Verse. 1453 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

قَالَ قَدْ اُجِيْبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَــقِيْمَا وَلَا تَتَّبِعٰۗنِّ سَبِيْلَ الَّذِيْنَ لَا يَعْلَمُوْنَ۝۸۹
Qala qad ojeebat daAAwatukuma faistaqeema wala tattabiAAanni sabeela allatheena la yaAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال» تعالى «قد أجيبت دعوتكما» فمسخت أموالهم حجارة ولم يؤمن فرعون حتى أدركه الغرق «فاستقيما» على الرسالة والدعوة إلى أن يأتيهم العذاب «ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون» في استعجال قضائي روي أنه مكث بعدها أربعين سنة.

89

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} قال أبو العالية: دعا موسى وأمّن هارون؛ فسمى هارون وقد أمّن على الدعاء داعياً. والتأمين على الدعاء أن يقول آمين؛ فقولك آمين دعاء، أي يا رب استجب لي. وقيل: دعا هارون مع موسى أيضاً. وقال أهل المعاني: ربما خاطبت العرب الواحد بخطاب الاثنين؛ قال الشاعر:شعر : فقلت لصاحبي لا تُعجلانا بنزع أُصوله فٱجتز شِيحا تفسير : وهذا على أن آمين ليس بدعاء، وأن هارون لم يدع. قال النحاس: سمعت عليّ بن سليمان يقول: الدليل على أن الدعاء لهما قول موسى عليه السلام «ربنا» ولم يقل رب. وقرأ عليّ والسُّلَمِيّ «دعواتُكما» بالجمع. وقرأ ابن السَّمَيقَع «أجبتُ دعوتَكما» خبراً عن الله تعالى، ونصب دعوة بعده. وتقدم القول في «آمين» في آخر الفاتحة مستوفًى. وهو مما خص به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهارون وموسى عليهما السلام. روى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله قد أعطى أُمّتي ثلاثاً لم تُعْط أحداً قبلهم السلام وهي تحية أهل الجنة وصفوف الملائكة وآمين إلا ما كان من موسى وهارون» تفسير : ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأُصول. وقد تقدّم في الفاتحة. قوله تعالى: {فَٱسْتَقِيمَا} قال الفرّاء وغيره: أمر بالاستقامة على أمرهما والثبات عليه من دعاء فرعون وقومه إلى الإيمان، إلى أن يأتيهما تأويل الإجابة. قال محمد بن عليّ وابن جريج: مكث فرعون وقومه بعد هذه الإجابة أربعين سنة ثم أهلكوا. وقيل: «استقيما» أي على الدعاء؛ والاستقامة في الدعاء ترك الاستعجال في حصول المقصود، ولا يسقط الاستعجال من القلب إلا باستِقامة السكينة فيه، ولا تكون تلك السكينة إلا بالرضا الحسن لجميع ما يبدو من الغيب. {وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} بتشديد النون في موضع جزم على النهي، والنون للتوكيد وحركت لالتقاء الساكنين واختير لها الكسر لأنها أشبهت نون الاثنين. وقرأ ٱبن ذَكْوَان بتخفيف النون على النفي. وقيل: هو حال من استقيما؛ أي استقيما غير متَّبعَين، والمعنى: لا تسلكا طريق من لا يعلم حقيقة وعدي ووعيدي.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ } تعالى {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا } فمسخت أموالهم حجارة ولم يؤمن فرعون حتى أدركه الغرق {فَٱسْتَقِيمَا } على الرسالة والدعوة إلى أن يأتيهم العذاب {وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } في استعجال قضائي. روي أنه مكث بعدها أربعين سنة.

ابن عبد السلام

تفسير : {دَّعْوَتُكُمَا} أمَّن هارون على دعاء موسى ـ عليهما الصلاة والسلام ـ فسماه داعياً، ومعنى آمين: اللهم استجب، أو اسم من أسماء الله ـ تعالى ـ بإضمار حرف النداء تقديره يا آمين استجب، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : آمين خاتم رب العالمين على عباده المؤمنين "تفسير : أي يمنع من وصول الأذى والضرر إليهم كما يمنع الختم من الوصول إلى المختوم، أو معناه بعد الدعاء اللهم استجب وبعد الفاتحة كذلك أمنة تكون"ع"، وتأخر فرعون بعد الإجابة أربعين عاماً. {فَاسْتَقِيمَا} فامضيا لأمري فخرجا في قومهما، أو فاستقيما في الدعاء على فرعون وقومه، قيل ليس لنبي أن يدعو إلا بإذن لأن دعاءه يوجب النقمة وقد يكون فيهم من يتوب.

الخازن

تفسير : {قال} الله عز وجل لموسى وهارون {قد أجيبت دعوتكما} إنما نسب الدعاء إليهما وأن الداعي هو موسى وحده لأن هارون عليه السلام كان يؤمن والتأمين دعاء لأنه طلب وسؤال أيضاً ومعناه اللهم استجب فصار بذلك شريك موسى في الدعاء فلذلك قال تعالى قد أجيب دعوتكما {فاستقيما} يعني على تبليغ الرسالة وامضيا لأمري إلى أن يأتيهم العذاب {ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} يعني ولا تسلكا طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي فإن وعدي لا خلف فيه ووعدي نازل بفرعون وقومه فلا تستعجلا. قيل: كان بين دعاء موسى عليه السلام وبين الإجابة أربعون سنة. قال الإمام فخر الدين الرازي: واعلم أن هذا النهي لا يدل على أن ذلك قد صدر من موسى وهارون كما أن قوله لئن أشركت ليحبطن عملك لا يدل على صدور الشرك منه. قوله عز وجل: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} أي: وقطعنا ببني إسرائيل البحر وعبرناهم إياه حتى جاوزوه وعبروه {فأتبعهم فرعون وجنوده} يعني لحقهم وأدركهم {بغياً وعدواً} أي ظلماً وعدواناً وقيل البغي طلب الاستعلاء بغير حق والعدو الظلم وقيل بغياً في القول وعدواً في الفعل. قال أهل التفسير: اجتمع يعقوب وبنوه إلى يوسف وهم اثنان وسبعون وخرجوا مع موسى من مصر وهم ستمائة ألف وذلك أنه لما أجاب الله دعاء موسى وهارون أمرهما بالخروج ببني إسرائيل من مصر في الوقت الذي أمرهما أن يخرجا فيه بهم ويسر لهم أسباب الخروج وكان فرعون غافلاً فلما سمع بخروجهم ومفارقتهم مملكته خرج بجنوده في طلبهم فلما أدركهم قالوا لموسى أين المخلص والمخرج البحر أمامنا وفرعون وراءنا وقد كنا نلقى من فرعون البلاء العظيم فأوحى الله سبحانه وتعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وكشف الله عن وجه الأرض وأيبس لهم البحر فلحقهم فرعون وكان على حصان أدهم وكان معه في عسكره ثمانمائة ألف حصان على لون حصانه سوى سائر الألوان وكان مقدمهم جبريل وكان على فرس أنثى وديق وميكائيل بسوقهم حتى لا يشد منهم أحد فلما خرج آخر بني إسرائيل من البحر دنا جبريل بفرسه فلما وجد الحصان ريح الأنثى لم يملك فرعون من أمره شيئاً فنزل البحر وتبعه جنوده حتى إذا اكتملوا جميعاً في البحر وهمّ أولهم بالخروج التطم البحر عليهم فلما أدرك فرعون الغرق أتى بكلمة الإخلاص ظناً منه أنها تنجيه من الهلاك وهو قوله تعالى: {حتى إذا أدركه الغرق قال} يعني فرعون {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} قال ابن عباس: لم يقبل الله إيمانه عند نزول العذاب به وقد كان في مهل. قال العلماء: إيمانه غير مقبول وذلك أن الإيمان والتوبة عند معاينة الملائكة والعذاب غير مقبولين ويدل عليه قوله تعالى: {أية : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} تفسير : [غافر: 85] وقيل: إنه قال هذه الكلمة ليتوصل بها إلى دفع ما نزل به من البلية الحاضرة، ولم يكن قصده بها الإقرار بوحدانية الله تعالى والاعتراف له بالربوبية لا جرم لم ينفعه ما قال في ذلك الوقت. وقيل: إن فرعون كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع الخالق سبحانه وتعالى: فلهذا قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل فلم ينفعه ذلك لحصول الشك في إيمانه ولما رجع فرعون إلى الإيمان والتوبة حين أغلق بابهما بحضورالموت ومعاينة الملائكة قيل له.

