Verse. 1455 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

اٰۗلْــٰٔــنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِيْنَ۝۹۱
Alana waqad AAasayta qablu wakunta mina almufsideena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«آلآن» تؤمن «وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين» وإضلالك عن الإيمان.

91

Tafseer

القرطبي

تفسير : قيل: هو من قول الله تعالى. وقيل: هو من قول جبريل. وقيل: ميكائيل، صلوات الله عليهما، أو غيرهما من الملائكة له صلوات الله عليهم. وقيل: هو من قول فرعون في نفسه، ولم يكن ثَمّ قول باللسان بل وقع ذلك في قلبه فقال في نفسه ما قال: حيث لم تنفعه الندامة؛ ونظيره. {أية : إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ} تفسير : [الإنسان: 9] أثنى عليهم الرب بما في ضميرهم لا أنهم قالوا ذلك بلفظهم، والكلام الحقيقي كلام القلب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {;ءَآلْئـَٰنْ } تؤمن {وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ } بضلالك وإضلالك عن الإِيمان.

الخازن

تفسير : {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} يعني آلآن تتوب وقد أضعت التوبة في وقتها وآثرت دنياك الفانية على الآخرة الباقية، والمخاطب لفرعون بهذا هو جبريل عليه السلام وقيل الملائكة. وقيل: إن القائل لذلك هو الله تعالى عرف فرعون قبح صنعه وما كان عليه من الفساد في الأرض ويدل على هذا القول قوله سبحانه وتعالى فاليوم ننجيك ببدنك، والقول الأول أشهر ويعضده ما روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لما أغرق الله فرعون قال آمنت أن لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل قال جبريل يا محمد فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة"تفسير : أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن. وفي رواية أخرى عنه عن عدي بن ثابت وعطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ذكر أحدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر حديث : أن جبريل عليه السلام جعل يدس في فيّ فرعون الطين خشية أن يقول لا إله إلا الله فيرحمه الله أو خشية أن يرحمه الله تفسير : أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح. (فصل: في الكلام على هذا الحديث) لأنه في الظاهر مشكل فيحتاج إلى بيان وإيضاح فنقول قد ورد هذا الحديث على طريقين مختلفين عن ابن عباس، ففي الطريق الأول عن ابن زيد بن جدعان وهو وإن كان قد ضعفه يحيى بن معين وغيره فإنه كان شيخاً نبيلاً صدوقاً ولكنه كان سيئ الحفظ ويغلط وقد احتمل الناس حديثه وإنما يخشى من حديثه إذا لم يتابع عليه أو خالفه فيه الثقات وكلاهما منتف في هذا الحديث لأن في الطريق الآخر شعبة عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير وهذا الإسناد على شرط البخاري، ورواه أيضاً شعبة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير وعطاء بن السائب ثقة قد أخرج له مسلم فهو على شرط مسلم وإن كان عطاء قد تكلم فيه من قبل اختلاطه فإنما يخاف منه ما انفرد به أو خولف فيه وكلاهما منتف فقد علم بهذا أن لهذا الحديث أصلاً وأن رواته ثقات ليس فيهم متهم وإن كان فيهم من هو سيئ الحفظ فقد تابعه عليه غيره. فإن قلت ففي الحديث الثاني شك في رفعه إنما هو جزم بأن أحد الرجلين رفعه وشك شعبة في تعيينه هل هو عطاء بن السائب أو عدي بن ثابت وكلاهما ثقة فإذا رفعه أحدهما وشك في تعيينه لم يكن هذا علة في الحديث وقوله من حال البحر أي من طين البحر كما في الرواية الأخرى. (فصل) ووجه إشكاله ما اعترض به الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره فقال: هل يصح أن جبريل أخذ يملأ فمه بالطين لئلا يتوب غضباً عليه والجواب الأقرب أنه لا يصح لأن في تلك الحالة، إما أن يقال: التكليف هل كان ثابتاً أم لا فإن كان ثابتاً لا يجوز لجبريل أن يمنعه من التوبة بل يجب عليه أن يعينه على التوبة وعلى كل طاعة وإن كان التكليف زائلاً عن فرعون في ذلك الوقت فحينئذ لا يبقى لهذا الذي نسب إلى جبريل فائدة وأيضاً لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر والرضا بالكفر كفر وأيضاً فكيف يليق بجلال الله أن يأمر جبريل بأن يمنعه من الإيمان. ولو قيل: إن جبريل فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر الله فهذا يبطله قول جبريل وما نتنزل إلا بأمر ربك فهذا وجه الإشكال الذي أورده الإمام على هذا الحديث في كلام أكثر من هذا، والجواب عن هذا الاعتراض أن الحديث قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا اعتراض عليه لأحد. وأما قول الإمام: إن التكليف هل كان ثابتاً في تلك الحالة أم لا فإن كان ثابتاً لم يجز لجبريل أن يمنعه من التوبة فإن هذا القول لا يستقيم على أصل المثبتين للقدر القائلين بخلق الأفعال لله وأن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء وهذا قول أهل السنة المثبتين للقدر، فإنهم يقولون إن الله يحول بين الكافر والإيمان ويدل على ذلك قوله تعالى: {أية : واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه}تفسير : [الأَنفال: 24] وقوله تعالى: {أية : وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم}تفسير : [النساء: 155] وقال تعالى: {أية : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة}تفسير : [الأَنعام: 110] فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه قلب أفئدتهم مثل تركهم الإيمان به أول مرة، وهكذا فعل بفرعون منعه من الإيمان عند الموت جزاء على تركه الإيمان أولاً فدس الطين في فم فرعون من جنس الطبع والختم على القلب ومنع الإيمان وصون الكافر عنه وذلك جزاء على كفره السابق وهذا قول طائفة من المثبتين للقدر القائلين بخلق الأفعال لله. ومن المنكرين لخلق الأفعال من اعترف أيضاً أن الله سبحانه وتعالى يفعل هذا عقوبة للعبد على كفره السابق فيحسن منه أن يضله ويطبع على قلبه ويمنعه من الإيمان. فأما قصة جبريل عليه السلام مع فرعون فإنها من هذا الباب فإن غاية ما يقال فيه إن الله سبحانه وتعالى منع فرعون من الإيمان وحال بينه وبينه عقوبة له على كفره السابق ورده للإيمان لما جاءه. وأما فعل جبريل من دس الطين في فيه فإنما فعل ذلك بأمر الله لا من تلقاء نفسه. فأما قول الإمام لم يجز لجبريل أن يمنعه من التوبة بل يجب عليه أن يعينه عليها وعلى كل طاعة هذا إذا كان تكليف جبريل كتكليفنا يجب عليه ما يجب علينا. وأما إذا كان جبريل إنما يفعل أمره الله به والله سبحانه وتعالى هو الذي منع فرعون من الإيمان وجبريل منفذ لأمر الله فكيف لا يجوز له منع من منعه الله من التوبة وكيف يجب عليه إعانة من لم يعنه الله بل قد حكم عليه وأخبر عنه أنه لا يؤمن حتى يرى العذاب الأليم حين