١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
92
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} أي نلْقيك على نَجْوة من الأرض. وذلك أن بني إسرائيل لم يصدّقوا أن فرعون غَرِق، وقالوا: هو أعظم شأناً من ذلك، فألقاه الله على نَجْوة من الأرض، أي مكان مرتفع من البحر حتى شاهدوه. قال أوس بن حَجَر يصف مطراً:شعر : فَمن بعَقْوَته كمن بنَجْوَته والْمُسْتَكِنّ كمنْ يَمْشِي بِقِرْواحِ تفسير : وقرأ اليزيديّ وابن السَّمَيْقَع «ننحّيك» بالحاء من التنحية، وحكاها علقمة عن ابن مسعود؛ أي تكون على ناحية من البحر. قال ابن جريج: فرمى به على ساحل البحر حتى رآه بنو إسرائيل، وكان قصيراً أحمر كأنه ثور. وحكى علقمة عن عبد الله أنه قرأ «بندائك» من النداء. قال أبو بكر الأنباريّ: وليس بمخالف لهجاء مصحفنا، إذ سبيله أن يكتب بياء وكاف بعد الدال؛ لأن الألف تسقط من ندائك في ترتيب خط المصحف كما سقط من الظلمات والسموات، فإذا وقع بها الحذف ٱستوى هجاء بدنك وندائك، على أن هذه القراءة مرغوب عنها لشذوذها وخلافها ما عليه عامّة المسلمين؛ والقراءة سُنّة يأخذها آخر عن أوّل، وفي معناها نقص عن تأويل قراءتنا، إذ ليس فيها للدرع ذكر، الذي تتابعت الآثار بأن بني إسرائيل ٱختلفوا في غرق فرعون، وسألوا الله تعالى أن يريهم إياه غريقاً فألقوه على نَجوة من الأرض ببدنه وهو درعه التي يلبسها في الحروب. قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي: وكان درعه من لؤلؤ منظوم. وقيل: من الذهب وكان يعرف بها. وقيل: من حديد؛ قاله أبو صخر: والبدن الدرع القصيرة. وأنشد أبو عبيدة للأعشى:شعر : وبيضاء كالنِّهْي مَوْضُونة لها قَوْنَسٌ فوق جَيْب البَدَنْ تفسير : وأنشد أيضاً لعمرو بن معد يكرب:شعر : ومضى نساؤهُم بكل مُفاضةٍ جَدْلاَء سابغةٍ وبالأبدان تفسير : وقال كعب بن مالك:شعر : ترى الأبدان فيها مسبَغات على الأبطال واليَلَب الحِصينا تفسير : أراد بالأبدان الدروع، واليلب الدروع اليمانية، كانت تتخذ من الجلود يخرز بعضها إلى بعض؛ وهو ٱسم جنس، الواحد يلبة. قال عمرو بن كلثوم:شعر : علينا البيضُ والَيلَبُ اليمانِيّ وأسيافٌ يَقُمن ويَنْحَنِينا تفسير : وقيل: «ببدنك» بجسد لا روح فيه؛ قاله مجاهد: قال الأخفش: وأما قول من قال بدرعك فليس بشيء. قال أبو بكر: لأنهم لما ضرعوا إلى الله يسألونه مشاهدة فرعون غريقا أبرزه لهم فرأُوا جسداً لا روح فيه، فلما رأته بنو إسرائيل قالوا نعم! يا موسى هذا فرعون وقد غرِق؛ فخرج الشك من قلوبهم وٱبتلع البحر فرعون كما كان. فعلى هذا «نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ» ٱحتمل معنيين: أحدهما ـ نلقيك على نَجْوة من الأرض. والثاني ـ نظهر جسدك الذي لا روح فيه. والقراءة الشاذة «بندائك» يرجع معناها إلى معنى قراءة الجماعة، لأن النداء يفسر تفسيرين، أحدهما ـ نلقيك بصياحك بكلمة التوبة، وقولِك بعد أن أغلق بابها ومضى وقت قبولها: «آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إلۤهَ إلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ» على موضع رفيع. والآخر ـ فاليوم نعزِلك عن غامض البحر بندائك لمّا قلت أنا ربكم الأعلى؛ فكانت تنجيته بالبدن معاقبةً من رب العالمين له على ما فَرَط من كفره الذي منه نداؤه الذي ٱفترى فيه وبُهت، وٱدّعى القدرة والأمر الذي يعلم أنه كاذب فيه وعاجز عنه وغير مستحق له. قال أبو بكر الأنبارِيّ: فقراءتنا تتضمن ما في القراءة الشاذة من المعاني وتزيد عليها. قوله تعالى: {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} أي لبني إسرائيل ولمن بقي من قوم فرعون ممن لم يدركه الغرق ولم ينته إليه هذا الخبر. {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} أي معرضون عن تأمّل آياتنا والتفكر فيها. وقرىء «لمن خَلَفك» (بفتح اللام)؛ أي لمن بقي بعدك يخلفك في أرضك. وقرأ عليّ بن أبي طالب «لمن خلقك» بالقاف؛ أي تكون آية لخالقك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ } نخرجك من البحر {بِبَدَنِكَ } جسدك الذي لا روح فيه {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ } بعدَك {ءَايَةً } عبرة فيعرفوا عبوديتك ولا يقدموا على مثل فعلك. وعن ابن عباس: أن بعض بني إسرائيل شكُّوا في موته فأُخرج لهم لِيَرَوْه {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلنَّاسِ } أي أهل مكة {عَنْ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ } لا يعتبرون بها.
ابن عبد السلام
تفسير : {نُنَجِّيكَ} نُلقيك على نجوة وهي المكان المرتفع. {بِبَدَنِكَ} بجسدك لا روح فيه، أو بدرعك وكانت من حديد يُعرف بها، وكان من تخلف من قومه ينكر غرقه، فرمي به على الساحل فرآه بنو إسرائيل، وكان قصيراً أحمر كأنه ثور. {خَلْفَكَ} بعدك عبرة وموعظة.
النسفي
تفسير : {فَٱلْيَوْمَ نُنَجّيكَ } نلقيك بنجوة من الأرض فرماه الماء إلى الساحل كأنه ثور {بِبَدَنِكَ} في موضع الحال أي الحال التي لا روح فيك وإنما أنت بدن أو ببدنك كاملاً سوياً لم ينقص منه شيء ولم يتغير، أو عرياناً لست إلا بدنا من غير لباس، أو بدرعك وكانت له درع من ذهب يعرف بها. وقرأ أبو حنيفة رضي الله عنه {بأبدانك} وهو مثل قولهم هو«بأجرامه» أي ببدنك كله وافياً بأجزائه، أو بدروعك لأنه ظاهر بينها {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً } لمن وراءك من الناس علامة وهم بنو إسرائيل، وكان في أنفسهم أن فرعون أعظم شأناً من أن يغرق. وقيل: أخبرهم موسى بهلاكه فلم يصدقوه فألقاه الله على الساحل حتى عاينوه. وقيل:{لمن خلفك} لمن يأتي بعدك من القرون ومعنى كونه آية أن يظهر للناس عبوديته وأن ما كان يدعيه من الربوبية محال، وأنه مع ما كان عليه من عظم الملك آل أمره إلى ما ترون لعصيانه ربه فما الظن بغيره {وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون ولقد بوأنا بني اسرائيل مبوأ صدق} منزلاً صالحاً مرضياً وهو مصر والشام {وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ فَمَا ٱخْتَلَفُواْ } في دينهم {حَتَّىٰ جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ } أي التوراة وهم اختلفوا في تأويلها كما اختلف أمة محمد صلى الله عليه وسلم في تأويل الآيات من القرآن أو المراد العلم بمحمد واختلاف بني إسرائيل وهم أهل الكتاب اختلافهم في صفته أنه هو أم ليس هو بعد ما جاءهم العلم أنه هو {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } يميز الحق من المبطل ويجزي كلا جزاءه. {فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ } لما قدم ذكر بني إسرائيل - وهم قراء الكتاب - ووصفهم بأن العلم قد جاءهم لأن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوب في التوراة والإنجيل وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، أراد أن يؤكد علمهم بصحة القرآن وبصحة نبوته صلى الله عليه وسلم ويبالغ في ذلك فقال: فإن وقع لك شك ــ فرضاً وتقديراً، وسبيل من خالجته شبهة أن يسارع إلى حلها بالرجوع إلى قوانين الدين وأدلته أو بمباحثة العلماء ــ فسل علماء أهل الكتاب فإنهم من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك بحيث يصلحون لمراجعة مثلك فضلاً عن غيرك. فالمراد وصف الأحبار بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشك فيه ثم قال: {لَقَدْ جَاءكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ } أي ثبت عندك بالآيات الواضحة والبراهين اللائحة أن ما أتاك هو الحق الذي لا مجال فيه للشك {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } الشاكين ولا وقف عليه للعطف.