Verse. 1454 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

وَجٰوَزْنَا بِبَنِيْۗ اِسْرَاۗءِيْلَ الْبَحْرَ فَاَتْبَعَھُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُوْدُہٗ بَغْيًا وَّعَدْوًا۝۰ۭ حَتّٰۗي اِذَاۗ اَدْرَكَہُ الْغَرَقُ۝۰ۙ قَالَ اٰمَنْتُ اَنَّہٗ لَاۗ اِلٰہَ اِلَّا الَّذِيْۗ اٰمَنَتْ بِہٖ بَنُوْۗا اِسْرَاۗءِيْلَ وَاَنَا مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ۝۹۰
Wajawazna bibanee israeela albahra faatbaAAahum firAAawnu wajunooduhu baghyan waAAadwan hatta itha adrakahu algharaqu qala amantu annahu la ilaha illa allathee amanat bihi banoo israeela waana mina almuslimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتْبَعَهُمْ» لحقهم «فرعون وجنود بغيا وعدوا» مفعول له «حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه» أي بأنه وفي قراءة بالكسر استئنافا «لا إله الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين» كرره ليقبل منه فلم يقبل، ودس جبريل في فيه من حمأة البحر مخافة أن تناله الرحمة، وقال له.

90

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن تفسير اللفظ في قوله: { أية : وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْبَحْرَ } تفسير : [الأعراف:138] مذكور في سورة الأعراف، والمعنى: أنه تعالى لما أجاب دعاءهما أمر بني إسرائيل بالخروج من مصر في الوقت المعلوم ويسر لهم أسبابه، وفرعون كان غافلاً عن ذلك، فلما سمع أنهم خرجوا وعزموا على مفارقة مملكته خرج على عقبهم وقوله: {فَأَتْبَعَهُمْ } أي لحقهم يقال: أتبعه حتى لحقه، وقوله: {بَغْيًا وَعَدْوًا } البغي طلب الاستعلاء بغير حق، والعدو الظلم، روي أن موسى عليه السلام لما خرج مع قومه وصلوا إلى طرف البحر وقرب فرعون مع عسكره منهم، فوقعوا في خوف شديد، لأنهم صاروا بين بحر مغرق وجند مهلك، فأنعم الله عليهم بأن أظهر لهم طريقاً في البحر على ما ذكر الله تعالى هذه القصة بتمامها في سائر السور، ثم إن موسى عليه السلام مع أصحابه دخلوا وخرجوا وأبقى الله تعالى ذلك الطريق يبساً، ليطمع فرعون وجوده في التمكن من العبور، فلما دخل مع جمعه أغرقه الله تعالى بأن أوصل أجزاء الماء ببعضها وأزال الفلق، فهو معنى قوله: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ } وبين ما كان في قلوبهم من البغي وهي محبة الإفراط في قتلهم وظلمهم، والعدو وهوتجاوز الحد، ثم ذكر تعالى أنه لما أدركه الغرق أظهر كلمة الإخلاص ظناً منه أنه ينجيه من تلك الآفة، وههنا سؤالان: السؤال الأول: أن الإنسان إذا وقع في الغرق لا يمكنه أن يتلفظ بهذا اللفظ فكيف حكى الله تعالى عنه أنه ذكر ذلك؟ والجواب: من وجهين: الأول: أن مذهبنا أن الكلام الحقيقي هو كلام النفس لا كلام اللسان، فهو إنما ذكر هذا الكلام بالنفس، لا بكلام اللسان، ويمكن أن يستدل بهذه الآية على إثبات كلام النفس لأنه تعالى حكى عنه أنه قال هذا الكلام، وثبت بالدليل أنه ما قاله باللسان، فوجب الاعتراف بثبوت كلام غير كلام اللسان وهو المطلوب. الثاني: أن يكون المراد من الغرق مقدماته. السؤال الثاني: أنه آمن ثلاث مرات أولها قوله: {ءامَنتُ } وثانيها قوله: {لا إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِى ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْرٰءيلَ } وثالثها قوله: {وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } فما السبب في عدم القبول والله تعالى متعال عن أن يلحقه غيظ وحقد حتى يقال: إنه لأجل ذلك الحقد لم يقبل منه هذا الإقرار؟ والجواب: العلماء ذكروا فيه وجوهاً: الوجه الأول: أنه إنما آمن عند نزول العذاب، والإيمان في هذا الوقت غير مقبول، لأن عند نزول العذاب يصير الحال وقت الإلجاء، وفي هذا الحال لا تكون التوبة مقبولة، ولهذا السبب قال تعالى: { أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } تفسير : [غافر: 85]. الوجه الثاني: هو أنه إنما ذكر هذه الكلمة ليتوسل بها إلى دفع تلك البلية الحاضرة والمحنة الناجزة، فما كان مقصوده من هذه الكلمة الإقرار بوحدانية الله تعالى، والاعتراف بعزة الربوبية وذلة العبودية، وعلى هذا التقدير فما كان ذكر هذه الكلمة مقروناً بالإخلاص، فلهذا السبب ما كان مقبولاً. الوجه الثالث: هو أن ذلك الإقرار كان مبنياً على محض التقليد، ألا ترى أنه قال: {لا إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِى ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْرٰءيلَ } فكأنه اعترف بأنه لا يعرف الله، إلا أنه سمع من بني إسرائيل أن للعالم إلهاً، فهو أقر بذلك الإله الذي سمع من بني إسرائيل أنهم أقروا بوجوده، فكان هذا محض التقليد، فلهذا السبب لم تصر الكلمة مقبولة منه، ومزيد التحقيق فيه أن فرعون على ما بيناه في سورة طه كان من الدهرية، وكان من المنكرين لوجود الصانع تعالى، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته، إلا بنور الحجج القطعية، والدلائل اليقينية، وأما بالتقليد المحض فهو لا يفيد، لأنه يكون ضماً لظلمة التقليد إلى ظلمة الجهل السابق. الوجه الرابع: رأيت في بعض الكتب أن بعض أقوام من بني إسرائيل لما جاوزوا البحر اشتغلوا بعبادة العجل، فلما قال فرعون { آمنتُ أَنَّهُ لا إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِى آمنتْ بِهِ بَنواْ إِسْرٰءيلَ } انصرف ذلك إلى العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت، فكانت هذه الكلمة في حقه سبباً لزيادة الكفر. الوجه الخامس: أن اليهود كانت قلوبهم مائلة إلى التشبيه والتجسيم ولهذا السبب اشتغلوا بعبادة العجل لظنهم أنه تعالى حل في جسد ذلك العجل ونزل فيه، فلما كان الأمر كذلك وقال فرعون {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل} فكإنه آمن بالإله الموصوف بالجسمية والحلول والنزول، وكل من اعتقد ذلك كان كافراً فلهذا السبب ما صح إيمان فرعون. الوجه السادس: لعل الإيمان إنما كان يتم بالإقرار بوحدانية الله تعالى، والإقرار بنبوة موسى عليه السلام. فههنا لما أقر فرعون بالوحدانية ولم يقر بالنبوة لا جرم لم يصح إيمانه. ونظيره أن الواحد من الكفار لو قال ألف مرة أشهد أن لا إله إلا الله فإنه لا يصح إيمان إلا إذا قال معه وأشهد أن محمداً رسول الله، فكذا ههنا. الوجه السابع: روى صاحب «الكشاف» أن جبريل عليه السلام أتى فرعون بفتيا فيها ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته، فكفر نعمته وجحد حقه، وادعى السيادة دونه، فكتب فرعون فيها يقول أبو العباس الوليد بن مصعب جزاء العبد الخارج على سيده الكافر بنعمته أن يغرق في البحر، ثم إن فرعون لما غرق رفع جبريل عليه السلام فتياه إليه. أما قوله تعالى: {ءالئَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ } ففيه سؤالات: السؤال الأول: من القائل له {ءالئَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ }. الجواب: الأخبار دالة على أن قائل هذا القول هو جبريل، وإنما ذكر قوله: {وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ } في مقابلة قوله: {وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } ومن الناس من قال: إن قائل هذا القول هو الله تعالى، لأنه ذكر بعده {فَٱلْيَوْمَ نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ } إلى قوله: {إن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون} وهذا الكلام ليس إلا كلام الله تعالى. السؤال الثاني: ظاهر اللفظ يدل على أنه إنما لم تقبل توبته للمعصية المتقدمة والفساد السابق، وصحة هذا التعليل لا تمنع من قبول التوبة. والجواب: مذهب أصحابنا أن قبول التوبة غير واجب عقلاً، وأحد دلائلهم على صحة ذلك هذه الآية. وأيضاً فالتعليل ما وقع بمجرد المعصية السابقة، بل بتلك المعصية مع كونه من المفسدين. السؤال الثالث: هل يصح أن جبريل عليه السلام أخذ يملأ فمه من الطين لئلا يتوب غضباً عليه. والجواب: الأقرب أنه لا يصح، لأن في تلك الحالة إما أن يقال التكليف كان ثابتاً أو ما كان ثابتاً، فإن كان ثابتاً لم يجز على جبريل عليه السلام أن يمنعه من التوبة، بل يجب عليه أن يعينه على التوبة وعلى كل طاعة، لقوله تعالى: { أية : وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ } تفسير : [المائدة: 2] وأيضاً فلو منعه بما ذكروه لكانت التوبة ممكنة، لأن الأخرس قد يتوب بأن يندم بقلبه ويعزم على ترك معاودة القبيح، وحينئذ لا يبقى لما فعله جبريل عليه السلام فائدة، وأيضاً لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر، والرضا بالكفر كفر، وأيضاً فكيف يليق بالله تعالى أن يقول لموسى وهارون عليهما السلام: { أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } تفسير : [طه: 44] ثم يأمر جبريل عليه السلام بأن يمنعه من الإيمان، ولو قيل: إن جبريل عليه السلام إنما فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر الله تعالى، فهذا يبطله قول جبريل { أية : وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } تفسير : [مريم: 64] وقوله تعالى في صفتهم: { أية : وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } تفسير : [الأنبياء: 28] وقوله: { أية : لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 27] وأما إن قيل: إن التكليف كان زائلاً عن فرعون في ذلك الوقت، فحينئذ لا يبقى لهذا الفعل الذي نسب جبريل إليه فائدة أصلاً. ثم قال تعالى: {فَٱلْيَوْمَ نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ } وفيه وجوه: الأول: {نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ } أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع. الثاني: نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر، ولكن بعد أن تغرق. وقوله: {بِبَدَنِكَ } في موضع الحال، أي في الحال التي أنت فيه حينئذ لا روح فيك. الثالث: أن هذا وعد له بالنجاة على سبيل التهكم، كما في قوله: { أية : فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [آل عمران: 21] كأنه قيل له ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك، ومثل هذا الكلام قد يذكر على سبيل الاستهزاء كما يقال: نعتقك ولكن بعد الموت، ونخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت. الرابع: قرأ بعضهم {نُنَجّيكَ } بالحاء المهملة، أي نلقيك بناحية مما يلي البحر، وذلك أنه طرح بعد الغرق بجانب من جوانب البحر. قال كعب: رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور. وأما قوله: {بِبَدَنِكَ } ففيه وجوه: الأول: ما ذكرنا أنه في موضع الحال، أي في الحال التي كنت بدناً محضاً من غير روح. الثاني: المراد ننجيك ببدنك كاملاً سوياً لم تتغير. الثالث: {نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ } أي نخرجك من البحر عرياناً من غير لباس. الرابع: {نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ } أي بدرعك، قال الليث: البدن هو الدرع الذي يكون قصير الكمين، فقوله: {بِبَدَنِكَ } أي بدرعك، وهذا منقول عن ابن عباس قال: كان عليه درع من ذهب يعرف بها، فأخرجه الله من الماء مع ذلك الدرع ليعرف. أقول: إن صح هذا فقد كان ذلك معجزة لموسى عليه السلام. وأما قوله: {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً } ففيه وجوه: الأول: أن قوماً ممن اعتقدوا فيه الإلهية لما لم يشاهدوا غرقه كذبوا بذلك وزعموا أن مثله لا يموت، فأظهر الله تعالى أمره بأن أخرجه من الماء بصورته حتى شاهدوه وزالت الشبهة عن قلوبهم. وقيل كان مطرحه على ممر بني إسرائيل. الثاني: لا يبعد أنه تعالى أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والمهانة بعد ما سمعوا منه قوله { أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [النازعات: 24] ليكون ذلك زجراً للخلق عن مثل طريقته، ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة والعظمة ثم آل أمره إلى ما يرون. الثالث: قرأ بعضهم {لِمَنْ خَلَقَكَ } بالقاف أي لتكون لخالقك آية كسائر آياته. الرابع: أنه تعالى لما أغرقه مع جميع قومه ثم إنه تعالى ما أخرج أحداً منهم من قعر البحر، بل خصه بالإخراج كان تخصيصه بهذه الحالة العجيبة دالاً على كمال قدرة الله تعالى وعلى صدق موسى عليه السلام في دعوى النبوة. وأما قوله: {وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون} فالأظهر أنه تعالى لما ذكر قصة موسى وفرعون وذكر حال عاقبة فرعون وختم ذلك بهذا الكلام وخاطب به محمداً عليه الصلاة والسلام فيكون ذلك زاجراً لأمته عن الإعراض عن الدلائل، وباعثاً لهم على التأمل فيها والاعتبار بها، فإن المقصود من ذكر هذه القصص حصول الاعتبار، كما قال تعالى: { أية : لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاّوْلِى ٱلالْبَـٰبِ }تفسير : [يوسف: 111].