لا ينفعه الإيمان. وقد يقال: إن جبريل عليه السلام إما أن يتصرف بأمر الله فلا يفعل إلا ما أمر الله به وإما أن يفعل ما يشاء من تلقاء نفسه لا بأمر الله وعلى هذين التقديرين فلا يجب عليه إعانة فرعون على التوبة ولا يحرم عليه منعه منها لأنه إنما يجب عليه فعل ما أمر به ويحرم عليه فعل ما نهي عنه والله سبحانه وتعالى لم يخبر أنه أمره بإعانة فرعون ولا حرم عليه منعه من التوبة وليست الملائكة مكلفين كتكليفنا. وقوله وإن كان التكليف زائلاً عن فرعون في ذلك الوقت فحينئذ لا يبقى هذا الذي نسب إلى جبريل فائدة فجوابه أن يقال إن للناس في تعليل أفعال الله قولين أحدهما أن أفعاله لا تعلل وعلى هذا التقدير فلا يريد هذا السؤال أصلاً وقد زال الإشكال. والقول الثاني: إن أفعاله تبارك وتعالى لها غاية بحسب المصالح لأجلها فعلها وكذا أوامره ونواهيه لها غاية محمودة محبوبة لأجلها أمر بها ونهى عنها وعلى هذا التقدير قد يقال لما قال فرعون آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وقد علم جبريل أنه ممن حقت عليه كلمة العذاب وأن إيمانه لا ينفعه دس الطين في فيه لتحقق معاينته للموت فلا تكون تلك الكلمة نافعة له وأنه وإن كان قالها في وقت لا ينفعه فدس الطين في فيه تحقيقاً لهذا المنع والفائدة فيه تعجيل ما قد قضي عليه وسد الباب عند سداً محكماً بحيث لا يبقى للرحمة فيه منفذ ولا يبقى من عمره زمن يتسع للإيمان فإن موسى عليه السلام لما دعا ربه بأن فرعون لا يؤمن حتى يرى العذاب الأليم والإيمان عند رؤية العذاب غير نافع أجاب الله دعاءه. فلما قال فرعون تلك الكلمة عند معاينة الغرق استعجل جبريل فدس الطين في فيه لييأس من الحياة ولا تنفعه تلك الكلمة وتحقق إجابة الدعوة التي وعد الله موسى بقوله قد أجيبت دعوتكما فيكون سعي جبريل في تكميل ما سبق في حكم الله أنه يفعله فيكون سعي جبريل في مرضاة الله سبحانه وتعالى منفذاً لما أمره به وقدره وقضاه على فرعون. وأما قوله: لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر والرضا بالكفر كفر، فجوابه ما تقدم من أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء وجبريل إنما يتصرف بأمر الله ولا يفعل إلا ما أمره الله به وإذا كان جبريل قد فعل ما أمره الله به ونفذه فإنما رضي بالأمر لا بالمأمور به فأي كفر يكون هنا وأيضاً فإن الرضا بالكفر إنما يكون كفراً في حقنا لأنا مأمورون بإزالته بحسب الإمكان فإذا أقررنا الكافر على كفره ورضينا به كان كفراً في حقنا لمخالفتنا ما أمرنا به. وأما من ليس مأموراً كأمرنا ولا مكلفاً كتكليفنا بل يفعل ما يأمره به ربه فإنه إذا نفذ ما أمره به لم يكن راضياً بالكفر ولا يكون كفراً في حقه وعلى هذا التقدير فإن جبريل لما دس الطين في في فرعون كان ساخطاً لكفره غير راض به والله سبحانه وتعالى خالق أفعال العباد خيرها وشرها وهو غير راض بالكفر فغاية أمر جبريل مع فرعون أن يكون منفذاً لقضاء الله وقدره في فرعون من الكفر وهو ساخط له غير راض به وقوله كيف يليق بجلال الله أن يأمر جبريل بأن يمنعه من الإيمان فجوابه أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسأل عما يفعل وأما قوله وإن قيل إن جبريل إنما فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر الله فجوابه أنه إنما فعل ذلك بأمر الله منفذاً لأمر الله والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. قوله سبحانه وتعالى: {فاليوم ننجيك ببدنك} أي نلقيك على نجوة من الأرض وهي المكان المرتفع. قال أهل التفسير: لما أغرق الله سبحانه وتعالى فرعون وقومه أخبر موسى قومه بهلاك فرعون وقومه فقالت بنو إسرائيل ما مات فرعون وإنما قالوا ذلك لعظمته عندهم وما حصل في قلوبهم من الرعب لأجله فأمر الله عز وجل البحر فألقى فرعون على الساحل أحمر قصيراً كأنه ثور فرآه بنو إٍسرائيل فعرفوه فمن ذلك الوقت لا يقبل الماء ميتاً أبداً، ومعنى قوله ببدنك يعني نلقيك وأنت جسد لا روح فيه وقيل هذا الخطاب على سبيل التهكم والاستهزاء كأنه قيل له ننجيك ولكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك. وقيل: أراد بالبدن الدرع وكان لفرعون درع من ذهب مرصع بالجواهر، يعرف به فلما رأوه في درعه ذلك عرفوه {لتكون لمن خلفك آية} يعني عبرة وموعظة، وذلك أنهم ادعوا أن مثل فرعون لا يموت أبداً فأظهره الله لهم حتى يشاهدوه وهو ميت لتزول الشبهة من قلوبهم ويعتبروا به لأنه كان في غاية العظمة فصار إلى نهاية الخسة والذلة ملقى على الأرض لا يهابه أحد {وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون} قوله عز وجل: {ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق} يعني أسكناهم مكان صدق وأنزلناهم منزل صدق بعد خروجهم من البحر وإغراق عدوهم فرعون. والمعنى: أنزلناهم منزلاً محموداً صالحاً وإنما وصف المكان بالصدق لأن عادة العرب إذا مدحت شيئاً أضافته إلى الصدق تقول العرب: هذا رجل صدق وقدم صدق والسبب فيه أن الشيء إذا كان كاملاً صالحاً، لا بد أن يصدق الظن فيه وفي المراد بالمكان الذي بوءوا قولان أحدهما أنه مصر فيكون المراد: إن الله أورث بني إسرائيل جميع ما كان تحت أيدي فرعون وقومه من ناطق وصامت وزرع وغيره. والقول الثاني: إنه أرض الشام والقدس والأردن لأنها بلاد الخصب والخير والبركة {ورزقناهم من الطيبات} يعني تلك المنافع والخيرات التي رزقهم الله تعالى: {فما اختلفوا حتى جاءهم العلم} يعني فما اختلف هؤلاء الذين فعلنا بهم هذا الفعل من بني إسرائيل حتى جاءهم ما كانوا به عالمين وذلك أنهم كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم مقرين به مجمعين على نبوته غير مختلفين فيه لما يجدونه مكتوباً عندهم فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم واختلفوا فيه فآمن به بعضهم كعبد الله بن سلام وأصحابه وكفر به بعضهم بغياً وحسداً. فعلى هذا المعنى يكون المراد من العلم المعلوم والمعنى فما اختلفوا حتى جاءهم المعلوم الذي كانوا يعلمونه حقاً فوضع العلم مكان العلوم وقيل المراد من العلم القرآن النازل على محمد صلى الله عليه وسلم وإنما سماه علماً لأنه سبب العلم وتسمية السبب بالمسبب مجاز مشهور وفي كون القرآن سبباً لحدوث الاختلاف وجهان: الأول: أن اليهود كانوا يخبرون بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ونعته ويفتخرون بذلك على المشركين، فلما بعث كذبوه بغياً وحسداً وإيثاراً لبقاء الرياسة لهم فآمن به طائفة قليلة وكفر به غالبهم. والوجه الثاني: أن اليهود كانوا على دين واحد قبل نزول القرآن فلما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم آمن به طائفة وكفر به آخرون. وقوله تعالى: {إن ربك} يعني يا محمد {يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} يعني من أمرك وأمر نبوتك في الدنيا فيدخل من آمن بك الجنة ومن كفر بك وجحد نبوتك النار.

