١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
36
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً} يريد الرؤساء منهم؛ أي ما يتبعون إلا حَدْساً وتخْريصاً في أنها آلهة وأنها تشفع، ولا حجة معهم. وأما أتباعهم فيتبعونهم تقليداً. {إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً} أي من عذاب الله؛ فالحق هو الله. وقيل «الحق» هنا اليقين؛ أي ليس الظن كاليقين. وفي هذه الآية دليل على أنه لا يُكْتَفَى بالظن في العقائد. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} من الكفر والتكذيب، خرجت مخرج التهديد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ } في عبادة الأصنام {إِلاَّ ظَنّاً } حيث قلدوا فيه آباءهم {إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئًا } فيما المطلوب منه العلم {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } فيجازيهم عليه.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِلاَّ ظَنّاً} تقليداً للرؤساء.
النسفي
تفسير : {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ } في قولهم للأصنام إنها آلهة وإنها شفعاء عند الله والمراد بالأكثر الجميع {إِلاَّ ظَنّا } بغير دليل وهو اقتداؤهم بأسلافهم ظناً منهم إنهم مصيبون {إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقّ } وهو العلم {شَيْئاً } في موضع المصدر أي إغناء {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } من اتباع الظن وترك الحق. { وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي افتراء من دون الله، والمعنى وما صح وما استقام أن يكون مثله في علو أمره وإعجازه مفترى {وَلَـٰكِنِ } كان {تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } وهو ما تقدمه من الكتب المنزلة {وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ } وتبيين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع من قوله {أية : كتاب الله عليكم { تفسير : [النساء: 24] {لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } داخل في حيز الاستدراك كأنه قال: ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريب كائناً من رب العالمين، ويجوز أن يراد: ولكن كان تصديقاً من رب العالمين وتفصيلاً منه لا ريب في ذلك، فيكون {من رب العالمين} متعلقاً بـ {تصديق} و{تفصيل} ويكون {لا ريب فيه} اعتراضًاً كما تقول «زيد لا شك فيه كريم» {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } بل أيقولون اختلقه {قُلْ } إن كان الأمر كما تزعمون {فَأتُواْ } أنتم على وجه الافتراء{بِسُورَةٍ مّثْلِهِ } أي شبيهة به في البلاغة وحسن النظم فأنتم مثلي في العربية {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ } أي وادعوا من دون الله من استطعتم من خلقه للاستعانة به على الإتيان بمثله {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أنه افتراء {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن في بديهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره، وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه، وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم. ومعنى التوقع في {ولما يأتهم تأويله} أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل تقليداً للآباء، وكذبوه بعد التدبر تمرداً وعناداً، فذمهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم به، وجاء بكلمة التوقع ليؤذن أنهم علموا بعد علو شأنه وإعجازه لما كرر عليهم التحدي وجربوا قواهم في المعارضة وعرفوا عجزهم عن مثله فكذبوا به بغياً وحسداً. {كَذٰلِكَ } مثل ذلك التكذيب {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } يعني كفار الأمم الماضية كذبوا رسلهم قبل النظر في معجزاتهم وقبل تدبرها عناداً وتقليداً للآباء، ويجوز أن يكون معنى {ولما يأتهم تأويله} ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب أي عاقبته حتى يتبين لهم أهو كذب أم صدق، يعني أنه كتاب معجز من جهتين من جهة إعجاز نظمه ومن جهة ما فيه من الإخبار بالغيوب فتسرعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز وقبل أن يجربوا إخباره بالمغيبات وصدقه وكذبه {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ }
الخازن
تفسير : {وما يتبع أكثرهم إلا ظناً} يعني: وما يتبع أكثر هؤلاء المشركين إلا ما لا علم لهم بحقيقته وصحته بل هم في شك منه وريبة وقيل المراد بالأكثر الكل لأن جميع المشركين يتبعون الظن في دعواهم أن الأصنام تشفع لهم وقيل المراد بالأكثر الرؤساء {إن الظن لا يغني من الحق شيئاً} يعني أن الشك لا يغني عن اليقين شيئاً ولا يقوم مقامه وقيل في الآية إن قولهم إن الأصنام آلهة وإنها تشفع لهم ظن منهم لم يرد به كتاب ولا يعني أنها لا تدفع عنهم من عذاب الله شيئاً {إن الله عليم بما يفعلون} يعني من اتباعهم الظن وتكذيبهم الحق اليقين. قوله تعالى: {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله} يعني وما كان ينبغي لهذا القرآن أن يختلف ويفتعل لأن معنى الافتراء الاختلاق والمعنى ليس وصف القرآن وصف شيء ممكن أن يفترى به على الله لأن المفترى هو الذي يأتي به البشر وذلك أن كفار مكة زعموا أن محمداً صلى الله عليه وسلم أتى بهذا القرآن من عند نفسه على سبيل الافتعال والاختلاق فأخبر الله عز وجل أن هذا القرآن وحي أنزل الله عليه وأنه مبرأ من الافتراء والكذب وأنه لا يقدر عليه أحد إلا الله تعالى. ثم ذكر سبحانه وتعالى ما يؤكد هذا بقوله {ولكن تصديق الذي بين يديه} يعني ولكن الله أنزل هذا القرآن مصدقاً لما قبله من الكتب التي أنزلها على أنبيائه كالتوراة والإنجيل. وتقرير هذا، أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب ولم يجتمع بأحد من العلماء، ثم إنه صلى الله عليه وسلم أتى بهذا القرآن العظيم المعجز وفيه أخبار الأولين وقصص الماضين وكل ذلك موافق لما في التوراة والإنجيل والكتب المنزلة قبله ولو لم يكن كذلك لقدحوا فيه لعداوة أهل الكتاب له ولما لم يقدح فيه أحد من أهل الكتاب علم بذلك أن ما فيه من القصص والأخبار مطابقة لما في التوراة والإنجيل مع القطع بأنه ما علم ما فيها فثبت بذلك أنه وحي من الله أنزله عليه وأنه مصدق لما بين يديه وأنه معجزة له صلى الله عليه وسلم. وقيل في معنى قوله: ولكن تصديق الذي بين يديه يعني من أخبار الغيوب الآتية، فإنها جاءت على وفق ما أخبر {وتفصيل