Verse. 1452 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

وَقَالَ مُوْسٰى رَبَّنَاۗ اِنَّكَ اٰتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَاَہٗ زِيْنَۃً وَّاَمْوَالًا فِي الْحَيٰوۃِ الدُّنْيَا۝۰ۙ رَبَّنَا لِيُضِلُّوْا عَنْ سَبِيْــلِكَ۝۰ۚ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلٰۗي اَمْوَالِہِمْ وَاشْدُدْ عَلٰي قُلُوْبِہِمْ فَلَا يُؤْمِنُوْا حَتّٰى يَرَوُا الْعَذَابَ الْاَلِيْمَ۝۸۸
Waqala moosa rabbana innaka atayta firAAawna wamalaahu zeenatan waamwalan fee alhayati alddunya rabbana liyudilloo AAan sabeelika rabbana itmis AAala amwalihim waoshdud AAala quloobihim fala yuminoo hatta yarawoo alAAathaba alaleema

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأهُ زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا» آتيتهم ذلك «ليضلوا» في «عن سبيلك» دينك «ربنا اطمس على أموالهم» امسخها «واشدد على قلوبهم» اطبع عليها واستوثق «فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم» المؤلم دعا عليهم وأمَّنَ هارون على دعائه.

88

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن موسى لما بالغ في إظهار المعجزات الظاهرة القاهرة ورأى القوم مصرين على الجحود والعناد والإنكار، أخذ يدعو عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أولاً سبب إقدامه على تلك الجرائم، وكان جرمهم هو أنهم لأجل حبهم الدنيا تركوا الدين، فلهذا السبب قال موسى عليه السلام: {رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلاَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً } والزينة عبارة عن الصحة والجمال واللباس والدواب، وأثاث البيت والمال ما يزيد على هذه الأشياء من الصامت والناطق. ثم قال: {لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وعاصم {لِيُضِلُّواْ } بضم الياء وقرأ الباقون بفتح الياء. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يضل الناس ويريد إضلالهم وتقريره من وجهين: الأول: أن اللام في قوله: {لِيُضِلُّواْ } لام التعليل، والمعنى: أن موسى قال يا رب العزة إنك أعطيتهم هذه الزينة والأموال لأجل أن يضلوا، فدل هذا على أنه تعالى قد يريد إضلال المكلفين. الثاني: أنه قال: {وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } فقال الله تعالى: {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا } وذلك أيضاً يدل على المقصود. قال القاضي: لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم ويدل عليه وجوه: الأول: أنه ثبت أنه تعالى منزه عن فعل القبيح وإرادة الكفر قبيحة. والثاني: أنه لو أراد ذلك لكان الكفار مطيعين لله تعالى بسبب كفرهم، لأنه لا معنى للطاعة إلا الإتيان بما يوافق الإرادة ولو كانوا كذلك لما استحقوا الدعاء عليهم بطمس الأموال وشد القلوب، والثالث: أنا لو جوزنا أن يريد إضلال العباد، لجوزنا أن يبعث الأنبياء عليهم السلام للدعاء إلى الضلال، ولجاز أن يقوي الكذابين الضالين المضلين بإظهار المعجزات عليهم، وفيه هدم الدين وإبطال الثقة بالقرآن والرابع: أنه لا يجوز أن يقول لموسى وهارون عليهما السلام: { أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } تفسير : [طه: 44] وأن يقول: { أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسّنِينَ وَنَقْصٍ مّن ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } تفسير : [الأعراف: 130] ثم إنه تعالى أراد الضلالة منهم وأعطاهم النعم لكي يضلوا، لأن ذلك كالمناقضة، فلا بد من حمل أحدهما على موافقة الآخر. الخامس: أنه لا يجوز أن يقال: إن موسى عليه السلام دعا ربه بأن يطمس على أموالهم لأجل أن لا يؤمنوا مع تشدده في إرادة الإيمان. واعلم أنا بالغنا في تكثير هذه الوجوه في مواضع كثيرة من هذا الكتاب. وإذا ثبت هذا فنقول: وجب تأويل هذه الكلمة وذلك من وجوه: الأول: أن اللام في قوله {لِيُضِلُّواْ } لام العاقبة كقوله تعالى: { أية : فَٱلْتَقَطَهُ ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } تفسير : [القصص: 8] ولما كانت عاقبة قوم فرعون هو الضلال، وقد أعلمه الله تعالى، لا جرم عبر عن هذا المعنى بهذا اللفظ. الثاني: أن قوله: {رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ } أي لئلا يضلوا عن سبيلك، فحذف لا لدلالة المعقول عليه كقوله: { أية : يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } تفسير : [النساء: 176] والمراد أن لا تضلوا، وكقوله تعالى: { أية : قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [الأعراف: 172] والمراد لئلا تقولوا، ومثل هذا الحذف كثير في الكلام. الثالث: أن يكون موسى عليه السلام ذكر ذلك على سبيل التعجب المقرون بالإنكار والتقدير كأنك آتيتهم ذلك الغرض فإنهم لا ينفقون هذه الأموال إلا فيه وكأنه قال: آتيتهم زينة وأموالاً لأجل أن يضلوا عن سبيل الله ثم حذف حرف الاستفهام كما في قول الشاعر: شعر : كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا تفسير : أراد أكذبتك فكذا ههنا. الرابع: قال بعضهم: هذه اللام لام الدعاء وهي لام مكسورة تجزم المستقل ويفتتح بها الكلام، فيقال ليغفر الله للمؤمنين وليعذب الله الكافرين، والمعنى ربنا ابتلهم بالضلال عن سبيلك. الخامس: أن هذه اللام لام التعليل لكن بحسب ظاهر الأمر لا في نفس الحقيقة وتقريره أنه تعالى لما أعطاهم هذه الأموال وصارت تلك الأموال سبباً لمزيد البغي والكفر، أشبهت هذه الحالة حالة من أعطى المال لأجل الإضلال فورد هذا الكلام بلفظ التعليل لأجل هذا المعنى. السادس: بينا في تفسير قوله تعالى: { أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا } تفسير : [البقرة:26] في أول سورة البقرة إن الضلال قد جاء في القرآن بمعنى الهلاك يقال: الماء في اللبن أي هلك فيه. إذا ثبت هذا فنقول: قوله: {رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ } معناه: ليهلكون ويموتوا، ونظيره قوله تعالى: { أية : فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [التوبة: 55] فهذا جملة ما قيل في هذا الباب. واعلم أنا قد أجبنا عن هذه الوجوه مراراً كثيرة في هذا الكتاب، ولا بأس بأن نعيد بعضها في هذا المقام فنقول: الذي يدل على أن حصول الإضلال من الله تعالى وجوه: الأول: أن العبد لا يقصد إلا حصول الهداية، فلما لم تحصل الهداية بل حصل الضلال الذي لا يريده، علمنا أن حصوله ليس من العبد بل من الله تعالى. فإن قالوا: إنه ظن بهذا الضلال أنه هدى؟ فلا جرم قد أوقعه وأدخله في الوجود فنقول: فعلى هذا يكون إقدامه على تحصيل هذا الجهل بسبب الجهل السابق، فلو كان حصول ذلك الجهل السابق بسبب جهل آخر لزم التسلسل وهو محال، فثبت أن هذه الجهالات والضلالات لا بد من انتهائها إلى جهل أول وضلال أول، وذلك لا يمكن أن يكون بإحداث العبد وتكوينه لأنه كرهه وإنما أراد ضده، فوجب أن يكون من الله تعالى. الثاني: أنه تعالى لما خلق الخلق بحيث يحبون المال والجاه حباً شديداً لا يمكنه إزالة هذا الحب عن نفسه ألبتة، وكان حصول هذا الحب يوجب الاعراض عمن يستخدمه ويوجب التكبر عليه وترك الالتفات إلى قوله وذلك يوجب الكفر، فهذه الأشياء بعضها يتأدى إلى البعض تأدياً على سبيل اللزوم وجب أن يكون فاعل هذا الكفر هو الذي خلق الإنسان مجبولاً على حب المال والجاء. الثالث: وهو الحجة الكبرى أن القدرة بالنسبة إلى الضدين على السوية، فلا يترجح أحد الطرفين على الثاني إلا لمرجح، وذلك المرجح ليس من العبد وإلا لعاد الكلام فيه، فلا بد وأن يكون من الله تعالى، وإذا كان كذلك كانت الهداية والإضلال من الله تعالى. الرابع: أنه تعالى أعطى فرعون وقومه زينة وأموالاً وقوى حب ذلك المال والجاه في قلوبهم. وأودع في طباعهم نفرة شديدة عن خدمة موسى عليه السلام والانقياد له، لا سيما وكان فرعون كالمنعم في حقه والمربي له والنفرة عن خدمة من هذا شأنه راسخة في القلوب، وكل ذلك يوجب إعراضهم عن قبول دعوة موسى عليه السلام وإصرارهم على إنكار صدقه، فثبت بالدليل العقلي أن إعطاء الله تعالى فرعون وقومه زينة الدنيا وأموال الدنيا لا بد وأن يكون موجباً لضلالهم فثبت أن ما أشعر به ظاهر اللفظ فقد ثبت صحته بالعقل الصريح فكيف يمكن ترك ظاهر اللفظ في مثل هذا المقام وكيف يحسن حمل الكلام على الوجوه المتكلفة الضعيفة جداً. إذا عرفت هذا فنقول: أما الوجه الأول: وهو حمل اللام على لام العاقبة فضعيف، لأن موسى عليه السلام ما كان عالماً بالعواقب. فإن قالوا: إن الله تعالى أخبره بذلك؟ قلنا: فلما أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون كان صدور الإيمان منهم محالاً، لأن ذلك يستلزم انقلاب خبر الله كذباً وهو محال والمفضى إلى المحال محال. وأما الوجه الثاني: وهو قولهم يحمل قوله {ليضلوا عن سبيلك} على أن المراد لئلا يضلوا عن سبيلك فنقول: إن هذا التأويل ذكره أبو علي الجبائي في تفسيره. وأقول: إنه لما شرع في تفسيره قوله تعالى: {أية : ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك}تفسير : [النساء:79] ثم نقل عن بعض أصحابنا أنه قرأ {فمن نفسك} على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار، ثم إنه استبعد هذه القراءة وقال إنها تقتضي تحريف القرآن وتغييره وتفتح باب تأويلات الباطنية وبالغ في إنكار تلك القراءة وهذا الوجه الذي ذكره ههنا شر من ذلك، لأنه قلب النفي إثباتاً والإثبات نفياً وتجويزه يفتح باب أن لا يبقى الاعتماد على القرآن لا في نفيه ولا في إثباته وحينئذ يبطل القرآن بالكلية هذا بعينه هو الجواب عن قوله المراد منه الاستفهام بمعنى الإنكار، فإن تجويزه يوجب تجويز مثله في سائر المواطن، فلعله تعالى إنما قال: {أية : أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}تفسير : [البقرة:43] على سبيل الإنكار والتعجب وأما بقية الجوابات فلا يخفى ضعفها. ثم إنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه قال: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوٰلِهِمْ } وذكرنا معنى الطمس عند قوله تعالى: { أية : مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً } تفسير : [النساء: 47] والطمس هو المسخ. قال ابن عباس رضي الله عنهما: بلغنا أن الدراهم والدنانير، صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحاً وأنصافاً وأثلاثاً، وجعل سكرهم حجارة. ثم قال: {وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } ومعنى الشد على القلوب الاستيثاق منها حتى لا يدخلها الإيمان. قال الواحدي: وهذا دليل على أن الله تعالى يفعل ذلك بمن يشاء، ولولا ذلك لما حسن من موسى عليه السلام هذا السؤال. ثم قال: {فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلاْلِيمَ } وفيه وجهان: أحدهما: أنه يجوز أن يكون معطوفاً على قوله: {لِيُضِلُّواْ } والتقدير: ربنا ليضلوا عن سبيلك فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم وقوله: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } يكون اعتراضاً. والثاني: يجوز أن يكون جواباً لقوله: {وَٱشْدُدْ } والتقدير: اطبع على قلوبهم وقسها حتى لا يؤمنوا، فإنها تستحق ذلك. ثم قال تعالى: {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا } وفيه وجهان: الأول: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن موسى كان يدعو وهارون كان يؤمن، فلذلك قال: {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا } وذلك لأن من يقول عند دعاء الداعي آمين فهو أيضاً داع، لأن قوله آمين تأويله استجب فهو سائل كما أن الداعي سائل أيضاً. الثاني: لا يبعد أن يكون كل واحد منهما، ذكر هذا الدعاء غاية ما في الباب أن يقال: إنه تعالى حكى هذا الدعاء عن موسى بقوله: {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلاَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً } إلا أن هذا لا ينافي أن يكون هارون قد ذكر ذلك الدعاء أيضاً. وأما قوله: {فَٱسْتَقِيمَا } يعني فاستقيما على الدعوة والرسالة، والزيادة في إلزام الحجة فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا قليلاً فلا تستعجلا، قال ابن جُرَيْج: إن فرعون لبث بعد هذا الدعاء أربعين سنة. وأما قوله: {وَلاَ تَتَّبِعَانّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } ففيه بحثان: البحث الأول: المعنى: لا تتبعان سبيل الجاهلين الذين يظنون أنه متى كان الدعاء مجاباً كان المقصود حاصلاً في الحال، فربما أجاب الله تعالى دعاء إنسان في مطلوبه، إلا أنه إنما يوصله إليه في وقته المقدر، والاستعجال لا يصدر إلا من الجهال، وهذا كما قال لنوح عليه السلام: { أية : إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [هود: 46]. واعلم أن هذا النهي لا يدل على أن ذلك قد صدر من موسى عليه السلام كما أن قوله: { أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } تفسير : [الزمر: 65] لا يدل على صدور الشرك منه. البحث الثاني: قال الزجاج: قوله: {وَلاَ تَتَّبِعَانّ } موضعه جزم، والتقدير: ولا تتبعا، إلا أن النون الشديدة دخلت على النهي مؤكدة وكسرت لسكونها، وسكون النون التي قبلها فاختير لها الكسرة، لأنها بعد الألف تشبه نون التثنية، وقرأ ابن عامر {وَلاَ تَتَّبِعَانّ } بتخفيف النون.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ} «آتَيْتَ» أي أعطيت. {زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي مال الدنيا، وكان لهم من فُسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن الذهب والفضة والزّبرجد والزّمرد والياقوت. قوله تعالى: {رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ} اختلف في هذه اللام، وأصح ما قيل فيها ـ وهو قول الخليل وسيبويه ـ أنها لام العاقبة والصيرورة؛ وفي الخبر: «حديث : إن لله تعالى مَلَكا ينادي كلّ يوم لِدُوا للموت وابنوا للخراب»تفسير : . أي لما كان عاقبة أمرهم إلى الضلال صار كأنه أعطاهم ليضِلّوا. وقيل: هي لام كيّ، أي أعطيتهم لكي يضلوا ويَبْطَروا ويتكبروا. وقيل: هي لام أجْل، أي أعطيتهم لأجل إعراضهم عنك فلم يخافوا أن تعرض عنهم. وزعم قوم أن المعنى: أعطيتهم ذلك لئلا يضلوا، فحذفت لا كما قال عز وجل: {أية : يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ}تفسير : [النساء: 176]. والمعنى: لأن لا تضلوا. قال النحاس: ظاهر هذا الجواب حسن، إلا أن العرب لا تحذف «لا» إلا مع أن؛ فموّه صاحب هذا الجواب بقوله عز وجل: {أَن تَضِلُّواْ}. وقيل: اللام للدعاء، أي ٱبتلهم بالضلال عن سبيلك؛ لأن بعده: «ٱطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ». وقيل: الفعل معنى المصدر أي إضلالهم؛ كقوله عز وجل: {لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ}. قرأ الكوفيون: «لِيُضِلُّوا» بضم الياء من الإضلال، وفتحها الباقون. قوله تعالى: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ} أي عاقبهم على كفرهم بإهلاك أموالهم. قال الزجاج: طَمْسُ الشيء إذهابه عن صورته. قال ابن عباس ومحمد بن كعب: صارت أموالهم ودراهمهم حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأثلاثا وأنصافاً، ولم يبق لهم معدن إلا طمس الله عليه فلم ينتفع به أحد بعد. وقال قتادة: بلغنا أن أموالهم وزروعهم صارت حجارة. وقال مجاهد وعطية: أهلكها حتى لا تُرَى؛ يقال: عين مطموسة، وطُمس الموضع إذا عفا ودرَس. وقال ابن زيد: صارت دنانيرهم ودراهمهم وفرشهم وكل شيء لهم حجارة. محمد بن كعب: وكان الرجل منهم يكون مع أهله في فراشه وقد صارا حجرين؛ قال: وسألني عمر بن عبد العزيز فذكرت ذلك له فدعا بخريطة أُصيبت بمصر فأخرج منها الفواكه والدراهم والدنانير وإنها لحجارة. وقال السدّي: وكانت إحدى الآيات التسع. {وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}. قال ٱبن عباس: أي امنعهم الإيمان. وقيل: قَسِّها وٱطبع عليها حتى لا تنشرح للإيمان؛ والمعنى واحد. {فَلاَ يُؤْمِنُواْ} قيل: هو عطف على قوله: «لِيَضِلُّوا» أي آتيتهم النعم ليضلوا ولا يؤمنوا؛ قاله الزجاج والمبرد. وعلى هذا لا يكون فيه من معنى الدعاء شيء. وقوله: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ} {وَٱشْدُدْ} كلام معترَض. وقال الفراء والكسائي وأبو عبيدة: هو دعاء، فهو في موضع جزم عندهم؛ أي اللهم فلا يؤمنوا، أي فلا آمنوا. ومنه قول الأعشى:شعر : فلا ينبسطْ من بين عينَيْك ما ٱنزَوى ولا تَلْقَني إلا وأنفُك راغِمُ تفسير : أي لا ٱنبسط. ومن قال «لِيَضِلّوا» دعاء ـ أي ابتلهم بالضلال ـ قال: عطف عليه «فَلاَ يُؤْمِنُوا». وقيل: هو في موضع نصب لأنه جواب الأمر؛ أي واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا. وهذا قول الأخفش والفراء أيضاً، وأنشد الفراء:شعر : يا ناق سيري عَنَقاً فسيحا إلى سليمان فنستريحا تفسير : فعلى هذا حذفت النون لأنه منصوب. {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} قال ابن عباس: هو الغرق. وقد ٱستشكل بعض الناس هذه الآية فقال: كيف دعا عليهم وحكم الرسل استدعاء إيمان قومهم؛ فالجواب أنه لا يجوز أن يدعو نبيّ على قومه إلا بإذن من الله، وإعلام أنه ليس فيهم من يؤمن ولا يخرج من أصلابهم من يؤمن؛ دليله قوله لنوح عليه السلام: {أية : أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} تفسير : [هود: 36] وعند ذلك قال: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً}تفسير : [نوح: 26] الآية. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً} ما يتزين به من الملابس والمراكب ونحوهما. {وَأَمْوَالاً فِى ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا} وأنواعاً من المال. {رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ} دعاء عليهم بلفظ الأمر بما علم من ممارسة أحوالهم أنه لا يكون غيره كقولك: لعن الله إبليس. وقيل اللام للعاقبة وهي متعلقة بـ{ءاتَيْتَ} ويحتمل أن تكون للعلة لأن إيتاء النعم على الكفر استدراج وتثبيت على الضلال، ولأنهم لما جعلوها سبباً للضلال فكأنهم أوتوها ليضلوا فيكون {رَبَّنَا} تكريراً للأول تأكيداً وتنبيهاً على أن المقصود عرض ضلالهم وكفرانهم تقدمة لقوله: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوٰلِهِمْ} أي أهلكها، والطمس المحق وقرىء «اطْمِس» بالضم. {وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} أي وأقسها عليها حتى لا تنشرح للإيمان. {فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} جواب للدعاء أو دعاء بلفظ النهي، أو عطف على {لِيُضِلُّواْ} وما بينهم دعاء معترض. {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} يعني موسى وهارون لأنه كان يؤمن. {فَٱسْتَقِيمَا} فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة وإلزام الحجة، ولا تستعجلا فإن ما طلبتما كائن ولكن في وقته. روي: أنه مكث فيهم بعد الدعاء أربعين سنة. {وَلاَ تَتَّبِعَانّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} طريق الجهلة في الاستعجال أو عدم الوثوق والاطمئنان بوعد الله تعالى، وعن ابن عامر برواية ابن ذكوان ولا تتبعان بالنون الخفيفة وكسرها لالتقاء الساكنين، {وَلاَ تَتَّبِعَانّ} من تبع {وَلاَ تَتَّبِعَانّ} أيضاً. {وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْبَحْرَ} أي جوزناهم في البحر حتى بلغوا الشط حافظين لهم، وقرىء «جوزنا» وهو من فعل المرادف لفاعل كضعف وضاعف. {فَأَتْبَعَهُمْ} فأدركهم يقال اتبعته حتى أتبعته. {فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا} باغين وعادين، أو للبغي والعدو وقرىء «وعدوا». {حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ} لحقه. {قَالَ ءامَنتُ أَنَّهُ} أي بأنه. {لا إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِى ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْرٰءيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} وقرأ حمزة والكسائي أنه بالكسر على إضمار القول أو الاستئناف بدلاً وتفسيراً لـ {لآمنت} فنكب عن الإيمان أوان القبول وبالغ فيه حين لا يقبل. {ٱلئَـٰنَ} أتؤمن الآن وقد أيست من نفسك ولم يبق لك اختيار. {وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ} قبل ذلك مدة عمرك. {وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ } الضالين المضلين عن الإيمان. {فَٱلْيَوْمَ نُنَجّيكَ} ننقذك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ونجعلك طافياً، أو نلقيك على نجوة من الأرض ليراك بنو إسرائيل. وقرأ يعقوب {نُنَجّيكَ} من أنجى، وقرأ «ننحيك» بالحاء أي نلقيك بناحية من الساحل. {بِبَدَنِكَ} في موضع الحال أي ببدنك عارياً عن الروح، أو كاملاً سوياً أو عرياناً من غير لباس. أو بدرعك وكانت له درع من ذهب يعرف بها. وقرىء «بأبدانك» أي بأجزاء البدن كلها كقولهم هوى بإجرامه أو بدروعك كأنه كان مظاهراً بينها. {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً} لمن وراءك علامة وهم بنو إسرائيل إذ كان في نفوسهم من عظمته ما خيل إليهم أنه لا يهلك، حتى كذبوا موسى عليه السلام حين أخبرهم بفرقة إلى أن عاينوه مطرحاً على ممرهم من الساحل، أو لمن يأتي بعدك من القرون إذا سمعوا مآل أمرك ممن شاهدك عبرة ونكالاً عن الطغيان، أو حجة تدلهم على أن الإنسان على ما كان عليه من عظم الشأن وكبرياء الملك مملوك مقهور بعيد عن مظان الربوبية. وقرىء لمن «خلقك» أي لخالقك آية أي كسائر الآيات فإن إفراده إياك بالإِلقاء إلى الساحل دليل على أن تعمد منه لكشف تزويرك وإماطة الشبهة في أمرك. وذلك دليل على كمال قدرته وعلمه وإرادته، وهذا الوجه أيضاً محتمل على المشهور. {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها.