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ} تقدّم القول فيه في «البقرة» في قوله: {أية : وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ} تفسير : [البقرة: 50]. وقرأ الحسن «وجوّزنا» وهما لغتان. {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ} يقال: تبِع وأتبع بمعنًى واحد، إذا لحقه وأدركه. وٱتبع (بالتشديد) إذا سار خلفه. وقال الأصمعي: أتبعه (بقطع الألف) إذا لحقه وأدركه، وٱتبعه (بوصل الألف) إذا ٱتبع أثره، أدركه أو لم يدركه. وكذلك قال أبو زيد. وقرأ قتادة «فٱتبعهم» بوصل الألف. وقيل: «ٱتبعه» (بوصل الألف) في الأمر اقتدى به. وأتبعه (بقطع الألف) خيراً أو شراً؛ هذا قول أبي عمرو. وقد قيل هما بمعنًى واحد. فخرج موسى ببني إسرائيل وهم ستمائة ألف وعشرون ألفاً، وتبعه فرعون مُصْبِحاً في ألفي ألف وستمائة ألف. وقد تقدّم. {بَغْياً} نصب على الحال. {وَعَدْواً} معطوف عليه؛ أي في حال بَغْيٍ واعتداء وظلم؛ يقال: عدا يعدو عَدْواً؛ مثل غزا يغزو غزْواً. وقرأ الحسن «وعُدوّا» بضم العين والدال وتشديد الواو؛ مثلُ علا يعلو عُلُوّاً. وقال المفسرون: «بغياً» طلباً للاستعلاء بغير حق في القول، «وعدواً» في الفعل؛ فهما نصب على المفعول له. {حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ} أي ناله ووصله. {قَالَ آمَنتُ} أي صدّقت. {أَنَّهُ} أي بأنه. {لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ} فلما حذف الخافض تعدّى الفعل فنصب. وقرىء بالكسر، أي صرت مؤمناً ثم استأنف. وزعم أبو حاتم أن القول محذوف، أي آمنت فقلت إنه، والإيمان لا ينفع حينئذ؛ والتوبة مقبولة قبل رؤية البأس، وأما بعدها وبعد المخالطة فلا تقبل، حسب ما تقدّم في «النساء» بيانه. ويقال: إن فرعون هاب دخول البحر وكان على حصان أدهَم ولم يكن في خيل فرعون فرس أُنثى؛ فجاء جبريل على فرس وَدِيق ـ أي شَهِيّ ـ في صورة هامان وقال له: تقدّم، ثم خاض البحر فتبعها حصان فرعون، وميكائيل يسوقهم لا يشذّ منهم أحد، فلما صار آخرهم في البحر وهَمّ أوّلهم أن يخرج ٱنطبق عليهم البحر، وألجم فرعونَ الغرقُ فقال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل؛ فدس جبريل في فمه حال البحر، وروى الترمذي عن ابن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما أغرق الله فرعون قال آمنت أنه لا إلۤه إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل قال جبريل يا محمد فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسّه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة»تفسير : . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. حال البحر: الطين الأسود الذي يكون في أرضه؛ قاله أهل اللغة. وعن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه ذكر: «حديث : أن جبريل جعل يدسّ في فيّ فرعون الطين خشية أن يقول لا إلۤه إلا الله فيرحمه الله أو خشية أن يرحمه»تفسير : . قال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقال عَون بن عبد الله: بلغني أن جبريل قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ما ولد إبليسُ أبغَض إليّ من فرعون، فإنه لما أدركه الغرق قال: «آمنت» الآية، فخشيت أن يقولها فيرحم، فأخذت تربة أو طينة فحشوتها في فيه. وقيل: إنما فُعل هذا به عقوبة له على عظيم ما كان يأتي. وقال كعب الأحبار: أمسك الله نيل مصر عن الجَرْي في زمانه، فقالت له القبط: إن كنت ربنا فأجْرِ لنا الماء؛ فركب وأمر بجنوده قائداً قائداً وجعلوا يقفون على درجاتهم وقفز حيث لا يرونه ونزل عن دابته ولبس ثياباً له أُخرى وسجد وتضرّع لله تعالى فأجرى الله له الماء، فأتاه جبريل وهو وحده في هيئة مُسْتَفْتٍ وقال: ما يقول الأمير في رجل له عبد قد نشأ في نعمته لا سند له غيره، فكفر نِعمه وجحد حقّه وٱدّعى السيادة دونه؛ فكتب فرعون؛ يقول أبو العباس الوليد بن مصعب بن الريّان جزاؤه أن يغرّق في البحر؛ فأخذه جبريل ومرّ فلما أدركه الغرق ناوله جبريل عليه السلام خطّه. وقد مضى هذا في «البقرة» عن عبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس مسنداً؛ وكان هذا في يوم عاشوراء على ما تقدّم بيانه في «البقرة» أيضاً فلا معنى للإعادة. قوله تعالى: {وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي من الموحدين المستسلمين بالانقياد والطاعة.

ابن كثير

تفسير : يذكر تعالى كيفية إغراقه فرعون وجنوده، فإن بني إِسرائيل لما خرجوا من مصر بصحبة موسى عليه السلام، وهم فيما قيل ستمائة ألف مقاتل سوى الذرية، وقد كانوا استعاروا من القُبط حلياً كثيراً، فخرجوا به معهم، فاشتد حنق فرعون عليهم، فأرسل في المدائن حاشرين يجمعون له جنوده من أقاليمه، فركب وراءهم في أبهة عظيمة وجيوش هائلة؛ لما يريده الله تعالى بهم، ولم يتخلف عنه أحد ممن له دولة وسلطان في سائر مملكته، فلحقوهم وقت شروق الشمس {أية : فَلَمَّا تَرَآءَا ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَـٰبُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} تفسير : [الشعراء: 61] وذلك أنهم لما انتهوا إِلى ساحل البحر، وفرعون وراءهم، ولم يبق إِلا أن يتقاتل الجمعان، وألح أصحاب موسى عليه السلام عليه في السؤال كيف المخلص مما نحن فيه؟ فيقول: إني أمرت أن أسلك ههنا {أية : كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62] فعند ما ضاق الأمر، اتسع، فأمره الله تعالى أن يضرب البحر بعصاه، فضربه، فانفلق البحر فكان كل فرق كالطود العظيم، أي: كالجبل العظيم وصار اثني عشر طريقاً، لكل سبط واحد، وأمر الله الريح فنشفت أرضه {أية : فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِى ٱلْبَحْرِ يَبَساً لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ} تفسير : [طه: 77] وتخرق الماء بين الطرق كهيئة الشبابيك؛ ليرى كل قوم الآخرين؛ لئلا يظنوا أنهم هلكوا. وجاوزت بنو إِسرائيل البحر، فلما خرج آخرهم منه، انتهى فرعون وجنوده إِلى حافته من الناحية الأخرى، وهو في مائة ألف أدهم، سوى بقية الألوان، فلما رأى ذلك، هاله وأحجم وهاب، وهمَّ بالرجوع، وهيهات، ولات حين مناص، نفذ القدر، واستجيبت الدعوة. وجاء جبريل عليه السلام على فرس وديق حائل، فمر إِلى جانب حصان فرعون، فحمحم إليها، واقتحم جبريل البحر، فاقتحم الحصان وراءه، ولم يبق فرعون يملك من نفسه شيئاً فتجلد لأمرائه، وقال لهم: ليس بنو إسرائيل بأحق بالبحر منا، فاقتحموا كلهم عن آخرهم، وميكائيل في ساقتهم، لا يترك منهم أحداً إلا ألحقه بهم، فلما استوسقوا فيه، وتكاملوا، وهمَّ أولهم بالخروج منه، أمر الله القدير البحر أن يرتطم عليهم، فارتطم عليهم فلم ينج منهم أحد، وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم وتراكمت الأمواج فوق فرعون وغشيته سكرات الموت، فقال وهو كذلك: {أية : ءَامَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِى ءَامَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَٰءِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [يونس: 90] فآمن حيث لا ينفعه الإيمان {أية : فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [غافر:84-85] ولهذا قال الله تعالى في جواب فرعون حين قال ما قال: {ءَالئَٰنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ} أي: أهذا الوقت تقول، وقد عصيت الله قبل هذا فيما بينك وبينه {وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي: في الأرض الذين أضلوا الناس { أية : وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ وَيَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ لاَ يُنصَرُونَ} تفسير : [القصص: 41] وهذا الذي حكى الله تعالى عن فرعون من قوله هذا في حاله ذلك من أسرار الغيب التي أعلم الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما قال فرعون: آمنت أنه لا إِله إِلا الذي آمنت به بنو إِسرائيل، - قال - قال لي جبريل: لو رأيتني وقد أخذت من حال البحر، فدسسته في فيه؛ مخافة أن تناله الرحمة»تفسير : ورواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم في تفاسيرهم من حديث حماد بن سلمة به، وقال الترمذي: حديث حسن، وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت، وعطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال لي جبريل: لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر، فأدسه في فم فرعون؛ مخافة أن تدركه الرحمة» تفسير : وقد رواه أبو عيسى الترمذي أيضاً، وابن جرير أيضاً من غير وجه عن شعبة به، فذكر مثله، وقال الترمذي: حسن غريب صحيح، ووقع في رواية عند ابن جرير: عن محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة عن عطاء وعدي عن سعيد عن ابن عباس، رفعه أحدهما، فكأن الآخر لم يرفع، فالله أعلم، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أغرق الله فرعون، أشار بأصبعه، ورفع صوته: {ءَامَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِى ءَامَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَٰءِيلَ} قال: فخاف جبريل أن تسبق رحمة الله فيه غضبه، فجعل يأخذ الحال بجناحيه، فيضرب به وجهه، فيرمسه، وكذا رواه ابن جرير عن سفيان بن وكيع عن أبي خالد به موقوفاً، وقد روي من حديث أبي هريرة أيضاً، فقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام عن عنبسة، هو ابن أبي سعيد، عن كثير بن زاذان عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال لي جبريل: يا محمد لو رأيتني وأنا أغطه وأدس من الحال في فيه؛ مخافة أن تدركه رحمة الله، فيغفر له» تفسير : يعني: فرعون. كثير بن زاذان هذا قال ابن معين: لا أعرفه، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: مجهول. وباقي رجاله ثقات. وقد أرسل هذا الحديث جماعة من السلف: قتادة وإِبراهيم التيمي وميمون بن مهران، ونقل عن الضحاك بن قيس أنه خطب بهذا للناس، فالله أعلم. وقوله: {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً} قال ابن عباس وغيره من السلف: إِن بعض بني إِسرائيل شكوا في موت فرعون، فأمر الله تعالى البحر أن يلقيه بجسده سوياً بلا روح، وعليه درعه المعروفة، على نجوة من الأرض، وهو المكان المرتفع؛ ليتحققوا موته وهلاكه، ولهذا قال تعالى: {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ} أي: نرفعك على نشز من الأرض {بِبَدَنِكَ} قال مجاهد: بجسدك، وقال الحسن: بجسم لا روح فيه، وقال عبد الله بن شداد: سوياً صحيحاً، أي: لم يتمزق؛ ليتحققوه ويعرفوه، وقال ابو صخر: بدرعك. وكل هذه الأقوال لا منافاة بينها كما تقدم، والله أعلم. وقوله: {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً} أي: لتكون لبني إِسرائيل دليلاً على موتك وهلاكك، وأن الله هو القادر، الذي ناصية كل دابة بيده، وأنه لا يقوم لغضبه شيء، ولهذا قرأ بعضهم: {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ ءايَـٰتِنَا لَغَـٰفِلُونَ} أي: لا يتعظون بها، ولا يعتبرون بها، وقد كان إِهلاكهم يوم عاشوراء؛ كما قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، واليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: «حديث : ماهذا اليوم الذي تصومونه؟» تفسير : فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «حديث : أنتم أحق بموسى منهم فصوموه».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَجـَٰوَزْنَا بِبَنِى إِسْرٰءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ } لحقهم {فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا } مفعول له {حَتَّىٰ إِذآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُ } أي بأنه، وفي قراءة بالكسر استئنافاً {لآ إِلِٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِى ءَامَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْرٰءِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } كرّره ليقبل منه فلم يقبل، ودسَّ جبريل في فيه من حمأة البحر مخافة أن تناله الرحمة وقال له:

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} معنى ننجيك نلقيك على نجوة من الأرض، والنجوة المكان المرتفع وقوله تعالى {بِبَدَنِكَ} فيه وجهان: أحدهما: يعني بجسدك من غير روح، قاله مجاهد. الثاني: بدرعك، وكان له درع من حديد يعرف بها، قاله أبو صخر، وكان من تخلف من قوم فرعون ينكر غرقه. وقرأ يزيد اليزيدي {نُنَجِّيكَ} بالحاء غير معجمة وحكاها علقمة عن ابن مسعود. أن يكون على ناحية من البحر حتى يراه بنو إسرائيل، وكان قصير أحمر كأنه ثور. {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً} يعني لمن بعدك عبرة وموعظة.

ابن عطية

تفسير : قرأ الحسن بن أبي الحسن " وجوّزنا " بشد الواو، وطرح الألف، ويشبه عندي أن يكون " جاوزنا " كتب في بعض المصاحف بغير ألف، وتقدم القول في صورة جوازهم في البقرة والأعراف، وقرأ جمهور الناس " فأتبعهم " لأنه يقال تبع وأتبع بمعنى واحد، وقرأ قتادة والحسن " فاتّبعهم " بشد التاء، قال أبو حاتم: القراءة " أتبع" بقطع الألف لأنها تتضمن الإدراك، و" اتّبع " بشد التاء هي طلب الأثر سواء أدرك أو لم يدرك، وروي أن بني إسرائيل الذين جاوزوا البحر كانوا ستمائة ألف، وكان يعقوب قد استقر أولاً بمصر في نيف على السبعين ألفاً من ذريته فتناسلوا حتى بلغوا وقت موسى العدد المذكور، وروي أن فرعون كان في ثمانمائة ألف أدهم حاشى ما يناسبها من ألوان الخيل، وروي أقل من هذه الأعداد. قال القاضي أبو محمد : وهذا كله ضعيف، والذي تقتضيه ألفاظ القرآن أن بني اسرائيل كان لهم جمع كثير في نفسه قليل بالإضافة إلى قوم فرعون المتبعين، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والكوفيون وجماعة {عدواً} على مثال غزا غزاً، وقرأ الحسن وقتادة "غزواً" على مثال علا علواً، وقوله {أدركه الغرق } أي في البحر، وروي في ذلك أن فرعون لما انتهى إلى البحر فوجده قد انفرق ومشى فيه بنو إسرائيل، قال لقومه إنما انفلق بأمري وكان على فرس ذكر فبعث الله جبريل على فرس أنثى وديق فدخل بها البحر ولج فرس فرعون ورآه وحثت الجيوش خلفه فلما رأى الانفراق يثبت له استمر، وبعث ميكائيل يسوق الناس حتى حصل جميعهم في البحر، فانطبق عليهم حينئذ، فلما عاين فرعون قال ما حكى عنه في هذه الآية، وقرأ جمهور الناس " أنه " بفتح الألف، ويحتمل أن تكون في موضع نصب، ويحتمل أن تكون في موضع خفض على إسقاط الباء، وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو " إنه " بكسر الألف، إما على إضمار الفعل أي آمنت فقلت إنه، وإما على أن يتم الكلام في قوله {آمنت} ثم يتبدىء إيجاب " إنه"، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أن جبريل عليه السلام قال ما أبغضت أحداً بغضي لفرعون، ولقد سمعته يقول {آمنت } الآية، فأخذت من حال البحر فملأت فمه مخافة أن تلحقه رحمة الله " تفسير : وفي بعض الطرق: " حديث : مخافة أن يقول لا إله إلا الله فتلحقه الرحمة ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: فانظر إلى كلام فرعون ففيه مجهلة وتلعثم، ولا عذر لأحد في جهل هذا وإنما العذر فيما لا سبيل إلى علمه كقول علي رضي الله عنه، " أهللت بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم "، والحال الطين، كذا في الغريب المصنف وغيره، والأثر بهذا كثير مختلف اللفظ والمعنى واحد، وفعل جبريل عليه السلام هذا يشبه أن يكون لأنه اعتقد تجويز المغفرة للتائب وإن عاين ولم يكن عنده قبل إعلام من الله تعالى أن التوبة بعد المعاينة غير نافعة، وقوله تعالى {الآن وقد عصيت } الآية، قال أبو علي: اعلم أن لام المعرفة إذا دخلت على كلمة أولها الهمزة فخففت الهمزة فإن في تخفيفها وجهين: أحدهما أن تحذف وتلقى حركتها على اللام وتقر همزة الوصل فيه فيقال الحمر وقد حكى ذلك سيبويه، وحكى أبو عثمان عن أبي الحسن أن ناساً يقولون لحمر فيحذفون الهمزة التي للوصل فمن ذلك قول الشاعر: [الطويل] شعر : وقد كنت تخفي حب سمراء حقبة فبح لان منها بالذي أنت بائح تفسير : قرأ نافع في رواية ورش لم يختلف عنه "الآن" بمد الهمزة وفتح اللام، وقرأ الباقون بمد الهمزة وسكون اللام وهمز الثانية، وقرأت فرقة "الآن" بقصر الهمزة وفتح اللام وتخفيف الثانية وقرأ جمهور الناس " ألأْن" بقصر الأولى وسكون اللام وهمز الثانية. قال القاضي أبو محمد: وقراءات التخفيف في الهمزة تترتب على ما قال أبو علي فتأمله، فإن الأولى على لغة من يقول الحمر، وهذا على جهة التوبيخ له والإعلان بالنقمة منه، وهذا اللفظ يحتمل أن بكون مسموعاً لفرعون من قول ملك موصل عن الله وكيف شاء الله، ويحتمل أن كون معنى هذا الكلام معنى حاله وصورة خزيه، وهذه الآية نص في رد توبة المعاين، وقوله تعالى {فاليوم ننجيك } الآية، يقوي ما ذكرناه من أنها صورة الحال لأن هذه الألفاظ إنما يظهر أنها قيلت بعد فرقة، وسبب هذه المقالة على ما روي أن بني إسرائيل بعد عندهم غرق فرعون وهلاكه لعظمه عندهم، وكذب بعضهم أن يكون فرعون يموت فنجي على نجوة من الأرض حتى رآه جميعهم ميتاً كأنه ثور أحمر، وتحققوا غرقه، وقرأت فرقة " فاليوم ننجيك " وقالت فرقة معناه من النجاة أي من غمرات البحر والماء، وقال جماعة معناه نلقيك على نجوة من الأرض وهي ما ارتفع منها، ومنه قول أوس بن حجر: [البسيط ] شعر : فمن بعقوته كمن بنجوته والمستكن كمن يمشي بقرواح تفسير : وقرأ يعقوب "ننْجِيك" بسكون النون وتخفيف الجيم، وقرأ أبي بن كعب "ننحّيك" بالحاء المشددة من التنحية، وهي قراءة محمد بن السميفع اليماني ويزيد البريدي، وقالت فرقة:معنى {ببدنك} بدرعك، وقالت فرقة معناه بشخصك وقرأت فرقة "بندائك" أي بقولك {آمنت} الخ الآية، ويشبه أن يكتب بندائك بغير ألف في بعض المصاحف، ومعنى الآية أنا نجعلك آية مع ندائك الذي لا ينفع، وقرأت فرقة هي الجمهور "خلفك" أي من أتى بعدك، وقرأت فرقة " خلقك" المعنى يجعلك الله آية له في عباده، ثم بيّن عز وجل العظة لعباده بقوله {وإن كثير من الناس عن آياتنا لغافلون} وهذا خبر في ضمنه توعد.

