١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
37
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنا حين شرعنا في تفسير قوله تعالى: { أية : وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } تفسير : [بونس: 20] ذكرنا أن القوم إنما ذكروا ذلك لاعتقادهم أن القرآن ليس بمعجز، وأن محمداً إنما يأتي به من عند نفسه على سبيل الافتعال والاختلاق، ثم إنه تعالى ذكر الجوابات الكثيرة عن هذا الكلام، وامتدت تلك البيانات على الترتيب الذي شرحناه وفصلناه إلى هذا الموضع، ثم إنه تعالى بين في هذا المقام أن إتيان محمد عليه السلام بهذا القرآن ليس على سبيل الافتراء على الله تعالى، ولكنه وحي نازل عليه من عند الله، ثم إنه تعالى احتج على صحة هذا الكلام بقوله: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ } وذلك يدل على أنه معجز نازل عليه من عند الله تعالى، وأنه مبرأ عن الافتراء والافتعال فهذا هو الترتيب الصحيح في نظم هذه الآيات. المسألة الثانية: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ أَن يُفْتَرَىٰ } فيه وجهان: الأول: أن قوله: {أَن يُفْتَرَىٰ } في تقدير المصدر، والمعنى: وما كان هذا القرآن افتراء من دون الله، كما تقول: ما كان هذا الكلام إلا كذباً. والثاني: أن يقال إن كلمة {أن} جاءت ههنا بمعنى اللام، والتقدير: ما كان هذا القرآن ليفترى من دون الله، كقوله: { أية : وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً } تفسير : [التوبة: 122] { أية : مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ... وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ } تفسير : [آل عمران: 179] أي لم يكن ينبغي لهم أن يفعلوا ذلك، فكذلك ما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى، أي ليس وصفه وصف شيء يمكن أن يفترى به على الله، لأن المفترى هو الذي يأتي به البشر، والقرآن معجز لا يقدر عليه البشر، والافتراء افتعال من فريت الأديم إذا قدرته للقطع، ثم استعمل في الكذب كما استعمل قولهم: اختلف فلان هذا الحديث في الكذب، فصار حاصل هذا الكلام أن هذا القرآن لا يقدر عليه أحد إلا الله عز وجل، ثم إنه تعالى احتج على هذه الدعوى بأمور: الحجة الأولى: قوله: {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } وتقرير هذه الحجة من وجوه: أحدها: أن محمداً عليه السلام كان رجلاً أمياً ما سافر إلى بلدة لأجل التعلم، وما كانت مكة بلدة العلماء، وما كان فيها شيء من كتب العلم، ثم إنه عليه السلام أتى بهذا القرآن، فكان هذا القرآن مشتملاً على أقاصيص الأولين، والقوم كانوا في غاية العداوة له، فلو لم تكن هذه الأقاصيص موافقة لما في التوراة والإنجيل لقدحوا فيه ولبالغوا في الطعن فيه، ولقالوا له إنك جئت بهذه الأقاصيص لا كما ينبغي، فلما لم يقل أحد ذلك مع شدة حرصهم على الطعن فيه، وعلى تقبيح صورته، علمنا أنه أتى بتلك الأقاصيص مطابقة لما في التوراة والإنجيل، مع أنه ما طالعهما ولا تلمذ لأحد فيهما، وذلك يدل على أنه عليه السلام إنما أخبر عن هذه الأشياء بوحي من قبل الله تعالى. الحجة الثانية: أن كتب الله المنزلة دلت على مقدم محمد عليه السلام، على ما استقصينا في تقريره في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: { أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } تفسير : [البقرة: 40] وإذا كان الأمر كذلك كان مجيء محمد عليه السلام تصديقاً لما في تلك الكتب، من البشارة بمجيئه صلى الله عليه وسلم، فكان هذا عبارة عن تصديق الذي بين يديه. الحجة الثالثة: أنه عليه السلام أخبر في القرآن عن الغيوب الكثيرة في المستقبل، ووقعت مطابقة لذلك الخبر، كقوله تعالى: { أية : الم غُلِبَتِ ٱلرُّومُ } تفسير : [الروم: 1، 2] الآية، وكقوله تعالى: { أية : لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقّ } تفسير : [الفتح: 27] وكقوله: { أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلاْرْضِ } تفسير : [النور: 55] وذلك يدل على أن الإخبار عن هذه الغيوب المستقبلة، إنما حصل بالوحي من الله تعالى، فكان ذلك عبارة عن تصديق الذي بين يديه، فالوجهان الأولان: إخبار عن الغيوب الماضية والوجه الثالث: إخبار عن الغيوب المستقبلة، ومجموعها عبارة عن تصديق الذي بين يديه. النوع الثاني: من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: {وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىْء }. واعلم أن الناس اختلفوا في أن القرآن معجز من أي الوجوه؟ فقال بعضهم: إنه معجز لاشتماله على الإخبار عن الغيوب الماضية والمستقبلة، وهذا هو المراد من قوله: {تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } ومنهم من قال: إنه معجز لاشتماله على العلوم الكثيرة، وإليه الإشارة بقوله: {وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىْء } وتحقيق الكلام في هذا الباب أن العلوم إما أن تكون دينية أو ليست دينية، ولا شك أن القسم الأول أرفع حالاً وأعظم شأناً وأكمل درجة من القسم الثاني. وأما العلوم الدينية، فإما أن تكون علم العقائد والأديان، وإما أن تكون علم الأعمال. أما علم العقائد والأديان فهو عبارة عن معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. أما معرفة الله تعالى، فهي عبارة عن معرفة ذاته ومعرفة صفات جلاله، ومعرفة صفات إكرامه، ومعرفة أفعاله، ومعرفة أحكامه، ومعرفة أسمائه والقرآن مشتمل على دلائل هذه المسائل وتفاريعها وتفاصيلها على وجه لا يساويه شيء من الكتب، بل لا يقرب منه شيء من المصنفات. وأما علم الأعمال فهو إما أن يكون عبارة عن علم التكاليف المتعلقة بالظواهر وهو علم الفقه. ومعلوم أن جميع الفقهاء إنما استنبطوا مباحثهم من القرآن، وإما أن يكون علماً بتصفية الباطن أو رياضة القلوب. وقد حصل في القرآن من مباحث هذا العلم ما لا يكاد يوجد في غيره، كقوله: { أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [الأعراف: 199] وقوله: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْى } تفسير : [النمل: 90] فثبت أن القرآن مشتمل على تفاصيل جميع العلوم الشريفة، عقليها ونقليها، اشتمالاً يمتنع حصوله في سائر الكتب فكان ذلك معجزاً، وإليه الإشارة بقوله: {وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ }. أما قوله: {لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } فتقريره: أن الكتاب الطويل المشتمل على هذه العلوم الكثيرة لا بد وأن يشتمل على نوع من أنواع التناقض، وحيث خلي هذا الكتاب عنه، علمنا أنه من عند الله وبوحيه وتنزيله، ونظيره قوله تعالى: { أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً } تفسير : [النساء: 82]. واعلم أنه تعالى لما ذكر في أول هذه الآية أن هذا القرآن لا يليق بحاله وصفته أن يكون كلاماً مفترى على الله تعالى، وأقام عليه هذين النوعين من الدلائل المذكورة، عاد مرة أخرى بلفظ الاستفهام على سبيل الإنكار، فقال: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } ثم إنه تعالى ذكر حجة أخرى على إبطال هذا القول، فقال: {قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } وهذه الحجة بالغنا في تقريرها في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: { أية : وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صادقين } تفسير : [البقرة: 23] وههنا سؤالات: السؤال الأول: لم قال في سورة البقرة: {مّن مّثْلِهِ } وقال ههنا: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ }. والجواب: أن محمداً عليه السلام كان رجلاً أمياً، لم يتلمذ لأحد ولم يطالع كتاباً فقال في سورة البقرة: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } يعني فليأت إنسان يساوي محمداً عليه السلام في عدم التلمذ وعدم مطالعة الكتب وعدم الاشتغال بالعلوم بسورة تساوي هذه السورة، وحيث ظهر العجز ظهر المعجز. فهذا لا يدل على أن السورة في نفسها معجزة، ولكنه يدل على أن ظهور مثل هذه السورة من إنسان مثل محمد عليه السلام في عدم التلمذ والتعلم معجز، ثم إنه تعالى بين في هذه السورة أن تلك السورة في نفسها معجزة، فإن الخلق وإن تلمذوا وتعلموا وطالعوا وتفكروا، فإنه لا يمكنهم الإتيان بمعارضة سورة واحدة من هذه السور، فلا جرم قال تعالى في هذه الآية: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ } ولا شك أن هذا ترتيب عجيب في باب التحدي وإظهار المعجز. السؤال الثاني: قوله: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ } هل يتناول جميع السور الصغار والكبار، أو يختص بالسور الكبار. الجواب: هذه الآية في سورة يونس وهي مكية، فالمراد مثل هذه السورة، لأنها أقرب ما يمكن أن يشار إليه. السؤال الثالث: أن المعتزلة تمسكوا بهذه الآية على أن القرآن مخلوق، قالوا: إنه عليه السلام تحدى العرب بالقرآن، والمراد من التحدي: أنه طلب منهم الإتيان بمثله، فإذا عجزوا عنه ظهر كونه حجة من عند الله على صدقه، وهذا إنما يمكن لو كان الإتيان بمثله صحيح الوجود في الجملة ولو كان قديماً لكان الإتيان بمثل القديم محالاً في نفس الأمر، فوجب أن لا يصح التحدي. والجواب: أن القرآن اسم يقال بالاشتراك على الصفة القديمة القائمة بذات الله تعالى، وعلى هذه الحروف والأصوات، ولا نزاع في أن الكلمات المركبة من هذه الحروف والأصوات محدثة مخلوقة، والتحدي إنما وقع بها لا بالصفة القديمة. أما قوله: {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } فالمراد منه: تعليم أنه كيف يمكن الإتيان بهذه المعارضة لو كانوا قادرين عليها، وتقريره أن الجماعة إذا تعاونت وتعاضدت صارت تلك العقول الكثيرة كالعقل الواحد، فإذا توجهوا نحو شيء واحد، قدر مجموعهم على ما يعجز كل واحد منهم، فكأنه تعالى يقول: هب أن عقل الواحد والاثنين منكم لا يفي باستخراج معارضة القرآن فاجتمعوا وليعن بعضكم بعضاً في هذه المعارضة، فإذا عرفتم عجزكم حالة الاجتماع وحالة الانفراد عن هذه المعارضة، فحينئذ يظهر أن تعذر هذه المعارضة إنما كان لأن قدرة البشر غير وافية بها، فحينئذ يظهر أن ذلك فعل الله لا فعل البشر. واعلم أنه قد ظهر بهذا الذي قررناه أن مراتب تحدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن ستة، فأولها: أنه تحداهم بكل القرآن كما قال: { أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } تفسير : [الإسراء: 88] وثانيها: أنه عليه السلام تحداهم بعشر سور قال تعالى: { أية : فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ } تفسير : [هود:13] وثالثها: أنه تحداهم بسورة واحدة كما قال: { أية : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } تفسير : [البقرة:23] ورابعها: أنه تحداهم بحديث مثله فقال: { أية : فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ } تفسير : [الطور:34] وخامسها: أن في تلك المراتب الأربعة، كان يطلب منهم أن يأتي بالمعارضة رجل يساوي رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدم التلمذ والتعلم، ثم في سورة يونس طلب منهم معارضة سورة واحدة من أي إنسان سواء تعلم العلوم أو لم يتعلمها. وسادسها: أن في المراتب المتقدمة تحدى كل واحد من الخلق، وفي هذه المرتبة تحدى جميعهم، وجوز أن يستعين البعض بالبعض في الإتيان بهذه المعارضة، كما قال: {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } وههنا آخر المراتب، فهذا مجموع الدلائل التي ذكرها الله تعالى في إثبات أن القرآن معجز، ثم إنه تعالى ذكر السبب الذي لأجله كذبوا القرآن فقال: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِيهِمُ تَأْوِيلِهِ } واعلم أن هذا الكلام يحتمل وجوهاً: الوجه الأول: أنهم كلما سمعوا شيئاً من القصص قالوا: ليس في هذا الكتاب إلا أساطير الأولين ولم يعرفوا أن المقصود منها ليس هو نفس الحكاية بل أمور أخرى مغايرة لها: فأولها: بيان قدرة الله تعالى على التصرف في هذا العالم، ونقل أهله من العز إلى الذل ومن الذل إلى العز وذلك يدل على قدرة كاملة. وثانيها: أنها تدل على العبرة من حيث إن الإنسان يعرف بها أن الدنيا لا تبقى، فنهاية كل متحرك سكون، وغاية كل متكون أن لا يكون، فيرفع قلبه عن حب الدنيا وتقوى رغبته في طلب الآخرة، كما قال: { أية : لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاّوْلِى ٱلالْبَـٰبِ } تفسير : [يوسف: 111] وثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم لما ذكر قصص الأولين من غير تحريف ولا تغيير مع أنه لم يتعلم ولم يتلمذ، دل ذلك على أنه بوحي من الله تعالى، كما قال في سورة الشعراء بعد أن ذكر القصص { أية : وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلاْمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ } تفسير : [الشعراء: 192 ـ 194]. والوجه الثاني: أنهم كلما سمعوا حروف التهجي في أوائل السور ولم يفهموا منها شيئاً ساء ظنهم بالقرآن. وقد أجاب الله تعالى عنه بقوله: { أية : هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ آيَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ } تفسير : [آل عمران: 7]. والوجه الثالث: أنهم رأوا أن القرآن يظهر شيئاً فشيئاً، فصار ذلك سبباً للطعن الرديء فقالوا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة فأجاب الله تعالى عنه بقوله: { أية : كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ } تفسير : [الفرقان: 32] وقد شرحنا هذا الجواب في سورة الفرقان. والوجه الرابع: أن القرآن مملوء من إثبات الحشر والنشر، والقوم كانوا قد ألفوا المحسوسات فاستبعدوا حصول الحياة بعد الموت، ولم يتقرر ذلك في قلوبهم، فظنوا أن محمداً عليه السلام إنما يذكر ذلك على سبيل الكذب، والله تعالى بين صحة القول بالمعاد بالدلائل القاهرة الكثيرة. الوجه الخامس: أن القرآن مملوء من الأمر بالصلاة والزكاة وسائر العبادات، والقوم كانوا يقولون إله العالمين غني عنا وعن طاعتنا، وإنه تعالى أجل من أن يأمر بشيء لا فائدة فيه، فأجاب الله تعالى عنه بقوله: { أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً } تفسير : [المؤمنون: 115] وبقوله: { أية : إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لاِنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } تفسير : [الإسراء: 7] وبالجملة فشبهات الكفار كثيرة، فهم لما رأوا القرآن مشتملاً على أمور ما عرفوا حقيقتها ولم يطلعوا على وجه الحكمة فيها لا جرم كذبوا بالقرآن، والحاصل أن القوم ما كانوا يعرفون أسرار الإلهيات، وكانوا يجرون الأمور على الأحوال المألوفة في عالم المحسوسات وما كانوا يطلبون حكمها ولا وجوه تأويلاتها، فلا جرم وقعوا في التكذيب والجهل، فقوله: {بَلْ كَذَّبُواْ لَّمّاً لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ } إشارة إلى عدم علمهم بهذه الأشياء، وقوله: {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } إشارة إلى عدم جدهم واجتهادهم في طلب تلك الأسرار. ثم قال: {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ } والمراد أنهم طلبوا الدنيا وتركوا الآخرة، فلما ماتوا فاتتهم الدنيا والآخرة فبقوا في الخسار العظيم، ومن الناس من قال المراد منه عذاب الاستئصال وهو الذي نزل بالأمم الذين كذبوا الرسل من ضروب العذاب في الدنيا، قال أهل التحقيق قوله: {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } يدل على أن من كان غير عارف بالتأويلات وقع في الكفر والبدعة، لأن ظواهر النصوص قد يوجد فيها ما تكون متعارضة، فإذا لم يعرف الإنسان وجه التأويل فيها وقع في قلبه أن هذا الكتاب ليس بحق، أما إذا عرف وجه التأويل طبق التنزيل على التأويل فيصير ذلك نوراً على نور يهدي الله لنوره من يشاء.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ} «أنْ» مع «يفترى» مصدر، والمعنى: وما كان هذا القرآن افتراء؛ كما تقول: فلان يحب أن يركب، أي يحب الركوب؛ قاله الكسائي. وقال الفراء: المعنى وما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى؛ كقوله: {أية : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} تفسير : [آل عمران: 161] {أية : وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً}تفسير : [التوبة: 122]. وقيل: «أنْ» بمعنى اللام، تقديره: وما كان هذا القرآن ليفترى. وقيل: بمعنى لا، أي لا يفترى. وقيل: المعنى ما كان يتهيأ لأحد أن يأتي بمثل هذا القرآن من عند غير الله ثم ينسبُه إلى الله تعالى لإعجازه؛ لوصفه ومعانيه وتأليفه. {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} قال الكسائي والفراء ومحمد ابن سعدان: التقدير ولكن كان تصديق؛ ويجوز عندهم الرفع بمعنى: ولكن هو تصديق. {ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي من التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب، فإنها قد بشّرت به فجاء مصدّقاً لها في تلك البشارة، وفي الدعاء إلى التوحيد والإيمان بالقيامة. وقيل: المعنى ولكن تصديق النبيّ الذي بين يدي القرآن وهو محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم شاهدوه قبل أن سمعوا منه القرآن. «وتفصيلُ» بالنصب والرفع على الوجهين المذكورين في تصديق. والتفصيل التبيين، أي يبيّن ما في كتب الله المتقدمة. والكتاب ٱسم الجنس. وقيل: أراد بتفصيل الكتاب ما بُيِّن في القرآن من الأحكام. {لاَ رَيْبَ فِيهِ} الهاء عائدة للقرآن، أي لا شك فيه أي في نزوله من قِبَل الله تعالى.