البقاعي

تفسير : ولما أخبر سبحانه عن دعائه عليه السلام أخبر بإجابته بقوله مستأنفاً: {قال} ولما كان الموضع محل التوقع للإجابة، افتتحه بحرفه فقال: {قد أجيبت دعوتكما} والبناء للمفعول أدل على القدرة وأوقع في النفس من جهة الدلالة على الفاعل بالاستدلال، وثنى للإعلام بأن هارون عليه السلام مع موسى عليه السلام في هذا الدعاء، لأنه معه كالشيء الواحد لا خلاف منه له أصلاً وإن كان غائباً، وذلك كما بايع النبي صلى الله عليه وسلم عن عثمان رضي الله عنه في عمرة الحديبية فضرب بإحدى يديه على الأخرى وهو غائب في حاجة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا ضرب له في غزوة بدر بسهمه وأجره وكان غائباً. ولما كانت الطاعة وانتظار الفرج وإن طال زمنه أعظم أسباب الإجابة، سبب عن ذلك قوله: {فاستقيما} أي فاثبتا على التعبد والتذلل والخضوع لربكما كما أن نوحاً عليه السلام ثبت على ذلك وطال زمنه جداً واشتد أذاه ولم يضجر؛ ولما كان الصبر شديداً. أكد قوله: {ولا تتبِّعان} بالاستعجال أو الفترة عن الشكر {سبيل الذين لا يعلمون*} ولما أمر بالتأني الذي هو نتيجة العلم، عطف على ذلك الإخبار بالاستجابة قوله: {وجاوزنا} أي فعلنا بعظمتنا في إجازتهم فعل المناظر للآخر المباري له، ودل بإلصاق الباء بهم على مصاحبته سبحانه لهم دلالة على رضاه بفعلهم فقال: {ببني إسراءيل} أي عبدنا المخلص لنا {البحر} إعلاماً بأنه أمرهم بالخروج من مصر وأنجز لهم ما وعد فأهلك فرعون وملأه باتباعهم سبيل من لا يعلم بطيشهم وعدم صبرهم، ونجى بني إسرائيل بصبرهم وخضوعهم؛ والالتفات من الغيبة إلى التكلم لما في هذه المجاوزة ومقدماتها ولواحقها من مظاهر العظمة ونفوذ الأوامر ومضاء الأحكام؛ وبين سبحانه كيفية إظهار استجابة الدعوة بقوله مسبباً عن المجاوزة: {فأتبعهم} أي بني إسرائيل {فرعون وجنوده} أي أوقعوا تبعهم أي حملوا نفوسهم على تبعهم، وهو السير في أثرهم، واتبعه - إذا سبقه فلحقه، ويقال: تبعه في الخير واتبعه في الشر. ولما أفهم ذلك، صرح به فقال: {بغياً} أي تعدياً للحق واستهانة بهم {وعدواً} أي ظلماً وتجاوزاً للحد. ولما كان فاعل ذلك جديراً بأن يرجع عما سلكه من الوعورة، عجب منه في تماديه فقال - عاطفاً على ما تقديره: واستمر يتمادى في ذلك -: {حتى} ولما كانت رؤية انفراج البحر عن مواضع سيرهم مظنة تحقق رجوع الماء إلى مواضعه فيغرق، عبر بأداة التحقق فقال: {إذا أدركه} أي قهره وأحاط به {الغرق} أي الموت بالماء كما سأل موسى في أنه لا يؤمن حتى يرى العذاب الأليم {قال آمنت} أي أوقعت إيمان الداعي لي من التكذيب؛ ثم علل إيمانه بقوله مبدلاً من {آمنت} في قراءة حمزة والكسائي بالكسر مؤكداً من شدة الجزع: {أنه} وعلى تقدير الباء تعليلاً في قراءة الجماعة أي معترفاً بأنه {لا إله إلا الذي} ويجوز أن يكون أوقع {آمنت} على {أنه} وما بعدها - أي {آمنت} نفي الإلهية عن كل شيء غير من استثنيه من أن أعبره أو أرجع عنه. ولما كان قد تحقق الهالك وعلم أنه لا نجاة إلا بالصدق، اراد الإعلام بغاية صدقه فقال: {آمنت} أي أوقعت التصديق معترفة {به بنو إسراءيل} فعينه تعييناً أزال الاحتمال؛ ثم قال: {وأنا من المسلمين*} فكرر قبول ما كان دعي إليه فأباه استكباراً، وعبر بما دل على ادعاء الرسوخ فيه بياناً لأنه ذل ذلاً لم يبق معه شيء من ذلك الكبر ولم ينفعه ذلك لفوات شرطه، فاتصل ذله ذلك بذل الخزي في البرزخ وما بعده، وقد كانت المرة الواحدة كافية له عند وجود الشرط، وزاده تعالى ذلاً بالإيئاس من الفلاح بقوله على لسان الحال أو جبريل عليه السلام أو ملك الموت أو غيره من الجنود عليهم السلام: {ءَالآن} أي أتجيب إلى ما دعيت إليه في هذا الحين الذي لا ينفع فيه الإجابة لفوات الإيمان بالغيب الذي لا يصح أن يقع اسم الإيمان إلا عليه {وقد} أي والحال أنك قد {عصيت} أي بالكفر {قبل} أي في جميع زمان الدعوة الذي قبل هذا الوقت، ومعصية الملك توجب الأخذ والغضب كيف كانت، فكيف وهي بالكفر‍! {وكنت} أي كوناً جبلياً {من المفسدين*} أي العريقين في الفساد والإفساد؛ ثم أكده - بدل شماتة الأعداء به الذين كانوا عنده أقل شيء وأحقره - بقوله مسبباً عما تضمنه ذلك الإنكار من الإذلال بالإهلاك إشارة إلى أن الماء أحاط به وصار يرتفع قليلاً قليلاً حتى امتد زمن التوبيخ: {فاليوم ننجيك} أي تنجية عظيمة. ولما كان ذلك ساراً وكانت المساءة بما يفهم السرور إنكاء، قال دالاً على أن ذلك يعد نزع روحه: {ببدنك} أي من غير روح وهو كامل لم ينقص منه شيء حتى لا يدخل في معرفتك لبس {لتكون} أي كوناً هو في غاية الثبات {لمن خلفك} أي يتأخر عنك في الحياة من بني إسرائيل وغيرهم {آية} في أنك عبد ضعيف حقير، لست برب فضلاً عن أن تكون أعلى ويعرفوا أن من عصى الملك أخذ وأن كان أقوى الناس , وأكثرهم جنوداً، وقد ادعى بعض الملحدين إيمانه بهذه الآية إرادة لما يعيذ الله منه من حل العقد الواجب من أن فرعون من أكفر الكفرة بإجماع أهل الملل ليهون للناس الاجتراء على المعاصي، وادعى أنه لا نص في القرآن على أنه من أهل النار وضل عن الصرائح التي في القرآن في ذلك في غير موضع وعن أن قوله تعالى: {أية : وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين}تفسير : [يونس: 83] مع قوله تعالى: {أية : وأن المسرفين هم أصحاب النار}تفسير : [غافر: 43] قياس قطعي الدلالة بديهي النص على أنه من أهل النار، والآية - كما ترى - دليل على قوله: {قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً} - الآية، لو كان فرعون مثل قريش، فكيف ولا نسبة لهم منه في شدة الاستكبار التابعة لكثرة الجموع ونفوذ الكلمة بضخامة الملك وعز السلطان والقوة بالأموال والأعوان، وقد وري أن جبريل عليه السلام كان أتاه بفتيا في عبد نشأ في نعمة سيده فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه، فكتب فرعون جزاء العبد الخارج عن طاعة سيده الكافر نعماءه أن يغرق في البحر، فلما ألجمه الغرق ناوله جبريل عليه السلام خطه فعرفه. ولما لم يعمل فرعون وآله بمقتضى ما رأوا من الآيات، كان حكمهم حكم الغافلين عنها، فكان التقدير: ولقد غفلوا عما جاءهم من الآيات {وإن كثيراً} أكده لأن مثله ينبغي - لبعده عن الصواب - أن لا يصدق أن أحداً يقع فيه {من الناس} أي وهم من لم يصل إلى حد أول أسنان أهل الإيمان لما عندهم من النوس - وهو الاضطراب - والأنس بأنفسهم {عن آياتنا} أي على ما لها من العظمة {لغافلون} والإصلاح: تقويم العمل على ما ينفع بدلاً مما يضر؛ وإحقاق الحق: إظهاره وتمكينه بالدلائل الواضحة حتى يرجع الطاعن عنه حسيراً والمناصب له مفلولاً؛ والإسراف: الإبعاد في مجاوزة الحق؛ والفتنة: البلية، وهي معاملة تظهر الأمور الباطنة؛ والنجاة: الخلاص مما فيه المخافة، ونظيرها السلامة، وعلقوا النجاة بالرحمة لأنها إنعام على المحتاج بما تطلع إليه النفوس العباد، فهو على أوكد ما يكون من الدعاء إلى الصلاح؛ والوحي: إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء، والإيحاء والإيماء والإشارة نظائر، ولا يجوز أن تطلق الصفة بالوحي إلا لنبي؛ وتبوأ: اتخذ، وأصله الرجوع، فالمتبوأ: المنزل، لأنه يرجع إليه للمقام فيه: والطمس: محو الأثر فهو تغير إلى الدثور والدروس؛ والإجابة: موافقة الدعوة فيما طلب بها لوقوعها على تلك الصفة؛ والدعوة: طلب الفعل بصيغة الأمر، وقد تكون بالماضي؛ والمجاوزة: الخروج عن الحد من إحدى الجهات؛ والبحر: مستقر الماء الواسع بحيث لا يدرك طرفيه من كان في وسطه، وهو مأخوذ من الاتساع؛ والاتباع: اللحاق بالأول؛ والبغي: طلب الاستعلاء بغير حق؛ والآن: فصل الزمانين الماضي والمستقبل، ومع أنه إشارة إلى الحاضر، ولهذا بنى كما بنى "ذا"؛ والبدن: مسكن روح الحيوان على صورته.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قد أجيبت دعوتكما‏.‏ قال‏:‏ فاستجاب ربه له وحال بين فرعون وبين الإِيمان‏. وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ كان موسى عليه السلام إذا دعا أمن هرون على دعائه يقول‏:‏ آمين‏.‏ قال أبو هريرة رضي الله عنه‏:‏ وهو اسم من أسماء الله تعالى، فذلك قوله ‏{‏قد أجيبت دعوتكما‏} ‏‏. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏قد أجيبت دعوتكما‏} ‏ قال‏:‏ دعا موسى عليه السلام وأمن هرون‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ كان موسى عليه السلام يدعو ويؤمن هرون عليه السلام، فذلك قوله ‏ {‏قد أجيبت دعوتكما‏}‏‏ . وأخرج سعيد بن منصور عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال‏:‏ كان موسى يدعو وهرون يؤمن، والداعي والمؤمن شريكان‏. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏ دعا موسى وأمن هرون‏. وأخرج ابن جرير عن أبي صالح وأبي العالية والربيع مثله‏. أخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه قال‏:‏ كان هرون عليه السلام يقول‏:‏ آمين‏.‏ فقال الله ‏ {‏قد أجيبت دعوتكما‏} ‏ فصار التأمين دعوة صار شريكه فيها‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ يزعمون أن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة‏. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج الحكيم الترمذي عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏قال قد أجيبت دعوتكما‏} ‏ قال‏:‏ بعد أربعين سنة‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنه ‏{‏فاستقيما‏}‏ فامضيا لأمري وهي الاستقامة‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا} [الآية: 89]. قال ذو النون: الاستقامة فى الدعاء لا تغضب لتأخير الإجابة، ولا تسكن إلى تعجيل الإجابة، ولا تسل سواك الخصومة. قال بعضهم: الاستقامة فى الدعاء هو رؤية الإجابة مكرًا واستدراجًا، ورؤية تأخير الإجابة طردًا وبُعدًا. وقيل: أجيبت دعوتكما فاستقيما على دعائكما إلى أن يظهر لكما الإجابة. وقيل: أجيبت دعوتكما فاستقيما على منهاج الصدق.