ابن كثير

تفسير : هذا إخبار من الله تعالى عما دعا به موسى عليه السلام على فرعون وملئه لما أبوا قبول الحق، واستمروا على ضلالهم وكفرهم معاندين جاحدين ظلماً وعلواً وتكبراً وعتواً، قال موسى: {رَبَّنَآ إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً} أي: من أثاث الدنيا ومتاعها {وَأَمْوَالاً} أي: جزيلة كثيرة {فِى} هذه {ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ} بفتح الياء، أي: أعطيتهم ذلك وأنت تعلم أنهم لا يؤمنون بما أرسلتني به إليهم؛ استدراجاً منك لهم؛ كقوله تعالى: {أية : لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} تفسير : [طه: 131] وقرأ آخرون بضم الياء، أي: ليفتتن بما أعطيتهم من شئت من خلقك؛ ليظن من أغويته أنك إنما أعطيتهم هذا لحبك إياهم، واعتنائك بهم {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَٰلِهِمْ} قال ابن عباس ومجاهد: أي: أهلكها، وقال الضحاك وأبو العالية والربيع بن أنس: جعلها الله حجارة منقوشة كهيئة ما كانت، وقال قتادة: بلغنا أن زروعهم تحولت حجارة، وقال محمد بن كعب القرظي: جعل سكرهم حجارة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا يحيى بن أبي بكير عن أبي معشر، حدثني محمد بن قيس: أن محمد بن كعب قرأ سورة يونس على عمر بن عبد العزيز حتى بلغ: {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} إلى قوله: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَٰلِهِمْ} الآية، فقال عمر: يا أبا حمزة أي شيء الطمس؟ قال: عادت أموالهم كلها حجارة، فقال عمر بن عبد العزيز لغلام له: ائتني بكيس، فجاءه بكيس، فإذا فيه حمص وبيض قد حول حجارة. وقوله: {أية : وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} تفسير : [يونس: 88] قال ابن عباس: أي: اطبع عليها { فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} وهذه الدعوة كانت من موسى عليه السلام غضباً لله ولدينه على فرعون وملئه الذين تبين له أنهم لا خير فيهم، ولا يجيء منهم شيء؛ كما دعا نوح عليه السلام فقال: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً } تفسير : [نوح: 26-27] ولهذا استجاب الله تعالى لموسى عليه السلام فيهم هذه الدعوة التي أمن عليها أخوه هارون، فقال تعالى: {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} قال أبو العالية وأبو صالح وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي والربيع بن أنس: دعا موسى، وأمن هارون، أي: قد أجبناكما فيما سألتما من تدمير آل فرعون، وقد يحتج بهذه الآية من يقول: إن تأمين المأموم على قراءة الفاتحة ينزل منزلة قراءتها؛ لأن موسى دعا، وهارون أمن، وقال تعالى: {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا} الآية، أي: كما أجيبت دعوتكما، فاستقيما على أمري. قال ابن جريج عن ابن عباس: فاستقيما: فامضيا لأمري، وهي الاستقامة. قال ابن جريج: يقولون: إِن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة، وقال محمد بن علي بن الحسين: أربعين يوماً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوٰلاً فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا } آتيتهم ذلك {لِيُضِلُّواْ } في عاقبته {عَن سَبِيلِكَ } دينك {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوٰلِهِمْ } امسخها {وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } اطبع عليها واستوثق {فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } المؤلم. دعا عليهم وأمَّن هارون على دعائه.