ابن كثير
تفسير : هذا بيان لإعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله، ولا بعشر سور، ولا بسورة من مثله؛ لأنه بفصاحته وبلاغته، ووجازته وحلاوته، واشتماله على المعاني العزيزة الغريزة النافعة في الدنيا والآخرة، لا تكون إلا من عند الله الذي لا يشبهه شيء في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله وأقواله، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين، ولهذا قال تعالى: {وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي: مثل هذا القرآن لا يكون إلا من عند الله، ولا يشبه هذا كلام البشر {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: من الكتب المتقدمة، ومهيمناً عليه، ومُبيناً لما وقع فيها من التحريف والتأويل والتبديل، وقوله: {وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ}، أي: وبيان الأحكام والحلال والحرام بياناً شافياً كافياً حقاً لا مرية فيه من الله رب العالمين؛ كما تقدم في حديث الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب: «حديث : فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وفصل ما بينكم»تفسير : ، أي: خبر عما سلف وعما سيأتي، وحكم فيما بين الناس بالشرع الذي يحبه الله ويرضاه. وقوله: { أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي: إن ادعيتم وافتريتم وشككتم في أن هذا من عند الله، وقلتم كذباً وميناً: إن هذا من عند محمد، فمحمد بشر مثلكم، وقد جاء فيما زعمتم بهذا القرآن، فأتوا أنتم بسورة مثله، أي: من جنس هذا القرآن، واستعينوا على ذلك بكل من قدرتم عليه من إنس وجان. وهذا هو المقام الثالث في التحدي؛ فإنه تعالى تحداهم ودعاهم إن كانوا صادقين في دعواهم أنه من عند محمد، فليعارضوه بنظير ما جاء به وحده، وليستعينوا بمن شاؤوا، وأخبر أنهم لا يقدرون على ذلك، ولا سبيل لهم إليه، فقال تعالى: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} تفسير : [الإسراء: 88] ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه، فقال في أول سورة هود: {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} تفسير : [هود: 13] ثم تنازل إلى سورة، فقال في هذه السورة: { أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} وكذا في سورة البقرة، وهي مدنية، تحداهم بسورة منه، وأخبر أنهم لا يستطيعون ذلك أبداً فقال: {أية : فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ} تفسير : [البقرة: 24] الآية، هذا وقد كانت الفصاحة من سجاياهم، وأشعارهم ومعلقاتهم إليها المنتهى في هذا الباب، ولكن جاءهم من الله مالا قبل لأحد به، ولهذا آمن من آمن منهم بما عرف من بلاغة هذا الكلام، وحلاوته وجزالته، وطلاوته وإفادته وبراعته، فكانوا أعلم الناس به، وأفهمهم له، وأتبعهم له، وأشدَّهم له انقياداً؛ كما عرف السحرة لعلمهم بفنون السحر أن هذا الذي فعله موسى عليه السلام لا يصدر إِلا عن مؤيد مسدد مرسل من الله، وأن هذا لا يستطاع لبشر إِلا بإِذن الله. وكذلك عيسى عليه السلام بعث في زمان علماء الطب ومعالجة المرضى، فكان يبرىء الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، ومثل هذا لا مدخل للعلاج والدواء فيه، فعرف من عرف منهم أنه عبد الله ورسوله. ولهذا جاء في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً»تفسير : . وقوله: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} يقول: بل كذب هؤلاء بالقرآن، ولم يفهموه، ولا عرفوه {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} أي: ولم يحصلوا ما فيه من الهدى ودين الحق إلى حين تكذيبهم به جهلاً وسفهاً {كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: من الأمم السالفة، {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي: فانظر كيف أهلكناهم بتكذيبهم رسلنا ظلماً وعلواً وكفراً، وعناداً وجهلاً؟ فاحذروا أيها المكذبون أن يصيبكم ما أصابهم. وقوله: {وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ} الآية، أي: ومن هؤلاء الذين بعثت إليهم يا محمد من يؤمن بهذا القرآن، ويتبعك، وينتفع بما أرسلت به {وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ} بل يموت على ذلك، ويبعث عليه {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ} أي: وهو أعلم بمن يستحق الهداية فيهديه، ومن يستحق الضلالة فيضله، وهو العادل الذي لا يجور، بل يعطي كلاً ما يستحقه، تبارك وتعالى، وتقدس وتنزه، لا إله إلا هو.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ } أي افتراء {مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره {وَلَٰكِن } أُنْزِلَ {تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } من الكتب {وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَٰبِ } تبيين ما كتبه الله من الأحكام وغيرها {لاَ رَيْبَ } شك {فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ } متعلق بتصديق أو بـ «أنزل» المحذوف، وقرىء برفع «تصديق»، و«تفصيل» بتقدير «هو».
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ} يعني أنه يختلق ويكذب. {وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} فيه وجهان: أحدهما: شاهد بصدق ما تقدم من التوراة والإنجيل والزبور. الثاني: لما بين يديه من البعث والنشور والجزاء والحساب. ويحتمل ثالثاً: أن يكون معناه ولكن يصدقه الذي بين يديه من الكتب السالفة بما فيها من ذكره فيزول عنه الافتراء. قوله عز وجل: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ} فيه وجهان: أحدهما: لم يعلموا ما عليهم بتكذيبهم لشكهم فيه. الثاني: لم يحيطوا بعلم ما فيه من وعد ووعيد لإعراضهم عنه. {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} فيه وجهان: أحدهما: علم ما فيه من البرهان. الثاني: ما يؤول إليه أمرهم من العقاب.
ابن عطية
تفسير : هذا نفي قول من قال من قريش إن محمداً يفتري القرآن وينسبه إلى الله تعالى، وعبر عن ذلك بهذه الألفاظ التي تتضمن تشنيع قولهم وإعظام الأمر كما قال تعالى: {أية : وما كان لنبي أن يغل } تفسير : [آل عمران: 161] وكما قال حكاية عن عيسى عليه السلام {أية : ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} تفسير : [المائدة: 116] ونحو هذا مما يعطي المعنى والقرائن والبراهين استحالته ، و {يفترى } معناه: يختلق وينشأ، وكأن المرء يفريه من حديثه أي يقطعه ويسمه سمة، فهو مشتق من فريت إذا قطعت لإصلاح، و {تصديق } نصب على المصدر والعامل فيه فعل مضمر، وقال الزجّاج: هو خبر " كان " مضمرة، والتقدير المتقدم للشيء، وقالت فرقة في هذه الآية: إن الذي بين يديه هي أشراط الساعة وما يأتي من الأمور. قال القاضي أبو محمد: وهذا خطأ، والأمر بالعكس كتاب الله تعالى بين يدي تلك، أما أن الزجّاج تحفظ فقال: الضمير يعود على الأشراط، والتقدير ولكن تصديق الذي بين يديه القرآن. قال القاضي أبو محمد: وهذا أيضاً قلق، وقيام البرهان على قريش حينئذ إنما كان في أن يصدق القرآن ما في التوراة والإنجيل مع أن الآتي بالقرآن ممن يقطعون أنه لم يطالع تلك الكتب ولا هي في بلده ولا في قومه، و {تفصيل الكتاب } هو تبيينه، و {لا ريب فيه } يريد هو في نفسه على هذه الحالة وإن ارتاب مبطل فذلك لا يلتفت إليه، وقوله: {أم يقولونه افتراه } الآية، {أم} هذه ليست بالمعادلة لألف الاستفهام التي في قولك أزيد قام أم عمرو، وإنما هي تتوسط الكلام، ومذهب سيبويه أنها بمنزلة الألف وبل لأنها تتضمن استفهاماً وإضراباً عما تقدم، وهي كقولهم: إنها لا بل أم شاء، وقالت فرقة في {أم } هذه: هي بمنزلة ألف الاستفهام، ثم عجزهم في قوله {قل فأتوا بسورة مثله } والسورة مأخوذة من سورة البناء وهي من القرآن هذه القطعة التي لها مبدأ وختم، والتحدي في هذه الآية وقع بجهتي الإعجاز اللتين في القرآن: إحداهما النظم والرصف والإيجاز والجزالة، كل ذلك في التعريف بالحقائق، والأخرى المعاني من الغيب لما مضى ولما يستقبل، وحين تحداهم بعشر مفتريات إنما تحداهم بالنظم وحده. قال القاضي أبو محمد : هكذا قول جماعة من المتكلمين ، وفيه عندي نظر، وكيف يجيء التحدي بمماثلة في الغيوب رداً على قولهم {افتراه } ، وما وقع التحدي في الآيتين هذه وآية العشر السور إلا بالنظم والرصف والإيجاز في التعريف بالحقائق، وما ألزموا قط إتياناً بغيب، لأن التحدي بالإعلام بالغيوب كقوله {أية : وهم من بعد غلبهم سيغلبون} تفسير : [الروم: 3] وكقوله {أية : لتدخلن المسجد الحرام } تفسير : [الفتح: 27] ونحو ذلك من غيوب القرآن فبين أن البشر مقصر عن ذلك، وأما التحدي بالنظم فبين أيضاً أن البشر مقصر عن نظم القرآن إذ الله عز وجل قد أحاط بكل شيء علماً، فإذا قدر الله اللفظة في القرآن علم بالإحاطة اللفظة التي هي أليق بها في جميع كلام العرب في المعنى المقصود، حتى كمل القرآن على هذا النظام الأول فالأول، والبشر مع أن يفرض أفصح العالم، محقوق بنيان وجهل بالألفاظ والحق وبغلط وآفات بشرية، فمحال أن يمشي في اختياره على الأول فالأول، ونحن نجد العربي ينقح قصيدته - وهي الحوليات - يبدل فيها ويقدم ويؤخر، ثم يدفع تلك القصيدة إلى أفصح منه فيزيد في التنقيح، ومذهب أهل الصرفة مكسور بهذا الدليل، فما كان قط في العالم إلا من فيه تقصير سوى من يوحي إليه الله تعالى، وميّزت فصحاء العرب هذا القدر من القرآن وأذعنت له لصحة فطرتها وخلوص سليقتها وأنهم يعرف بعضهم كلام بعض ويميزه من غيره، كفعل الفرزدق في أبيات جرير، والجارية في شعر الأعشى، وقول الأعرابي " عرفجكم" فقطع ونحو ذلك مما إذا تتبع بان. والقدر المعجز من القرآن ما جمع الجهتين" اطراد النظم والسرد، وتحصيل المعاني وتركيب الكثير منها في اللفظ القليل: فأما مثل قوله تعالى: {أية : مدهامتان } تفسير : [الرحمن: 64] وقوله {أية : ثم نظر} تفسير : [المدثر: 21] فلا يصح التحدي بالإتيان بمثله لكن بانتظامه واتصاله يقع العجز عنه، وقوله {مثله} صفة للسورة والضمير عائد على القرآن المتقدم الذكر، كأنه قال: فأتوا بسورة مثل القرآن أي في معانيه وألفاظه، وخلطت فرق في قوله "مثله" من جهة اللسان كقول الطبري: ذلك على المعنى، ولو كان على اللفظ لقال: " مثلها"، وهذا وهم بيّن لا يحتاج إليه، وقرأ عمرو بن فائد " بسورةِ مثلهِ "، على الإضافة، قال أبو الفتح: التقدير بسورة كلام مثله، قال أبو حاتم: أمر عبد الله الأسود أن يسأل عمر عن إضافة " سورة" أو تنوينها فقال له عمر كيف شئت، وقوله {وادعوا من استطعتم } إحالة على شركائهم وجنهم وغير ذلك، وهو كقوله في الآية الأخرى، {أية : لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً} تفسير : [الإسراء: 88] أي معيناً، وهذا أشد إقامة لنفوسهم وأوضح تعجيزاً لهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ} من التوراة والإنجيل والزبور أو البعث والجزاء والنشور.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ }: هذا ردٌّ لقول من يقول: إِنَّ محمداً يَفْتَرِي القرآن، و{ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ }: التوراةُ والإِنجيل، وهم يقطعون أنَّه لم يطالِعْ تلك الكُتُب، ولا هي في بَلَدِهِ، ولا في قومه، و{وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَـٰبِ} هو تبيينه. وقوله: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ...} الاية: «أم» هذه ليست بالمعادلة لهمزة ٱلاستفهام، في قوله: أزيْدٌ قام أمْ عمرو؟ ومذهَبُ سِيبَوَيْهِ: أنها بمنزلة «بَلْ» ثم عجَّزهم سبحانه بقوله: {قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ...} الآية: والتحدِّي في هذه الآية عند الجُمْهُور وقَعَ بجهتَي الإِعجاز اللَّتَيْنِ في القرآنِ: إِحْداهما: النَّظْم والرَّصْف والإِيجازُ وَالجَزَالَة، كلُّ ذلك في التعريف. والأُخرَى: المعاني مِنَ الغَيْبِ لِمَا مَضَى، ولما يُسْتَقْبَلُ. وحين تحدَّاهم بـــ «عَشْرٍ مفترياتٍ» إِنما تحدَّاهم بالنَّظْم وحْده، ثم قال * ع *: هذا قول جماعة المتكلِّمين، ثم اختار أنَّ الإِعجاز في الآيتين إِنما وقع في النَّظْمِ لا في الإِخبارِ بالغُيُوبِ. * ت *: والصوابُ ما تَقَدَّم للجمهور، وإليه رَجَعَ في «سورة هود» وأوجُهُ إِعجاز القرآن أَكْثَرُ من هذا وَٱنْظُر «الشِّفَا». وقوله: {مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ }: إِحالةٌ على شركائهم. وقوله سبحانه: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ...} الآية: المعنى: ليس الأمر كما قالوا مِنْ أنه مفترًى، {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ }، أي: تفسيره، وبيانُهُ، ويحتمل أنْ يريد بما لم يأتهم تأويله، أي: ما يؤول إليه أمره؛ كما هو في قوله: { أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ } تفسير : [الأعراف:53] وعَلَى هذا، فالآيةُ تتضمَّن وعيداً، و{ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}: مَنْ سلف من أمم الأنبياء. وقوله سبحانه: {وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ...} الآية: أيْ: ومِنْ قريشٍ مَنْ يؤمن بهذا الرسُولِ، ولهذا الكلام معنيان: قالتْ فرقة: معناه: مِنْ هؤلاء القومِ مَنْ سيؤمن في المستقبل، ومِنْهُم من حَتَمَ اللَّه عَلَيْهِ أنَّه لا يؤمن به أبداً. وقالتْ فرقة: معناه: ومنهم مَنْ يؤمن بهذا الرسُولِ إِلاَّ أنَّه يَكْتُم إِيمانه حفْظاً لرئاسته، أو خوفاً مِنْ قومه، كالفِتْية الذين قُتِلُوا مع الكُفَّار بِبَدْرٍ. قال * ع *: وفائدة الآية على هذا التأويل: التفريقُ لكلمة الكُفَّار، وإِضعافُ نفوسهم، وفي قوله: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ } تهديدٌ ووعيدٌ.