القشيري

تفسير : الاستقامةُ في الدعاء تَرْكُ الاستعجال في حصول المقصود، ولا يَسْقُطُ الاستعجالُ من القلب إلا بوجدان السكينة فيه، ولا تكون تلك السكينة إلا بِحُسْن الرضاء بجميع ما يبدو من الغيب. ويقال ينبغي للعبد أن يستقلَّ بالله ما أمكنه فعند هذا يقلُّ دعاؤه. ثم إذا دعاه بإشارة من الغيب - في جوازه - فالواجب ألا يستعجل، وأن يكون ساكِنَ الجأشِ. ويقال من شرط الدعاء صِدْقُ الافتقار في الابتداء، ثم حُسْنُ الانتظار في الانتهاء، وكمال هذا الرضا بجريان الأقدار بما يبدو من المسار والمضار. ويقال الاستقامة في الدعاء سقوط التقاضي على الغيب, والخمود عن الاستعجال بحُسْنِ الثقة, وجميل الظَّن. ويقال في الآية تنبيهٌ على أنَّ للأمورِ آجالاً معلومة، فإذا جاء الوقت فلا تأخير للمقسوم في الوقت المعلوم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا} عرف الله سبحانه لهما مكان الدعاء حتى يعرفان مكان الاجابو والسوال لان مكان الدعاء مكان الاجابة ومن لم يعرف مكان الاجابة لا يستحسن منه الدعاء والسوال اى فاستقيما فى معرفتكما مكان السوال منى بشرط معرفتكما منى مكان الاجابة وذلك مكان الرضوان والبسط والانبساط وايضا هذا تهديد لهما اى قد اجيبت دعوتكما لضعفكما من تحمل وارد امتحانى فاستقيما بعد ذلك فى تحمل بلائى والصبر فيه فان استقامة المعرفة يقتضى الرضا بالقضاء والسكون فى البلاء قال ذو النون الاستقامة فى الدعاء ان لا تقضت لتاخير الاجابة ولا تسكن الى تعجيل الاجابة ولا تسال سوال خصوص قيل اجيبت دعوتكما واتقيما على مناهج الصدق.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} الله تعالى {قد اجيبت دعوتكما} يعنى موسى وهارون لانه كان يؤمن والتأمين دعاء ايضا لان معناه استجب {فاستقيما} فاثبتا على ما انتما عليه من الدعوة والزام الحجة ولا تستعجلا فان ما طلبتماه كائن فى وقته لا محالة. وفى الكواشى الاستقامة فى الدعاء ان لا يرى الاجابة مكرا واستدارجا وتأخيرها طردا وابعادا {ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} اى بعادات الله تعالى فى تعليق الامور بالحكم والمصالح او سبيل الجهلة فى الاستعجال كارها موقوف آيد نكهداريد وقت -روى- ان موسى عليه السلا م او فرعون وهو الاولى كما فى حواشى سعدى المفتى مكث فيهم بعد الدعاء اربعين سنة. قال على رضى الله عنه جعل فى يديك مفاتيح خزائنه بما اذن لك فيه من مسألته فما شئت استفتحت بالدعاء ابواب نعمته واستمطرت شآبيب رحمته فلا يقطنك ابطاء اجابته فان العطية على قدر النية وربما اخرت عنك الاجابة ليكون ذلك اعظم لاجر السائل واجزل لعطاء الآمل وفى الحديث "حديث : ما من داع يدعو الا استجاب الله له دعوته او صرف عنه مثلها سوأ او حط من ذنوبه بقدرها ما لم يدع باثم او قطيعة رحم" تفسير : اى لم يدع حال مقارنة اثم او قطيعة رحم كما فى شرح العقائد لرمضان: وفى المثنوى شعر : جزتوبيش كه بر بنده دست هم دعا وهم اجابت از تو است هم زاول دهى ميل دعا تو دهى آخر دعاهارا جزا تفسير : وفيه ايضا شعر : داد مر فرعونرا صد ملك ومال تا بكرد او دعوى عز وجلال در همه عمرش نديد او درد سر تا ننالد سوى حق آن بد كهر درد آمد بهتر از ملك جهان تا بخوانى مر خدارا در نهان تفسير : ومن شرائط الدعاء الذلة فان الاجابة مترتبة عليها كالنصر كما قال تعالى {أية : ولقد نصركم الله ببدر وانتم اذلة } تفسير : وعن ابى يزيد البسطامى قدس سره انه قال كابدت العبادة ثلاثين سنة فرأيت قائلا يقول لى يا ابا يزيد خزائنه مملوءة من العبادة ان اردت الوصول اليه فعليك بالذلة والافتقار كما قال الحافظ شعر : فقير وخسته بدر كاهت آمدم رحمى كه جزدعاى توام نيست هيج دست آويز تفسير : وفى الآية بيان جواز الدعاء السوء عند مساس الحاجة اليه وقد صدر من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ايضا حيث دعا على مضر حيث بالغوا فى الاذية له عليه السلام فقال"حديث : اللهم اشدد وطاتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف" تفسير : يعنى خذهم اخذا شديدا وعنى بسنى يوسف السبع الشداد فاستجاب الله دعاءه عليه السلام فاصابتهم سنة اكلوا فيها الجيف والجلود والعظام والعلهز وهو الوبر والدم اى يخلط الدم باوبار الابل ويشوى على النار وصار الواحد منهم يرى ما بينه وبين السماء كالدخان من الجوع. ثم ان العذاب الاليم للنفس فطامها عن شواتها ومألوفاتها فهى لا تؤمن بالآخرة على الحقيقة ولا تسلك سبيل الطلب حتى تذوق الم ذلك العذاب فان ذلك موت لها معنى ولا ينتبه الناس الا بعد الموت ايقظنا الله واياكم من رقدة الغفلات

الطوسي

تفسير : حكى الله تعالى أنه اجاب موسى وهارون، فقال لهما {قد أجيبت دعوتكما} والجواب موافقة للدعوة فيما طلب بها لوقوعها على تلك الصفة. فالله تعالى يجيب الدعاء إذا وقع بشروط الحكمة. واختلفوا في هل يجوز أن يجيب الله تعالى دعوة الكافر أم لا؟ فقال ابو علي الجبائي: لا يجوز لان اجابته إكرام له كما يقولون: فلان مجاب الدعوة اي هو رجل صالح. والكافر ليس بهذه المنزلة. وقال ابو بكر بن الاخشاد: يجوز ذلك إذا كان فيه ضرب من المصلحة. والاجابة قد تكون من الاعلى للادون من غير ترغيب المدعو. والطاعة لا تكون إلا من الادنى للاعلى. ولا يجوز عند اكثر المحصلين ان يدعو نبي على قومه من غير إذن سمعي، لانه لا يأمن أن يكون منهم من يتوب مع اللطف في التبقية، فلايجاب. ويكون ذلك فتنة. والدعوة طلب الفعل بصيغة الامر وقد يدعى بصيغة الماضي كقولك: غفر الله لك واحسن اليك، وجزاك الله خيراً. وإنما قال {أجيبت دعوتكما} والداعي موسى لان دعاء موسى كان مع تأمين هارون - على ما قاله الربيع وابن زيد وعكرمة ومحمد بن كعب وأبو العالية - والمؤّمن داع، لان المعنى في التأمين اللهم اجب هذا الدعاء. وقوله {فاستقيما} امر منه تعالى لهما بالاستقامة في دعائهما لفرعون وقومه على ما أمرتكما به ولا تتبعا سبيل الجاهلين لوعدي ووعيدي فانه لا خلف له. وقال ابن جريح: مكث فرعون بعد هذه الامور اربعين سنة. وقوله {ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} نهي منه تعالى لموسى وهارون أن يتبعا طريقة من لا يؤمن بالله ولا يعرفه. وقرأ ابن عامر وحده {ولا تتبعان} مخففة النون الا الداحواني عن هشام، فانه خير بين تخفيفها وتشديدها. وقرأ ابن عامر وحده {ولا تتبعان} ساكنة التاء مخففة مشددة النون. وفي قراءة الاخفش الدمشقي عن ابن عامر بتخفيف التاء والنون. الباقون بتشديد التاء والنون. قال ابو علي النحوي: من شدد النون فلأن هذه النون الثقيلة إذا دخلت على (تفعل) فتح لام الفعل، لدخولها وبني الفعل معها على الفتح نحو (لتفعلن) وحذفت النون التي تثبت في (تفعلان) في حال الرفع مع النون الشديدة، وحذف الضم في (لتفعلن)، وإنما كسرت الشديدة بعد ألف التثنية. لوقوعها بعد الف التثنية، فاشبهت التى تلحق الألف في رجلان، لما كانت في هذه مثلها، ودخلت لمعنى كدخولها، ولم يعتد بالنون قبلها، لانها ساكنة، ولانها خفيفة فصارت المكسورة كأنها وليت الألف. ومن خفف النون يحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة كما خففوا (رب) و (ان) ونحوهما، وحذفوا الاولى من المثلين كما أبدلوا الاولى من المثلين في نحو (قيراط ودينار) ولان اصلهما (قرّاط ودّنار) فأبدلوا من إحدى النونين ياء. ويحتمل ان يكون حالا من قوله {فاستقيما} وتقديره فاستقيما غير متبعين. ويحتمل ان يكون على لفظ الخبر والمراد به الامر.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} ورد انّه كان بين دعائه (ع) ووعد اجابته وبين اخذ فرعون وقومه اربعون سنة {فَٱسْتَقِيمَا} فيما انتما عليه من الدّعوة ولا تضطربا بتأخير الوعد كالجهلة، والاستقامة فى الامر عبارة عن التّمكّن فيه بحيث لا يخرجه منه مخرج {وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} سبيل الجهلة من عدم الثّبات على امرٍ.

