للاضطراب والخطأ احتاجت النفوس إلى هدي يتلقى من الجانب المعصوم عن الخطإ وهو جانب الله تعالى، فلذلك كان الذي يهدي إلى الحق أحق أن يتبع لأنه مصلح النفوس ومصلح نظام العالم البشري، فاتباعه واجب عقلاً واتباع غيره لا مصحح له، إذ لا غاية ترجى من اتباعه. وأفعال العقلاء تصان عن العبث. وقوله: {أمّن لا يَهدّي إلا أن يُهدى} أي الذي لا يهتدي فضلاً عن أن يَهدي غيره، أي لا يقبل الهداية فكيف يهدي غيره فلا يحق له أن يتبع. والمراد بـ {من لا يهدي} الأصنام فإنها لا تهتدي إلى شيء، كما قال إبراهيم ـ {أية : يا أبتِ لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً}تفسير : [مريم: 42]. وقد اختلف القراء في قوله: {أمَّن لا يَهدي} فقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو ـ بفتح التحتية وفتح الهاء ـ على أن أصله يهتدي، أبدلت التاء دالاً لتقارب مخرجيهما وأدغمت في الدال ونقلت حركة التاء إلى الهاء الساكنة (ولا أهمية إلى قراءة قالون عن نافع إلى قراءة أبي عمرو بجعل فتح الهاء مختلساً بين الفتح والسكون لأن ذلك من وجوه الأداء فلا يعد خلافاً في القراءة). وقرأ حفص عن عاصم، ويعقوبُ ـ بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال ـ على اعتبار طرح حركة التاء المدغمة واختلاف كسرة على الهاء على أصل التخلص من التقاء الساكنين. وقرأ أبو بكر عن عاصم ـ بكسر الباء وكسر الهاء ـ بإتباع كسرة الياء لكسرة الهاء. وقرأ حمزة والكسائي وخلف ـ بفتح الياء وسكون الهاء وتخفيف الدال ـ على أنه مضارع هَدَى القاصر بمعنى اهتدى، كما يقال: شَرى بمعنى اشترى. والاستثناء في قوله: {إلا أن يُهدى} تهكم من تأكيد الشيء بما يشبه ضده. وأريد بالهَدْي النقل من موضع إلى موضع أي لا تهتدي إلى مكان إلا إذا نقلها الناس ووضعوها في المكان الذي يريدونه لها، فيكون النقل من مكان إلى آخر شبه بالسير فشبه المنقول بالسائر على طريقة المكنية، ورُمز إلى ذلك بما هو من لوازم السير وهو الهداية في {لا يهدي إلا أن يهدى}. وجوز بعض المفسرين أن يكون فعل {إلا أن يهدى} بمعنى إهداء العروس، أي نقلها من بيت أهلها إلى بيت زوجها، فيقال: هديت إلى زوجها. وجملة: {فمالكم كيف تحكمون} تفريع استفهام تعجيبي على اتباعهم من لا يهتدي بحال. واتباعهم هو عبادتهم إياهم. فـ {ما} استفهامية مبتدأ، و{لكم} خبر، واللام للاختصاص. والمعنى: أي شيء ثبت لكم فاتبعتم من لا يهتدي بنفسه نقلاً من مكان إلى مكان. وقول العرب: مالك؟ ونحوه استفهام يعامل معاملة الاستفهام في حقيقته ومجازه. وفي الحديث أن رجلاً قال للنبيء صلى الله عليه وسلم دُلني على عمل يُدخلني الجنة، فقال الناس: «مَا لَه مَا لَه» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أرَبٌ مَّا له».تفسير : فإذا كان المستفهم عنه حالاً ظاهرة لم يحتج إلى ذكر شيء بعد (مَا له) كما وقع في الحديث. وجعل الزجاج هذه الآية منه فقال: {ما لكم}: كلام تام، أي أي شيء لكم في عبادة الأوثان. قال ابن عطية: ووقف القراء {فما لكم} ثم يبدأ {كيف تحكمون}. وإذا كان بخلاف ذلك أتبعوا الاستفهام بحال وهو الغالب كقوله تعالى: {أية : ما لكم لا تناصرون}تفسير : [الصافات: 25] {أية : فما لهم عن التذكرة معرضين}تفسير : [المدثر: 49] ولذلك قال بعض النحاة: مثل هذا الكلام لا يتم بدون ذكر حال بعده، فالخلاف بين كلامهم وكلام الزجاج لفظي. وجملة: {كيف تحكمون} استفهام يتنزل منزلة البيان لما في جملة: {ما لكم} من الإجمال ولذلك فصلت عنها فهو مثله استفهام تعجيبي من حكمهم الضال إذ حكموا بإلهية من لا يهتدي فهو تعجيب على تعجيب. ولك أن تجعل هذه الجملة دليلاً على حال محذوفة.