الشوكاني

.تفسير : لما بالغ موسى عليه السلام في إظهار المعجزات، وإقامة الحجج البيّنات، ولم يكن لذلك تأثير في من أرسل إليهم، دعا عليهم بعد أن بيّن سبب إصرارهم على الكفر، وتمسكهم بالجحود والعناد، فقال مبيناً للسبب أوّلاً: {رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } قد تقدّم أن الملأ: هم الأشراف. والزينة: اسم لكل ما يتزين به، من ملبوس ومركوب، وحلية وفراش وسلاح، وغير ذلك، ثم كرّر النداء للتأكيد فقال: {رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ}. وقد اختلف في هذه اللام الداخلة على الفعل، فقال الخليل وسيبويه: إنها لام العاقبة والصيرورة. والمعنى: أنه لما كان عاقبة أمرهم الضلال، صار كأنه سبحانه أعطاهم ما أعطاهم من النعم ليضلوا، فتكون اللام على هذا متعلقة بآتيت؛ وقيل: إنها لام كي: أي أعطيتهم لكي يضلوا. وقال قوم: إن المعنى أعطيتهم ذلك لئلا يضلوا. فحذفت لا كما قال سبحانه: {أية : يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ}تفسير : [النساء: 176]. قال النحاس: ظاهر هذا الجواب حسن إلا أن العرب لا تحذف لا إلا مع أن، فموّه صاحب هذا التأويل بالاستدلال بقوله: {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ}، وقيل اللام للدعاء عليهم. والمعنى، ابتلهم بالهلاك عن سبيلك، واستدلّ هذا القائل بقوله سبحانه بعد هذا: {اطمس} و{اشدد}. وقد أطال صاحب الكشاف في تقرير هذا بما لا طائل تحته، والقول الأوّل هو: الأولى. وقرأ الكوفيون «ليضلوا» بضم حرف المضارعة: أي يوقعوا الإضلال على غيرهم. وقرأ الباقون بالفتح: أي يضلون في أنفسهم {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوٰلِهِمْ }. قال الزجاج: طمس الشيء: إذهابه عن صورته؛ والمعنى: الدعاء عليهم بأن يمحق الله أموالهم، ويهلكها وقرىء بضم الميم من اطمس {وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } أي: اجعلها قاسية مطبوعة لا تقبل الحق، ولا تنشرح للإيمان. قوله: {فَلاَ يُؤْمِنُواْ } قال المبرد والزجاج: هو معطوف على {ليضلوا}، والمعنى: آتيتهم النعم، ليضلوا ولا يؤمنوا، ويكون ما بين المعطوف والمعطوف عليه اعتراضاً. وقال الفراء، والكسائي، وأبو عبيدة: هو دعاء بلفظ النهي، والتقدير: اللهمّ فلا يؤمنوا، ومنه قول الأعشى:شعر : فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ولا تلقني إلا وأنفك راغم تفسير : وقال الأخفش: إنه جواب الأمر: أي اطمس واشدد، فلا يؤمنوا، فيكون منصوباً. وروي هذا عن الفراء أيضاً، ومنه:شعر : يا ناق سيري عنقاً فسيحا إلى سليمان فنستريحا تفسير : {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلألِيمَ } أي: لا يحصل منهم الإيمان إلا مع المعاينة لما يعذبهم الله به، وعند ذلك لا ينفع إيمانهم. وقد استشكل بعض أهل العلم ما في هذه الآية من الدعاء على هؤلاء، وقال: إن الرسل إنما تطلب هداية قومهم وإيمانهم. وأجيب بأنه لا يجوز لنبيّ أن يدعو على قومه إلا بإذن الله سبحانه، وإنما يأذن الله بذلك لعلمه بأنه ليس فيهم من يؤمن، ولهذا لما أعلم الله نوحاً عليه السلام بأنه لا يؤمن من قومه إلا من قد آمن، قال: {أية : رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً }تفسير : [نوح: 26]. {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا } جعل الدعوة ها هنا مضافة إلى موسى وهارون، وفيما تقدّم أضافها إلى موسى وحده، فقيل: إن هارون كان يؤمِّن على دعاء موسى، فسمي ها هنا داعياً، وإن كان الداعي موسى وحده، ففي أوّل الكلام أضاف الدعاء إلى موسى لكونه الداعي، وها هنا أضافه إليهما تنزيلاً للمؤمن منزلة الداعي، ويجوز أن يكونا جميعاً داعيين، ولكن أضاف الدعاء إلى موسى في أوّل الكلام لأصالته في الرسالة. قال النحاس: سمعت عليّ بن سليمان يقول: الدليل على أن الدعاء لهما، قول موسى {ربنا} ولم يقل: رب. وقرأ عليّ والسلمي «دعاؤكما» وقرأ ابن السميفع «دعواكما». والاستقامة: الثبات على ما هما عليه من الدعاء إلى الله. قال الفراء وغيره: أمر بالاستقامة على أمرهما والثبات عليه، على دعاء فرعون وقومه إلى الإيمان إلى أن يأتيهما تأويل الإجابة أربعين سنة، ثم أهلكوا. وقيل: معنى الاستقامة: ترك الاستعجال ولزوم السكينة، والرضا والتسليم لما يقضي به الله سبحانه. قوله: {وَلاَ تَتَّبِعَانّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } بتشديد النون للتأكيد، وحرّكت بالكسر لكونه الأصل، ولكونها أشبهت نون التثنية. وقرأ ابن ذكوان بتخفيف النون على النفي لا على النهي. وقرىء بتخفيف الفوقية الثانية من {تتبعان}، والمعنى: النهي لهما عن سلوك طريقة من لا يعلم بعادة الله سبحانه في إجراء الأمور على ما تقتضيه المصالح، تعجيلاً وتأجيلاً. قوله: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْبَحْرَ } هو من جاوز المكان: إذا خلفه وتخطاه، والباء للتعدية: أي جعلناهم مجاوزين البحر، حتى بلغوا الشط؛ لأن الله سبحانه جعل البحر يبساً فمرّوا فيه حتى خرجوا منه إلى البرّ. وقد تقدّم تفسير هذا في سورة البقرة في قوله سبحانه: {أية : وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ } تفسير : [البقرة: 50] وقرأ الحسن «وجوّزنا» وهما لغتان {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ } يقال: تبع وأتبع بمعنى واحد، إذا لحقه. وقال الأصمعي: يقال: أتبعه بقطع الألف، إذا لحقه وأدركه، واتبعه بوصل الألف: إذا اتبع أثره أدركه، أو لم يدركه. وكذا قال أبو زيد. وقال أبو عمرو: إنّ اتبعه بالوصل: اقتدى به، وانتصاب بغياً وعدواً على الحال، والبغي: الظلم، والعدو: الاعتداء، ويجوز أن يكون انتصابهما على العلة: أي للبغي والعدو. وقرأ الحسن «وعدوا» بضم العين والدال وتشديد الواو، مثل علا يعلو علوّاً، وقيل إن البغي: طلب الاستعلاء في القول بغير حق، والعدو: في الفعل {حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ } أي: ناله ووصله وألجمه. وذلك أن موسى خرج ببني إسرائيل على حين غفلة من فرعون، فلما سمع فرعون بذلك لحقهم بجنوده، ففرق الله البحر لموسى وبني إسرائيل، فمشوا فيه حتى خرجوا من الجانب الآخر، وتبعهم فرعون، والبحر باق على الحالة التي كان عليها عند مضيّ موسى ومن معه، فلما تكامل دخول جنود فرعون، وكادوا أن يخرجوا من الجانب الآخر، انطبق عليهم فغرقوا كما حكى الله سبحانه ذلك {قَالَ ءامَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِى ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْرٰءيلَ } أي: صدّقت أنه بفتح الهمزة على أن الأصل بأنه، فحذفت الباء، والضمير للشأن. وقرىء بكسر إنّ على الاستئناف، وزعم أبو حاتم أن القول محذوف: أي آمنت، فقلت: إنه، ولم ينفعه هذا الإيمان أنه وقع منه بعد إدراك الغرق كله، كما تقدّم في النساء، ولم يقل للعين: آمنت بالله أو بربّ العالمين، بل قال: آمنت أنه لا إلٰه إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، لأنه بقي فيه عرق من دعوى الإلٰهية. قوله: {وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } أي: المستسلمين لأمر الله، المنقادين له، الذين يوحدونه وينفون ما سواه، وهذه الجملة إما في محل نصب على الحال أو معطوفة على آمنت. قوله: {الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} هو مقول قول مقدّر معطوف على {قال آمنت}: أي فقيل له: أتؤمن الآن؟ وقد اختلف من القائل لفرعون بهذه المقالة؟ فقيل: هي من قول الله سبحانه، وقيل: من قول جبريل، وقيل: من قول ميكائيل، وقيل: من قول فرعون، قال ذلك في نفسه لنفسه. وجملة {وقد عصيت قبل}: في محل نصب على الحال من فاعل الفعل المقدّر بعد القول المقدر، وهو أتؤمن الآن، والمعنى: إنكار الإيمان منه عند أن ألجمه الغرق، والحال أنه قد عصى الله من قبل، والمقصود التقريع والتوبيخ له. وجملة {وكنت من المفسدين} معطوفة على عصيت داخلة في الحال، أي: كنت من المفسدين في الأرض بضلالك عن الحق، وإضلالك لغيرك. قوله: {فَٱلْيَوْمَ نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ } قرىء «ننجيك» بالتخفيف، والجمهور على التثقيل. وقرأ اليزيدي: «ننحيك» بالحاء المهملة من التنحية، وحكاها علقمة عن ابن مسعود؛ ومعنى {ننجيك} بالجيم: نلقيك على نجوة من الأرض، وذلك أن بني إسرائيل لم يصدّقوا أن فرعون غرق، وقالوا: هو أعظم شأناً من ذاك، فألقاه الله على نجوة من الأرض، أي: مكان مرتفع من الأرض حتى شاهدوه. وقيل: المعنى: نخرجك مما وقع فيه قومك من الرسوب في قعر البحر، ونجعلك طافياً ليشاهدوك ميتاً بالغرق، ومعنى "ننحيك" بالمهملة: نطرحك على ناحية من الأرض، وروي عن ابن مسعود أنه قرأ «بأبدانك». وقد اختلف المفسرون في معنى ببدنك، فقيل: معناه: بجسدك بعد سلب الروح منه. وقيل: معناه: بدرعك، والدرع يسمى بدناً، ومنه قول كعب بن مالك:شعر : ترى الأبدان فيها مسبغات على الأبطال واليلب الحصينا تفسير : أراد بالأبدان: الدروع، وقال عمرو بن معدي كرب:شعر : ومضى نساؤهم بكل مُضاضة جدلاء سابغة وبالأبـدان تفسير : أي بدروع سابغة، ودروع قصيرة: وهي التي يقال لها: أبدان كما قال أبو عبيدة. وقال الأخفش: وأما قول من قال: بدرعك، فليس بشيء، ورجح أن البدن المراد به هنا الجسد. قوله: {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً } هذا تعليل لتنجيته ببدنه، وفي ذلك دليل على أنه لم يظهر جسده دون قومه إلا لهذه العلة لا سوى، والمراد بالآية: العلامة، أي لتكون لمن خلفك من الناس علامة يعرفون بها هلاكك، وأنك لست كما تدّعي، ويندفع عنهم الشك في كونك قد صرت ميتاً بالغرق. وقيل: المراد ليكون طرحك على الساحل وحدك دون المغرقين من قومك آية من آيات الله، يعتبر بها الناس، أو يعتبر بها من سيأتي من الأمم إذا سمعوا ذلك، حتى يحذروا من التكبر والتجبر والتمرّد على الله سبحانه، فإن هذا الذي بلغ إلى ما بلغ إليه من دعوى الإلٰهية، واستمرّ على ذلك دهراً طويلاً كانت له هذه العاقبة القبيحة. وقرىء «لمن خلفك» على صيغة الفعل الماضي أي: لمن يأتي بعدك من القرون، أو من خلفك في الرياسة أو في السكون في المسكن الذي كنت تسكنه {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا} التي توجب الاعتبار والتفكر، وتوقظ من سنة الغفلة {لَغَـٰفِلُونَ } عما توجبه الآيات، وهذه الجملة تذييلية. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوٰلِهِمْ } يقول: دمر على أموالهم وأهلكها {وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } قال: اطبع: {فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } وهو الغرق. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب القرظي، قال: سألني عمر ابن عبد العزيز، عن قوله: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوٰلِهِمْ } فأخبرته أن الله طمس على أموال فرعون وآل فرعون، حتى صارت حجارة، فقال عمر: كما أنت حتى آتيك، فدعا بكيس مختوم ففكه، فإذا فيه الفضة مقطوعة كأنها الحجارة والدنانير والدراهم، وأشباه ذلك من الأموال حجارة كلها. وقد روي أن أموالهم تحوّلت حجارة من طريق جماعة من السلف. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: {قد أجيبت دعوتكما}، قال: فاستجاب له، وحال بين فرعون وبين الإيمان. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي هريرة قال: كان موسى إذا دعا أمَّن هارون على دعائه يقول آمين. قال أبو هريرة: وهو اسم من أسماء الله، فذلك قوله: {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا }. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن عكرمة نحوه. وأخرج سعيد بن منصور، عن محمد بن كعب القرظي، نحوه أيضاً. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، قال: يزعمون أن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج، مثله. وأخرج الحكيم الترمذي، عن مجاهد، نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس، فاستقيما: فامضيا لأمري، وهي الاستقامة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة، قال: العدو والعتوّ والعلوّ في كتاب الله: التجبر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: لما خرج آخر أصحاب موسى ودخل آخر أصحاب فرعون، أوحى الله إلى البحر أن انطبق عليهم، فخرجت أصبع فرعون بلا إلٰه إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، قال جبريل: فعرفت أن الربّ رحيم، وخفت أن تدركه الرحمة، فرمسته بجناحي وقلت: آلان وقد عصيت قبل؟ فلما خرج موسى وأصحابه قال من تخلّف من قوم فرعون: ما غرق فرعون ولا أصحابه، ولكنهم في جزائر البحر يتصيدون، فأوحى الله إلى البحر أن اللفظ فرعون عرياناً، فلفظه عرياناً أصلع أخينس قصيراً فهو قوله: {فَٱلْيَوْمَ نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً } لمن قال: إن فرعون لم يغرق، وكأن نجاة غيره لم تكن نجاة عافية، ثم أوحى الله إلى البحر أن الفظ ما فيك، فلفظهم على الساحل، وكان البحر لا يلفظ غريقاً في بطنه حتى يأكله السمك، فليس يقبل البحر غريقاً إلى يوم القيامة. وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أغرق الله فرعون فقال: {آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيل} قال لي جبريل: يا محمد لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة»تفسير : . وقد روى هذا الحديث الترمذي من غير وجه، وقال: حسن صحيح غريب، وصححه أيضاً الحاكم. وروي عن ابن عباس، مرفوعاً من طرق أخرى. وأخرج الطبراني في الأوسط، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : قال لي جبريل: ما كان على الأرض شيء أبغض إليّ من فرعون، فلما آمن جعلت أحشو فاه حمأة وأنا أغطه خشية أن تدركه الرحمة»تفسير : . وأخرج ابن جرير، والبيهقي، من حديث أبي هريرة مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عمر، مرفوعاً نحوه أيضاً. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي أمامة، مرفوعاً نحوه أيضاً، وفي إسناد حديث أبي هريرة رجل مجهول، وباقي رجاله ثقات. والعجب كل العجب ممن لا علم له بفنّ الرواية من المفسرين، ولا يكاد يميز بين أصح الصحيح من الحديث وأكذب الكذب منه، كيف يتجارى على الكلام في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والحكم ببطلان ما صح منها، ويرسل لسانه وقلمه بالجهل البحت، والقصور الفاضح الذي يضحك منه، كل من له أدنى ممارسة لفن الحديث، فيا مسكين مالك ولهذا الشأن الذي لست منه في شيء؟ ألا تستر نفسك وتربع على ضلعك، وتعرف بأنك بهذا العلم من أجهل الجاهلين، وتشتغل بما هو علمك الذي لا تجاوزه، وحاصلك الذي ليس لك غيره، وهو علم اللغة وتوابعه من العلوم الآلية، ولقد صار صاحب الكشاف رحمه الله، بسبب ما يتعرّض له في تفسيره من علم الحديث الذي ليس هو منه في ورد، ولا صدر، سخرة للساخرين وعبرة للمعتبرين، فتارة يروي في كتابه الموضوعات، وهو لا يدري أنها موضوعات، وتارة يتعرض لردّ ما صح، ويجزم بأنه من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم والبهت عليه، وقد يكون في الصحيحين وغيرهما، مما يلتحق بهما من رواية جماعة من الصحابة بأسانيد كلها أئمة ثقات أثبات حجج، وأدنى نصيب من عقل يحجر صاحبه عن التكلم في علم لا يعلمه، ولا يدري به أقلّ دراية، وإن كان ذلك العلم من علوم الاصطلاح التي يتواضع عليها طائفة من الناس، ويصطلحون على أمور فيما بينهم، فما بالك بعلم السنة الذي هو قسيم كتاب الله، وقائله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وراويه عنه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وكل حرف من حروفه وكلمة من كلماته يثبت بها شرع عامّ، لجميع أهل الإسلام. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، في قوله: {فَٱلْيَوْمَ نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ } قال: أنجى الله فرعون لبني إسرائيل من البحر فنظروا إليه بعدما غرق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في الآية قال: بجسدك، قال: كذب بعض بني إسرائيل بموت فرعون، فألقى على ساحل البحر حتى يراه بنو إسرائيل: أحمر قصيراً كأنه ثور. وأخرج ابن الأنباري، عن محمد بن كعب، في قوله: {فَٱلْيَوْمَ نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ } قال: بدرعك، وكان درعه من لؤلؤة يلاقي فيها الحروب.

ابن عبد السلام

تفسير : {اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ} اهلكها، فصارت زروعهم وأموالهم حجارة منقوشة. {وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} بالعمى عن الرشد، أو بالقسوة، أو بالموت، أو بالضلالة ليهلكوا كفاراً فيعذبوا في الآخرة. {الْعَذَابَ الأَلِيمَ} الغرق.

النسفي

تفسير : {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً } هو ما يتزين به من لباس أو حلي أو فرش أو أثاث أو غير ذلك {وَأَمْوَالاً } أي نقداً ونعماً وضيعة {في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك} ليضلوا الناس عن طاعتك كوفي ولا وقف على {الدنيا} لأن قوله {ليضلوا} متعلق بـ {آتيت} و{ربنا} تكرار. الأول للإلحاح في التضرع. قال الشيخ أبو منصور رحمه الله: إذا علم منهم أنهم يضلون الناس عن سبيله آتاهم ما آتاهم ليضلوا عن سبيله وهو كقوله{أية : إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً} تفسير : [آل عمران: 178] فتكون الآية حجة على المعتزلة {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوٰلِهِمْ } أي أهلكها وأذهب آثارها لأنهم يستعينون بنعمتك على معصيتك، والطمس المحو والهلاك. قيل: صارت دراهمهم ودنانيرهم حجارة كهيئاتها منقوشة. وقيل وسائر أموالهم كذلك {وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } اطبع على قلوبهم واجعلها قاسية {فَلاَ يُؤْمِنُواْ } جواب الدعاء الذي هو اشدد {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } إلى أن يروا العذاب الأليم وكان كذلك، فإنهم لم يؤمنوا إلى الغرق، وكان ذلك إيمان يأس فلم يقبل. وإنما دعا عليهم بهذا لما أيس من إيمانهم وعلم بالوحي أنهم لا يؤمنون، فأما قبل أن يعلم بأنهم لا يؤمنون فلا يسع له أن يدعو بهذا الدعاء لأنه أرسل إليهم ليدعوهم إلى الإيمان، وهو يدل على أن الدعاء على الغير بالموت على الكفر لا يكون كفراً {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا } قيل كان موسى عليه السلام يدعو وهارون يؤمّن فثبت أن التأمين دعاء فكان إخفاؤه أولى، والمعنى أن كلمة واحدة مستجاب وما طلبتما كائن ولكن في وقته {فَٱسْتَقِيمَا } فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة والتبليغ {وَلاَ تَتَّبِعَانّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } ولا تتبعان طريق الجهلة الذين لا يعلمون صدق الإجابة وحكمة الإمهال فقد كان بين الدعاء والإجابة أربعون سنة. {ولا تتبعان} بتخفيف النون وكسرها لالتقاء الساكنين تشبيها بنون التثنية: شامي، وخطأه بعضهم لأن النون الخفيفة واجبة السكون. وقيل: هو إخبار عما يكونان عليه وليس بنهي، أو هو حال وتقديره فاستقيما غير متبعين.