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ...} الآية: يقوِّي أنه صورةُ حاله؛ لأن هذه الألفاظ إِنما يظهر أنها قِيلَتْ بعد غَرَقِهِ، وسببُ هذه المقالة؛ على ما روي: أن بني إِسرائيل بَعُدَ عِنْدَهم غَرَقُ فِرْعَوْنَ وهلاكُه، لِعِظَمِهِ في نُفُوسهم، وكَذَّبَ بَعْضُهُمْ أَنْ يكونَ فِرْعَوْنُ يموتُ، فَنُجِّيَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الأَرض، حتى رآه جميعهم ميتاً؛ كأَنه ثَوْرٌ أَحمر، وتحقَّقوا غَرَقَه. والجمهور على تشديدِ {نُنَجِّيكَ }؛ فقالت فرقة: معناه: من النَّجَاةِ، أي: من غمراتِ البَحْرِ والماءِ، وقال جماعة: معناه: نُلْقِيكَ على نَجْوة من الأرض، وهي: ما ٱرتفع منها، وقرأ يعقوب بسكون النونِ وتخفيف الجيم، وقوله: {بِبَدَنِكَ} قالت فرقة: معناه: بشَخْصِكَ، وقالتْ فرقة: معناه: بِدِرْعِكَ، وقرأ الجمهورُ: «خَلْفَكَ» أي: من أَتَى بعدك، وقرىء شاذًّا: «لِمَنْ خَلَفَكَ» - بفتح اللام -، والمعنى: ليجعلك اللَّه آيَةً له في عبادِهِ، وباقي الآية بيِّن. وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَٰءِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ ٱلطَّيّبَاتِ فَمَا ٱخْتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَاءَهُمُ ٱلْعِلْمُ }: المعنى: ولقد ٱخترنا لبني إِسرائيل أَحْسَنَ ٱختيارٍ، وأحللناهم مِنَ الأماكن أحْسَنَ محلٍّ، و{مُبَوَّأَ صِدْقٍ}: أي: يصدُقُ فيه ظنُّ قاصده وساكنه، ويعني بهذه الآية إِحلاَلُهُمْ بلادَ الشَّامِ وبَيْتَ المَقْدِسِ؛ قاله قتادة وابن زَيْد، وقيل: بلاد الشام ومصر، والأول أصحُّ، وقوله سبحانه: {فَمَا ٱخْتَلَفُواْ } أيْ: في نبوَّة نبينا محمَّد عليه السلام، وهذا التخصيصُ هو الذي وقع في كُتُب المتأوِّلين كلِّهم، وهو تأويلٌ يحتاج إِلى سند، والتأويل الثاني الذي يحتمله اللفظُ: أنَّ بني إِسرائيل لم يكن لهم ٱختلافٌ على موسَى في أول حاله، فلما جاءَهُم العلْمُ والأوامرُ، وغَرَقُ فرعَوْنَ، اختلفوا، فالآية ذامَّة لهم. * ت *: فَرَّ رحمه اللَّه من التخصيص، فوقع فيه، فلو عمَّم ٱختلافهم على أنبيائهم موسَى وغيرِهِ، وعلَى نبيِّنا، لكان أَحْسَنَ، وما ذهب إِليه المتأوِّلون من التخصيص أَحْسَنُ لقرينةِ قوله: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ}، فالربطُ بين الآيتين واضحٌ، واللَّهُ أعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فاليوم ننجيك ببدنك} قال: أنجى الله فرعون لبني إسرائيل من البحر فنظروا إليه بعدما غرق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {فاليوم ننجيك ببدنك} قال: بجسدك، كذب بعض بني إسرائيل بموت فرعون فألقي على ساحل البحر حتى يراه بنو إسرائيل أحمر قصيراً كأنه ثور. وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب رضي الله عنه {فاليوم ننجيك ببدنك} قال: جسده ألقاه البحر على الساحل. وأخرج ابن الأنباري عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله {فاليوم ننجيك ببدنك} قال: بدرعك، وكانت درعه من لؤلؤ يلاقي فيه الحروب. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي صخر رضي الله عنه في قوله {فاليوم ننجيك ببدنك} قال: البدن الدرع الحديد. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي جهيم موسى بن سالم رضي الله عنه في قوله {فاليوم ننجيك ببدنك} قال: كان لفرعون شيء يلبسه يقال له البدن يتلألأ. وأخرج ابن الأنباري وأبو الشيخ عن يونس بن حبيب النحوي رضي الله عنه في قوله {فاليوم ننجيك ببدنك} قال: نجعلك على نجوة من الأرض كي ينظروا فيعرفوا أنك قدمت. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فاليوم ننجيك ببدنك...} الآية. قال: لما أغرق الله فرعون لم تصدق طائفة من الناس بذلك، فأخرجه الله ليكون عظة وآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {لتكون لمن خلفك آية} قال: لبني إسرائيل. وأخرج ابن الأنباري عن ابن مسعود أنه قرأ "فاليوم ننجيك بندائك". وأخرج ابن الأنباري عن محمد بن السميقع اليماني ويزيد البربري أنهما قرآ "فاليوم ننحيك ببدنك" بحاء غير معجمة.
ابو السعود
تفسير : {فَٱلْيَوْمَ نُنَجّيكَ} أي نخرجك مما وقع فيه قومُك من قعر البحرِ ونجعلك طافياً وفي التعبـير عنه بالتنجية تلويحٌ بأن مرادَه بالإيمان هو النجاةُ كما مر وتهكمٌ به، أو نلقيك على نجوة من الأرض ليراك بنو إسرائيلَ وقرىء نُنْجيك من الإنجاء ونُنَحِّيك بالحاء من التنحية أو نلقيك بناحية الساحل {بِبَدَنِكَ} في موضع الحالِ من ضمير المخاطَب أي ننجيك ملابساً ببدنك فقط لا مع روحك كما هو مطلوبُك فهو تخيـيبٌ له وحسمٌ لأطماعه بالمرة أو عارياً عن اللباس أو كاملاً سوياً أو بدِرْعك وكانت له دروعٌ من الذهب يعرف بها وقرىء بأبدانك أي بأجزاء بدنك كلها كقولهم: هوى بأجرامه أو بدروعك كأنه كان مُظاهِراً بـينها {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً} لمن وراءك علامةً وهم بنو إسرائيلَ إذ كان في نفوسهم من عظمته ما خُيِّل أنه لا يهلِك حتى يُروى أنهم لم يصدقوا موسى عليه السلام حين أخبرهم بغرقه إلى أن عاينوه مطروحاً على ممرهم من الساحل أو تكون لمن يأتي بعدك من الأمم إذا سمعوا مآلَ أمرِك ممن شاهدك عبرةً ونكالاً من الطغيان أو حجةً تدلهم على أن الإنسانَ وإن بلغ الغايةَ القصوى من عظم الشأنِ وعلوِّ الكبرياء وقوةِ السلطان فهو مملوكٌ مقهورٌ بعيد عن مظانّ الربوبـيةِ وقرىء لمن خَلَفك فعلاً ماضياً أي لمن خلفك من الجبابرة، وقرىء لمن خلقك بالقاف أي لتكون لخالقك آيةً كسائر الآيات فإن إفرادَه سبحانه إياك بالإلقاء إلى الساحل دليلٌ على أنه قصد منه كشفَ تزويرِك وإماطةَ الشبهةِ في أمرك وبرهانٌ نيِّرٌ على كمال علمِه وقدرتِه وحكمتِه وإرادتِه، وهذا الوجهُ محتملٌ على القراءة المشهورة أيضاً وفي تعليل تنجيته بما ذكر إيذانٌ بأنها ليست لإعزازه أو لفائدة أخرى عائدةٍ إليه بل لكمال الاستهانة به وتفضيحِه على رؤوس الأشهاد وزيادةِ تفظيعِ حالِه كمن يُقتل ثم يُجرُّ جسدُه في الأسواق أو يدار برأسه في البلاد، واللامُ الأولى متعلقةٌ بننجّيك والثانيةُ بمحذوف وقع حالاً من آية أي كائنةً لمن خلفك {وَإِن كثيراً مِنَ النَّاسِ عَن آيَاتِنَا لَغَافِلُون} لا يتفكرون بها ولا يعتبرون بها وهو اعتراضٌ تذيـيليٌّ جيء به عند الحكايةِ تقريراً لفحوى الكلامِ المحكيِّ {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ} كلامٌ مستأنَفٌ سيق لبـيان النعم الفائضةِ عليهم إثرَ نعمةِ الإنجاء على الإجمال وإخلالهم بشكرها وأداءِ حقوقها أي أسكناهم وأنزلناهم بعدما أنجيناهم وأهلكنا أعداءَهم {مُبَوَّأَ صِدْقٍ} أي منزِلاً صالحاً مرْضياً وهو الشامُ ومصرُ ملكوهما بعد الفراعنةِ والعمالقةِ وتمكنوا في نواحيهما حسبما نطقَ به قولهُ تعالى: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا }تفسير : [الأعراف: 137] {وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ}أي اللذائذ {فَمَا ٱخْتَلَفُواْ} في أمر دينهم {حَتَّىٰ جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ} أي إلا بعد ما جاءهم العلم بقراءتهم التوراةَ وعلمِهم بأحكامها أو في أمر محمدٍ عليه الصلاة والسلام {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} فيميزُ بـين المُحِق والمبطل بالإثابة والتعذيب.
