١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
87
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه لما شرح خوف المؤمنين من الكافرين وما ظهر منهم من التوكل على الله تعالى أتبعه بأن أمر موسى وهارون باتخاذ المساجد والإقبال على الصلوات يقال: تبوأ المكان، أي اتخذه مبوأ كقوله توطنه إذا اتخذه موطناً، والمعنى: اجعلا بمصر بيوتاً لقومكما ومرجعاً ترجعون إليه للعبادة والصلاة. ثم قال: {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } وفيه أبحاث: البحث الأول: من الناس من قال: المراد من البيوت المساجد كما في قوله تعالى: { أية : فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ ويُذْكَر فيها ٱسْمُهُ } تفسير : [النور: 36] ومنهم من قال: المراد مطلق البيوت، أما الأولون فقد فسروا القبلة بالجانب الذي يستقبل في الصلاة، ثم قالوا: والمراد من قوله: {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } أي اجعلوا بيوتكم مساجد تستقبلونها لأجل الصلاة، وقال الفراء: واجعلوا بيوتكم قبلة، أي إلى القبلة، وقال ابن الأنباري: واجعلوا بيوتكم قبلة أي قبلاً يعني مساجد فأطلق لفظ الوحدان، والمراد الجمع، واختلفوا في أن هذه القبلة أين كانت؟ فظاهر أن لفظ القرآن لا يدل على تعيينه، إلا أنه نقل عن ابن عباس أنه قال: كانت الكعبة قبلة موسى عليه السلام. وكان الحسن يقول: الكعبة قبلة كل الأنبياء، وإنما وقع العدول عنها بأمر الله تعالى في أيام الرسول عليه السلام بعد الهجرة. وقال آخرون: كانت تلك القبلة جهة بيت المقدس. وأما القائلون بأن المراد من لفظ البيوت المذكورة في هذه الآية مطلق البيت، فهؤلاء لهم في تفسير قوله: {قِبْلَةَ } وجهان: الأول: المراد بجعل تلك البيوت قبلة أي متقابلة، والمقصود منه حصول الجمعية واعتضاد البعض بالبضع. وقال آخرون: المراد واجعلوا دوركم قبلة، أي صلوا في بيوتكم. البحث الثاني: أنه تعالى خص موسى وهارون في أول هذه الآية بالخطاب فقال: {أن تَبوآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا } ثم عمم هذا الخطاب فقال: {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } والسبب فيه أنه تعالى أمر موسى وهارون أن يتبوآ لقومهما بيوتاً للعبادة، وذلك مما يفوض إلى الأنبياء، ثم جاء الخطاب بعد ذلك عاماً لهما ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة فيها، لأن ذلك واجب على الكل، ثم خص موسى عليه السلام في آخر الكلام بالخطاب فقال: {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وذلك لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات حصول هذه البشارة، فخص الله تعالى موسى بها، ليدل بذلك على أن الأصل في الرسالة هو موسى عليه السلام وأن هارون تبع له. البحث الثالث: ذكر المفسرون في كيفية هذه الواقعة وجوهاً ثلاثة: الأول: أن موسى عليه السلام ومن معه كانوا في أول أمرهم مأمورين بأن يصلوا في بيوتهم خفية من الكفرة، لئلا يظهروا عليهم فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم، كما كان المؤمنون على هذه الحالة في أول الإسلام في مكة. الثاني: قيل: إنه تعالى لما أرسل موسى إليهم أمر فرعون بتخريب مساجد بني إسرائيل ومنعهم من الصلاة، فأمرهم الله تعالى أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها خوفاً من فرعون. الثالث: أنه تعالى لما أرسل موسى إليهم وأظهر فرعون تلك العداوة الشديدة أمر الله تعالى موسى وهارون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء وتكفل تعالى أنه يصونهم عن شر الأعداء.