النسفي

تفسير : {وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْبَحْرَ } هو دليل لنا على خلف الأفعال {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ } فلحقهم. يقال: تبعته حتى أتبعته {بَغِيّاً } تطاولاً {وَعَدْوًا } ظلماً وانتصباً على الحال أو على المفعول له {حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ } ولا وقف عليه لأن {قَالَ ءامَنتُ } جواب {إذا} - {أَنَّهُ} - إنه حمزة وعلي على الاستئناف بدل من {آمنت} وبالفتح غيرهما على حذف الباء التي هي صلة الإيمان {لا إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِى ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْرٰءيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } وفيه دليل على أن الإيمان والإسلام واحد حيث قال: {آمنت} ثم قال: {وأنا من المسلمين} كرر فرعون المعنى الواحد ثلاث مرات في ثلاث عبارات حرصاً على القبول ثم لم يقبل منه حيث أخطأ وقته وكانت المرة الواحدة تكفي في حالة الاختيار {ٱلئَـٰنَ } أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين أدركك الغرق وأيست من نفسك. قيل: قال ذلك حين ألجمه الغرق والعامل فيه أتؤمن {وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ } من الضالين المضلين عن الإيمان. روي أن جبريل عليه السلام أتاه بفتيا: ما قول الأميرفي عبد لرجل نشأ في ماله ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه، فكتب فيه يقول أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعماءه أن يغرق في البحر فلما ألجمه الغرق ناوله جبريل عليه السلام خطه فعرفه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ} الآية. قد تقدَّم الكلام في نظير الآية [الأعراف:138]، وقرأ الحسن، "وجوَّزْنَا: بتشديد الواو. قال الزمخشري: وجوَّزْنَا: من أجَازَ المكان، وجَاوَزهُ،وجوَّزَهُ، وليس من "جَوَّز" الذي في بيت الأعشى: [الكامل] شعر : 2933- وإذَا تُجَوِّزُها حِبَالُ قَبيلَةٍ أخَذَتْ مِنَ الأخْرَى إلَيْكَ حِبَالَهَا تفسير : لأنَّه لو كان منه لكان حقَّهُ أن يقال: وجَوَّزْنَا بني إسرائيل في البحر؛ كما قال: [الطويل] شعر : 2934-......................... كمَا جَوَّزَ السَّكِّيَّ في البَابِ فَيْتَقُ تفسير : يعني أنَّ فعَّل بمعنى فاعل وأفْعَل، وليس التضعيفُ للتَّعدية، إذ لو كان كذلك لتعدَّى بنفسه كما في البيت المشار إليه دون الباء. وقرأ الحسن: "فاتَّبَعَهُمْ" بالتَّشديد، وقد تقدَّم الفرقُ. قال القرطبيُّ: يقالُ: تَبعَ، وأتْبع بمعنى واحد إذا لحقهُ، واتَّبَع - بالتَّشديد - إذا صار خلفهُ، وقال الأصمعيُّ: يقال: أتبعه - بقطع الألف - إذا لحقه، وأدْرَكَهُ، واتَّبَعَه بوصل الألفِ - إذا اتَّبَع أثره وأدركهُ، أو لم يدركهُ، وكذلك قال أبُو زيدٍ، وقرأ قتادة: "فاتبعهم" بوصل الألف وقيل: اتبعهُ - بوصل الألف في الأمْرِ - اقتدى به، وأتبعه بقطع خيراً وشرّاً. هذا قولُ أبي عمرو. وقيل: بمعنى واحدٍ. قوله: "بَغْياً وَعَدْواً" يجُوزُ أن يكونا مفعولين من أجلهما أي: لأجل البغيْ والعَدْوِ، وشروط النَّصب متوفرةٌ، ويجُوزُ أن يكونا مصدرين في موضع الحال أي: باغين متعدِّين. وقرأ الحسنُ "وُعدواً" بضمِّ العين، والدَّالِ المشدَّدةِ، وقد تقدَّم ذلك في سُورة الأنعام [الأنعام:108]، وقوله: "حَتَّىٰ إِذَآ": غاية لاتباعه. قوله: "آمَنتُ أَنَّهُ" قرأ الأخوان بكسر "إنَّ" وفيها أوجه: أحدها: أنَّها استئنافُ إخبار؛ فلذلك كسرت لوقوعها ابتداء كلامٍ. والثاني: أنَّه على إضمار القول أي: فقال إنَّهُ، ويكون هذا القول مفسراً لقوله: "آمنتُ". والثالث: أن تكون هذه الجملة بدلاً من قوله: "آمنتُ"، وإبدالُ الجملة الاسميَّة من الفعليَّة جائزٌ، لأنَّها في معناها، وحينئذٍ تكون مكسورة؛ لأنَّها محكيَّة بـ "قَالَ" هذا الظاهرُ. والرابع: أنَّ "آمنتُ" ضُمِّنَ معنى القول؛ لأنَّه قولٌ. وقال الزمخشريُّ: "كرَّر المخذولُ المعنى الواحد ثلاث مرَّاتٍ في ثلاثِ عباراتٍ حِرْصاً على القبول". يعني أنه قال: "آمنتُ" فهذه مرَّة، وقال: {أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ} فهذه مرة ثانية. وقال: {وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} فهذه ثالثةٌ، والمعنى واحد. وهذا جنوحٌ منه إلى الاستئناف في "إنَّه". وقرأ الباقون بفتحها وفيها أوجه: أحدها: أنَّها في محلِّ نصب على المفعول به أي: آمنتُ توحيد الله؛ لأنَّه بمعنى صدَّقْتُ. الثاني: أنَّها في موضع نصب بعد إسقاط الجارِّ أي: لأنَّه. الثالث: أنَّها في محلِّ جرٍّ بذلك الجارِّ وقد تقدَّم ما فيه من الخلاف [يونس:2]. فصل لمَّا أجاب الله دعاءهما، أمر بني إسرائيل بالخروج من مصر، وكان فرعونُ غافلاً عن ذلك؛ فلمَّا سمع بخروجهم "أتْبَعَهُمْ" أي: لحقهُم، "بَغْياً وعَدْواً" أي: ظلماً واعتداءً. وقيل: بَغْياً في القولِ، وعدواً في الفعل، وكان البَحْرُ قد انفلق لموسى وقومه فدخلوا، وخرجوا، وأبقى الله تعالى ذلك الطريق يبساً، ليطمع فرعون، وجنودهُ في العُبُور، فلمَّا دخل مع جمعه، ودخل آخرهم، وهمَّ أوَّلهم بالخروج، انطبق عليهم البحرُ فلمَّا "أدْرَكَهُ الغرقُ" أي: غمره الماء، وقرب هلاكه "قال آمَنْتُ". فإن قيل: إنَّ الإنسان إذا وقع في الغرق لا يمكنه أن يتلفَّظ بهذا اللفظ، فكيف حكى الله عنه أنَّهُ ذكر ذلك؟. فالجوابُ من وجهين: الأول: أنَّ الكلام الحقيقيَّ هو كلام النَّفْسِ لا كلام اللسان، فذكر هذا الكلام بالنفس. الثاني: أن يكون المرادُ بالغرق مقدماته. فإن قيل: إنَّه آمن ثلاث مرات على ما تقدم عن الزمخشري، فما السَّببُ في عدم القبولِ؟ فالجواب: من وجوهٍ: أحدها: أنَّهُ إنَّمَا آمن عند نزول العذاب، والإيمان في هذا الوقت غير مقبول، قال تعالى: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا}تفسير : [غافر:85]. الثاني: إنَّما ذكر هذه الكلمة ليتوسَّل بها إلى دفع تلك البلية الحاضرة، ولم يكن مقصودهُ بالكلمة الإقرار بوحدانية الله تعالى، فلم يَكُنْ مُخْلِصاً. وثالثها: أنَّ ذلك الإقرار كان تقليداً، فإنهُ قال: {لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ} فكأنه اعترف بأنَّه لا يعرفُ الله، وإنَّما سمع من بني إسرائيل أنَّ للعالم إلهاً، فهو أقَرّ بذلك الإله الذي سمع بني إسرائيل يُقرُّونَ بوجوده، وهذا محضُ التَّقليدِ، وفرعون قيل إنَّهُ كان من الدَّهرية المنكرين لوجود الصَّانع، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا يزولُ إلاَّ بالحُجَّةِ القطعيَّة، لا بالتَّقليد المحضِ. ورابعها: أنَّ بعض بني إسرائيل لمَّا جاوزوا البحر عبدُوا العجل، فلما قال فرعون: {آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ} انصرف ذلك إلى العجلِ الذي آمنوا بعبادته، فكانت هذه الكلمةُ في حقه سبباً لزيادة كُفْره. وخامسها: أنَّ أكثر اليهُودِ يقولون بالتَّشبيه والتَّجْسِيم، ولهذا اشتغلوا بعبادة العجل لظنِّهم أنَّهُ تعالى في جسد ذلك العجل، فلمَّا قال فرعونُ: {آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ} فكأنَّهُ آمن بالله الموصوف بالجسميَّة، والحلول والنُّزول، ومن اعتقد ذلك؛ فهو كافرٌ، فلذلك ما صحَّ إيمانُهُ. وسادسها: أنَّ الإيمان إنَّما يتمُّ بالإقرارِ بوحدانية الله، والإقرار بنُبُوَّةِ موسى - عليه الصلاة والسلام - فلمَّا أقرَّ فرعونُ بالوحدانية، ولمْ يقر بنبوَّةِ موسى لم يصحَّ إيمانه؛ كما لو قال الكافر ألف مرة: أشهد أن لا إله إلاَّ الله لم يصح إيمانه حتى يقول معه: وأشهدُ أنَّ محمداً رسول الله، فكذا ههنا. وسابعها: روى الزمخشري أنَّ جبريل - عليه السلام - أتى فرعون مُستفتياً: ما قولُ الأمير في عبدٍ نشأ من مالِ مولاهُ ونعمته، فكفر بنعمته وجحد حقَّه، وادَّعَى السِّيادة دونهُ؟ فكتب فرعون يقول: أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده، الكافر بنعمته أن يغرق في البحر، ثمَّ إنَّ فرعون لما غرق؛ رفع جبريل عليه السلام فتياه إليه. قوله: "الآن" منصوبٌ بمحذوفٍ أي: آمَنْتَ الآن، أو اتُؤمن الآن. وقوله: "وقَدْ عَصَيْتَ" جملةٌ حالية، تقدَّم نظيرها. واختلفوا في قائل هذا الكلام، فقيل: هو جبريلُ، وإنَّما قال: {وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} في مقابلة قوله {وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}. وقيل: القائلُ هو الله تعالى؛ لأنَّه قال بعدهُ: {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} إلى أن قال: {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ}، وهذا ليس إلاَّ كلام الله تعالى. فإن قيل: ظاهرُ اللفظ يدلُّ على أنَّه إنَّما لم تقبل التوبة للمعصية المتقدمة، والفساد السَّابق، وهذا التعليلُ لا يمنعُ من قبول التوبةِ. فالجوابُ من وجهين: الأول: أنَّ قبول التَّوبةِ غير واجب عقلاً، ويدُلُّ عليه هذه الآيةُ. الثاني: أنَّ التعليل ما وقع لمجرَّد المعصية السَّابقة، بل بتلك مع كونه من المفسدين. فصل روي أن جبريل - عليه السلام - أخذ يملأ فمه بالطِّين لئلاَّ يتوب غضباً عليه والأقربُ أنَّ هذا لا يصحُّ؛ لأنَّه في تلك الحالِ إمَّا أن يقال التكليف كان ثابتاً، أو ما كان ثابتاً، فإن كان ثابتاً لم يجز لجبريل أن يمنعه من التوبة، بل يجبُ عليه أن يعينه على التوبةِ، وعلى كُلِّ الطَّاعات، لقوله تعالى: {أية : وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ}تفسير : [المائدة:2] وأيضاً، فلو منعه بما ذكر لكانت التَّوبة ممكنةً؛ لأنَّ الأخرس قد يتوبُ بأن يندمَ بقلبه ويعزم على ترك معاودة القبيح، فلا يبقى لما فعله جبريل فائدة، وأيضاً لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر، والرِّضا بالكفر كفر وأيضاً كيف يليق بالله تعالى أن يقول لموسى وهارون - عليهما الصلاة والسلام - {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ}تفسير : [طه:44] ثُمَّ يأمُرُ جبريل أن يمنعهُ من الإيمان. فإن قيل: إنَّ جبريل إنَّما فعل ذلك من قبل نفسه لا بأمر الله، فهذا يبطله قول جبريل: {أية : وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ}تفسير : [مريم:64] وقوله تعالى في صفة الملائكة: {أية : لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}تفسير : [الأنبياء:27]. وإن قيل إنَّ التكليف كان زائلاً عن فرعون في ذلك الوقت، فلا يبقى للفعل المنسوب لجبريل فائدة أصلاً. قوله: {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} في "بِبدنِكَ" وجهان: أحدهما: أنَّها باء المصاحبةِ بمعنى مصاحباً لبدنك، وهي الدَّرْع، فيكونُ "بِبدنِكَ" في موضع الحالِ. قال المفسِّرُون: لمْ يُصدِّقُوا بغرقه، وكانت لهُ دِرْعٌ تعرفُ فألقي بنجوة من الأرض، وعليه درعهُ ليعرفوهُ، والعربُ تطلقُ البدنَ على الدِّرع، قال عمرو بن معد يكرب: [الوافر] شعر : 2935- أعَاذِل شِكَّتِي بَدَنِي وسَيْفِي وكُلُّ مُقلَّصٍ سَلِسِ القِيَادِ تفسير : وقال آخرُ: [الوافر] شعر : 2936- تَرَى الأبْدانَ فِيهَا مُسْبَغَاتٍ عَلى الأبْطَالِ واليَلَبَ الحَصِينَا تفسير : أراد بالأبدان: الدُّرُوع، واليَلَبُ: الدروع اليمانية كانت تتخذ من الجلود يُخْرَزُ بعضها إلى بعض، وهو اسم جنس، الواحد: يَلَبَةٌ. وقيل: بِبدنِكَ أيك عُرْيَان لا شيء عليه، وقيل: بَدَناً بلا رُوحٍ. والثاني: أن تكون سببيَّة على سبيل المجاز؛ لأنَّ بدنهُ سببٌ في تنجيته، وذلك على قراءةِ ابن مسعود وابن السَّمَيْفَع "بِندَائِكَ" من النِّداءِ، وهو الدُّعاء: أي: بما نادى به في قومه من كفرانه في قوله: {أية : وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ}تفسير : [الزخرف:51] {أية : فَحَشَرَ فَنَادَىٰ فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النازعات:23، 24] {أية : يٰأَيُّهَا ٱلْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي}تفسير : [القصص:38]. وقرأ يعقوب "نُنْجِيكَ" مخففاً من أنجاه. وقرأ أبو حنيفة: "بأبْدانِكَ" جمعاً: إمَّا على إرادةِ الأدْرَاع، لأنَّهُ كان يلبسُ كثيراً منها خوفاً على نفسه، أو جعل كُلَّ جُزءٍ من بدنه بدناً كقوله: "شَابَتْ مَفارِقُهُ"؛ قال: [الكامل] شعر : 2937-........................ شَابَ المَفارِقُ واكتَسَيْْنَ قتيرَا تفسير : وقرأ ابن مسعود، وابن السَّميْفَع، ويزيد البربريّ نُنَحِّيكَ بالحاء المهملةِ من التَّنْحِيةِ أي: نُلْقيكَ فيما يلي البحر، قال المفسرون: رماه إلى ساحل البحرِ كالثَّور. وهل تُنَجِّيك من النجاة بمعنى نُبْعِدك عمَّا وقع فيه قومُكَ من قَعْرِ البحر، وهو تهكُّم بهم، أو مِنْ ألقاه على نجوة أي: رَبْوة مرتفعة، أو من النَّجاة، وهو التَّرْكُ أو من النَّجاءِ، وهو العلامة، وكلُّ هذه معانٍ لائقة بالقصَّة، والظَّاهرُ أنَّ قولهُ: {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ} خبرٌ محض. وزعمَ بعضُهُم أنَّه على نيَّة همزةِ الاستفهامِ، وفيه بعدٌ لحذفها من غير دليلٍ، ولأنَّ التعليل بقوله "لِتكُون" لا يُناسِبُ الاستفهام. و "لِتَكُونَ" متعلقٌ بـ "نُنَجِّيكَ" و "آيَةً" أي: علامة وقيل: عِبْرةً وعِظَةً، و "لِمَنْ خَلْفكَ" في محلِّ نصبٍ على الحالِ من "آيَةً" لأنَّه في الأصل صفةٌ لها. وقرأ بعضهم "لِمَنْ خلقك" آية كسائر الآيات. وقرئ "لِمَن خلَفكَ" بفتح اللاَّم جعله فعلاً ماضياً، أي: لِمَنْ خلفكَ من الجبابرة ليتَّعِظُوا بذلك. وقرىء "لِمَنْ خلقَكَ" بالقاف فعْلاً ماضياً، وهو الله تعالى أي: ليجعلك الله آية له في عباده. فصل في كونه "لِمَنْ خلفه آيةً" وجوه: أحدها: أنَّ الذين اعتقدُوا إلاهيته لمَّا لم يُشَاهدُوا غرقه كذَّبُوا بذلك، وزعموا أنَّ مثله لا يموت، فأخرجه الله تعالى بصورته حتى أبصروه وزالت الشُّبْهةُ عن قلوبهم. الثاني: أنَّه تعالى أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والمهانة بعد ما سمعوا منه قوله: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النازعات:24] ليكون ذلك زَجْراً للخَلْقِ عن مثل طريقته. الثالث: أنه تعالى لمَّا أغرقه مع جميع قومه، ثُمَّ إنَّه تعالى ما أخرج أحداً منهم من قَعْر البَحْرِ، بل خصَّهُ بالإخراج كان تخصيصه بهذه الحالة عجيبة دالة على قدرة الله تعالى، وعلى صدق موسى - عليه الصلاة والسلام - في دعوة النبوَّةِ. الرابع: تقدم في قراءة من قرأ لمن خالقك بالقاف أي لتكون لخالقك آية كسائر آياته. ثم قال تعالى {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} والظَّاهرُ أنَّ هذا الخطاب لأمة محمد - عليه الصلاة والسلام - زجراً لهم عن الإعراض عن الدَّلائل، وباعثاً لهم على التأمُّلِ فيها والاعتبار بها، كما قال تعالى: {أية : لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [يوسف:111].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ العدو والعلو والعتوّ في كتاب الله تجبر. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ لما خرج آخر أصحاب موسى ودخل آخر أصحاب فرعون، أوحى إلى البحر أن أطبق عليهم، فخرجت اصبع فرعون بلا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل‏.‏ قال جبريل عليه السلام‏:‏ فعرفت أن الرب رحيم وخفت أن تدركه الرحمة فدمسته بجناحي، وقلت ‏ {‏ءَآلآن وقد عصيت قبل‏} ‏ فلما خرج موسى وأصحابه قال‏:‏ من تخلف في المدائن من قوم فرعون، ما غرق فرعون ولا أصحابه ولكنهم في جزائر البحر يتصيدون، فأوحى إلى البحر أن الفظ فرعون عرياناً، فلفظه عرياناً أصلع أخنس قصيراً، فهو قوله ‏ {‏فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية‏} ‏ لمن قال‏:‏ إن فرعون لم يغرق، وكانت نجاته عبرة لم تكن نجاة عافية، ثم أوحى إلى البحر أن الفظ ما فيك، فلفظهم على الساحل وكان البحر لا يلفظ غريقاً يبقى في بطنه حتى يأكله السمك، فليس يقبل البحر غريقاً إلى يوم القيامة‏. وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لما أغرق الله عز وجل فرعون ‏{‏قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل‏}‏ قال لي جبريل‏:‏ يا محمد لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطيالسي والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏قال لي جبريل‏:‏ لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيِّ فرعون مخافة أن تدركه الرحمة"‏ ‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏أن جبريل عليه السلام قال‏:‏ لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه حتى لا يتابع الدعاء لما أعلم من فضل رحمة الله‏ "‏‏. تفسير : ‏وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏قال لي جبريل‏:‏ ما كان على الأرض شيء أبغض إليَّ من فرعون، فلما آمن جعلت احشو فاه حمأة وأنا أغطه خشية أن تدركه الرحمة‏" ‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ‏‏حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"قال لي جبريل‏:‏ يا محمد لو رأيتني وأنا أغط فرعون بإحدى يدي وأدس من الحال في فيه مخافة أن تدركه الرحمة فيغفر له" ‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما‏ "حديث : ‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ قال لي جبريل‏:‏ ما غضب ربك على أحد غضبه على فرعون إذ قال: ‏{‏ما علمت لكم من إله غيري‏} ‏[‏القصص: 38‏]‏ ‏{‏فقال أنا ربكم الأعلى‏} ‏[‏النازعات: 24‏] فلما أدركه الغرق استغاث وأقبلت احشو فاه مخافة أن تدركه الرحمة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال‏:‏ كانت عمامة جبريل عليه السلام يوم غرق فرعون سوداء‏. وأخرج أبو الشيخ عن أبي أمامة رضي الله عنه قال‏:‏حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏قال لي جبريل‏:‏ ما أبغضت شيئاً من خلق الله ما أبغضت إبليس يوم أمِرَ بالسجود فأبى أن يسجد، وما أبغضت شيئاً أشد بغضاً من فرعون، فلما كان يوم الغرق خفت أن يعتصم بكلمة الاخلاص فينجو، فأخذت قبضة من حمأة فضربت بها في فيه فوجدت الله عليه أشد غضباً مني، فأمر ميكائيل فأنبه وقال ‏{‏ءَآلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين‏}‏ " ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال‏:‏ بعث الله إليه ميكائيل ليعيره فقال ‏{ءَ‏آلآن وقد عصيت قبل‏}‏‏ . وأخرج ابن المنذر والطبراني في الأوسط عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال‏:‏ أخبرت أن فرعون كان أثرم‏.