ابن عادل
تفسير : قوله - تعالى -: {وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الآية. لمَّا تقدَّم قول القوم: {أية : وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ}تفسير : [يونس:20]، وذكروا ذلك؛ لاعتقادهم؛ أنَّ القرآن ليس بمعجز، وأنَّ محمداً أنَّما أتَى به من عند نفسه؛ افتعالاً، واختلافاً، وذكر - تعالى - أجوبة كثيرة عن هذا الكلام، وامتدَّت تلك البيانات إلى هذا الموضع، بيَّن - تعالى - هنا: أنَّ إتيان محمَّد - عليه الصلاة والسلام - بهذا القرآن، ليس هو افتراءٌ على الله - تعالى -، وإنَّما هو وحي نازل عليه من عند الله، وأنَّه مُبَرَّأ عن الافتعال، والافتراء، ثم احتجَّ على صحَّة هذا الكلام، بقوله: {أية : قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ}تفسير : [يونس:38]. قوله: "أن يُفْتَرَىٰ": فيه وجهان: أحدهما: أنَّه خبرُ "كان"، تقديره: وما كان هذا القرآن افتراء، أي: ذا افتراء، إذ جعل نفس المصدر مبالغةً، أو يكون بمعنى: مُفْتَرى. والثاني: زعم بعضهم: أنَّ "أنْ" هذه هي المضمرة بعد لام الجُحُودِ، والأصل: وما كان هذا القرآنُ ليفترى، فلمَّا حذفتْ لامُ الجحود، ظهرت "أنْ"، وزعم: أنَّ اللاَّم، و "أنْ" يتعاقبان، فتحذف هذه تارة، وتَثْبُت الأخرى، وهذا قولٌ مرغوبٌ عنه، وعلى هذا القول، يكون خبر "كان" محذُوفاً، و "أنْ" وما في حيِّزها، متعلقةٌ بذلك الخبر، وقد تقدَّم تحريرُ ذلك [البقرة143]، و "مِن دُون اللهِ" متعلِّق بـ "يُفْتَرَى" والقائمُ مقامَ الفاعل ضميرٌ عائدٌ على القرآن. قوله: {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ}: عطف على خبر "كانَ" ووقعت "لكن" هنا أحسن موقع؛ إذ هي بين نقيضين: وهُما التكذيبُ، والتَّصْديقُ المتضمِّن للصدق. وقرأ الجمهور: "تَصْدِيقَ" و "تَفْصِيلَ" بالنصب، وفيه أوجهٌ:. أحدها: العطفُ على خبر "كَانَ" كما تقدَّم، ومثله: {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ}تفسير : [الأحزاب:40]. والثاني: أنَّه خبر "كَانَ" مضمرةٌ، تقديره: ولكن كان تصديقَ، وإليه ذهب الكسائيُّ، والفرَّاء، وابن سعدان، والزجاج، وهذا كالذي قبله في المعنى. والثالث: أنَّه منصوبٌ على المفعول من أجله لفعل مقدَّر، أي: وما كان هذا القرآنُ أن يفترى، ولكن أُنزل للتَّصديق. والرابع: أنه منصوبٌ على المصدر بفعل مقدَّر أيضاً، والتقدير: ولكن يُصدِّق تصديقَ الذي بين يديه من الكتب. وقرأ عيسى بن عمر "تَصْدِيقُ" بالرفع، وكذلك التي في يوسف، ووجه الرَّفْعُ على خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: ولكن هو تصديقُ؛ ومثله قول الشاعر: [الوافر] شعر : 2903- ولَسْتُ الشَّاعِرَ السَّفْسَافَ فِيهِمْ ولكِنْ مِدْرَهُ الحَرْبِ العَوانِ تفسير : برفع "مِدْرَهُ"، على تقدير: أنَا مِدْرَهُ. وقال مكي: "ويجوز عندهما - أي الكسائي والفرَّاء -. الرَّفعُ على تقدير: ولكن هو تصديقُ"، وكأنَّه لم يطَّلِعْ على أنَّها قراءةٌ، وقد ورد في قراءات السَّبعة: التَّخفيفُ، والتَّشديدُ في "لكن"، نحو: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ}تفسير : [البقرة:102]، {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}تفسير : [الأنفال:17]. قوله: "لاَ رَيْبَ فِيهِ": فيه أوجه: أحدها: أن يكون حالاً من "الكتاب" وجاز مجيءُ الحال من المُضاف إليه؛ لأنَّه مفعولٌ في المعنى، والمعنى: وتفصيل الكتاب مُنْتفياً عنه الرَّيْب. والثاني: أنَّه مستأنفٌ فلا محلَّ لهُ من الإعراب. والثالث: أنَّه معترضٌ بين "تَصْديقَ"، وبين "من ربِّ العالمينَ". قال الزمخشري: "فإن قلت: بِمَ اتَّصلَ قوله: {لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ}؟. قلت: هو داخلٌ في حيِّز الاستدراك، كأنَّه قيل: ولكن تصديقاً، وتفصيلاً منتفياً عنه الريبُ، كائناً من ربِّ العالمينَ، ويجُوزُ أن يراد به: ولكن كان تصديقاً من ربِّ العالمين، وتفصيلاً منه، لا ريب في ذلك، فيكون "من ربِّ العَالمينَ": متعلِّقاً بـ "تَصْديقَ"، و "تَفْصِيلَ"، ويكون "لا رَيْبَ فيهِ": اعتراضاً، كما تقول: زيدٌ - لا شكَّ فيه - كريمٌ". انتهى. قوله: "مِن ربِّ": يجوز فيه أوجهٌ: أحدها: أن يكن متعلِّقاً بـ "تَصْدِيقَ" أو بـ "تَفْصِيلَ" وتكون المسألة من باب التنازع، إذ يصحُّ أن يتعلَّق بكلٍّ من العاملين، من جهة المعنى، وهذا هو الذي أراد الزمخشري، بقوله: فيكون "من ربِّ": متعلقاً بـ "تَصْدِيقَ"، و "تَفْصِيلَ"، يعني: أنه متعلِّقٌ بكلٍ منهما، من حيث المعنى، وأمَّا من حيث الإعرابُ، فلا يتعلَّق إلاَّ بأحدهما، وأمَّا الآخرُ فيعملُ في ضميره، كما تقدَّم تحريره، والإعمالُ هنا حينئذٍ إنَّما هو للثَّاني، بدليل الحذف من الأول. والوجه الثاني: أنَّ "مِن ربِّ" حال ثانية. والثالث: أنَّه متعلِّقٌ بذلك الفعل المقدَّر، أي: أنزل للتَّصديق من ربِّ العالمين. فصل المعنى: وما ينبغي لمثل هذا القرآن، أن يُفْتَرَى من دون الله، كقوله: {أية : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ}تفسير : [آل عمران:161]، وقيل: "أنْ" بمعنى: اللاَّم، أي: وما كان هذا القرآنُ ليُفْتَرى، كقوله: {أية : وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً}تفسير : [التوبة:122]، و {أية : مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [آل عمران:179]، و {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ}تفسير : [آل عمران:179] أي: ليس وصفه هذا القرآن وصف شيء يمكن أن يفترى على الله، والافتراءُ: الافتعال، من أفريتُ الأديم: إذا قدَّرته للقطع، ثم استعمل في الكذب، كما استعمل قولهم: اختلق فلان الحديث في الكذب، ثم إنَّهُ - تعالى - احتجَّ على صحَّةِ الدَّعوى بأمور: الأول: قوله: {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: إنَّ محمَّداً - عليه الصلاة والسلام - كان رجُلاً أمِّيًّا، لم يتعلَّم العِلْمَ، وما كانت مكَّةُ بلدة العلماء، وليس فيها شيء من كتب العلم، ثم إنَّه - عليه الصلاة والسلام - أتى بهذا القرآن المشتمل على أقاصيص الأولين، والقومُ كانوا في غاية العداوة لهُ، فلوْ لمْ تكُن هذه الأقاصيص موافقة لما في التَّوراة، والإنجيل، لقدحوا فيه وبالغُوا في الطَّعن، فلمَّا لم يقُل أحدٌ ذلك، مع شدَّة حرصهم على الطَّعن فيه، علمنا أنَّه أتى بتلك الأقاصيص، مطابقة للتوراة والإنجيل، مع أنَّه ما طالعهما، ولا تتلمذ لأحدٍ فيهما، فدلَّ ذلك: على أنَّه إنما أتى بهذه الأشياء من قبل الوحي. الحجة الثانية: أنَّ كتب الله المنزَّلة، دلَّت على مقدم محمد صلى الله عليه وسلم كما تقدم في تفسير قوله: {أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}تفسير : [البقرة:40] فكان مجيءُ محمَّد صلى الله عليه وسلم موافقاً لهما في تلك الكتب، ومصدقاً لما فيها من الباشرة بمجيئه، فكان هذا عبارة عن تصديق الذي بين يديه. والدليل الثاني: قوله تعالى: {أية : وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ}تفسير : [يوسف:111] واعلم: أنَّ العُلُوم: إمَّا أن تكون دينيَّة، أو ليست دينيَّة. والقسم الأول أرفع حالاً، وأعظم شأناً من القسم الثاني، والدينيَّة: إمَّا أن تكون علم العقائد والأديان، أو علم الأعمال. فأما علم العقائد والأديان: فهو عبارةٌ عن معرفة ذاته، ومعرفة صفات جلاله، وصفات أفعاله، وأحكامه، وأسمائه، والقرآن مشتمل على دلائل هذه المسائل، وتفاريعها، وتفاصيلها على وجه لا يساويه شيءٌ من الكتب، ولا يقرب منه. وأمَّا علم الأعمال فهو: إمَّا عبارة عن علم التكاليف الظاهرة، وهو علم الفقه، ومعلوم أنَّ جميع الفقهاء إنما استنبطوا مباحثهم من القرآن. وإمَّا عبارةٌ عن علم الباطن ورياضة القلوب، ففي القرآن من مباحث هذا العلم، ما لا يكادُ يوجدُ في غيره، كقوله: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ}تفسير : [الأعراف:199]، وقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ}تفسير : [النحل:90] الآية، إلى غير ذلك. فثبت أنَّ القرآن مشتملٌ على تفاصيل جميع العُلُوم الشريفة؛ فكان ذلك مُعْجِزاً. ثم قال: {لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} وذلك لأنَّ الكتاب الطويل المشتمل على العلوم الكثيرة؛ لا بُدَّ وأن يقع فيه نوع من التناقض، وحيثُ خلا هذا الكتاب عنه، علمنا أنَّه من عند الله، قال - تعالى -: {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً}تفسير : [النساء:82]. قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} الآية. لمَّا أقام الدَّلائل على أنَّ هذا القرآن، لا يليقُ بحاله أن يكون مفترى، أعاد مرَّةً أخرى بلفظ الاستفهام، على سبيل الإنكار، إبطال هذا القول، فقال: "أم يقولون افتراه"، وقد تقدَّم تقرير هذه الحجَّة في البقرة، عند قوله: {أية : وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا}تفسير : [البقرة:23]. قوله: "أم يقُولُونَ": في "أمْ" هذه وجهان: أحدهما: أنَّها منقطعةٌ، فتقدَّر بـ "بَلْ"، والهمزة عند سيبويه، وأتباعه، والتقدير: بل أتقُولُون، انتقل عن الكلامِ الأول، وأخذ في إنكار قولٍ آخر. والثاني: أنَّها متصلةٌ، ولا بُدَّ حينئذٍ من حذف جملةٍ؛ ليصحَّ التعادلُ، والتقدير: أيقرون به، أم يقولون افتراهُ، وقال بعضهم: "أمْ" هذه بمنزلة الهمزة فقط، وعبَّر بعضهم عن ذلك، فقال: "الميمُ زائدة على الهمزة" وهذا قولٌ ساقطٌ؛ إذ زيادة الميم قليلةٌ جدّاً، ولا سيَّما هنا، وزعم أبو عبيدة: "أنها بمعنى: الواو، والتقدير: ويقولون افتراه". قوله: "قُلْ فَأْتُواْ": جواب شرطٍ مقدَّر، قال الزمخشري: "قُلْ: إنْ كان الأمرُ كما تزعمون، فأتُوا أنتم على وجْهِ الافتراءِ بسورةٍ مثله، فأنتم مثلي في العربيَّة، والفصاحة، والأبلغيَّة". وقرأ عمرو بن فائد: "بسُورَةِ مثلِهِ" بإضافة "سُورة" إلى "مِثلِهِ" على حذف الموصول، وإقامة الصِّفة مقامه، والتقدير: بسورة كتاب مثله، أو بسُورةِ كلام مثله، ويجُوز أن يكون التقديرُ: فأتُوا بسورةِ بشرٍ مثله، فالضَّمير يجوز أنْ يعُود في هذه القراءةِ على القرآنِ، وأن يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، وأمَّا في قراءة العامَّة؛ فالضمير للقرآن فقط. فإن قيل: لِمَ قال في البقرة: {أية : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ}تفسير : [البقرة:23]، وقال هنا: "فأتُوا بسُورةٍ مثلهِ"؟. فالجواب: أنَّ محمداً - عليه الصلاة والسلام - كان أمِّيّاً، لم يتلمذْ لأحدٍ، ولم يُطالع كتاباً فقال في سورة البقرة: "مِن مثلهِ" أي: فلْيَأتِ إنسان يساوي محمَّداً في هذه الصِّفات، وعدم الاشتغال بالعُلُوم، بسورة تُسَاوي هذه السُّورة، وحيث لا يقدرُون على ذلك؛ فظهور مثل هذه السُّورة من إنسان مثل محمَّد - عليه الصلاة والسلام -، في عدم التتلمذ والتَّعلم، يكون معجزاً. وهُنا بيَّن أن السُّورة في نفسها مُعجزةٌ في نفسها؛ فإنَّ الخلق وإن تتلمذُوا وتعلَّمُوا؛ فإنَّه لا يمكنهم الإتيان بمعارضة سُورة واحدة من هذه السور؛ فلذلك قال - تعالى - ههنا: "فأتُوا بسُورةٍ مثلِهِ". فصل تمسَّك المعتزلة بهذه الآية: على أنَّ القرآن مخلوقٌ؛ قالوا: إنَّه - عليه الصلاة والسلام - تحدَّى العرب بالقرآن؛ والمراد بالتَّحدِّي: أنَّه يطلب الإتيان بمثله منهم؛ فإذا عجزوا عنه، ظهر كونه حجَّة من عند الله - تعالى -، دالَّة على صدقه، وهذا إنَّما يمكن، إذا كان الإتيان بمثله صحيح الوجود في الجملة، ولو كان القرآنُ قديماً؛ لكان الإتيان بمثل القديم محالاً في نفس الأمر؛ فوجب ألا يصحَّ التَّحدِّي به. وأجيبُوا: بأنَّ القرآنَ اسمٌ يقال بالاشتراك على الصِّفة القديمة، القائمة بذات الله - تعالى -، وعلى هذه الحروف والأصوات، ولا نزاع في أنَّ هذه الكلمات المركَّبَة من هذه الحروف والأصوات، محدثة مخلوقة، والتَّحدي إنما وقع بها لا بالصِّفة القديمة. ثم قال تعالى: {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ}: ممَّنْ تعبدُون {من دُونِ اللهِ} ليُعينُوكُم على ذلك، {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في أنَّ محمداً افتراه، والمراد منه: كيف يمكن الإتيان بهذه المعارضة، لو كانوا قادرين عليها وتقريره: أنَّ الجماعة إذا تعاونت، وتعاضدت، صارت تلك العقول الكثيرة، كالعقل الواحد، فإذا توجَّهُوا نحو شيءٍ واحدٍ، قدر مجموعهم على ما يعجز عنه كل واحد عند انفراده، فكأنَّه - تعالى - يقول: هَبْ أنَّ عقل الواحد، والاثنين منكم، لا يفي باستخراج معارضة القرآن، فاجتمعوا، وليعن بعضكم بعضاً في هذه المعارضة، فإذا عرفتُم عجزكم حالة الاجتماع، وحالة الانفراد عن هذه المعارضة، فحينئذٍ: يظهر أنَّ تعذر هذه المعارضة، إنما كان لأنَّ قدرة البشرِ عاجزةٌ عنها؛ فحينئذٍ يظهر أنَّ ذلك فعل الله، لا فعل البشر. فظهر بما تقرَّر: أنَّ مراتب تحدِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن ستٌّ: أولها: أنَّهُ تحدَّاهُم بكلِّ القرآن، في قوله: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}تفسير : [الإسراء:88]. وثانيها: أنَّه - عليه الصلاة والسلام - تحدَّاهم بعشر سورٍ، في قوله: {أية : فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ}تفسير : [هود:13]. وثالثها: أنَّه تحدَّاهم بسورة واحدة، في قوله:{فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ}[يونس:38]. ورابعها: تحدَّاهم بحديث مثله، في قوله {أية : فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ}تفسير : [الطور:34]. وخامسها: أنَّ في تلك المراتب الأربع، كان يطلب منهم أن يأتي بالمعارضة رجُلٌ، يساوي رسول الله في عدم التتلمذ والتعليم، ثُمَّ في سورة يونس: طلب منهم معارضة سورة واحدة من أي إنسان، سواء تعلَّم العلوم، أو لم يتعلَّمها. وسادساً: أنَّ في المراتب المتقدِّمة تحدَّى كل واحد من الخلق، وفي هذه المرتبة تحدَّى مجموعهم، وجوَّز أن يستعين البعضُ بالبعض في الإتيان بهذه المعارضة، كما قال:{وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [يونس:38]، فهذا مجموع الدَّلائل التي ذكرها الله - تعالى - في إثبات أنَّ القرآن معجزٌ، ثُمَّ إنَّه - تعالى - ذكر السبب الذي لأجله كذَّبُوا القرآن. فقال: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ} يعني: كذَّبُوا بالقرآن، ولم يحيطوا بعلمه. قوله: {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ}: جملةٌ حاليةٌ من الموصول، أي: سارعُوا إلى تكذيبه حال عدم إتيان التأويل، قال الزمخشري: "فإن قلت: ما معنى التوقُّع في قوله - تعالى -: {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ}؟ قلت: معناه: كذَّبُوا به على البديهة، قبل التَّدبُّر، ومعرفة التأويل"، ثمَّ قال أيضاً: "ويجُوزُ أن يكون المعنى: ولم يأتهم بعدُ تأويلُ ما فيه من الإخبار بالغيوب، أي: عاقبته حتى يتبيَّن لهم: أكذبٌ هو، أم صدقٌ". انتهى. وفي وضعه "لَمْ" موضع "لمَّا" نظرٌ لما عرفت ما بينهما من الفرق، ونُفيتْ جملةُ الإحاطة بـ "لم"، وجملة إتيانِ التأويل بـ "لمَّا"؛ لأنَّ "لَمْ" للنَّفْي" المطلق على الصَّحيح، و "لمَّا" لنفي الفعل المُتَّصل بزمنِ الحالِ، فالمعنى: أنَّ عدمَ التَّأويلِ متَّصل بزمن الإخبار. فصل قيل المعنى: بل كذَّبُوا بالقرآن {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} أي: عاقبةُ ما وعد الله في القرآن؛ أنَّه يئول إليه أمرهم من العقوبة، يريد: أنَّهم لم يعلمُوا ما يئول إليه عاقبة أمرهم. وقيل: كُلَّما سمعُوا شيئاً من القصص، قالوا: ليس في هذا الكتاب، إلاَّ أساطير الأولين، ولم يعرفُوا أنَّ المقصود منها، ليس هو نفس الحكاية، بل أمور أخرى، وهي: بيانُ قدرة الله - تعالى - على التصرُّفِ في هذا العالم، ونقل أهله من العزِّ إلى الذُّل، ومن الذُّلِّ إلى العِزِّ، وذلك دليلٌ على القدرة الكاملة، وأيضاً: تدلُّ على أنَّ الدنيا فانيةٌ غير باقية؛ كما قال - تعالى -: {أية : لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ}تفسير : [يوسف:111]، وأيضاً فهي دلالة على العجز؛ لكون النبي - عليه الصلاة والسلام - لم يتعلَّم، ولم يتتلمذ لأحدٍ؛ فدلَّ ذلك على أنَّه وحيٌ من الله - تعالى -، كما قال في الشعراء بعد ذكر القصص: {أية : وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ}تفسير : [الشعراء:192-194]، وقيل: إنَّهم كانُوا كُلَّما سمعوا حروف التَّهجِّي في أوائل السور، ولم يفهموها، ساء ظنُّهم بالقرآن؛ فأجاب - تعالى - بقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ}تفسير : [آل عمران:7]، وقيل: إنَّهم لمَّا سمعُوا القرآن ينزل شيئاً فشيئاً، ساء ظنهم، وقالوا: لو أنزل عليه القرآن جملة واحدة؛ فأجاب - تعالى -: {أية : كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ}تفسير : [الفرقان:32]، وقيل: إنَّ القرآن لمَّا كان مملوءاً من إثبات الحشر والنشر، وكانوا ألفُوا الحياة، فاستبعدُوا حصول الحياةِ بعد الموت، فكذَّبُوا بالقرآن، وقيل: إنَّ القرآن لمَّا كان مملوءاً بالصَّلاة، والزكاة، والعبادات، قال القوم: إن إله العالمين غنيٌّ عنَّا، وعن طاعتنا، وأنَّه - تعالى - أجلُّ من أن يأمرنا بشيء لا فائدة فيه، فأجاب الله عنه، بقوله: {أية : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}تفسير : [الإسراء:7]، وبالجملة: فشبهات الكفار كثيرة؛ فهم لما رأوا القرآن مشتملاً على أمورٍ عرفوا حقيقتها، ولم يطلعُوا على وجه الحكمة فيها، لا جرم كذَّبوا بالقرآن. قوله: "كذلِكَ": نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: مثل ذلك التَّكذيب، كذَّب الذين من قبلهم، أي: قبل النظر، والتدبُّر. وقوله: {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ} كَيْفَ خبر لـ "كَانَ"، والاستفهام معلِّقٌ للنَّظر. قال ابن عطيَّة: "قال الزجاج: "كَيْفَ" في موضع نصبٍ على خبر "كان"، ولا يجوز أن يعمل فيها "انظر"؛ لأنَّ ما قبل الاستفهام لا يعمل فيه، هذا قانونُ النحويِّين؛ لأنَّهم عاملُوا "كَيْفَ" في كلِّ مكان معاملة الاستفهام المحض، في قولك "كيف زيد"، ولـ "كيف" تصرفاتٌ أخرى؛ فتحلُّ محلَّ المصدر الذي هو "كيفيَّة"، وتخلعُ معنى الاستفهام، ويحتمل هذا الموضعُ أن يكون منها. ومن تصرُّفاتها قولهم: "كُنْ كيفَ شِئْتَ"، وانظر قول البخاريِّ: "كيف كان بدءُ الوحي؛ فإنه لم يستفهم". انتهى. فقول الزجاج: لا يجوز أن تعمل "انظر" في "كيف"، يعني: لا تتسلَّط عليها، ولكن هو متسلِّطٌ على الجملة المنسحب عليها حكمُ الاستفهام، وهكذا سبيلُ كُلِّ تعليقٍ. قال أبو حيَّان: "وقولُ ابن عطيَّة: هذا قانونُ النَّحويين.. إلى آخره، ليس كما ذكر، بل لـ "كيف" معنيان: أحدهما: الاستفهامُ المحض، وهو سؤال عن الهيئة، إلاَّ أن يعلَّق عنها العامل، فمعناها معنى الأسماء التي يستفهمُ بها إذا علِّق عنها العاملُ. والثاني: الشرط؛ كقول العرب: "كيف تكونُ أكونُ"، وقوله: ولـ "كيف" تصرفات إلى آخرة ليس "كيف" تحلُّ محلَّ المصدر، ولا لفظ "كيفية" هو مصدرٌ؛ إنَّما ذلك نسبةٌ إلى "كَيْف"، وقوله: "ويحتمل أن يكون هذا الموضعُ منها، ومن تصرُّفاتهم قولهم: كن كيْفَ شِئْتَ" لا يحتمل أن يكون منها؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ لها المعنى الذي ذكر، من كون "كيف" بمعنى: "كيفية"، وادِّعاءُ مصدرية "كيفية". وأمَّا "كُنْ كيف شِئْتَ": فـ "كَيْفَ" ليست بمعنى: "كيفية"؛ وإنَّما هي شرطيَّةٌ، وهو المعنى الثاني الذي لها، وجوابها محذوفٌ، التقدير: كيف شئت فكن؛ كما تقول: "قُمْ مَتَى شِئْتَ"، فـ "متى" اسمُ شرطٍ ظرفٌ لا يعمل فيه "قُمْ"، والجواب محذوف، تقديره: متى شئت فقم، وحذف الجوابُ؛ لدلالةِ ما قبله عليه؛ كقولهم: "اضربْ زَيْداً إنْ أسَاءَ إليْكَ"، التقدير: إن أساءَ إليك فاضْرِبْه، وحذف "فاضْرِبه" لدلالة "اضرِبْ" المتقدِّم عليه، وأمَّا قول البخاريُّ: "كيف كَانَ بَدْءُ الوحي"؛ فهو استفهامٌ محضٌ: إمَّا على سبيل الحكاية؛ كأنَّ سَائِلاً سأله، فقال: كيف كان بدءُ الوحي. وإمَّا أن يكون من قوله هو، كأنَّه سَألَ نفسه: كيف كان بدء الوحي، فأجاب بالحديث الذي فيه كيفيَّة ذلك". وقوله: "ٱلظَّالِمِينَ" من وضع الظَّاهر موضع المُضْمَر، ويجوز: أن يراد به ضميرُ من عَادَ عليه ضمير "بَلْ كذَّبُوا"، وأن يُرادَ به {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}. ومعنى الآية: أنَّهم طلبُوا الدُّنْيَا، وتركُوا الآخرة، فبقُوا في الخسارِ العظيمِ، وقيل: المراد: عذاب الاستئصال الذي نزل بالأممِ السَّابقة. قوله تعالى: {وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ} الآية. لمَّا قال: {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ} والمراد منه: تسليط العذاب عليهم في الدُّنيا، أتبعه بقوله: {وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ} تنبيهاً على أنَّ الصَّلاح عنده - تعالى - كان في هذه الطائفة، والأقربُ: أنَّ الضمير في قوله "بِهِ" يرجعُ إلى "العذاب"؛ لأنَّه المذكور من قبل، وقيل إلى: القرآن، واختلفوا في قوله: {وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ} لأنَّ "يُؤمِنُ" يصلح للحالِ، والاستقبال، فحمله بعضهم على الحال، أي: ومنهم من يُؤمِنُ بالقرآن باطناً؛ لكنَّه يتعمد الجحد. ومنهم من باطنه كظاهره. وقيل: المراد: الاستقبال، أي: ومنهم من يؤمنُ به في المستقبل؛ بأنْ يتوب عن الكفر، ومنهم من يُصِرُّ على الكفر. {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ} أي: بأحوالهم، أي: هل يبقُوا على الكفر أو يتُوبُوا. ثم قال: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي}، وجزاؤه "ولكُم عملُكُم"، وجزاؤه {أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} [يونس:41]، هذا كقوله - تعالى -: {أية : لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ}تفسير : [الشورى:15]، ومعنى الكلام: الردع والزجر، وقيل: معناه: استمالة قلوبهم، قال مقاتلٌ والكلبيُّ: "هذه الآية منسوخة بآية السيف"، وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ شرط النَّاسخ أن يكون رافعاً لحكم المنسوخِ، ومدلُول هذه الآية: اختصاص كلِّ واحد بأفعاله، وثمراتها من الثواب والعقاب، وذلك لا يقتضي حرمة القتال، فآية القتال ما رفعت شيئاً من مدلولات هذه الآية، فكان القولُ بالنسخ باطلاً. قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} الآية. لمَّا قسَّم الكفار في الآية الأولى إلى: "مَنْ يُؤمن، ومن لا يُؤمن، قسَّم من لا يؤمن ههنا إلى قسمين: منهم من يكُون في نهاية البغض والعداوة، ومنهم من لا يكون كذلك، فوصف ههنا القسم الأوَّل، فقال: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} مع أنَّه يكون كالأصمِّ، من حيثُ إنَّه لا ينتفع ألبتَّة بذلك الكلام، فإنَّ الإنسانَ إذا قوي بغضه لإنسانٍ آخر، كان مُعرضاً عن سماع كلامه، ولا يلتفتُ إليه، كما أنَّ الصَّمَمَ في الأذن يمنع إدراك الصوت، والعمى في العين يمنع إدراك البصر، فكذا البغضُ الشديد يمنع من الوُقُوف على محاسن كلامه، ويمنع الوقوف على محاسن من يعاديه. قوله: "مَّن يَسْتمِعُونَ": مبتدأ، وخبره الجارُّ قبله، وأعاد الضمير جمعاً؛ مراعاة لمعنى "مَنْ"، والأكثر مراعاة لفظه، كقوله: {وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ} [يونس:43]. قال ابن عطيَّة: "جاء ينظرُ على لفظ "مَنْ"، وإذا جاء على لفظها، فجائزٌ أن يعطف عليه آخرٌ على المعنى، وإذا جاء أولاً على معناها، فلا يجوز أن يعطف بآخر على اللفظ؛ لأنَّ الكلام يُلبسُ حينئذٍ". قال أبو حيَّان: "وليس كما قال، بل يجُوزُ أن تراعي المعنى أولاً، فتعيدَ الضَّميرَ على حسبِ ما تريد به من المعنى: من تأنيثٍ، وتثنيةٍ، وجمع، ثم تراعي اللفظ فتعيد الضمير مفرداً مذكراً، وفي ذلك تفصيل تقدم أول البقرة [البقرة8]. فصل أخبر - تعالى - في الآية أنَّ الإيمان، والتَّوفيق به لا بغيره، فقال: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} بأسماعهم الظاهرة، ولا ينفعهم، {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ} يريد: صمم القلب {وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ}: بعينه الظاهرة ولا ينفعه، {أَفَأَنْتَ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ} يريد: عَمَى القلب، {وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ} وهذه التَّسلية من الله - عزَّ وجلَّ - لنبيِّه - عليه الصلاة والسلام - يقول: إنَّك لا تقدر أن تسمع من سلبته السَّمع، ولا أن تَهْدِي من سلبته البصر، ولا أن توفق للإيمان من حكمتُ عليه بأنَّه لا يُؤمن. والمقصُود: إعلامُ الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام -: بأنهم قد بلغُوا في معرض العقل، إلى حيث لا يقبلُون العلاج، فالطَّبيبُ إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج، أعرض عنهُ، ولم يستوحشْ من عدم قُبُولهِ للعلاج، فكذلك أنت لا تستوحش من حالِ هؤلاءِ الكُفَّار. فصل احتج أهلُ السُّنَّة بهذه الآية: على أنَّ أفعالَ العباد من الله؛ لأنَّ الآية دلَّت على: أنَّ قلوب الكفار بالنسبة إلى الإيمان، كالأصمِّ بالنسبة إلى استماع الكلام. وكالأعْمَى بالنسبة إلى نظر الأشياء، فكما أنَّ هذا ممتنع؛ فكذلك حصول الإيمان في القلب ليس باختيارِ الإنسان، واحتجَّ المعتزلةُ على صحَّة قولهم، بقوله - تعالى - بعدها: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس:44] فدلَّ ذلك على: أنَّه - تعالى ما ألْجَأ أحداً إلى فِعْل القبائح، ولكنَّهم يقدمُون عليها باختيارهم، وأجاب الواحدي: "بأنَّه - تعالى - إنَّما نفى الظلم عن نفسه؛ لأنَّه يتصرف في ملك نفسه، ومن كان كذلك، لم يكن ظالماً، وإنَّما قال: {وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} لأنَّ الفعل منسوبٌ إليهم بسبب الكسب". فصل احتجَّ ابن قتيبة بهذه الآية، على أنَّ السَّمع أفضلُ من البصر؛ لأنَّه - تعالى - قرن بذهاب السَّمع، ذهاب العقل، ولم يقرن بذهاب النَّظَر، إلاَّ ذهاب البصر، فكان السَّمْع أفضل من البصر، وردَّه ابن الأنباري: بأنَّ الذي نفاهُ اللهُ من السَّمْع، بمنزلة ما نفاهُ من البصر؛ لأنَّه - تعالى - أراد إبصار القلوب، ولم يُرِدْ إبصار العُيُون، والذي يُبْصِره القلب، هو الذي يعقله. واحتجَّ ابن قتيبة بحجة أخرى، فقال: كُلَّما ذكر الله السَّمع في القرآن، فإنَّه غالباً يقدم السَّمع على البصر، فدل على أنَّ السَّمع أفضلُ من البصر، وذكر بعضُ النَّاس في تفضيل السمع على البصر وجوهاً أخر. أحدها: أنَّ العمى قد وقع في حقِّ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، وأمَّا الصَّمم فغير جائز عليهم؛ لأنَّه يخلُّ بأداء الرِّسالة؛ لأنَّه إذا لم يسمع كلام السائلين، تعذَّر عليه الجواب، فيعجزُ عن تبليغ الشَّرائع. وثانيها: أنَّ القوة السامعة تدرك المسموع من جميع الجهات، والقوة الباصرة لا تدرك المرئي إلاَّ من الجهة المقابلة وحدها. وثالثها: أنَّ الإنسانَ إنَّما يستفيد العلم من أستاذه، وذلك لا يمكن إلاَّ بقوَّة السمع، ولا يتوقفُ على قوَّة البصر، فكان السَّمعُ أفضل. ورابعها: أنَّه - تعالى - قال: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}تفسير : [ق:37]، والمراد بالقلب ههنا: العقل، فجعل السَّمع قريناً للعقل، ويؤيِّده قوله - تعالى -: {أية : وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [الملك:10] فجعلوا السَّمع سبباً للخلاص من عذاب السَّعير. وخامسها: أنَّ المعنى الذي به يمتاز الإنسان عن سائر الحيوانات؛ هو النُّطق والكلام، وإنما ينتفع بذلك القوَّة السَّامعة، فمتعلق السمع: النطق الذي شرف الإنسان به، ومتعلَّق البصر: إدراك الألوان والأشكال، وذلك أمر يشترك فيه النَّاس، وسائر الحيوانات؛ فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر. وسادسها: أنَّ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يراهم النَّاس، ويسمعُون كلامهم؛ فنُبوَّتهم ما حصلت بما معهم من الصِّفات المرئيَّة، وإنما حصلت بما معهم من الأقوال المسموعة، وهو تبليغ الشرائع والأحكام؛ فوجب أن يكون المسموع أفضل من المرئيِّ؛ فلزم كون السمع أفضل من البصر. وقال آخرون: البصر أفضلُ من السَّمع لوجوه: الأول: قولهم في المثل: "ليس ورَاءَ العيانِ بيان"، فدلَّ على: أنَّ أكمل وجوه الإدراك هو البصر. الثاني: أنَّ آلة القوَّة الباصرة، هو النُّور، وآلة القوة السَّامعة هي الهواء، والنُّور أشرف من الهواء، فالقوَّة الباصرة أشرف من القوة السَّامعة. الثالث: أنَّ عجائب حكمة الله - تعالى -، في تخليق العين التي هي محل الإبصار؛ أكثر من عجائب خلقته في الأذن، التي هي محل السماع، فإنَّه - تعالى - جعل تمام روح واحد من الأرواح السَّبعة الدِّماغيَّة من العصب، آلة للإبصار، وركَّب العين من سبع طبقات، وثلاث رطوبات، وجعل لحركات العين عضلات كثيرة على صور مختلفة. والأذنُ ليس كذلك، وكثرة العناية في تخليق الشيء، يدل على أنَّه أفضل من غيره. الرابع: أن البصر يرى ما حصل فوق سبع سماوات، والسمع لا يدرك ما بعد منه على فرسخ؛ فكان البصرُ أقوى وأفضل، وبهذا البيان يدفع قولهم: إنَّ السَّمع يدرك من كل الجوانب، والبصر لا يدرك إلاَّ من الجانب الواحد. الخامس: أنَّ كثيراً من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - سمع كلام الله في الدُّنيا، واختلفوا: هل رآه أحدٌ في الدُّنْيَا أم لا؟ وأيضاً: فإنَّ موسى أسمعه كلامه من غير سبق سؤال، ولمَّا سأل الرُّؤية، قال: {أية : لَن تَرَانِي}تفسير : [الأعراف:143] فدل على أنَّ حال الرُّؤية أعلى من حال السَّمْع. السادس: قال ابن الأنباري: كيف يكون السَّمعُ أفضل من البصر، وبالبصر يحصل جمال الوجه، وبذهابه عيبه، وذهاب السمع لا يورث الإنسان عيباً، والعربُ تسمي العينين الكريمتين، ولا تصف السمع بمثل هذا، ومنه الحديث؛ يقول الله: "حديث : من أذهبت كريمتيه، فصبر واحتسب، لم أرض له ثواباً دون الجنة ". تفسير : قوله تعالى: {لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً} يجوز أن ينتصب "شَيْئاً" على المصدر، أي: شيئاً من الظلم، قليلاً ولا كثيراً، وأن ينتصبَ مفعولاً ثانياً لـ "يَظْلِمُ"، بمعنى: لا ينقص النَّاس شيئاً من أعمالهم. قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ} قرأ الأخوان: بتخفيف "لكن" ومن ضرورة ذلك: كسرُ النُّونِ؛ لالتقاءِ الساكنين وصلاً، ورفع "النَّاس"، والباقون بالتشديد ونصب "النَّاس"، وتقدم توجيه ذلك في البقرة [102]، ومعنى {لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً}؛ لأنَّه في جميع أفعاله مُتفضل، وعادل، {وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}: بالكفر والمعصية.