ابو السعود

تفسير : وقوله عز وجل: {ٱلئَـٰنَ} مقولٌ لقول مقدرٍ معطوفٍ على قال أي فقيل: آلآن، وهو إلى قوله تعالى: {ءايَةً} حكايةٌ لما جرى منه سبحانه من الغضب على المخذول ومقابلة ما أظهره بالرد على وجه الإنكارِ التوبـيخيَّ على تأخيره وتقريعِه بالعصيان والإفساد وغير ذلك وفي حذف الفعل المذكورِ وإبرازِ الخبرِ المحكيِّ في صورة الإنشاءِ من الدِلالة على عظم السخطِ وشدةِ الغضبِ ما لا يخفى كما يُفصح عنه ما روي من أن جبريل دس فاه عند ذلك بحال البحر وسده به فإنه تأكيدٌ للرد القوليّ بالرد الفعليِّ ولا ينافيه تعليلُه بمخافة إدراكِ الرحمةِ فيما نقل أنه قال للنبـي عليه السلام: فلو رأيتَني يا محمدُ وأنا آخذٌ من حال البحرِ فأدُسّه في فيه مخافةَ أن تدركه الرحمةُ إذ المرادُ بها الرحمةُ الدنيويةُ أي النجاة التي هي طِلْبةُ المخذولِ وليس من ضرورة إدراكِها صحةُ الإيمان كما في إيقان قومِ يونسَ عليه السلام حتى يلزمَ كراهتُه ما لا يتصور في شأن جبريلَ عليه السلام من الرضا بالكفر إذ لا استحالةَ في ترتيب هذه الرحمةِ على مجرد التفوّه بكلمة الإيمانِ وإن كان ذلك في حالة البأسِ واليأس فيحمل دسُّه عليه السلام على سد باب الاحتمالِ البعيد لكمال الغيظِ وشدةِ الحرْدِ فتدبر والله الموفق، وحقُّ العاملِ في الظرف أن يقدر مؤخراً ليتوجه الإنكارُ والتوبـيخُ إلى تأخير الإيمانِ إلى حد يمتنعُ قبولُه فيه أي آلآن نؤمن حين يئستَ من الحياة وأيقنتَ بالممات وقوله عز وعلا: {وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ} حال من فاعل الفعل المقدَّر جيء به لتشديد التوبـيخِ والتقريعِ على تأخير الإيمانِ إلى هذا الآن ببـيان أنه لم يكن تأخيرُه لعدم بلوغِ الدعوةِ إليه ولا للتأمل والتدبر في دلائله وآياتِه ولا لشيء آخرَ مما عسى يُعدُّ عذراً في التأخير بل كان ذلك على طريقة الردِّ والاستعصاءِ والإفساد فإن قوله تعالى: {وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} عطفٌ على عصيت داخلٌ في حيز الحال أي وكنت من الغالين في الضلال والإضلالِ عن الإيمانِ كقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ }تفسير : [النحل: 88] فهذا عبارةٌ عن فساده الراجعِ إلى نفسه والساري إلى غيره من الظلم والتعدي وصدِّ بني إسرائيلَ عن الإيمان والأولُ عن عصيانه الخاصِّ به.

القشيري

تفسير : أَبْعَدَ طولِ الإمهال، والاصرار على ذميم الأفعال، والرَّكْضِ في ميدان الاغترار، وانقضاء وقت الاعتذار؟! هيهات! لقد استوجَبْتَ أن تُرَدَّ في وجهك، فلا لِعُذْرِك قَبُولٌ، ولا لَكَ إلى ما ترومه وصولٌ.

اسماعيل حقي

تفسير : {آلآن} مقول القول مقدر معطوف على قال اى فقيل آلآن تؤمن حين يئست من الحياة وايقنت بالممات {وقد عصيت قبل} حال من فاعل الفعل المقدر اى والحال قد عصيت قبل ذلك مدة عمرك {وكنت من المفسدين} اى الغالين فى الضلال والاضلال عن الايمان فالاول عبارة عن عصيانه الخاص به والثانى عن فساده الراجع الى نفسه والسارى الى غيره من الظلم والتعدى وصد بنى اسرائيل عن الايمان. جاء فى الاخبار عن عبد الله بن عمر رضى الله عنه قال غار النيل على عهد فرعون فاتاه اهل مملكته فقالوا ايها الملك اجر لنا النيل فقال انى لست براض عنكم حتى قالوا ذلك ثلاث مرات فذهبوا فأتوه فقالوا ايها الملك ماتت البهائم وهلكت الصبيان والابكار فان لم تجر لنا لنيل اتخذنا الها غيرك فقال لهم اخرجوا الى الصعيد فخرجوا فتنحى عنهم بحيث لا يرونه ولا يسمعون كلامه والصق خده بالارض واشار بالسبابة فقال اللهم انى خرجت اليك خروج العبد الذليل الى سيده وانى اعلم انه لا يقدر على اجرائه غيرك فاجره فقام فجرى النيل جريا فاتاهم فقال لهم انى اجريت لكم النيل فقال خروا له سجدا. يقول الفقير هذا لا يدل على ايمان فرعون وذلك لان الايمان وان كان عبارة عن التصديق والاقرار وصاحبه ينبغى ان لا يكون كافرا بشيء من افعال الكفر والفاظه ما لم يتحقق منه التكذيب والانكار الا ان من المعاصى ما جعله الشارع امارة التكذيب ومنه دعوة فرعون الى عبادة نفسه ورضاه عن سجود قومه له ونحو ذلك فمع ذلك لا يكون مؤمنا البته قالوا عرض له جبريل يوما فقال ايها الملك ان عبدا ملكته على عبيدى واعطيته مفاتيح خزائنى وعادانى واحب من عاديته وعادى من احببته فقال له فرعون لو كان لى ذلك العبد لغرقته فى بحر القلزم فقال جبريل ايها الملك اكتب لى بذلك كتابا قال فدعا بدواة وقلم وقرطاس فكتب فرعون فيه يقول ابو العباس الوليد بن مصعب جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعماءه ان يغرق فى البحر فلما الجمه الغرق ناوله جبريل خطه فعرفه فقال جبريل هذا ما حكمت به على نفسك قالوا نكب عن الايمان اى عدل واعرض عنه او ان بقاء التكليف والاختيار وبالغ فيه حين لا يقبل حرصا على القبول حيث كرر المعنى الواحد ثلاث مرات بثلاث عبارات حيث قال اولا آمنت وقال ثانيا لا اله الا الذى آمنت به بنوا اسرائيل وقال ثالثا وانا من المسلمين وكانت المرة الواحدة كافية حيث بقاء التكليف والاختيار وايمان اليأس موقوف من جهة الرد والقبول وان كان من مقام الاحتضار فمردود والا فلا والاحتضار لا يكون الا فى النفسين من الداخل والخارج كما فى اسئلة الحكم وهو مقبول عند الامام مالك حكما بالظاهر كالمؤمن عند سل السيف والمؤمن عند اقامة الحد عليه يقبل ايمانه وعلى هذا بنى كلامه حضرة الشيخ الاكبر المالكى فى الفصوص ذهب الى ايمان فرعون ثم فوض