البقاعي

تفسير : ولما ختم ببشارة من دل على إيمانهم إسلامهم بفعل ما يدل على هوان أمر العدو، وكان هلاك المشانىء من أعظم البشائر، وكان ضلال فرعون وقومه بالزينة والمال إضلالاً لغيرهم، سأل موسى عليه السلام إزاله ذلك كله للراحة من شره، فقال تعالى حاكياً عنه: {وقال موسى} أي بعد طول دعائه لفرعون وإظهار المعجزات لديه وطول تكبره على أمر الله وتجبره على المستضعفين من عباده، ولما كان من أعظم أهل الاصطفاء، أسقط الأداة تسنناً بهم، وأشار بصفة الإحسان إلى أن هلاك أعدائهم أعظم إحسان إليهم فقال: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا {إنك} أكد لما للجهال من إنكار أن يكون عطاء الملك الأعظم سبباً للإهانة {آتيت فرعون وملأه} أي أشراف قومه على ما هم فيه من الكفر والكبر {زينة} أي عظيمة يتزينون بها من الحلية واللباس وغيرهما {وأموالاً} أي كثيرة من الذهب والفضة وغيرهما {في الحياة الدنيا} روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة وزبرجد وياقوت؛ ثم بين غايتها لهم فقال مفتتحاً بالنداء باسم الرب ليعيذه وأتباعه من مثل حالهم: {ربنا} أي أيها الموجد لنا المحسن إلينا والمدبر لأمورنا {ليضلوا} في أنفسهم ويضلوا غيرهم {عن سبيلك} أي الطريق الواسعة التي نهجتها للوصول إلى رحمتك. ولما بين أن مآلهم الضلال، دعا عليهم فقال مفتتحاً أيضاً بالنداء باسم الرب ثالثاً لأن ذلك من أمارات الإجابة كما أُشير إليه في آخر آل عمران وإشارة إلى أنهم لا صلاح لهم بدون هلاكهم وهلاكها: {ربنا اطمس} أي أوقع الطمس وهو التسوية بين المطموس وبين غيره مما ليس له نفعه {على أموالهم}. ولما كان قد رأى منهم من التكبر على الله والتكذيب لآياته والتعذيب لأوليائه ما لا يشفي غيظه منه إلا إدامة شقائهم دنيا وأخرى، وكان عالماً بأن قدرة الله على إبقائهم على الكفر مع تحسيرهم بسلب المال كقدرته على ذلك باستدراجهم إليه بالمال، قال: {واشدد} أي شداً ظاهراً لكل أحد - بما أشار إليه الفك مستعلياً {على قلوبهم} قال ابن عباس: اطبع عليها وامنعها من الإيمان، وأجاب الدعاء بقوله: {فلا يؤمنوا} أي ليتسبب عن ذلك الشد عدم إيمانهم إذا رأوا مبادىء العذاب الطمس {حتى يروا} أي بأعينهم {العذاب الأليم*} حيث لا ينفعهم الإيمان فيكونوا جامعين ذل النفوس المطلوب منهم اليوم ليفيدهم العز الدائم إلى شدة الغضب بوضع الشيء في غير موضعه المنتج لدوام ذلهم بالعقاب؛ وهذه الآية منبهة على أن الرضى بكفر خاص لا يستلزم استحسان الكفر من حيث هو كفر؛ قال الإمام الحليمي في كتاب شعب الإيمان المسمى بالمنهاج: وإذا تمنى مسلم كفر مسلم فهذا على وجهين: أحدهما أن يتمناه له كما يتمنى الصديق لصديقه الشيء يستحسنه فيحب أن يكون له فيه نصيب، فهذا كفر لأن استحسان الكفر كفر، والآخر أن يتمناه له كما يتمنى لعدوه الشيء يستفظعه - فيجب أن يقع فيه، فهذا ليس بكفر، تمنى موسى صلوات الله عليه وسلامه بعد أن أجهده فرعون ألا يؤمن فرعون وملأه ليحق عليهم العذاب، وزاد على ذلك أن دعا الله تبارك وتعالى فلم ينكر تعالى ذلك عليه لعلمه أن شدته على فرعون وغلظته عليه لما رآه من عتوه وتجبره هي التي حملته على ذلك، فمن كان في معناه فله حكمه؛ وقد نقل ذلك عنه الزركشي في حرف الثاء من قواعده مرتضياً له، ونقل عنه أيضاً أنه قال: ولو كان في قلب مسلم على كافر فأسلم فحزن المسلم لذلك وتمنى لو عاد إلى الكفر لا يكفر، لأن استقباحه الكفر هو الذي حمله على تمنيه واستحسانه الإسلام هو الحامل لله على كراهته؛ ونقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه لو قتل عدو للإنسان ظلماً ففرح هل يأثم ‍‍! إن فرح بكونه عصى الله فيه فنعم، وإن فرح بكونه خلص من شره فلا بأس لاختلاف سببي الفرح - انتهى. ويؤيده ما روى البيهقي في دلائل النبوة بسنده عن مقسم مرسلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عل عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسر رباعيته ودمي وجهه فقال: "حديث : اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافراً‍‍‍!" تفسير : فما حال عليه الحول حتى مات كافراً إلى النار، ومسألة أن الرضى بالكفر كفر نقلها الشيخان عن المتولي وسكتا عليها، ولكن قال الشيخ محيي الدين في شرح المهذب: إن ذلك إفراط، فما تقدم من التفصيل عن الحليمي وابن عبد السلام هو المعتمد، والمسألة في أصل الروضة. فإنه قال: لو قال لمسلم: سلبه الله الإيمان، أو لكافر: رزقه الله الإيمان، فليس بكفر لأنه ليس رضى بالكفر لكنه دعاء عليه بتشديد الأمر والعقوبة؛ قلت: ذكر القاضي حسين في الفتاوى وجهاً ضعيفاً أنه لو قال مسلم: سلبه الله الإيمان، كفر - والله أعلم، وحكى الوجهين عن القاضي في الأذكار وقال: إن الدعاء بذلك معصية.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏ربنا اطمس على أموالهم‏}‏ يقول‏:‏ دمر على أموالهم وأهلكها ‏{‏واشدد على قلوبهم‏} ‏ قال‏:‏ إطبع ‏ {‏فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم‏}‏ وهو الغرق‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال‏:‏ سألني عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عن قوله ‏ {‏ربنا اطمس على أموالهم‏}‏ فأخبرته أن الله طمس على أموال فرعون وآل فرعون حتى صارت حجارة‏.‏ فقال عمر‏:‏ كما أنت حتى آتيك‏.‏ فدعا بكيس مختوم ففكه فإذا فيه الفضة مقطوعة كأنها الحجارة، والدنانير والدراهم وأشباه ذلك من الأموال حجارة كلها‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏اطمس على أموالهم‏} ‏ قال‏:‏ أهلكها ‏ {‏واشدد على قلوبهم‏}‏ قال‏:‏ بالضلالة ‏ {‏فلا يؤمنوا‏}‏ بالله فيما يرون من الآيات ‏{‏حتى يروا العذاب الأليم‏} ‏‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏ربنا اطمس على أموالهم‏}‏ قال‏:‏ بلغنا أن زروعهم وأموالهم تحوّلت حجارة‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ربنا اطمس على أموالهم‏}‏ قال‏:‏ صارت دنانيرهم ودراهمهم ونحاسهم وحديدهم حجارة منقوشة ‏ {‏واشدد على قلوبهم‏} ‏ يقول‏:‏ أهلكهم كفارا‏ً. وأخرج أبو الشيخ عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ربنا اطمس على أموالهم‏} ‏ قال‏:‏ صارت حجارة‏. وأخرج أبو الشيخ عن القرظي رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ربنا اطمس على أموالهم‏}‏ قال‏:‏ اجعل سكرهم حجارة‏.

ابو السعود

تفسير : {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً} أي ما يُتزَيَّن به من اللباس والمراكبِ ونحوِها {وَأَمْوَالاً} وأنواعاً كثيرةً من المال {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِك} دعاءٌ عليهم بلفظ الأمرِ بما عُلم بممارسة أحوالِهم أنه لا يكون غيرُه، كقولك: لعن الله إبليسَ، وقيل: اللامُ للعاقبة وهي متعلقةٌ بآتيتَ أو للعلة لأن إيتاءَ النعم على الكفر استدراجٌ وتثبـيت على الضلال ولأنهم لما جعلوها ذريعةً إلى الضلال فكأنهم أُوتوها ليُضلوا فيكون ربَّنا تكريراً للأول تأكيداً أو تنبـيهاً على أن المقصودَ عرضُ ضلالِهم وكفرانِهم تقدمةً لقوله تعالى: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوٰلِهِمْ} الطمسُ المحوُ وقرىء بضم الميم أي أهلكْها {وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} أي اجعلها قاسيةً واطبَع عليها حتى لا تنشرحَ للإيمان كما هو قضيةُ شأنهم {فَلاَ يُؤْمِنُواْ} جوابٌ للدعاء أو دعاءٌ بلفظ النهي أو عطفٌ على ليضلوا وما بـينهما دعاء معترض {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} أي يعاينوه ويوقنوا به بحيث لا ينفعهم ذلك إذ ذاك {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} يعني موسى وهارون عليهما السلام لأنه كان يؤمن كما يشعر به إضافةُ الرب إلى ضمير المتكلم مع الغير في المواقعِ الثلاثةِ {فَٱسْتَقِيمَا} فاثبُتا على ما أنتما عليه من الدعوة وإلزام الحجةِ ولا تستعجلا فإن ما طلبتما كائنٌ في وقته لا محالة.(روي أنه مكث فيهم بعد الدعاء أربعين سنة). {وَلاَ تَتَّبِعَانّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} أي بعادات الله سبحانه في تعليق الأمور بالحكم والمصالح أو سبـيل الجهلةِ في الاستعجال أو عدمِ الوثوق بوعد الله تعالى وقرىء بالنون الخفيفةِ وكسرِها لالتقاء الساكنين، ولا تتْبعانِ من تبع ولا تتّبعانِ أيضاً {وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْبَحْرَ} هو من جاوز المكانَ إذا تخطاه وخلفه والباء للتعدية أي جعلناهم مجاوزين البحرَ بأن جعلناه يبساً وحفِظناهم حتى بلغوا الشط وقرىء جوّزنا وهو من التجويز المرادفِ للمجاوزة لا مما هو بمعنى التنفيذ نحو ما وقع في قول الأعشى: شعر : كما جوّز السّكِّيَّ في الباب فيتقُ تفسير : وإلا لقيل: وجوزنا بني إسرائيلَ في البحر ولخلا النظمُ الكريم عن الإيذان بانفصالهم عن البحر وبمقارنة العنايةِ الإلٰهية لهم عنَوا الجوازَ كما هو المشهور في الفرق بـين أذهبه وذهَب به {فَأَتْبَعَهُمْ} يقال: تبِعتُه حتى أتبعتُه إذا كان سبقك فسبقتَه أي أدركهم ولحِقهم {فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ} حتى تراءت الفئتان وكاد يجتمع الجمعان {بَغْيًا وَعَدْوًا} ظلماً واعتداءً أي باغين وعادين أو للبغي والعدوان وقرىء وعدواً وذلك أن موسى عليه السلام خرج ببني إسرائيلَ على حين غفلةٍ من فرعون فلما سمع به تبِعهم حتى لحِقهم ووصل إلى الساحل وهم قد خرجوا من البحر ومسلُكهم باق على حاله يبَساً فسلكه بجنوده أجمعين فلما دخل آخرُهم وهم أولُهم بالخروج غشِيهم من اليم ما غشيهم {حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ} أي لحِقه وألجمه{قَالَ ءامَنتُ أَنَّهُ} أي بأنه والضميرُ للشأن وقرىء أنه على الاستئناف بدلاً من آمنت وتفسيراً له {لا إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِى ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْرٰءيلَ} لم يقل كما قاله السحرةُ: آمنا بربّ العالمين ربَّ موسى وهارون بل عبر عنه تعالى بالموصول وجعل صلتُه إيمانَ بني إسرائيل به تعالى للإشعار برجوعه عن الاستعصاء وباتباعه لمن كان يستتبعهم طمعاً في القبَول والانتظامِ معهم في سلك النجاة {وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي الذين أسلموا نفوسَهم لله أي جعلوها سالمةً خالصةً له تعالى وأراد بهم إما بني إسرائيلَ خاصةً وأما الجنسَ وهم داخلون فيه دخولاً أولياً، والجملةُ على الأول عطفٌ على آمنت، وإيثار الاسميةِ لادعاء الدوامِ والاستمرارِ وعلى الثاني يحتمل الحاليةَ أيضاً من ضمير المتكلمِ أي آمنتُ مخلصاً لله منتظماً في سلك الراسخين فيه، ولقد كُرّر المعنى الواحد بثلاث عباراتٍ حرصاً على القبول المفضي إلى النجاة وهيهاتَ هيهاتَ بعد ما فات وأتى ما هو آتٍ.

القشيري

تفسير : لما يَئِس من إجابتهم حين دعاهم إلى الله دعا عليهم بإنزال السُّخْطَة وإذاقة الفرقة. ومن المعلوم أنّ الأنبياء - عليهم السلام - مِنْ حقهم العصمة، فإذا دعا موسى عليهم بمثل هذه الجملة لم يكن ذلك إلا بإذن من قِبَل الله تعالى في الحقيقة.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال موسى ربنا انك آتيت فرعون وملأه زينة} اى ما يتزين به من اللباس والمراكب ونحوهما {واموالا فى الحيوة الدنيا} وانواعا كثيرة من المال كالنقود والمتاع والضياع [ابن عباس فرموده كه ازفسطاط مصر تازمين حبشه كوهها كه دراو معادن ذهب وفضه وزر برجد بود همه تعلق بفرعون داشت وفرمان او درين مواضع بود بدين سبب مال بسيار بتصرف قبط درآمد ومتمول ومتجمل شدند وسبب ضلال واضلال شد] كما قال {ربنا} تكرير للاول اى آتيته وملأه هذه الزينة والاموال {ليضلوا عن سبيلك} اى ليكون عاقبة امرهم ان يضلوا عبادك عن طريق الايمان فاللام للعاقبة كما فى قوله شعر : اموالنا لذوى الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها تفسير : او لاجل ان يضلوا عن سبيلك فاللام للتعليل لا حقيقة بل مجازا لان الله تعالى آتاهم ذلك ليؤمنوا ويشكروا نعمته فتوسلوا به الى مزيد البغى والكفر فاشبهت هذه الحالة حال من اعطى المال لاجل الاضلال فورد الكلام بلفظ التعليل بناء على هذه المشابهة. وفى الآية بيان ان حطام الدنيا سبب للضلال والاضلال فان الانسان ليطغى ان رآه استغنى ومن رأى التغير فى زينة ورفاهية حال يتمنى ان يكون له مثل ذلك كما قالوا يا ليت لنا مثل ما اوتى قارون لما خرج فى زينته ولذا حذر عن صحبة الاغنياء وابناء الملوك وفى الحديث "حديث : لا تجالسوا الموتى" تفسير : يعنى الاغنياء وعن ابى الدرداء رضى الله عنه لان اقع من فوق قصر فانحطم اى انكسر احب لى من مجالسة الغنى وذلك لان مجالسته سارية وصحبته مؤثرة شعر : باد جون بر فضاى بد كذرد بوى بد كيرد از هواى خبيث تفسير : وقال ابو بكر رضى الله عنه اللهم ابسط لى الدنيا وزهدنى فيها ولا تزوها عنى وترغبنى فيها {ربنا اطمس على اموالهم} دعاء عليهم بعد الانذار وعلمه ان لا سبيل الى ايمانهم وانما عرض اضلالهم اولا ليكون تقدمة لهذا الدعاء وانهم مستحقون له بسببه. واصل الطمس المحو وازالة الاثر. والمعنى اذهب منفعتها وامسخها وغيرها على هيئتها لانهم يستعينون بنعمتك على معاصيك وانما امرتهم بان يستعينوا بها على طاعتك وسلوك سبيلك قالوا صارت دراهمهم ودنانيرهم وطعامهم من الجوز والفول والعدس وغيرها كلها حجارة مصورة منقوشة على هيئتها وكذل البيض والمقانى وسائر اموالهم وهذه احدى الآيات التسع {واشدد على قلوبهم} اصل الشد الايثاق: والمعنى اجعلها قاسية واختم عليها لئلا يدخلها الايمان {فلا يؤمنوا} جواب للدعاء {حتى يروا} اى ليروا او الى ان يروا {العذاب الاليم} اى يعاينوه ويوقنوا به بحيث لا ينفعهم ذلك او ذاك وكان كذلك فانهم لم يؤمنوا الى الغرق وكان ذلك ايمان يأس فلم يقبل

ابن عجيبة

تفسير : قلت: اللام في (ليُضلوا) لام كي، متعلقة بآتيت محذوفة، أو بالمذكورة، ولفظ (ربنا) تكرار، أو تكون لام الأمر، فيكون دعاء عليهم بلفظ الأمر، بما علم من قرائن أحوالهم أنه لا يكون غيره. {فلا يؤمنوا}: جواب الدعاء أو عطف على (ليضلوا). يقول الحق جل جلاله: {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأهُ زينةً}: ما يتزين به من الملابس والمراكب، ونحوها، {وأموالاً}: أنواعاً من المال {في الحياة الدنيا} استدراجاً، {ربنا} آتيتهم ذلك {ليُضلوا عن سبيلك} طغياناً وبطراً بها، وصرفها في غير محلها، أو ربنا اجعلهم ضالين في سبيلك، كقول نوح عليه السلام: {أية : وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً}تفسير : [نوح:24] لما أيس من إيمانهم، {ربنا اطمسْ على أموالهم} أي: أهلكها وامحقها، {واشْدُدْ على قلوبهم} بالقسوة، واطبع عليها حتى لا تنشرح للإيمان، {فلا يؤمنوا حتى يَرَوا العذابَ الأليم} أي: إن تطمس على أموالهم وتشدد على قلوبهم لا يؤمنوا إلا قهراً. وفي الآية دليل على جواز الدعاء على الظالم بالمعصية، أو الكفر، وقد فعله سعد بن أبي وقاص على الذي شهد فيه بالباطل، ووجْهُ جوازه مع استلزامه وقوع المعاصي: أنه لم يُعتبر من حيث تاديته إلى المعاصي، ولكن من حيث تأديته إلى نِكاية الظالم وعقوبته، وهذا كما قيل في تمني الشهادة أنه مشروع، وإن كان يؤدي إلى قتل الكافر للمسلم، وهو معصية ووهن في الدين، ولكن الغرض من تمنى الشهادة ثوابُها، لا نفسها. {قال} تعالى: {قد أجيَبت دعوتُكما} يعني موسى وهارون، وكان يُؤمِّن على دعاء أخيه، {فاستقيما} أي: اثبتا على ما أنتما عليه من الاستقامة والدعوة وإلزام الحجة، ولا تستعجلا، فإن ما طلبتما كائن ولكن في وقته، روي أنه مكث فيهم بعد الدعاء أربعين سنة، {ولا تتبعانِّ سبيلَ الذين لا يعلمون}: طريق الجهلة في استعجال الأشياء قبل وقتها، أو في عدم الوثوق والاطمئنان بوعدنا، وقرأ ابن ذكوان: "ولا تتبعان" بالنون الخفيفة وكسرها لالتقاء الساكنين، وهو قليل، قال ابن مالك: شعر : وَلم تَقَعْ خَفِيفَةٌ بَعدَ الأَلفْ تفسير : ويحتمل أن تكون نون الرفع، و "لا" نافية، أي: والأمر لا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون. الإشارة: دعاء الأولياء على الظالم مشروع بعد الإذن الإلهامي على ما يفهمونه، وقد مكث الشيخ أبو الحسن سنين لم يدع على ابن البراء حتى كان سنة في عرفة، فقال: الآن أًذن لي في الدعاء على ابن البراء... الخ فإن لم يكن إذن فالصبر أوْلى، بل الأولى الدعاء له بالهداية، حتى يأخذ الله بيده؛ وهذا مقام الصديقين، فإذا وقع الدعاء مطلقاً وتأخرت الإجابة فلا يستعجل، فيكون تبع سبيل الذين لا يعلمون، وفي الحكم: "لا يكن تأخرُ أمدِ العطاءِ مع الإلحاحِ في الدعاء موجباً ليأسك، فقد ضمن لك الإحابة فيما يختار لك لا فيما تختار أنت لنفسك، وفي الوقت الذين يريد، لا في الوقت الذي تريد"، وقال أيضاً: "لا يشككنَّك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه؛ لئلا يكون ذلك قَدْحاً في بصيرتك، وإخماداً لنور سريرتك" وبالله التوفيق. ثم أجاب دعاءهما، فقال: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ}.