القشيري
تفسير : لَنُشْهِرَنَّ تعذيبَكَ، ونُظْهِرَنَّ - لَمِنْ استبصر - تأديبَك، لِتكونَ لِمَنْ خَلْفَكَ عِبْرة، وتزدادَ حين أَفَقْتَ أَسَفاً وحسرةً.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاليوم ننجيك} اى نبعدك ونخرجك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ونجعلك طافيا او نلقيك على نجوة من الارض ليراك بنوا اسرائيل ويتحققوا بهلاكك. والنجوة المكان المرتفع الذى تظن انه نجاؤك لا يعلوه السيل {ببدنك} الباء للمصاحبة كما فى قولك خرج زيد بعشيرته وهذه الباء يصلح فى موضعها مع وهى مع مدخولها فى موضع الحال من ضمير المخاطب اى ننجيك ملابسا ببدنك فقط لا مع روحك كما هو مطلوبك فهو قطع لطمعه بالكلية او كاملا سويا من غير نقص لئلا يبقى شبهة فى انه بدنك او عريانا من غير لباس او بدرعك وكانت له درع من الذهب يعرف بها والعرب تطلق البدن على الدرع قال الليث البدن الدرع لذى يكون قصير الكمين {لتكون لمن خلفك آية} لمن وراءك علامة وهم بنوا اسرائيل اذ كان فى نفوسهم من عظمته ما خيل اليهم انه لا يهلك حتى كذبوا موسى عليه السلام حيث اخبرهم بغرقه الى ان عاينوه مطروحا على ممرهم من الساحل قصيرا احمر كأنه ثور اذ يروى ان قامته كانت سبعة اشبار ولحيته ثمانية اشبار او لمن يأتى بعدك من الامم اذا سمعوا مآل ارمك ممن شاهدك آية عبرة ونكالا على الطغيان او حجة تدلهم على الانسان وان بلغ الغاية القصوى من عظم الشان وعلو الكبرياء وقوة السلطان فهو مملوك مقهور بعيد عن مظان الربوبية [بنده كه خودرا زغرقه شدن در كرداب فنانر هاندجرا صداى انا ربكم الاعلى بسمع جهانيان ساند شعر : عاجز اى كواسير خواب وخورست لاف قدرت زند جه بيخبرست آنكه در نفس خود زبون باشد صاحب اقتدار جون باشد تفسير : ثم قوله تعالى {آلآن} الى قوله {آية} من كلام جبريل كما قال الكاشفى [بعد ازانكه فرعون اين سخن كفت حق تعالى بجبريل در جواب اوفر موده] آلآن الخ. وقال فى الكواشى وخاطبه كخطاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم اهل القليب انتهى وذلك حديث : ان الله تعالى لما هزم المشركين يوم بدر امر صلى الله تعالى عليه وسلم ان يطرح قتلاهم فى القليب ثم جاء بعد ثلاثة ايام حتى وقف على شفير القليب وجعل يقول "يا فلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعد الله ورسوله حقا فانى وجدت ما وعدنى الله حقا بئس عشيرة النبى كنتم كذبتمونى وصدقنى الناس واخرجتمونى وآوانى الناس وقاتلتمونى ونصرنى الله" فقال عمر رضى الله عنه يا رسول الله كيف تكلم اجسادا لا ارواح فيها فقال عليه السلام "ما انتم باسمع لما اقول منهم" وفى رواية "لقد سمعوا ما قلت غير انهم لا يستطيعون ان يردوا شيئا" تفسير : وعن قتادة احياهم الله حتى سمعوا كلام رسول الله توبيخا لهم وتصغيرا ونقمة وحسرة والمراد باحيائهم شدة تعلق ارواحهم باجسادهم حتى صاروا كالاحياء فى الدنيا للغرض المذكور لان الروح بعد مفارقة جسدها يصير لها تعلق به او بما يبقى منه ولو عجب الذنب فانه لا يفنى وان اضمحل الجسم باكل التراب او باكل السباع او الطير او النار وبواسطة ذلك التعلق يعرف الميت من يزوره ويانس به ويرد سلامه اذا سلم عليه كما ثبت فى الاحاديث والغالب ان هذا التعلق لا يصير به الميت حيا فى الدنيا بل يصير كالمتوسط بين الحى والميت الذى لا تعلق لروحه بجسده وقد يقوى ذلك حتى يصير كالحى فى الدنيا ولعله مع ذلك لا يكون فيه القدرة على الافعال الاختيارية. فلا يخالف ما حكى عن السعد اتفقوا على انه تعالى لم يخلق فى الميت القدرة والافعال، الاختيارية هذا كلامه والكلام فى غير الانبياء وشهداء المعركة واما هما فتعلق ارواحهم باجسادهم تصير به اجسادهم حية كحياتها فى الدنيا وتصير لهم القدرة والافعال الاختيارية كذا فى انسان العيون {وان كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون} لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها: وفى المثنوى شعر : نى ترا ازروى ظاهر طاعتى نى ترا درسر وباطن نيتى نى ترا شبها مناجات وقيام نى ترا روزان برهيز وصيام نى ترا حفظ زبان زآزار كس نى نظر كردن بعبرت بيش وبس بيش جه بودياد مرك ونزع خويش بس جه باشد مردن باران بيش تفسير : قالوا فرعون مع شدة شكيمته وفرط عناده آمن ولو حال اليأس واما فرعون هذه الامة فقد قتله الله يوم بدر شر قتلة ولم يصدر منه ما يؤذن بايمانه بل اشتد غيظه وغضبه فى حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى حق المؤمنين لى ان خرج روحه لعنه الله فصار اشد من فرعون فليعتبر العاقل بهذا وليقس عليه كل من سلك مسلكه فى الكفر والظلم والعناد فنعوذ بالله رب العباد من كل شر وفساد. ثم ان الله تعالى اهلك العدو وانجى بنى اسرائيل وذلك لصدق ايمانهم وبركة يقينهم -كما يحكى- انه صاح رجل فى مجلس الشبلى قدس سره فطرحه فى دجلة فقال ان صدق ينجه صدقه كما نجا موسى وان كذب غرق كما غرق فرعون كما فى ربيع الابرار. فدل على ان النجاة فى الايمان والعدل والصدق. والهلاك فى الكفر والظلم والكذب ولما كذب فرعون فى دعوى الربوبية واستمر على اضلال الناس دعا عليه موسى كما سبق فاستجاب الله دعاءه ولا كلام فى تأثير الدعاء مطلقا -يحكى- ان معاوية استجاب الله دعاء فى حق ابنه يزيد وذلك انه ليم على عهده الى يزيد فخطب وقال اللهم ان كنت انما عهدت ليزيد لما رأيت من فعله فبلغه ما املته واعنه وان كنت انما حملنى حب الوالد لولده وانه ليس لما صنعت به اهلا فاقبضه قبل ان يبلغ ذلك فكان كذلك لان ولايته كانت سنة ستين ومات سنة اربع وستين كما فى الصواعق لابن حجر. والحاصل ان الآفاق والانفس مملوءة بالآيات والعبر فمن له عين مبصرة واذن واعية يرى الآثار المختلفة ويسمع الاخبار المتواترة فيعتبر اعتبارا الى ان يأتى اليقين ويسلم من آثار القهر المتين ولا كون عبرة للغير بما اقترفه كل حين
الطوسي
تفسير : قرأ يعقوب وقتيبة {ننجيك} بالتخفيف. الباقون بالتشديد. معنى قوله {ننجيك ببدنك} نلقيك على نجوة من الارض ببدنك عرياناً دون روحك قال أوس بن حجر: شعر : فمن بنجوته كمن بعقوته والمستكنّ كما يمشي بقرواح تفسير : القرواح حيث لا ماء ولا مطر، والبدن مستكن روح الحيوان على صورته وكل حيوان له روح وبدن، والحي في الحقيقة الروح دون البدن عند قوم، وفيه خلاف. ومعنى قوله {لتكون لمن خلفك آية} قيل فيه قولان. احدهما - لمن يأتي بعدك ممن يراك على تلك الصفة وقد كنت تدعي الربوبية. الثاني - ان بني اسرائيل قالوا: ما مات فرعون، فالقاه الله تعالى على نجوة من الارض ليروه، ذهب اليه ابن عباس وقتادة. وقوله {وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون} اخبار منه تعالى أن كثيراً من الخلق غافلون عن الفكر في حجج الله وبيناته أي ذاهبون عنها والغفلة ذهاب المعنى عن النفس ونقيضها اليقظة، والمراد بذمهم بالغفلة عن آيات الله التعريض بأنهم تركوا النظر في آيات الله.