الطوسي

تفسير : قرأ أبو جعفر من طريق النهرواني ونافع إلا ابا طاهر عن اسماعيل واحمد ابن صالح عن قالون والحلواني عن قالون من طريق الحمامي "الان" في الموضعين في هذه السورة بالقاء حركة الهمزة على اللام وحذف الهمزة منهما. قال ابو علي النحوي: اعلم ان لام المعرفة إذا دخلت على كلمة أولها الهمزة فخففت الهمزة فان في تخفيفها وجهين: احدهما - ان تحذف وتلقى حركتها على اللام وتقر همزة الوصل فيقال الحمر بالالف. والثاني - ان يقولوا: كالحمر بلا الف فيحذفون همزة الوصل، فالذين أثبتوا الهمزة فلأن التقدير باللام السكون وان كانت في اللفظ متحركة. واللغة الآخرى كما انشد الكسائي: شعر : فقد كنت تخفي حب سمراء حقبة فبح لان منها بالذي انت بائح تفسير : فاسكن الحاء لما كانت اللام متحركة، ولو لم يعتد بالحركة كما لم يعتد في الوجه الاول تحرك الحاء بالكسر كما يحركه في بح اليوم. ومعنى {الان} فصل بين الزمان الماضي والمستقبل مع انه إلى الحاضر ولهذا بني كما بني (اذا) وعرف {الان} بالالف واللام (وامس) بتضمين حرف التعريف لأن ما مضى بمنزلة المضمن في المعنى في أنه ليس له صورة. والحاضر في معنى المصرح في صحة الصورة. واختلفوا فيمن القائل هذا القول، فقال الجبائي: ان القائل له ملك قال ذلك بأمر الله. وقال (غيره) ان ذلك كلام من الله قاله له على وجه الاهانة والتوبيخ وكان ذلك معجزة لموسى عليه السلام ومعنى الآية حكاية ما قيل لفرعون حين قال {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل} بانك تقول هذا في هذه الساعة {وقد عصيت قبل} هذا {وكنت من المفسدين} في الارض بقتل المؤمنين وادعاء الآلهية، وغيرذلك من انواع الكفر!.

الجنابذي

تفسير : {آلآنَ} فقيل له: آلآن آمنت وقد اضطررت والقائل كان جبرئيل {وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ} حين الاختيار {وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} من الماء لا بروحك من العذاب يعنى نخرجك ببدنك من غير روحٍ على نجوة من الارض ليشاهدوك ويروا ذلك {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ} من القبطّى الباقى بعدك او السّبطىّ الّذى عظم شأنك فى نظره وشكّ فى انّك عظيم من عظماء الخلق {آيَةً} على كذبك وذلّك وكمال قدرتنا وحكمتنا اذا رأوا انّا اخذناك من حيث لم يكونوا يحتسبون لانّ القبطىّ وبعض السّبطىّ يظنّون انّ له عظماً وشرافةً وانّه لا يفعل به ما ينقص شأنه بل لا يموت {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} اى فانّا مظهرون للآيات وانّ كثيراً فهو عطف على محذوفٍ او عطف بلحاظ المعنى او استيناف شبيهٌ بالعطف.

الهواري

تفسير : يقول الله عزّ وجلّ: {الآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المُفْسِدِينَ}. أي إنه آمن في حين لا يقبل الله منه الإِيمان. وقد مضت سنة الله في الذين خلوا من قبل أن لا يقبل الله الإِيمان عند نزول العذاب. قال: { فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} أي: بجسدك. مَجَّه البحر، أي: قذفه البحر عرياناً على شاطىء البحر. قال: { لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً} أي: لمن بعدك آية فيعلمون أنك عبد ذليل قد أهلكك الله وغرقك. فرآه العالمون. قوله: { وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَاتِنَا لَغَافِلُونَ} يعني المشركين، أي لا يتفكرون فيها ولا ينظرون. قوله: { وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ} أي: أنزلنا بني إسرائيل منزل صدق، أي: مصر، في تفسير الحسن، بعدما أهلك الله فرعون وقومه. { وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} قال تعالى: {أية : كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ}تفسير : [الدخان:25،26] أي: ومنزل حسن في الدنيا (أية : وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ) تفسير : [الدخان:27] أي مسرورين. وقال بعضهم: مُعْجَبِين وهو واحد. قال: (أية : كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) تفسير : [الشعراء:59] أي هكذا أورثناها بني إسرائيل. قوله: {فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ العِلْمُ} مثل قوله: (أية : وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ) تفسير : [آل عمران:105]. وكقوله: (أية : فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) تفسير : [المؤمنون:53] وهم من أهل الكتاب. {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}. قوله: { فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} [يعني من آمن منهم]. ذكروا لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لا أشك ولا أسأل

اطفيش

تفسير : {آلآن} أى أتطيع الآن، أو تقرر الآن، أو تؤمن الآن وقد أيست من نفسك وقد عاينت {وقَدْ عَصيْتَ قبلُ} قبل ذلك مدة عمرك كلها {وكُنتَ منَ المفْسِدينَ} الضالين فى أنفسهم، المضلين لغيرهم، وقايل ذلك الملائكة، وقيل: جبريل، ويجوز أن يكون الله خلق له ذلك الكلام فسمعه، قيل: ويدل له: {فاليوم ننجيك} الخ، وأن يكون القول مجازا فى دلالة حاله، وتصوير خزيه، وفى عرائس القرآن: تفرد جبريل بفرعون، فأراه فتواه فقال: أما هذه فتياك التى أفتيت بها.