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً} فيه خمس مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا} أي ٱتخِذا. {لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً} يقال: بوّأت زيداً مكاناً، وبوّأت لزيد مكاناً. والمبوَّأ المنزل الملزوم؛ ومنه بوّأه الله منزلاً، أي ألزمه إياه وأسكنه؛ ومنه الحديث: «حديث : من كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار» تفسير : قال الراجز:شعر : نحن بنو عدنان ليس شك تبوّأ المجد بنا والملك تفسير : ومصر في هذه الآية هي الإسكندرية؛ في قول مجاهد. وقال الضحاك: إنه البلد المسمى مصر، ومصر ما بين البحر إلى أُسوان، والإسكندرية من أرض مصر. الثانية ـ قوله تعالى: {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} قال أكثر المفسرين: كان بنو إسرائيل لا يصلّون إلا في مساجدهم وكنائسهم وكانت ظاهرة، فلما أُرسل موسى أمر فرعونُ بمساجد بني إسرائيل فخرّبت كلها ومنعوا من الصلاة؛ فأوحى الله إلى موسى وهارون أن ٱتخذا وتخيّرا لبني إسرائيل بيوتاً بمصر، أي مساجد، ولم يرد المنازل المسكونة. هذا قول إبراهيم وٱبن زيد والرّبيع وأبي مالك وٱبن عباس وغيرهم. وروي عن ٱبن عباس وسعيد بن جُبَير أن المعنى: وٱجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضاً. والقول الأوّل أصح؛ أي ٱجعلوا مساجدكم إلى القِبلة؛ قيل: بيت المقدس، وهي قبلة اليهود إلى اليوم؛ قاله ابن بحر. وقيل الكعبة. عن ٱبن عباس قال: وكانت الكعبة قِبلة موسى ومن معه، وهذا يدلّ على أن القبلة في الصلاة كانت شرعاً لموسى عليه السلام، ولم تخل الصلاة عن شرط الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة؛ فإن ذلك أبلغ في التكليف وأوفر للعبادة. وقيل: المراد صلّوا في بيوتكم سرّاً لتأمنوا؛ وذلك حين أخافهم فرعون فأمِروا بالصبر واتخاذ المساجد في البيوت، والإقدام على الصلاة، والدعاء إلى أن ينجز الله وعده، وهو المراد بقوله: {أية : قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ}تفسير : [الأعراف: 128] الآية. وكان من دينهم أنهم لا يصلون إلا في البِيَع والكنائس ما داموا على أمن، فإذا خافوا فقد أذن لهم أن يصلوا في بيوتهم. قال ٱبن العربي: والأوّل أظهر القولين؛ لأن الثاني دعوى. قلت: قوله: «دعوى» صحيح؛ فإن في الصحيح قوله عليه السلام: «حديث : جعلت لي الأرض مسجداً وطَهوراً» تفسير : وهذا مما خُصّ به دون الأنبياء؛ فنحن بحمد الله نصلِّي في المساجد والبيوت، وحيث أدركتنا الصلاة؛ إلا أن النافلة في المنازل أفضل منها في المساجد، حتى الركوع قبل الجمعة وبعدها. وقبل الصلوات المفروضات وبعدها؛ إذ النوافل يحصل فيها الرياء، والفرائض لا يحصل فيها ذلك، وكلما خلَص العمل من الرياء كان أوزن وأزلف عند الله سبحانه وتعالى. روى مسلم عنحديث : عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تطوّعه قالت: «كان يصلّي في بيتي قبل الظهر أربعاً، ثم يخرج فيصلّي بالناس، ثم يدخل فيصلّي ركعتين، وكان يصلّي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ثم يصلِّي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين...» تفسير : الحديث. وعن ٱبن عمر قال: صلّيت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل الظهر سجدتين وبعدها سجدتين وبعد المغرب سجدتين؛ فأما المغرب والعشاء والجمعة فصليت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في بيته. وروى أبو داود عن كعب بن عُجْرة. حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أتى مسجد بني الأشهل فصلى فيه المغرب؛ فلما قضْوا صلاتهم رآهم يسبحون بعدها فقال: «هذه صلاة البيوت».