اطفيش
تفسير : {فاليَوْم نُنَجيكَ} مما وقع فيه قومك من قعر البحر، ونجعلك فوق الماء، وقرأ يعقوب ننجيك بالتخفيف، ومعناهما واحد، ويجوز أن يكونا مأخوذين من النجوة وهى المكان المرتفع، أى نلقيك على نجوة من الأرض، وقرئ ننحيك بالحاء المهملة، من أنحاه بمعنى ألقاه فى ناحية، قيل: ألقى بجانب البحر، قال كعب: رماه الماء إلى الساحل قصيرا أحمر كأنه ثور. {بِبَدنكَ} بمجرد جسدك لا روح فيه، أو بجسدك لم ينقص منه شئ، ولم يتغير، أو بمجرد جسدك لا لباس عليه، أو بدرعك، وكانت عليه درع من ذهب مرصعة بالجوهر يعرف به، وقرأ أبو حنيفة: بأبدانك، أى بأجزاء بدنك، وقد ورد نثرا ونظما هوى بأجرامه، أى بأحزاء بدنه، أو بدروعك، وكانت له دروع يلبسها بعضا على بعض، والباء متعلقة بمحذوف حال من كاف ننجيك، وهى للتعدية العامة فى حروف الجر فى تفسير البدن بالجسد، وللمصاحبة فى تفسيره بالدرع بمعنى مع، إلا أن بعضا ذكر أن المصاحبة بمعنى تكون ابتداء، وبالياء تكون مستدامة، وليس ذلك بشئ، وقيل: إن الباء سببية على التفسير بالجسد، والتفسير بالدرع، أى بسبب جسدك، أو درعك لتعرف بهما كما قال. {لتَكونَ لمَنْ خَلْفك آيةً} على موتك، أى لمن كان حى بعدك، وهم بنو إسرائيل، كان فى نفوسهم أن فرعون أعظم شأنا من أن يغرق، بل قيل: قالوا: ما مات ولا يموت أبدا، حتى روى أن موسى عليه السلام أخبرهم بموته فلم يصدقوه، وألقاه الله على الساحل، وعليه درعه حتى عرفوه، روى أنهم قالوا: خُلِق خَلْق من لا يموت، ألا ترى أنه يلبث كذا وكذا يوما لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الإنسان، وقيل: معنى {لمن خلفك} أنه كان مطروحا على مصر بنى إسرائيل، وقيل: لمن يأتى بعدك من القرون يعلمون أنه عبد مهان يراه من يراه فيخبر به من بعده، فيزدجروا عن الطغيان، أو يعلمون أن الإنسان وإن بلغ ما بلغ بعيد عن الربوبية، وقرئ: لمن خلقك بفتح اللام بعدها قاف مفتوحة، أى آية خالقه كسائر آياته، يعلم منها أنه عامد لذلك إهانة لك بمعصيتك، وإزالة لشبهة عدم موتك، وإظهارا لقدرته، وهذا المعنى صحيح أيضا فى قراءة {لمن خلفك} بإسكان اللام بعده فاء. {وإنَّ كثيراً مِنَ النَّاس عَنْ آياتنا لغَافِلُون} لا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون، وهى على عمومه، وقيل: أراد المشركين مطلقا، وقيل: مشركى مكة. مبحث ورد من طرق كثيرة، بألفاظ مختلفة، وبزيادة ونقص، أن جبريل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو رأيتنى وأنا آخذ من طين البحر أدسه فى فم فرعون مخافة أن تدركه الرحمة، أو قال خشية أن يقول: لا إله إلا الله فيرحمه الله، أو لئلا تدركه الرحمة، وذكر ذلك العلامة البرادى وأقره. وفى عرائس القرآن: يا محمد ما أبغضت أحدا من الخلق مثل ما أبغضت رجلين: أحدهما من الجن وهو إبليس، حين أمر بالسجود فلم يسجد، والآخر من الإنس وهو فرعون حين قال: أنا ربكم الأعلى، ولو رأيتنى يا محمد وأنا آخذ من طين البحر، وأدسه فى فيه مخافة أن يقول كلمة يرحمه الله بها. وذلك مشكل، من حيث إن المنع من كلمة الإخلاص بسد الفم إعانة على الكفر ورضا به، والله سبحانه لا يأمر بذلك، فأما جار الله فهجم على القوم، بأن قولهم خشية أن تدركه الرحمة، أى ونحوه مما هو من زيادة الباهتين لله وملائكته، فإن الرضا بالكفر كفر، وإن الإيمان فى القلب يكفى، ولا يشترط له النطق، وإلى هذا كنت أذهب، وإنما النطق إخبار بالتوحيد الذى فى القلب لا توحيد. وأما أنا فأقول: إن صح الحديث فإن لله أن يفعل ما شاء فعله، أمر جبريل أن يسد فمه لئلا يقول ذلك مرة أخرى فيرحم، وجعل الله سده عن قول ذلك كالطبع على القلب بالخذلان، وأنه لو أعاده لأثر من قلبه كما هو فى لسانه، وأما المرة الأولى فقاله من لسانه فقط، فكأن جبريل يخاف أن يدرك ما أمر الله به من سده فمه، هذا ما يتعلق بنحو قوله: مخافة أن تدركه الرحمة، وأما مجرد سد الفم مع إسقاط تلك الزيادة، فلأن الله أمره، ولأنه لا ينفعه الإيمان والقول، فيكون كقوله لأهل النار: {أية : اخسئوا فيها} تفسير : ولصون اسم الله عن لسانه جزاء بكفره وليعذبه بذلك.