الكتاب} يعني وتبيين ما في الكتاب من الحلال والحرام والفرائض والأحكام {لا ريب فيه من رب العالمين} يعني أن هذا القرآن لا شك فيه أنه من رب العالمين وأنه ليس مفترى على الله وأنه لا يقدر أحد من البشر على الإتيان بمثله وهو قوله سبحانه وتعالى: {أم يقولون افتراه} يعني أم يقول هؤلاء المشركون افترى محمد هذا القرآن وخلقه من قبل نفسه وهو استفهام إنكار وقيل أم بمعنى الواو أي ويقولون افتراه {قل} أي: قل لهم يا محمد إن كان الأمر كما تقولون {فأتوا بسورة مثله} يعني بسورة شبيهة به في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم فأنتم عرب مثلي في الفصاحة والبلاغة. فإن قلت: قال الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة فأتوا بسورة من مثله وقال سبحانه وتعالى هنا فأتوا بسورة مثله فما فائدة ذلك وما الفرق بينهما. قلت لما كان محمداً صلى الله عليه وسلم أمياً لم يقرأ ولم يكتب وأتى بهذا القرآن العظيم كان معجزاً في نفسه فقيل لهم فأتوا بسورة من مثله يعني: مع إنسان أمي مثل محمد صلى الله عليه وسلم في عدم الكتابة والقراءة. وأما قوله سبحانه وتعالى: فأتوا بسورة مثله أي فأتوا بسورة تساوي سور القرآن في الفصاحة والبلاغة وهو المراد بقوله فأتوا بسورة مثله يعني أن السورة في نفسها معجزة فإن الخلق لو اجتمعوا على ذلك لم يقدروا عليه وهو المراد من قوله: {وادعوا من استطعتم من دون الله} يعني وادعوا للاستعانة على ذلك من استطعتم من خلقه {إن كنتم صادقين} يعني في قولكم إن محمداً افتراه ثم قال تعالى: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه} يعني القرآن. أي: كذبوا بما لم يعلموه. قال عطاء: يريد أنه ليس خلق يحيط بجميع علوم القرآن. وقيل: معناه بل كذبوا بما في القرآن من ذكر الجنة والنار والحشر والقيامة والثواب والعقاب وغيرها مما لم يحيطوا بعلمه، لأنهم كانوا ينكرون ذلك كله. وقيل: إنهم لما سمعوا ما في القرآن من القصص وأخبار الأمم الخالية ولم يكونوا سمعوها قبل ذلك أنكروها لجهلهم فرد الله سبحانه وتعالى عليهم بقوله بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه لأن القرآن العظيم مشتمل على علوم كثيرة لا يقدر أحد على استيعابها وتحصيلها {ولما يأتهم تأويله} يعني أنهم كذبوا به ولم يأتهم بعد بيان ما يؤول إليه ذلك الوعيد الذي توعدهم الله في القرآن به من العقوبة. والمعنى: أنهم لم يعلموا ما تؤول إليه عاقبة أمرهم. وقيل: معناه أنهم لم يعلموه تنزيلاً ولا علموه تأويلاً فكذبوا به وذلك لأنهم جهلوا القرآن وعلمه وعلم تأويله {كذلك كذب الذين من قبلهم} يعني كما كذب هؤلاء بالقرآن كذلك كذب الأمم الماضية أنبياءهم فيما وعدوهم به {فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: فانظر يا محمد كيف كان عاقبة من ظلم من الأمم كذلك تكون عاقبة من كذبك من قومك ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وقيل يحتمل أن يكون الخطاب لكل فرد من الناس. والمعنى: فانظر أيها الإنسان كيف كان عاقبة من ظلم فاحذر أن تفعل مثل فعله.
ابو السعود
تفسير : {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ} كلامٌ مبتدأٌ غيرُ داخلٍ في حيز الأمرِ مَسوقٌ من قِبله تعالى لبـيان عدمِ فهمِهم لمضمون ما أفحمهم وألقمهم الحجرَ من البرهان النيّر الموجبِ لاتباع الهادي إلى الحق الناعي عليهم بطلانَ حكمِهم وعدمَ تأثرِهم من ذلك لعدم اهتدائِهم إلى طريق العلم أصلاً أي ما يتبع أكثرهم في معتقداتهم ومحارواتِهم {إِلاَّ ظَنّا} واهياً من غير التفاتٍ إلى فرد من أفراد العِلم فضلاً عن أن يسلُكوا مسالكَ الأدلةِ الصحيحةِ الهادية إلى الحق المبنيةِ على المقدمات اليقينية الحقةِ فيفهموا مضمونَها ويقفوا على صحتها وبُطلانِ ما يخالفها من أحكامهم الباطلةِ فيحصُل التبكيتُ والإلزامُ فالمراد بالاتباع مطلقُ الاعتقادِ الشامل لما يقارن القَبولَ والانقيادَ وما لا يقارنه، وبالقصر ما أشير إليه من أن لا يكونَ لهم في أثنائه اتباعٌ لفرد من أفراد العلمِ والتفاتٌ إليه، ووجهُ تخصيصِ هذا الاتباعِ بأكثرهم الإشعارُ بأن بعضَهم قد يتبعون العلم فيقفون على حقية التوحيدِ وبطلانِ الشركِ لا يقبلونه مكابرةً وعناداً فيحصل بالنسبة إليهم التأثرُ من البرهان المزبورِ وإن لم يُظهروه وكونُهم أشدَّ كفراً وأكثرَ عذاباً من الفريق الأولِ لا يقدح فيما يُفهم من فحوى الكلامِ عُرفاً من كون أولئك أسوأَ حالاً من غيرهم، إذ المعتبرُ سوءُ الحالِ من حيث الفهمُ والإدراكُ لا من حيث الكفرُ والعذابُ، أو ما يتبع أكثرُهم مدةَ عمرِهم إلا ظناً ولا يتركونه أبداً، فإن حرفَ النفي الداخلِ على المضارع يُفيد استمرارَ النفي بحسب المقامِ فالمرادُ بالاتباع حينئذٍ هو الإذعانُ والانقيادُ والقصرُ باعتبار الزمان، ووجهُ تخصيصِ هذا الاتباعِ بأكثرهم مع مشاركة المعاندين لهم في ذلك التلويحُ بما سيكون من بعضهم من اتباع الحقِّ والتوبةِ كما سيأتي هذا وقد قيل: المعنى وما يتبع أكثرُهم في إقرارهم بالله تعالى إلا ظناً غيرَ مستندٍ إلى برهان عندهم وقيل: وما يتبع أكثرُهم في قولهم للأصنام: إنها آلهةٌ إلا ظناً، والمرادُ بالأكثر الجميعُ فتأمل. وقيل: الضميرُ في أكثرهم للناس فلا حاجةَ إلى التكلف {إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقّ} من العلم اليقينيِّ والاعتقادِ الصحيحِ المطابقِ للواقع {شَيْئاً} من الإغناء، ويجوز أن يكون مفعولاً به، ومن الحق حالاً فيه والجملةُ استئنافٌ ببـيان شأنِ الظنِّ وبُطلانِه، وفيه دِلالةٌ على وجوب العلمِ في الأصول وعدمِ جوازِ الاكتفاءِ بالتقليد {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} وعيدٌ لهم على أفعالهم القبـيحةِ فيندرج تحتها ما حُكي عنهم من الإعراض عن البراهين القاطعةِ والاتباعِ للظنون الفاسدةِ اندراجاً أولياً، وقرىء تفعلون بالالتفات إلى الخطاب لتشديد الوعيد.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً} [الآية: 36]. قال الجنيد رحمة الله عليه: مَرّ على يدى أرباب التوحيد حتى أبو يزيد، ما خرجوا من الدنيا إلا على التوهم. قال الواسطى رحمة الله عليه: {إلاَّ ظَنّاً} أنهم قد وصلوا وهم فى محل الانفصال، إذ لا وصل ولا فصل على الحقيقة، الذات ممتنعة عن الاتصال كما هي ممتنعة عن الانفصال. سئل أبو خفص عن حقيقة التوكل فقال: كيف يجوز لنا أن نتكلم فى حقائق الأحوال، والله يقول: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً}. سئل أبو عثمان ما الظن؟ قال: هواجس النفس فى طلب مرادها.