تفسير : الثالثة ـ وٱختلف العلماء من هذا الباب في قيام رمضان، هل إيقاعه في البيت أفضل أو في المسجد؟ فذهب مالك إلى أنه في البيت أفضل لمن قوِي عليه، وبه قال أبو يوسف وبعض أصحاب الشافعي. وذهب ٱبن عبد الحكم وأحمد وبعض أصحاب الشافعي إلى أن حضورها في الجماعة أفضل. وقال الليث: لو قام الناس في بيوتهم ولم يقم أحد في المسجد لا ينبغي أن يخرجوا إليه. والحجة لمالك ومن قال بقوله قولُه صلى الله عليه وسلم في حديث زيد بن ثابت: «حديث : فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»تفسير : خرّجه البخاريّ. احتج المخالف بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد صلاّها في الجماعة في المسجد، ثم أخبر بالمانع الذي منع منه على الدوام على ذلك، وهو خشية أن تفرض عليهم فلذلك قال لهم: «حديث : فعليكم بالصلاة في بيوتكم»تفسير : . ثم إن الصحابة كانوا يصلونها في المسجد أوزاعاً متفرقين، إلى أن جمعهم عمر على قارىء واحد فاستقر الأمر على ذلك وثبت سُنّة. الرابعة ـ وإذا تنزلنا على أنه كان أُبيح لهم أن يصلوا في بيوتهم إذا خافوا على أنفسهم فيستدلّ به على أن المعذور بالخوف وغيره يجوز له ترك الجماعة والجمعة. والعذر الذي يبيح له ذلك كالمرض الحابس، أو خوف زيادته، أو خوف جور السلطان في مال أو بدن دون القضاء عليه بحق. والمطرُ الوابل مع الوحل عذر إن لم ينقطع، ومن له وليِّ حميم قد حضرته الوفاة ولم يكن عنده من يمرّضه؛ وقد فعل ذلك ابن عمر. الخامسة ـ قوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قيل: الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل لموسى عليه السلام، وهو أظهر، أي بشر بني إسرائيل بأن الله سيظهرهم على عدوّهم.
البيضاوي
تفسير : {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا} أي اتخذا مباءة. {لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا} تسكنون فيها أو ترجعون إليها للعبادة. {وَٱجْعَلُواْ} أنتما وقومكما. {بُيُوتِكُمْ} تلك البيوت. {قِبْلَةَ} مصلى وقيل مساجد متوجهة نحو القبلة يعني الكعبة، وكان موسى صلى الله عليه وسلم يصلي إليها. {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ} فيها، أمروا بذلك أول أمرهم لئلا يظهر عليهم الكفرة فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم. {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بالنصرة في الدنيا والجنة في العقبى، وإنما ثنى الضمير أولاً لأن التبوأ للقوم واتخاذ المعابد مما يتعاطاه رؤوس القوم بتشاور، ثم جمع لأن جعل البيوت مساجد والصلاة فيها مما ينبغي أن يفعله كل أحد، ثم وحد لأن البشارة في الأصل وظيفة صاحب الشريعة.
ابن كثير
تفسير : يذكر تعالى سبب إنجائه بني إسرائيل من فرعون وقومه، وكيفية خلاصهم منهم، وذلك أن الله تعالى أمر موسى وأخاه هارون عليهما السلام أن يتبوأا أي: يتخذا لقومهما بمصر بيوتاً، واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} فقال الثوري وغيره عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس: {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} قال: أمروا أن يتخذوها مساجد، وقال الثوري أيضاً عن ابن منصور عن إبراهيم: {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} قال: كانوا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم، وكذا قال مجاهد وأبو مالك والربيع بن أنس والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأبوه زيد بن أسلم، وكأن هذا والله أعلم لما اشتد بهم البلاء من قبل فرعون وقومه، وضيقوا