القشيري

تفسير : حَمَلَتْ العِزَّةُ فِرعونَ على تَقَحُّمِ البحر على إثرهم، فلمَّا تحقَّقَ الهلاكُ حَمَلَتْه ضرورةُ الحيلةِ على الاستعاذة، فلم ينفَعه ذلك لفوات وقت الاختيار. ويقال لما شهد صَوْلَةَ التقدير أفاق من سُكْرِ الغلطة، لكن: "بعد شهود البَاسْ لا ينفع التخاشعُ والابتئاسْ".

اسماعيل حقي

تفسير : {وجاوزنا ببنى اسرائيل البحر} هو من جاوز المكان اذا تخطاه وخلفه والباء للتعدية اى جعلناهم مجاوزين البحر بان جعلناه يبسا وحفظناهم حتى بلغوا الشط قال الكاشفى [جون عذاب آن قوم رسيد وحى آمد بموسى عليه السلام باقود خود از مصر برون روكه قبطيان را هنكام عذاب رسيد موسى عليه السلام با جماعت بنى اسرائيل متوجه شام شدند وبكناره درياى قلزم رسيده دريا شكافته شد وبنى اسرائيل بسلامت آن دريارا بكذشتند جنانجه حق سبحانه وتعالى ميفر مايد {وجاوزنا ببنى اسرائيل البحر} وبكذرانيديم فرزندان يعقوب را ازدرياى قلزم بسلامت] {فاتبعهم} يقال تبعته حتى اتبعته اذا كان سبقك فلحقته اى ادركهم ولحقهم {فرعون وجنوده} حتى تراءت الفئتان وكاد يجتمع الجمعان {بغيا وعدوا} اى حال كونهم باغين فى القول ومعتدين فى الفعل او للبغى والعدوان على انهما مفعولان من اجلهما كما قال الكاشفى [بغيا براى ستم كردن بنى اسرائيل وعدوا ازجهت وازحد بيرون بردن ازجفاى ايشان] وذلك ان موسى عليه السلام خرج ببنى اسرائيل على حين غفلة من فرعون فلما سمع به تبعهم حتى لحقهم ووصل الى الساحل وهم قد خرجوا من البحر ومسلكهم باق على حاله يبسا فسلكه بجنوده اجمعين. قال الكاشفى [بس جون بكنار دريا رسيدند واسب فرعون بسبب بوى باديان كه جبريل سوار بودبدريا در آمد ولشكر متابعت نموده همه خودرا دردريا افكندند وفرعون نمى خواست كه بدر يا در آمد اما مركب اورا مى برد] فلما دخل آخرهم وهم اولهم بالخروج غشيهم من اليم ما غشيهم {حتى اذا ادركه الغرق} اى لحقه والجمه واحاط به {قال} فرعون {آمنت انه} اى بانه والضمير للشان {لا اله} [نيست معبودى مستحق عبادت] {الا الذى} [مكر آن خدايى كه بدعوت موسى عليه السلام] {آمنت به بنو اسرائيل} لم يقل كما قاله السحرة {آمنا برب العالمين رب موسى وهارون} بل عبر عنه بالموصول وجعل صلته ايمان بنى اسرائيل به للاشعار برجوعه عن الاستعصاء وباتباعه لمن كان يستتبعهم طمعا فى القبول والانتظام معهم فى سلك النجاة كذا فى الارشاد. يقول الفقير بل فى قول ذلك المخذول رائحة التقليد ولذا لم يقبل ولو نمسك بحبل التحقيق لقال آمنت بالله الذى اله الا هو {وانا من المسلمين} اى الذين اسلموا نفوسهم لله اى جعلوها سالمة خالصة له تعالى

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (فأتبعهم) أي: تبعهم، يقال: تبع وأتبع لغتان. يقول الحق جل جلاله: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحرَ} أي: جوزناهم في البحر يبساً؛ حتى بلغوا الشط الآخر حافظين لهم. رُوي أن بني إسرائيل حين جاوزوا البحر كانوا ستمائة ألف، وكان يعقوب عليه السلام قد دخل مصر في نيف وسبعين من ذريته، فتناسلوا حتى بلغوا وقت موسى العدد المذكور. {فأتْبعهم}: فأدركهم {فرعونُ وجنودُه}، رُوي أنهم كانوا ثمانمائة ألف أدهم، سوى ما يناسبها من أواسط الخيل. تبعهم {بغياً وعَدْواً}: باغين وعادين عليهم. مستمراً على بغيه {حتى إذا أدركه الغرق قال آمنتُ أنه} أي: بأنه {لا إله إلا الذي آمنتْ به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين}، فآمن حين لا ينفع الإيمان بمعانية الموت، ومن قال بصحة إيمانه فغلطٌ، كالحاتمي فإنه قال في الفصوص: إنه من الناجين، وذلك من جملة هفواته. قال تعالى لفرعون: {الآن} أي: أتؤمن الآن، وقد أيست من نفسك، {وقد عَصَيْتَ قَبْلُ} مدة عمرك {وكنتَ من المفسدين}: الضالين المضلين، {فاليوم نُنَجِّيك} أي: ننقذك مما وقع فيه قومك من قعر البحر، ونجعلك طافياً على وجه الماء، أو نلقيك على نجوة من الأرض ليراك الناس، فيتحققوا بغرق من معك حال كونك {ببدنك} عارياً عن الروح، أو عرياناً بلا لباس، أو بدرعك، وكانت له دُروع من ذهب يعرف بها، وكان مظاهراً بينها. {لتكونَ لمنَ خَلْفِكَ آيةً}: لمن وراءك علامة يعرفون أنك من الهالكين، والمراد: بنو إسرائيل؛ إذ كان نفوسهم من عظمته ما خيّل إليهم أنه لا يهلك حتى كذبوا موسى عليه السلام حين أخبرهم بغرقه، إلى أن عاينوه منطرحاً على ممرهم من الساحل، أو لمن يأتي بعدك من القرون إذا سمعوا مآل امرك، فيكون ذلك عبرة ونكالاً للطغْيان، أوْ حجة تدلهم على أن الإنسان على ما كان عليه من عظيم الشأن وكبرياء الملك مملوك مقهور، بعيد عن مظانِّ الربوبية، أو آية تدل على كمال قدرته وإحاطة علمه وحكمته، فإن إفراده بالإلقاء إلى الساحل دون غيره؛ يفيد أنه مقصود لإزاحة الشك في أمره. {وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون}؛ لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها، والإخبار بهذا الأخذ الذي وقع في قعر البحر من أعلام النبوة؛ إذ لا يمكن أن يخبر بها إلا عَلاَّم الغيوب الذي لا يخفى عليه شيء، ولا يخلو منه مكان. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من دخل بحر التوحيد علماً ـ وهو فرعون برؤية نفسه ـ، ولم يصحب من يغيبُه عنها غرق في بحر الزندقة والدعوى، فإن رجع إلى الإيمان بعد معاينة الهلاك بسيف الشريعة قيل له: الآن وقد عصيت قبلُ وكنتَ من المفسدين؟ فإن تاب حقيقة رجى له النجاة، وإن قتل كان آية ونكالاً لمن خلفه. والله تعالى أعلم. ثم ذكَّشر بني إسرائيل بما أنعم عليهم، فقال: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ}.