البقاعي
تفسير : ولما قدم في هذه السورة قولهم {لولا أنزل عليه آية من ربه} وأتى فيها رداً عليهم ووعظاً لهم من الآيات البالغة في الحكمة جداً يتجاوز قوى البشر ويضمحل دونه من الخلق القدر، وكان آخر ذلك التنبيه على أن شركاءهم لا يهتدون إلا أن هداهم الهادي فضلاً عن أن يهدوا، وإقامة الدليل على أن مذاهبهم ليست مستندة إلى علم بل هى تابعة للهوى، أتبع ذلك دليلاً قطعياً في أمر القرآن من أنه لا يصح أصلاً أن يؤتى به من دون أمره سبحانه رداً لقولهم: إنه مفترى،لأنه من وادي ما ختم به هذه الآيات من اتباعهم للظنون لأنه لا سند لهم في ذلك بل ولا شبهة أصلاً، وإنما هو مجرد هوى بل وأكثرهم عالم بالحق في أمره، فنفى ذلك بما يزيح الظنون ويدمغ الخصوم ولا يدع شبهة لمفتون، وأثبت أنه هو الآية الكبرى والحقيق بالاتباع لأنه هدى، فقال تعالى: {وما كان} عاطفاً له على قوله {ما يكون لي أن أبدله} إلى آخره، فهو حينئذ مقول القول، أي قل لهم ذاك الكلام وقل لهم {وما كان} أي قط بوجه من الوجوه، وعينه تعييناً لا يمكن معه لبس، فقال: {هذا القرآن} أي الجامع لكل خير مع التأدية بأساليب الحكمة المعجزة لجميع الخلق {أن يفترى} أي أن يقع في وقت من الأوقات تعمد نسبته كذباً إلى الله من أحد من الخلق كائناً من كان؛ وعرف بتضاؤل رتبتهم دون شامخ رتبته سبحانه بقوله: {من دون الله} أي الذي تقرر أنه يدبر الأمر كله، فما من شفيع إلا من بعد إذنه وما يعزب عنه شيء فسبحان المتفضل على عباده بإيضاح الحجج وإزالة الشكوك والدعاء إلى سبيل الرشاد مع غناه عنهم وقدرته عليهم؛ والافتراء: الإخبار على القطع بالكذب، لأنه من فرى الأديم وهو قطعه بعد تفزيره. ولما كان إتيان الأمي - الذي لم يجالس عالماً - بالأخبار والقصص الماضية على التحرير دليلاً قطعاً على صدق الآتي في ادعائه أنه لا معلم له إلا الله، عبر بأداة العناد فقال: {ولكن} أي كان كوناً لا يجوز غيره {تصديق الذي} أي تقدم {بين يديه} أي قبله من الكتب، والدليل على تصادقه شاهد الوجود مع أن القوم كانوا في غاية العدواة له صلى الله عليه وسلم وكان أهل الكتابين عندهم في جزيرة العرب على غاية القرب منهم مع أنهم كانوا يتجرون إلى بلاد الشام وهم متمكنون من السؤال عن كل ما يأتي به، فلو وجدوا مغمزاً ما لقدحوا به، فدل عدم قدحهم على التصادق قطعاً. ولما كان ذلك سلطاناً قاهراً صلى الله عليه وسلم، زاده ظهوراً بما اشتمل الكتاب الآتي به عليه من التفصيل الذي هو نهاية العلم فقال: {وتفصيل الكتاب} أي الجامع المجموع فيه الحكم والأحكام وجوامع الكلام من جميع الكتب السماوية في بيان مجملاتها وإيضاح مشكلاتها، فهو ناظر إلى قوله {أفمن يهدي إلى الحق}، فهو برهان على أنه هو الهادي وحده، فهو الحقيق بالاتباع والتفصيل بتبيين الفصل بين المعاني الملتبسة حتى تظهر كل معنى على حقه، ونظيره التقسيم، ونقضيه التخليط والتلبيس،وبيان تفصيله أنه أتى من العلوم العلمية الاعتقادية من معرفة الذات والصفات بأقسامها، والعملية التكليفية المتعلقة بالظاهر وهي علم الفقه وعلم الباطن ورياضة النفوس بما لا مزيد عليه و لا يدانيه فيه كتاب، وعلم الأخلاق كثير في القرآن مثل{أية : خذ العفو} تفسير : [الأعراف: 199] {أية : إن الله يأمر بالعدل}تفسير : [النحل: 90] وأمثالهما. ولما كان - مع الشهادة بالصدق بتصديق ما ثبت حقيقة - معجزاً بالجمع والتفصيل لجميع العلوم الشريفة: عقليها ونقليها إعجازاً لم يثبت لغيره، ثبت أنه مناقض للافتراء حال كونه {لا ريب فيه} وأنه {من رب العالمين*} أي موجدهم ومدبر أمرهم والمحسن إليهم لأنه - مع الجمع لجميع ذلك - لا اختلاف فيه بوجه، وذلك خارج عن طوق البشر. ولما كان هذا موضع أن يذعنوا لأن هذا القرآن ليس إلا من عند الله وبأمره قطعاً، كان كأنه قيل: ارجعوا عن غيهم فآمنوا واستقاموا {أم} استمروا على ضلالهم {يقولون} على سبيل التجديد والاستمرار عناداً {افتراه} أي تعمد نسبته كذباً إلى الله، فكأنه قيل، تمادوا على عتوهم فقالوا ذلك فكانوا كالباحث عن حتفه بظلفه، لأنهم أصلوا أصلاً فاسداً لزم عليه قطعاً إمكان أن يأتوا بمثله لأنهم عرب مثله،بل منهم من قرأ وكتب وخالط العلماء واشتد اعتناءه بأنواع البلاغة من النظم والنثر والخطب وتمرنه فيها بخلافه صلى الله عليه وسلم في جميع ذلك، فلهذا أمره في جوابهم بقوله {قل} أي لهم يا أبلغ خلقنا وأعرفهم بمواقع الكلام لجميع أنواعه،أتى بالفاء السببية في قوله: {فأتوا} أي أنتم تصديقاً لقولكم هذا الذي تبين وأنكم فيه معاندون؛ ولما كانوا قد جزموا في هذه السورة بأنه افتراه، وكان مفصلاً إلى سور كل واحدة منها لها مقصد معين يستدل فيها عليه، وتكون خاتمتها مرتبطة بفاتحتها متحدة بها، اكتفى في تحديهم بالإتيان بقطعة واحدة غير مفصلة إلى مثل سورة لكن تكون مثل جميع القرآن في الطول والبيان وانتظام العبارة والتئام المعاني فلذلك قال: {بسورة} قال الرماني: والسورة منزلة محيطة بآيات من أجل الفاتحة والخاتمة كإحاطة سور البناء، وهذا نظراً إلى أن المتحدي به سورة اصطلاحية والصواب أنها لغوية، وهي كما قال الحرالي تمام جملة من المسموع تحيط بمعنى تام بمنزلة إحاطة السور بالمدنية؛ووصفها بقوله: {مثله} أي قي البلاغة وحسن النظم وصحة المعاني ومصادقة الكتب وتفصيل العلوم لأنكم مثلي في العربية وتزيدون بالكتابة ومخالطة العلماء - من غير إتيان بـ"من" لما تقدم من أن المراد كونها مثل القرآن كله، ولذلك وسع لهم في الاستعانة بجميع من قدروا عليه ووصلت طاقتهم إليه ولم يقصرهم على من بحضرتهم فقال: {وادعوا} أي لمعاونتكم {من استطعتم} أي قدرتم على طاعته ولو ببذل الجهد من الجن والإنس وغيرهم للمعاونة، وحقق أن هذا القرآن من عنده سبحانه باستثنائه في قوله: {من دون الله} أي الذي له الكمال كله، ونبه على أنهم متعمدون لما نسبوه إليه - وحاشاه من تعمد الكذب - وأنهم معاندون بقوله: {إن كنتم} أي جبلة وطبعاً {صادقين*} أي في أنه أتى به من عنده، لأن العاقل لا يجزم بشيء إلا إذا كان عنده منه مخرج، وذلك لا يكون إلا عن دليل ظاهر وسلطان قاهر باهر، وقد مضى في البقرة ويأتي في هود إن شاء الله تعالى ما يوضح هذا المعنى؛ والاستطاعة: حالة تتطاوع بها الجروح والقوى للفعل لأنه مأخوذ من الطوع؛ ثم كان كأنه قيل: فقال لهم ذلك فلم يأتوا لقومهم بشبهة توجب شكاً فضلاً عن مصدق، لأنه معجز لكونه كلاماً في أعلى طبقات البلاغة بحسن النظام والجزالة منزلاً من عند الله المحيط علماً وقدرة، فهو مشتمل من كل معنى على ما علا كل العلو عن مدان {بل}. وأحسن من ذلك أنه لما أقام الدليل على أن القرآن كلامه، وكان الدليل إنما من شأنه أن يقام على من عرض له غلط أو شبهة، وكان قولهم {افتراه} لا عن شبهة وإنما هو مجرد عناد، نبه سبحانه على ذلك وعلى أنه إنما أقام الدليل لإظهار عنادهم لا لأن عندهم شبهة في كونه حقاً بالإضراب عن قولهم فقال: {بل} أي لم يقولوا {افتراه} عن اعتقاد منهم لذلك بل {كذبوا} أي أوقعوا التكذيب الذي لا تكذيب أشنع منه مسرعين في ذلك من غير أن يتفهموه مستهينين {بما لم يحيطوا بعلمه} اي في نظمه أو معناه من غير شبهة أصلاً بل عناداً وطغياناً ونفوراً مما يخالف دينهم وشراداً، فهو من باب "من جهل شيئاً عاداه" والإحاطة: إرادة ما هو كالحائط حول الشيء، فإحاطة العلم بالشيء العلم به من جميع وجوهه. ولما كان لا بد من وقوع تأويله، وهو إتيان ما فيه من الإخبار بالمغيبات على ما هي عليه، قال: {ولما يأتهم} أي إلى زمن تكذيبهم {تأويله} أي ترجيعنا لأخباره إلى مراجعها وغاياتها حتى يعلموا أصدق هي أم كذب، فإنه معجز من جهة نظمه ومن جهة صدقه في أخباره؛ والتأويل: المعنى الذي يؤول إليه التفسير، وهو منتهى التصريح من التضمين. ولما كان كأنه قيل: إن فعلهم هذا لعجب، فما حملهم على التمادي فيه؟ فقيل: تبعوا في ذلك من قبلهم لموافقتهم في سوء الطبع، قال مهدداً لهم ومسلياً له صلى الله عليه وسلم: {كذلك} أي مثل تكذيبهم هذا التكذيب العظيم في الشناعة قبل تدبير المعجز {كذب الذين} ولما كان المكذبون بعض السالفين، أثبت الجار فقال: {من قبلهم} أي من كفار الأمم الخالية فظلموا فأهلكناهم بظلمهم؛ ولما كان التكذيب خطراً لما يثير من السرور، سبب عنه - تحذيراً منه - النظر في عاقبة أمره فقال: {فانظر} أي بعينك ديارهم وبقلبك أخبارهم. ولما كان من نظر هذا النظر وجد فيه أجل معتبر وأعلى مزدجر، وجه السؤال إليه بقوله: {كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {الظالمين*} أي الذين رسخت أقدامهم في وضع الأشياء في غير مواضعها حتى كذبوا من لا يجوز عليه الكذب بوجه، ومن المقطوع به أن هذا المسؤول يقول من غير تعلثم ولا تردد: عاقبة وخيمة قاصمة ذميمة؛ والعاقبة سبب تؤدي إليه البادئة، فالذي أدى إلى إلى هلاكهم بعذاب الاستئصال ما تقدم من ظلمهم لأنفسهم وعتوهم في كفرهم. ولما ذكر سبحانه تكذيبهم، كان ذلك ربما أيأس من إذعانهم وتصديقهم، وآذن باستئصالهم لتكمل المشابهة للأولين، وكان صلى الله عليه وسلم شديد الشفقة عليهم والحرص على إيمانهم، فأتبعه تعالى بقوله بياناً لأن علمه بانقسامهم أوجب عدم استئصالهم عاطفاً على {كذبوا}: {ومنهم} أي قومك {من يؤمن به} أي في المستقبل {ومنهم من لا يؤمن به} أي القرآن أصلاً ولو رأى كل آية {وربك} أي المحسن إليك بالرفق بأمتك {أعلم بالمفسدين*} أي الذين هم عريقون في الإفساد فسيعاملهم بما يشفي صدرك.
ابو السعود
تفسير : {وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ} شروعٌ في بـيان ردِّهم للقرآن الكريم إثرَ بـيانِ ردهم للأدلة العقليةِ المندرجةِ في تضاعيفه، أي وما صح وما استقام أن يكون هذا القرآنُ المشحونُ بفنون الهداياتِ المستوجبةِ للاتّباع التي من جملتها هاتيك الحججُ البـينةُ الناطقةُ بحقية التوحيدِ وبطلان الشرك {أَنٍ يُفْتَرَى مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي افتراءً من الخلق أي مفترىً منهم سُمّي بالمصدر مبالغة {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب الإلٰهيةِ المشهودِ على صدقها أي مصدّقاً لها كيف لا وهو لكونه معجزاً دونها عيارٌ عليها شاهدٌ بصحتها، ونصبُه بأنه خبرُ كان مقدراً وقد جوّز كونُه علةً لفعل محذوفٍ تقديرُه لكن أنزله الله تصديقَ الخ وقرىء بالرفع على تقدير المبتدإ أي ولكن هو تصديقُ الخ {وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ} عطفٌ عليه نصباً ورفعاً أي وتفصيلَ ما كُتب وأثبت من الحقائق والشرائع {لاَ رَيْبَ فِيهِ} خبرٌ ثالثٌ داخلٌ في حكم الاستدراكِ أي منتفياً عنه الريبُ أو حالٌ من الكتاب وإن كان مضافاً إليه فإنه مفعولٌ في المعنى أو استئنافٌ لا محلَّ له من الإعراب {مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} خبرٌ آخرُ أي كائناً من رب العالمين، أو متعلقٌ بتصديق أو بتفصيل أو بالفعل المعللِ بهما، و(لا ريب فيه) اعتراضٌ كما في قولك: زيد لا شك فيه كريمٌ أو حالٌ من الكتاب أو من الضمير في فيه، ومساقُ الآية الكريمةِ بعد المنعِ عن اتباع الظنِّ لبـيان ما يجب اتباعُه.
القشيري
تفسير : انسدَّتْ بصائرهم فلا يزدادون بكثرة سماع القرآن إلا عمى على عمى، كما أن أهل الحقيقة ما ازدادوا إلا هُدىً على هدى، فسبحان مَنْ جعل سماعَ خطابه لقومٍ سببَ تحَيُّرهم، ولآخرين موجِبَ تَبصُّرِهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما كان هذا القرآن} مع ما فيه من دلائل الاعجاز من حسن نظمه ومعانيه الدقيقة وحقائقه الجامعة {ان يفترى} فى محل لنصب على انه خبر كان اى افتراء اى مفترى يفترى به على الله وسمى بالمصدر مبالغة والافتراء فى الاصل افتعال من فريت الاديم اذا قدرته للقطع ثم استعمل فى الكذب {من دون الله} خبر آن اى صادرا من دون الله لانه لا يتكلم بمثله الا الله {ولكن} كان {تصديق الذى بين يديه} اى مصدقا لما تقدمه من الكتب الالهية بسبب كون مضمونه مطابقا لمضمون تلك الكتب فيما اخبر به من اصول الدين وقصص الاولين ظهر فى يد من لم يمارس شيئا من العلوم ويجالس علماء تلك الكتب فاذا كان ما جاء به مطابقا لها يعلم انه ليس افتراء بل من الله تعالى {وتفصيل الكتاب} من كتب بمعنى فرض وقدره وحكم اى وتفصيل ما حقق واثبت من الحقائق والشرائع. وفى التأويلات النجمية اى تفصيل الجملة التى هى المقدر المكتوبة فى الكتاب الذى عنده لا يتطرق اليه المحو والاثبات لانه ازلى ابدى كما قال {أية : يمحو الله ما يشاء ويثبت} تفسير : يعنى فى اللوح المحفوظ وهو مخلوق قابل التغير {أية : وعنده ام الكتاب} تفسير : يعنى الاصل لذى لا يقبل التغيير وهو علمه القائم بذاته القديم {لا ريب فيه} خبر ثالث داخل فى حكم الاستدراك اى منتفيا عنه الريب. يعنى [از ظهور حجت ووضوح دلالت بمثابه ايست كه هركه درو ادنى تاملى كند زريب استد وداندكه بشبه درومجال نيست] {من رب العالمين} خبر آخر تقديره كائنا من رب العالمين فهو وحى نازل على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من عنده تعالى
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "تصديق": مصدر، والعامل فيه "كان" محذوفة، أو "أنزل"، و"لا ريب": خبر ثالث لها، و"من رب العالمين": خبر آخر، أي: كائناً من رب العالمين، أو متعلق بتصديق أو بتفصيل، و"لا ريب": اعتراض، أو بالفعل المعلل بهما ـ وهو "نزل" ـ ويجوز أن يكون حالاً من "الكتاب"، أو من الضمير في "فيه"،: و"أم": منقطعة بمعنى بل مع الاستفهام الإنكاري، و"كيف" خبر كان. يقول الحق جل جلاله: {وما كان هذا القرآنُ أن يفترى من دون الله} أي: صح له أن يفترى من الخلق، إذ لا قدرة له على ذلك، {ولكن} كان {تصديقَ الذي بين يديه} من الكتب، أو: ولكن أنزله تصديقاً لما سلف قبله من الكتب الإلهية، المشهود على صدقها؛ لأنه مطابق لها، فلا يكون كذباً، كيف وهو لكونه معجزاً عيار عليها، شاهد على صحتها؟ {وتفصيلَ الكتاب} أي: وأنزله تفصيلَ ما حقق وأثبت من العقائد والشرائع، التي تضمنها الكتاب، {لا ريبَ فيه}: لا ينبغي أن يرتاب فيه؛ لما احتفّت به من شواهد الحق، وارتياب الكفار فيه كلا ريب. كائناً {من رب العالمين}، أول نزل منه. {أم}: بل {يقولون افتراه} محمد من عند نفسه؟ {قل فأتُوا} أنتم {بسورةٍ مثله} في البلاغة وحسن النظم، وجودة المعنى، فإنكم مثلي في العربية والفصاحة، {وادعوا من استطعتم}: مَنْ قدرتم عليه من الجن والإنس، يُعينكم على ذلك، {من دون الله} فإنه وحده قادر على ذلك، {إن كنتم صادقين} أنه مفترىً. {بل كذّبوا} أي: سارعوا إلى التكذيب {بما لم يُحيطُوا بعلمه} وهو القرآن، بحيث لم يستمعوه، ولم يتدبروا آياته ويحيطوا بالعلم بشأنه، حتى يعلموا أحق هو أم لا، أو بما جهلوه ولم يحيطوا به علماً، من ذكر البعث والجزاء، وسائر ما يخالف دينهم، {ولمَّا يأتهم تأويلُهُ} أي: ولم يقفوا بعدُ على تأويله، ولم تبلغ أذهانهم معانيه، أو لم يأتهم بعدُ تأويلُ ما فيه من الإخبار بالغيوب، حتى يتبين لهم أنه صدق أو كذب، والمعنى: أن القرآن معجز من جهة اللفظ والمعنى، ثم إنهم فاجئوا تكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه، ويتصفحوا معناه. ومعنى التَّوقع في {لمَّا}: أنه قد ظهر بالآخرة إعجازه؛ لمّا كرر عليهم التحدَّي؛ فزادوا أذْهانهم في معارضته؛ فتضاءلت دونها، أو لمّا شاهدوا وقوع ما أخبر به طبق ما أخبر مراراً فلم يقلعوا عن التكذيب تمرداً وعناداً. قاله البيضاوي. قال ابن جزي: لمَّا يأتهم ما فيه من الوعيد لهم، أي: وسيأتيهم يوم القيامة أو قبله. {كذلك كذَّب الذين من قبلهم} أنبياءهم، {فانظر كيف كان عاقبةُ الظالمين}، فيه وعيد لهم بمثل ما عوقب به من قبلهم. {ومنهم} من المكذبين {من يؤمن به} أي: يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكن يعاند، أو مَن يؤمن به ويتوب عن كفره، {ومنهم من لا يؤمن به} في نفسه لفرط غباوته وقلة تدبره، أو لا يؤمن فيما يستقبل فيموت على كفره، {وربك أعلم بالمفسدين}: بالمعاندين أو المصرين. الإشارة: إذا تطهرت القلوب من الأغيار، وتصفّتْ من الأكدار، أوحى إليها بدقائق العلوم والأسرار، وما كان لتلك العلوم أن تُفترى من دون الله؛ ولكن تكون تصديقاً لما قبلها من علوم القوم وأسرارها، التي يهبها الله لأوليائه، وفيها تفصيل طريق السير، وما أوجبه الله على المريدين من الآداب، وشروط المعاملة، فمن طعن في ذلك فليأت بشيء من ذلك من عند نفسه، ويستعنْ على ذلك بأبناء جنسه، بل كذَّب بما لم يُحط به علمُه، ولم يبلغه عقلُه وفهمُه، فإن كشفت عند الله الحقائق ظهر تأويل ما ينطق به أهل الحقائق، ومن الناس من يؤمن بهذه الأسرار، ومنهم من لا يؤمن بها ويطعن على أهلها، حتى ربما رموهم بالزندقة لأجلها، وربك أعلم بالمفسدين. ثم أمر نبيه بالبراءة ممن كذبه، فقال: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ}.