عليهم، أمروا بكثرة الصلاة؛ كقوله تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ} تفسير : [البقرة: 153] وفي الحديث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر، صلى، أخرجه أبو داود، ولهذا قال تعالى في هذه الآية: {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: بالثواب والنصر القريب، وقال العوفي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: لا نستطيع أن نظهر صلاتنا مع الفراعنة، فأذن الله لهم أن يصلوا في بيوتهم، وأمروا أن يجعلوا بيوتهم قبل القبلة، وقال مجاهد: {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} لما خاف بنو إسرائيل من فرعون أن يقتلوا في الكنائس الجامعة، أمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سراً، وكذا قال قتادة والضحاك. وقال سعيد بن جبير: {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} أي: يقابل بعضها بعضاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا} اتخذا { لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } مصلًّى تصلّون فيه لتأمنوا من الخوف وكان فرعون منعهم من الصلاة {وَأَقِيمُوا ٱلْصَلَـٰوةَ} أتموها {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بالنصر والجنة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {... رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ} أي أهلكها، قاله قتادة. فذكر لنا أن زروعهم وأموالهم صارت حجارة منقوشة، قاله الضحاك. {وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} فيه أربعة أوجه: أحدها: بالضلالة ليهلكوا كفاراً فينالهم عذاب الآخرة، قاله مجاهد. الثاني: بإعمائها عن الرشد. الثالث: بالموت، قاله ابن بحر. الرابع: اجعلها قاسية. {فَلاَ يُؤْمنُوا حَتَّى يَرَُواْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ} قال ابن عباس هو الغرق. قوله عز وجل: {قَالَ قَدْ أُجِيبت دَّعْوَتُكُمَا} قال أبو العالية والربيع: دعا موسى وأمَّن هارون فسمي هارون وقد أمّن على الدعاء داعياً، والتأمين على الدعاء أن يقول آمين. واختلف في معنى آمين بعد الدعاء وبعد فاتحة الكتاب في الصلاة على ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه اللهم استجب، قاله الحسن. الثاني: أن آمين اسم من أسماء الله تعالى، قاله مجاهد، قال ابن قتيبة وفيه حرف النداء مضمر وتقديره يا آمين استجب دعاءنا. الثالث: ما رواه سعيد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : آمين خَاتَمُ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ" تفسير : يعني أنها تمنع من وصول الأذى والضرر كما يمنع الختم من الوصول إلى المختوم عليه. وفرق ابن عباس في معنى آمين بين وروده بعد الدعاء وبين وروده بعد فاتحة الكتاب فقال: معناه بعد الدعاء: اللهم استجب، ومعناه بعد الفاتحة: كذلك فليكن. قال محمد بن علي وابن جريج: وأخّر فرعون بعد إجابته دعوتهما أربعين سنة. {فَاسْتَقِيمَا} فيه وجهان: أحدهما: فامضيا لأمري فخرجا في قومهم، قاله السدي. الثاني: فاستقيما في دعوتكما على فرعون وقومه، وحكاه علي بن عيسى. وقيل: إنه لا يجوز أن يدعو نبي على قومه إلا بإذن لأن دعاءه موجب لحلول الانتقام وقد يجوز أن يكون فيهم من يتوب.
ابن عطية