الواحدي

تفسير : {قل هل من شركائكم} يعني: آلهتكم {من يهدي} يرشد {إلى الحق} إلى دين الإسلام {قل الله يهدي للحق} أَيْ: إلى الحقِّ {أفمن يهدي إلى الحق أحقُّ أن يتبع أم من لا يهدي} أَي: الله الذي يهدي، ويرشد إلى الحقِّ أهلَ الحقِّ أحقُّ أن يتَّبع أمره أم الأصنام التي لا تهدي أحداً {إلاَّ أن يُهدى} يُرشد، وهي - وإنْ هُديت - لم تهتد، ولكنَّ الكلام نزل على أنَّها إِن هُديت اهتدت؛ لأنَّهم لمَّا اتخذوها آلهةً عُبِّر عنهما كما يُعبَّر عمَّن يعلم {فما لكم} أيُّ شيءٍ لكم في عبادة الأوثان، وهذا كلامٌ تامٌّ {كيف تحكمون} يعني: كيف تقضون حين زعمتم أنَّ مع الله شريكاً.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 35- قل - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين: هل من معبوداتكم التى جعلتموها شركاء لله مَن يستطيع التمييز بين الهدى والضلال، فيرشد سواه إلى السبيل الحق؟ فسيعجزون! فهل القادر على الهداية إلى الحق أولى بالاتباع والعبادة؟ أم الذى لا يستطيع أن يهتدى فى نفسه، وهو بالأولى لا يهدى غيره، اللهم إلا إذا هداه غيره؟ كرؤوس الكفر والأحبار والرهبان الذين اتخذتموهم أرباباً من دون الله. فما الذى جعلكم تنحرفون حتى أشركتم هؤلاء بالله؟ وما هذه الحال العجيبة التى تجركم إلى تلك الأحكام الغريبة. 36- وما يتبع أكثر المشركين فى معتقداتهم إلا ظنوناً باطلة لا دليل عليها، والظن - على وجه العموم - لا يفيد، ولا يغنى عن العلم الحق أى غناء، ولا سيما إذا كان ظناً وهمياً كظن هؤلاء المشركين. وإن الله عليم بما يفعله رؤساء الكفر وأتباعهم الذين يقلدونهم، وسيجازيهم على ذلك. 37- وما كان يتأتى فى هذا القرآن أن يفتريه أحد، لأنه فى إعجازه وهدايته وإحكامه لا يمكن أن يكون من عند غير الله. وليس هو إلا مصدقاً لما سبقه من الكتب السماوية فيما جاءت به من الحق، وموضحاً لما كتب وأثبت من الحقائق والشرائع. لا شك فى أن هذا القرآن منزل من عند الله، وأنه معجز لا يقدر أحد على مثله. 38- بل يقول هؤلاء المشركون: اختلق محمد هذا القرآن من عنده، فقل لهم - أيها الرسول -: إن كان هذا القرآن من عمل البشر، فأتوا أنتم بسورة واحدة مماثلة له، واستعينوا على ذلك بمن تشاءون من دون الله، إن كنتم صادقين فى زعمكم أن القرآن من عندى.