الطوسي

تفسير : قرأ أهل الكوفة الا عاصماً {آمنت إنه} بكسر الألف. الباقون بفتحها. قال ابو علي: من فتح الهمزة فلأن هذا الفعل فصل بحرف الجر في نحو { أية : يؤمنون بالغيب }تفسير : و {أية : يؤمنون بالجبت }تفسير : فلما حذف الحرف وصل الفعل إلى (ان) فصار في موضع نصب او خفض على الخلاف في ذلك. ومن كسر الالف حمله على القول المضمر كأنه قال {آمنت} فقلت إنه، واضمار القول في نحو هذا كثير. وهذا احسن لان قوله {أنه لا إله إلا الله} في المعنى ايمان، واذا قال آمنت فكأنه ذكر ذلك. وقال الرماني: من كسر (إن) جعله بدلاً من {آمنت}. ومن فتح جعله معمول {آمنت} وفي الكلام حذف، لأن تقديره فاتبعهم فرعون وجنوده بغياً وعدواً فيه فغرقناه حتى اذا ادركه الغرق. حكى الله تعالى أنه جاوز ببني إسرائيل البحر بمعنى اخرجهم منه بأن جفف لهم البحر وجعله طرقاً حتى جاوزوه. والمجاوزة الخروج عن الحد من احدى الجهات الأربعة، لأنه لو خرج عن البحر بقليل وهو متعلق عليه لم يكن قد جاوزه. والبحر مستقر الماء الواسع بحيث لا يدرك طرفه من كان في وسطه. ويقال: ما فلان إلا بحر لسعة عطائه. وقوله {فأتبعهم فرعون وجنوده بغياً وعدواً} فالاتباع طلب اللحاق بالأول: اتبعه إتباعاً وتبعه بمعنى. وحكى ابو عبيدة عن الكسائي انه قال إذا اريد انه اتبعه خيراً او شرّاً قالوا بقطع الهمزة، واذا اريد انه اقتدى بهم واتبع أثرهم قالوا بتشديد التاء ووصل الهمزة. والبغي طلب الاستعلاء بغير حق. والباغي مذموم لقوله تعالى {أية : فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}.تفسير : و (عدواً) معناه عدواناً وظلماً. وقوله {حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل} اخبار منه تعالى أن فرعون حين لحقه الغرق والهلاك قال ما حكاه الله وكان ذلك ايمان إلجاء لا يستحق به الثواب كما لا يستحق بالايمان الضروري. وقوله {بغياً وعدواً} نصب على المصدر والمراد بغياً على موسى وقومه واعتداء عليهم.

الجنابذي

تفسير : {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ} اتبع بمعنى تبع او بمعنى جعل غيره تابعاً اى تبعهم او اخرج النّاس فى عقبهم {فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً} بغى عليه بغياً عدا وظلم وعدل عن الحقّ واستطال وكذب، وفى مشيه اختال، وعدا ضدّ احبّ وعدا عليه ظلمه والاولى ان يكون الاوّل بمعنى الاستطالة والثّانى بمعنى الظّلم وتقدير الكلام اتبعهم فرعون اتباع بغىٍ او بغوا بغياً او باغين وعادين او للبغى والعدو {حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ} قرئ بفتح الهمزة بتقدير الباء او اللاّم وقرئ بكسر الهمزة على الاستيناف {لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} اطنب فى الكلام حرصاً على القبول واظهاراً لشدّة الالتجاء حين الاضطرار.

اطفيش

تفسير : {وجَاوزْنَا} وقرأ الحسن: وجوَّزنا بالتشديد بمعنى واحد كضاعف وضعف بالتشديد بمعنى واحد {ببَنى إسْرائيلَ البَحْر} والباء معاقبة للهمزة المعدية إلى مفعول آخر، كأنه قيل: صيرناهم مجاوزين البحر، حتى بلغوا الشط، حافظين لهم، أو الباء صلة فى المفعول الأول، أما جاوز فتعديه إليه كالتعدية فى سايرته، غير أن هذا متعد إلى واحد، قيل: بخلاف سار فإنه لازم، وأما جوَّز فتعديته إليه بالتضعيف، ويجوز كون الباء بمعنى مع. {فأتْبعَهُم} أى تبعهم، فهو لموافقة المجرد، أو بمعنى أدركهم، يقال: تبعه حتى أتبعه، أى حتى أدركه، ومر مثله فى الأعراف {فِرْعَون وجنُودُه بغياً وعَدْواً} حالان، أى باغيين وعاديين، أى ذوى بغى وعدو أو مبالغة ومفعول لأجله، قيل: البغى الظلم، والعدو ومعادات القلب، وقيل: البغى طلب الاستعلاء بغير حق، العدو والظلم، وقيل: البغى فى القول، والعدو فى الفعل، وقرأ الحسن بضم العين والدال وتشديد الواو. خرج موسى فيما قيل: من مصر فى ستمائة ألف سوى الحشم، ولما أدركهم فرعون قالوا: أين ما وعدنا ربنا من النصر؟ هذا البحر أمامنا إن دخلنا غرقنا، وفرعون خلفنا إن أردر كنا قتلنا؟ وكان فرعون على حصان أدرهم، وفى عسكره ثمانمائة ألف حصان على لون حصانه، سوى سائر الألوان، وكان جبريل على فرس أنثى، ومكائيل يسوقهم حتى لا يشرك واحد منهم، ولم يكن فى خيل فرعون أنثى، ولما وصل البحر قال لقومه: انظروا كيف انفلق البحر لهيبتى، حتى أدرك اعدائى الذين أبقوا منى، فادخلوا البحر، فهابوا، فحضر جبريل بفرسه المذكورة، وهى كحائل مشتهية للفحل، عليه غمامة سوداء، وخاض البحر، وظنوه منهم، وشم فرس فرعون وأفراس قومه ريحها فاقتحموا. وروى أن هامان قال: أتيت هذا المكان مرارا، وما فيه طريق ولا أؤمن أن يكون هذا مكيدة من هذا الرجل لهلكنا فعصاه، فدخل ودخلوا. وفى رواية أن فرس جبريل كانت بيضاء، ولما هم أولهم بالخروج من البحر، ودخل آخرهم، انضم عليهم البحر. قال ابن سلام: لما انتهى موسى إلى البحر قال: يا من كان قبل شئ، والمكون لكل شئ، والكائن بعد كل شئ، اجعل لنا من أمرنا فرجا ومخرجا، فأوحى الله تعالى: أن اضرب بعصاك البحر، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : "ألا أعلمكم الكلمات التى تكلم بها موسى عليه السلام حين جاوز البحر؟" قالوا: بلى، قال: "قولوا اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم"" تفسير : ا هـ وكان الماء فى ذلك الوقت فى غاية الزيادة. {حتَّى إذا أدْركَه الغَرقُ قالَ} حين أوشك أن يغرق، وقيل: قال فى نفسه بعد الغرق والإدراك صالح لذلك {آمنتُ أنَّه} بأنه، أو صدقت أنه، وقرئ بكسر الهمزة على إبدال الجملة من آمنت، وهى حمزة والكسائى، أو على التفسير لآمنت، أو على تقدير القول، أو على الاستئناف. {لا إله إلاَّ الَّذى آمنتْ بهِ بنُو} أنث فعله لأنه جمع تكسير أعرب إعراب جمع السلامة {إسْرائيلَ وأنا مِنَ المسْلمينَ} أعرض عن الإيمان فى زمان القبول ولو بمرة، وبالغ فيه وكرره حين لا يقبل، وذلك أنه قال ذلك حين عاين ملائكة العذاب، وهو وقت لا تقبل فيه توبة، وقيل: لأنه لم يقل ذلك من قلبه، بل ليدفع البلية، وقيل: قاله على شك، ولذا قال: {إلا الذى آمنت به بنو إسرائيل}. قال العلامة أبو القاسم البرادى: اختصم ملكان بصورة رجلين أبيض وأسود إلى فرعون، قال الأبيض: هذا عبدى اشتريته من خالص مالى، وأسكنته دارى، وزوجته أمتى، وصببت فى يديه مالى، وأحسنت إليه، فكلفته خدمتى وطاعتى، فأتاه عدوى فقطعه عنى، ودعاه إلى طاعته، وأمره بعصيانى ومخالفتى، فأطاعه وعصانى، وامتثل لأمره، ونبذ أمرى وراء ظهره، وكابرنى، وعاندنى، فعمد إلى طائفة من مالى وعبيدى ومملكتى، فادعاه لنفسه، وكفر فى جميع ذلك نعمتى، فاحكم لى عليه بواجب حقى. فقال فرعون لعنه الله للأسود: أسمعت كلامه، فقال: نعم، قال: فما تقول؟ فقال: كل ذلك فعلته، وأنا فيه إلى الآن، ولا أرجع عنه. فقال الأبيض: فما يجب لى عليه، فاحكم به. فقال: أرى أن تعمد إلى خابية عظيمة من رصاص، وتملؤها ملحا، وتختم عليها، وتذهب به إلى بحيرة كذا فى القلذم، يعنى البحيرة التى قدر الله غرقه فيها بعد، وتربط يديه، وتعلق الخابية إلى عنقه، وترسله وإياها فى البحيرة. فقال: اكتب لى صكاً بخط يدك إلى صاحب البحر ليعيننى، ولا يمنعنى، فكتب له ذلك. وروى أنه كتب يقول الوليد أبو العباس بن مصعب: جزاء العبد الخارج عن سيده، الكافر نعماه، أن يغرق فى البحر، فلما انطبق عليه البحر حضره الملكان، وأحضرا الصك بخط يده، وحكمه على نفسه، فحينئذ قال: {آمنت بالذى آمنت} الخ انتهى بزيادة.

اطفيش

تفسير : {وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ} بحر القلزم جاوز بمعنى جاز وتعدى لواحد بنفسه كما نقول جزنا موضع كذا وللآخر بالباءِ التى كهمزة التعدية، فكأَنه قيل أَجزناهم البحر، ولا تقل غير ذلك، جاءَ يعقوب من الشام إِلى مصر ليوسف فسكنها مع عياله حتى تم له من صلبه وصلب أَولاده وأَولاد أَولاده مع أَولاده اثنان وتسعون، ونموا حتى خرجوا مع موسى وهم ستمائة خرجوا حال غفلة فرعون ويسر الله لهم الخروج وانتبه لهم فرعون فتبعهم على حصان أَدهم ومعه ثمانية آلاف فارس على لون حصانه سوى سائِر الأَلوان والجند يقدمهم جبريل على فرس أُنثى ويسوقهم ميكائِيل حتى لا ينجو منهم أَحد، فقال موسى: يا رب: البحر قدامنا والعدو من ورائِنا، فأَوحى الله إِليه أَن اضرب بعصاك البحر فانفلق على اثنى عشر طريقا فدخلوها كلهم، واقتحم فرس فرعون وهو ذكر إِذ شم رائحة فرس جبريل وهو فرس أُنثى، فأَتبعه قومه حتى دخل آخرهم وخرج آخر بنى إِسرائيل انطبق البحر عليهم، وكانت تلك الطرق ملتوية لا على سمت حتى أَنها خرجت فى الأَرض التى خرجوا منها، وذلك كما قال الله عز وجل {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ} أَى تبعهم أَو أَتبعهم أَنفسهم أَعنى أَنفس فرعون وجنوده، أَو يقال تبعه فأَتبعه بمعنى فلحقه، واجتمعوا مع بنى إِسرائيل فى طرق البحر وهم خلف بنى إِسرائيل ولما دخل آخر فرعون وخرج آخر موسى أُغرقوا، وقيل ما دخل فرعون وقومه حتى خرج موسى وقومه {بَغْياً} مجاوزة للحد فى الظلم وقد يبغى الإِنسان على من لا حد له عليه ولا بغض ولذلك {وَّعَدْواً} أَى معاداة بالبغض والحقد، أَى لأَجل البغى والعدو أَو باغين وعادين أَو ذوى بغى وعدو، أَو مفعول مطلق على تضمين اتبع معنى بغى واعتدى أَو يقدر باغين بغيا وعادين عدوا {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ} لحقه وتلبس بأَوائِله، وقيل المعنى حتى غرق، وعليه فالقول الذى ذكر الله تعالى عنه قول بالقلب {قال آمَنْتُ أَنَّهُ} بأَنه أَو صدقت أَنه {لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِى آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ} أَنشأَ الإِيمان أَو أَنشأَ التصريح به حين لا ينفعه لمشاهدته الوعيد وملائِكة الموت، وهو فى ذلك الحين غير مكلف، ولأَنه لم يقل موسى رسول الله فهو كمن قال لا إِله إِلا الله ولم يقل محمد رسول الله {وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} زاده تأْكيداً ليقبل إِيمانه مع أَنه أَبلغ من أَن يقول أَسلمت، والإِسلام الإِذعان للأَحكام هنا، وهو المعنى اللغوى وإِن حمل على الشرعى وهو الخروج من الشرك ولو اختار بعض أَن الإِسلام الشرعى مختص بما جاءَ به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأَراد بالمسلمين على الوجهين بنى إِسرائِيل ففى الآية أَن فرعون عالم بإِيمان بنى إِسرائيل وإِسلامهم، ولعلهم كانوا يسرون ذلك أَول الأَمر وأَظهروه بعده حين آمنت السحرة، ولم يقل آمنت بالله الذى آمنت به إِلخ قيل لأَنه غير عارف بالله وقيل هو مقر عارف به سرا إِلا أَنه ننكره ظاهراً، وعليه فلعله لم يصرح به ليوافق المراد الذى نجت به بنو إِسرائيل لأَن التخصيص تخاف فيه المخالفة وهذا البقاءُ جهالة فيه.