الالوسي
تفسير : {فَٱلْيَوْمَ نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ} تهكم به وتخييب له وحسم لأطماعه بالمرة، والمراد فاليوم نخرجك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ونجعلك طافياً ملابساً ببدنك عارياً عن الروح إلا أنه عبر عن ذلك بالتنجية مجازاً، وجعل الجار والمجرور في موضع الحال من ضمير المخاطب لذلك مع ما فيه من التلويح بأن مراده بالإيمان هو النجاة، وقيل: معنى الحال عارياً عن اللباس أو تام الأعضاء كاملها. وجعل بعض الأفاضل الكلام على التجريد، وجوز أن يكون الباء زائدة ـ وبدنك ـ بدل بعض من ضمير المخاطب كأنه قيل: ننجي بدنك، وجعل الباء للآلة ليكون على وزان قولك ـ أخذته بيدك ـ ونظرته بعينك ـ إيذاناً بحصول هذا المطلوب البعيد التناول وجه لكنه غير وجيه كما لا يخفى، وقيل: التنجية الإلقاء على النجوة وهي المكان المرتفع، قيل: وسمي به لنجاته عن السيل، وإلى هذا ذهب يونس بن حبيب النحوي، فقد أخرج ابن الأنباري وأبو الشيخ عنه أنه قال: المعنى نجعلك على نجوة من الأرض كي يراك بنو إسرائيل فيعرفوا أنك قد متّ، وجاء تفسير البدن بالدرع، وروي ذلك عن محمد بن كعب وأبـي، وكانت له درع من / ذهب يعرف بها، وفي رواية أنها كانت من لؤلؤ. وأخرج ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن أبـي جهضم موسى بن سالم أنه كان لفرعون شيء يلبسه يقال له البدن يتلألأ، وقرأ يعقوب {نُنَجّيكَ} من باب الأفعال وهو بمعنى التفعيل بمعنييه السابقين، وأخرج ابن الأنباري عن محمد بن السميقع اليماني ويزيد البربري أنهما قرآ {ننحيك} بالحاء المهملة ونسبت إلى أبـي بن كعب وأبـي السمال أي نجعلك في ناحية ونلقيك على الساحل. وقرأ أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه {بأبدانك} على صيغة الجمع بجعل كل عضو بمنزلة البدن فأطلق الكل على الجزء مجازاً وعلى هذا جمع الإجرام في قوله شعر : : وكم موطن لولاي طحت كما هوى بأجرامه من قلة النيق منهوي تفسير : أو بإرادة دروعك بناءً على أن المخذول كان لابساً درعاً على درع. وأخرج ابن الأنباري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قرأ {بندائك} أي بدعائك. {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} أي لتكون لمن يأتي بعدك من الأمم إذا سمعوا حال أمرك ممن شاهد حالك وما عراك عبرة ونكالاً من الطغيان أو حجة تدلهم على أن الإنسان وإن بلغ الغاية القصوى من عظم الشأن وعلو الكبرياء وقوة السلطان فهو مملوك مقهور بعيد عن مظان الألوهية والربوبية، وقيل: المراد بمن خلفه من بقي بعده من بني إسرائيل فهو مملوك مقهور بعيد عن مظان الألوهية والربوبية، وقيل: المراد بمن خلفه من بقي بعده من بني إسرائيل أي لتكون لهم علامة على صدق موسى عليه السلام إذ كان في نفوسهم من عظمته ما خيل إليهم أنه لا يهلك فكذبوا لذلك خبر موسى عليه السلام بهلاكه حتى عاينوه على ممرهم من الساحل أحمر قصيراً كأنه ثور وروي هذا عن مجاهد. وقرىء {لمن خلفك} فعلاً ماضياً أي حل مكانك، ونسب إلى ابن السميقع وأبـي السمال أنهما أيضاً قرآ {لمن خلقك} بفتح اللام والقاف أي لتكون لخالقك آية كسائر الآيات فإن إفراده سبحانه إياك بالإلقاء إلى الساحل دليل على أنه قصد منه جل شأنه لكشف تزويرك وإماطة الشبهات في أمرك وبرهان نير على كمال علمه وقدرته وحكمته وإرادته وهو معنى لا بأس به يصح أن توجه به الآية على القراءة المشهورة أيضاً. ذكر في «النشر» أن مما لا يوثق بنقله قراءة ابن السميقع وأبـي السمال {ننحيك} بالحاء و {لمن خلقك} بالقاف، وفي تعليل تنجيته بما ذكر كما قاله بعض المحققين إيذان بأنها ليست لإعزازه أو لفائدة أخرى عائدة إليه بل لكمال الاستهانة به وتفضيحه على رؤوس الأشهاد وزيادة تفظيع حاله كمن يقتل ثم يجر جسده في الأسواق ويطرح جيفة في الميدان أو يدار برأسه في النواحي والبلدان، واللام الأولى متعلقة بالفعل قبلها والثانية بمحذوف وقع حالاً من {آيَةً} أي كائنة لمن خلفك، وجاد الرد على هذا المحذوف على طرز ما أتى به في قوله: {أية : آمنت أنه }تفسير : [يونس: 90] الخ في اشتماله على المبالغة كما لا يخفى على من تفكر في الآية. وقد قرر فحوى المحكي بقوله سبحانه: {وَإِنَّ كَثِيرًا مّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ آيَـٰتِنَا لَغَـٰفِلُونَ} أي لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها، وهو اعتراض تذييلي جىء به عند الحكاية لذلك. ولهذه الآية وأشباهها وقع الإجماع على كفر المخذول وعدم قبول إيمانه، ويشهد لذلك أيضاً ما رواه ابن عدي والطبراني من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : خلق الله تعالى يحيـى بن زكريا في بطن أمه مؤمناً وخلق فرعون في بطن أمه كافراً» تفسير : فهو من أهل النار المخلدين فيها بلا ريب وبذلك قال الشيخ الأكبر قدس سره في أول كتابه «الفتوحات» في الباب الثاني والستين منه حيث ذكر ((أن الذين خذلهم الله تعالى من العباد جعلهم طائفتين، طائفة لا تضرهم الذنوب التي وقعت منهم وإليهم الإشارة بقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مّنْهُ وَفَضْلاً}تفسير : [البقرة: 268] وهؤلاء لا تمسهم النار بما / تاب الله تعالى عليه واستغفار الملأ الأعلى ودعائهم لهم. وقسم الطائفة الأخرى إلى قسمين قسم أخرجهم من النار بالشفاعة وهم طائفة من المؤمنين وأهل التوحيد ماتوا ولم تكفر عنهم خطاياهم، وقسم آخر أبقاهم في النار وهم المجرمون خاصة الذين يقال لهم يوم القيامة: {أية : وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ }تفسير : [يس: 59] ولهم يقال: أهل النار لأنهم الذين يعمرونها، وهم على أربع طوائف كلهم في النار لا يخرجون منها. الطائفة الأولى المتكبرون على الله تعالى كفرعون وأشباهه ممن ادعى الربوبية لنفسه ونفاها عن الله تعالى فقال: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي }تفسير : [القصص: 38] وقال: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النازعات: 24] يريد به ما في السماء غيري وكذلك نمروذ وغيره. والثانية المشركون وهم الذين أثبتوا الله تعالى إلا أنهم جعلوا معه آلهة أخرى وقالوا: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى} تفسير : [الزمر: 3] والثالثة المعطلة وهم الذين نفوا الإله جملة واحدة فلم يثبتوا للعالم إلهاً أصلاً. والرابعة المنافقون وهم الذين أظهروا الإيمان للقهر الذي حكم عليهم وهم في نفوسهم على ما هم عليه من اعتقاد إحدى هذه الطوائف الثلاث فهؤلاء الأصناف الأربعة هم أهل النار الذين لا يخرجون منها من الجن والإنس)) انتهى. وهو صريح فيما قلنا إلا أنه ذهب في موضع آخر من الكتاب المذكور إلى خلافه فقال في الباب السابع والستين ومائة ما حاصله: إن الله تعالى لما علم أنه قد طبع على كل قلب مظهر للجبروت والكبرياء وأن فرعون في نفسه أذل الاذلاء أمر موسى وهٰرون عليهما السلام أن يعاملاه بالرحمة واللين لمناسبة باطنه واستنزال ظاهره من جبروته وكبريائه فقال سبحانه: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} تفسير : [طه: 44] ولعل وعسى من الله تعالى واجبتان فتذكر بما يقابله من اللين والمسكنة ما هو عليه في باطنه ليكون الظاهر والباطن على السواء فما زالت تلك الخميرة معه تعمل في باطنه مع الترجي الإلهي الواجب فيه وقوع المترجى ويتقوى حكمها إلى حين انقطاع يأسه من أتباعه وحال الغرق بينه وبين أطماعه لجأ إلى ما كان مستتراً في باطنه من الذلة والافتقار ليتحقق عند المؤمنين وقوع الرجاء الإلهي فقال: {أية : آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ }تفسير : [يونس: 90] فرفع الإشكال من الأشكال كما قالت السحرة لما آمنت: {أية : آمنا بِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ رَبّ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ } تفسير : [الأعراف: 121-122] أي الذي يدعوان إليه فجاءت بذلك لدفع الارتياب ورفع الإشكال، وقوله: {وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} خطاب منه للحق تعالى لعلمه أنه سبحانه يسمعه ويراه فخاطبه الحق بلسان الغيب وسمعه {آلآنَ} أظهرت ما قد كنت تعلمه{أية : وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [يونس: 91] لأتباعك، وما قال له وأنت من المفسدين فهي كلمة بشرى له عرفنا بها لنرجو رحمته مع إسرافنا وإجرامنا ثم قال سبحانه: {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} يعني لتكون النجاة لمن يأتي بعدك آية أي علامة إذا قال ما قلته تكون له النجاة مثل ما كانت لك، وما في الآية أن بأس الآخرة لا يرتفع وأن إيمانه لم يقبل وإنما فيها أن بأس الدنيا لا يرتفع عمن نزل به إذا آمن في حال نزوله إلا قوم يونس عليه السلام فقوله سبحانه: {فَٱلْيَوْمَ نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ} بمعنى أن العذاب لا يتعلق إلا بظاهرك وقد أريت الخلق نجاته من العذاب فكان ابتداء الغرق عذاباً فصار الموت فيه شهادة خالصة بريئة لم يتخللها معصية فقبض على أفضل عمل وهو التلفظ بالإيمان كل ذلك حتى لا يقنط أحد من رحمة الله تعالى والأعمال بخواتيمها فلم يزل الإيمان بالله تعالى يجول في باطنه وقد حال الطابع الإلهي الذاتي في الخلق بين الكبرياء واللطائف الإنسانية فلم يدخلها قط كبرياء، وأما قوله تعالى: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا}تفسير : [غافر: 85] فكلام محقق في غاية الوضوح فإن النافع هو الله تعالى فما نفعهم إلا / هو سبحانه، وقوله عز وجل: {أية : سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ}تفسير : [غافر: 85] فيعنى بذلك الإيمان عند رؤية البأس الغير المعتاد، وقد قال تعالى: {أية : وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ طَوْعًا وَكَرْهًا }تفسير : [الرعد: 15] فغاية هذا الإيمان أن يكون كرهاً وقد أضافه الحق سبحانه إليه والكراهة محلها القلب والإيمان كذلك والله تعالى لا يأخذ العبد بالأعمال الشاقة عليه من حيث ما يجده من المشقة فيها بل يضاعف له فيها الأجر، وأما في هذا الموطن فالمشقة منه بعيدة بل جاء طوعاً في إيمانه وما عاش بعد ذلك بل قبض ولم يؤخر لئلا يرجع إلى ما كان عليه من الدعوى ولو قبض ركاب البحر الذين قال سبحانه فيهم: {أية : ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلآ إِيَّاهُ} تفسير : [الإسراء: 67] عند نجاتهم لماتوا موحدين وقد حصلت لهم النجاة، ثم قوله تعالى في تتميم قصته هذه: {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} على معنى قد ظهرت نجاتك آية أي علامة على حصول النجاة فغفل أكثر الناس عن هذه الآية فقضوا على المؤمن بالشقاء، وأما قوله تعالى: {أية : فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ}تفسير : [هود: 98] فليس فيه أنه يدخلها معهم بل قال جل وعلا: {أية : أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ}تفسير : [غافر: 46] ولم يقل أدخلوا فرعون وآله، ورحمة الله تعالى أوسع من أن لا يقبل إيمان المضطر وأي اضطرار أعظم من اضطرار فرعون في حال الغرق؟ والله تبارك وتعالى يقول: {أية : أَم مَّنْ يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوءَ }تفسير : [النمل: 62] فقرن للمضطر إذ دعاه بالإجابة وكشف السوء عنه، وهذا آمن لله تعالى خالصاً وما دعاه في البقاء في الحياة الدنيا خوفاً من العوارض وأن يحال بينه وبين هذا الإخلاص الذي جاءه في هذه الحال فرجح جانب لقاء الله تعالى على البقاء بالتلفظ بالإيمان وجعل ذلك الغرق نكال الآخرة والأولى فلم يكن عذابه أكثر من غم الماء الأجاج وقبضه على أحسن صفة، وهذا هو الذي يعطيه ظاهر اللفظ وهو معنى قوله تعالى: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لّمَن يَخْشَىٰ }تفسير : [النازعات: 26] يعني في أخذه نكال الآخرة والأولى. وقدم سبحانه: ذكر الآخرة على الأولى ليعلم أن ذلك العذاب أعني عذاب الغرق هو نكال الآخرة وهذا هو الفصل العظيم انتهى. وهو نص في إيمانه بل في كونه من الشهداء بناء على أن الموت غرقاً شهادة للمؤمنين كما أجمع عليه أئمة الدين على خلاف في موت من قصر في تعلم السباحة غريقاً هل يعد شهادة أم لا؟ فإن بعض الشافعية ذهب إلى أن المقصر المذكور إذا مات غريقاً مات عاصياً لا شهيداً، وإنما الشهيد من مات كذلك وكان عارفاً بالسباحة أو غير مقصر في تعلمها لكن لم يتعلم وكأن الشيخ قدس سره لا يقول بهذا التفصيل أو كان يعلم أن فرعون كان ممن يعلم السباحة أو ممن لم يقصر في تعلمها أو أنه يقول: إن الإيمان كفر عنه كل معصية قبله ومن جملة ذلك معصية التقصير مثلاً التي هي دون قوله: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النازعات: 24] و {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى}تفسير : [القصص: 38] بألف ألف مرتبة لكن لا أدري هل الغريق شهيد في شريعة موسى عليه السلام كما هو كذلك في شريعتنا أم هذا الأمر من خواص هذه الشريعة التي أنعم الله تعالى على أهلها بما أنعم كرامة لنبيها صلى الله عليه وسلم؟ وقد ذهب قدس سره في كتابه «فصوص الحكم» إلى نحو ما ذهب إليه أخيراً في كتابه «الفتوحات»، وقد اعترض عليه بذلك غير واحد وهو عندي ليس بأعظم من قوله قدس سره بإيمان قوم نوح عليه السلام وكثير من أضرابهم ونجاتهم يوم القيامة وقد نص على ذلك في الفصوص، والعجب أنه لم يكثر معترضوه في ذلك كثرتهم في القول بإيمان فرعون؛ وقد انتصر له بعض الناس ومنهم في المشهور الجلال الدواني وله «رسالة» في ذلك أتى فيها بما لا يعد شيئاً عند أصاغر الطلبة، لكن في «تاريخ حلب» للفاضل الحلبـي كما قال مولانا الشهاب أنها ليست للجلال وإنما هي لرجل يسمى محمد بن هلال النحوي وقد ردها القزويني / وشنع عليه وقال: إنما مثله مثل رجل خامل الذكر لما قدم مكة بال في زمزم ليشتهر بين الناس، وفي المثل خالف تعرف، ويؤيد كونها ليست للجلال أنه شافعي المذهب كما يشهد لذلك «حاشيته على الأنوار». وفي «فتاوى ابن حجر» أن بعض فقهائنا كفر من ذهب إلى إيمان فرعون مع ما عليه تلك الرسالة من اختلال العبارة وظهور الركاكة وعدم مشابهتها لسائر تأليفاته، ولولا خوف الاطالة لسردتها عليك. وبالجملة ظواهر الآي صريحة في كفر فرعون وعدم قبول إيمانه، ومن ذلك قوله سبحانه: {أية : وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ * وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ * فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }تفسير : [العنكبوت:38-40] فإنه ظاهر في استمرار فرعون على الكفر والمعاصي الموجبة لما حل به كما يدل عليه التعبير بكان والفعل المضارع ومع الإيمان لا استمرار، على أن نظمه في سلك من ذكر معه ظاهر أيضاً في المدعى. وألحق بعضهم بذلك قوله تعالى: {أية : يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّي وَعَدُوٌّ لَّهُ}تفسير : [طه: 39] بناء على أن {عَدُوٌّ} صفة مشبهة وهي للثبوت فيدل على ثبوت عداوته لله تعالى وعداوته لرسوله عليه السلام وثبوت إحدى العداوتين كاف في سوء حاله خلافاً لمن وهم، وقد صرحوا أيضاً بأن إيمان البأس واليأس غير مقبول ولا شك أن إيمان المخذول كان من ذلك القبيل وإنكاره مكابرة، وقد حكى إجماع الأئمة المجتهدين على عدم القبول ومستندهم فيه الكتاب والسنة، وما ينقل عن الإمام مالك من القبول لم يثبت عند المطلعين على أقوال المجتهدين واختلافاتهم. نعم صرح الإمام القاضي عبد الصمد من ساداتنا الحنفية في «تفسيره» بأن مذهب الصوفية أن الإيمان ينتفع به ولو عند معاينة العذاب، وهذا الإمام متقدم على الشيخ الأكبر قدس سره بنحو مائة سنة، وحينئذ تشكل حكاية الإجماع إلا أن يقال: بعدم تسليم