القطان

تفسير : وهذا ضربٌ آخر من الحُجّة أقامه الله تعالى دليلاً على توحيده وبطلان الاشراك به، وقد جاء بطريق السؤال للتوبيخ وإلزام الخصم بالحجة. {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ...}. ايها الرسول، قل لهؤلاء المشركين: هل من هؤلاء الذين عبدتموهم من يستطيع التمييز بين الهدى والضلال، فيرشد سواه الى السبيل الحق؟ إن الله وحده يفعل ذلك. {أَفَمَن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ}. هل القادرُ على الهداية الى الحق أَولى بالاتباع والعبادة أم الذي لا يستطيع ان يهتدي في نفسه، ولا يهدي غيره الا اذا هداه الله!! {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}. ما الذي جعلكم تنحرفون حتى أشركتم هذه الأصنامَ وغيرها في العبادة مع الله! كيف تحكمون بجواز عبادتهم وشفاعتهم عنده وتؤمنون بالخرافات، رغم الادلة الواضحة على فسادها! قراءات: كلمة يهدي: جاءت ثلاثة مرات "يَهدي" بفتح الياء وسكون الهاء وكسر الدال، والرابعة: "أمّن لا يهدِّي" بفتح الياء وكسر الهاء والدال المشددة. وهذه قراءة حفص ويعقوب كما هي بالمصحف ومعناها يهتدي. وقرأ ابن كثير وورش عن نافع عامر: "يهدي" بفتح الياء والهاء وتشديد الدال. وقرأ ابو بكر: "يهدي" بكسر الياء والهاء وتشديد الدال. {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً}. وما يتبع أكثرُ المشركين في متعقداتهم الا ظنّاً لا دليل عليه، والظنّ لا يفيد ولا يغني عن العلم الحق اي شيء. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}. ان الله عليم بما يفعله رؤساء الكفر وأتباعهم وسيجازيهم على ذلك. وفي هذا تهديد لكل من يتبع الظن في أمرٍ من أمور الدين. {وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}. لايصحُّ ولا يُعقل ان يفتريَ هذا القرآنَ أحد، لأنه في إعجازه وأحكامه لا يمكن ان يكون من عند غير الله، لما فيه من علوم عالية، وحِكم سامية، وتشريعٍ عادل، وآداب اجتماعية وإنباء بالغيب من الماضي والمستقبل، وإنما هو مصدّقٌ لما سبقه من الكتب السماوية، فيما جاءت به من الحق. {وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ }. وهو مفصِّلٌ وموضِّح لما كُتب وسَبَق من الكتب السماوية، فهو لا شك منزلٌ من عند الله رب العالمين. هكذا بيّن الله تعالى أنّ القرآن أجلُّ من أن يُفترى، لِعجزِ الخلْق عن الإتيان بمثله، ثم انتقلَ إلى حكاية زعْمِ المعاندِين المشركين الذين قالوا: إن محمّدا قد افتراه فقال: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. بل يقول هؤلاء المشركون: إن محمّداً اختلقَ هذا القرآنَ من عنده، فقل لم ايها الرسول: إن كان هذا القرآنُ من عملِ البشَر، فأُتوا أنتم بسورةٍ واحدة مماثلةٍ له، واستعِينوا على ذلك بمن تشاءون من دونِ الله، إن كنتم صادقين فيما تزعمون. وهذا التحدي قائم الى الآن، وقد عجَزَ عنه الأوّلون الآخرون، وسيظل ثابتا الى أبد الآبدين. {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ}. لقد سارَعوا الى تكذيبه من غير أن يتدبّروا ما فيه، أو يقفوا على ما احتوى عليه من الأدلة والبراهين والحقائق. {كَذَلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ}. وبمثل هذه الطريقة في التكذيب من غير علم، كذَّب الذين قبلهم من مشركي الامم رسلَهم بما لم يحيطوا بعلمه قبل ان يأيتهم تاويله، فانظر ايها الرسول الكريم كف كيف كان عاقبة الظالمين، وما آل اليه أمر المكذبين السابقين كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. بعد ان بين الله ان المشركين كذّبوا بالقرآن قبل ان يأتيَهم تأويله أو يحيطوا بعلمه - ذكر هنا كيف يكون حالُهم بعد ان يأتيهم التأويل، اذ سينقسمون فريقين: فريق يؤمن به وفريق يستمر على كفره وعناده.