الالوسي

تفسير : {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ٱلْبَحْرَ} من جاوز المكان إذا قطعه وتخطاه، وهو متعد إلى المفعول الأول الذي كان فاعلاً في الأصل بالباء وإلى الثاني بنفسه، والمعنى / جعلناهم مجاوزين البحر بأن جعلناه يبساً وحفظناهم حتى بلغوا الشط. وقرأ الحسن {وجوزنا} بالتضعيف، وفعل بمعنى فاعل فهو من التجويز المرادف للمجاوزة بالمعنى السابق وليس بمعنى نفذ لأنه لا يحتاج إلى التعدية بالباء ويتعدى إلى المفعول الثاني بفي كما في قوله: شعر : ولا بد من جار يجيز سبيلها كما جوز السكي في الباب فيتق تفسير : فكان الواجب هنا من حيث اللغة أن يقال: وجوزنا بني إسرائيل البحر أي نفذناهم وأدخلناهم فيه؛ وفي الآية إشارة إلى انفصالهم عن البحر وإلى مقارنة العناية الإلهية لهم عند الجواز كما هو المشهور في الفرق بين أذهبه وذهب به. {فَأَتْبَعَهُمْ} قال الراغب: ((يقال تَبِعَهُ واتَّبَعَهُ إذا قفا أثره إما بالجسم أو بالارتسام والائتمار)) وظاهره أن الفعلين بمعنى. وقال بعض المحققين: يقال تبعته حتى أتبعته إذا كان سبقك فلحقته، فالمعنى هنا أدركهم ولحقهم {فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ} حتى تراءت الفئتان وكاد يجتمع الجمعان {بَغْيًا وَعَدْوًا} أي ظلماً واعتداءً، وهما مصدران منصوبان على الحال بتأويل اسم الفاعل أي باغين وعادين أو على المفعولية لأجله أي للبغي والعدوان. وقرأ الحسن {وعدوا} بضم العين والدال وتشديد الواو، وذلك أن الله سبحانه وتعالى لما أخبر موسى وهارون عليهما السلام بإجابة دعوتهما أمر موسى عليه السلام بإخراج بني إسرائيل من مصر ليلاً وكانوا كما ذكره غير واحد ستمائة ألف فخرج بهم على حين غفلة من فرعون وملئه فلما أحس بذلك خرج هو وجنوده على أثرهم مسرعين فالتفت القوم فإذا الطامة الكبرى وراءهم فقالوا: يا موسى هذا فرعون وجنوده وراءنا وهذا البحر أمامنا فكيف الخلاص فأوحى الله تعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق اثني عشر فرقاً كل فرق كالطود العظيم وصار لكل سبط طريق فسلكوا ووصل فرعون ومن معه إلى الساحل وهم قد خرجوا من البحر ومسلكهم باق على حاله فسلكه بمن معه أجمعين فلما دخل آخرهم وهم أولهم بالخروج غشيهم من اليم ما غشيهم. {حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ} أي لحقه، والمراد بلحوقه إياه وقوعه فيه وتلبسه بأوائله، وقيل: معنى أدركه قارب إدراكه كجاء الشتاء فتأهب لأن حقيقة اللحوق تمنعه من القول الذي قصه سبحانه بقوله جل شأنه: {قَالَ آمَنتُ} الخ، ومن الناس من أبقى الإدراك على ظاهره وحمل القول على النفسي وزعم أن الآية دليل على ثبوت الكلام النفسي، ونظر فيه بأن قيام الاحتمال يبطل صحة الاستدلال، وأياً ما كان فليس المراد الإخبار بإيمان سابق كما قيل بل إنشاء إيمان {أَنَّهُ لآ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْرٰءيلَ} أي بأنه، وقدر الجار لأن الإيمان وكذا الكفر متعد بالباء ومحل مدخوله بعد حذفه الجر أو النصب فيه خلاف شهير وجعله متعدياً بنفسه فلا تقدير لأنه في أصل وضعه كذلك مخالفة للاستعمال المشهور فيه. وقرأ حمزة والكسائي {إِنَّهُ} بالكسر على إضمار القول أي وقال إنه أو على الاستئناف لبيان إيمانه أو الإبدال من جملة {آمَنتُ}؛ والجملة الاسمية يجوز إبدالها من الفعلية، والاستئناف على البدلية باعتبار المحكي لا الحكاية لأن الكلام في الأول، والجملة الأولى في كلامه مستأنفة والمبدل من المستأنف مستأنف والضمير للشأن، وعبر عنه تعالى بالموصول وجعل صلته إيمان بني إسرائيل به تعالى ولم يقل كما قال السحرة: {أية : ءَامنا بِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ رَبّ مُوسَىٰ / وَهَـٰرُونَ} تفسير : [الأعراف: 121-122] للإشعار برجوعه عن الاستعصاء واتباعه لمن كان يستتبعهم طمعاً في القبول والانتظام معهم في سلك النجاة. {وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي الذين أسلموا نفوسهم لله تعالى أي جعلوها خالصة سالمة له سبحانه، وأراد بهم أما بني إسرائيل خاصة وإما الجنس وهم إذ ذاك داخلون دخولاً أولياً، والظاهر أن الجملة على التقديرين معطوفة على جملة {آمَنتُ} وإيثار الاسمية لادعاء الدوام والاستمرار. وقيل: إنها على الأول معطوفة وعلى الثاني تحتمل الحالية أيضاً من ضمير المتكلم أي آمنت مخلصاً لله تعالى منتظماً في سلك الراسخين في ذلك، ولقد كرر المعنى الواحد بثلاث عبارات وبالغ ما بالغ حرصاً على القبول المقتضي للنجاة وليت بعض ذلك قد كان حين ينفعه الإيمان وذلك قبل اليأس، فإن إيمان اليأس غير مقبول كما عليه الأئمة الفحول.

ابن عاشور

تفسير : معطوفة على جملة {أية : وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تَتَبَوَّءا لقومكما بمصر بيوتاً}تفسير : [يونس: 87] عطف الغرض على التمهيد، أي، أمرناهما باتخاذ تلك البيوت تهيئة للسفر ومجاوزة البحر. وجاوزنا، أي قطعنا بهم البحر، والباء للتعدية، أي أقطعناهم البحر بمعنى جعلناهم قاطعين البحر. وتقدم نظيره في سورة الأعراف [138]. ومجاوزتهم البحر تقتضي خوضهم فيه، وذلك أن الله جعل لهم طرائق في البحر يمُرون منها. و{أتبعهم} بمعنى لحقهم. يقال: تَبعه فأتْبَعَه إذا سار خلفه فأدركه. ومنه {أية : فأتبعَه شهابٌ ثاقب}تفسير : [الصافات: 10]. وقيل: أتبع مُرادف تبع. والبغي: الظلم، مصدر بغى. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : والإثم والبغيَ بغير الحق}تفسير : في [الأعراف: 33]. والعَدْو: مصدر عدا. وهو تجاوز الحد في الظلم، وهو مسوق لتأكيد البغي. وإنما عطف لما فيه من زيادة المعنى في الظلم باعتبار اشتقاق فعل عدا. والمعنى: أن فرعون دخل البحر يتقصّى آثارهم فسار في تلك الطرائق يريد الإحاطة بهم ومنْعَهم من السفر، وإنما كان اتباعه إياهم ظلماً وعُدواناً إذ ليس له فيه شائبة حق، لأن بني إسرائيل أرادوا مفارقة بلاد فرعون وليست مفارقة أحد بلده محظورة إن لم يكن لأحد عليه حق في البقاء، فإن لذي الوطن حقاً في الإقامة في وطنه فإذا رام مغادرة وطنه فقد تخلى عن حق له، وللإنسان أن يتخلى عن حقه، فلذلك كان الخَلع في الجاهلية عقاباً، وكان النفي والتغريب في الإسلام عقوبة لا تقع إلا بموجب شرعي، وكان الإمساك بالمكان عقاباً، ومنه السجن، فليس الخروج من الوطن طوعاً بعُدوان. فلما رام فرعون منع بني إسرائيل من الخروج وشدّ للحاق بهم لردهم كرهاً كان في ذلك ظالماً معتدياً، لأنه يبتغي بذلك إكراههم على البقاء ولأن غرضه من ذلك تسخيرهم. وحتى} ابتدائية لوقوع {إذا} الفُجائية بعدها. وهي غاية للإتباع، أي استمر إتباعه إياهم إلى وقت إدراك الغرق إياه، كل ذلك لا يفتأ يجدّ في إدراكهم إلى أن أنجى الله بني إسرائيل فاخترقوا البحر، ورد الله غمرة الماء على فرعون وجنوده، فغرقوا وهلك فرعون غريقاً، فمنتهى الغاية هو الزمان المستفاد من (إذا)، والجملة المضافة هي إليها وفي ذلك إيجاز حذففٍ. والتقدير: حتى أدركه الغرق فإذا أدركه الغرق قال آمنت، لأن الكلام مسوق لكون الغاية وهي إدراك الغرق إياه فعند ذلك انتهى الإتباع، وليست الغاية هي قوله: {آمنت} وإن كان الأمران متقارنين. والإدراك: اللحاق وانتهاء السير. وهو يؤذن بأن الغرق دنا منه تدريجياً بهول البحر ومصارعته الموج، وهو يأمل النجاة منه، وأنه لم يُظهر الإيمان حتى أيس من النجاة وأيقن بالموت، وذلك لتصلبه في الكفر. وتركيب الجملة إيجاز، لأنها قامت مقام خمس جمل: جملة: تفيد أن فرعون حاول اللحاق ببني إسرائيل إلى أقصى أحوال الإمكان والطمع في اللحاق. وجملة: تفيد أنه لم يلحقهم. وهاتان مستفادان من (حتى)، وهاتان منَّة على بني إسرائيل. وجملة: تفيد أنه غمره الماء فغرق، وهذه مستفادة من قوله: {أدركه الغرق} وهي عقوبة له وكرامة لموسى ـ عليه السلام ـ. وجملة: تفيد أنه لم يسعه إلا الإيمان بالله لأنه قهرته أدلة الإيمان. وهذه مستفادة من ربط جملة إيمانه بالظرف في قوله: {إذا أدركه الغرق}. وهذه منقبة للإيمان وأن الحق يغلب الباطل في النهاية. وجملة: تفيد أنه مَا آمن حتى أيس من النجاة لتصلبه في الكفر ومع ذلك غلبه الله. وهذه موعظة للكافرين وعزة لله تعالى. وقد بُني نظم الكلام على جملة: {إذا أدركه الغرق}، وجعل ما معها كالوسيلة إليها، فجعلت (حتى) لبيان غاية الإتْبَاع وجعلت الغاية أن قال: {آمنتُ} لأن إتباعه بني إسرائيل كان مندفعاً إليه بدافع حنقه عليهم لأجل الدين الذي جاء به رسولهم ليخرجهم من أرضه، فكانت غايتُه إيمانَه بحقهم. ولذلك قال: {الذي آمنت به بنو إسرائيل} ليفيد مع اعترافه بالله تصويبه لبني إسرائيل فيما هُدوا إليه، فجعل الصلة طريقاً لمعرفته بالله، ولعدم علمه بالصفات المختصة بالله إلا ما تضمنته الصلة إذ لم يتبصر في دعوة موسى تمام التبصر، ولذلك احتاج أن يزيد {وأنا من المسلمين} لأنه كان يسمع من موسى دعوتَه لأنْ يكون مسلماً فنطق بما كان يسمعه وجعل نفسه من زمرة الذين يحق عليهم ذلك الوصف، ولذلك لم يقل: أسلمتُ، بل قال أنا من المسلمين، أي يلزمني ما التزموه. جاء بإيمانه مجملاً لضيق الوقت عن التفصيل ولعدم معرفته تفصيله. وسيأتي قريباً في تفسير الآية التي بعد هذه تحقيق صفة غرق فرعون، وما كان في بقاء بدنه بعد غرقه. وقرأ الجمهور {آمنتُ أَنه} بفتح همزة (أنه) على تقدير باء الجر محذوفة. وقرأه حمزة والكسائي وخلف ـ بكسر الهمزة ـ على اعتبار (إنّ) واقعة في أول جملة، وأنّ جملتها بدل من جملة {آمنت} بحذف متعلق فعل {آمنت} لأن جملة البدل تدل عليه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وجاوزنا ببني إسرائيل: أي قطعنا بهم البحر حتى تجاوزوه. البحر: بحر القلزم. بغيا وعدوا: أي بغيا على موسى وهارون واعتداء عليهما. آلآن: أي أفي هذا الوقت تقر بالوحدانية وتعترف له بالذلة؟!. ببدنك: أي بجسدك لا روح فيه. آية: علامة على أنك عبد وليس برب فيعتبروا بذلك. معنى الآيات: ما زال السياق في قصة موسى وهارون مع فرعون وبني إسرائيل قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ} وذلك بداية لاستجابة الله تعالى دعوة موسى وهارون ومعنى {جَاوَزْنَا} أي قطعنا بهم البحر حتى تجاوزوه، وذلك بأن أمر موسى أن يضرب بعصاه البحر فضرب فانفلق البحر فكان كل فرق كالطود العظيم ويَبِسَت الأرض ودخل موسى مع بني إسرائيل يتقدمهم جبريل عليه السلام على فرس حتى تجاوزا البحر إلى الشاطىء، وجاء فرعون على فرسه ومعه ألوف الجنود فتبعوا موسى وبني إسرائيل فدخلوا البحر فلما توسطوه أطبق الله تعالى عليهم البحر فغرقوا أجمعين إلا ما كان من فرعون فإنه لما أدركه الغرق أي لحقه ووصل الماء إلى عنقه أعلن عن توبته فقال: {آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ} ولكبريائه لم يقل لا إله إلا الله ولو قالها لتاب الله عليه فأنجاه بل قال: {لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ} وهو يعرف أنه الله. وقوله: {وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} مبالغة في طلب النجاة من الغرق بالتوبة حيث أعلن أنه من المسلمين أي المستسلمين المنقادين لأمره، فرد الله تعالى بقوله: {آلآنَ} أي وقت التوبة والإِسلام بعد الإِيمان، {وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ} وتمردت على الله وشرعه وكفرت به وبرسوله {وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} للبلاد والعباد بالظلم والشر والفساد، {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ} أي نجعلك على نجوة من الأرض أي مرتفع منها {بِبَدَنِكَ} أي بجسمك دون روحك، وبذلك {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ} أو بعدك من الناس {آيَةً} أي علامة على أنك عبد مربوب وليس كما زعمت أنك رب وإله معبود، وتكون عبرة لغيرك فلا يطغى طغيانك ولا يكفر كفرانك فيهلك كما هلكت، وقوله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} إخبار منه بواقع الناس ومن أولئك الغافلين عن آيات الله وهي تتلى عليهم أهل مكة من كفار قريش وما سيق هذا القصص إلا لأجل هدايتهم، لو كانوا يهتدون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- لا تقبل التوبة عند معاينة العذاب وفي الحديث (حديث : تقبل توبة العبد ما لم يغرغر ). تفسير : 2- أكمل الأديان وأفضلها الإِسلام ولهذا أهل اليقين يسألون الله تعالى أن يتوفاهم مسلمين ولما أيقن فرعون بالهلاك زعم أنه من المسلمين. 3- فضل لا إله إلا الله فقد ورد أن جبريل كان يحول بين فرعون وبين أن يقول: لا إله إلا الله فينجو فلم يقلها فغرق وكان من الهالكين. 4- تقرير حقيقة وهي أن أكثر الناس في هذه الحياة غافلون عما يراد بهم ولهم ولم ينتبهوا حتى يهلكوا.