اطفيش

تفسير : {الآنَ} آمنت أَو الآن تؤمن، وهذا توبيخ والماضى اعتبارا لإِيمانه الصادر عند المشاهدة والمضارع لحكايته أَو لاستمراره عليه إِلا أَنه لا يقبل ويجوز تقدير ذلك مؤخرا للحصر كأَنه قيل ما آمنت أَو ما تؤمن إِلا الآن حين أيست وشاهدت ولم يبق لك اختيار، ولم يك ينفعهم إيمانهم لما رأَوا بأْسنا، وأَما قوله فلم يؤمنوا عند المشاهدة وإِن آمنوا فإِنهم لم ينطقوا، ويقدر القول هكذا قال جبريل عن الله الآن، أَو قال ميكائِيل أَو قال الله تعالى أَو قيل آلآن {وَقَدْ عَصَيْتَ} الله {قَبْلُ} فى عمرك من حين كلفت بادعاءِ الأُلوهية وسائِر المعاصى والواو للحال {وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} بأَنواع الضلال فى نفسك والإِضلال لغيرك، روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنه قال: حديث : قال لى جبريل لو رأَيتنى يا محمد وأَنا أَدس فى فم فرعون من الطين الأَسود المنتن من البحر مخافة أَن تناله الرحمة بنطقه بالتوحيدتفسير : ، فيشكل بأَنه قد نطق به فما نفع هذا الدس، ويجاب بأَنه لم يفصح بلا إله إِلا الله بل قال الذى آمنت به إِلخ، ويدل له رواية مخافة أَن يقول لا إله إِلا الله، وهذا اللفظ لم يقله وعلى فرض أَنه يكفى فى الإِفراد لكن لم يزد موسى رسول الله، ويستشكل بأَن فى الدس منعا عن التوحيد وإِبقاءً على الإِشراك ويجاب بأَن لله أَن يفعل ما يشاءُ، وجبريل لم يفعل إِلا بأَمر الله، وذلك كسائِر تسليط الله على الشقى ما يمنعه عن التوحيد من قتل أَو عيره، ولا بعد الشروع وبأَن ذلك حين لا ينفعه الإِيمان لمشاهدته، فذلك كقوله لأَهل النار فيها اخسئُوا فيها إِلخ، ويستشكل بأَن قول جبريل مخافة أَن تناله الرحمة يفيد أَنه لو أَتى بالتوحيد على وجه تام لكفاه، ويجاب بأَنه قال ذلك لأَنه لا يدرى لعله أَحدث بعد ذلك أَمرا، ولمزيد بغضه له، وبهذا يجاب عن أَن يقال إِن كان لا ينفعه فما فائِدة الدس وفى الدس تحقيق واستعجال لما قضى من شقوته، وإِنما قدرت قال جبريل أَو ميكائِيل عن الله آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين، لقوله تعالى: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبِدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيةً وإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} لأَن هذا آخر المقول وهو بالله أَنسب لا يثبت لغيره إِلا باعتبار أَنه عن الله عز وجل، قال ابن عباس إِن بعض بنى إِسرائِيل شكوا فى موت فرعون، ويقال أَيضا أَنهم قالوا ما مات، وذلك لعظمه فى قلوبهم فنجاه الله بعد موته من الغيبة فى الماءِ بإِظهاره على ساحل البحر بدنا بلا روح، أَو بلا لباس كما قال ببدنك أَحمر قصير، أَحمر كأَنه ثور فعرفوه، قيل ومن ذلك لا يقبل الماءُ ميتا أَبدا قلنا بل يقبله قبل وبعد، وإِذا انتفخ طفا على الماءِ لتجوفه، وعرفه الجاهل أَنه ليس إِلها لأَن الإِله لا يموت، وبعد رؤيته رجع فى البحر بالماءِ أَو أَكلته الدواب والطير، وقيل ببدنك بدرعك والبدن يطلق على الدرع العظيمة الكمين، كانت له درع من ذهب مرصعة بجواهر، وقيل من حديد بسلاسل ذهب يعرف بها يصدق لها بموته من ظن أَنه لم يغرق أَو أَنه لا يموت فى الماءِ، والباءُ صلة، وبدن بدل من الكاف، وقال السمين تلميذ أَبى حيان فى مصر إِنها سببية مجازا لأَن بدنه سبب فى تنحيته ليرى أَو للمصاحبة على أَن البدن الدرع أَم قيل هى للآلة على وزان قولك أَخذته بيدك ونظرته بعينك، وكذا هى للمصاحبة إِذا فسر بالجسم أَى بجسمك فقط لا مع روحك تخيبا عن طعمه فى أَن ينجو حيا، ومن خلفك بنو إِسرائيل المكذبون موسى فى قوله إِن فرعون مات ومن بعدهم إِلى آخر الدهر يشاهده من يشاهده على الساحل ما دام عليه ويسمع به غيره ويعرفون أَن دعواه الأُلوهية باطلة ولا تصح لغير الله عز وجل فينزجروا عن دعوى الأُلوهية والإِفساد ولو بلغوا ما بلغوا كفرعون أو فوقه غار النيل فقال قومه: أَجره لنا. فقال ثلاثاً لست براض عنكم، فأَتوه مرة أُخرى فقالوا هلكت البهائِم والصبيانِ والأَبكار وإِن تجره عبدنا إِلهاً غيرك، فأَمرهم بالخروج إِلى الصعيد واعتزل عنهم فيه وأَلصق خده وقال: اللهم خرجت إِليك خروج العبد الذليل إِلى سيده، وعلمت أَنه لا يجريه غيرك فأَجره وأَخر عذابى للآخرة، فأَجراه الله عز وجل فسجدوا لفرعون إِذ قال أَجريته لكم، فقال له: جبريل لى عبد ملكته عبيدى وأَعطيته مفاتيح خزائِنى وعادانى ومن أَحببت وأَحب من عاديت، فقال: لو كان لى لأَغرقته فى القلزم مقروناً بخابية ملح مختوم عليها، فقال: جبريل اكتب لى فكتب: يقول أَبو العباس الوليد بن مصعب جزاءُ الخارج عن سيده الكافر نعمائِه أَن يربط بخابية مملوءَة ملحاً مختوم عليها ويغرق بالقلزم، ولما أَغرق أُحضر له جبريل ما كتب على نفسه، وكونه بالساحل آية وبرهان على أَن الأُلوهية لا تصح لغير الله، وزجر عن قوله وفعله وإِظهار لموته، وقد قيل: ننجيك نحملك بنجوة من الأَرض وهو المكان المرتفع يرى فيه ولا يخفى عن المار، وذكر بعد نعمة الإِنجاء وإِغراق العدو نعمة أُخرى ضمها إِليها، فقال: {ولقدْ بَوَّأْنَا} أَنزلنا {بَنِى إِسْرَائِيلَ مُبوَّأَ} منزل {صِدْقٍ} وهو المنزل المحمود، والعرب إِذا مدحت شيئاً أَضافته إِلى الصدق، وتقول رجل صدق وقدم صدق فقد يرى الأَمر. بظاهره الخير وهو ما بخلاف ذلك، ويعتبر ماله هل هو بحسب ما يظن فيه فيقال شاة صادقة إِذا تحقق سمنها كما ظهر منها، قال الله عز وجل"أية : رب أَدخلنى مدخل صدق وأَخرجنى مخرج صدق"تفسير : [الإِسراء: 80] ومبوأُ اسم مكان ميمى وهو الشام ومصر لبنى إِسرائيل الذين فى زمان موسى على المختار عندهم، وفيه أَن بنى إِسرائِيل لم يدخلوا الشام فى حياة موسى عليه السلام على ما شهر، فيحتاج فى ذلك إِلى تكلف أَبنائِهم بأَن المن على الأَنبياءِ من على الأَبناءِ كما نسب كثيراً فى القرآن إِلى الأَبناءِ ما للآباءِ، وقد قيل أَيضاً أَن بنى إِسرائِيل لم يسكنوا مصر بعد هلاك فرعون، بل رجعوا إِلى الشام وأَخذوا معهم يوسف من قبره، وقيل مبوأَ صدق مصر على أَنهم سكنوا بعد فرعون وأَخذوا جميع ما لهم من الدور والأَجنحة والأَنعام والأَرضين والحيوان. قال بعض: وذهب وفضة، وقيل: الشام والقدس والأَردن لأَنها بلاد الخصب والخير والبركة، وقيل: بنو إِسرائيل من كان منهم فى أَعمال المدينة قريظة والنضير وبنى قينقاع أَنزلهم ما بين المدينة والشام ورزقهم من الطيبات النخل والرطب والتمر الذى لا يوجد مثله فى البلاد {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} اللذائِذ مما فى مصر والشام أَو ما بين الشام {فَمَا اخْتَلَفُوا} بالإِيمان والكفر وسائِر أَمر دينهم {حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} فى التوراةِ، وعرفوا الحق والباطل طلبوا الرياسة وبغى بعض على بعض وتقاتلوا تعسفا بالتأويل وتعصباً للمذاهب، حتى كانوا اثنتين وسبعين فرقة بعد التوراة وهم من بقى من بنى إِسرائيل بعد فرعون ونسلهم، وقيل كانوا قبل موسى على الكفر وهو قول ظاهر البطلان، وقيل بنو إِسرائيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا على التصديق به صلى الله عليه وسلم لما يجدونه فى التوراة والإِنجيل وغيرهما، ولما جاءَهم العلم وهو القرآن والمعجزات كفر الأَكَثرون وأَمن الأَقل وكانوا قبله يهددون به العرب إِذا ضروهم، قالوا: قرب مبعث نبى نقاتلكم معه، ويجوز أَن يكون العلم على هذا هو التوراة ونحوها لأَنه مذكور فيها بأَوصافه وسميت أَلفاظ التوراة والقرآن علماً لأَنها سببه ومتضمنة له، وقال الفراءُ: العلم بمقتضى المعلوم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من أَمر الدين بإِهلاك الضال وإِنجاءِ المهتدى.