د. أسعد حومد

تفسير : {شُرَكَآئِكُمْ} {أَمَّن} (35) - وَقُلْ لَهُمْ إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَهْدِي الضَّالِينَ إلَى الحَقِّ وَالرَّشَادِ، بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الهِدَايَةِ التِي تَتمُّ بِهَا حِكْمَةُ الخَلْقِ، فَهَلْ مِنْ مَعْبُودَاتِكُمُ التِي جَعَلْتُمُوهَا شُرَكَاءَ للهِ مَنْ يَسْتَطِيعُ التَّمْييزَ بَيْنَ الهُدَى وَالضَّلاَلِ، فَيُرْشِدُ غَيْرَهُ إِلى طَرِيقِ الحَقِّ؟ وَبِمَا أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ شُرَكَاءَهُمْ لاَ يَسْتَطِيعونَ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ، فَقُلْ لَهُمْ: مَنْ هُوَ الأَحَقُّ بِأَنْ يُتَّبَعَ: الذِي يَهْدِي الضَّالِّينَ، وَيَفْتَحُ عُيُونَ العُمْيِ لِيُبْصِرُوا الحَقَّ وَالآيَاتِ، أمِ الذِي لاَ يَسْتَطِيعُ هِدَايَةَ نَفْسِهِ، وَهُوَ يَنْتَظِرُ أَنْ يَهْدِيَهُ غَيْرُهُ، فَمَا بَالُكُمْ تَضِلُّونَ؟ وَكَيْفَ سَوَّيْتُمْ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَعَدَلْتُمْ عَنْ عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ إِلى عِبَادَةِ الأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ وَالأَنْدَادِ؟ لاَ يَهْدِي - لاَ يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذا أمر للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يسألهم سؤالاً جديداً، لا إجابة له إلا ما يفرضه الواقع، والواقع يؤكد أن الهداية لا تكون إلا للحق؛ لأن كل كائن مخلوق لغاية، فلا شيء يُخلق عبثاً. ونحن بقُدرتنا المحدودة نصنع (الميكرفون) و(التليفزيون) أو الثلاجة أو السرير وغيرها، كلّ منها له غاية، وكل له قوانين صيانته الخاصة به، والذي يحدِّد الغاية من هذا المصنوع أو ذاك هو صانعه، ويضع لها قوانين صيانتها؛ لتؤدّي غايتها، فالغاية من أي شيء توجد قبل الشيء نفسه؛ ليوجد الشيء على مقتضى الغاية منه. وآفة العالم الآن أنهم يعلمون أن الله سبحانه خلق الإنسان، ولكنهم يصنعون من عندهم قوانين لصيانة الإنسان وحركة الإنسان، وهذا غباء وغفلة من الذين يفعلون ذلك، كان عليهم أن يتركوا أمر صيانة الإنسان للقوانين التي وضعها خالق الإنسان سبحانه. فالحق سبحانه وتعالى قد حدد الغاية من خَلْق الإنسان وحدّد قوانين صيانته، والشر الموجود حالياً بسبب الجهل بغاية الإنسان، والعدول عن المنهج الذي يجب أن يسير عليه الإنسان، فقال الحق سبحانه: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ..} [يونس: 35]. أي: هل من هؤلاء الشركاء مَنْ يهدي الإنسان إلى غايته؟ هل قالت الشمس - مثلاً - غايتها؟ هل قالت الملائكة غايتها؟ هل قالت الأشجار أو الأحجار أو الرسل الذين عبدتموهم شيئاً غير مراد الله تعالى؟ إنهم آلهة لا يعرفون الغاية من العابد لهم، ولا يعرفون الطريق الموصل إلى تلك الغاية. ولذلك يأتي القول الفصل: {قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ..} [يونس: 35]. فالله هداك أيها الإنسان إلى الحق في كل حركة تتحركها بالمنهج الذي أنزله الله سبحانه مكتملاً على رسوله صلى الله عليه وسلم من بدء "لا إله إلا الله" إلى إماطة الأذى عن الطريق، وهو منهج مستوعب مستوفٍ لكل حركات الإنسان. وجاءت الإجابة من الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم انبهروا بالسؤال وتلجلجوا ولم يوجد عند أي منهم قدرة على المعارضة، فالغاية من خلق الإنسان وغيره يوجزها قول الحق سبحانه: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات: 56]. والعبادة ليست أركان الإسلام فقط، بل هي عمارة الكون كبنيان حيّ للإسلام، والذي حدد الغاية هو الخالق سبحانه، وهو سبحانه الذي يحدد طريق الوصول إليها. ونحن حين نرغب في الوصول إلى مكان في الصحراء مثلاً، إنما نحدد أولاً المكان، ونختار طريق الوصول، فإن كان الطريق المستقيم مليئاً بالعقبات والجبال، فإنك ستضطر للانحراف عن هذا الطريق وصولاً إلى