اطفيش

تفسير : {قالَ} الله {قَدْ أجِيبَتْ دَعْوتُكما} ويجوز أن يكونا جميعا يدعون، ولم يذكر إلا دعاء موسى، وقرئ دعواتكما بالجمع، قال ابن جريج: كان بين الدعاء والإجابة أربعون سنة، أقامها فيهم بعد الدعاء، مسخ الله سكرهم، ودنانيرهم وأموالهم حجارة. أوحى الله إلى موسى: أنى مورث بنى إسرائيل ما فى أيدى فرعون من العروض والحلى، وجاعله لهم جهازا وعمارا إلى الأرض المقدسة، فاجعل لذلك عيدا تعتكف أنت وقومك وتذكروننى فيه، وتظموننى، وتعبدوننى، لما أريكم من الظفر، ونجاة الأولياء، وهلاك الأعداء، وتستعيروا لعيدكم من آل فرعون الحلى، وأنواع الزينة، فإنهم لا يمتنعون عليكم بالبلاء النازل عليهم فى ذلك الوقت، ولما قذف فى قلوبهم من الرعب. فاستعاروا فأعارهم فرعون وقومه ما فى خزائنهم، وفى أيدى أهليهم من الحلى كله، وأتم موسى الدعاء، فمسخ الله ما بقى فى أيديهم من مال ودنانير، ودراهم وخيل، ورقيق وزروع ونخل حجارة. قال محمد بن كعب القرظى: كان الرجل مع أهله فى فراشه، فصارا حجرين، والمرأة قائمة تخبز صارت حجرا، وذلك من عبيدهم وإمائهم، لأنهم مال، وكما دعى موسى بطمس الأموال. قال رجل من أهل الشام كان بمصر: رأيت نخلة مصروعة، وإنها لحجر، ورأيت إنسانا وما أشك أنه إنسان، وإنه لحجر، وكان ذلك الإنسان من الرقيق، ولم يبق لهم مال إلا مسخه الله تعالى، إلا ما فى أيدى بنى إسرائيل من الزينة. قال محمد بن كعب: سألنى عمر بن عبد العزيز عن الآيات اللاتى أراهن الله عز وجل فرعون وقومه؟ فقلت: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد البيضاء، والطمث، وقلق البحر. قال عمر: كيف يكون الفقيه إلا هكذا، ثم دعا بخريطة كانت فيها أشياء أصيبت لعبد العزيز بن مروان من بقايا مال فرعون، فأخرج البيضة مشقوقة نصفين وإنها لحجر، والجوزة مشقوقة وإنها لحجر، والحنطة والعدسة. قال ابن عباس: أول الآيات العصا وآخرها الطمث، قال: بلغنا أن الدنانير والدراهم صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأنصافا وأثلاثا، قال السدى: مسخ الله أيضا طعامهم حجارة. {فاسْتَقيما} دوما على الاستقامة فى الدين والدعوة، وإلزام الحجة، ولا تستعجلا، فإنما طلبتما واقع لوقته، داما أربعين سنة، فأهلك الله سبحانه وتعالى فرعون وقومه، وطمس مالهم، ولم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم وهو الغرق. {ولا تَتَّبعانِّ} لا ناهية، نهاهما عن الاتباع ولم يكونا اتبعا قط تأكيدا، والفعل مجزوما بحذف، ثم أكد بالنون الشديدة كسرت تشبيها بنون الرفع بعد ألف الاثنين، وبنون المثنى ولو كان فيها نونان، لأن الأولى مدغمة فكأن لم تكن، وكل منهما نون زائدة بعد ألف ليست من نفس الكلمة، واغتفر التقاء الساكنين، لأن الأول ألف لا يمكن تحريكه، ولو حذف لم يكن عليها دليل فى الخط، بل ولا فى اللسان، لأن النون تفتح من بعد حذف الألف، ولو حذفت مدغمة لالتبست الباقية بنون الرفع، ومن أجاز وقوع الخفيفة بعد الألف أجاز أن تكون هذه المدغمة نون الرفع على أن لا نافية، والواو حالية أو استئنافية، والمكسورة نون التوكيد كسرت على أصل التخلص من التقاء الساكنين مع التشبيه بنون يقومان، ونون الزيدان،. وقرأ أبو عمرو فى رواية ابن ذكوان بتخفيف النون، على أنها نون الرفع، ولا نافية، وتشديد التاء، وقيل: هى نون التوكيد الخفيفة كسرت لالتقاء الساكنة، وتشبيها بنون يقومان والزيدان، ولا ناهية، وتلك الرؤية هى المشهورة عن أبى عمرو. وروى بعض رجاله الذين يروون عنه أنه سكن التاء الثانية، وفتح الباء الموحدة، وشدد النون مكسورة، وروى بعضهم أنه قرأ بهذا الضبط، لكن خفف النون، وهى كما مر نون الرفع ولا نافية، والجملة حال أو مستأنفة، وعلى النفى فإنما ساغ التوكيد على القلة، وقاسه بعض، أو لأن هذا النفى فى معنى النهى، قالوا: وللعطف على هذا الوجه. {سَبيلَ الذَينَ لا يعْلَمونَ} فى الاستعجال، أو عدم الوثوق والسكون إلى وعد الله وهم الجهلة مطلقا، أو المشركون.