القشيري
تفسير : الظَّنُّ يُنافي اليقين، فإنه ترجيح أحد طَرَفَيْ الحكم على الآخر من غير قَطْعٍ. وأربابُ الحقائق على بصيرة وقطع؛ فالظنُّ في أوصاف الحقِّ معلولٌ، والقطع - في أوصاف النَّفُس - لكل أحدٍ معلول. والعَبْدُ يجب أن يكون في الحال خالياً عن الظن إذّ لا يَعْرفُ أحدٌ غيْبَ نَفْسِه في مآلِه. وفي صفة الحقِّ يجب أن يكونَ العبدُ على قطعٍ وبصيرة؛ فالظنُّ في الله معلول، والظن فيما مِنَ الله غير محمود. ولا يجوز بوجهٍ من الوجوه أن يكون أهلُ المعرفةِ به سبحانه - فيما يعود إلى صفته - على الظن، كيف وقد قال الله تعالى فيما أمر نبيِّه - عليه السلام - أَنْ يقول:{أية : أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي}تفسير : [يوسف: 108]؟ وكما قلنا: شعر : طَلَعَ الصباحُ فلات حين سراج وأتى اليقين فلات حين حجاج حصل الذي كُنَّا نؤمِّل نَيْلَه من عَقْد ألويةٍ وحلِّ رتاج والبعد قَوْضَ بالدِّنو خيامه والوصلُ وَكَّدَ سَجْلَه بِعاج قَدْ حَانَ عَهْدٌ للسرور فحيهلا لهواجم الأحزان بالإزعاج
اسماعيل حقي
تفسير : {وما يتبع اكثرهم} فيما يعتقدون من ان الاصنام آلهة {الا ظنا} من غير تحقيق وانما قلدوا فى ذلك آباءهم. وفيه اشعار بان بعضهم قد يتبعون العلم فيقفون على حقية التوحيد وبطلان الشرك لكن لا يقبلونه مكارة وعنادا {ان الظن لا يغنى} بى نياز نكر داندكسى را] {من الحق} [از علم واعتقاد درست يعنى ظن وتخمين بجاى حق ويقين نتواند] {شيئا} من الاغناء فيكون مفعولا مطلقا ويجوز ان يكون مفعولا به ومن الحق حالا منه فمعنى لا يغنى حينئذ لا ينوب. وقال بعضهم ان الظن بان الاصنام شفعاء لا يدفع عنهم العذاب فقولهم بانها شفعاء باطل محض مبنى على خيال فاسد وظن واه {ان الله عليم بما يفعلون} وعيد على اتباعهم للظن واعراضهم عن البرهان. وفى الآية دلالة على وجوب العلم فى الاصول وعدم جواز الاكتفاء بالتقليد: وفى المنثوى شعر : وهم افتد در خطا ودر غلط عقل باشد در اصابتها فقط كشتئ بى لنكر آمد مرد شر كه زباد كزنيابد او حذر لنكر عقلست عاقل را امان لنكرى دريوزه كن ازعاقلان تفسير : وقد نادى قوله تعالى {فما لكم كيف تحكمون} على كونهم محرومين من كمال العقل فان العاقل بالعقل الكامل لا يتبع الباطل والجهل بل الحق والعلم وكون الآباء على صفة الشرك لا ينهض حجة فان الله تعالى قد خلق الناس وهداهم الى تمييز الخير والشر بتركيب العقل فيهم فالاتباع ليس الا الى الهدى وكما ان المشركين ضلوا عن طريق الشريعة بتقليد الجهلة فكذا السالكون ضلوا عن طريق الحقيقة بتقليد الغفلة. قال بعض الكبار اوصيكم بوصية لا يعرفها الا من عقل وجرب ولا يهملها الا من غفل فحجب وهو ان لا تأخذوا فى هذا العلم مع متكبر ولا صاحب بدعة ولا مقلد. اما الكبر فانه عقال عن فهم الآية والعبر. واما البدعة فتوقع صاحبها فى البلايا الكبار. واما التقليد فعقال يمنع من الظفر وبلوغ الوطر ثم ان ما وصل المرء اليه بنور العقل والبرهان فالعلم المكسوب بالعقل بمنزلة الظن والتخمين عند ارباب اليقين والحق الذى لا غاية وراءه وراء طور العقل وما يلى ظاهر القلب هو الايمان وما يلى باطنه هو الايقان. قال بعض العارفين اذا كان الايمان فى ظاهر القلب كان العبد محبا للآخرة والدنيا وكان مرة مع الله ومرة مع نفسه فاذا دخل الايمان باطن القلب ابغض العبد دنياه وهجر هواه والوصول الى هذه المرتبة لا يكون الا بجذبة آلهية وبصحبة مرشد كامل: قال الحافظ شعر : من بسر منزل عنقا نه بخود بردم راه قطع اين مرحله بامرغ سليمان كردم تفسير : ومن شرائطه الاحتراز عن صحبة خلاف الجنس فانها مؤثرة وما ضاع من ضاع الا بمساعدة الهوى والقعود مع اهل الانكار فقد ظهر الحق وحقيقة الحال وماذا بعد الحق الا الضلال نسأل الله المتعال ان يوفقنا للاجتهاد الى وقت الارتحال
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وما يتبع} أكثر المشركين في اعتقادهم {إلا ظَنّاً} مستنداً إلى خيالات فارغة وأقيسة فاسدة، كقياس الغائب على الشاهد، والخالق على المخلوق، بأدنى مشاركة موهوبة. والمراد بالأكثر الجميع، أو من ينتسب منهم إلى تمييز ونظر، ولم يرضى بالتقليد الصرف، {إن الظن لا يغنى من الحق}؛ من علم التحقيق {شيئاً}، أو {من} الاعتقاد {الحق شيئاً} من الإغناء. قال البيضاوي: وفيه دليل على أن تحصيل العلم في الأصول واجب، وأن الاكتفاء بالتقليد والظن غير جائز. هـ. وعدم الاكتفاء بالظن إنما هو في الأصول، وأما الفروع فالظن فيها كاف. {إن الله عليم بما يفعلون} هذا وعيد لهم على اتباعهم الظن، وإعراضهم عن النظر والاستدلال، وعلى عدم اتباعهم من يدلهم على الحق. والله تعالى أعلم. الإشارة: الناس على قسمين: أهل تصديق وإيمان، وأهل شهود وعيان. فأهل التصديق والإيمان هم عامة أهل اليمين، وهم أكثر المسلمين من العلماء الصالحين، يستندون في معرفتهم بالله إلى الدليل والبرهان، فتارة يقوى عندهم الدليل فيترقَّون عن اتباع الظن إلى الجزم والتصميم، وتارة يضعف فيرجعون إلى اتباع الظن الراجح. وأما أهل الشهود والعيان، فقد غابت عنهم