الطوسي
تفسير : نفى الله تعالى في هذه الآية أن يكون هذا القرآن الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله مفترى من دون الله والافتراء الاخبار على القطع بالكذب، وهو مأخوذ من فري الاديم، وهو قطعه بعد تقديره. والقرآن عبارة عن هذا الكلام الذي هو في أعلى طبقات البلاغة مع حسن النظم والجزالة، وكل شيء منه فيه فائدة وكل فصل منه فيه فائدة أخرى. وقوله {ولكن تصديق الذي بين يديه} شهادة من الله له بأنه صدق وبأنه شاهد لما تقدم من التوراة والانجيل والزبور بأنها حق، وشاهد ايضا من حيث انه مصدق لها اذ جاء على ما تقدمت البشارة به فيها. وقيل مصدق لما بين يديه من البعث والنشور والجزاء والحساب. وقوله {وتفصيل الكتاب} أي تبيين الفصل من المعاني الملتبسة حتى يظهر كل معنى على حقيقته. والتفصيل والتمييز والتقسيم نظائر، وضده التلبيس والتخليط. وقوله {لا ريب فيه} أي لا شك فيه {من رب العالمين} اي نازل من عند مالك العالمين. وقيل: إن معنى {تفصيل الكتاب} أي تفصيل الفروض الشرعية. والكتاب - ها هنا - المفروض. وقال الفراء: معنى {وما كان هذا القرآن أن يفترى} اي لا ينبغي ان يكون افتراء، كما قال تعالى: {أية : وما كان لنبي أن يغل } تفسير : أي لا ينبغي له. وقال غيره: تقديره وما كان هذا القرآن مفترى.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ} اى لان يفترى بتقدير اللاّم اى لا يجوز كونه مفترىً فكيف بفعليّته وافتراء من قبيل زيد عدل {مِن دُونِ ٱللَّهِ} من غير الله {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب السّماويّة حيث يطابقها فى العقائد والاحكام ونصب التّصديق بالعطف على خبر كان او بتقدير كان على خلاف فى عطف المفرد الاتى بعد لكن مع الواو او بكونه مفعولاً له لانزاله مقدّراً {وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ} كتاب النّبوّة واحكامها وقد مرّ مراراً انّ الكتاب اشارة الى احكام النّبوّة كلّما ذكر مطلقاً {لاَ رَيْبَ فِيهِ} حال او مستأنف {مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} ظرف مستقرّ حال او خبر مبتدء محذوف والجملة مستأنفة.
اطفيش
تفسير : {ومَا كانَ هَذا القُرآن أنْ يُفْترَى مِنْ دُونِ الله} يفترى مؤول بالمصدر، والمصدر باسم مفعول، أى وما كان هذا القرآن مفترى، قاله ابن هشام، ويجوز تقدير المضاف فلا يؤول المصدر باسم المفعول، أى ما كان حال القرآن افتراء، أو ما كان هذا القرآن ذا افتراء، أى ليس مما يفتريه أحد، وقيل: إن صلة التأكيد والافتراء الكذب، وأصله القطع للإصلاح. {ولكِنْ تَصْديقَ} خبر لكان محذوفة عند الزجاج، أى كان تصديق أو حال لمحذوف على التأويل بالوصف، أى أنزلناه مصدقا، وإضافته لا تفيد التعريف، لأنه وصف للحال أو للاستقبال، أو مفعول لأجله لذلك المحذوف، أى أنزلناه لأجل تصديق، وقرئ بالرفع على أنه خبر لمحذوف، أى هو تصديق. {الَّذى بَيْن يَديْه} أى الذى تقدمه من كتب الله كالتوراة والإنجيل وغيرهما، فلا يكون كذبا مع أنه معجز دونها، ومعيار لما يزاد فيها أو ينقص منها، وشاهد لما صح عن الله فيها، مع أنها ليست فى بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا قومه علماء بها، وقيل: الذى بين يديه ما يأتى من أمر الغيب فى زمانه وبعده، كأشراط الساعة. {وتَفْصِيلَ} بالنصب والرفع على القراءتين، أى نفصل {الكِتابِ} أى ما فى الكتب من الحلال والحرام، والأحكام والفرائض، فالمراد بالذى والكتاب جنس الكتب، وقيل: الكتاب ما فرضه الله. {لا رَيْب} أى لا شك {فِيهِ} والجملة خبر ثان لكان المقدرة، أو للمبتدأ المقدر فى قراءة الرفع، أو حال من هاء أنزلناه فى أحد أوجه النصب، أو حال من الكتاب، ولو كان مضافا إليه، لأن المضاف مصدر، والمصدر عامل، فإن الكتاب مفعول أضيف إليه المصدر أو مستأنفة. {مِنْ ربِّ العَالَمينَ} خبر آخر لكان، أو المبتدأ أو حال من هاء أنزلناه أو من الكتاب، أو يتعلق بمحذوف هكذا، ولكن أنزل تصديقا الذى بين يديه، وتفصيلا للكتاب من رب العالمين، أو بتصديق أو تفصيل، ولا ريب فيه معترض، أو حال من هاء لا ريب فيه.
اطفيش
تفسير : {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللهِ} أَى أَمفترى أَو ذا افتراء وذلك أَولى من أَن يقدر ما كان شأْن هذا القرآن افتراءً، لأَن الأَنسب أَن يثبت الأَول كما هو فيطلب له من الثانى ما يناسبه من التأويل والافتراء الكذب نعم يجوز إِبقاء الكلام هنا بلا تأْويل، لأِنَّ القرآن كلام والكلام صدق أَو كذب، فالمعنى وما كان هذا القرآن كذباً، أَو كان بمعنى صح أَو لاق أَى لأَن يفترى، ومضى كان لا ينافى استقبال يقترى، لأَن المعنى ما شأْنه قبل نزوله أَن ينزل بافتراءٍ إِذا نزل وهذا أَولى من أَن يقال استعمل المضارع المنصوب لمطلق الزمان مجازاً وحقيقته أَن لا يكون إِ لامستقبلا، وقدر بعض ممكنا أَن يفترى وهو بمعنى ما ذكرت أَو قولهم ائْت بقرآن غير هذا أَو بدله طلب للافتراءِ فى المستقبل فنفاه الله {وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ} كان تصديق الذى بين يديه إِلخ لأَن التكلم بالحق عن الكتب تصديقا أَو يقدر مصدقاً أَو ذا تصديق والذى بين يديه جنس الكتب السابقة: التوراة والزبور والإِنجيل، أَو الحق المتضمنة له تلك الكتب، ومعنى كونها بين يديه أَنها حاضرة بنزولها وليست شيئاً معدوماً، ويجوز نصبه تعليلا أَى أُنزل تصديقاً لما بين يديه، وقدر بعض يصدق تصديق الذى، وقال بعض الذى بين يديه أَخبار الغيوب. {وَتَفْصِيلَ} تبيين {الْكِتَابِ} عطف على تصديق والكتاب بمعنى المكتوب أَى المفروض والمراد جنس الفرائِض، يقال كتب كذا بمعنى فرضه أَو ما فى اللوح المحفوظ أَو الأَحكام مطلقاً فرض ونفل ومباح وحرام ونطق واعتقاد {لاَ رَيْبَ فِيهِ} معترض أَن علق من رب العالمين بتفضيل أَو تصديق على التنازع أَو خبر ثالث بلا عطف والخبر الثانى متعلق بالعطف أَو حال من الكتاب لأَنه مفعول للمضاف إِضافة مصدر لمفعوله وجرد الخبر الثالث عن العطف إِيذاناً بأَنه المقصود بالذات غير تابع لغيره لأَن المقام لرد المرتابين {مِنْ رَّبِّ الْعَالَمِينَ} خبر رابع أَو متعلق بتفضيل أَو تصديق على التنازع كما مر، أَو متعلق بأَنزل المقدر الناصب لتصديقاً فى أَحد الأَوجه مبنياً للمفعول، أَو حال من الكتاب أَو هاء فيه.
الالوسي
تفسير : {وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ} شروع في بيان حالهم من القرآن إثر بيان حالهم مع الأدلة المندرجة في تضاعيفه أو استئناف لبيان ما يجب اتباعه والبرهان عليه غب المنع مع اتباع الظن، وقيل: إنه متعلق بما قصه الله تعالى من قولهم: {أية : ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَا} تفسير : [يونس: 15] وقيل: بقوله سبحانه: {أية : وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مّن رَّبِّهِ }تفسير : [يونس: 20] الخ ولا يخفى ما في ذلك من البعد {وَكَانَ} هنا ناقصة عند كثير من الكاملين {وَهَـٰذَا} اسمها {وَٱلْقُرْآنِِ} نعت له أو عطف بيان و{أَنْ يُفْتَرَىٰ} بتأويل المصدر أي افتراء خبر {كَانَ} وهو في تأويل المفعول أي مفترى كما ذكره ابن هشام في قاعدة أن اللفظ قد يكون على تقدير وذلك المقدر على تقدير آخر، ومنه قوله: شعر : لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى تفسير : وذهب بعض المعربين أن {مَا كَانَ} بمعنى ما صح وأن في الكلام لاماً مقدرة لتأكيد النفي، والأصل ما كان هذا القرآن لأن يفترى كقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً}تفسير : [التوبة: 122] و{أَنْ يُفْتَرَىٰ} خبر كان {وَمِن دُونِ ٱللَّهِ} خبر ثان وهو بيان للأول، أي ما صح ولا استقام أن يكون هذا القرآن المشحون بفنون الهدايات المستوجبة للاتباع التي من جملتها هاتيك الحجج البينة الناطقة بحقية التوحيد وبطلان الشرك صادراً من غير الله تعالى كيف كان، وقيل عليه ما قيل لكنه لا ينبغي العدول عما قاله في محل {مِن دُونِ ٱللَّهِ} وما ذكر في حاصل المعنى أمر مقبول كمالا يخفى، وجوز البدر / الدماميني أن تكون {كَانَ} تامة و{أَنْ يُفْتَرَىٰ} بدل اشتمال من {هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ} وتعقب بأنه لا يحسن قطعاً لأن ما وجد القرآن يوهم من أول الأمر نفي وجوده وأيضاً لا بد من الملابسة بين البدل والمبدل منه في بدل الاشتمال فيلزم أن يبتني الكلام على الملابسة بين القرآن العظيم والافتراء وفي التزام كل ما ترى، وأجيب عن ذلك بما لا أراه مثبتاً للحسن أصلاً، واقتصر بعضهم على اعتبار المصدر من غير تأويله باسم المفعول اعتباراً للمبالغة على حد ما قيل في زيد عدل، والظاهر عندي أن المبالغة حينئذٍ راجعة إلى النفي نظير ما قيل في قوله تعالى: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ} تفسير : [آل عمران: 182] لا أن النفي راجع إلى المبالغة كما لا يخفى، ومن هنا يعلم ما في قول بعض المحققين: إن قول الزمخشري في بيان معنى الآية: ((وما صح وما استقام وكان محالاً أن يكون مثله في علو أمره وإعجازه مفترى)) ربما يشعر بأنه على حذف اللام إذ مجرد توسيط ـ كان ـ لا يفيد ذلك والتعبير بالمصدر لا تعلق له بتأكيد معنى النفي من النظر، ثم إنهم فيما رأينا لم يعتبروا المصدر هنا إلا نكرة، والمشهور اتفاق النحاة على أن أن والفعل المؤول بالمصدر معرفة ولذلك لا يخبر به عن النكرة، وكأنه مبني على ما قاله ابن جني في «الخاطريات» من أنه يكون نكرة وذكر أنه عرضه على أبـي علي فارتضاه. واستشكل بعضهم هذه الآية بأن (أن) تخلص المضارع للاستقبال كما نص على ذلك النحويون، والمشركون إنما زعموا كون القرآن مفترى في الزمان الماضي كما يدل عليه ما يأتى إن شاء الله تعالى فكيف ينبغي كونه مفترى في الزمان المستقبل. وأجيب عنه بأن الفعل فيها مستعمل في مطلق الزمان وقد نص على جواز ذلك في الفعل ابن الحاجب وغيره ونقله البدر الدماميني في شرحه «لمغني اللبيب»، ولعل ذلك من باب المجاز، وحينئذٍ يمكن أن يكون نكتة العدول عن المصدر الصريح مع أنه المستعمل في كلامهم عند عدم ملاحظة أحد الأزمنة نحو أعجبني قيامك أن المجاز أبلغ من الحقيقة، وقيل: لعل النكتة في ذلك استقامة الحمل بدون تأويل للفرق بين المصدر الصريح والمؤول على ما أشار إليه شارح «اللباب». وغيره، ولا يخفى أن فيه مخالفة لما مرت الإشارة إليه من أن أن والفعل في تأويل المصدر وهو في تأويل المفعول. قيل: وقد يجاب أيضاً عن أصل الإشكال بأنه إنما نفى في الماضي إمكان تعلق الافتراء به في المستقبل وكونه محلاً لذلك فينتفي تعلق الافتراء بالفعل من باب أولى، وفي ذلك سلوك طريق البرهان فيكون في الكلام مجاز أصلي أو تبعي، وقد نص أبو البقاء على جواز كون الخبر محذوفاً وأن التقدير وما كان هذا القرآن ممكناً أن يفترى، وقال العلامة ابن حجر: إن الآية جواب عن قولهم: {أية : ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَا أَوْ بَدّلْهُ}تفسير : [يونس: 15] وهو طلب للافتراء في المستقبل، وأما الجواب عن زعمهم أنه عليه الصلاة والسلام افتراه وحاشاه فسيأتي عند حكاية زعمهم ذلك فلا إشكال، على أن عموم تخليص أن المضارع للاستقبال في حيز المنع، لم لا يجوز أن يكون ذلك فيما عدا خبر (كان) المنفية كما يرشد إليه قوله سبحانه: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [التوبة: 113] فإنه نزل عن استغفار سبق منهم للمشركين كما قاله أئمة التفسير، وقد أطال الكلام على ذلك في «ذيل فتاويه» فتبصر. {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي من الكتب الإلهية كالتوراة والإنجيل، فالمراد من الموصول الجنس، وعنى بالتصديق بيان الصدق وهو مطابقة الواقع وإظهاره وإضافته إما لفاعله أو مفعوله، وتصديق الكتب له بأن ما فيه من العقائد الحقة مطابق لما فيها وهي مسلمة عند أهل الكتاب وما عداهم إن اعترف بها وإلا فلا عبرة به. / وفي جعل الإضافة للمفعول مبالغة في نفي الافتراء عنه لأن ما يثبت ويظهر به صدق غيره فهو أولى بالصدق، ووجه كونه مصدقاً لها أنه دال على نزولها من عند الله تعالى ومشتمل على قصص الأولين حسبما ذكر فيها وهو معجز دونها فهو الصالح لأن يكون حجة وبرهاناً لغيره لا بالعكس، وزعم بعضهم أن المراد من {ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أخبار الغيوب والإضافة للفاعل، وتصديقها له مجيئها على وفق ما أخبر به وليس بشيء، ونصب ـ التصديق ـ على العطف على خبر ـ كان ـ أو على أنه خبر لكان مقدرة، وقيل: على أنه مفعول لأجله لفعل مقدر. أي أنزل لتصديق ذلك، وجعل العلة هنا ما ذكر مع أنه أنزل لأمور لأنه المناسب لمقام رد دعوى افترائه، وقيل: نصب على المصدرية لفعل مقدر أي يصدق تصديق الخ، وقرأ عيسى بن عمرو الثقفي. برفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ولكن هو تصديق الخ وكذا قرأ بالرفع في قوله تعالى: {وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ} أي ما كتب وأثبت من الحقائق والشرائع، والعطف نصباً أو رفعاً على {تَصْدِيقَ} وقوله سبحانه: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} خبر آخر للكن أو للمبتدأ المقدر، وفصل لأنه جملة مؤكدة لما قبلها، وجوز أن يكون حالاً من الكتاب وإن كان مضافاً إليه فإنه مفعول في المعنى وأن يكون استئنافاً نحوياً لا محل له من الإعراب أو بيانياً جواباً للسؤال عن حال الكتاب والأول أظهر، والمعنى لا ينبغي لعاقل أن يرتاب فيه لوضوح برهانه وعلو شأنه {مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} خبر آخر لكان أو المبتدأ المقدر كما مر في سابقه أو متعلق بتصديق أو بتفصيل أو بالفعل المعلل بهما أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من الكتاب و {لاَ رَيْبَ فِيهِ} اعتراض لئلا يلزم الفصل بالأجنبـي بين المتعلق والمتعلق أو الحال وذيها. وجوز أن يكون حالاً من الضمير المجرور في {فِيهِ}.