الالوسي

تفسير : {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} هو خطاب لموسى وهارون عليهما السلام، وظاهره أن هارون عليه السلام دعا بمثل ما دعا موسى عليه السلام حقيقة لكن اكتفى بنقل دعاء موسى عليه السلام لكونه الرسول بالاستقلال عن نقل دعائه وأشرك بالبشارة إظهاراً لشرفه عليه السلام، ويحتمل أنه لم يدع حقيقة لكن أضيفت الدعوة إليه أيضاً بناءً على أن دعوة موسى في حكم دعوته لمكان كونه تابعاً ووزيراً له، والذي تضافرت به الآثار أنه عليه السلام كان يؤمن لدعاء أخيه والتأمين دعاء، فإن معنى آمين استجب وليس اسماً من أسمائه تعالى كما يروونه عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه، قيل: ولكونه دعاء استحب الحنفية الإسرار به، وفيه نظر لأن الظاهر أن مدار استحباب الإسرار والجهر ليس كونه دعاءً فإن الشافعية استحبوا الجهر به مع أن المشهور عنهم أنهم قائلون أيضاً بكونه دعاء، وظاهر كلام بعض المحققين أن إضافة الرب إلى ضمير المتكلم مع الغير في المواقع الثلاثة تشعر بأنه عليه السلام كان يؤمن لدعاء موسى عليه السلام ولا يخفى ما في ذلك الإشعار من الخفاء. وقرىء {دعواتكما} بالجمع ووجهه ظاهر {فَٱسْتَقِيمَا} فامضيا لأمري واثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة وإلزام الحجة ولا تستعجلا فإن ما طلبتماه كائن في وقته لا محالة. أخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: يزعمون أن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة، وأخرج ابن جرير عن ابن جريج مثله، وأخرج الترمذي عن مجاهد أن الدعوة أجيبت بعد أربعين سنة ولم يذكر الزعم. {وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} بعادات الله تعالى في تعليق الأمور بالحكم والمصالح أو سبيل الجهلة في عدم الوثوق بوعد الله سبحانه، والنهي لا يقتضي صحة وقوع المنهي عنه فقد كثر نهي الشخص عما يستحيل وقوعه منه، ولعل الغرض منه هنا مجرد تأكيد أمر الوعد وإفادة أن في تأخير إنجازه / حكماً إلهية. وعن ابن عامر أنه قرأ {وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ} بالنون الخفيفة المكسورة لالتقاء الساكنين، ووجه ذلك ابن الحاجب بأن {لا} نافية والنون علامة الرفع، والجملة إما في موضع الحال من الضمير المرفوع في ـ استقيما ـ كأنه قيل: استقيما غير متبعين، والجملة المضارعية المنفية ـ بلا ـ الواقعة حالاً يجوز اقترانها بالواو وعدمه خلافاً لمن زعم وجوب عدم الاقتران بالواو إلا أن يقدر مبتدأ، وإما معطوفة على الجملة الطلبية التي قبلها وهي وإن كانت خبرية لفظاً إلا أنها طلبية معنى لأن المراد منها النهي كما في قوله تعالى: {أية : تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ }تفسير : [الصف: 11] و {أية : لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ } تفسير : [البقرة: 83] والنهي المخرج بصورة الخبر أبلغ من النهي المخرج بصورته، ويجوز أن تعتبر الجملة مستأنفة للإخبار بأنهما لا يتبعان سبيل الجاهلين، ومن الناس من جعل {لا} في قراءة العامة نافية أيضاً وهو ضعيف لأن النفي لا يؤكد على الصحيح، وقيل: {لا} ناهية والنون نون التوكيد الخفيفة كسرت لالتقاء الساكنين وهو تخريج لين فإن الكسائي وسيبويه لا يجيزانه لأنهما يمنعان وقوع الخفيفة بعد الألف سواء كانت ألف التثنية أو الألف الفاصلة بين نون الإناث ونون التوكيد نحو هل تضربنان يا نسوة، وأيضاً النون الخفيفة إذا لقيها ساكن لزم حذفها عند الجمهور ولا يجوز تحريكها، لكن يونس والفراء أجازا ذلك وفيه عنهما روايتان إبقاؤها ساكنة لأن الألف لخفتها بمنزلة الفتحة وكسرها على أصل التقاء الساكنين وعلى هذا يتم ذاك التخريج. وقيل: إن هذه النون هي نون التوكيد الثقيلة إلا أنها خففت وهو كما ترى، وعنه أيضاً {وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ} بتخفيف التاء الثانية وسكونها وبالنون المشددة من تبع الثلاثي، وأيضاً {وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ} وهي كالأولى إلا أن النون ساكنة على إحدى الروايتين عمن تقدم في تسكين النون الخفيفة بعد الألف على الأصل واغتفار التقاء الساكنين إذا كان الأول ألفاً كما في محياي. ثم اعلم أنه اشتهر في تعليل كسر النون في قراءة العامة بأنه لالتقاء الساكنين وظاهره أنه بذلك زال التقاء الساكنين وليس كذلك إذ الساكنان هما الألف والنون الأولى ولا شيء منهما بمتحرك وإنما المتحرك النون الثانية، ومن هنا قال بعض محققي النحاة: إن أصل التحريك ليتأتى الإدغام وكونه بالكسر تشبيهاً بنون التثنية، والتقاء الساكنين أعني الألف والنون الأولى غير مضر لما قالوا من جوازه إذا كان الأول حرف مد والثاني مدغماً في مثله كما في ـ دابة ـ لارتفاع اللسان بهما معاً حينئذٍ وقد حقق ذلك في موضعه فليراجع هذا والله تعالى أعلم. ومن باب الإشارة في الآيات: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ }تفسير : [يونس: 42] أشار سبحانه إلى أنهم يستمعون لكن حكمهم حكم الأصم في عدم الانتفاع وذلك لعدم استعدادهم حقيقة أو حكماً بأن كان ولكن حجب نوره رسوخ الهيآت المظلمة؛ وكذا يقال فيما بعد، ثم إنه تعالى رفع ما يتوهم من أن كونهم في تلك الحالة ظلم منه سبحانه لهم بقوله جل شأنه: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئًا} بسلب حواسهم وعقولهم مثلاً {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }تفسير : [يونس: 44] حيث طلب استعدادهم الغير المجعول ذلك {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّنَ ٱلنَّهَارِ} لذهولهم بتكاثف ظلمات المعاصي على قلوبهم {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} بحكم سابقة الصحبة وداعية الهوى اللازمة للجنسية الأصلية، وهذا التعارف قد يبقى إذا اتحذوا في الوجهة واتفقوا في المقصد وقد لا يبقى وذلك إذا اختلفت الأهواء وتباينت الآراء فحينئذٍ تتفاوت الهيئات المستفادة من لواحق النشأة فيقع التناكر وعوارض العادة {أية : قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآء ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} تفسير : [يونس: 45] / لما ينتفعون به {وَلِكُلّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ} من جنسهم ليتمكنوا من الاستفاضة منه {فَإِذَا جَآء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ} بإنجاء من اهتدى به وإثابته وإهلاك من أعرض عنه وتعذيبه لظهور أسباب ذلك بوجوده {أية : وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }تفسير : [يونس: 47] فيعاملوا بخلاف ما يستحقون {أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ}تفسير : [يونس: 48] إنكار للقيامة لاحتجابهم بما هم فيه من الكثافة {أية : قُل لآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ } تفسير : [يونس: 49] سلب لاستقلاله في التأثير وبيان لأنه لا يملك إلا ما أذن الله تعالى فيه، وهذا نوع من توحيد الأفعال وفيه إرشاد لهم بأنه لا يملك استعجال ما وعدهم به {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبّكُمْ} أي تزكية لنفوسكم بالوعد والوعيد والزجر عن الذنوب المتسببة للعقاب والتحريض على الطاعة الموجبة بفضل الله تعالى للثواب {وَشِفَآء لِمَا فِي ٱلصُّدُورِ} أي دواء للقلوب من أمراضها التي هي أشد من أمراض الأبدان كالشك والنفاق والحسد والحقد وأمثال ذلك بتعليم الحقائق والحكم الموجبة لليقين والتصفية والتهيء لتجليات الصفات الحقة {وَهَدَىٰ} لأرواحكم إلى الشهود الذاتي {أية : وَرَحْمَةً} تفسير : [يونس: 57] بإفاضة الكمالات اللائقة بكل مقام من المقامات الثلاثة بعد حصول الاستعداد في مقام النفس بالموعظة ومقام القلب بالتصفية ومقام الروح بالهداية للمؤمنين بالتصديق أولاً ثم باليقين ثانياً ثم بالعيان ثالثاً. وذكر بعضهم الموعظة للمريدين والشفاء للمحبين والهدى للعارفين والرحمة للمستأنسين والكل مؤمنون إلا أن مراتب الإيمان متفاوتة والخطاب في الآية لهم وفيها إقامة الظاهر مقام المضمر، ويقال: إنه سبحانه بدأ بالموعظة لمريض حبه لأنها معجون لإسهال شهواته فإذا تطهر عن ذلك يسقيه شراب ألطافه فيكون ذلك شفاء له مما به فإذا شفي يغذيه بهدايته إلى نفسه فإذا كمل بصحبته يطهره بمياه رحمته من وسخ المرض ودرن الامتحان {قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ} بتوفيقه للقبول في المقامات {وَبِرَحْمَتِهِ} بالمواهب الخلقية والعملية والكشفية فيها {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} لا بالأمور الفانية القليلة المقدار الدنية القدر {أية : هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ}تفسير : [يونس: 58] من الخسائس والمحقرات، وفسر بعضهم الفضل بانكشاف صباح الأزل لعيون أرواح المريدين وزيادة وضوحه في لحظة حتى تطلع شموس الصفات. وأقمار الذات فيطيرون في أنوار ذلك بأجنحة الجذبات إلى حيث شاء الله تعالى والرحمة بتتابع مواجيد الغيوب للقلوب بنعت التفريد بلا انقطاع، ومن هنا قال ضرغام أجمة التصوف أبو بكر الشبلي قدس سره: وقتي سرمد وبحري بلا شاطىء؛ وقيل: فضله الوصال ورحمته الوقاية عن الانفصال، وقيل: فضله إلقاء نيران المحبة في قلوب المريدين ورحمته جذبه أرواح المشتاقين، وقيل: فضله سبحانه على العارفين كشف الذات وعلى المحبين كشف الصفات وعلى المريدين كشف أنوار الآيات ورحمته جل شأنه على العارفين العناية وعلى المحبين الكفاية وعلى المريدين الرعاية. وقال الجنيد: فضل الله تعالى في الابتداء ورحمته في الانتهاء وهو مناسب لما قلنا، وقال الكتاني: فضل الله تعالى النعم الظاهرة ورحمته النعم الباطنة وقيل غير ذلك، {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ} أي أخبروني ما أنزل الله سبحانه من رزق معنوي كالمعارف الحقانية وكالآداب الشرعية {فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا} كالقسم الأول حيث أنكرتموه على أهله ورميتموه بالزندقة {وَحَلاَلاً} كالقسم الثاني حيث قبلتموه { قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} في الحكم بالتحليل والتحريم {أية : أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ }تفسير : [يونس: 59] في ذلك، ثم أنه سبحانه أوعد المفترين بقوله عز من قائل: {وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ} الخ، ففي الآية إشارة إلى سوء حال المنكرين على من تحلى بالمعارف الإلهية، ولعل منشأ ذلك زعمهم انحصار العلم / فيما عندهم ولم يعلموا أن وراء علومهم علوماً لا تحصى يمن الله تعالى بها على من يشاء، وفي قوله تعالى: {أية : وَقُل رَّبّ زِدْنِي عِلْماً } تفسير : [طه: 114] إشارة إلى ذلك فما أولاهم بأن يقال لهم: {أية : مَآ أُوتِيتُمْ مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }تفسير : [الإسراء: 85] ومن العجيب أنهم إذا سمعوا شيئاً من أهل الله تعالى مخالفاً لما عليه مجتهدوهم ردوه وقالوا: زيغ وضلال واعتمدوا في ذلك على مجرد تلك المخالفة ظناً منهم أن الحق منحصر فيما جاء به أحد أولئك المجتهدين مع أن الاختلاف لم يزل قائماً بينهم على ساق. على أنه قد يقال لهم: ما يدريكم أن هذا القائل الذي سمعتم منه ما سمعتم وأنكرتموه أنه مجتهد أيضاً كسائر مجتهديكم؟ فإن قالوا: إن للمجتهد شروطاً معلومة وهي غير موجودة فيه قلنا: هذه الشروط التي وضعت للمجتهد في دين الله تعالى هل هي منقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صريحاً أو صنعتموها أنتم من تلقاء أنفسكم أو صنعها المجتهد؟ فإن كانت منقولة عن الرسول عليه الصلاة والسلام فأتوا بها واتلوها وصححوا نقلها إن كنتم صادقين وهيهات ذاك، وإن كان الواضع لها أنتم ـ وأنتم أجهل من ابن يوم ـ فهي رد عليكم ولا حباً ولا كرامة على أن في اعتبارها أخذاً بكلام من ليس مجتهداً وأنتم لا تجوزونه، وإن كان الواضع لها المجتهد فإثبات كونه مجتهداً متوقف على اعتبار تلك الشروط واعتبار تلك الشروط متوقف على إثبات كونه مجتهداً وهل هذا إلا دور وهو محال لو تعقلونه، وأيضاً لم لا يجوز أن تكون تلك الشروط شروطاً للمجتهد النقلي وهناك مجتهد آخر شرطه تصفية النفس وتزكيتها وتخلقها بالخلق الرباني وتهيؤها واستعدادها لقبول العلم من الله تعالى؟ وأي مانع من أن يخلق الله تعالى العلم فيمن صفت نفسه وتهيأت بالفقر واللجأ إلى الله تعالى وصدق عزمه في الأخذ ولم يتكل على حوله وقوته كما يخلقه فيمن استوفى شروط الاجتهاد عندكم فاجتهد وصرف فكره ونظره؟ والقول بأنه سبحانه إنما يخلق العلم في هذا دون ذاك حجر على الله تعالى وخروج عن الإنصاف كما لا يخفى، فلا ينبغي للمصنف العارف بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء من عباده إلا أن يسلم لمن ظهرت فيه آثار التصفية والتهىء وسطعت عليه أنوار التخلق بالخلق الرباني ما أتى به ولو لم يأت به مجتهد ما لم يخالف ما علم مجيئه من الدين بالضرورة، ويأبـى الله تعالى أن يأتي ذلك بمثل ما ذكر. لكن ذكر مولانا الإمام الرباني ومجدد الألف الثاني قدس سره في بعض «مكتوباته» الفارسية أنه لا يجوز تقليد أهل الكشف في كشفهم لأن الكشف لا يكون حجة على الغير وملزماً له، وقد يقال: ليس في هذا أكثر من منع تقليد أهل الكشف، ومحل النزاع الإنكار عليهم ورميهم والعياذ بالله تعالى بالزندقة وليس في الكلام أدنى رائحة منه كما لا يخفى {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} [البقرة: 243] بصنفي العلمين وإفاضتهما بعد تهيئة الاستعداد لقبولهما {أية : وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ}تفسير : [يونس: 60] ذلك ولا يعرفون قدره فيمنعون عن الزيادة {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فيه} إخبار منه تعالى بعظيم اطلاعه سبحانه على الخواطر وما يجري في الضمائر فلا يخفى عليه جل شأنه خاطر ولا ضمير {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ}تفسير : [الملك: 14] ثم أخبر جل وعلا عن سلطان إحاطته على كل ذرة من العرش إلى ما تحت الثرى بقوله تبارك اسمه: {أية : وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآء } تفسير : [يونس: 61] أي إن علمه سبحانه محيط بما في العالم السفلي والعلوي فكل ذرة من ذراته داخلة في حيطة علمه كيف لا وكلها قائمة به جل شأنه ينظر إلى كل في كل آن / نظر الحفظ والرعاية ولولا ذلك لهلكت الذرات واضمحلت سائر الموجودات {أَلا إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} إذ لم يبق منهم بقية يخاف بسببها من حرمان {أية : وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }تفسير : [يونس: 62] لامتناع فوات شيء من الكمالات واللذات منهم {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الإيمان الحقيقي {أية : وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}تفسير : [يونس: 63] بقاياهم وظهور تلوناتهم {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا} بوجود الاستقامة والأخلاق المبشرة بجنة النفوس {وَفِي ٱلآخِرَةِ} بظهور أنوار الصفات والحقائق عليهم المبشرة بجنة القلوب؛ والظاهر أن الموصول بيان للأولياء، فالولي هو المؤمن المتقي على الكمال ولهم في تعريفه عبارات شتى تقدم بعضها. وفي «الفتوحات»: هو الذي تولاه الله تعالى بنصرته في مقام مجاهدته الأعداء الأربعة الهوى والنفس والشيطان والدنيا، وفيها تقسيم الأولياء إلى عدة أقسام منها الأقطاب والأوتاد والأبدال والنقباء والنجباء وقد ورد ذلك مرفوعاً وموقوفاً من حديث عمر بن الخطاب وعلي بن أبـي طالب وأنس وحذيفة بن اليمان وعبادة بن الصامت وابن عباس وعبد الله بن عمر وابن مسعود وعوف بن مالك ومعاذ بن جبل وواثلة بن الأسقع وأبـي سعيد الخدري وأبـي هريرة وأبـي الدرداء وأم سلمة، ومن مرسل الحسن وعطاء وبكر بن خنيس ومن الآثار عن التابعين ومن بعدهم ما لا يحصى. وقد ذكر ذلك الجلال السيوطي في «رسالة» مستقلة له وشيد أركانه، وأنكره ـ كما قدمنا ـ بعضهم والحق مع المثبتين، وأنا والحمد لله تعالى منهم وإن كنت لم أشيد قبل أركان ذلك، والأئمة والحواريون والرجبيون والختم والملامية والفقراء وسقيط الرفرف ابن ساقط العرش والأمناء والمحدثون إلى غير ذلك، وعد الشيخ الأكبر قدس سره منهم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والبيان الذي في الآية صادق عليهم عليهم السلام على أتم وجه، ونسب إليه رضي الله تعالى عنه القول بتفضيل الولي على النبي والرسول وخاض فيه كثير من المنكرين حتى كفروه وحاشاه بسبب ذلك، وقد صرح في غير موضع من «فتوحاته» وكذا من سائر تأليفاته بما ينافي هذا القول حسبما فهمه المنكرون، وقد ذكر في كتاب القربة أنه ينبغي لمن سمع لفظة من عارف متحقق مبهمة كأن يقول الولاية هي النبوة الكبرى أو الولي العارف مرتبته فوق مرتبة الرسول أن يتحقق المراد منها ولا يبادر بالطعن، ثم ذكر في بيان ما ذكر ما نصه: اعلم أنه لا اعتبار للشخص من حيث ما هو إنسان فلا فضل ولا شرف في الجنس بالحكم الذاتي وإنما يقع التفاضل بالمراتب، فالأنبياء صلوات الله تعالى عليهم ما فضلوا الخلق إلا بها، فالنبـي صلى الله عليه وسلم له مرتبة الولاية والمعرفة والرسالة ومرتبة الولاية والمعرفة دائمة الوجود ومرتبة الرسالة منقطعة فإنها تنقطع بالتبليغ والفضل للدائم الباقي، والولي العارف مقيم عنده سبحانه والرسول خارج وحالة الإقامة أعلى من حالة الخروج، فهو صلى الله عليه وسلم من حيثية كونه ولياً وعارفاً أعلى وأشرف من حيثية كونه رسولاً وهو صلى الله عليه وسلم الشخص بعينه واختلفت مراتبه لا أن الولي منا أرفع من الرسول نعوذ بالله تعالى من الخذلان، فعلى هذا الحد يقول تلك الكلمة أصحاب الكشف والوجود إذ لا اعتبار عندنا إلا للمقامات ولا نتكلم إلا فيها لا في الأشخاص، فإن الكلام في الأشخاص قد يكون بعض الأوقات غيبة، والكلام على المقامات والأحوال من صفات الرجال، ولنا في كل حظ شرب معلوم ورزق مقسوم انتهى، وهو صريح في أنه قدس سره لا يقول هو ولا غيره من الطائفة بأن الولي أفضل من النبـي حسبما ينسب إليه، وقد نقل الشعراني عنه أنه قال: فتح لي قدر خرم إبرة من مقام النبوة تجلياً لا دخولاً فكدت أحترق، فينبغي تأويل جميع ما يوهم القول بذلك كإخباره في كتابه «التجليات» وغيره باجتماعه ببعض الأنبياء عليهم السلام وإفادته لهم من العلم ما ليس / عندهم. وكقول الشيخ عبد القادر الجيلي قدس سره وقد تقدم: يا معاشر الأنبياء أوتيتم الألقاب وأوتينا ما لم تؤتوه إلى غير ذلك، فإن اعتقاد أفضلية ولي من الأولياء على نبـي من الأنبياء كفر عظيم وضلال بعيد، ولو ساغ تفضيل ولي على نبـي لفضل الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه على أحد من الأنبياء لأنه أرفع الأولياء قدراً كما ذهب إليه أهل السنة ونص عليه الشيخ قدس سره في كتاب «القربة» أيضاً مع أنه لم يفضل كذلك بل فضل على من عداهم كما نطق به «ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين أفضل من أبـي بكر الصديق» فمتى لم يفضل الصديق وهو الذي وقر في صدره ما وقر ونال من الكمال ما لا يحصر فكيف يفضل غيره؟. وفضل كثير من الشيعة علياً كرم الله تعالى وجهه وكذا أولاده الأئمة الطاهرين رضي الله تعالى عنهم أجمعين على كثير من الأنبياء والمرسلين من أولي العزم وغيرهم ولا مستند لهم في ذلك إلا أخبار كاذبة وأفكار غير صائبة. وبالجملة متى رأينا الشخص مؤمناً متقياً حكمنا عليه بالولاية نظراً لظاهر الحال ووجب علينا معاملته بما هو أهله من التوقير والاحترام غير غالين فيه بتفضيله على رسول أو نبـي أو نحو ذلك مما عليه العوام اليوم في معاملة من يعتقدونه ولياً التي هي أشبه شيء بمعاملة المشركين من يعتقدونه إلهاً نسأل الله تعالى العفو والعافية، ولا يشترط فيه صدور كرامة على يده كما يشترط في الرسول صدور معجزة، ويكفيه الاستقامة كرامة كما يدل عليه ما اشتهر عن أبـي يزيد قدس سره، بل الولي الكامل لا التفات له إليها ولا يود صدورها على يده إلا إذا تضمنت مصلحة للمسلمين خاصة أو عامة. وفي «الجواهر والدرر» للشعراني سمعت شيخنا يقول: إذا زل الولي ولم يرجع لوقته عوقب بالحجاب، وهو أن يحبب إليه إظهار خرق العوائد المسماة في لسان العامة كرامات فيظهر بها ويقول: لو كنت مؤاخذاً بهذه الذلة لقبض عني التصريف وغاب عنه أن ذلك استدراج بل ولو سلم من الزلة فالواجب خوفه من المكر والاستدراج، وقال بعضهم: الكرامة حيض الرجال ومن اغتر بالكرامات بالكرى مات. وأضر الكرامات للولي ما أوجب الشهرة فإن الشهرة آفة، وقد نقل عن الخواص أنها تنقص مرتبة الكمال، وأيد ذلك بالأثر المشهور «خص بالبلاء من عرفه الناس». نعم ذكر في «أسرار القرآن» أن الولاية لا تتم إلا بأربع مقامات. الأول: مقام المحبة. والثاني: مقام الشوق. والثالث: مقام العشق. والرابع: مقام المعرفة، ولا تكون المحبة إلا بكشف الجمال ولا يكون الشوق إلا باستنشاق نسيم الوصال ولا يكون العشق إلا بدنو الأنوار ولا تكون المعرفة إلا بالصحبة، وتتحقق الصحبة بكشف الألوهية مع ظهور أنوار الصفات، ولحصول ذلك آثار وعلامات مذكورة فيه فليراجعه من أرادها؛ والكلام في هذا المقام كثير وكتب القوم ملأى منه وما ذكرناه كفاية لغرضنا. وأحسن ما يعتمد عليه في معرفة الولي اتباع الشريعة الغراء وسلوك المحجة البيضاء فمن خرج عنها قيد شبر بعد عن الولاية بمراحل فلا ينبغي أن يطلق عليه اسم الولي ولو أتى بألف ألف خارق، فالولي الشرعي اليوم أعز من الكبريت الأحمر ولا حول ولا قوة إلا بالله. شعر : أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائها {أية : لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ } تفسير : [يونس: 64] أي لما سبق لهم في الأزل من حسن العناية، أولاً تبديل لحقائقه سبحانه الواردة عليهم وأسمائه تعالى المنكشفة لهم وأحكام تجلياته جل وعلا النازلة بهم، أو لا تبديل لفطرهم التي فطرهم عليها، ويقال لكل محدث ـ كلمة ـ لأنه أثر الكلمة {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} أي لا تتأثر به {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} لا يملك أحد سواه منها شيئاً فسيكفيكهم الله تعالى ويقهرهم و {هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأقوالهم {أية : ٱلْعَلِيمُ }تفسير : [يونس: 65] بما ينبغي أن يفعل بهم. {أَلا إِنَّ للَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} أي إن كل من في ذلك تحت ملكه سبحانه وتصرفه وقهره لا يقدرون على شيء من غير إذنه فهو كالتأكيد لما أفادته الآية السابقة أو أن من فيها الملائكة والثقلين الذين هم أشرف الممكنات عبيد له سبحانه لا يصلح أحد منهم للربوبية فما لا يعقل أحق بأن لا يصلح لذلك فهو كالدليل على قوله سبحانه: {أية : وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ إِن يَتَّبِعُونَ }تفسير : [يونس: 66] إلا ما يتوهمونه ويتخيلونه شريكاً ولا شركة له في الحقيقة {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} إشارة إلى سكون العشاق والمشتاقين في الليل إذا مد أطنابه ونشر جلبابه وميلهم إلى مناجاة محبوبهم وانجذابهم إلى مشاهدة مطلوبهم وتلذذهم بما يرد عليهم من الواردات الإلهية واستغراقهم بأنواع التجليات الربانية، ومن هنا قال بعضهم: لولا الليل لما أحببت البقاء في الدنيا، وهذه حالة عشاق الحضرة وهم العشاق الحقيقيون نفعنا الله تعالى بهم، وأنشد بعض المجازيين: شعر : أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ويجمعني بالليل والهم جامع نهاري نهار الناس حتى إذا بدا لي الليل هزتني إليك المضاجع تفسير : {وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً} أي ألبسه سربال أنوار القدرة لتقضوا فيها حاجاتكم الضرورية، وقيل: الإشارة بذلك إلى ليل الجسم ونهار الروح أي جعل لكم ليل الجسم لتسكنوا فيه ونهار الروح لتبصروا به حقائق الأشياء وما تهتدون به {أية : إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ }تفسير : [يونس: 67] كلام الله تعالى فيقيمون بواطنه وحدوده ويطلعون به على صفاته وأسمائه سبحانه {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا} أي معلولاً يجانسه {سُبْحَـٰنَهُ} أي أنزهه جل وعلا من ذلك {هُوَ ٱلْغَنِيُّ} الذي وجوده بذاته وبه وجود كل شيء وذلك ينافي الغني وأكد غناه جل شأنه بقوله تعالى: {أية : لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ}تفسير : [يونس: 68] الخ، وقوله سبحانه: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ}تفسير : [يونس: 71] الخ أمر له صلى الله عليه وسلم أن يتلو عليهم نبأ نوح عليه السلام في صحة توكله على الله تعالى ونظره إلى قومه وشركائهم بعين الغنى وعدم المبالاة بهم وبمكايدهم ليعتبروا به حاله عليه الصلاة والسلام فإن الأنبياء عليهم السلام في ملة التوحيد والقيام بالله تعالى وعدم الالتفات إلى الخلق سواء، أو أمر له صلى الله عليه وسلم بأن يتلو نبأ نوح مع قومه ليتعظ قومه وينزجروا عما هم عليه مما يفضي إلى إهلاكهم {وَقَالَ مُوسَىٰ يٰقَوْمٍ أَن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بِٱللَّهِ} أي إيماناً حقيقياً {أية : فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ} تفسير : [يونس: 84] أي منقادين، أي إن صح إيمانكم يقيناً فعليه توكلوا بشرط أن لا يكون لكم فعل ولا تروا لأنفسكم ولا لغيركم قوة ولا تأثيراً بل تكونوا منقادين كالميت بين يدي مغسله، فإن شرط صحة التوكل فناء بقايا الأفعال والقوى {أية : قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا}تفسير : [يونس: 89] أي على ما أنتما عليه من الدعوة شكراً لتلك الإجابة، وقيل: أي استقيما على معرفتكما مقام السؤال وهو مقام الرضوان والبسط ليستجاب لكما بعد إذا دعوتما فإن من لم يعرف مقام السؤال قد يوقعه في غير مقامه فيسىء الأدب فلا يستجاب له، وقيل: إن هذا عتاب لهما عليهما السلام أي قد أجيب دعوتكما لضعفكما عن تحمل وارد امتحاني فاستقيما بعد ذلك على تحمل بلائي والصبر فيه فإنه اللائق بشأنكما، وقد قيل: المعرفة تقتضي الرضا بالقضاء والسكون في البلاء، وقيل: أي استقيما في دعائكما والاستقامة في الدعاء على ما قال ذو النون المصري أن لا يغضب الداعي لتأخير الإجابة ولا يسأل سؤال خصوص نسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى.