الأكوان في شهود المكوّن، فصاروا يستدلون بالله على وجود غيره، فلا يجدونه، حتى قال بعضهم: لو كُلفت أن أرى غيره لم أستطع فإنه لا غير معه حتى اشهده، محال أن تشهده وتشهد معه سواه. وقال شاعرهم: شعر : مذْ عَرَفتُ الإِله لَم أَرَ غَيراً وَكَذَا الغَيرُ عِندَنَا مَمنُوعُ مُذ تَجَمَّعَتُ ما خَشِيتُ افتراقاً فَأَنا اليَومَ وَاصِلٌ مَجمُوعُ تفسير : وقال آخر: شعر : عجبتُ لِمْنَ يَنبَغي عَلَيكَ شَهَادَةً وَأَنتَ الَّذي أَشهَدتُه كُلَّ شَاهِد تفسير : وقال في الحكم: "شتان بين من يستدل به أو يستدل عليه، المستدل به عرف الحق لأهله، فأثبت الأمر من وجود أصله، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه، وإلا... فمتى غاب حتى يستدل عليه، ومتى بَعُدَ حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه!". ولا مطمع لأحد في التطهير من الظنون والأوهام إلا بصحبة شيخ كامل عارف بالله، فيلقي إليه نفسه، فلا يزال يسير به، حتى يقول له: ها أنت وربك، فحينئذٍ ترتفع عنه الشكوك والظنون والأوهام، ويبلغ في مشاهدة الحق إلى عين اليقين وحق اليقين. وأما قول الجنيد رضي الله عنه: (أدركت سبعين صديقاً، كلهم يعبدون الله على الظن والوهم، حتى الشيخ أبا يزيد، ولو أدرك صبياً من صبياننا لأسلم على يديه). فقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: معنى كلامه: أنهم ظنوا وتوهموا أنهم بلغوا إلى مقام النهاية، بحيث لا مقام فوق ذلك، ولو أدرك أحدهُم صبيَّاً لنبههم على أن ما فاتهم أكثر مما أدركوا ولانقادوا له. هـ. بالمعنى. والله تعالى أعلم. ولما ذكر أن اتباع الظن غير كاف، ذكر ما يجب اتباعه وهو القرآن، فقال: {وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ}.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى أنه ليس يتبع أكثر هؤلاء الكفار إلا الظن الذي لا يجزي شيئاً، من تقليد آبائهم ورؤسائهم. ثم قال تعالى {إن الظن لا يغني من الحق شيئاً} لأن الحق إنما ينتفع به من عرفه وعلمه حقاً؛ لأن الظن حقيقة ما قوي كون المظنون عند الظان على ما ظنه مع تجويز أن يكون على غيره، فاذا كان معه تجويز كون المظنون على خلاف ما ظنه، فلا يكون مثل العلم. وقد يكون للظن حكم إذا قام على ذلك دليل إما عقلي أو شرعي، ويكون صادراً عن إمارات معروفة بالعادة والخبر أورده إلى نظيره عند من قال بالقياس، وكل ذلك إذا اقترن به دليل يوجب العمل به، وكل موضع يمكن أن يقوم عليه دليل ويعلم صحته من فساده فلا يجوز أن يعمل فيه على الظن، لأنه بمنزلة من ترك العلم وعمل على ظن غيره. وقوله {إن الظن لا يغني من الحق شيئاً} معناه انه لا يقوم العلم مع وجوده أو امكان وجوده، وانما يعبد الله في الشرع في مواضع بالرجوع إلى الظن مع أنه كان يمكنه أن ينصب عليه دليلا يوجب العلم لما في ذلك من المصلحة. وقوله {إن الله عليم بما يفعلون} فيه ضرب من التهديد، لأنه أخبر أنه تعالى يعلم ما يفعلونه ولا يخفى عليه منه شيء فيجازيهم على جميعه: على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً} استيناف على ما قيل باتيان الواو للاستيناف لكنّه بعيد لانّه ما لم يلاحظ ربط بين الجملتين لا يؤتى بالواو فان شئت فسمّ ذلك الرّبط بالعطف بجعل الجملة السّابقة فى امثال هذا معطوفاً عليها بلحاظ المعنى او بتقدير المعطوف عليه من معنى الجملة السّابقة، مثل ان يلاحظ انّ معنى ما لكم او معنى كيف تحكمون ليس لهم عقل او علم او يحكمون بالباطل، او يقدّر امثال ذلك بقرينة السّابق ثمّ يعطف عليه وان شئت فسمّه بشبه العطف والتّقييد بالاكثر امّا لانّ بعضهم يتّبعون رؤساءهم من غير حصول اعتقاد لهم لعدم شأنيّتهم لاعتقاد شيءٍ كالحيوان الّذى يتّبع صاحبه من غير شعورٍ له بنفعٍ او ضرٍّ فى ذلك الاتّباع، او لانّ بعضهم كان يعلم بطلان ما يعبد لكنّه يعبد المعبودات الباطلة ويطيع رؤساء الضّلالة لمحض اغراض فاسدة دنيويّة، وتنكير الظّنّ للاشارة الى انّ ظنّهم ظنّ سفلىّ مستند الى النّفس ردىٌّ مهلك والاّ فالظّنّ العلوىّ المستند الى العقل قلّما ينفكّ الطّالب للآخرة عنه ما لم يدخل فى الولاية ولم يصر عالماً بواسطة اتّباعه للولاية وذلك الظّنّ يجذبه الى دار العلم ويكون ممدوحاً {إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي} من اغنى عنه بمعنى ناب عنه وكفى كفاتيه {مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً} مفعول مطلق ومن الحقّ صلة يغنى او مفعول به ومن الحقّ حال منه، وتعريف الظّنّ امّا للاشارة الى الظّنّ السّابق او للجنس باعتبار انّ بعض افراد الظّنّ وان كان قد يدعوا لى دار العلم لكنّه لا يكفى كفاية الحقّ فلا ينبغى الوقوف عليه فالظّنون المستندة الى الكتاب والسّنّة ان كانت عقليّة علويّة فهى ممدوحة لكن لا ينبغى الوقوف عليها ما لم توصل الى العلم وان كانت نفسيّة دنيويّة سفليّة فهى مذمومة {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} جواب سؤالٍ ناشٍ عن قوله وما يتّبع اكثرهم الاّ ظنّاً يعنى انّه عليم بصور افعالهم ومصادرها وغاياتها.