الطوسي

تفسير : حكى الله تعالى في هذه الاية عن موسى عليه السلام أنه قال يا "ربنا انك اعطيت فرعون وملائه" يعني قومه ورؤساءهم {زينة وأموالاً في الحياة الدنيا} وإنما اعطاهم الله تعالى ذلك للانعام عليهم مع تعريه من وجوه الاستفساد. و (الزينة) ما يتزين به من الحلي والثياب والمتاع. ويجوز أن يراد به حسن الصورة {ليضلوا عن سبيلك} فهذه لام العاقبة، وهي ما يؤل اليه الأمر كقوله {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً وحزناً} تفسير : ويحتمل ان يكون المعنى لئلا يضلوا عن سبيلك فحذفت (لا) كقوله {أية : ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما} تفسير : اي لئلا تضل احداهما، وكقوله {أية : أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} تفسير : اي لئلا يقولوا. ولا يجوز أن يكون لام الغرض، لأن الله تعالى لا يفعل بهم الزينة ويعطيهم ويريد منهم ان يضلوا بل إنما يفعل لينتفعوا ويطيعوه ويشكروه. وقال قوم: لو كان أراد منهم الضلال لكانوا إذا ضلوا مطيعين، لان الطاعة هي موافقة الارادة وذلك باطل بالاتفاق. وقوله {ربنا اطمس على أموالهم} إخبار عن موسى انه دعا على قومه فسأل الله ان يطمس على اموالهم. والطمس محو الاثر تقول: طمست عينه اطمسها طمساً وطموساً وطمست الريح آثار الديار. فدعا موسى عليه السلام عليهم بأن يقلب حالهم عن الانتفاع بها كقوله{أية : من قبل أن نطمس وجوهاً} تفسير : والطمس تغير إلى الدبور والدروس قال كعب بن زهير: شعر : من كل نضاخة الذفرى إذا عرفت عرصتها طامس الاعلام مجهول تفسير : وقال قتادة والضحاك وابن زيد وابو صالح: صارت اموالهم حجارة. وقوله {واشدد على قلوبهم} معناه ثبتهم على المقام ببلدهم بعد إهلاك اموالهم فيكون ذلك اشد عليهم. وقوله {فلا يؤمنوا} يحتمل موضعه وجهين من الاعراب: احدهما - النصب على جواب صيغة الامر بالفاء او بالعطف على {ليضلوا} وتقريره لئلا يضلوا فلا يؤمنوا. والثاني - الجزم بالدعاء عليهم، كما قال الاعشى: شعر : فلا ينبسط من بين عينك ما انزوى ولا تلقني إلا وانفك راغم تفسير : وقال الفراء: ذلك دعاء عليهم بأن لا يؤمنوا. وحكى الجبائي عن قوم ان المراد بذلك الاستفهام والانكار كأنه قال: إنك لا تفعل ذلك ليضلوا عن سبيلك. وقال احمد بن يحيى ثعلب: هذه لام الاضافة، والمعنى لضلالتهم عن سبيلك {اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم}. وحكى البلخي: انه يجوز أن يكون ذلك على التقديم والتأخير وتقديره ربنا ليضلوا عن سبيلك فلا يؤمنوا ربنا اطمس على اموالهم وقيل إن قوله {فلا يؤمنوا} خرج مخرج الجواب للامر ومعناه الاخبار، كما يقولون انظر إلى الشمس تغرب. وقيل: ان المعنى لا يؤمنون ايمان الجاء حتى يروا العذاب الأليم وهم مع ذلك لا يؤمنون ايمان اختيار اصلا. وقال بعضهم: اللام لام (كي) وانه اعطاهم الاموال والزينة لكي يضلوا عقوبة وهذا خطأ، لانه يوجب ان يكون ضلالهم عن الدين طاعة لله.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ مُوسَىٰ} متبتّلاً الى الله داعياً على فرعون وقومه {رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً} من الحلىّ والملابس والمساكن واثاثها والمراكب {وَأَمْوَالاً} من الّذهب والفضّة والضّياع والخيل والبغال والغنم والجمال {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا} تكرار النّداء لاقتضاء التّضرّع وحالة الدّعاء والمحبّة ذلك {لِيُضِلُّواْ} النّاس {عَن سَبِيلِكَ} بطموح نظرهم الاعراض الفانية واتّباع من وجدوها فى يده {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ} حتّى لا يفتتن النّاس بها لهم والطّمس المحق والافناء اصلاً {وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} اوثق حبال القساوة على قلوبهم {فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} عند الاحتضار ولا يؤمنوا مجزوم بلا او منصوب بان مقدّرة دعاء عليهم بشدّ القلوب وعدم الايمان بعد ما علم انّهم لا خير فيهم ويئس من ايمانهم.

الهواري

تفسير : قوله: { وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً} أي: زينة الدنيا {وَأَمْوَالاً فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ} وهذا دعاء، أي: يا ربَّنَا فأضلهم عن سبيلك، وهذا حين جاء وقت عذابهم وأمرهم بالدعاء عليهم. { رَبَّنَا} أي: يا ربنا { اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ} فمسخت دنانيرهم ودارهمهم وزروعهم حجارة. ذكر لنا أن زروعهم تحولت حجارة. {وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} أي: بالضلالة التي كانت منهم { فَلاَ يُؤْمِنُوا} أي: فَحِيل بينهم وبين أن يؤمنوا بفعلهم في تفسير الحسن. وقد فعل. { حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ} أي: الموجع. و { قَالَ} مجيباً لهما: { قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا} على أمري وديني { وَلاَ تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ} أي: طريق { الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} يعني المشركين. قوله: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ البَحْرَ} وهذا حين خرجوا من مصر. قال الله لموسى: (أية : فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ) تفسير : [الدخان:23] {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً} والعدو هو العدوان. وهي تقرأ على وجه آخر: وعُدُوا، من التعدّي. وكان جبريل يومئذٍ على فرس قائداً لموسى وأصحابه. وأوحى الله لموسى أن يضرب بعصاه البحر ففعل. (أية : فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ العَظِيمِ) تفسير : [الشعراء:63] وصار لهم اثني عشر طريقاً، لكل سبط طريق. واجتمع الماء وصار كالجبلين على تلك الطرق. وكان بنو إسرائيل يومئذٍ ستمائة ألف مقاتل سوى الحشم. وكان مقدمة فرعون على ألف ألف حصان ومائتي ألف حصان. وكان جميع جنوده أربعين ألف ألف. حتى إذا خرج آخر أصحاب موسى ودخل فرعون وأصحابه أوحى الله عزّ وجلّ إلى البحر أن يلتئم عليهم ففعل. قال الله عزّ وجلّ: {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي ءَامَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ}.