ابن عاشور

تفسير : جواب من الله لكلام موسى جرى على طريقة حكاية المحاورات أنْ لا تعطف جملها كما تقدم غير مرة. وافتتاح الجملة بـ{قد} والفعل الماضي يفيد تحقيق الحصول في المستقبل، فشبه بالمضي. وأضيفت الدعوة إلى ضمير التثنية المخاطب به موسى وهارون وإن كانت الدعوة إنما حكيت عن موسى ـ عليه السلام ـ وحدَه لأن موسى ـ عليه السلام ـ دعا لما كان هارون مواطئاً له وقائلاً بمثله لأن دعوتهما واحدة. وقيل: كان موسى ـ عليه السلام ـ يدعو وهارون ـ عليه السلام ـ يؤمّن. ومعنى إجابة الدعوة إعطاء ما سأله موسى ربّه أن يسلب عن فرعون وملئه النعم، ويواليَ عليهم المصائب حتى يسأموا مقاومةَ دعوة موسى وتنحطّ غلواؤهم، قال تعالى: {أية : ولقد أخذنا آل فرعون بالسنينَ ونقصٍ من الثمرات لعلهم يذّكرون}تفسير : [الأعراف: 130] وقال: {أية : فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات}تفسير : [الأعراف: 133]. وفرع على إجابة دعوتهما أمرهما بالاستقامة، فعلم أن الاستقامة شكر على الكرامة فإن إجابة الله دعوة عبده إحسانٌ للعبد وإكرام وتلك نعمة عظيمة تستحق الشكر عليها وأعظم الشكر طاعة المنعم. وإذ قد كان موسى وهارون مستقيمين، وناهيك باستقامة النبوءة كان أمرهما بالاستقامة مستعملاً في الأمر بالدوام عليها. وأعقب حثهما على الاستقامة بالنهي عن اتباع طريق الذين لا يعلمون وإن كان ذلك مشمولاً للاستقامة تنبيهاً على توخي السلامة من العدول عن طريق الحق اهتماماً بالتحذير من الفساد. والاستقامة: حقيقتها الاعتدال، وهي ضد الاعوجاج، وهي مستعملة كثيراً في معنى ملازمة الحق والرشد، لأنه شاع تشبيه الضلال والفساد بالاعوجاج والالتواء. وقيل للحق: طريق مستقيم. وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : اهدنا الصراط المستقيم}تفسير : [الفاتحة: 6]، فكان أمرهما بالاستقامة جامعاً لجميع خصال الخير والصلاح. وفي حديثحديث : أبي عَمْرَةَ الثقفي قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك. قال: قل: آمنت بالله ثم استقمتفسير : . ومن الاستقامة أن يستمرا على الدعوة إلى الدين ولا يضجرا. والسبيل: الطريق، وهو هنا مستعمل للسيرة والعمل الغالب. وقوله: {ولا تتبعان} قرأه الجمهور بتشديد النون مكسورة. وهما نونان: إحداهما نون المثنى والأخرى نون التوكيد. وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر {ولا تتبعان} بنون خفيفة مكسورة. وهي نون رفع المثنى لا نون التوكيد، فتعين أن تكون (لا) على هاته القراءة نافية غير ناهية، والجملة في موضع الحال والواو واو الحال، لأن جملة الحال المضارعة المفتتحة بحرف نفي يجوز اقترانها بالواو وعدمُه.