صحة ذلك عن الصوفية الذين هم من أهل الاجتهاد المعول عليهم لما فيه من المخالفة للأدلة الظاهرة في عدم النفع فلا يخل ذلك بالإجماع بالإجماع. وفي «الزواجر» أنه على تقدير التسليم لا يضرنا ذلك في دعوى إجماع الأمة على كفر فرعون لأنا لم نحكم بكفره لأجل إيمانه عند البأس فحسب بل لما انضم إليه من أنه لم يؤمن بالله تعالى إيماناً صحيحاً بل كان تقليداً محضاً بدليل قوله: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرٰءيلَ}تفسير : [يونس: 90] فكأنه اعترف بأنه لا يعرف الله تعالى وإنما سمع من بني إسرائيل أن للعالم إلهاً فآمن بذلك الإله الذي سمع بني إسرائيل يقرون بوجوده وهذا هو محض التقليد الذي لا يقبل لا سيما من مثل فرعون الذي كان دهرياً منكراً لوجود الصانع فإنه لا بد له من برهان قطعي يزيل ما هو عليه من الاعتقاد الخبيث البالغ نهاية القبح والفحش، وأيضاً لا بد في إسلام الدهري ونحوه ممن كان قد دان بشيء أن يقر ببطلان ذلك الشيء الذي كفر به فلو قال: آمنت بالذي لا إله غيره لم يكن مسلماً، وفرعون لم يعترف ببطلان ما كان كفر به من نفى الصانع وادعاء الإلهية لنفسه الخبيثة، وقوله: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرٰءيلَ }تفسير : [يونس: 90] لا يدري ما الذي أراد به فلذا صرح الأئمة بأن آمنت بالذي لا إله غيره لا يحصل الإيمان للاحتمال فكذا ما قاله، وعلى التنزل فالإجماع منعقد على أن الإيمان بالله تعالى مع عدم الإيمان بالرسول لا يصح فلو سلمنا أن فرعون آمن بالله تعالى إيماناً صحيحاً فهو لم يؤمن بموسى عليه السلام ولا تعرض له أصلاً فلم يكن إيمانه نافعاً، ألا ترى أن الكافر لو قال ألوفاً من المرات أشهد أن لا إله إلا الله أو إلا الذي آمن به المسلمون لا يكون مؤمناً حتى يقول وأن محمداً رسول الله. / والسحرة تعرضوا في إيمانهم للإيمان بموسى عليه السلام بقولهم: {أية : آمنا بِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * رَبّ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ}تفسير : [الأعراف: 121-122] فلا يقال: إن إيمان فرعون على طرز إيمانهم لذلك على أن إيمانهم حين آمنوا كان بمعجزة موسى عليه السلام والإيمان بالله تعالى مع الإيمان بمعجزة الرسول إيمان بالرسول فهم آمنوا بموسى عليه السلام بخلاف فرعون فإنه لم يتعرض للإيمان به عليه السلام أصلاً بل في ذكره بني إسرائيل دونه مع أنه الرسول العارف بالإله وما يليق به والهادي إلى طريقه إشارة ما إلى بقائه على كفره به. وما ذكره الشيخ الأكبر قدس سره في توجيه آية {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ}تفسير : [يونس: 90] الخ خارج عن ذوق الكلام العربـي وتجشم تكلف لا معنى له، ويرشد إلى بعض ذلك أنه قدس سره حمل قوله تعالى: {أية : آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ} تفسير : [يونس: 91] الخ على العتب والبشرى، مع أنه لا يخفى أنه لو صح إيمانه وإسلامه لكان الأنسب بمقام الفضل الذي إليه طمح نظر الشيخ أن يقال له: الآن نقبلك ونكرمك لاستلزام صحة إيمانه رضا الحق عنه ومن وقع له الرضا لا يخاطب بمثل ذلك الخطاب كما لا يخفى على من له وقوف على أساليب كلام العرب ومحاوراتهم، وأيضاً كيف يخاطب من محا الإيمان عصيانه وإفساده بما هو ظاهر في التأنيب المحض والتقريع الصرف والتوبيخ البحت فما ذلك إلا لإقامة أعظم نواميس الغضب عليه وتذكيره بقبائحه التي قدمها وإعلامه بأنها هي التي منعته عند النطق بالإيمان إلى حيث لا ينفعه وكذا تأويله {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ}تفسير : [غافر: 85] بأن النافع هو الله تعالى مع أن اصطلاح الكتاب والسنة نسبة الأشياء إلى أسبابها إيجاباً وسلباً، فإذا قيل: لا ينفع الإيمان فليس معناه الشرعي إلا الحكم عليه بأنه باطل لا يعتد به؛ وأي معنى سوغ تخصيص نفع الله تعالى بهذه الحالة التي هي حالة وقوع العذاب مع النظر إلى ما هو الواقع من أن الله تعالى هو النافع حقيقة في كل وقت ولو نفعهم لما استأصلهم بالعذاب، وقوله تعالى: {أية : وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ } تفسير : [غافر: 78] دليل واضح على أن المراد {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ}تفسير : [غافر: 85] أنهم باقون مع ذلك الإيمان على الكفر إلى غير ذلك مما لا يخفى على الناظر في كلامه قدس سره، فالذي ينبغي أن يعول عليه ما ذهب أولاً إليه، وقد قالوا: إذا اختلف كلام إمام يؤخذ منه بما يوافق الأدلة الظاهرة ويعرض عما خالفها، ولا شك أن ما ذهب إليه أولاً هو الموافق لذلك، على أنه لو لم يكن له قدس سره إلا القول بقبول إيمانه لا يلزمنا اتباعه في ذلك والأخذ به لمخالفته ما دل عليه الكتاب والسنة وشهدت به أئمة الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المجتهدين، وجلالة قائله لا توجب القبول، فقد قال مالك وغيره: ما من أحد إلا مأخوذ من قوله ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر يعني النبـي صلى الله عليه وسلم، وعن علي كرم الله تعالى وجهه: لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال، وكأن الشيخ قدس سره قال ذلك من طريق النظر والنظر يخطىء ويصيب، ومن علم أن للنبـي عليه الصلاة والسلام اجتهاداً جاء الوحي بخلافه لم يستعظم ما قيل في الشيخ وإن كان هو ـ هو ـ على أنه لو كان قال ذلك من طريق الكشف إلا أنه أبدى الاستدلال تفهيماً وإرشاداً إلى أن فهمه لم يخالف ما يدل عليه الكتاب لم يلزمنا أيضاً تقليده بل قد مر عن الإمام الرباني قدس سره أنه لا يجوز تقليد [أهل] الكشف، وصرح غير واحد بأنه ليس بحجة على الغير كالإلهام ولا يثبت به حكم شرعي. وأنت تعلم أنه لو كان كل من القولين من طريق الكشف يلزم انقسام الكشف إلى صواب وخطأ كالنظر ضرورة عدم اجتماع الإيجاب والسلب على الكذب ولا على الصدق وهو ظاهر، وقد قال بعضهم: بالانقسام ويخفى وجهه، ومن الناس من أول كلام الشيخ المثبت لقبول الإيمان بأن المراد بفرعون فيه النفس / الأمارة وبموسى وهٰرون المأمورين بالقول اللين موسى الروح وهٰرون القلب وأخذ يقرر الكلام على هذا السنن، ولا يخفى أن ارتكاب ذلك على ما فيه من التكلف الظاهر الكلف في كلام الشيخ ما يأباه، ولعله خلاف مطمح نظره ولذلك لم يرتكبه أجلة أصحابه بل أبقوا كلامه على ظاهره وهو الظاهر، وإكفار بعض المنكرين له فيه ضلال وأي ضلال وظلم عظيم موجب للنكال، فإن له قدس سره في ذلك مستنداً كغيره المقابل له وإن اختلفا في القوة والضعف، على أن الوقوف على حقيقة هذه المسألة ليس مما كلفنا به فلا يضر الجهل بها في الدين والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَةً} {آيَاتِنَا} {لَغَافِلُونَ} (92) - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ بَعْضَ بَنِي أَسْرَائِيلَ شَكُّوا فِي مَوْتِ فِرْعَوْنَ، فَأَمَرَ اللهُ البَحْرَ أَنْ يُلْقِيَهُ بِجَسَدِهِ سَوِيّاً بِلا رُوحٍ، لِيَتَحَقَّقَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ مَوْتِهِ وَهَلاَكِهِ، فَتَكُونَ تِلْكَ آيَةً لَهُمْ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ، وَصِدْقِ وَعْدِهِ لِرَسُولِهِ، وَكَثيرٌ مِنَ النَّاسِ غَافِلُونَ عَنْ آيَاتِ اللهِ، لاَ يَتَّعِظُونَ بِهَا، وَلاَ يَعْتَبِرُونَ. (وَكَانَ هَلاَكُ فِرْعَونَ وَنَجَاةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، حديث : فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى المَدِينَةِ وَجَدَ اليَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ: مَا هَذا الذِي تَصُومُونَهُ؟ فَقَالُوا يَوْمَ ظَهَرَ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ. فَقَالَ النَّبِيُّ لأَصْحَابِهِ أَنْتُمْ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ فَصُومُوهُتفسير : ). (رَوَاهُ البُخَارِيُّ). آيَةً - عِبْرَةً وَعِظَةً وَنَكَالاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونحن نعرف أن الإنسان مكوَّن من بدن، وهو الهيكل المادي المصوَّر على تلك الصورة التي نعرفها، وهناك الروح التي في البدن، وبها تكون الحركة والحياة. وساعة نقول: "بدن"، فافهم أنها مجردة عن الروح، مثلما نقول: جسد. وإذا أطلقت كلمة "جسد" فمعناها الهيكل المادي المجرد من الروح. والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ..}تفسير : [ص: 34]. وكان سيدنا سليمان - عليه السلام - يستمتع بما آتاه الله سبحانه من الملك ما لا ينبغي لأحد من بعده، وسخَّر له الجن والرياح وعلّمه كل اللغات، وكان صاحب الأوامر والنواهي والهيمنة، ثم وجد نفسه قاعداً على كرسيه بلا حراك وبلا روح، ويقدر عليه أي واحد من الرعية، ثم أعاد الله له روحه إلى جسده، وهو ما يقوله الحق سبحانه: {أية : .. ثُمَّ أَنَابَ}تفسير : [ص: 34]. أي: أنه أفاق لنفسه، فعلم أن كل ما يملكه هو أمر مُفاضٌ عليه، لا أمر نابع من ذاته. وهنا في الآية الكريمة التي نحن بصددها الآن يقول الحق سبحانه: {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ..} [يونس: 92]. وباللهِ، لو لم يأمر الحق البحر بأن يلفظ جثمان فرعون، أما كان من الجائز أن يقولوا: إنه إله، وإنه سيرجع مرة أخرى؟ ولكن الحق سبحانه قد شاء أن يلفظ البحر جثمانه كما يلفظ جيفة أي حيوان غارق؛ حتى لا يكون هناك شك في أن هذا الفرعون قد غرق، وحتى ينظر من بقي من قومه إلى حقيقته، فيعرفوا أنه مجرد بشر، ويصبح عبرة للجميع، بعد أن كان جباراً مسرفاً طاغية يقول لهم: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي ..}تفسير : [القصص: 38]. وبعض من باحثي التاريخ يقول: إن فرعون المقصود هو "تحتمس"، وإنهم حلَّلوا بعضاً من جثمانه، فوجدوا به آثار مياه مالحة. ونحن نقول: إن فرعون ليس اسماً لشخص، بل هو توصيف لوظيفة، ولعل أجساد الفراعين المحنطه تقول لنا: إن علة حفظ الأبدان هي عبرة؛ وليتعظ كل إنسان ويرى كيف انهارت الحضارات، وكيف بقيت تلك الأبدان آية نعتبر بها. وقد تعرض القرآن لمسألة الفرعون، فقال الحق سبحانه: {أية : وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ}تفسير : [الفجر: 10]. ويقول سبحانه في نفس السورة عن كل جبار مفسد: {أية : إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ}تفسير : [الفجر: 14]. ونلحظ أن كلام الحق سبحانه عن فرعون في سورة الفجر كان كلاماً يضمُّ إلى جانب حضارة الفراعنة حضارات أخرى قديمة، مثل حضارة عاد وحضارة ثمود. وكذلك تكلم الحق سبحانه عن الفرعون في أثناء لقطات قصة موسى عليه السلام، ولكن الكلام يختلف في قصة يوسف عليه السلام، فلا تأتي وظيفة الفرعون، بل يحدثنا الحق سبحانه عن وظائف أخرى، هي وظية "عزيز مصر" - أي: رئيس وزرائها - ويحدثنا الله سبحانه عن ملك مصر بقوله: {أية : وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ}تفسير : [يوسف: 50]. ولم يُكْتَشَف الفارق بين وظيفة "الفرعون" ووظيفة "الملك" في التاريخ المصري إلا بعد أن جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر وفك "شامبليون" رموز اللغة الهيروغليفيه من خلال نقوش حجر "رشيد"، فعرفنا أن حكام مصر القديمة كانوا يسمون "الفراعنة" إلا في فترة كانت فيها مصر تحت حكم "ملوك الرعاة" أو "الهكسوس" الذين أغاروا على مصر، وحكموها حكماً ملكياً وقضوا على حكم الفراعنة، ثم عاد الفراعنة إلى حكم مصر بعد أن خلصوها من سيطرة "الهكسوس". وهكذا نجد أن إشارة القرآن في قصة يوسف - عليه السلام - كانت إلى الملك، ولم يأت فيها بذكر فرعون، وهذا دليل على أن القرآن قد سبق بعلمه أي اكتشاف، وكلما جاء اكتشاف جديد أو ابتكار حقيقي، نجده يؤيد كتاب الله. ويُنهي الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله: {.. وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} [يونس: 92]. وهذا القول يوضح أن هناك من يغفل عن الآيات، وهناك من لا يغفل عنها، وينظر إلى تلك الآيات ويتأملها ويتدبرها، ويتساءل عن جدوى كل شيء، فيصل إلى ابتكارات واختراعات ينتفع بها الإنسان، أّذِن بميلادها عند البحث عنها؛ لتستبين عظمة الله في خلقه. وحين ينظر الإنسان في تلك الابتكارات سيجدها وليدة أفكار مَنْ نظروا بإمعان، وامتلكوا قدرة الاستنباط، ولو لم يغفل الناس عن النظر في آيات الكون، والسماوات والأرض، لزادت الابتكارات والاختراعات، والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}تفسير : [يوسف: 105]. وحين ننظر إلى مكتشف قانون الجاذبية "نيوتن" الذي رأى ثمرة تفاح تسقط من شجرتها، نجد أن هناك عشرات الآلاف أو الملايين من البشر شاهدوا من قبله مشهد سقوط ثمرة من على شجرة، ولكن نيوتن وحده هو الذي تفكر وتدبر ما يحدث أمامه إلى أن أهتدى إلى اكتشاف قانون الجاذبية. وجاء من بعد نيوتن من بنى سفن الفضاء التي تستفيد من هذا القانون وغيره. وكذلك نجد من صَمَّم الغواصات، والبواخر العملاقة التي تشبه المدن العائمة، هؤلاء اعتمدوا على من اكتشف قانون "الطفو" وقاعدة "أرشميدس" الذي لاحظ أنه كلما غطس شيءٌ في المياه، ارتفع الماء بنفس حجم الشيء الغاطس فيه. كل هؤلاء اكتشفوا - ولم يخلقوا - أسراراً كانت موجودة في الكون، وهم تميَّزوا بالانتباه لها. وكذلك العالم الذي اكتشف "البنسلين" قد لاحظ أن أصيصاً من المواد العضوية كانت تنزل منه قطرات من الماء العفن، ورأى الحشرات التي تقترب من هذا الماء تموت، فأخذ عينة من هذا العفن وأخذ يُجري عليها بعض التجارب في معمله إلى أن اكتشف "البنسلين". وقول الحق سبحانه: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}تفسير : [يوسف: 105]. فكأنهم لو لم يعرضوا لاستنبطوا من آيات الكون الشيء الكثير. وكذلك القصص التي تأتي في القرآن، إنما جاءت ليعتبر الناس ويتأملوا، فحين يرسل الله رسولاً مؤيَّداً بمعجزة منه لا يقدر عليها البشر؛ فعلى الناس أن يسلّموا ويقولوا: "آمنا"، لا أن يظلوا في حالة إعادة للتجارب السابقة؛ لأن ارتقاءات البشر في الأمور المادية قد تواصلت؛ لأن كل جيل من العلماء يأخذ نتائج العلم التي توصل إليها مَنْ سبقوه، فلماذا لا يحدث هذا في الأمور العقدية؟ ولو أن الناس بدأوا من حيث انتهى غيرهم؛ لوجدنا الكل مؤمناً بالله تعالى، ولأخذ كل مولود الأمر من حيث انتهى أبوه، ولَوصَل خير آدم إلى كل من وُلِدَ بعد ذلك، لكن آفة البشر أن الإنسان يريد أن يجرب بنفسه. ونحن نجد ذلك في أمور ضارة مثل: الخمر، نجدها ضارة لكل من يقرب منها، فإذا حرَّمها الدين وجدنا من يتساءل: لماذا تُحرَّم؟ وكذلك التدخين؛ نجد من يجربه رغم أن التجارب السابقة أثبتت أضراره البالغة، ولو أخذ كل إنسان تجارب السابقين عليه؛ فهو يصل عمره بعمر الآخرين. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} معناهُ نُلقِيكَ عَلَى نَجْوةٍ وهي الإِرتفاعُ مِن الأَرضِ. والبَدنُ كَانَ يَلبَسهُ فِرعَونُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً } . قال المفسرون: إن بني إسرائيل لما في قلوبهم من الرعب العظيم، من فرعون، كأنهم لم يصدقوا بإغراقه، وشكوا في ذلك، فأمر الله البحر أن يلقيه على نجوة مرتفعة ببدنه، ليكون لهم عبرة وآية. { وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ } فلذلك تمر عليهم وتتكرر فلا ينتفعون بها، لعدم إقبالهم عليها. وأما من له عقل وقلب حاضر، فإنه يرى من آيات الله ما هو أكبر دليل على صحة ما أخبرت به الرسل.
همام الصنعاني
تفسير : 1168- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ}: [الآية: 92]، قال: لمَّا أغرق الله فرعون لم يُصدِّق طائفة من الناسِ بذلك، فأخرجه الله تعالى ليكومن عظة وآية.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):