غايتك، فهذا الطريق المعوج هو الطريق المستقيم؛ لأنه الطريق الذي يجنبنا العقبات. ومثال ذلك: السيول التي تنزل على هضباب الحبشة، فاختارت لنفسها المجرى السهل فكان نهر النيل، فلا أحد قد حفر النيل مثلما حفرنا الرياحات أو قناة السويس، بل نزل السيل واختار لنفسه الطريق السهل فسار فيه بين التعاريج والرمال والصخور. ولذلك أنت تجد كل ما لا دخل للبشر به قد يتعرج لينفذ، أما ما صنعه البشر فلا يستطيع ذلك. وكل خلق لا بد له من غاية؛ لذلك نجد سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا السلام يقول: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء: 78]. فمن خلق هو الذي يحدد الغاية؛ لأن هذه الغاية توجد عنده أولاً ليخلق، وتتجلى الدقة في قول القرآن على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام، فلم يقل: الذي خلقني يهديني، بل قال: {ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} مما يدل على أن هذه القضية ستخالَف، وبعد أن يخلق الإنسان سيقوم بعض الناس - حماية لمصالحهم - بوضع طريق أخرى تخالف الغاية؛ فتوصل إلى الضلال. أما الحق سبحانه فقد أنزل القرآن فيه الهداية الحقة، فالذي خلق هو الذي يقنن، ولذلك يذكر القرآن على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام: {أية : وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ}تفسير : [الشعراء: 79]. وبهذا القول وصل سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى أن الذي رزق الآباء قدرة استنباط الرزق مطعماً ومشرباً هو الله سبحانه. وذكر القرآن على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام: {أية : وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ}تفسير : [الشعراء: 81]. فالإماتة والإحياء هما من الحق سبحانه، فلا أحد يسأل عمن يملك الإماتة والإحياء، أما عن شفاء المرض فقال: {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}تفسير : [الشعراء: 80]. فأنت قد تذهب إلى الطبيب وتظن أنه هو الذي يشفيك؛ بل هو يعالج، ولكن الله هو الذي يشفي. وهكذا نعلم أن قول سيدنا إبراهيم عليه السلام: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء: 78]. هو كلام منطقي؛ لأن خالق الشيء هو الذي يهدي إلى الغاية من الشيء؛ فالغاية أولاً، ثم الخلق، ثم توضيح الطريق الموصل إلى تلك الغاية، فإذا خولف في شيء من ذلك فلا صلاح لكون أبداً. وتجد في القرآن على لسان سيدنا موسى عليه السلام: {أية : قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}تفسير : [طه: 50]. فما دام الحق سبحانه قد خلق فهو يهدي إلى السبيل الموصل إلى الغاية، ويقول القرآن أيضاً: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ * ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ}تفسير : [الأعلى: 1ـ3]. وهكذا يتأكد لنا أنه ما دامت هناك غاية، فلا بد من وجود طريق يهدينا إليه من خَلَقَنَا. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: {قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ..} [يونس: 35] لأنه سبحانه هو الذي خلق؛ ولذلك فمن المنطقي أن يأتي بعد ذلك التساؤل: {أَفَمَن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ..} [يونس: 35]؟ وسبب وجود اللام في قوله: {يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ} هو النظرة إلى الغاية، وسبب وجود: {إِلَى ٱلْحَقِّ} هو لفت الانتباه إلى أن الوصول إلى الغاية يقتضي طريقاً، فأراد الحق سبحانه في آية واحدة أن يجمع التعبيرين معاً. ونحن نعلم أن هذه الآية قد نزلت في الذين اتخذوا لله شركاء، فهم يعترفون بالله تعالى ولكنهم يشركون به غيره، فالله سبحانه وتعالى تفرَّد بالألوهية بربوبيته للخلق؛ لأنه خلق من عَدَمٍ، ورزق من عُدْمٍ، وخَلَق لنا وسائل العلم ودبَّر لنا الأمر، وأخرج الحي من الميت، وأخرج الميت من الحي، وهدى للحق. فأين - إذن - هؤلاء الشركاء الذين اتخذتموهم مع الله تعالى؟ وهل صنع واحد منهم أو كُلُّهم مجتمعين شيئاً واحداً من تلك الأشياء؟ لذلك قال سبحانه: {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ..} [يونس: 35]. إذن: فالذي يهدي هو الذي خَلَق، وهؤلاء الذين أشركوا اعترفوا بالله خالقاً بشهاداتهم حين قال الحق سبحانه: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..}تفسير : [الزخرف: 87]. إذن: فالذين أشركوا قد ارتكبوا الإثم العظيم، وهؤلاء الشركاء إما أن يكونوا من الملائكة، أو من الأنبياء والرسل الذين فُتن بهم بعض الناس، وهناك من اتخذ وسائط أخرى مثل: الشمس والقَمر والنجوم؛ وهذه أشياء عُلوية، وبعض الناس اتخذوا وسائط سفلية كالأشجار والأحجار، فهل أي شيء من كل ذلك يهدي إلى الحق؟ وما منهج أي منهم إذن؟ وكيف بلَّغوكم به؟ إن كل هؤلاء يعلمون أن أيّاً منهم لا يستطيع أن يَهدي، بل هو يُهْدَى من الله سبحانه وتعالى، فمن أين قلتم إن الملائكة ستهديكم؟ أو من أين جاء الذين فُتنوا برسولهم واتخذوه إلهاً؟ ومن أين جاء هذا الرسول بمنهجه؟ إن كل كائن لا يَهدي إلا بعد أن يُهدى من الله أولاً، وإن كانت الأشياء - المتخذة شركاء - لا هداية لها، ولا منهج، ولا عقل، ولا تفكير، كالشمس والقمر والنجوم في العلويات، والأشجار والأحجار في السفليات، فماذا قالت هذه الأشياء؟ إنها لم تقل شيئاً. وهكذا لا يستقيم أمر اتخاذهم شركاء مع الله، حتى الملائكة، فالله هو الذي يختار منهم المَلَكَ الذي يُبلِّغ عن الله سبحانه، وكذلك الرسل عليهم السلام: {أَفَمَن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ..} [يونس: 35]. {لاَّ يَهِدِّيۤ} تقرأ هكذا، وللغة فيها عملية تخفيف جَرْس لسلامة نطقها واستقامة اللغة العربية، فنحن نعرف أن {يَهِدِّيۤ} يعنى: يهتدي.. أصلها يهتدي.. ويهتدي فيها هاء ساكنة وتاء ودال وياء.. وفيها تقارب لمخارج الحروف، وهذا التقارب يجعل المعنى غائماً، والنطق ثقيلاً، فتقوم اللغة بعملية إبدال وإدغام، وتخلّص من التقاء الساكنين فتصل إلى مسامعنا كما أنزلها الله تعالى لسلامة النطق وجمال المعنى؛ لأن القرآن أدَّب اللغة بكلام السماء؛ لتكون خالدة اللفظ والمعنى. فإذا كنتم على طريق هداية، فالأصل في الهداية هو الله تعالى. ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ..} [يونس: 35]. أي: ماذا أصاب عقولكم لتحكموا هذا الحكم؛ فتشركوا بالله ما لا منهج له، أو له منهج ولكنه موصول بالله تعالى جاء ليبلغه لهم؟ وساعة تسمع {كَيْفَ} فهي للاستفسار عن عملية عجيبة ما كان - في عُرْف العاقل - أن تحدث. كأن تقول: "كيف ضربت أباك؟" أو"كيف سببت أمك؟"، وهذا كله من الأمور التي تأباها الفطرة ويأباه الطبع والدين. وقوله سبحانه: {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} كأنه أمر عجيب ما كان يصح أن يحدث؛ لأن الحق سبحانه وحده هو الإله، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغيَّر غاية وطريقاً. والله سبحانه وحده هو الذي حدد لنا الغاية والطريق الموصل إليها، وهو سبحانه القائل: {أية : وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ ..}تفسير : [يونس: 25]. والمنهج هو الطريق الذي يوصل إلى دار السلام من آفة الأغيار؛ لأن الدنيا كلها أغيار، فأنت قد تكون قوياً ثم تضعف أو صحيحاً فيصيبك المرض، أو غنياً فتفتقر، أو مبصراً فيضيع منك بصرك، أو تكون صحيح الأذن سمعياً فتصير أصم بعد ذلك. إذن: فهي دنيا أغيار، وهَبْ أن إنساناً أخذ من دنياه كل نصيبه عافية وأمناً وسلامةً وغنًى وكل شيء؛ سنجده في قلق من جهتين: الجهة الأولى أنه يخاف أن يفارقه كل هذا النعيم، أو يخاف أن يترك هو هذا النعيم، هذا ما نراه في حياتنا. إذن: فالدنيا بما فيها من أغيار لا أمان لها؛ لنفهم أن كل عطاءات المخلوق إنما هي هبة من الخالق سبحانه وتعالى؛ لأنها لو كانت من ذاتك لاستطعت الحفاظ عليها، ولكنها هِبَاتٌ من الحق الأعلى سبحانه. والأمر الموهوب قد يصبح مسلوباً. ثم يقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً ...}.