الهواري
تفسير : قوله: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً} أي يعبدون الأوثان يتقربون بها إلى الله - زعموا ـ لِيُصلح لهم معايشهم في الدنيا، وما يعملون ذلك إلا بالظن. { إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}. قوله: { وَمَا كَانَ هَذَا القُرْءَانُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللهِ} يقول: لم يكن أحد يستطيع أن يفتريه فيأتي به من قِبَل نفسه {وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: من التوراة والإِنجيل { وَتَفْصِيلَ الكِتَابِ} أي من الحلال والحرام والأحكام والوعد والوعيد. {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي: لا شك فيه { مِن رَّبِّ العَالَمِينَ}. قوله: { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} أي: إن محمداً افتعل هذا القرآن؛ على الاستفهام. أي: نعم، قد قالوا افتراه، أي: افتعله. قال الله: { قُلْ} يا محمد { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ} أي مثل هذا القرآن {وَادْعُوا مِنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ} حتى يشهدوا أنه مثل هذا القرآن { إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. يقول: إن كنتم صادقين فأتوا بسورة مثله؛ أي: إنكم لستم بصادقين ولا تأتون بسورة مثله. ثم قال: { بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} أي: لم يكن لهم علم بما كذبوا أن الله لا يحيي الموتى، ولا يجزي الناس بأعمالهم بعد الموت. { وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} [أي: ولم يأتهم تأويله]، أي: الجزاء به، أي: ثوابه. يقول: ولو قد أتاهم تأويله لآمنوا به حيث لا ينفعهم الإِيمان. { كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يعني قوم نوح وعادا وثمود ومن بعدهم. {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} أي: المشركين. ذكر بعضهم قال: كان عاقبتهم أن دمّر الله عليهم، أي: أهلكهم بتكذيبهم رسلهم ثم صيّرهم إلى النار.
اطفيش
تفسير : {وما يتَّبعُ أكْثرُهُم} فى دينه {إلا ظنًّا} خيالات وأقيسة فاسدة، كقياس ما لم يشاهده على ما شاهدوه، وقياس الخالق على المخلوق بأدنى مشاركة موهومة، وذلك من يتناول النظر، ولم يرض بمحض التقليد، وأما القليل فلم يحتج فى إشركه إلى ظن، بل تمسك بمحض التقليد، وقيل: المراد بالأكثر الكل، كما تستعمل القليل فى النفى على عكس ذلك. {إنَّ الظنَّ لا يُغنى} فى وصول الديانات، ولو أغناه فى طريق الأحكام التى تعبد الناس بظواهرها {مِنَ الحقِّ} الاعتقاد الحق فى وصول الدين وهو حال من قوله: {شَيئاً} على أن شيئا مفعول به ليغنى، لتضمنه معنى يزيد أو يبطل بضم الياء وكسر الطاء، أو متعلق بيغنى على أن من بمعنى عن، فيكون شيئا مفعولا مطلقا واقعا على الإغناء، وقيل: المراد بالظن هنا ظنهم أن الأصنام تشفع لهم، وبالحق عذاب الله، فكأنه قيل: يوما يتبع أكثرهم فى إثبات شفاعة الأصنام إلا ظنا، أن هذا الظن لا يدفع عنهم شيئا من عذاب الله، وأوعدهم على الإعراض عن البرهان إلى الظن بقوله: {إنَّ اللهَ عَليمٌ بما يفْعلُونَ} فيجازيهم عليه، وقرأ ابن مسعود بالتاء الفوقية على الخطاب، ثم إن بعد المنع من اتباع الظن ببيان ما يجب اتباعه والبرهان عليه فقال: {ومَا كانَ هَذا القُرآن أنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ الله}.
اطفيش
تفسير : {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنَّا} أَى كلهم لأَنهم لا يقين لهم كما يستعمل القليل بمعنى العدم كقوله: شعر : قليل التشكى للمصيبات حافظ من اليوم أَعقاب الأَحاديث من غد تفسير : فإِنه أَراد نفى أَنواع التشكى كلها، وحمل النقيض على النقيض حسن وطريقة محمودة مسلوكة. ويجوز إِبقاءُ الكثرة على ظاهرها باعتبار أَن منهم لم يظن بلا جزم بالأُلوهية للأَصنام أَو باعتبار أَن منهم من قاس بلا ظن والأَكثر أَعملوا فكرهم وما تحصلوا على غير الظن بأَن قاسوا الله على الخلق، فأَنكروا أَن يقدر على البعث، أَو باعتبار أَن أَكثرهم ظنوا والقليل علم الحق ولم يظن لكن عاندوا ما قيل أَن منهم قليلا يؤمنون بعد فنفى عنهم الظن لأَنهم سينفى عنهم الظن تجوزا باعتبار الأَول فهو بعيد وقيل أَنها للناس عموماً فلا إِشكال {إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِى} لا يدفع {مِنَ الْحَقِّ} العلم وضد الباطل ومن تبعيضية وهو حال من قوله {شَيْئاً} مفعول به ليغنى أَو لا يغنى لا يكفى فيما لا يجوز فيه الشك فالحق الاعتقاد الجازم الصحيح المطابق للواقع، وشيئاً مفعول مطلق والمفعول محذوف أَى لا يغنيهم إِغناءً، فمن بمعنى عن متعلق بيغنى {إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} وعيد لهم عن اتباع الظن والإِعراض عن الدلائِل الظاهرة وهو أَعظم إِرهاباً وتهويلا من أَن يقال إِن الله سيجازيهم على ذلك.