الالوسي

تفسير : {آلآنَ} الاستفهام للإنكار والتوبيخ، والظرف متعلق بمحذوف يقدر مؤخراً أي الآن تؤمن حين يئست من الحياة وأيقنت بالممات، وقدر مؤخراً ليتوجه الإنكار والتوبيخ إلى تأخير الإيمان إلى حد يمتنع قبوله فيه، والكلام على تقدير القول أي فقيل له ذلك وهو معطوف على {أية : قَالَ}،تفسير : [يونس: 90] وهذا إلى {أية : آيَةً}تفسير : [يونس: 92] حكاية لما جرى منه سبحانه من الغضب على المحذوف ومقابلة ما أظهره بالرد الشنيع وتقريعه بالعصيان والإفساد إلى غير ذلك، وفي حذف الفعل المذكور وإبراز الخبر المحكي في صورة الإنشاء من الدلالة على عظم السخط وشدة الغضب ما لا يخفى. والقائل له ذلك قيل: هو الله تعالى، وقيل: هو جبريل عليه السلام، وقيل: إنه ميكائيل عليه السلام. فقد أخرج أبو الشيخ عن أبـي أمامة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : قال لي جبريل عليه السلام: «ما أبغضت شيئاً من خلق الله تعالى ما أبغضت إبليس يوم أمر بالسجود فأبـى أن يسجد وما أبغضت شيئاً أشد بغضاً من فرعون فلما كان يوم الغرق خفت أن يعتصم بكلمة الإخلاص فينجو فأخذت قبضة من حمأة فضربت بها في فيه فوجدت الله تعالى عليه أشد غضباً مني فأمر ميكائيل فأتاه فقال {آلآنَ}الخ»تفسير : وما تضمنه هذا الخبر من فعل جبريل عليه السلام جاء في غير ما خبر. ومن ذلك ما أخرجه الطيالسي وابن حبان وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الشعب والترمذي والحاكم وصححاه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي جبريل: لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في في فرعون مخافة أن تدركه الرحمة»تفسير : . واستشكل هذا التعليل. وفي «الكشاف» ((أن ذلك من زيادات الباهتين لله تعالى وملائكته عليهم السلام: وفيه جهالتان: إحداهما: أن الإيمان يصح بالقلب كإيمان الأخرس فحال البحر لا يمنعه. والأخرى: أن من كره إيمان الكافر وأحب بقاءه على الكفر فهو كافر لأن الرضا بالكفر كفر))، وارتضاه ابن المنير قائلاً: ((لقد أنكر منكراً وغضب لله تعالى وملائكته عليهم السلام كما يجب لهم))، والجمهور على خلافه لصحة الحديث عند الأئمة الثقات كالترمذي المقدم على المحدثين بعد مسلم وغيره. وقد خاضوا في بيان المراد منه بحيث لا يبقى فيه إشكال. ففي «إرشاد العقل السليم» أن المراد بالرحمة الرحمة الدنيوية أي النجاة التي هي طلبة المخذول وليس من ضرورة إدراكها صحة الإيمان كما في إيمان قوم يونس عليه السلام حتى يلزم من كراهته ما لا يتصور في شأن جبريل عليه السلام من الرضا بالكفر إذ لا استحالة في ترتب هذه الرحمة على مجرد التفوه بكلمة الإيمان وإن كان ذلك في حالة البأس واليأس فيحمل دسه عليه السلام على سد باب الاحتمال البعيد لكمال الغيظ وشدة الحرد انتهى. / ولا يخفى أن حمل الرحمة على الرحمة الدنيوية بعيد ويكاد يأبـى عنه ما أخرجه ابن جرير. والبيهقي عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : قال لي جبريل عليه السلام: لو رأيتني يا محمد وأنا أغط فرعون بإحدى يدي وأدس من الحال في فيه مخافة أن تدركه رحمة الله تعالى فيغفر له»تفسير : فإنه رتب فيه المغفرة على إدراك الرحمة وهو ظاهر في أنه ليس المراد بها الرحمة الدنيوية لأن المغفرة لا تترتب عليها وإنما يترتب عليها النجاة. وقال بعض المحققين: إنما فعل جبريل عليه السلام ما فعل غضباً عليه لما صدر منه وخوفاً أنه إذا كرر ذلك ربما قبل منه على سبيل خرق العادة لسعة بحر الرحمة الذي يستغرق كل شيء، وأما الرضا بالكفر فالحق أنه ليس بكفر مطلقاً بل إذا استحسن وإنما الكفر رضاه بكفر نفسه كما في «التأويلات» لعلم الهدى انتهى، وقد تقدم آنفاً ما يتعلق بهذه المسألة فتذكره فما في العهد من قدم، نعم قيل: إن الرضا بكفر نفسه إنما يكون وهو كافر فلا معنى لعده كفراً والكفر حاصل قبله، وهو على ما له وما عليه بحث آخر لا يضر فيما نحن فيه. والطيبـي بعد أن أجاب بما أجاب أردف ذلك بقوله: على أنه ليس للعقل مجال في مثل هذا النقل الصحيح إلا التسليم ونسبة القصور إلى النفس، وقد يقال: إن الخبر متى خالف صريح العقل أو تضمن نسبة ما لا يتصور شرعاً في حق شخص إليه ولم يمكن تأويله على وجه يوافق حكم العقل ويندفع به نسبة النقص لا يكون صحيحاً، واتهام الراوي بما يوهن أمر روايته أهون من اتهام العقل الصريح ونسبة النقص إليه دون نسبة النقص إلى من شهد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بعصمته وكماله فتأمل والله تعالى الموفق. وقوله سبحانه: {وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ} في موضع الحال من فاعل الفعل. العامل في الظرف جىء به لتشديد التوبيخ والتقريع على تأخير الإيمان إلى هذا الآن ببيان أنه لم يكن تأخيره لما عسى يعد عذراً بل كان ذلك على طريقة الرد والاستعصاء والإفساد فإن قوله تعالى: {وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} عطف على {عَصَيْتُ} داخل في حيز الحال والتحقيق أي وقد كنت من المفسدين الغالين في الضلال والإضلال عن الإيمان فهذا عبارة عن فساده الراجع إلى نفسه والساري إلى غيره من الظلم والتعدي وصد بني إسرائيل عن السبيل والأول عن عصيانه الخاص به.