القطان

تفسير : ننجيك ببدنك: نخلص بدنك بعد غرقك ليراه الناس. بوأنا: انزلنا. مبوأ صدق: منزلا صالحا. في هذه الآيات الثلاث خاتمةُ قصة موسى وأخيه هارون مع فرعون، وما كان من تأييد الله لهما، وقوةِ فرعون وقومه. وكانت دولة الفراعنة من أقوى دول العالم في ذلك الزمان. {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً}. ولما أنقذْنا موسى وأخاه من بني اسرائيل وقطعوا البحرَ، تعقَّبَهُم فرعونُ وجنوده للانتقام. فلما دخل بنو اسرائيلَ البحرَ انفلَقَ لهم، فكانت فيه الطرقُ والسبل على قدْرِ عددِ فِرَقِهِم، فساوا فيها آمنين. وأغرى ذلك فرعونَ وجندَه أن يكونوا مِن ورائهم، فلحِقوا بهم. عند ذاك انطبق عليهم البحرُ وكانوا من الغارقين. ولم يُعرف موضعُ العبور من البحر، ولم يردْ بذلك خبر صحيح. {حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}. فلما ادرك الغرقُ فرعونَ قال: آمنتُ بالإله الذي يؤمن به بنو اسرائيل، وأنا من المسلمين. ولكن، هيهات! لقد قات الوقت وجاء إيمانك متأخرا. وهذا ما بيّنه الله تعالى بقوله: {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ}. الآنَ تُقِرّ لله بالعبودية وتستسلم له بالذِلّة، أما قد عصيته من قبلُ؟ بلى، لقد كنتَ من المفسدين في الارض الضالمين للعباد يا فرعون، فإيمانك لن يُقبَل. {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ}. واليومَ نُخرج جثتك من البحر ونعرِضها على الناس لتكونَ عِظَةً وعبرة لمن كانوا يعبُدونك.. ومع كل هذا فإن كثيراً من الناس سيظلّون في غفلة عن البيّنات والأدلة الظاهرة في هذا الكون على قدرتنا. وقد كان فرعونُ موسى "منفتاح" بن رعميسيس الثاني، وكان خروج بين إسرائيل في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد في عهد الاسرة التاسعة عشرة. وقد عُثر على جثة "منفتاح" هذا في قبر "امنحتب الثاني" وهي موجودة الآن في المتحف المصري. وهذا مصداق لقوله تعالى: {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَة} ولم يكن هذا معروفا لأحدٍ في العالم. إلى ما بعد نزول القرآن بثلاثة عشر قرنا. وهذا اكبر دليل على انه من عند الله. وقد اخبرني الدكتور موريس بوكاي أنه أخذ قطعة من الجثة وحللها فوجد ان صاحب هذه الجثة مات غرقاً. وقد زار الأردن وامضى اسبوعاً وحاضر في الجامعة عن الموضوع نفسه. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: "آمنت انه" بكسر همزة انه. والباقون: "أنه" بفتح الهمزة. وقرأ يعقوب: "ننجيك" باسكان النون الثانية. والباقون: "ننجيك" بفتح النون الثانية وكسر الجيم المشددة. {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ}. ولقد اسكنّاهم منزلاً مُرْضيا في أرض خصبة طيبة، بعيدين عن الظلم الذي كانوا فيه، أغدَقْنا عليهمُ الرزقَ الوافر من جميع الطيبات. {فَمَا ٱخْتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}. ولكنّهم حين ذاقوا نعمةَ العزَّة بعد الهوان تفرّقوا واختلفوا، مع أنهم تعلّموا وتبين لهم الحقُّ والباطل! سيقضي اللهُ بينهم يوم القيامة، ويجازي كلاً منهم بما عمِل.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَجَاوَزْنَا} {ۤ إِسْرَائِيلَ} {آمَنتْ} {بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ} {آمَنتُ} (90) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ خُرُوجِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا خَرَجُوا بِدُونِ إِذْنِ فِرْعَوْنَ اشْتَدَّ حَنَقُهُ عَلَيْهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى المَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَجْمَعُونَ لَهُ الجُيُوشَ مِنْ أَقَالِيمِ مَمْلَكَتِهِ، فَرَكِبَ وَرَاءَهُمْ فِي أُبَّهَةٍ عَظِيمَةٍ، وَجُيُوشٍ كَثِيفَةٍ، فَلَحِقُوا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وَهُمْ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ، فَلَمَّا تَرَاءَى الجَمْعَانِ، قَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: إِنَّهُمْ مُدْرَكُونَ. فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: لاَ. وَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ البَحْرَ، فَضَرَبَهُ فَانْفَلَقَ، وَمَرَّ مُوسَى وَقَوْمُهُ بَيْنَ طَرَفَيِ المَاءِ. فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ المَاءِ مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ البَحْرِ، وَصَلَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ إِلَى حَافَّةِ البَحْرِ، فَاقْتَحَمَ المَمَرَّ وَرَاءَهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا جَمِيعاً فِي البَحْرِ أَطْبَقَ عَلَيْهِمُ المَاءُ فَأَغْرَقَهُمْ جَمِيعاً. وَلَمَّا غَشِيَ المَوْجُ فِرْعَوْنَ، وَشَعَرَ بِدُنُوِّ أَجَلِهِ، وَأنَّهُ لاَ مُنْقِذَ لَهُ قَالَ إِنَّهُ آمَنَ أَن لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهَ، الذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَفِي ذَلِكَ اسْتِجَابَةٌ لِدَعْوَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ، أَنْ يَشُدَّ عَلَى قَلْبِ فِرْعَوْنَ فَلاَ يُؤْمِنْ حَتَّى يَرَى العَذَابَ الأَلِيمَ. بَغْياً وَعَدْواً - ظُلْماً وَاعْتِدَاءً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قال الحق سبحانه: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ ..} [يونس: 90] لأن الاجتياز لم يكن بأسباب بشرية، بل بفعل يخرج من أسباب البشر، فلو أن موسى عليه السلام قد حفر نفقاً تحت الماء، أو لو كان قد ركب سفناً هو وقومه لكان لهم مشاركة في اجتياز البحر، لكن المجاوزة كانت بأسباب غير ملوحظة بالنسبة للبشر، فالحق سبحانه هو الذي أوحى لموسى: {أية : أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ ..}تفسير : [الشعراء: 63]. ومياه البحر كأية مياه أخرى تخضع لقانون السيولة، والاستطراق هو وسيلة السيولة، وهي عكس التجمد الذي يتسم بالتحيز. والاستطراق هو الذي قامت عليه أساليب نقل المياه من صهاريج المياه التي تكون في الأغلب أعلى من طول أي منزل، ويتم ضخ المياه إليها؛ لتتوزع من بعد ذلك حسب نظرية الأواني المستطرقة على المنازل، أما إذا كانت هناك بناية أعلى طولاً من الصهريج، هنا يقوم سكان المبنى بتركيب مضخة لرفع المياه إلى الأدوار العالية. وإذا كان قانون البحر هو السيولة والاستطراق، فكيف يتم قطع هذا الاستطراق؟ يقول الحق سبحانه: {أية : .. فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الشعراء: 63]. فكيف تحول الماء إلى جبال يفصل بينها سراديب وطرق يسير فيها موسى عليه السلام وقومه؟ كيف يسير موسى وقومه مطمئنين؟ لا بد أنها معية الله سبحانه التي تحميه، وهي تفسير لقول الحق سبحانه: {أية : .. إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء: 62]. ورغم ذلك يتبعهم فرعون وجنوده لعله يدركهم، وأراد سيدنا موسى - عليه السلام - بمجرد نجاحه في العبور هو وقومه أن يضرب البحر بعصاه؛ ليعود إلى قانون السيولة، ولو فعل ذلك لما سمح لفرعون وجنوده أن يسيروا في الممرات التي بين المياه التي تحولت إلى جبال، ولكن الله - سبحانه وتعالى - يريد غير ذلك، فقد أراد الحق سبحانه أن ينجي ويهلك بالشيء الواحد، فأوحى لموسى عليه السلام: {أية : وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ}تفسير : [الدخان: 24]. أي: اترك البحر على حاله؛ فينخدع فرعون وجنوده، وما إن ينزل آخر جندي منهم إلى الممر بين جبال الماء؛ سيعود البحر إلى حالة السيولة فيغرق فرعون وجنوده، وينجو موسى وقومه. ويقول الحق سبحانه: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ ..} [يونس: 90]. فهل كان هذا الإتباع دليل إرادة الشر؟ أكان من الممكن أن تكون نية الفرعون أن يدعو موسى وقومه إلى العودة إلى مصر ليستقروا فيها؟ لا، لم تكن هذه هي نية الفرعون؛ لذلك قال الحق سبحانه عن هذا الإتباع: {بَغْياً وَعَدْواً ..} [يونس: 90]. أي: أنه اتباع رغبة في الانتقام والإذلال والعدوان. ويصور القرآن الكريم لحظة غرق فرعون بقوله: {حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ ..} [يونس: 90]. والإدراك: قصد للمدرك أن يلحق بالشيء، والغرق معنى، فكيف يتحول المعنى إلى شيء يلاحق الفرعون؟ نعم، فكأن الغرق جندي من الجنود، وله عقل ينفعل؛ فيجري إلى الأحداث: {.. حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90]. والإيمان إذا أطلق فهو الإيمان بالقوة العليا، بدليل أن الحق سبحانه وتعالى قد قال: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا ..}تفسير : [الحجرات: 14]. لأن الإيمان يتطلب انقياد القلب، والإسلام يقتضي اتباع أركان الإسلام، فالإيمان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قل آمنت بالله ثم استقم"تفسير : . وفي هذا القول ذكر محدد بأن الإيمان إنما يكون لله الأعلى. لكن لو قلت - مثلاً: "آمنت أنك رجل طيب" فهذا إيمان له متعلق، أما إذا ذُكِر الإيمان بإطلاق فهو ينصرف إلى الإيمان بالله تعالى؛ ولذلك قال الله سبحانه للأعراب: {أية : وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا ..}تفسير : [الحجرات: 14]. وهنا يأتي القول على لسان فرعون: {.. آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90]. والخلاف هنا كان بين الفرعون كجهة كفر، وبين موسى وهارون وقومهما كجهة إيمان، وأعلن فرعون إيمانه، وقال أيضاً: {.. وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90]. ولم يقبل الله ذلك منه بدليل قوله الحق سبحانه: {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ...}.

الصابوني

تفسير : المنََاسَبَة: لمّا ذكر تعالى دعاء موسى على فرعون لطغيانه، ذكر هنا ما حدث لفرعون وجنوده من الإِغراق في البحر نتيجة البغي والعدوان، وأن إِيمانه لم ينفعه لأنه إِيمان المضطر، ثم ذكر قصة يونس وتوبة الله تعالى على قومه، وختم السورة الكريمة ببيان حقيقة التوحيد، وأن الإِنسان لا ينجيه عند الله إِلا الإِيمان. اللغَة: {بَوَّأْنَا} أنزلنا وأسكنّا {ٱلْمُمْتَرِينَ} الشاكّين، امترى: شكَّ وارتاب {فَلَوْلاَ} لولا للتحضيض بمعنى هلاّ {ٱلرِّجْسَ} العذاب أو السخط {حَنِيفاً} مائلاً عن الأديان الباطلة كلِّها {يَمْسَسْكَ} يصبك {كَاشِفَ} دافع ومزيل يقال: كشف السوء أي أزاله {بِوَكِيلٍ} بحفيظ موكول إِليَّ أمركم. التفسِير: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ} أي قطعنا وعدَّينا ببني إِسرائيل البحر "بحر السويس" حتى جاوزوه {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً} أي لحقهم فرعونُ مع جنوده ظلماً وعدواناً وطلباً للاستعلاء بغير حق {حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ} أي حتى إِذا أحاط به الغرق وأيقن بالهلاك {قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ} أي قال عندئذٍ أقررتُ وصدقتُ بأنه لا إِله إِلا اللهُ ربُّ العالمين، الذي آمنت وأقرت به بنو إِسرائيل {وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تأكيدٌ لدعوى الإِيمان أي وأنا ممَّن أسلم نفسه لله، وأخلص في إِيمانه قال ابن عباس: جعل جبريل عليه السلام في فم فرعون الطين مخافة أن تدركه الرحمة {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي آلآن تؤمن حين يئست من الحياة، وقد عصيت الله قبل نزول نقمته بك، وكنتَ من الغالين في الضلال والإِضلال والصدِّ عن دين الله؟ {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} أي فاليوم نخرجك من البحر بجسدك الذي لا روح فيه {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} أي لتكون عبرةً لمن بعدك من الناس، ومن الجبابرة والفراعنة، حتى لا يطغوا مثل طغيانك قال ابن عباس: إِن بعض بني إِسرائيل شكّوا في موت فرعون، فأمر الله البحر أن يلقيه بجسده سوياً بلا روح ليتحققوا موته وهلاكه {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} أي معرضون عن تأمل آياتنا لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ} أي أنزلنا وأسكنا بني إِسرائيل بعد إِهلاك أعدائهم منزلاً صالحاً مرضياً {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي اللذائذ الطيبة النافعة {فَمَا ٱخْتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي فما اختلفوا في أمر الدين إِلا من بعد ما جاءهم العلم وهو التوراة التي فيها حكم الله، وهذا ذمٌ لهم لأن اختلافهم كان بسبب الدين، والدينُ يجمع ولا يفرّق، ويوحّد ولا يشتت وقال الطبري: كانوا قبل أن يُبعث محمد صلى الله عليه وسلم مجمعين على نبوته، والإِقرار بمبعثه، فلما جاءهم ما عرفوا كفر به بعضهم، وآمن البعض، فذلك اختلافهم {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} هذا على سبيل الفرض والتقدير: أي إِن فرض أنك شككت فاسأل قال ابن عباس: لم يشك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسأل وقال الزمخشري: هذا على الفرض والتمثيل كأنه قيل: فإِن وقع شكٌ مثلاً، وخيَّل لك الشيطان خيالاً تقديراً فسل علماء أهل الكتاب، وفرقٌ عظيم بين قوله {أية : وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} تفسير : [فصلت: 45] بإِثبات الشك على سبيل التأكيد والتحقيق وبين قوله {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ} بمعنى الفرض والتمثيل وقال بعضهم: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره {فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} أي اسأل أهل الكتاب الذين يعرفون التوراة والإِنجيل، فإِن ذلك محقَّق عندهم كما قصصنا عليك، والغرضُ دفع الشك عن قصص القرآن {لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} أي جاءك يا محمد البيانُ الحق، والخبر الصادق، الذي لا يعتريه شك {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} أي فلا تكن من الشاكين المرتابين {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} أي لا تكذّبْ بشيءٍ من آيات الله {فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} أي فتصبح ممن خسر دنياه وآخرته، قال البيضاوي: وهذا من باب التهييج والتثبيت وقطع أطماع المشركين عنه وقال القرطبي: الخطابُ في هاتين الآيتين للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره {إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} أي وجبت عليهم كلمة العذاب بإِرادة الله الأزلية {لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ} أي لا يصدقون ولا يؤمنون أبداً ولو جاءتهم البراهين والمعجزات {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} أي فحينئذٍ يؤمنون كما آمن فرعون ولكن لا ينفعهم الإِيمان {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا} أي فهلاّ كانت قرية واحدة من القرى التي أهلكناها، تابتْ عن الكفر وأخلصت الإِيمان عند معاينة العذاب فنفعها إِيمانها في ذلك الوقت {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ} أي غير قوم يونس {لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي لما تابوا عن الكفر وآمنوا بالله رفعنا عنهم العذاب المخزي المهين في الحياة الدنيا {وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} أي أخرناهم إِلى انتهاء آجالهم قال قتادة: روي أن يونس أنذرهم بالعذاب ثم خرج من بين أظهرهم، فلما فقدوا نبيَّهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف الله في قلوبهم التوبة ولبسوا المُسُوح، فلما عرف الله الصدق من قلوبهم، والتوبة والندم على ما مضى منهم، كشف الله عنهم العذاب {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} أي لو أراد الله لآمن الناس جميعاً، ولكنْ لم يشأ ذلك لكونه مخالفاً للحكمة، فإِنه تعالى يريد من عباده إِيمان الاختيار، لا إِيمان الإِكراه والاضطرار {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}؟ أي أفأنت يا محمد تُكره الناس على الإِيمان، وتضطرهم إِلى الدخول في دينك؟ ليس ذلك إِليك، والآية تسليةٌ له صلى الله عليه وسلم وترويحٌ لقلبه مما كان يحرص عليه من إِيمانهم قال ابن عباس: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم حريصاً على إِيمان جميع الناس، فأخبره تعالى أنه لا يؤمن إِلا من سبقت له السعادة في الذّكر الأول، ولا يضلُّ إِلا من سبقت له الشقاوة في الذكر الأول {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي ما كان لأحدٍ أن يؤمن إِلا بإِرادته تعالى وتوفيقه {وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} أي ويجعل العذاب على الذين لا يتدبرون آيات الله، ولا يستعملون عقولهم فيما ينفع {قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي قل يا محمد لهؤلاء الكفار: انظروا نظر تفكر واعتبار، ما الذي في السماوات والأرض من الآيات الدالة على وحدانيته وكمال قدرته سبحانه؟ {وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} أي وما تنفع الآيات والإِنذارات قوماً سبق لهم من الله الشقاء {فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ} أي فهل ينتظر مشركو مكة إِلا مثل أيام أسلافهم، وما حلَّ بهم من العذاب والنكال؟ {قُلْ فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ} أي قل لهم يا محمد: انتظروا عاقبة البغي والتكذيب إِني من المنتظرين هلاككم ودماركم {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ} أي ثم إِذا نزل العذاب بالمكذبين نُنجّي الرسل والمؤمنين إِنجاءً مثل ذلك الإِنجاء {حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي حقاً ثابتاً علينا من غير شك قال الربيع بن أنس: خوَّفهم عذابه ونقمته، ثم أخبرهم أنه إِذا وقع من ذلك أمرٌ أنجى الله رسله والذين آمنوا معه {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك إِن كنتم في شك من حقيقة ديني وصحته {فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي فلا أعبد ما تعبدون من الأوثان والأصنام التي لا تنفع ولا تضر {وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} أي ولكني أعبد الله الذي يتوفاكم، وبيده محياكم ومماتكم، قال الطبري: وهذا تعريضٌ ولحنٌ من الكلام لطيف، وكأنه يقول: لا ينبغي لكم أن تشكّوا في ديني، وإِنما ينبغي أن تشكّوا في عبادة الأصنام التي لا تعقل ولا تضر ولا تنفع، فأما إِلهي الذي أعبده فهو الذي يقبض الخلق وينفع ويضر {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي وأنا مأمور بأن أكون مؤمناً موحّداً لله لا أشرك معه غيره {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} أي وأمرتُ بالاستقامة في الدين، على الحنيفية السمحة ملةِ إِبراهيم {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي ولا تكوننَّ ممن يشرك في عبادة ربه {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ} تأكيدٌ للنهي المذكور أي ولا تعبدْ غير الله ممّا لا ينفع ولا يضر كالآلهة والأصنام {فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ ٱلظَّالِمِينَ} أي فإِن عبدتَ تلك الآلهة المزعومة كنت ممن ظلم نفسه لأنك عرضتها لعذاب الله، والخطابُ هنا للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد غيره كما تقدم {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} أي وإِن أراد الله إِصابتك بضُرّ فلا دافع له إِلا هو وحده {وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ} أي وإِن أراد إِصابتك بنعمة أو رخاء فلا يمنعه عنك مانع {يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي يصيب بهذا الفضل والإِحسان من شاء من العباد {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} أي هو سبحانه الغفور لذنوب العباد، الرحيم بأهل الرشاد {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ} أي جاءكم القرآن العظيم المشتمل على محاسن الأحكام {فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} أي من اهتدى بالإِيمان فمنفعة اهتدائه لها خاصة {وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أي ومن ضلَّ بالكفر والإِعراض فوبال الضلال مقصور عليها {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} أي ولستُ بحفيظ أحفظ عليكم أعمالكم إِنما أنا بشيرٌ ونذير {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ} أي اتّبعْ يا محمد في جميع شئونك ما يوحيه إِليك ربك {وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ} أي اصبر على ما يعتريك من مشاقّ التبليغ حتى يقضي الله بينك وبينهم {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} أي هو سبحانه خير من يفصل في الحكومة، والآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعيدٌ للمشركين. البَلاَغَة: 1- {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ} الاستفهام للتوبيخ والإِنكار. 2- {بَوَّأْنَا.. مُبَوَّأَ} يبنهما جناس الاشتقاق. 3- {كَلِمَتُ رَبِّكَ} كناية عن القضاء والحكم الأزلي بالشقاوة. 4- {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا} صيغة المضارع حكاية عن الماضي لتهويل أمرها باستحضار صورتها. 5- {مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ} بينهما طباق. 6- {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ.. وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ} بين الجملتين مقابلة لطيفة وهي من المحسنات البديعية. 7- {فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ.. وَمَن ضَلَّ} بينهما طباقٌ. 8- {يَحْكُمَ ٱللَّهُ.. ٱلْحَاكِمِينَ} بينهما جناس الاشتقاق. فَائِدَة: قال الإِمام الفخر: آمن فرعون ثلاث مرات: أولها قوله {آمَنتُ} وثانيها قوله {لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ} وثالثها قوله {وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} فما السبب في عدم قبول إِيمانه؟ والجواب: أنه إِنما آمن عند نزول العذاب، والإِيمانُ في هذا الوقت غير مقبول، لأنه يصير الحال حال الإِلجاء فلا ينفع التوبة ولا الإِيمان قال تعالى {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا..} تفسير : [غافر: 85]. تنبيهْ: قال المفسرون: إِنما نجّى الله بدن فرعون بعد الغرق، لأن قوماً اعتقدوا فيه الإِلهية، وزعموا أن مثله لا يموت، فأراد الله أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والمهانة، ليتحققوا موته، ويعرفوا أن الذي كان بالأمس في نهاية الجلالة والعظمة قد آل أمره إِلى الذل والهوان، فيكون عبرة للخلق، وزجراً لأهل الطغيان.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ} معناه تَبِعَهُم. تفسير : وقوله تعالى: {بَغْياً وَعَدْواً} معناهُ عُدوانٌ وطُغْيانٌ.

الأندلسي

تفسير : {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ} تقدم الكلام على الباء من قوله: ببني إسرائيل، وكم كان الذين جاوزوا مع موسى عليه السلام في الاعراف. {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ} واتباع فرعون هو في مجاوزة البحر. روي أن فرعون لما انتهى إلى البحر ووجده قد انفرق ومضى فيه بنو إسرائيل قال لقومه: إنما انفرق بأمري. وكان فرعون على فرس ذكر فبعث الله إليه جبريل على فرس انثى وتدنوا فدخل بها البحر وولج فرس فرعون وراءه وجنب الجيوش خلفه، فلما رأى ان الانفراق قد ثبت واستمر له وبعث الله ميكائيل عليه السلام يسوق الناس حتى حصل جميعهم في البحر فانطبق عليهم. ولما لحقه من الدهش ما لحقه كرر المعنى بثلاث عبارات: اما على سبيل التلعثم، إذ ذاك مقام تحار فيه القلوب. أو حرصاً على القبول، ولم يقبل الله تعالى منه إذ فاته وقت القبول، وهو حالة الاختيار وبقاء التكليف والتوبة بعد المعاينة لا تنفع، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ}تفسير : [غافر: 85]. وتقدم الخلاف في قوله تعالى: {أية : الآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} تفسير : [يونس: 51]. في هذه السورة. والمعنى أتؤمن الساعة في حال الاضطرار حين أدركك الغرق وأيست من نفسك. قيل: قال ذلك حين ألجمه الغرق. {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع. وببدنك: بدرعك، وكان من لؤلؤ منظوم لا مثال له، قاله ابن عباس. والبدن: بدن الإِنسان. والبدن: الدرع القصيرة قال: شعر : ترى الأبدان فيها مسبغات على الابطال والكلب الحصينا تفسير : يعني: الدروع. وقيل: نلقيك ببدنك عرياناً ليس عليك ثياب ولا سلاح، وذلك أبلغ في إهانته. {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} الظاهر ان بني إسرائيل هم الذين كانوا آمنوا بموسى عليه السلام ونجوا من الغرق. وسياق الآيات ليشهد لهم. وانتصب مبوأ صدق على أنه مفعول ثان لبوأنا، كقوله: {أية : لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً} تفسير : [العنكبوت: 58]. أو على المصدر. ومعنى صدق، أي فضل وكرامة، ولما ذكر أنه بوأهم مبوأ صدق ذكر امتنانه عليهم بما رزقهم من الطيبات وهي المآكل المستلذات، أو الحلال. {فَمَا ٱخْتَلَفُواْ} أي كانوا على ملة واحدة. وطريقة موسى عليه السلام في أول حاله. {حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} أي علم التوراة فاختلفوا، وهذا ذم لهم، أي أن سبب الاتفاق هو الظلم فصار عندهم سبب الاختلاف فتشعبوا شعباً بعدما قرأوا التوراة. {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ} الظاهر أنّ انْ شرطية تقتضي تعليق شىء على شىء ولا تستلزم تحتم وقوعه ولا إمكانه، بل قد يكون ذلك في المستحيل عقلاً، كقوله تعالى: {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ}تفسير : [الزخرف: 81]. ويستحيل أن يكون له ولد. فكذلك هذا يستحيل أن يكون عليه السلام في شك. وهذه الآية من ذلك. وقيل: ان نافية. وقيل: الخطاب لغير الرسول عليه السلام. وقيل: معنى في شك: في ضيق. ولا يراد به حقيقة الشك وهو تساوي الجائزين. وروي عنه عليه السلام أنه قال: لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق. فتكون منصوب بإِضمار انْ بعد الفاء وهو جواب النهي قبله. {إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} لما ذكر تعالى عباداً قضى عليهم بالشقاوة فلا يتغير، والكلمة التي حقت عليهم هي اللعنة والغضب. {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} هو في الوقت الذي لا ينفعهم فيه إيمانهم.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعدما تمرنوا بالصبر واستقاموا على ما أُمروا مختبئين، فازوا بما ناجوا وطلبوا مؤملين حين {جَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ} أي: عبرناهم من البحر سالمين، وذلك حين هم فرعون وملأه أن يكبوا على بني إسرائيل ويستأصلوهم بالمرة، فأوحينا إلى مومسى أن أسر بعبادي ليلاً فأسرى بهم، فأخبروا فخرجوا على الفور، فأدركوهم على شاطئ البحر فأوحينا إلى موسى بضرب العصا فضرب، فانفلق وافترق فرقاً، فعيروا سالمين، فلمَّا أبصروا انفلاق البحر وعبورهم سالمين {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ} فاقتحموا في البحر بلا مبالاة وتأمل { بَغْياً وَعَدْواً} ظلماً وزوراً، علواً واستكباراً، فاجتمع البحر وعاد على ما كان فغرقوا {حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ} أي: فرعون {ٱلْغَرَقُ} وآيس من حياته وجزم ألان نجاة له أصلا {قَالَ} في حالة الاضطرار، مصرخاً صائحاً باكياً، راجياً الخلاص بمجرد الإقرار: {آمَنتُ} واعترفت{أَنَّهُ} أي: بأنه {لاۤ إِلِـٰهَ} يعبد بالحق {إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90] المنقادين لما جاء به رسوله. وحين تفوه بها، هتف هاتف من وراء سرادقات العز والجلال قائلاً: {آلآنَ} أيها الطاغي الغاوي الباغي آمنت حين انقرض وقت الإيمان وانقضى زمانه {وَقَدْ} أخذت على ما {عَصَيْتَ قَبْلُ} في مدة حياتك {وَكُنتَ} في زمان طغيانك وعصيانك الذي هو زمان الإيمان والعرفان {مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} [يونس: 91] بأنواع الفسادات لا من المؤمنين؟!. {فَٱلْيَوْمَ} لا ينفعك إيمانك {نُنَجِّيكَ} نخرجك من البحر {بِبَدَنِكَ} بلا روح ونسقطك على الساحل عرياناً {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ} من المتجبرين المتكبرين {آيَةً} زاجرة وعبرة رادعة عن العتو والعناد، صارفة عن الجور والفساد {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} الناسين عهودنا وميثاقنا الذي عهدنا معهم في لوح قضائنا {عَنْ آيَاتِنَا} الدالة على أخذنا وانتقامنا {لَغَافِلُونَ} [يونس: 92] مثلك أيها الطاغي. {وَ} بعددما أهلكنا فرعون وملأه {لَقَدْ بَوَّأْنَا} أي: مكنَّا وأسكنا {بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ} أي: مقعد صدق وموضع ثبوت واستقرار وتمكين على ما تقتضيه نفوسهم وترتضيه عقولهم {وَ} بعد تمكينهم وتوطينهم {رَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي: أطياب الأغذية والفواكه ولذائذها {فَمَا ٱخْتَلَفُواْ} في أمر دينهم قبل نزول الكتاب، بل هم متفقون مجتمعون على ما بلغهم رسولهم وهداهم إليه {حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} وأنزل عليهم الكتاب، فاختلفوا فيه وتفرقوا فرقاً تحزبوا أحزاباً، وانحرفوا عن طريق الحق وحرفوا الكتاب، سيما نعتك وحليتك وأوصافك يا أكمل الرسل {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ} ويحكم عليهم {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [يونس: 93] أي: يفصل بينهم، ويميز محقهم من مبطلهم بالإثابة والعقاب. {فَإِن كُنتَ} يا أكمل الرسل {فِي شَكٍّ} وريب {مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} في كتابك من قصصهم وأخبارهم { فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} وارجع إليهم لإزالة شكك وحل شبتهك، وتفحص عنهم حتى تنكشف لك ويتحقق عندك {لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن} عند {رَّبِّكَ} الصريح المطابق للواقع {فَلاَ تَكُونَنَّ} فيه {مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} [يونس: 94] إذ ليس هذا محلاً للشك والارتياب؛ إذ {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ}تفسير : [فصلت: 42] لأنه تنزيل من حكيم عليم. وبعدما سمعت ما سمعت {وَلاَ تَكُونَنَّ} ألبتة {مِنَ} المسرفين {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} الدالة على كمال قدرته ومتانة علمه وحكمته {فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} [يونس: 95] الساقطين عن مرتبة الخلافة، النازلين عن درجة أهل المعرفة والتوحيد. وأمثال هذه الخطابات والعتابات من الله العليم الحيكم لحبيبه الذي ظهر على الخلق العظيم، وتمكن على الصراط المستقيم، إنما هو حث وترغيب للمؤمنين على ملازمة كتاب الله ومحافظة أوامره ونواهيه، وتثبيت لهم في إيماهم وتصديقهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ } وذلك أن الله أوحى إلى موسى، لما وصل البحر، أن يضربه بعصاه، فضربه، فانفلق اثنى عشر طريقًا، وسلكه بنو إسرائيل، وساق فرعون وجنوده خلفه داخلين. فلما استكمل موسى وقومه خارجين من البحر، وفرعون وجنوده داخلين فيه، أمر الله البحر فالتطم على فرعون وجنوده، فأغرقهم، وبنو إسرائيل ينظرون. حتى إذا أدرك فرعون الغرق، وجزم بهلاكه { قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ } وهو الله الإله الحق الذي لا إله إلا هو { وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ } أي: المنقادين لدين الله، ولما جاء به موسى.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ} [90] 257- أنا زياد بن أيوب، نا هُشيم، نا أبو بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: حديث : لمَّا قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسُئلوا عن ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى، وبني إسرائيل على فرعون، ونحن نصومه تعظيما له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نحن أولى بموسى منكم" وأمر بصيامه . تفسير : قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ} [90] 258- أنا محمد بن المثنى؛ نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن عطاء بن السَّائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وعن عدي بن ثابت عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس رفعه أحدهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن جبريل كان يدُسُّ في فم فرعون الطين مخافة أن يقول: لا إله إلا الله ".

همام الصنعاني

تفسير : 1167- عبد الرزاق، عن معمر، قال: أخبرني من سمع ميمون بن مهران يقول: لما قال فِرْعون {آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ}: [الآية: 90]، أخذ جبريل من حَمأةِ البحر فضَرَبَ بِهَا فَاهُ مخافة أن تدركه رحمة الله تعالى.