اطفيش

تفسير : {وقالَ مُوسَى ربَّنا إنَّك} وقرأ الفضل الرقاشى أءنك على الاستفهام {آتيْتَ فِرعَون وَمَلأه زِينةً} ما يتزين به من لباس ودواب، وغلمان وفرش، وأثاث البيت الفاخر، والأشياء الجميلة {وأمْوالاً فى الحياةِ الدُّنيا} قال ابن عباس رضى الله عنهما: كانت لهم من فسطاس مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة، وزبرجد وياقوت، وقيل: كان لفرعون وأصحابه من الذهب والفضة، والياقوت والجواهر والحلى، ما لا يحصيه إلا الله، وكان ذلك مما جمعه يوسف فى زمانه فى أيام القحط، أراد موسى الدعاء عليهم، لإصرارهم، فقدم ذكر ما كان سببا لكفرهم وإصرارهم وهو الزينة والمال. {ربَّنا} نداء آخر مؤكد بالأول، أو لا يقدر حرف النداء فيه، لكنه تأكيد لقوله: {ربنا} لا له لحرف النداء {ليضِلُّوا} متعلق بآتيت، ويجوز تعليقه بآتيت محذوفا داخل عليه قوله: {ربنا} فيكون منادى بحرف محذوف، وغير تأكيد للأول، وسواء فى ذلك كله جعلت اللام للتعليل أو للعاقبة أو للدعاء، ومعنى التعليل أنك آتيته زينة وأنواعا من المال استدراجا للضلال، وبه قال الفراء. ومعنى العاقبة: أنك آتيتهم ذلك، فكانت عاقبتهم الضلال، وبها قال الأخفش، وفى معنى ذلك جعلها للتعليل المجازى لمَّا تسببوا بها إلى الضلال، فكأنهم أوتوها ليضلوا. ومعنى الدعاء: أنه لما علم بالوحى، أو بممارسة أحوالهم أنهم لا يؤمنون، دعا عليهم للضلال على طريق قولك: لعن الله إبليس، وبه قال ابن الأنبارى، وعليه فيضلوا مجزوما، وقرأ حمزة والكسائى وغيرهما من الكوفيين بضم الياء، أى ليضلوا غيرهم، فاللام للتعليل أو للعاقبة {عَنْ سَبِيلكَ} دينك. {ربَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالهم} قال مجاهد: أهلكها، وقيل أزل صورها وهيئتها، وقال قتادة والجمهور: امسخها، وقرأ الفضل الرقاشى: اطمس بضم الميم. {واشْدُدْ عَلى قلُوبهم} اطبع عليها بالخذلان {فَلاَ يؤمنُوا} الفاء سببية فى جواب الدعاء، ولا نافية، والفعل منصوب، وقال الأخفش: عطف على يضل، ولا نافية، والفعل منصوب، وما بينهما اعتراض، وقال الفراء، والكسائى: لا للدعاء، والفعل مجزوم، فالفاء عاطفة على اطمس أو اشدد، وهذا الدعاء على الطريقة المذكورة فى قوله: {ليضلوا}. {حتَّى يَروُا العَذابَ الأليمَ} أراد الحقيقة، وعن ابن عباس: هو الغرق، وهذا إنما يصح إن كان موسى علم أنهم يغرقون، أو أراد أنه الغرق فى نفس الأمر، ولو لم يدر موسى أنه الذى يصيبهم، وجعل رواية العذاب غاية نفى الإيمان المطلوب شرعا، فإنه لا ينفصل حين رأوا به العذاب، لأنه مطلوب قبلها، وأما بعدها فلا ينفع، وإن وجد فيلس بالمطلوب، أو أراد إثبات الإيمان عندها، لأنه لا ينفع ولا يخرج عن الكفر، قال محمد بن كعب: وكان الداعى موسى وهارون، وهارون يقول: آمين، والتأمين دعاء، لأن معناه استجب، ولذلك أضاف الدعاء إليها فى قوله: {أية : قالَ قَدْ أجِيبَتْ دَعْوتُكما}.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً} آلة الزينة أَو هى ما يتزين به من ذهب وفضة وغيرهما وملابس ومراكب والانية الفاخرة والفرش الباهرة والسروج الثمينة وغير ذلك: شعر : لا تعجبن الجهول حلتـــــه فذاك ميت وثوبه كفنه تفسير : {وَأَمْوَالاً فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} بعد تخصيص، وقيل الزينة الجمال وصحة البدن وطول القامة ونحو ذلك، والمراد بالأَموال أَنواع من المال كالدنانير والدراهم والعبيد والأَغنام والحيوانات. قال ابن عباس كان لهم من بناءِ فسطاط مصر إِلى أَرض الحبشة جبال فيها معادن ذهب وفضة وزبرجد وياقوت{رَبَّنَا} تأْكيد للنداءِ الأَول أَو فعلت ذلك يا ربنا {لِيُضِلُوا عَنْ سَبِيلِكَ} دينك، واللام للتعليل فصدهم بإِيتاءِ ذلك ليضلوا وذلك خذلان، أَو لما جعلوا ذلك سبباً للضلال أَشبهوا من أُوتيه ليضل به، أَو هى لام العاقبة فيكون فى ذلك استعارة تبعية، وقيل اللام للدعاءِ ولام العاقبة تكون فى كلام الله تعالى كما تكون فى كلام غيره، إِلا اَنه عز وجل عالم بالعاقبة بلا أَول لعلمه، ولام التعليل لام الإِرادة ولو فى معصية كالضلال فى الآية لأَنه مريد للمعصية وإِلا لزم أَنه وقع فى ملكه أَمر بلا إِرادة منه، فيكون مقهوراً، وعلم موسى عاقبتهم ضلالا بالوحى، وإِذا جعلت للتعليل صح على حقيقته وصح بالاستعارة تمثيله، شبه حال فرعون وقومه وجعلهم نعم الله ذريعة إِلى الإِصرار على الكفر بحال من أُوتى النعم ليضل بها، فاستعمل اللفظ الموضوع للثانى فى الأَول، ويكفى فى التشبيه وجود المشبه فرضاً به، كما هنا لا حقيقة فإِن الله عز وجل يعطى المال ليطاع به لا ليعصى به، ومن شأْن من أَراد العقاب أَن يذكر أَولا موجبه فذكره موسى عليه السلام أَولا ثم دعا بالعقاب فقال {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ} هذه ثلاثة أَدعية إِذا قلنا لا يؤمنوا وتتم أَربعة بقوله ليضلوا إِذا جعلنا اللام لام الدعاءِ فيكون اللفظ أَمراً لهم بالضلال، والمعنى دعاءُ الله أَن يبقيهم عليه لما رآهم لا يزيدون على زيادة الوعظ إِلا كفْرا أَو فى صورة نهيهم عن الإِيمان والمراد دعاءُ الله أَن يميتهم على الكفر، ويجوز عطف لا يؤمنون على يضلوا ونصبه فى جواب اشدد وهو أَولى، ومعنى الطمس على أَموالهم إِذهابها، قاله مجاهد، وقال الجمهور إِزالة صورها بالمسخ وتغييرها عن هيئتها، قال قتادة صارت أَموالهم وحروثهم وزروعهم وجواهرهم حجارة، قال ابن عباس صارت دراهمهم ودنانيرهم ونحاسهم حجارة منقوشة كهيئتها صحاحاً وأَنصافاً وأَثلاثاً، وأَخرج عمر بن عبد العزيز حريطة فيها بعض بقاياهم البيضة منقوشة وهى حجر، قال السدى مسخ الله أَموالهم حجارة والنخل والثمار والدقيق والأَطعمة. وأَما ما روى عن محمد بن كعب: صار الرجل مع امرأَته حجرين والمرأَة تخبز قائِمة صارت حجراً، فلا يصح لأَنها فى مسخ أَموالهم، وقد يكون لبعضهم ذلك مع مسخ الأَموال... ومعنى الشد على قلوبهم القبض عليها حتى لا يدخلها الإِيمان، وإِنما يجوز الدعاءُ بذلك على أَحد إِذا علم بشقوته، وفى تبيين أَفعال العباد جواز الدعاءِ على الفاسق بأَن يموت مشركاً، وأَنا لا أُجيز ذلك، وأَما الدعاءُ على المشرك بالبقاءِ على الشرك فجائِز، وذكر بعض الحنفية أَن الرضا بشرك المشرك إِنما يكون شركاً إِذا يستجيز الشرك أَو يستحسنه، أَما إِذا لم يكن كذلك ولكن أَحب الموت أَو القتل على الشرك لمن كان مؤذيا حتى ينتقم الله منه فلا يكون كفراً، فلو دعا على ظالم بنحو أَماتك الله على الشرك أَو سلب عنك الإِيمان لم يكن عليه ضرر لأَنه لا يستجيزه ولا يستحسنه، ولكن تمناه لينتقم الله منه، وهو المنقول عن الماتردى أَ. هـ. ولا دليل فى الآية عليه لأَنها فى مشرك، ولجواز علم موسى عليه السلام بشقوتهم والرضا بالكفر كفر عند أَبى حنيفة، يعنى إِذا كان بمعنى إِجازته أَما على معنى الدعاءِ به للشرير أَو الرضا بقضاءِ الله به على أَحد أَو على نفسه فلا بأْس عندهم، ويجب الرضا ومن جاءَه كافر ليسلم فقال اصبر حتى أَتوضأ أَو نحو ذلك من أَوجه التأْخير كفر لرضاه بكفره فى تلك المدة، وروى أَنه أُتى عثمان بن عفان يوم فتح مكة بابن أَبى بسرح ليبايع فكف صلى الله عليه وسلم يده ثلاثاً وفى الرابعة بايعه. وقال لأَصحابه: حديث : هلا قتله رجل رشيد منكم حين كففت يدى عنه؟ فقالوا: وما يدرينا يا رسول الله أَلا أَو مأْت إِلينا بعينك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ما ينبغى لنبى أَن تكون له خائنة الأَعينتفسير : . وظاهره أَن التوقف غير كفر. وروى أَن جبريل دس طيناً فى فم فرعون مخافة أَن تدركه الرحمة، وعن أَبى أُمامة عنه صلى الله عليه وسلم حديث : قال لى جبريل عليه السلام: ما أَبغضت شيئاً من خلق الله كما أَبغضت إِبليس يوم اُمر بالسجود فأَبى أَن يسجد، وما أَبغضت شيئاً أَشد بغضاً من فرعون، فلما كان يوم الغرق خفت أَن يعتصم بكلمة الإخلاص فينجو، فأَخذت قبضة من حمأَة فضربت بها فى فيه فوجدت الله تعالى أَشد غضباً عليه منى، فأَمر بميكائِيل فأَتاه فقال: الآن، وظن أَن قوله خفت أَن يعتصم إِلختفسير : . وقوله مخافة أَن تدركه الرحمة لا يصلحان كيف يعمل بيده مانعا من التوحيد لكن لا مانع أَن يأْمره الله بذلك، ثم إِن إِيمان الأَخرس مقبول فليكن فرعون كذلك، إِذ لم يقدر على النطق، وإِنما الحجة فى عدم القبول عنه أَنه شاهد الأمر، وقد قال جماعة منا ومن الأَشعرية أَن توحيد المكلف فى قلبه كاف عند الله ولو كان قادرا على النطق، وليس مراد جبريل مخافة بقوله أَن تدركه الرحمة وقوله خفت أَن يعتصم بكلمة الإِخلاص تدركه رحمة الله فيغفر له اللهم إِلا أَن يراد مخافة أَن يحيا فيخلص الإِيمان فيحيا فلا يبقى إِلا أَن يقال ما هذا التشديد؟ فيجاب: بأَنه لا يفعل جبريل إِلا بأَمر الله تعالى، ورؤية العذاب الأَليم ما يرونه من السوءِ عند مشاهدة الموت، دعا موسى وأَمن هارون عليهما السلام والتأْمين دعاءٌ، فقال الله سبحانه وتعالى: {قَال قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} يا موسى وهارون، قيل بين الدعاءِ والاستجابة أَربعون سنة، وهذه استجابة فى طمس أَموالهم والشد على قلوبهم ومن قبلها كانت أَموالهم على حالها وقلوبهم قابلة إِلا أَنهم لم يستعملوها {فَاسْتَقِيمَا} زيدا استقامة شكراً لنعمة الإِجابة أَو دوما عليها وذلك بالدعاءِ إِلى دين الله وتبليغ الوحى حتى يأْتيهم العذاب الأَليم، وهو الإِغراق وما بعده، ولم يعلم به موسى وهارون حتى وقع، ولم يصرح فرعون بالإِيمان حتى أَدركه الغرق حين لا ينفعه {وَلاَ تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} فى القلق واستعجال ما وعد به وسخط البطءِ به أَو عدم الوثوق به، ولم يصدر منهما عليهما السلام شىءٌ من ذلك ولكن يوعظ الناس ليثبت ويزيد خيراً، قال عز وجل "أية : إِنى أَعظك أَن تكون من الجاهلين"تفسير : [هود: 46]، ولم يصدر منه الجهل، وقال لئِن أَشركت ليحبطن عملك ولا يصدر الإِشراك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ناهية ونون الرفع حذفت للجزم والنون للتوكيد كسرت تشبيها بنون الرفع بعد الأَلف، وقيل بنون المثنى والعطف على استقيما، وذلك أَولى من كون الواو للحال ولا نافية ونون الرفع محذوفة لتوالى الأَمثال، وهذه نون التوكيد الشديدة لأَن المنفى لا يؤكد وقيل لا نافية وأُدغمت نون التوكيد الخفيفة مكسورة والكسائِى وسيبويه لا يجيزان الخفيفة بعد الأَلف والمجيز يرى أَن الأَلف قبلها كالفتحة.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً} أي ما يتزين به من اللباس والمراكب ونحوها وتستعمل مصدراً {وَأَمْوَالاً} أنواعاً كثيرة من المال كما يشعر به الجمع والتنوين، وذكر ذلك بعد الزينة من ذكر العام بعد الخاص للشمول، وقد يحمل على ما عداه بقرينة المقابلة، وفسر بعضهم الزينة بالجمال وصحة البدن وطول القامة ونحوه {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ} أي لكي يضلوا عنها وهو تعليل للإيتاء السابق، والكلام إخبار من موسى عليه السلام بأن الله تعالى إنما أمدهم بالزينة والأموال استدراجاً ليزدادوا إثماً وضلالة كما أخبر سبحانه عن أمثالهم بقوله سبحانه: {أية : إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً }تفسير : [آل عمران: 178] وإلى كون اللام للتعليل ذهب الفراء والظاهر أنه حقيقة فيكون ذلك الضلال مراد الله تعالى، ولا يلزم ما قاله المعتزلة من أنه إذا كان مراداً يلزم أن يكونوا مطيعين به بناءً على أن الإرادة أمر أو مستلزم له لما أنه قد تبين بطلان هذا المبنى في الكلام، وقدر بعضهم حذراً من ذلك لئلا يضلوا كما قدر في {أية : شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ }تفسير : [الأعراف: 172] شهدنا أن لا تقولوا ولا حاجة إليه، وقال الأخفش: اللام للعاقبة فيكون ذلك إخباراً منه عليه السلام لممارسته لهم وتفرسه بهم أو لعلمهم بالوحي على ما قيل بأن عاقبة ذلك الإيتاء الضلال. والفرق بين التعليل المجازي وهذا إن قلنا بأنه معنى مجازي أيضاً أن في التعليل ذكر ما هو سبب لكن لم يكن إيتاؤه لكونه سبباً وفي لام العاقبة لم يذكر سبب أصلاً وهي كاستعارة أحد الضدين للآخر، وقال ابن الأنباري: إنها للدعاء ولا مغمز على موسى عليه السلام في الدعاء عليهم بالضلال إما لأنه عليه السلام علم بالممارسة أو نحوها أنه كائن لا محالة فدعا به وحاصله أنه دعاء بما لا يكون إلا ذلك فهو تصريح بما جرى قضاء الله تعالى به، ونحوه لعن الله تعالى الشيطان وإما لأنه ليس بدعاء حقيقة، وليس النظر إلى تنجيز المسؤول وعدمه بل النظر إلى وصفهم بالعتو وإبلاء عذره عليه السلام في الدعوة فهو كناية إيمائية على هذا، وما قيل: هذا شهادة بسوء حالهم بطريق الكناية في الكناية لأن الضلال رديف الإضلال وهو منع اللطف فكنى بالضلال عن الإضلال والإضلال رديف كونهم كالمطبوع عليهم فكان هذا كشفاً وبياناً لحالهم بطريق الكناية فهو على ما فيه شيء عنه غني لأن الطبع مصرح به بعد بل النظر هٰهنا إلى الزبدة والخلاصة من هذه المطالب كلها، ويشعر كلام الزمخشري باختيار كونها للدعاء، وفي «الانتصاف» ((أنه اعتزال [خفي الذي هو] أدق من دبيب النمل يكاد الاطلاع عليه [أن] يكون كشفاً، والظاهر أنها للتعليل، وقال صاحب «الفرائد»: لولا التعليل لم يتجه قوله: {إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً} ولم ينتظم. / وأورد عليه أيضاً أنه ينافي غرض البعثة وهو الدعوة إلى الإيمان والهدى، ولا يخفى أن دفع هذا يعلم مما قدمنا آنفاً. وأما وجه انتظام الكلام فهو كما قال غير واحد: إن موسى عليه السلام ذكر قوله: {إِنَّكَ آتَيْتَ} الخ تمهيداً للتخلص إلى الدعاء عليهم أي إنك أوليتهم هذه النعمة ليعبدوك ويشكروك فما زادهم ذلك إلا طغياناً وكفراً وإذا كانت الحال هذه فليضلوا عن سبيلك ولو دعا ابتداءً لم يحسن إذ ربما لم يعذر فقذم الشكاية منهم والنعي بسوء صنيعهم ليتسلق منه إلى الدعاء مع مراعاة تلازم الكلام من إيراد الأدعية منسوقة نسقاً واحداً وعدم الاحتياج إلى الاعتذار عن تكرير النداء كما احتاج القول بالتعليل إلى الاعتذار عنه بأنه للتأكيد وللإشارة إلى أن المقصود عرض ضلالهم وكفرانهم تقدمة للدعاء عليهم بعد. وادعى الطيبـي أنه لا مجال للقول بالاعتراض لأنه إنما يحسن موقعه إذا التذت النفس بسماعه، ولذا عيب قول النابغة: شعر : لعل زياداً لا أبا لك غافل تفسير : وفي كلامه ميل إلى القول بأن اللام للدعاء وهو لدى المنصف خلاف الظاهر، وما ذكروه له لا يفيده ظهوراً. وقرىء {ليضلوا} بضم الياء وفتحها. {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوٰلِهِمْ} أي أهلكها كما قال مجاهد، فالطمس بمعنى الإهلاك، وفعله من باب ضرب ودخل، ويشهد له قراءة {اطمس} بضم الميم، ويتعدى ولا يتعدى، وجاء بمعنى محو الأثر والتغيير وبهذا فسره أكثر المفسرين قالوا: المعنى ربنا غيرها عن جهة نفعها إلى جهة لا ينتفع بها. وأنت تعلم أن تغييرها عن جهة نفعها إهلاك لها أيضاً فلا ينافي ما أخرجه ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك أنه بعد هذا الدعاء صارت دراهمهم ودنانيرهم ونحاسهم وحديدهم حجارة منقوشة. وعن محمد القرظي قال: سألني عمر بن عبد العزيز عن هذه الآية فأخبرته أن الله تعالى طمس على أموال فرعون وآل فرعون حتى صارت حجارة فقال عمر: مكانك حتى آتيك فدعا بكيس مختوم ففكه فإذا فيه البيضة مشقوقة وهي حجارة وكذا الدراهم والدنانير وأشباه ذلك. وفي رواية عنه أنه صار سكرهم حجارة وأن الرجل بينما هو مع أهله إذ صارا حجرين وبينما المرأة قائمة تخبز إذ صارت كذلك، وهذا مما لا يكاد يصح أصلاً وليس في الآية ما يشير إليه بوجه، وعندي أن أخبار تغيير أموالهم إلى الحجارة لا تخلو عن وهن فلا يعول عليها، ولعل الأولى أن يراد من طمسها إتلافها منهم على أتم وجه، والمراد بالأموال ما يشمل الزينة من الملابس والمراكب وغيرها. {وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} أي اجعلها قاسية واطبع عليها حتى لا تنشرح للإيمان كما هو قضية شأنهم {فَلاَ يُؤْمِنُواْ} جواب للدعاء أعني {ٱشْدُدْ} دون {ٱطْمِسْ} فهو منصوب، ويحتمل أن يكون دعاء بلفظ النهي نحو إلهي لا تعذبني فهو مجزوم، وجوز أن يكون عطفاً على {لِيُضِلُّواْ} وما بينهما دعاء معترض فهو حينئذٍ منصوب أو مجزوم حسبما علمت من الخلاف في اللام {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلاْلِيمَ} أي يعاينوه ويوقنوا به بحيث لا ينفعهم ذلك إذ ذاك، والمراد به جنس العذاب الأليم. وأخرج غير واحد عن ابن عباس تفسيره بالغرق. واستدل بعضهم بالآية على أن الدعاء على شخص بالكفر لا يعد كفراً إذا لم يكن على وجه الاستيجاز والاستحسان للكفر بل كان على وجه التمني لينتقم الله تعالى من ذلك الشخص أشد انتقام، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام خواهر زاده، فقولهم: الرضا بكفر الغير كفر ليس على إطلاقه عنده بل هو مقيد بما إذا / كان على وجه الاستحسان، لكن قال صاحب «الذخيرة»: قد عثرنا على رواية عن أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه أن الرضا بكفر الغير كفر من غير تفصيل، والمنقول عن علم الهدى أبـي منصور الماتريدي التفصيل ففي المسألة اختلاف، قيل: والمعول عليه أن الرضا بالكفر من حيث أنه كفر كفر وأن الرضا به لا من هذه الحيثية بل من حيثية كونه سبباً للعذاب الأليم أو كونه أثراً من آثار قضاء الله تعالى وقدره مثلاً ليس بكفر وبهذا يندفع التنافي بين قولهم: الرضا بالكفر كفر، وقولهم: الرضا بالقضاء واجب بناءً على حمل القضاء فيه على المقضي، وعلى هذا لا يتأتى ما قيل: إن رضا العبد بكفر نفسه كفر بلا شبهة على إطلاقه بل يجري فيه التفصيل السابق في الرضا بكفر الغير أيضاً، ومن هذا التحقيق يعلم ما في قولهم: إن من جاءه كافر ليسلم فقال له: اصبر حتى أتوضأ أو أخره يكفر لرضاه بكفره في زمان من النظر، ويؤيده ما في الحديث الصحيح في فتح مكة أن ابن أبـي سرح أتى به عثمان رضي الله تعالى عنه إلى النبـي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله بايعه فكف صلى الله عليه وسلم يده عن بيعته ونظر إليه ثلاث مرات كل ذلك يأبـى أن يبايعه فبايعه بعد الثلاث ثم أقبل صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ قالوا: وما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك ألا أومأت إلينا بعينك فقال عليه الصلاة والسلام: إنه لا ينبغي لنبـي أن يكون له خائنة أعين، وقد أخرجه ابن أبـي شيبة وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن سعد بن أبـي وقاص وهو معروف في السير فإنه ظاهر في أن التوقف مطلقاً ليس كما قالوه كفراً فليتأمل.