الالوسي
تفسير : {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّا} كلام مبتدأ غير داخل في حيز الأمر مسوق من جهته تعالى لبيان سوء إدراكهم وعدم فهمهم لمضمون ما أفحمهم من البراهين النيرة الموجبة للتوحيد أي ما يتبع أكثرهم في معتقداتهم ومحاوراتهم إلا ظناً واهياً مستند إلى خيالات فارغة وأقيسة باطلة كقياس الغائب على الشاهد وقياس الخالق على المخلوق بأدنى مشاركة موهومة ولا يلتفتون إلى فرد من أفراد العلم فضلاً عن أن يسلكوا مسالك الأدلة الصحيحة الهادية إلى الحق فيفهموا مضمونها ويقفوا على صحتها وبطلان ما يخالفها، فالمراد بالاتباع مطلق الانقياد الشامل لما يقارن القبول والانقياد وما لا يقارنه وبالقصر ما أشير إليه من أن لا يكون لهم في أثنائه اتباع لفرد من أفراد العلم والتفات إليه. وتنكير {ظَنّاً} للنوعية، وفي تخصيص هذا الاتباع بالأكثر الإشارة إلى أن منهم من قد يتبع فيقف / على حقيقة التوحيد لكن لا يقبله مكابرة وعناداً، ومقتضى ما ذكروه في وجه أمره صلى الله عليه وسلم بأن ينوب عنهم في الجواب من أنه الإشارة إلى أن لجاجهم وعنادهم يمنعهم من الاعتراف بذلك أن فيهم من علم وكان معانداً، ولعل النيابة حينئذٍ عن الجميع باعتبار هذا البعض، وجوز أن يكون المعنى ما يتبع أكثرهم مدة عمره إلا ظناً ولا يتركونه أبداً، فإن حرف النفي الداخل على المضارع يفيد استمرار النفي بحسب المقام فالمراد بالاتباع هو الإذعان والانقياد والقصر باعتبار الزمان، وفي التخصيص تلويح بما سيكون من بعضهم من اتباع الحق والتوبة، وقيل: المعنى وما يتبع أكثرهم في إقرارهم بالله تعالى إلا ظناً لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم، وقيل: المعنى وما يتبع أكثرهم في قولهم للأصنام أنها آلهة وأنها شفعاء عند الله إلا الظن، والأكثر بمعنى الجميع وهذا كما ورد القليل بمعنى العدم في قوله تعالى: {أية : فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ}تفسير : [البقرة: 88] وفي قوله: شعر : قليل التشكي في المصيبات حافظ من اليوم أعقاب الأحاديث في غد تفسير : وحمل النقيض على النقيض حسن وطريقة مسلوكة، ولا يخفى أنه لا يتعين على هذين القولين حمل الأكثر على الجميع بل يمكن حمله على ما يتبادر منه أيضاً. ومن الناس من جعل ضمير {أَكْثَرُهُمْ} للناس وحينئذٍ يجب الحمل على المتبادر بلا كلفة. {إَنَّ ٱلظَّنَّ} مطلقاً {لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقّ شَيْئًا} فكيف الظن الفاسد والمراد من الحق العلم والاعتقاد الصحيح المطابق للواقع، والجار متعلق بما قبله و{شَيْئاً} نصب على أنه مفعول مطلق أي إغناء ما، ويجوز أن يكون مفعولاً به والجار والمجرور في موضع الحال منه، والجملة استئناف لبيان شأن الظن وبطلانه، وفيه دليل لمن قال: إن تحصيل العلم في الاعتقاديات واجب وإن إيمان المقلد غير صحيح، وإنما لم يؤخذ عاماً للعمليات لقيام الدليل على صحة التقليد والاكتفاء بالظن فيها كما قرر في موضعه. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} وعيد لهم على أفعالهم القبيحة ويندرج فيها ما حكى عنهم من الإعراض عن البراهين القاطعة واتباع الظنون الفاسدة اندراجاً أولياً. وقرىء {تفعلون} بالالتفات إلى الخطاب لتشديد الوعيد.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة: {أية : قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق}تفسير : [يونس: 35] باعتبار عطف تلك على نظيرتيها المذكورتين قبلَها، فبعد أن أمر الله رسولَه بأن يحجهم فيما جعلوهم آلهة وهي لا تصرف ولا تدبير ولا هداية لها، أعقب ذلك بأن عبادتهم إياها اتّباع لظن باطل، أي لوهَم ليس فيه شبهة حق. والضمير في قوله: {أكثرهم} عائد إلى أصحاب ضمير {أية : شركائكم}تفسير : [يونس: 35] وضمير {أية : ما لكم كيف تحكمون}تفسير : [يونس: 35]. وإنما عَمَّهم في ضمائر "شركائِكم وما لَكم كيف تحكمون"، وخصّ بالحكم في اتِّباعهم الظن أكثرَهم، لأن جميع المشركين اتفقوا في اتباع عبادة الأصنام. وبين هنا أنهم ليسوا سواء في الاعتقاد الباعث لهم على عبادتها إيماء إلى أن من بينهم عُقَلاء قليلين ارتقت مدارك أفهامهم فوق أن يعتقدوا أن للأصنام تصرفاً ولكنهم أظهروا عبادتها تبعاً للهوَى وحفظاً للسيادة بين قومهم. والمقصود من هذا ليس هو تبرئة للذين عبدوا الأصنام عن غير ظن بإلهيتها فإنهم شر من الذين عبدوها عن تَخيل، ولكن المقصود هو زيادة الاستدلال على بطلان عبادتها حتى أن من عُبَّادها فريقاً ليسوا مطمئنين لتحقق إلهيتها. وبالتأمل يظهر أن هؤلاء هم خاصة القوم وأهل الأحلام منهم لأن المقام مقام تخطئة ذلك الظن. ففيه إيقاظ لجمهورهم، وفيه زيادة موعظة لخاصتهم ليقلعوا عن الاستمرار في عبادة ما لا تطْمئن إليه قلوبهم. وهذا كقوله الآتي: {أية : ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به}تفسير : [يونس: 40]. والظن: يطلق على مراتب الإدراك، فيطلق على الاعتقاد الجازم الذي لا يشوبه شك، كما في قوله تعالى: {أية : وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون}تفسير : [البقرة: 45، 46]؛ ويطلق على الاعتقاد المشوب بشك. ويظهر أنه حقيقة في هذا الثاني وأنه مجاز في الأول لكنه في الأول شائع فصار كالمشترك. وقد تقدم في سورة البقرة عند الكلام على الآية المذكورة. ومنه قوله تعالى: {أية : قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين}تفسير : في سورة [الأعراف: 66]، وقوله: {أية : وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه}تفسير : في سورة [براءة: 118]. وقد أطلق مجازاً على الاعتقاد المخطىء، كما في قوله تعالى: {أية : إن بعض الظن إثم}تفسير : [الحجرات: 12] وقول النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث. والظن كثر إطلاقه في القرآن والسنة على العلم المخطىء أو الجهل المركب والتخيلات الباطلة، قال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «حديث : إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث»تفسير : . وقد يطلق على الظن الحصيبي كقوله تعالى: {أية : ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً}تفسير : [النور: 12] وقوله تعالى: {أية : إن بعض الظن إثم}تفسير : [الحجرات: 12]. وهذا المعنى هو المصطلح عليه عند علماء أصول الدين وأصول الفقه. وهو العلم المستند إلى دليل راجح مع احتمال الخطإ احتمالاً ضعيفاً. وهذا الظن هو مناط التكليف بفروع الشريعة. فوجه الجمع بين هذه المتعارضات إعمال كل في مورده اللائق به بحسب مقامات الكلام وسياقه، فمحمل قوله هنا: {إن الظن لا يغني مِن الحق شيئاً} أن العلم المشوب بشك لا يغني شيئاً في إثبات الحق المطلوب وذلك ما يطلب فيه الجزم واليقينُ من العلوم الحاصلة بالدليل العقلي لأن الجزم فيها ممكن لمن أعمل رأيه إعمالاً صائباً إذ الأدلة العقلية يحصل منها اليقين، فأما ما طريق تحصيله الأدلة الظاهرة التي لا يتأتى اليقين بها في جميع الأحوال فذلك يكتفي فيه بالظن الراجح بعد إعمال النظر وهو ما يسمى بالاجتهاد. و{ظناً} منصوب على المفعولية به لـ{يتبع}. ولما كان الظن يقتضي مظنوناً كان اتباع الظن اتباعاً للمظنون أي يتبعون شيئاً لا دليل عليه إلا الظن، أي الاعتقاد الباطل. وتنكير {ظناً} للتحقير، أي ظناً واهياً. ودلت صيغة القصر على أنهم ليسوا في عقائدهم المنافية للتوحيد على شيء من الحق رداً على اعتقادهم أنهم على الحق. وجملة: {إن الظن لا يغني من الحق شيئاً} تعليل لما دل عليه القصر من كونهم ليسوا على شيء من الحق فكيف يزعمون أنهم على الحق. والحق: هو الثابت في نفس الأمر. والمراد به هنا معرفة الله وصفاته مما دل عليها الدليل العقلي مثل وجوده وحياته، وما دل عليها فعل الله مثلُ العلم والقدرة والإرادة. و{شيئاً} مفعول مطلق مؤكد لعامله، أي لا يغني شيئاً من الإغناء. و{مِن} للبدلية، أي عوضاً عن الحق. وجملة: {إن الله عليم بما يفعلون} استئناف للتهديد بالوعيد.