ابن عاشور
تفسير : لما كان الغرض الأول في هذه السورة إبطال تعجب المشركين من الإيحاء بالقرآن إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتبيين عدم اهتدائهم إلى آياته البينات الدالة على أنه من عند الله، وكيف لم ينظروا في أحوال الرسول الدالة على أن ما جاء به وحي من الله، وكيف سألوه مع ذلك أن يأتي بقرآن غيره أو يبدل آياته بما يوافق أهواءهم. ثم انتقل بعد ذلك إلى سُؤَالهم أن تنزل عليه آية أخرى من عند الله غير القرآن، وتخلل ذلك كلَّه وصفُ افترائهم الكذب في دعوى الشركاء لله وإقامة الأدلة على انفراد الله بالإلهية وعلى إثبات البعث، وإنذارهم بما نال الأمم من قبلهم، وتذكيرهم بنعم الله عليهم وإمهالهم، وبيان خطئهم في اعتقاد الشرك اعتقاداً مبنياً على سوء النظر والقياس الفاسد، لا جرم عاد الكلام إلى قولهم في القرآن بإبطال رأيهم الذي هو من الظن الباطل أيضاً بقياسهم أحوالَ النبوءة والوحي بمقياس عاداتهم كما قاسُوا حقيقة الإلهية بمثل ذلك، فقارعتهم هذه الآيةُ بذكر صفات القرآن في ذاته الدالة على أنه حق من الله وتحدتهم بالإعجاز عن الإتيان بمثله. فجملة: {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله} يجوز أن تكون معطوفة على جملة: {أية : وما يتبع أكثرهم إلا ظناً}تفسير : [يونس: 36] بمناسبة اتباعهم الظن في الأمرين: شؤون الإلهية وفي شؤون النبوءة، ويجوز أن تكون معطوفة على مجموع ما تقدم عطف الغرض على الغرض والقصة على القصة، وهو مفيد تفصيل ما أجمله ذكر الحروف المقطعة في أول السورة والجمل الثلاث التي بعد تلك الحروف. ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة: {أية : قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي}تفسير : [يونس: 15] تكملة للجواب عن قولهم {أية : ائت بقرآن غير هذا أو بدله}تفسير : [يونس: 15] وهذا الكلام مسوق للتحدي بإعجاز القرآن، وهي مفيدة للمبالغة في نفي أن يكون مفترى من غير الله، أي منسوباً إلى الله كذباً وهو آتٍ من غيره، فإن قوله: {ما كان هذا القرآن أن يفترى} أبلغ من أن يقال: ما هو بمفترى، لما يدل عليه فعل الكون من الوجود، أي ما وجد أن يفترى، أي وجوده مناف لافترائه، فدلالة ذاته كافية في أنه غير مفترى، أي لو تأمل المتأمل الفطن تأملاً صادقاً في سور القرآن لعلم أنه من عند الله وأنه لا يجوز أن يكون من وضع البشر، فتركيب ما كان أن يفترى بمنزلة أن يقال: ما كان ليفترى، بلام الجحود، فحُذف لام الجحود على طريقة حَذْف الجار اطراداً مع (أنْ)، ولما ظهرت (أنْ) هنا حذف لام الجحود وإن كان الغالب أن يذكر لام الجحود وتقدر (أنْ) ولا تذكر، فلما ذكر فعل (كان) الذي شأنه أن يذكر مع لام الجحود استغني بذكره عن ذكر لام الجحود قصداً للإيجاز. وإنما عدل عن الإتيان بلام الجحود بأن يقال: ما كان هذا القرآن ليفترى، لأن الغالب أن لام الجحود تقع في نفي كون عن فاعل لا عن مفعول بما تدل عليه اللام من معنى الملك. واعلم أن الإخبار بـ{أن} والفعل يساوي الإخبار بالمصدر، وهو مصدر بمعنى المفعول لأن صلة {أن} هنا فعل مبني للنائب. والتقدير ما كان هذا القرآن افتراءَ مُفتر، فآل إلى أن المصدر المنسبك من (أن) مصدر بمعنى المفعول كالخَلْق بمعنى المخلوق، وهو أيضاً أقوى مبالغة من أن يقال: ما كان مفترًى، فحصلت المبالغة في جهتين: جهة فعل (كَان) وجهة (أن) المصدرية. و(من) في قوله: {من دون الله} للابتداء المجازي متعلقة بـ{يفترى} أي أن يفتريه على الله مفتر. فقوله: {من دون الله} حال من ضمير {يفترى} وهي في قوة الوصف الكاشف. والافتراء: الكذب، وتقدم في قوله: {أية : ولكنَّ الذين كفروا يفترون على الله الكذب}تفسير : في سورة [العقود: 103]. ولما نفي عن القرآن الافتراء أخبر عنه بأنه تصديق وتفصيلٌ، فجرت أخباره كلها بالمصدر تنويهاً ببلوغه الغاية في هذه المعاني حتى اتحد بأجناسها. و{تصديق الذي بين يديه} كونُه مصدقاً للكتب السالفة، أي مبيّناً للصادق منها ومميزاً له عما زيد فيها وأسيء من تأويلها كما قال تعالى: {أية : مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه}تفسير : كما تقدم في سورة [العقود: 48]. وأيضاً هو مصدَّق (بفتح الدال) بشهادة الكتب السالفة فيما أخذت من العهد على أصحابها أن يؤمنوا بالرسول الذي يجيء مصدقاً وخاتماً. فالوصف بالمصدر صالح للأمرين لأن المصدر يقتضي فاعلاً ومفعولاً. والتفصيل: التبيين بأنواعه. والظاهر أن تعريف (الكتاب) تعريف الجنس فيستغرق الكتب كلها. ومعنى كون القرآن تفصيلاً لها أنه مبين لما جاء مجملاً في الكتب السالفة، وناسخ لما لا مصلحة للناس في دوام حكمه، ودافع للمتشابهات التي ضل بها أهل الكتاب، فكل ذلك داخل في معنى التفصيل، وهو معنى قوله تعالى: {أية : ومهيمناً عليه}تفسير : في سورة [العقود: 48]. وهذا غير معنى قوله:{أية : وتفصيلَ كل شيء}تفسير : [يوسف: 111] في الآية الأخرى. وجملة: {لا ريب فيه} مستأنفة ردت مزاعم الذين زعموا أنه مفترى باقتلاع دعوى افترائه، وأنها مما لا يروج على أهل الفِطن والعقولِ العادلة، فالريب المنفي عنه هو أن يكون من أحواله في ذاته ومقارناته ما يثير الريب، ولذلك كان ريب المرتابين فيه ريباً مزعوماً مدعًى وهو لو راجعوا أنفسهم لوجدوها غير مرتابة. وقد تقدم القول في نظير هذا في طالعة سورة [البقرة: 2]. وموقع قوله: {أية : من رب العالمين}تفسير : محتمل وجوهاً أظهرها أنه ظرف مستقر في موضع الخبر عن مبتدإ محذوف هو ضمير القرآن، والجملة استئناف ثان، و(مِن) ابتدائية تؤذن بالمجيء، أي هو وارد من رب العالمين، أي من وحيه وكلامِه، وهذا مقابل قوله: {من دون الله}.
الشنقيطي
تفسير : صرح تعالى في هذه الآية الكريمة، أن هذا القرآن لا يكون مفترى من دون الله مكذوباً به عليه، وأنه لا شك في أنه من رب العالمين جل وعلا، وأشار إلى أن تصديقه للكتب السماوية المنزلة قبله وتفصيله للعقائد والحلال والحرام ونحو ذلك. مما لا شك أنه من الله جل وعلا. دليل على أنه غير مفترى. وأنه لا ريب في كونه من رب العالمين، وبين هذا في مواضع أخر كقوله: {أية : لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون} تفسير : [يوسف: 111]. وقوله: {أية : وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَاطِينُ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} تفسير : [الشعراء: 210-211] وقوله: {أية : وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ} تفسير : [الإسراء: 105] والآيات في مثل ذلك كثيرة. ثم إنه تعالى لما صرح هنا بأن هذا القرآن ما كان أن يفترى على الله، أقام البرهان القاطع على أنه من الله، فتحدى جميع الخلق بسورة واحدة مثله، ولا شك أنه لو كان من جنس كلام الخلق لقدر الخلق على الإتيان بمثله، فلما عجزوا عن ذلك كلهم حصل اليقين، والعلم الضروري أنه من الله جل وعلا، قال جل وعلا في هذه السورة: {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [يونس: 38] وتحداهم أيضاً في سورة "البقرة" بسورة واحدة من مثله، بقوله: {أية : وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِه} تفسير : [البقرة: 23] الآية: وتحداهم في "هود" بعشر سور مثله بقوله: {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَات} تفسير : [هود: 13] الآية: وتحداهم في "الطور" به كله بقوله: {أية : فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ} تفسير : [الطور: 34]. وصرح في سورة "بني إسرائيل" بعجز جميع الخلائق عن الإتيان بمثله بقوله: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} تفسير : [الإسراء: 88] كما قدمنا، وبين أنهم لا يأتون بمثله أيضاً بقوله: {أية : فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُوا} تفسير : [البقرة: 24] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أن يفترى من دون الله: أي افتراءً أي لم يكن هذا القرآن افتراء. وتفصيل الكتاب: أي بيان ما فرض الله تعالى على هذه الأمة وما أحل لها وما حرم. أم يقولون افتراه: أي اختلقه من نفسه وَتَقوَّلَهُ من عنده. بما لم يحيطوا بعلمه: أي بما توعدهم الله تعالى به من العذاب. ولما يأتهم تأويله: أي ولما يأتهم بعد ما يؤول إليه ذلك الوعيد من العذاب. كذلك كذب الذين من قبلهم: أي كتكذيب هؤلاء بوعد الله لهم كذب الذين من قبلهم. معنى الآيات: هذه الآيات في تقرير عقيدة الوحي وإثبات نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ} أي لم يكن من شأن هذا القرآن العظيم {أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي يُختلق من غير الله تعالى من سائر خلقه، {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي ولكنه كلام الله ووحيه أوحاه إلى رسوله وأنزله تصديق الذي بين يديه أي من الكتب التي سبقت نزوله وهي التوراة والإِنجيل {وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ} الذي كتبه الله تعالى على أمة الإِسلام من الفرائض والشرائع والأحكام. وقوله تعالى {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي لا شك في أنه وحي الله وكلامه نزل من رب العالمين. وهو الله مربي الخلائق أجساماً وعقولاً وأخلاقاً وأرواحاً ومن مقتضى ربوبيته إنزال كتاب فيه تبيان كل شيء يحتاج إليه العبد في تربيته وكماله البدني والروحي والعقلي والخلقي. وقوله تعالى في الآية الثانية [38] {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} أي بل يقول هؤلاء المشركون المجاحدون وهو قول في غاية السُّخْف والقباحة يقولون القرآن افتراه محمد ولم يكن بوحي أُنزل عليه، قل يا رسولنا متحدياً إياهم أن يأتوا بسورة مثله. فإنهم لا يستطيعون وبذلك تبطل دعواهم، وقل لهم ادعوا لمعونتكم على الإِتيان بسورة مثل سورة القرآن من استطعتم الحصول على معونتهم إن كنتم صادقين في دعواكم أن القرآن لم يكن وحياً من الله، وإنما اختلاق اختلقه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} أي إن القضية ليست قضية أنهم ما استطاعوا أن يدركوا أن القرآن كلام الله، وإنما القضية هي أنهم كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه من وعيد الله تعالى لهم بالعذاب، ولما يأتهم بعد ما يؤول إليه الوعيد إذ لو رأوا العذاب ما كذبوا، ولذا قال تعالى {كَذَلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي {أية : حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا}تفسير : [الأنعام: 148] كما في آية الأنعام. وهنا قال تعالى {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ} فقد أهلك تعالى الظلمة من قوم نوح بالغرق ومن قوم هود بريح صرصر ومن قوم صالح بالصيحة ومن قوم شعيب بالرجفة ومن أمم أخرى بما شاء من أنواع العذاب فهؤلاء إن لم يتوبوا واستمروا في تكذيبهم فسوف يحل بهم ما حل بغيرهم {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ} تفسير : [إبراهيم: 42]. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة الوحي وإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. 2- من أدلة أن القرآن كلام الله تصديقه للكتب السالفة وعدم التناقض معها إذ هما من مصدر واحد وهو الله رب العالمين. 3- من أدلة القرآن على أنه وحي الله تحدى الله العرب بالإِتيان بسورة واحدة في فصاحته وبلاغته، وإعجازه وعجزهم عن ذلك. 4- استمرار المشركين في العناد والمجاحدة علته أنهم لم يذوقوا ما توعدهم الله به من العذاب إذ لو ذاقوا لآمنوا ولكن لا ينفعهم حينئذ الإِيمان.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْقُرْآنُ} {ٱلْكِتَابِ} {ٱلْعَالَمِينَ} (37) - لاَ يَصِحُّ وَلاَ يُعْقَلُ أَنْ يَفْتَرِيَ بَشَرٌ القُرْآنَ عَلَى اللهِ، وَيَنْسُبَهُ إِلَيْهِ. فَمَا فِي القُرْآنِ مِنْ مَعْلُومَاتٍ، وَتَشْرِيعَاتٍ، وَعُلُومٍ بِالغَيْبِ، وَآدَابٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ سَامِيَةٍ، وَأُسْلُوبٍ رَفِيعٍ فِي الصِّيَاغَةِ، هِيَ أَشْيَاءُ لاَ يَقْدِرُ البَشَرُ أَن يأتيَ بِمِثْلِهَا. وَقَدْ تَحَدَّاهُمُ اللهُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بٍِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فَعَجَزُوا. وَإِذا أَضَفْنَا إِلى ذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم عُرِفَ فِي حَيَاتِهِ كُلِّهَا بِالأَمِينِ فِي قَوْمِهِ، فَمَا كَانَ لِيَتْرُكَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكذبَ عَلَى اللهِ، لِذَلِكَ لاَ بُدَّ مِنَ القَوْلِ: إِنَّ هَذا القُرآنَ مُنَزَّلٌ وَحْياً مِنَ اللهِ عَلَى رَسُولِهِ، وَهُوَ مُصَدِّقٌ لِمَا جَاءَ بِهِ الأنبياءُ السَّابِقُونَ، وَمُتَّفِقٌ مَعَهُ فِي الدَّعوةِ إِلى الدِّينِ الحَقِّ، مِنَ الإِيمَانِ الكَامِلِ بِاللهِ وَحْدَهُ، وَباليومِ الآخِرِ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ لِمَا كُتِبَ منَ الشَّرَائِعِ وَالأَحْكَامِ، وَكُلُّ ذَلِكَ لاَ يَتْرُكُ مَجَالاً لِعَاقِلٍ أَنْ يَرْتَابَ فِيهِ، وَأنْ يَشُكَّ فِي أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّ العَالِمِينَ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
الثعلبي
تفسير : {وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ} قال الفراء: معناه وما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى كقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ}تفسير : [آل عمران: 161]وقوله: {أية : وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً}تفسير : [التوبة: 122]، وقال الكسائي: أن في محل نصب الخبر ويفترى صلة له وتقديره: وما كان هذا القرآن مفترى، وقيل: أن بمعنى اللام أي وما كان القرآن ليفترى من دون الله {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ} تمييز الحلال من الحرام والحق من الباطل {لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ} أي يقولون. قال أبو عبيدة: أم بمعنى الواو أي ويقولون افتراه، اختلق محمّد القرآن من قبل نفسه. {قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ} شبيه القرآن وقرأ ابن السميقع: بسورة مثله مضافة، فتحتمل أن تكون الهاء كناية عن القرآن وعن الرسول {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ} ممن تعبدون {مِّن دُونِ ٱللَّهِ} ليعينوكم على ذلك، وقال ابن كيسان: وادعوا من استطعتم على المخالفة ليعينوكم، وقال مجاهد: شهداءكم بمعنى ناساً يشهدون لكم {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} إنَّ محمداً افتراه. ثم قال: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ} يعني القرآن {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} تفسيره. وقال الضحاك: يعني عاقبته وما وعد الله في القرآن انه كائن من الوعيد والتأويل ما يؤول إليه الأمر. وقيل للحسين بن الفضل: هل تجد في القرآن (من جهل شيئاً عاداه؟) فقال: نعم في موضعين {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ}، وقوله: {أية : وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ}تفسير : [الأحقاف: 11] {كَذَلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من كفار الأمم الخالية {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ} أي كما كذب هؤلاء المشركون بالقرآن كذلك كذب في هذا وبشّر المشركون بالهلاك والعذاب {وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ} أي ومن قومك من سيؤمن بالقرآن {وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ} لعلم الله السابق فيهم {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ} الذين لا يؤمنون {وَإِن كَذَّبُوكَ} يامحمد {فَقُل لِّي عَمَلِي} الإيمان {وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} الشرك {أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ}. قال مقاتل والكلبي: هذه الآية منسوخة بآية الجهاد، ثم أخبر أن التوفيق للإيمان به لا بغيره، وأن أحداً لا يؤمن إلاّ بتوفيقه وهدايته، وذكر أن الكفار يستمعون القرآن وقول محمد صلى الله عليه وسلم فينظرون إليه ويرون أعلامه وأدلته على نبوته ولا ينفعهم ذلك ولا يهتدون لإرادة الله وعلمه فيهم فقال: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} بأسماعهم الظاهرة {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ} بأبصارهم الظاهرة {أَفَأَنْتَ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ} وهذا تسلية من الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم يقول ما لا تقدر أن تسمع من سلبته السمع، ولا تقدر أن تخلق للأعمى بصراً يهتدي به فكذلك لا تقدر أن توفقهم للإيمان وقد حكمت عليهم أن لا يؤمنوا {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً} لأنه في جميع أفعاله عادل. {وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بالكفر والمعصية وفعلهم ما ليس لهم أن يفعلوا [وألزمهم] ما ليس للفاعل أن