ابن عاشور

تفسير : مقول لقول حذف لدلالة المقام عليه، تقديره: قال الله. وهو جواب لقوله: {أية : آمنت}تفسير : [يونس: 90] لأنه قصد بقوله ذلك طلبَ الإنجاء من الغرق اعترافاً لله بالربوبية، فكأنه وجه إليه كلاماً. فأجابه الله بكلام. وقال الله هذا الكلام له على لسان الملَك الموكل بتعذيبه تأييساً له من النجاة في الدنيا وفي الآخرة، تلك النجاة التي هي مأمولة حين قال: {أية : آمنت}تفسير : [يونس: 90] إلى آخره، فإنه ما آمن إلا وقد تحقق بجميع ما قاله موسى، وعلم أن ما حل به كان بسبب غضب الله، ورجا من اعترافه له بالوحدانية أن يعفو عنه وينجيه من الغرق. ويدل على ذلك قول الله عقب كلامه {فاليوم ننجيك ببدنك} كما سيأتي. والاستفهام في {ألآن} إنكاري. والآن: ظرف لفعل محذوف دل عليه قوله: {أية : آمنتُ}تفسير : [يونس: 90] تقديره: الآن تؤمن، أي هذا الوقت. ويقدر الفعل مؤخراً، لأن الظرف دل عليه، ولأن محط الإنكار هو الظرف. والإنكار مؤذن بأن الوقت الذي عُلق به الإنكار ليس وقتاً ينفع فيه الإيمان لأن الاستفهام الإنكاري في قوة النفي، فيكون المعنى: لا إيمان الآن. والمنفي هو إيمانٌ ينجي مَن حصل منه في الدنيا والآخرة. وإنما لم ينفعه إيمانه لأنه جاء به في وقت حصول الموت. وهو وقت لا يقبل فيه إيمان الكافر ولا توبة العاصي، كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبتُ الآن ولا الذين يموتون وهم كفّار}تفسير : [النساء: 18]. و(الآن) اسم ظرف للزمان الحاضر... وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : الآن خفَّف الله عنكم}تفسير : في سورة [الأنفال: 66]. وجملة: وقد عصيتَ قبلُ وكنتَ من المفسدين} في موضع الحال من معمول (تؤمن) المحذوف، وهي موكدة لما في الاستفهام من معنى الإنكار، فإن إيمانه في ذلك الحين منكر، ويزيده إنكاراً أن صاحبه كان عاصياً لله ومفسداً للدين الذي أرسله الله إليه، ومفسداً في الأرض بالجور والظلم والتمويه بالسحر. وصيغة: {كنتَ من المفسدين} أبلغ في الوصف بالإفساد من: وكنتَ مُفسداً، كما تقدم آنفاً، وبمقدار ما قدّمه من الآثام والفساد يشدّد عليه العذاب. والفاء التي في قوله: {فاليوم} فاء الفصيحة، تفصح عن شرط مقدر في الكلام يدل عليه السياق. والمعنى: فإن رمتَ بإيمانك بعد فوات وقته أن أُنجيك من الغرق فاليوم ننجيك ببدنك، والكلام جار مجرى التهكم، فإطلاق الإنجاء على إخراجه من البحر استعارة تهكمية. وليس مسوغها التهكم المحض كما هو الغالب في نوعها، بل فيها علاقة المشابهة، لأن إخراجه إلى البر كاملاً بشكّته يشبه الإنجاء، ولكنه ضد الإنجاء، فكان بالمشابهة، استعارة، وبالضدية تهكماً، والمجرور في قوله: {ببدنك} حال. والأظهر أن الباء من قوله: {ببدنك} مزيدة للتأكيد، أي تأكيد آية إنجاء الجسد، فيكون قوله: (بدنك) في معنى البدل المطابق من الكاف في {ننجيك} كزيادة الباء في قول الحريري: «فإذا هو أبو زيد بعينه ومَينه». والبدَن: الجسم بدون روح وهذا احتراس من أن يظن المراد الإنجاء من الغرق. والمعنى: ننجيك وأنت جسم. كما يقال: دخلت عليه فإذا هو جثة، لأنه لو لم يكن المقصود الاقتصار على تلك الحالة لما كان داع للبليغ أن يزيد ذلك القيد، فإن كل زيادة في كلام البليغ يقصد منها معنى زائد، وإلا لكانت حشوا في الكلام والكلام البليغ موزون، ولغة العرب مبنية على أساس الإيجاز. و{لمن خلفك} أي من وراءك. والوراء: هنا مستعمل في معنى المتأخر والباقي، أي من ليسوا معك. والمراد بهم من يخلفه من الفراعنة ومن معهم من الكهنة والوزراء، أي لتكون ذاته آية على أن الله غالب من أشركوا به، وأن الله أعظم وأقهر من فرعون وآلهته في اعتقاد القبط، إذ يرون فرعون الإله عندهم طريحاً على شاطيء البحر غريقاً. فتلك ميتة لا يستطيعون معها الدجل بأنه رفع إلى السماء، أو أنه لم يزل يتابع بني إسرائيل، أو نحو ذلك من التكاذيب لأنهم كانوا يزعمون أن فرعون لا يُغلب، وأن الفراعنة حين يموتون إنما ينقلون إلى دار الخلود. ولذلك كانوا يموّهون على الناس فيبنون له البيوت في الأهرام ويودعون بها لباسه وطعامه ورياشه وأنفَس الأشياء عنده، فموته بالغرق وهو يُتبع أعداءه ميتَة لا تُوَوّلُ بشيء من ذلك، فلذلك جعل كونه آية لمن خلفه علة لإخراجه من غمرة الماء ميتاً كاملاً، فهم مضطرون إلى الاعتراف بأنه غرق إذا نظروا في تلك الآية. ولم يعدم فرعون فائدة من إيمانه، فإن الله بحكمته قدر له الخروج من غمرات الماء، فلم يبق في الماء أكلة للحيتان ولكن لفظته الأمواج، وتلك حالة أقل خزياً من حالات سائر جيشه بها ظهر نفع ما له بما حصل لنفسه من الإيمان في آخر أحواله. وكلمة {فاليوم} مستعملة في معنى (الآن) لأن اسم اليوم أطلق على جزء من زمن الحال مجازاً بعلاقة الكلية والجزئية. وجملة: {وإنْ كثيراً من النّاس عن آياتنا لغافلون} تذييل لموعظة المشركين، والواو