ابن عاشور

تفسير : عطف بقية ما جرى في القصة مما فيه عبرة وموعظة. وهذا مقدمة لخبر خروج موسى ومَن معه من أرض مصر. فهذه المقدمة لتعريف كرامة موسى ـ عليه السلام ـ على ربه بأن استجاب له دعاءه، وأنفذ برسالته مُراده تعالى من إنقاذ بني إسرائيل من الاستعباد. ومهَّد موسى لدعائه تمهيداً يدل على أن ما سأله من الله لزجر فرعون وملئه إنما هو لمصلحة الدين لا للانتقام منه لقومه ولنفسه، فسأل الله سلب النعمة عن فرعون وملئه وحلولَ العذاب بهم لخضد شوكتهم وتذليل تجبرهم ليرجعوا عن ضلالهم ويسهل قبولهم الإيمان. ولما كانت النعمة مغرية بالطغيان لأهل الجهالة والخباثة جعل موسى إمداد فرعون بالنعمة مغرياً لفرعون بالاسترسال على الإعراض عن الدين فكان دعاء موسى عليهم استصلاحاً لهم وتطلباً لإيمانهم بوسائل التشديد عليهم، ولكن الله علم من قلوبهم ما لم يعلمه موسى وقضى عليهم بالاستئصال. وافتتح الدعاءُ بالنداء لمناسبته لمقام الدعاء. ونودي الله بوصف الربوبية تذللاً لإظهار العبودية. وقوله: {إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً} توطئة للدعاء عليهم فليس المقصود به حقيقة الإخبار ضرورة أن موسى يوقن بأن الله يعلم ذلك فتعين أن الخبر مستعمل في التمهيد لطلب سلب النعمة عنهم في قوله: {ليضلوا عن سبيلك}. ثم الانتقال إلى الدعاء بسلب ما أوتوه. فاقتران الخبر بحرف (إنّ) في قوله: {إنَّك آتيت فرعون} الخ مقصود به الاهتمام بهذا المعنى الذي استعمل فيه الخبر إذ ليس المقام مقام دفع تردد أو دفع إنكار. وقد تردد المفسرون في محل اللام في قوله: {ليضلوا عن سبيلك}. والذي سلكه أهل التدقيق منهم أن اللام لام العاقبة. ونُقل ذلك عن نحاة البصرة: الخليل وسيبويه، والأخفش، وأصحابهما، على نحو اللام في قوله تعالى: {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً}تفسير : [القصص: 8] فاللام الموضوعة للتعليل مستعارة لمعنى الترتب والتعقيب الموضوع له فاء التعقيب على طريقة الاستعارة التبعية في متعلق معنى الحرف فشبه ترتب الشيء على شيء آخر ليس علةً فيه بترتب المعلول على العلة للمبالغة في قوة الترتب حتى صار كأنه مقصود لمن ظهر عنده أثره، فالمعنى: إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً فضلوا بذلك وأضلوا. وللمفسرين وجوه خمسة أخرى: أحدها: أن يكون للتعليل، وأن المعنى: إنك فعلت ذلك استدراجاً لهم، ونسب إلى الفراء، وفسر به الطبري. الثاني: أن الكلام على حذف حرف، والتقدير: لئَلا يضلوا عن سبيلك أي فضلُّوا. حكاه الفخر. الثالث: أن اللام لام الدعاء. روي هذا عن الحسن. واقتصر عليه في «الكشاف». وقاله ابن الأنباري. وهو أبعد الوجوه وأثقلها. الرابع: أن يكون على حذف همزة الاستفهام. والتقدير: أليضلوا عن سبيلك آتيناهم زينة وأموالاً تقريراً للشنعة عليهم، قاله ابن عطية. ويكون الاستفهام مستعملاً في التعجب، قاله الفخر. الخامس: تأويل معنى الضلال بأنه الهلاك، قاله الفخر. وهي وجوه ضعيفة متفاوتة الضعف فلا نطيل بتقريرها. والزينة: ما يتزين به الناس، وما يحسن في أنظارهم من طرائف الدنيا، كالحلي والجواهر والمباني الضخمة. قال تعالى: {أية : زيَّن للناس حب الشهوات}تفسير : [آل عمران: 14] وقال: {أية : المال والبنون زينة الحياة الدنيا}تفسير : [الكهف: 46] وقال: {أية : ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون}تفسير : [النحل: 6]. والأموال: ما به قوام المعاش، فالزينة تلهيهم عن اتباع المواعظ، وتعظّم شأنهم في أنظار قومهم، والأموال يسخِّرون بها الرعيَّة لطاعتهم، وقد كان للفراعنة من سعة الرزق ورفاهية العيش ما سار ذكره في الآفاق. وظهرت مُثل منه في أهرامهم ونواويسهم. وأعيد النداء بين الجملة المعلِّلة والجملة المعلَّلة لتأكيد التذلل والتعرض للإجابة ولإظهار التبرؤ من قَصد الاعتراض. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب {ليَضلوا} بفتح الياء. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي ـ بضم الياء ـ على معنى سعيهم في تضليل الناس. والمعنى الحاصل من القراءتين متحد لأنهم إذا ضَلوا في أنفسهم وهم قادة قومهم كان ضلالهم تضليلاً لغيرهم، وكذلك إذا أضلوا الناس فإنهم ما أضلوهم إلا وهم ضالون مثلهم. وقد علمت آنفاً أن الزينة سبب ضلالهم والأموال سبب إضلال الناس. وأعيد النداء ثالثَ مرة؛ لزيادة تأكيد التوجه والتضرع. وجملة: {اطمس على أموالهم} هي المقصود من هذا الكلام، والنداء يقوم مقام وصل الجملة بما قبلها بمنزلة حرف العطف. والطمْس: المَحْو والإزالة. وقد تقدم في قوله: {أية : من قبل أن نَطْمس وجوهاً} تفسير : في سورة [النساء: 47]. وفعله يتعدى بنفسه كما في آية سورة النساء، ويُعدى بحرف (على) كما هنا. وقوله تعالى: {أية : ولو نشاء لطمسنا على أعينهم}تفسير : في سورة [يس: 66]. ولعل تعديته بـ(على) لإرادة تمكن الفعل من المفعول، أو لتضمين الطمس معنى الاعتلاء بآلة المحو والإزالة، فطمس الأموال إتلافها وإهلاكها. وأما قوله: {واشدد} فأحسب أنه مشتق من الشد، وهو العسر. ومنه الشدة للمصيبة والتحرج، ولو أريد غير ذلك لقيل: واطبع، أو واختم، أو نحوهما، فيكون شدّ بمعنى أدخل الشدّ أو استعمله مثل جَد في كلامه، أي استعمَل الجد. وحرف (على) مستعار لمعنى الظرفية استعارة تبعية لإفادة تمكن الشدة. والمعنى: أدخل الشدة في قلوبهم. والقلوب: النفوس والعقول. والمعنى: أنه يدعو عليهم بالأنكاد والأحزان التي تجعل قلوبهم في ضيق وحرج أي اجعلهم في عناء وبلبلة بال ما داموا في الكفر. وهذا حرص منه ـ عليه السلام ـ على وسائل هدايتهم رجاء أنهم إذا زالت عنهم النعم وضاقت صدورهم بكروب الحياة تفكروا في سبب ذلك، فعجَّلوا بالنَّوبة إلى الله كما هو معتاد النفوس الغافلة قال تعالى: {أية : وإذا مسّ الإنسان ضر دعا ربَّه منيباً إليه}تفسير : [الزمر: 8]. ويجوز أن يكون {اشدد} من الشد، وهو الهجوم. يقال: شد عليه، إذا هجم، وذلك أن قلوبهم في حالة النعمة والدعة آمنة ساكنة فدعا الله أن يشد عليهم بعذابه، تمثيلاً لحال إصابة نفوسهم بالأكدار والأحزان بحال من يَشُد على عدوّه ليقتله وهو معنى قوله تعالى: {أية : وأجْلب عليهم بخيلك ورجلك}تفسير : [الإسراء: 64] أي طوّعهم لحكمك وسَخّرهم. وبهذا يظهر أن موقع الفاء في قوله: {فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} أن تكون فاء السببية في جواب الدعاء، أي افعَلْ بهم ذلك ليؤمنوا. والفعل منصوب بأن مضمرة إضماراً واجباً بعد فاء السببية. فقوله: {فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب} في قوة أن يقال: فيؤمنوا حين يرون العذاب لا قَبْل ذلك. وإنما عدل عن إيقاع جواب الدعاء بصيغة إثبات الإيمان، إلى إيراده بصيغة نفي مُغيّا بغاية هي رؤية العذاب سلوكاً لأسلوب بديع في نظم الكلام لأنه أراد أن يجمع بين ترتيب الجواب على الدعاء وبين ما استبان له من طبع نفوسهم بطبع أنهم لا تنفع فيهم الحجج وأن قساوة قلوبهم وشراسة نفوسهم لا تذللها إلا الآلام الجسدية والنفسانية، وكل ذلك علاجٌ بما هو مظنة إيصالهم من طرق الضغط والشدة حيث لم تُجْد فيهم وسائل الحجة، فقال: {فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} أي أن شأنهم ذلك، وهذا إيجاز بديع إذ جمع في هذا التركيب جواب الدعاء وبيانَ علة الدعاء عليهم بذلك. وأصل الكلام: فيؤمنوا فإنهم لا يؤمنون إلا إذا رأوا العذاب الأليم. والمقصود من جواب فعل الدعاء هو غاية الجواب التي بعد حتى، فتلك هي مصب الجواب. وهذا الوجه في تفسير الآية وجه لا ترهقه غبرة الإشكال، ولا يعسر معه المنال، ويجوز أن يكون قوله: {فلا يومنوا} الخ عطفاً على قوله: {ليضلوا عن سبيلك} وجملة الدعاء بينهما معترضة. والمعنى: ليضلوا عن سبيلك فيستمر ضلالهم حتى يروا العذاب الأليم. وهذا تأويل المبرد والزجاج. والمراد بالعذاب الأليم عذاب الفقر والجوع وعذاب النكد في النفس. والرؤية مستعملة في الإحساس على وجه المجاز المرسل، أو مستعملة كناية عن حلول العذاب بهم لأن المشاهدة ملازمة لحلول الشيء المشاهد.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 88- ولما تمادى الكفار فى تعنتهم مع موسى، دعا الله عليهم، فقال: يا رب إنك أعطيت فرعون وخاصته بهجة الدنيا وزينتها من الأموال والبنين والسلطان، فكانت عاقبة هذه النعم إسرافهم فى الضلال والإضلال عن سبيل الحق، اللهم اسحق أموالهم. واتركهم فى ظلمة قلوبهم، فلا يوفقوا للإيمان حتى يروا رأى العين العذاب الأليم، الذى هو العاقبة التى تنتظرهم ليكونوا عبرة لغيرهم. 89- قال الله تعالى: قد أجيب دعاؤكما، فاستمرا على السير فى الطريق المستقيم، واتركا سبيل أولئك الذين لا يعلمون الأمور على وجهها ولا يذعنون للحق الذى وضح. 90- ولما جاوزنا ببنى إسرائيل البحر، تعقبهم فرعون وجنوده للاعتداء عليهم فأطبقنا عليهم البحر، فلما أدرك الغرق فرعون، قال: صدقت بالله الذى صدقت به بنو إسرائيل، وأذعنت له، وأنا من الطائعين الخاضعين. 91- لم يقبل الله من فرعون هذا الإيمان الذى اضطر إليه، وتلك التوبة التى كانت وقد حضره الموت، بعد أن عاش عاصياً لله مفسداً فى الأرض فمات كافراً مُهاناً. 92- واليوم الذى هلكت فيه نُخرج جثتك من البحر، ونبعثها لتكون عظة وعبرة لمن كانوا يعبدونك، ولا ينتظرون لك مثل هذه النهاية المؤلمة المخزية، ولكن كثيراً من الناس يغفلون عن البينات الباهرة فى الكون التى تثبت قدرتنا.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: زينة: حلياً وحللاً ورياشاً ومتاعاً. أموالاً: أي كثيرة من الذهب والفضة والأنعام والحرث. اطمس: أي أزل أثرها من بينهم بإذهابها. واشدد على قلوبهم: اربط عليها حتى لا يدخلها إيمان ليهلكوا وهم كافرون. أجيبت دعوتكما: أي استجابها الله تعالى. فاستقيما: على طاعة الله بأداء رسالته والدعوة إليه والصبر على الأذى فيه. سبيل الذين لا يعلمون: أي طريق الجهلة الذي لا يعرفون محاب الله ومساخطه ولا يعلمون شرائع الله التي أنزل لعباده. معنى الآيتين: ما زال السياق في قصة موسى مع فرعون وبني إسرائيل فبعد أن لج فرعون في العناد والمكابرة بعد هزيمته سأل موسى ربه قائلاً {رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ} أي أعطيتهم {زِينَةً} أي ما يتزين به من الملابس والفرش والأثاث وأنواع الحلي والحلل وقوله {وَأَمْوَالاً} أي الذهب والفضة والأنعام والحرث {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي في هذه الحياة الدنيا وقوله: {رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ} أي فيسبب ذلك لهم الضلال إذاً {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ} أي أذهب أثرها بمسحها وجعلها غير صالحة للانتفاع بها، {وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} أي اطبع على قلوبهم واستوثق منها فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم الموجع أشد الإِيجاع، قال تعالى: {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا} على طاعتنا بالدعوة إلينا وأداء عبادتنا والنصح لعبادنا والعمل على إنقاذ عبادنا من ظلم الظالمين، {وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} أي فتستعجلا وقوع العذاب فإن الذين لا يعلمون ما لله من حكم وتدابير وقضاء وقدر يستعجلون الله تعالى في وعده لهم فلا تكونوا مثلهم بل انتظروا وعدنا واصبروا حتى يأتي وعد الله. وما الله بمخلف وعده. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- مشروعية الدعاء بالهلاك على أهل الظلم. 2- كثرة المال وأنواع الزينة، والانغماس في ذلك والتلهي به يسبب الضلال لصاحبه. 3- الذين بلغوا حداً من الشر والفساد فطبع على قلوبهم لا يموتون إلا على الكفر فيخسرون. 4- المؤمِّن داع فهو شريك في الدعاء فلذا أهل المسجد يؤمِّنون على دعاء الإِمام في الخطبة فتحصل الإِجابة للجميع، ومن هنا يخطيء الذين يطوفون أو يزورون إذ يدعون بدعاء المطوف ولا يؤمِّنون. 5- حرمة اتباع طرق أهل الضلال، وتقليد الجهال والسير وراءهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَيْتَ} {وَأَمْوَالاً} {ٱلْحَيَاةِ} {أَمْوَالِهِمْ} (88) - بَعْدَ أَنْ أَعَدَّ مُوسَى قَوْمَهُ مَا اسْتَطَاعَ لِلْخُرُوجِ بِهِمْ مِنْ مِصْرَ، وَغَرَسَ فِي قُلُوبِهِمْ الإيمَانَ، وَالثِّقَةَ بِاللهِ، وَحُبَّ العِزَّةِ وَالكَرَامَةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، تَوَجَّهَ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِالدُّعَاءِ أَنْ يُتِمَّ أَمْرَهُ، وَدَعَا عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، لِمَا أَظْهَرُوهُ مِنَ الكُفْرِ وَالعُتُوِّ وَالضَّلاَلِ، وَلَمَّا رَفَضُوهُ مِنِ اتِّبَاعِ الحَقِّ وَالهُدَى، فَقَالَ: رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ مِنْ أَثَاثِ الدُّنْيا، وَمَتَاعِهَا وَزُخْرُفِها، وَمِنَ الأَمْوَالِ الجَزِيلَةِ، فَكَانَتْ عَاقِبَةُ ذَلِكَ إِسْرَافَهُمْ فِي الضَّلاَلِ، وَافْتِتَانِ الجَهَلَةِ بِمَا أَعْطَيتَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ إِذْ ظَنُّوا أَنَّكَ إِنَّمَا أَعْطَيْتَهُمْ هذا لأَنَّكَ تُحِبُّهُمْ. رَبَّنَا أَهْلِكْ أَمْوَالَهُمْ وَامْحَقْها (اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ)، وَاطْبَعْ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَزِدْهَا قَسْوَةً حَتَّى لا تَلينَ، وَلاَ يَصِلَ إِليهَا الإِيمَانُ، لِيَسْتَحِقُّوا عَذَابَكَ الشَّدِيدَ. اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ - أَهْلِكْ أَمْوَالَهُمْ وَأَذْهِبْهَا وَامْحَقْهَا. اشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ - اطْبَعْ عَلَيْهَا.