يفعله. {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ} قال الضحاك: كأن لم يلبثوا في الدنيا {إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ} قصرت الدنيا في أعينهم من هول ما استقبلوا، وقال ابن عباس: كأن لم يلبثوا في قبورهم إلاّ قدر ساعة من النهار {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} حين بعثوا من القبور يعرف بعضهم بعضاً كمعرفتهم في الدنيا ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال القيامة {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ * وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ} يا محمد في حياتك {بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ} من العذاب {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} قبل ذلك {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} في الآخرة {ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ} مجزيهم به. قال المفسرون: فكان البعض الذي أراهُ قبلهم ببدر وسائر العذاب بعد موتهم {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ} خلت {رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ} فكذبوه {قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} أي عذبوا في الدنيا واهلكوا بالحق والعدل. وقال مجاهد ومقاتل: فإذا جاء رسولهم يوم القيامة قضى بينه وبينهم بالقسط {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} لا يعذبون بغير ذنب ولا يؤاخذون بغير حجة ولا ينقصون من حسناتهم ويزادوا على سيئاتهم {وَيَقُولُونَ} أي المشركون {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} الذي وعدتنا يا محمد من العذاب. وقيل: قيام الساعة {إِن كُنتُمْ} أنت يا محمد وأتباعك {صَادِقِينَ * قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} لا أقدر لها على ضرّ ولا نفع {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} أن أملكه {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} مدة [وأجل] {إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ} وقت [انتهاء] أعمارهم {فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ} يتأخرون ساعة {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ * قُلْ} لهم {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ} الله {بَيَاتاً} ليلا {أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ} المشركون وقد وقعوا فيه {أَثُمَّ} هنالك وحينئذ، وليس بحرف عطف {إِذَا مَا وَقَعَ} نزل العذاب {آمَنْتُمْ بِهِ} صدقتم بالعذاب في وقت نزوله. وقيل: بأنه في وقت البأس {الآنَ} فيه إضمار أي، وقيل: أنّهم الآن يؤمنون {وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} وتكذبون {ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أشركوا {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ} اليوم {إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} في الدنيا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وحين تستمع للقرآن وما فيه من سر الأعداد والإخبار بالمغيبات التي لا تخضع لمنطق الزمان، ولا لمنطق المكان، فالفطرة السليمة توقن أن هذا القرآن لا يمكن أن يُفتَرى، بل لا بد أن قائله ومُنزِّله عليم خبير؛ لأن القرآن جاء مصدقاً لما بين يديه من الكتب السابقة. أي: أن ما به دائماً هو أمام الناس، أو مواجه لهم، وهو كتاب مصدِّق للكتب السابقة من قبل تحريفها كالتوراة والإنجيل والزبور، وهي الكتب التي سبقت القرآن نزولاً، لا واقعاً، فجاء القرآن مصدِّقاً لها. أي: هي تصدقه، وهي يصدقها من قبل تحريفها، وهي الكتب التي بشَّرت بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، مثلما جاء في القرآن عن تصديق عيسى عليه السلام بمجيء محمد عليه الصلاة والسلام : {أية : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ ..}تفسير : [الصف: 6]. فلما جاء أحمد (محمد صلى الله عليه وسلم) ونزل عليه القرآن صدَّق الإنجيل في قوله هذا، وما جاء في القرآن من عقائد أصيلة هي عقائد جاءت بها كل الكتب السماوية، فالحق سبحانه يقول: {أية : إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً}تفسير : [النساء: 163]. ويقول الحق سبحانه: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ..}تفسير : [الشورى: 13]. إذن: فهناك أصول جاءت بها كل الكتب السماوية، وهناك كذلك أخبار أخبرت عن حدوثها الكتب السماوية، وأبلغنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن وفيه تلك الأخبار، فمن أين جاء محمد صلى الله عليه وسلم بتلك العقائد الصحيحة، وتلك الأخبار الموجودة في الكتب السابقة، وهو صلى الله عليه وسلم لم يكن من أهل الكتاب، ولا عَلِمَ منهم شيئاً؟ إذن: فعندما يقول محمد صلى الله عليه وسلم ما جاء ذكره في الكتب السابقة على القرآن، فهذه الكتب مصدقة لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذه الأخبار قد وقعت، وهذا تأكيد لصدقه؛ لأنه بشهادة أهل زمانه لم يجلس إلى معلِّم، ولم يقرأ كتاباً، وتاريخه وسيرته معروفة؛ لأنه من أنفسكم، ولم يُعْلَم عنه أنه قد زاول كلاماً بليغاً، أو خطب في قوم قبل الرسالة، أو قال شعراً. وبعد ذلك فوجىء هو - كما فوجئتم أنتم - بمجيء هذا البيان الرائع، فمن أين جاء به؟ أنتم تقولون إنه هو الذي جاء به، لكنه صلى الله عليه وسلم ينسب الرفعة لصاحبها، ويعلن أنه صلى الله عليه وسلم مُبلِّغ فقط، فيقول ما أمره الله به أن يقوله: {أية : قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}تفسير : [يونس: 16]. ويحضُّ القرآن الكريم النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يسألهم: هل لاحظوا على كلماته - من قبلُ - البلاغةَ والفصاحةَ أو الشعرَ؟! ولننظر في "ماكُنَّات" القرآن الكريم، وهي الآيات التي يقول فيها الحق سبحانه: {وَمَا كُنتَ} مثل قوله سبحانه: {أية : ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ..}تفسير : [آل عمران: 44]. وهذا أمر ثابت في الأخبار. وقول الحق سبحانه: {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ}تفسير : [القصص: 44]. والوحي إلى موسى - عليه السلام - والمكان الذي نزل فيه ذلك الوحي أمر ثابت في الأخبار. وقول الحق سبحانه: {أية : وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}تفسير : [القصص: 45]. وكثير من هذه الآيات تجعل محمداً صلى الله عليه وسلم وكأنه يسأل المعاصرين له: كيف أخبرت بوقائع وأخبار لم أكن موجوداً في زمانها أو مكانها؟ لا بد - إذن - أن الله الحق - سبحانه - هو الذي أخبرني بما وافق ما عندكم من أخبار. وبعد ذلك جاء القرآن الكريم مصدقاً لما بين يديه: {أية : فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ..}تفسير : [البقرة: 97]. أي: أنه الكتاب الذي يضم صدق كل حدث قادم؛ لأن القرآن خرق حُجُب وحُجُزَ الماضي والمستقبل. ونحن نعلم أن الأشياء الغيبية تحدث بسببين؛ الأول: أن يتكلم عن شيء سبق الزمان الذي نزل فيه، فهو يتكلم في الماضي الذي لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الاطلاع والتعلم ليعرفه ويعلمه. وكذلك خرق القرآن الكريم حجب الحاضر الذي عاصر نزوله، هذا الحاضر الذي قد يكون محجوباً بالمكان. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - فقد يحدث حادث في الإسكندرية في نفس الوقت الذي تكون أنت فيه موجوداً بالقاهرة، وأنت لا تعلم هذا الحدث؛ لأنه محجوب عنك ببعد المكان، وحاجز المكان يتمثل - غالباً - في الأمور الحاضرة، أما أمور المستقبل فهي محجوبة عنا بالزمان والمكان معاً. وحين يخبرنا القرآن الكريم بحدث ماضٍ لم يشهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتعلمه، ولم يقرأ عنه؛ إذن: فالقرآن إنما يخرق أمامنا حجاب الزمن الماضي. وإذا أخبر القرآن بحدث حاضر في غير مكان نزوله على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا خرق لحجاب المكان مثل قول الحق سبحانه: {أية : وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ ..}تفسير : [المجادلة: 8]. وحين سمع المنافقون والكفار هذا القول الكريم، لم ينكروا أنهم قالوا في أنفسهم ما جاء به القرآن، وهكذا خرق القرآن حاجز المكان في أنفسهم هم. إذن: فأخبار الغيب في القرآن إما خَرْقٌ لزمان ماضٍ أو خرق لزمان الحال، وإما خرق لزمان ومكان الاستقبال. ونحن نعلم أن القرآن كان ينزل والمسلمون ضعاف، لا يستطيعون حماية أنفسهم، ولا أحد يجير على أحد، ويتجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ليعرض الإسلام على أهلها، لعلَّه يلتمس لهم مجيراً من أهل الطائف؛ ولكنه صلى الله عليه وسلم لا يجد إلا الإيذاء والإعراض، ويوصي بعضاً من صحابته أن يهاجروا إلى الحبشة. وفي ظل كل هذه الأزمات، ينزل قول القرآن: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ..}تفسير : [القمر: 45]. حتى إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يتساءل: أيُّ جمع هذا الذي يهزم، ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا؟ ثم تأتي غزوة بدر ويشهد عمر هزيمة وفرار مقاتلي قريش؛ فيرى رأي العين صدق ما جاء به الوحي من قبل. وهكذا تأكد الجميع أن القرآن الكريم غير مُفترىً، فكيف يُتَّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه افتراه؟ وإذا كان هذا القرآن مفترىً، فلماذا لا تفترون مثله؟ وفيكم الشعراء والبلغاء والخطباء؟! ولم يقل محمد صلى الله عليه وسلم أنه بليغ أو خطيب أو شاعر، ولم يطلب القرآن الكريم منهم أن يأتوا بواحد مثل محمد صلى الله عليه وسلم، لا صلة له بالبلاغة أو الفصاحة، بل يطلب منهم أن يأتوا بالفصحاء كلهم، ويدعوهم أن يقولوا مثل آية واحدة من القرآن. وإن قالوا: إن ما جاء به هو السحر، وإن محمداً ساحر قد سحر العبيد والضعاف، وأدخلهم في الإسلام، فلماذا لم يسحركم محمد؟ إن بقاءكم من غير سحر يدل على أن إطلاقكم كلمة السحر على ما جاء به دعوى كاذبة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [يونس: 37]. فالقرآن قد جاء فيه تفصيل كل الأحكام الصالحة إلى قيام الساعة، أما الكتب السابقة على القرآن فكانت تضم الأحكام المناسبة لزمانها، ولأمكنة نزولها. وهو كتاب {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي: لا شك فيه، يكشف الكفار، ويفضح ارتيابهم وكذبهم، فَهُمْ قد اعترفوا بعظمة القرآن وقالوا: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ..}تفسير : [الزخرف: 31]. إذن: فهم قد عرفوا أن القرآن لا عيب فيه، ولا ريب، حتى من الكافرين به. ويـأتي الرد على قولهم بالافتراء، في قول الحق سبحانه: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ ...}.
الأندلسي
تفسير : {وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن} الآية، لما تقدم قولهم ائت بقرآن غير هذا أو بدله، وكان من قولهم انه افتراه قال تعالى: {وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ}، أي ما صح ولا استقام أن يكون هذا القرآن المعجز مفترى. والإِشارة بهذا فيها تفخيم المشار إليه وتعظيمه، وكونه جامعاً للأوصاف التي يستحيل لوجودها فيه أن يكون مفترى. والظاهر أنّ انْ يفترى هو خبر كان، أي افتراء أي ذا افتراء أو مفترى، ووقعت لكن هنا أحسن موقع إذ كانت بين نقيضين وهما الكذب والتصديق المتضمن الصدق، والذي بين يديه الكتب الإِلهية المقدمة. وانتصب تصديق على أنه خبر كان مضمرة وهو على حذف مضاف، أي ذا تصديق. {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} ام: منقطة تتقدر ببل، والهمزة تقديره بل أيقولون افتراه، والاستفهام على سبيل الإِنكار. وتقدم الكلام على نظير هذه الآية في البقرة. {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ} أي بل كذبوا بها القرآن العظيم المنبّىء بالغيوب الذي لم تتقدم لهم به معرفة، ولا أحاطوا بمعرفة غيوبه وحسن نظمه، ولا جاءهم تفسير ذلك وبيانه. والكاف في موضع نصب، أي مثل ذلك التكذيب. {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ} كيف: في موضع نصب خبر لكان، وأنظر معلقة، والجملة الاستفهامية مع ما بعدها في موضع نصب. قال ابن عطية: ولكيف تصرفات تحل محل المصدر الذي هو كيفية ويحتمل هذا الموضع أن يكون منها ومن تصرفاتها كقولهم: كن كيف شئت. "انتهى". ليس كيف تحل محل المصدر ولا لفظ كيفية هو مصدر إنما ذلك نسبة إلى كيف وقوله: ويحتمل أن يكون هذا الموضع منها ومن تصرفاتها كن كيف شئت لا يحتمل أن يكون منها لأنه لم يثبت لها هذا المعنى الذي ذكر من كون كيف بمعنى كيفية وادّعاء مصدر كيفية وأمّا: كنْ كيف شئت لها هذا المعنى الذي فكيف ليست بمعنى كيفية وإنما هي شرطية، وهو المعنى الثاني الذي لها، وجوابها محذوف التقدير كيف شئت، فكن كما تقول: قم متى شئت، فمتى: اسم شرط ظرف لا يعمل فيه قم، والجواب محذوف تقديره متى شئت فقم. {وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ} الآية، الظاهر أنه اخبار بأن من كفار قريش من سيؤمن به وهو من سبقت له السعادة، ومنهم من لا يؤمن به فيوافي على الكفر. {وَإِن كَذَّبُوكَ} أي وإن تمادوا على تكذيبك فتبرأ منهم قد أعذرت وبلغت كقوله: {أية : فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيۤءٌ}تفسير : [الشعراء: 216]. ومعنى: {لِّي عَمَلِي} أي لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم. ومعنى عملي أي الصالح المشتمل على الإِيمان والطاعة. {وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} المشتمل على الشرك والعصيان. والظاهر أنها آية منابذة لهم وموادعة وفي ضمنها الوعيد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ } أي: غير ممكن ولا متصور، أن يفترى هذا القرآن على الله تعالى، لأنه الكتاب العظيم الذي {أية : لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } تفسير : وهو الكتاب الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، وهو كتاب الله الذي تكلم به ]رب العالمين[، فكيف يقدر أحد من الخلق، أن يتكلم بمثله، أو بما يقاربه، والكلام تابع لعظمة المتكلم ووصفه؟!!. فإن كان أحد يماثل الله في عظمته، وأوصاف كماله، أمكن أن يأتي بمثل هذا القرآن، ولو تنزلنا على الفرض والتقدير، فتقوله أحد على رب العالمين، لعاجله بالعقوبة، وبادره بالنكال. { وَلَكِنْ } الله أنزل هذا الكتاب، رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين. أنزله { تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } من كتب الله السماوية، بأن وافقها، وصدقها بما شهدت به، وبشرت بنزوله، فوقع كما أخبرت. { وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ } للحلال والحرام، والأحكام الدينية والقدرية، والإخبارات الصادقة. { لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } أي: لا شك ولا مرية فيه بوجه من الوجوه، بل هو الحق اليقين: تنزيل من رب العالمين الذي ربى جميع الخلق بنعمه. ومن أعظم أنواع تربيته أن أنزل عليهم هذا الكتاب الذي فيه مصالحهم الدينية والدنيوية، المشتمل على مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال. { أَمْ يَقُولُونَ } أي: المكذبون به عنادًا وبغيًا: { افْتَرَاهُ } محمد على الله، واختلقه، { قُلْ } لهم -ملزما لهم بشيء- إن قدروا عليه، أمكن ما ادعوه، وإلا كان قولهم باطلا. { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } يعاونكم على الإتيان بسورة مثله، وهذا محال، ولو كان ممكنًا لادعوا قدرتهم على ذلك، ولأتوا بمثله. ولكن لما بان عجزهم تبين أن ما قالوه باطل، لا حظ له من الحجة، والذي حملهم على التكذيب بالقرآن المشتمل على الحق الذي لا حق فوقه، أنهم لم يحيطوا به علمًا. فلو أحاطوا به علمًا وفهموه حق فهمه، لأذعنوا بالتصديق به، وكذلك إلى الآن لم يأتهم تأويله الذي وعدهم أن ينزل بهم العذاب ويحل بهم النكال، وهذا التكذيب الصادر منهم، من جنس تكذيب من قبلهم، ولهذا قال: { كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ } وهو الهلاك الذي لم يبق منهم أحدًا. فليحذر هؤلاء، أن يستمروا على تكذيبهم، فيحل بهم ما أحل بالأمم المكذبين والقرون المهلكين. وفي هذا دليل على التثبت في الأمور، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يبادر بقبول شيء أو رده، قبل أن يحيط به علمًا. { وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ } أي: بالقرآن وما جاء به، { وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ } وهم الذين لا يؤمنون به على وجه العناد والظلم والفساد، فسيجازيهم على فسادهم بأشد العذاب. { وَإِنْ كَذَّبُوكَ } فاستمر على دعوتك، وليس عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء، لكل عمله. { فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ }. كما قال تعالى: {أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):