اعتراضية، أو واو الحال. والمراد منه: دفع توهم النقص عن آيات الله عندما يحرم كثير من الناس الاهتداء بها، فهي في ذاتها دلائل هدى سواء انتفع بها بعض الناس أم لم ينتفعوا فالتقصير منهم. واعلم أن هذه الآية أصرح آية في القرآن دلالةً على أن فرعون الذي أرسل إليه موسى والذي أتبع بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر قد أصابه الغرق. وقد أشارت إليه آية سورة الأعراف وآية سورة البقرة. وفرعون هذا هو منفطاح الثاني، ويقال له (مَيْرنْبَتَا) ـ بياء فارسية ـ أو (منفتاح)، أو (منيفتا) وهو ابن رعمسيس الثاني المعروف عند اليونان باسم (سَيْزُوسْتريس)، من ملوك العائلة التاسعة عشرة من الأسر الفرعونية، وكانوا في حدود سنة1491 قبل المسيح. قال ابن جُريج: كان فرعون هذا قصيراً أحمر فلا نشك في أن منفطاح الثاني مات غريقاً في البحر، وأنه خرجت جثته بعد الغرق فدُفن في وادي الملوك في صعيد مصر. فذكر المنقبون عن الآثار أنه وجد قبرُه هناك، وذلك يومىء إلى قوله تعالى: {فاليومَ نُنَجّيك ببدنك لتكونَ لمن خلفك آية}. ووجود قبر له إن صح بوجه محقق، لا ينافي أن يكون مات غريقاً، وإن كان مؤرخو القبط لم يتعرضوا لصفة موته، وما ذلك إلا لأن الكهنة أجمعوا على إخفائها كيلا يتطرق الشك إلى الأمة فيما يمجد به الكهنة كل فرعون من صفات بنوة الآلهة. وخلفتْه في ملك مصر ابنته المسماة (طوسير) لأنه تركها وابناً صغيراً. وقد جاء ذكر غرق فرعون في التوراة في الإصحاح الرابع عشر من سفر الخروج بعبارات مختلفة الصراحة والإغلاق. ومن دقائق القرآن قوله تعالى: {فاليوم نُنجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية} وهي عبارة لم يأت مثلها فيما كتب من أخبار فرعون، وإنها لمن الإعجاز العلمي في القرآن إذ كانت الآية منطبقة على الواقع التاريخي. والظاهر أن الأمواج ألْقَت جثّته على الساحل الغربي من البحر الأحمر فعثر عليه الذين خرجوا يتقصون آثاره ممن بقُوا بعده بمدينة مصر لما استبطأوا رجوعه ورجوع جيشه، فرفعوه إلى المدينة وكان عبرة لهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {آلآنَ} (91) - وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ قَائِلاً: أَتُؤْمِنُ الآنَ حِينَمَا أَدْرَكَكَ الغَرَقُ، وَقَدْ جَاءَتْكَ البَيِّنَاتُ مِنْ قَبْلُ، وَرَأَيْتَ مِنْ مُعْجِزَاتِ اللهِ، فَعَصَيْتَ وَكُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ المُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ؟ فَدَعْواكَ الإِسْلامَ الآنَ لاَ تُقْبَلُ مِنْكَ، وَلاَ تَنْفَعُكَ. الآنَ - الآنَ تُؤْمِنُ حِينَ أَيْقَنْتَ بِالهَلاَكِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذا يعني: أتقول إنك آمنت الآن وإنك من المسلمين. إن قولك هذا مردود؛ لأنه جاء في غير وقته، فهناك فرق بين إيمان الإجْبار وإيمان الاختيار، أتقول الآن آمنت وأنت قد عصيت من قبل، وكنت تفسد في الأرض. وكان من الممكن أن يقبل الله سبحانه منه إيمانه وهو في نجوة بعيدة عن الشر الذي حاق به. فالحق سبحانه لا يقبل إيمان أحد بلغت روحه الحلقوم، فهذا إيمان إجبار، لا إيمان اختيار. ولو كان المطلوب إيمان الإجبار لأجبر الحق سبحانه الخلق كلهم على أن يؤمنوا، ولما استطاع أحد أن يكفر بالله تعالى، وأمامنا الكون كله خاضع لإمرة الله - سبحانه وتعالى - ولا يتأبى فيه أحد على الله تعالى. وقدرة الحق - عز وجل - المطلقة قادرة على إجبار البشر على الإيمان، لكنها تثبت طلاقة القدرة، ولا تثبت المحبوبية للمعبود. وهذه المحبوبية للمعبود لا تثبت إلا إذا كان لك خيار في أن تؤمن أو لا تؤمن. والله سبحانه يريد إيمان الاختيار. إذن: فالمردود من فرعون ليس القول، ولكن زمن القول. ويقال: إنها رُدَّتْ ولم تُقبل - رغم أنه قالها ثلاث مرات - لأن قوم موسى في ذلك الوقت كانوا قد دخلوا في مرحلة التجسيم لذات الله وادعوا - معاذ الله - أن الله - تعالى الله عما يقولون - جلس على صخرة وأنزل رِجْليه في حوض ماء، وكان يلعب مع الحوت.. إلى آخر الخرافات التي ابتدعها بنو إسرائيل. وحين أعلن فرعون أنه آمن بالإله الذي آمنت به بنو إسرائيل، فهذا يعني أنه لم يؤمن بالإله الحق سبحانه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : قال الله تعالى - مبينا أن هذا الإيمان في هذه الحالة غير نافع له-: { آلآنَ } تؤمن، وتقر برسول الله { وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ } أي: بارزت بالمعاصي، والكفر والتكذيب { وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } فلا ينفعك الإيمان كما جرت عادة الله، أن الكفار إذا وصلوا إلى هذه الحالة الاضطرارية أنه لا ينفعهم إيمانهم، لأن إيمانهم، صار إيمانًا مشاهدًا كإيمان من ورد القيامة، والذي ينفع، إنما هو الإيمان بالغيب.