الواحدي

تفسير : {قال قد أجيبت دعوتكما} وذلك أنَّ موسى دعا، وأمَّن هارون {فاستقيما} على الرِّسالة والدًّعوة {ولا تَتَّبِعَانِّ سبيل الذين لا يعلمون} لا تسلكا طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي فتستعجلا قضائي، وقوله: {فأتبعهم فرعون وجنوده} طلبوا أن يلحقو بهم {بغياً} طلباً للاستعلاء بغير حقٍّ {وعدواً} ظلماً {حتى إذا أدركه الغرق} تلفَّظ بما أخبر الله عنه حين لم ينفعه ذلك، لأنَّه رأى اليأس وعاينه، فقيل له: {آلآن وقد عصيت قبل} أَيْ: آلآن تؤمن أو تتوب؟ فلمَّا أغرقه الله جحد بعض بني إسرائيل غَرَقَةُ، وقالوا: هو أعظم شأناً من أن يغرق، فأخرجه الله سبحانه من الماء حتى رأوه، فذلك قوله: {فاليوم ننجيك} نخرجك من البحر بعد الغرق {ببدنك} بجسدك الذي لا روح فيه {لتكون لمَنْ خلفك آية} نكالاً وعبرةً {وإنَّ كثيراً من الناس} يريد: أهل مكَّة {عن آياتنا} عمَّا يراد بهم {لغافلون}.

د. أسعد حومد

تفسير : (89) - فَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ: إِنَّ دَعْوَتَكُمَا عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ قَدْ أُجِيبَتْ، فَامْضِيَا لأَِمْرِي، وَاثْبُتَا عَلَى مَا أَنْتُمَا عَلَيهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلى الحَقِّ، وَمِنْ إِعْدَادِ شَعْبِكُمَا لِلْكِفَاحِ وَالجِلاَدِ وَالخُروجِ مِنْ مِصْرَ. وَلاَ تَسْلُكَا سَبيلَ الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ سُنَنِي فِي خَلْقِي، الذِينَ يَسْتَعْجِلُونَ الأَمْرَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ، وَيَسْتَبْطِئُونَ وَقُوعَهُ فِي حِينِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ويلاحظ أن الذي دعا هو موسى عليه السلام، ولكن قوله سبحانه: {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا ..} [يونس: 89] يدل على أن هارون - عليه السلام - قد دعا مع موسى. وقد قلنا من قبل: إننا إن نظرنا إلى الأصالة في الرسالة لوجدنا موسى - عليه السلام - هو الأصيل فيها، وجاء هارون ليشد عضده، وإن نظرنا إلى طبيعة الاثنين فكل منهما رسول، والاثنان لهما رسالة واحدة. وما دام الحق سبحانه قد أرسل الاثنين لمهمة واحدة، فإن انفعل واحد منهما لشيء فلا بد أن ينفعل الآخر لنفس الشيء؛ لذلك فلا يوجد ما يمنع أن هارون ساعة سمع أخاه داعياً بمثل هذا الدعاء، قد دعا هو أيضاً بالدعاء نفسه، أو أنه - أي: هارون - قد دعا بهذا الدعاء سِرّاً. والدعاء معناه: أنك تفزع إلى من يقدر على تحقيق ما لا تقدر عليه، فأنت لا تدعو إلا في أمر عَزَّتْ عليك أسبابه؛ فتقول: إن لي ربّاً أومن به، وهو يقدر على الأسباب لأنه خالق الأسباب، وقادر على أن يعطي بلا أسباب، والمؤمن الحق يستقبل الأحداث، لا بأسبابه، ولكن بقدرة مَنْ آمن به، وهو المسِّبب الأعلى سبحانه. ولذلك تجد موسى عليه السلام ومعه قومه حين وصلوا إلى شاطىء البحر، وكان من خلفهم قوم فرعون يطاردونهم، فقال قوم موسى: {أية : .. إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}تفسير : [الشعراء: 61]. فَرَدَّ موسى عليه السلام: {أية : كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء: 62]. أي: لا ترتِّبوا الأمر بترتيب البشر؛ لأن معي رب البشر، فجاءه الإنقاذ: {أية : فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الشعراء: 63]. إذن: فالدعاء إنما يكون فزعاً إلى من يقدر على أمر لا تقدر عليه. والموضوع الذي كان يشغل موسى وهارون عليهما السلام هو بقاء آل فرعون على ضلالهم وإصرارهم على إضلال غيرهم، فلا بد أن يدعو كل منهما نفس الدعاء، ومثل هذا نجده في غير الرسل ونسميه "التخاطر"، أي: التقاء الخواطر في لحظة واحدة. ومثال ذلك في التاريخ الإسلامي، لحظة أن كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه مشغولاً بالتفكير في جيش المسلمين المقاتل في إحدى المعارك، وكان عمر في المدينة يخطب على المنبر، فإذا به يقول فجأة: "يا سارية الجبل" وهي كلمة لا موضع لها في منطق الخطبة، ولكن كان فكره مشغولاً بالقائد الذي يحارب، وسمع القائد - وهو على البعد - الأمر؛ فانحاز إلى الجبل. ويقال في هذه المسألة: إن الخاطر قد شغل مع الخاطر، مثلما تطلب أحداً في الهاتف فيرد عليك الشخص الذي تريد الكلام معه قائلاً: لقد كنت على وشك أن أتصل بك هاتفيّاً، وهذا يعني أن الخاطرين قد انضبطا معاً. وإذا كان هذا ما يحدث في حياتنا العادية، فما بالنا بما يحدث في الأمور الصفائية؛ وفي أرقى درجاتها وهي النبوة؟ أو أن الذي دعا هو موسى وما كان هارون إلا مؤمِّناً، والمؤمِّن هو أحد الداعيين، وما دام الحق سبحانه قد قَبِل دعوة موسى عليه السلام، فقد قَبِل أيضاً دعوة المؤمِّن معه. ويظن بعض الناس أن إجابة الدعوة هي تحقيق المطلوب فور الدعاء، ولكن الحقيقة أن إجابة الدعوة هي موافقة على الطلب، أما ميعاد إنجاز الطلب، فقد يتأجل بعض الوقت، مثلما حدث مع دعوة موسى عليه السلام على فرعون وملئه، فحين دعا موسى، وأمَّن هارون، جاءت إجابة الدعاء: {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا ..} [يونس: 89] بعد أربعين عاماً، ويحقق الله سبحانه الطمس على المال. فالسماء ليست موظفة عند من يدعو، وتقبل أي دعاء، ولكن قبول الدعوة يقتضي تحديد الميعاد الذي تنفذ فيه. وهذه أمور من مشيئة الله سبحانه؛ فالحق سبحانه وتعالى منزَّه عن أن يكون منفِّذاً لدعاء ما، ولكنه هو الذي بيده مقاليد كل أمر، فإذا ما أجيبت دعوة ما، فهو سبحانه بمشيئته يضع تنفيذ الدعوة في الميعاد الملائم؛ لأنها لو أجيبت على الفور فقد تضر. والحق سبحانه وتعالى هو القائل: {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً}تفسير : [الإسراء: 11]. لذلك يحدد الحق سبحانه ميعاد تطبيق الدعوة في مجال التنفيذ والواقع. وهو سبحانه وتعالى يقول: {أية : .. سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ}تفسير : [الأنبياء: 37]. والإنسان يعرف أنه قد يكون قد دعا بأشياء، فحقق الله سبحانه الدعاء وكان شرّاً، وكم من شيء يدعو به الإنسان ولم يحققه الله تعالى وكان عدم تحقيقه خيراً. إذن: فالقدرة العليا رقيبة علينا، وتعلم ما في صالحنا؛ لأننا لسنا آلهة تأمر بتنفيذ الدعوات، بل فوقنا الحكيم الأعلى سبحانه. ولذلك نقول في بيان قول الحق سبحانه: {أية : وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ..}تفسير : [يونس: 11]. لأن الإنسان قد يدعو بالشر على نفسه، ألا تسمع أمّاً تدعو على ابنها أو ابنتها رغم حبها لهما، فلو استجاب الله لدعائها على أولادها الذين تحبهم أليس في ذلك شر بالنسبة للأم. والولد قد يقول لأمه مغاضباً: يا رب تحدث لي حادثة؛ حتى تستريحي مني. فهَبْ أن الله استجاب لهذا الدعاء، أيرضي ذلك من دعا على نفسه أو يرضي أمه؟ طبعاً لا؛ فإذا كان الله سبحانه قد أبطأ عليك بدعاء الشر فهذا خير لك، فعليك أن تأخذ إبطاء الله سبحانه عليك بدعاء الخير على أنه خير لك. ولذلك شاء الحق سبحانه أن يقول لموسى وهارون عليهما السلام: {.. قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [يونس: 89]. أي: ابقيا على الطريق السوي، ولا تُدْخِلا نفسيكما فيما لا علم لكما به. أليس الحق سبحانه هو القائل: {أية : وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ * قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ}تفسير : [هود: 45-46]. أي: كُنْ مؤدَّباً مع ربك حين تدعو وتنفِّس عن نفسك، ودَعْ لحكمة الحكيم الإجابة أو عدمها، وقد تكون الإجابة فورية أو مؤجَّلة إلى حين أوانها، وكلاهما خير. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُه ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { قَالَ } الله تعالى { قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا } هذا دليل على أن موسى، [كان] يدعو، وهارون يؤمن على دعائه، وأن الذي يؤمن، يكون شريكا للداعي في ذلك الدعاء. { فَاسْتَقِيمَا } على دينكما، واستمرا على دعوتكما، { وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } أي: لا تتبعان سبيل الجهال الضلال، المنحرفين عن الصراط المستقيم، المتبعين لطرق الجحيم، فأمر الله موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلا وأخبره أنهم يتبعون، وأرسل فرعون في المدائن حاشرين يقولون: {أية : إِنَّ هَؤُلاءِ } تفسير : أي: موسى وقومه: {أية : لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ }. تفسير : فجمع جنوده قاصيهم ودانيهم فأتبعهم بجنوده بغيًا وعدوًا أي خروجهم باغين على موسى وقومه ومعتدين في الأرض وإذا اشتد البغي واستحكم الذنب فانتظر العقوبة.

همام الصنعاني

تفسير : 1171- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن رجل، عن عكرمة، في قوله تعالى: {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا}: [الآية: 89]. قال: كان موسى يدعو وهارون يُؤَمن ذلك قوله: {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا}.