الثعلبي

تفسير : {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً} من متاع الدنيا وأثاثها. مقاتل: شارة حسنة، لقوله: {أية : فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ}تفسير : [القصص: 79] {وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ}. اختلفوا في هذه اللام فقال بعضهم هي لام (كي) ومعناه [أعطيتهم لكي يضلّوا ويبطروا ويتكبّروا] لتفتنهم بها فيضلّوا ويُضلّوا إملاءً منك، وهذا كقوله تعالى: {أية : لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً * لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ}تفسير : [الجن: 16-17]، وقيل: هي لام العاقبة ولام الصيرورة يعني أعطاهم ليضلّوا [......] آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً، وقيل: هي لام أي آتيتهم لأجل ضلالهم عقوبة لهم كقوله: {أية : سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ}تفسير : [التوبة: 95] أي لأجل إعراضكم عنهم، ولم يحلفوا لتعرض عنهم. {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ}، قال عطية ومجاهد: أعفها، فالطمس: المحو والتعفية، وقال أكثر المفسرين: امسخها وغيّرها عن هيئتها، قال محمد بن كعب القرضي: جعل سكّتهم حجارة، وقال قتادة: بلغنا أن زروعهم صارت حجارة، وقال ابن عباس: إن الدراهم والدنانير صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحاً وأثلاثاً وأنصافاً. قال ابن زيد: صارت حجارة ذهبهم، ودراهمهم وعدسهم وكل شيء، وقال السدّي: مسخ الله أموالهم حجارة، النخل والثمار والدقيق والأطعمة، وكانت احدى الآيات التسع. {وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} يعني: واطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان. {فَلاَ يُؤْمِنُواْ} قيل: هو نصب جواب الدعاء بالفاء، وقيل: عطف على قوله: [ليُضلوا]. قال الفراء: هو دعاء ومحله جزم كأنه: اللهم فلا يؤمنوا وقيل: معناه فلا آمنوا. {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} [وقرأ علي والسملي: «دعواتكما» بالجمع وقرأ ابن السميقع: قد أجبت دعوتكما] خبراً عن الله تعالى. كقول الأعشى: شعر : فقلت لصاحبي لا تعجلانا بنزع أصوله واجتز شيحاً تفسير : {فَٱسْتَقِيمَا} على الرسالة والدعوة، وامضيا لأمري إلى أن يأتيهم عقاب الله. قال ابن جريج: مكث فرعون بعد هذا الدعاء أربعين سنة. {وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ} نهي بالنون الثقيلة ومحله جزم ويقال في الواحد لا تتبعَنْ، فيفتح النون لالتقاء الساكنين، وتكسر في التثنية لهذه العلة. وقرأ ابن عامر بتخفيف النون لأن نون التوكيد تُثقّل وتخفف. {سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} يعني: ولا تسلكا طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي فتستعجلان قضائي؛ فإن قضائي ووعدي لا خلف لهما، ووعيدي نازل بفرعون وقومه. {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ} الآية، وذلك أنّ الله تعالى أمر موسى (عليه السلام) أن يخرج ببني إسرائيل من مصر و [تَبَعا] بنو إسرائيل من القبط [فأخرجهم] بعلة عرس لهم وسرى بهم موسى وهم ستمائة ألف وعشرون ألفاً لا يُعدّ فيهم ابن سبعين سنة ولا ابن عشرين سنة، [إلى البحر وقال لكما] القبط تلك الليلة، فتتبعوا بني إسرائيل حتى أصبحوا وهو قوله: {أية : فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ}تفسير : [الشعراء: 60] بعدما دفنوا أولادهم، فلمّا بلغ فرعون ركب [البحر] ومعه ألف ألف وستمائة ألف. قال محمد بن كعب: كان في عسكر فرعون مائة ألف حصان أدهم سوى سائر الشهبان، وكان [........] وكان هارون على مقدمة بني إسرائيل وموسى في الساقة، فلمّا انتهوا إلى البحر وقربت منهم مقدمة فرعون مائة ألف رجل، كلٌ قد غطّى أعلى رأسه ببيضة وبيده حربة، وفرعون خلفهم في الدميم، فقالت بنو إسرائيل لموسى: أين ما وعدتنا؟ هذا البحر أمامنا [إن عبرناه] غَرِقنا وفرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا، ولقد أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا. فقال موسى: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعلمون، وقال: كلا إنّ معي ربي سيهدين، فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فلم ينفلق وقال: أنا أقدم منك وأشد خلقاً، فأوحى الله تعالى إلى موسى أن كنه وقل: انفلق أبا خالد بإذن الله عزّ وجل، ففعل ذلك فانفلق البحر وصار اثنا عشر طريقاً لكل سبط طريق. وكشف الله عن وجه الأرض فصارت يابسة وارتفع بين كل طريقين جبل. وكانوا بني عمّ لا يرى بعضهم بعضاً ولا يسمع بعضهم كلام بعض، فقال كل فريق: قد غرق أصحابنا فأوحى الله تعالى إلى الجبال من الماء تشبّكي فتشبكت وصارت فيه شبه الخروق فجعل ينظر بعضهم إلى بعض. فلمّا وصل فرعون بجنوده إلى البحر ورأوا البحر بتلك الهيئة قال فرعون: هابني البحر، وهابوا دخول البحر، وكان فرعون على حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى، فجاء جبرئيل على فرس وديق وخاض البحر وميكائيل يسوقهم، لا يشذ رجل منهم إلاّ ضمّه إليهم. فلما شمّ أدهم فرعون ريح فرس جبرئيل، وفرعون لا يراه انْسَلّ خلف فرس جبريل ولم يملك فرعون من أمره شيئاً واقتضمت الخيول في الماء، فلما دخل آخرهم البحر وهمّ أولهم أن يخرج انطبق الماء عليهم، فلمّا أدرك فرعون الغرق: {قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ} فدسّ جبرئيل في فيه من حمأة البحر، وقال: {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ}. قال أبو بكر الوراق: قال الله لموسى وهارون: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} [طه: 44] حين لم ينفعْه تذكّره وخشيته. قال كعب: لمّا أمسك نيل مصر عن الجري قالت القبط لفرعون: [إن كنت ربّنا فأجرِ لنا الماء]، فركب وأمر جنوده بالركوب وكان مناديه ينادي كل ساعة: ليقف فلان بجنوده قائداً قائداً فجعلوا يقفون على درجاتهم [وقفز] حتى بقي هو وخاصته، فأمرهم بالوقوف حتى بقي في حُجّابه وخُدّامه، فأمرهم بالوقوف وتقدّم وحده بحيث لا يرونه [ونزل عن دابته] ولبس ثياباً أُخر وسجد وتضرع إلى الله، فأجرى الله تعالى له الماء فأتاه جبرئيل وحده في هيئة مستفت وقال: ما يقول الأمير في رجل له عبد قد نشأ في نعمته لا سيد له غيره، فكفر نعمته وجحد حقّه وادعى السيادة دونه؟ [فكتب فرعون: جزاؤه أن يغرق في البحر]. فلمّا أخبر موسى قومه بهلاك فرعون وقومه قالت بنو إسرائيل: ما مات فرعون ولا يموت أبداً، فأمر الله تعالى بالبحر فألقى فرعون على الساحل أحمر قصير كأنه ثور فتراءاه بنو إسرائيل، فمن ذلك الوقت لا يقبل الماء ميتاً أبداً، فذلك قوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا} أي قطعنا ببني إسرائيل البحر حتى جازوه، وقرأ الحسن [وجوزنا، وهما لغتان]. {فَأَتْبَعَهُمْ} فأدركهم، يقال: تبعه وأتبعه إذا أدركه ولحقه، واتّبعه بالتشديد إذا سار خلفه [واقتدى به] {فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ}. {بَغْياً وَعَدْواً} ظلماً واعتداءً، يقال: عدا يعدو عدواً مثل: غزا يغزو غزواً، وقرأ الحسن [عُدوّاً] بضم العين وتشديد الواو مثل: علا يعلو عُلوّاً. قال المفسرون: بغياً في القول وعدواً في الفعل. {حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ} أي أحاط به {قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ} قرأ حمزة والكسائي وخلف إنّه بالكسر أي آمنت وقلت: إنّه، وهي قراءة عبد الله. وقرأ الآخرون: أنّ بالفتح لوقوع آمنت عليها، وهي اختيار أبو عبيد وأبي حاتم. {لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} قال جبرئيل {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ}. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال لي جبرئيل: ما أبغضت أحداً من عباد الله إلاّ أنا أبغضت عبدين أحدهما من الجنّ والآخر من الأنس، فأما من الجنّ فإبليس حين أبى بالسجود لآدم وأما من الإنس ففرعون حين قال: أنا ربكم الأعلى، ولو رأيتني يا محمد وأنا أدسّ الطين في فيه مخافة أن تدركه الرحمة ". تفسير : {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} أي نجعلك على نجوة من الأرض وهي النجو: المكان المرتفع، قال أوس بن حجر: شعر : فمن بعقوته كمن بنجوته والمستكنّ كمن يمشي بقرواح تفسير : {بِبَدَنِكَ} بجسدك لا روح فيك. وقال مجاهد والكسائي: البدن هاهنا الدرع وكان دارعاً. قال الأعشى: شعر : وبيضاء كالنهى موضونة لها قونس فوق جيب البدى تفسير : وقرأ عبد الله: فاليوم ننجيك ببدنك، أي نلقيك على ناحية البحر. وقيل: شعرك. {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} عبرة وعظة. وقرأ علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): لمن خلقك (بالقاف)،أي تكون آية لخالقك. {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} قال مقاتل: يعني أهل مكة، قال الحسن: هي عامة. {عَنْ آيَاتِنَا} عن الإيمان بآياتنا {لَغَافِلُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والزينة: هي الأمر الزائد عن ضروريات الحياة ومقوماتها الأولى، فاستبقاء الحياة يكون بالمأكل لأي غذاء يسدُّ الجوع، وبالمشرب الذي يروي العطش. أما إن كان الطعام منوَّعاً فهذا من ترف الحياة، ومن ترف الحياة الملابس التي لا تستر العورة فقط، بل بالزي الذي يتميز بجودة النسج والتصميم والتفصيل. وكذلك من ترف الحياة المكان الذي ينام فيه الإنسان، بحيث يتم تأثيثه بفاخر الرياش، ولكن الضرورة في النوم يكفي فيها مكان على الأرض، وأي فراش يقي من برودة الأرض أو حرارتها. إذن: فالزائد عن الضرورات هو زينة الحياة، والزينة تأتي من الأموال، والرصيد الأصيل في الأموال هو الذهب، ثم تأخذ الفضة المرتبة الثانية. ومن مقومات الاقتصاد أن الذهب يعتبر قيمة الرصيد لغنى أية دولة، مهما اكتشفوا من أحجار أغلى من الذهب. وهذه الأحجار الكريمة - كالماس مثلاً - إن كُسِرت أو خُدِشت تقل قيمتها، لكن الذهب مهما تفتَّت فأنت تعيد صَهْرَه، فتستخلَص ذهباً مُجمَّعاً. وكان الفراعنة الأقدمون يحكمون مصر حتى منابع النيل، وكانوا يسخِّرون الناس في كل الأعمال، حتى استخراج الذهب سواء من المناجم أو من غربلة رمال بعض الجبال لاستخلاص الذهب منها. وأنت قد تستطيع استخلاص الذهب من أماكن معينة، ولكن الفرق دائماً إنما يكون في القيمة الاقتصادية لاستخراج الذهب، فحين يكون المنجم وفير العطاء، فيه كثير من عروق الذهب، هنا يصبح استخراج الذهب مسألة مربحة اقتصادياً. أما إن كانت التكلفة أعلى من القيمة الاقتصادية للذهب المستخرج، فلا أحد يستخرج هذا الذهب. وأنت إن نظرت إلى زينة الفراعنة تجد قناع "توت عنخ آمون" آية في الجمال، وكذلك كانت قصورهم في قمة الرفاهية، ويكفي أن ترى الألوان التي صنعت منها دهانات الحوائط في تلك الأيام؛ لتعرف دقة الصنعة ومدى الترف، الذي هو أكثر بكثير من الضرورات. وفي هذه الآية الكريمة يقول الحق سبحانه: {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ..} [يونس: 88]. وهم لم يَضِلُّوا فقط بل أرادوا أن يُضِلّوا غيرهم؛ لذلك تحملوا وِِزْر ضلالهم، ووزر إضلال غيرهم. فهل أعطاهم الله سبحانه المال والزينة للضلال والإضلال؟ لا، فليس ذلك علة العطاء، ولكن هناك لام العاقبة، مثلما تعطي أنت إبنك عشرة جنيهات وتقول له: افعل بها ما تريد، وأرجو أن تتصرف فيها تصرفاً يعود عليك بالخير. وقد ينزل هذا الابن ليشتري شيئاً غير مفيد ولا يشتري - مثلاً - كتباً تفيده. هنا أنت أعطيت هذا الابن قوة شرائية لكنه لم يحسن التصرف فيها، وغاية الاختيار هَدَتْه إلى اللعب. وهذا ما يسمى لام العاقبة، ولام العاقبة لا يكون المقصود بها سبب الفعل، ولكنها تأتي لبيان عاقبة الفعل. وحين أراد الحق سبحانه وتعالى أن ينجي موسى - عليه السلام - في طفولته من القتل أوحى إلى أم موسى - عليهما السلام - بقوله تعالى: {أية : فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ ..}تفسير : [القصص: 7]. ولا توجد أم تُقبل على تنفيذ مثل هذا الأمر؛ لأنه موت محقق؛ لأن الابن إن خُطِف أو فُقِد فهذا كله موت مظنون، أما إلقاؤه في الماء فليس فيه موت مظنون، بل موت مؤكد، إن لم يُنجِّه الله تعالى. ولكن أم موسى - لإيمانها بالله - فعلت ما أوحى به الله - سبحانه وتعالى - لها؛ لأن الوارد من الله تعالى لا يجد في الفطرة منازعاً له. أما نزغات الشيطان فهي تجد ألف منازع لها في النفس، وكذلك هواجس النفس. ولذلك نفَّذت أم موسى ما أوحى الله تعالى به إليها، وإن كان مخالفاً للعقل والمنطق. وحين التقطه آل فرعون، وقد كانوا يقتلون الأطفال، وألقى الحق سبحانه وتعالى محبة موسى في قلوبهم، قال: {أية : .. وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي}تفسير : [طه: 39]. فهم ساعة رؤيتهم لموسى - عليه السلام - وهو طفل، أحبُّوه فلم يقتلوه، وهكذا نفذت مشيئة الله تعالى ووعده لأمه: {أية : .. إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [القصص: 7]. أي: أن لموسى - عليه السلام - مهمة مسبقة أرادها له الحق سبحانه. ولذلك نجد أن هناك أوامر متتابعة جاء بها القرآن الكريم في مسألة إلقاء أم موسى لابنها، فقال الحق سبحانه: {أية : إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ ..}تفسير : [طه: 38-39]. وكلها أوامر من الحق سبحانه، فتراه زوجة فرعون فتقول لزوجها: {أية : قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ..}تفسير : [القصص: 9]. فهل كان فرعون يعلم أن هذا الطفل الذي التقطه سيكون عدوّاً له؟ لا، لقد التقطه وأعطاه حياة الترف؛ ليكون قُرَّة عين له، وهذه علة الالتقاط، ولكن العاقبة انتهت إلى أن يكون عدوّاً؛ ولو كانت العلة هي العداوة لما التقطه فرعون أو لقتله لحظة الالتقاط. ولذلك يترك الحق سبحانه وتعالى في كونه أشياء تكسر مكر البشر؛ فأخذه فرعون وربَّاه، وكانت العاقبة غير ما كان يتوقع فرعون. وقول الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصددها: {لِيُضِلُّواْ} نفهم منه أن - سبحانه وتعالى - لم يُعْطِهم المال ليضلوا، ولكنهم هم الذين اختاروا الضلال. وقد أعطى الله سبحانه وتعالى الكثير من الناس مالاً وجاهاً وأرادوا به الخير، وهكذا نرى اختيار الإنسان، إن له أن يضل أو يهتدي. وقد قال موسى عليه السلام تنفيساً عن نفسه: {رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ..} [يونس: 88]. ومعنى الطمس أي: إخفاء المعالم؛ مثل قول الحق سبحانه: {أية : مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ ..}تفسير : [النساء: 47]. ومعنى الطمس هنا: إخفاء معالم تلك الوجوه؛ فتكون قطعة واحدة بلا جبهة أو حواجب أو عينين أو أنف أو شفاه أو ذقن. إذن: فالطمس هو إهلاك الصورة التي بها الشيء. ودعوة موسى - عليه السلام - هنا: {ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ ..} [يونس: 88]. أي: امسخها. وقال بعض الرواة أنها مُسخت، فمن كان يملك بعضاً من سبائك الذهب وجدها حجارة، ومن كان يملك أحجاراً كريمة كالماس وجدها زجاجاً. أو أن {ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ ..} [يونس: 88]. أي: أذهبهما؛ لأن الأموال كانت وسيلة إضلال. وقوله عليه السلام بعد ذلك: {.. وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} [يونس: 88]. أي: أحْكمْ يا رب الأربطة على تلك القلوب؛ فلا يخرج ما فيها من كفر، ولا يَدخل ما هو خارجها من الإيمان؛ لأن هؤلاء قد افتروا افتراءً عظيماً، وأن تظل الأربطة على قلوبهم؛ حتى يروا العذاب الأليم. ولماذا دعا موسى - عليه السلام - على آل فرعون هذا الدعاء، ولم يَدْعُ مثلما دعا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم اهْدِ قومي فإنهم لا يعلمون "؟ تفسير : والإجابة: لا بد أن الحق سبحانه وتعالى قد أطلعه على أن هؤلاء قوم لن تفلح فيهم دعوة الإيمان. وكان خوف موسى - عليه السلام - لا من ضلال قوم فرعون، ولكن من استمرار إضلالهم لغيرهم. إذن: فقد دعا عليهم موسى - عليه السلام - بما جاء في هذه الآية: {.. رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} [يونس: 88]. وفي موضع آخر من القرآن الكريم يقول الحق سبحانه: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ..}تفسير : [غافر: 85]. وهكذا يتبين لنا الفارق بين إيمان الإلجاء والقصر وبين إيمان الاختيار. فحين يأتي الرسول داعياً إلى الإيمان يصبح من حق السامع لدعوته أن يؤمن أو أن يكفر؛ لأن الله تعالى قد خلق الإنسان وله حق الأختيار، أما إيمان الإلجاء والقصر فهو لا ينفع الإنسان. ومثال ذلك: فرعون، فساعة أن جاءه العذاب أعلن الإيمان. فالحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : .. حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [يونس: 90]. وإذا كان موسى - عليه السلام - قد دعا على قوم فرعون، فقد سبقه نوح عليه السلام في مثل هذا الدعاء مما أورده القرآن في قوله: {أية : .. رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً}تفسير : [نوح: 26-27]. واستجاب الحق سبحانه لدعوة موسى عليه السلام: {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ} يقول: يقول: أَهلكها {وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} يعني: الضلالة. {فَلاَ يُؤْمِنُواْ} يعني: بالله فيما يرون من الآيات {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ} [الآية: 88]. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا سيد بن داود نا حجاج عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير عن محمد بن كعب القرظي في قوله: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ} [الآية: 88]. قال: اجعل سكرهم حجارة. أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا أَبو جعفر الرازي عن الربيع بن أَنس قال: قلت لأَبي العالية: أَرأَيت قول الله {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} [الآية: 89]. وإِنما الحديث في ذكر موسى قال: دعا موسى وأَمّن هارون، عليهما السلام. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} [الآية: 92] يعني: بجسدك من البحر ميتاً.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ} معناه اذْهِبْ أَموالَهُم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً } يتزينون بها من أنواع الحلي والثياب، والبيوت المزخرفة، والمراكب الفاخرة، والخدام، { وَأَمْوَالا } عظيمة { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ } أي: إن أموالهم لم يستعينوا بها إلا على الإضلال في سبيلك، فيضلون ويضلون. { رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ } أي: أتلفها عليهم: إما بالهلاك، وإما بجعلها حجارة، غير منتفع بها. { وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ } أي: قسها { فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ }. قال ذلك، غضبًا عليهم، حيث تجرؤوا على محارم الله، وأفسدوا عباد الله، وصدوا عن سبيله، ولكمال معرفته بربه بأن الله سيعاقبهم على ما فعلوا، بإغلاق باب الإيمان عليهم.

همام الصنعاني

تفسير : 1166- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ}: [الآية: 88]، قال: بلغنا أنَّ حروثاً لهم صارت حِجَارةً.