الواحدي
تفسير : {وما يتبع أكثرهم} يعني: الرُّؤساء؛ لأنَّ السَّفلة يتَّبعون قولهم {إلاَّ ظناً} يظنون أنَّها آلهةٌ {إنَّ الظن لا يغني من الحق شيئاً} ليس الظنُّ كاليقين. يعني: إنَّ الظَّنَّ لا يقوم مقام العلم. {إنَّ الله عليم بما يفعلون} من كفرهم. {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله} هذا جوابٌ لقولهم: {أية : ائت بقرآنٍ غير هذا} تفسير : يقول: ما كان هذا القرآن افتراءً من دون الله {ولكن تصديق} [ولكن كان تصديق] {الذي بين يديه} من الكتب {وتفصيل الكتاب} [يعني: تفصيل] المكتوب من الوعد لمَنْ آمن، والوعيد لمَنْ عصى {لا ريب فيه} لا شكَّ في نزوله من عند ربِّ العالمين. {أم يقولون افتراه} بل أتقولون: افتراه محمد {قل فأتوا بسورة مثله} إن كان مفترىً {وادعوا} إلى معاونتكم على المعارضة كلَّ مَنْ تقدرون عليه {إن كنتم صادقين} في أنَّ محمَّداً اختلقه من عند نفسه، ونظيرُ هذه الآية في سورة البقرة: {أية : وإنْ كنتم في ريب...} تفسير : الآية. {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه} أَيْ: بما في القرآن من الجنَّة والنَّار، والبعث والقيامة {ولما يأتهم تأويله} ولم يأتهم بعدُ حقيقة ما وُعدوا في الكتاب {كذلك كذَّب الذين من قبلهم} بالبعث والقيامة. {ومنهم} ومن كفَّار مكَّة {مَنْ يؤمن به} يعني: قوماً علم أنَّهم يؤمنون {ومنهم مَنْ لا يؤمن به، وربك أعلم بالمفسدين} يريد: المكذِّبين، وهذا تهديدٌ لهم. {وإن كذبوك فقل لي عملي...} الآية. نسختها آية الجهاد. {ومنهم مَنْ يستمعون إليك} نزلت في المستهزئين كانوا يستمعون الاستهزاء والتَّكذيب، فقال الله تعالى: {أفأنت تُسمع الصمَّ} يريد أنَّهم بمنزلة الصُّمِّ لشدَّة عداوتهم {ولو كانوا لا يعقلون} أَيْ: ولو كانوا مع كونهم صمَّاً جهَّالاً! أخبر الله سبحانه أنَّهم بمنزلة الصُّمِّ الجُهَّال إذْ لم ينتفعوا بما سمعوا. {ومنهم مَنْ ينظر إليك} مُتعجِّباً منك غير منتفعٍ بنظره {أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون} يريد: إنَّ الله أعمى قلوبهم فلا يبصرون شيئاً من الهدى. {إنَّ الله لا يظلم الناس شيئاً} لمَّا ذكر أهل الشَّقاوة ذكر أنَّه لم يظلمهم بتقدير الشَّقاوة عليهم؛ لأنَّه يتصرَّف في ملكه {ولكنَّ الناس أنفسهم يظلمون} بكسبهم المعاصي.
د. أسعد حومد
تفسير : (36) - إِنَّ أَكْثَرَ المُشْرِكِينَ لا يَتَّبِعُونَ فِي شِرْكِهِمْ، وَعِبَادَتِهِمْ غَيْرَ اللهِ، وَلاَ فِي إِنْكَارِهِمْ البَعْثَ، وَتَكْذِيبِ الرَّسُولِ، إِلاّ ضَرْباً مِنْ ضُرُوبِ الظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ الذِي لا دَلِيلَ لَهُمْ عَلَيْهِ (كَتَقْلِيدِ الآَبَاءِ، وَالاعْتِقَادِ بِأَنَّ الآَبَاءَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا عَلَى خَطَأٍ وَضَلالٍ فِيمَا يَعْتَقِدُونَ وَفِيمَا يَعْمَلُونَ). وَلَكِنَّ الظَّنَّ لا يَقُومُ مَقَامَ اليَقِينِ فِي شَيءٍ، وَلاَ يُنَتَفَعُ بِهِ حِينَ يَحْتَاجُ الأَمْرُ إِلى يَقِينٍ. وَقَلِيلٌ مِنْ هَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ مَا جَاءَهُمْ بِهِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم حَقٌّ، وَأَنَّ أَصْنَامَهُمْ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ، وَجَحَدُوا آيَاتِهِ، وَكَذَّبُوا رَسُولَهُ اسْتِكْبَاراً وَعِنَاداً. وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُهُ رُؤُوسُ الكُفْرِ وَأَتْبَاعُهُمُ الذِينَ يُقَلِّدُونَهُمْ، وَسَيُجَازِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقول الحق سبحانه: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً ..} [يونس: 36] يفيد أن بعضهم كان يتبع يقيناً؛ لأن مقابل الظن هو اليقين، فالنسب التي تحدث بين الأشياء تربط بين الموضوع والمحمول، أو المحكوم والمحكوم عليه، وهي نسب ذكرناها من قبل، ونذكِّر بها، فهناك شيء أنت تجزم به، وشيء لا تجزم به. وما تجزم به وتُدلِّل عليه هو علم يقين، أما ما لا تستطيع التدليل عليه فليس علم يقين، بل تقليد، كأن يقول الطفل: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 1]. وهذا حق، لكن الطفل لا يستطيع أن يدلل عليه أو أن يقال شيء ومن يقوله جازم به، وهو غير واقع؛ فذلك هو الجهل. والعلم هو القضية المجزوم بها، وهي واقعة وعليها دليل، على عكس الجهل الذي هو قضية مجزوم بها وليس عليها دليل. والظن هو تساوي نسبتين في الإيجاب والسلب، بحيث لا تستطيع أن تجزم بأي منهما؛ لأنه إن رجحت كفة كانت قضية مرجوحة، والقضية المرجوحة هي شك أو ظن أو وهم. فالظن هو ترجيح النسب على بعضها. والشك هو تساوي الكفتين. وقول الحق سبحانه: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً ..} [يونس: 36] يبين لنا أن الذين كانوا يعارضون رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلوا ذلك إما عناداً - رغم علمهم بصدق ما يبلغ عنه، وإما أنهم يعاندون عن غير علم، مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ ..}تفسير : [يونس: 39]. وكان الواحد منهم إذا تمعَّن في البلاغ عن الله تعالى والأدلة عليه، يعلن الإيمان، لكن منهم من تمعن في الأدلة وظل على عناده، والذين اتبعوا الظن إنما اتبعوا ما لا يغني من الحق شيئاً. لذلك يبيّن لهم الحق سبحانه أنه عليم بخفايا نفوسهم، ويعلم إن كان إنكارهم للإيمان نابعاً من العناد أو من العجز عن استيعاب قضية الإيمان؛ لذلك يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ..} [يونس: 36]. إذن: فقد علم الله سبحانه أزلاً أن بعضهم في خبايا نفوسهم يوقنون بقيمة الإيمان، لكنهم يجحدونها، مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ}تفسير : [الأنعام: 33]. إذن: فالحق سبحانه وتعالى عليم، ولا يخفى عليه أنهم كذَّبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وبعضهم لم يفهم قيمة الإيمان، ومن علم منهم قيمة الإيمان جحدها، عناداً واستكباراً. يقول الحق سبحانه: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ..}تفسير : [النمل: 14]. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بالجملة: {مَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ} أي: أكثر المشركين في إشراك هؤلاء المنحطين عن درجة الاعتبار مع الله المنزه عن الشريك مطلقاً {إِلاَّ ظَنّاً} وتخميناً ناشئاً من تخيلات فسادة، وتوهمات كاسدة من إنشاء الآثار إلى ظواهر الأسباب، مع الغفلة عن المسبب الموجد لها، و{إِنَّ ٱلظَّنَّ} والتخمين الذي تشبثوا وتمسكوا به {لاَ يُغْنِي} ولا يفيد {مِنَ ٱلْحَقِّ} الصريح الذي هو مناط الإيمان والاعتقاد {شَيْئاً} من الإغناء {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لجميع مخايلهم {عَلَيمٌ} خبير بصير {بِمَا يَفْعَلُونَ} [يونس: 36] على مقتضى ظنونهم وخيالاتهم وأوهامهم، فيجازيهم على مقتضى علمه وخبرته. وبعدما نبه سبحانه على بطلان اعتقاداتهم وظنونهم وجهالاتهم، أراد أن ينبه أن مستند أهل الإيمان الذي هو القرآن الموضح لهم طريق التوحيد والعرفان ليس كذلك، فقال: {وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ} المنزل على خير الأنام، المبين لهم قواعد دين الإسلام {أَن يُفْتَرَىٰ} ويخيل أنه صدر {مِن دُونِ ٱللَّهِ} العليم الحكيم، وكيف يصدر هذا من غير الله؛ إذ هو في أعلى مراتب البلاغة، ونهاية درجات الإعجاز؛! لصدوره عن الحكمة المتقنة الإلهية التي كلت الأفهام دونها، وعجزت المدارك والآلات عن دركها، فلا يتوهم صدوره عن غير الله أصلاً {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} مطابقاً، كما نزل من عنده في الكتب السالفة، بل هو أعلى حكمة، وأتم به فائدة منها {وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ} الذي من عمله ولوحه قضائه، وبالجملة: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أنه نازل {مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [يونس: 37] ليس في وسع بشر أن يأتي بمثله. أيشكون نزوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} واخترعه من عنده، ونسبه إلى الله ترويجاً وتعظيماً؟ {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل: بعدما شككتم أنه من عند الله، بل جزمتم بأه من عند غيره {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ} قصيرة {مِّثْلِهِ} في الفصاحة ورعاي المقتضيات والحكم والمطابقات، ووجوه الدلالات والتمثيلات، والتشبيهات والمجازات والكنايات {وَ} إن عجزتم أنتم {ٱدْعُواْ} واستظهروا {مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ} واستوثقتهم به {مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [يونس: 38] في دعواكم أنه من كلام البشر مفترى على الله. ثم لمَّا أفحموا على الإتيان، وعجزوا عن المعارضة، ومع ذلك لم ينصفوا، أو لم يقروا بأنه معجز ليس من كلام البشر {بَلْ كَذَّبُواْ} بادروا إلى الرد والتكذيب {بِمَا} أي: بشيء {لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ} ولم يعلموا ويفهموا ما فيه من قرائحهم {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} من معلم وملهم، بل كابروا في تكذيبه بلا سند عقلي ونقلي {كَذَلِكَ} أي: مثل تكذيبهم هذا {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ} مضوا {مِن قَبْلِهِمْ} أنبياءهم وكتبهم التي جاءوا به {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ} [يونس: 39] الخارجين عن مقتضى الأوامر، المبادرين إلى تكذيب الله وتكذيب كتبه ورسله، وما جرى عليهم من المصيبات الهائلة، فانتظر يا أكمل الرسل لهؤلاء المكذبين، المكابرين أمثالها. {وَمِنهُمْ} أي: من المكذبين المكابرين {مَّن يُؤْمِنُ بِهِ} أي: بالقرآن، ويصدق بإعجازه في نفسه ويصر على التكذيب؛ عناداً ومكابرةً {وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ} لغلط غشاوته، وشدة قساوته وشكيمته {وَ} بالجملة: {رَبُّكَ} يا أكمل الرسل {أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ} [يونس: 40] المكذبين المعاندين الذين يفسدون في الأرض بأنواع الفسادات. {وَإِن كَذَّبُوكَ} وأصروا على تكذيبك، مع وضوح دلائل صدقك {فَقُل} تبرياً وتنزيهاً: {لِّي عَمَلِي} أنا أُجزى بما أعلم {وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} تُجزون أنتم أيضاً بما تعملون {أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ} منكرون له {وَأَنَاْ} أيضاً {بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} [يونس: 41] بأضعاف براءتكم، فانتظروا بجزاء أعمالكم، وأنا أيضاً أنتظر بجزاء عملي حتى يأتي وقت الجزاء.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):