تفسير : روي أن فرعون أخاف بني إسرائيل وهدم لهم مواضع كانوا اتخذوها للصلاة ونحو هذا، فأوحى الله إلى موسى وهارون أن اتخذا وتخيرا لبني إسرائيل بيوتاً بمصر، قال مجاهد: {مصر } في هذه الآية الإسكندرية، ومصر ما بين البحر إلى أسوان، والإسكندرية من أرض مصر، و {تبوّآ} معناه كما قلنا تخيراً واتخذا، وهي لفظة مستعملة في الأماكن وما يشبه بها، ومن ذلك قول الشاعر: [الطويل ] شعر : لها أمرها حتى إذا ما تبوأت لأنحامها مرعى تبوأ مضجعا تفسير : وهذا البيت للراعي وبه سمى المراعي ومنه قول امرىء القيس: [الكامل ] شعر : يتبوأون مقاعداً لقتالكم كليوثِ غابٍ ليلهن زئير تفسير : وقرأ الناس " تبوّآ" بهمزة على تقدير تبوعا، وقرأ حفص في رواية هبيرة " تبويا " وهذا تسهيل ليس بقياسي، ولو جرى على القياس لكان بين الهمزة والألف، قوله {قبلة } ومعناه مساجد، قاله ابن عباس والربيع والضحاك والنخعي وغيرهم، قالوا: خافوا فأمروا بالصلاة في بيوتهم، وقيل يقابل بعضها بعضاً، قاله سعيد بن جبير والأول أصوب، وقيل معناه متوجهة إلى القبلة، قاله ابن عباس، ومن هذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : خير بيوتكم ما استقبل به القبلة" تفسير : ، وقوله {وأقيموا الصلاة } خطاب لبني إسرائيل هذا قبل نزول التوراة لأنها لم تنزل إلا بعد إجازة البحر، وقوله {وبشر المؤمنين } أمر لموسى عليه السلام، وقال مكي والطبري هو أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا غير متمكن وقوله تعالى {وقال موسى } الآية، غضب من موسى على القبط ودعاء عليهم فقدم للدعاء تقرير نعم الله عليهم وكفرهم بها، و {آتيت} معناه أعطيت وملكت، وتكرر قوله {ربنا } استغاثة كما يقول الداعي بالله،وقوله {ليضلوا } يحتمل أن يكون لام كي على بابها على معنى آتيتهم الأموال إملاء لهم واستدراجاً فكان الإيتاء كي يضلوا ويحتمل أن تكون لام الصيرورة والعاقبة، كما قال {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} تفسير : [القصص: 8] والمعنى آتيتهم ذلك فصار أمرهم إلى كذا، وروي عن الحسن أنه قال: هو دعاء ويحتمل أن يكون المعنى على جهة الاستفهام أي ربنا ليضلوا فعلت ذلك، وفي هذا تقرير الشنعة عليهم. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والحسن والأعرج وشيبة وأبو جعفر ومجاهد وأبو رجاء وأهل مكة: " ليَضلوا " بفتح الياء على معنى ليضلوا في أنفسهم، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي والأعمش وقتادة وعيسى والحسن والأعرج بخلاف عنه " ليُضلوا " بضم الياء على معنى ليضلوا غيرهم، وقرأ الشعبي "ليِضلوا" بكسر الياء، وقرأ الشعبي أيضاً وغير "اطمُس" بضم الميم، وقرأت فرقة " اطمِس " بكسر الميم وهما لغتان، وطمس يطمس ويطمُس، قال أبو حاتم: وقراءة الناس بكسر الميم والضم لغة مشهورة، معناه عف وغيره وهو من طموس الأثر والعين وطمس الوجوه ومنه قول كعب بن زهير: [البسيط ] شعر : من كل نضاخه الذفرى إذا عرفت عرضتها طامس الأعلام مجهول تفسير : وروي أنهم حين دعا موسى بهذه الدعوة رجع سكرهم حجارة وزادهم ودنانيرهم وحبوبهم من الأطعمة رجعت حجارة، قاله محمد بن كعب القرظي وقتادة وابن زيد، وقال مجاهد وغيره، معناه أهلكها ودمرها، وروي أن الطمسة من آيات موسى التسع، وقوله {اشدد على قلوبهم} بمعنى اطبع واختم عليهم بالكفر، قاله مجاهد والضحاك، ولما أشار عمر بن الخطاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل أسرى بدر شبهه بموسى في دعائه على قومه الذين بعث إليهم في هذه الآية وبنوح في قوله {أية : لا تذر على الأرض من الكافريرن دياراً} تفسير : [نوح: 26]. وقوله {فلا يؤمنوا} مذهب الأخفش وغيره أن الفعل منصوب عطفاً على قوله {ليضلوا }، وقيل هو منصوب في جواب الأمر، وقال الفراء والكسائي: هو مجزوم على الدعاء ومنه قول الشاعر [الأعشى ]: [الطويل ] شعر : فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ولا تلقني إلاَّ وأنفُكَ راغمُ تفسير : وجعل رؤية العذاب نهاية وغاية، وذلك لعلمه من قبل الله أن المؤمن عند رؤية العذاب لا ينفعه إيمانه في ذلك الوقت ولا يخرجه من كفره، ثم أجاب الله هذه الدعوة في فرعون نفسه، قال ابن عباس: {العذاب } هنا الغرق، وقرأ الناس " دعوتكما"، وقرأ السدي والضحاك " دعواتكما "، وروي عن ابن جريج ومحمد بن علي والضحاك أن الدعوة لم تظهر إجابتها إلا بعد أربعين سنة، وحينئذ كان الغرق. قال القاضي أبو محمد : وأعلما أن دعاءهما صادق مقدوراً، وهذا معنى إجابة الدعاء، وقيل لهما {لا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون } أي في أن تستعجلا قضائي فإن وعدي لا خلف له، وقوله {دعوتكما } ولم يتقدم الدعاء إلا لموسى، وروي أن هارون كان يؤمِّن على دعاء موسى، قاله محمد بن كعب القرظي، نسب الدعوة إليهما، وقيل كنّى عن الواحد بلفظ التثنية كما قال " قفا نبكي" و نحو هذا. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لأن الآية تتضمن بعد مخاطبتهما من غير شيء، قال علي بن سليمان قول موسى: {ربنا} دال على أنهما دعوا معاً، وقوله {فاستقيما } أي على ما أمرتما به من الدعاء إلى الله، وأمر بالاستقامة وهما على الإدامة والتمادي، وقرأ نافع والناس" تتّبعانّ" بشد التاء والنون على النهي، وقرأ ابن عامر وابن ذكوان" تتبعانّ" بتخفيف التاء وشد النون، وقرأ ابن ذكوان أيضاً: "تتّبعانِ" بشد التاء وتخفيف النون وكسرها، وقرأت فرقة "تَتبعانْ" بتخفيفها وسكون النون رواه الأخفش الدمشقي عن أصحابه عن ابن عامر، فأما شد النون فهي النون الثقيلة حذفت معها نون التثنية للجزم كما تحذف معها الضمة في لتفعلنّ بعد ألف التثنية وأما تخفيفها فيصح أن تكون الثقيلة خففت ويصح أن تكون نون التثنية ويكون الكلام خبراً معناه الأمر، أي لا ينبغي أن تتبعا، قال أبو علي: إن شئت جعلته حالاً من استقيما كأنه قال غير متبعين. قال القاضي أبو محمد: والعطف يمانع في هذا فتأمله.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَبَوَّءَا} تخيرا واتخذا {بِمِصْرَ} المعروفة، أو الإسكندرية، قاله مجاهد {بُيُوتاً} قصوراً، أو مساجد. {بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} مساجد يصلون فيها، لأنهم كانوا يخافون فرعون إذا صلوا في الكنائس، أو اجعلوا مساجدكم [قِبلَ] الكعبة "ع"، أو يقابل بعضها بعضاً، أو اجعلوا بيوتكم التي بالشام قِبْلة لكم في الصلاة فهي قبلة اليهود إلى اليوم {وَبَشِّرِ الْمؤْمِنِينَ} بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا } رُوي: أَن فرعون أَخَافَ بني إِسرائيل، وهدَّم لهم مواضعَ كانوا ٱتَّخذُوهَا للصلاة، ونَحْو هذا، فأوحَى اللَّه إِلَى موسَى وهارون، أنْ تَبَّوءا أي: اتخذا وتَخَيَّرا لبني إِسرائيل بمصْر بيوتاً، قال مجاهد: مِصْر؛ في هذه الآية: الإِسْكَنْدَرِيَّة، ومصْرُ ما بين أَسْوَان والإِسكندرية. وقوله سبحانه: {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً}: قيل: معناه: مساجدُ، قاله ابنُ عباس وجماعة، قالوا: خافوا، فأُمِرُوا بالصَّلاة في بيوتهم، وقيل: معناه مُوجَّهة إِلى القبلة؛ قاله ابن عباس، ومنْ هذا حديثٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنه قَالَ: « حديث : خَيْرُ بُيُوتِكُمْ مَا ٱسْتُقْبِلَ بِهِ القِبْلة ». تفسير : وقوله: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ}: خطابٌ لبني إِسرائيل، وهذا قبل نزول التوراة؛ لأَنها لم تَنْزِلْ إِلا بعد إِجازة البَحْر. وقوله: {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}: أَمرٌ لموسَى عليه السلام، وقال الطبريُّ ومكيٌّ: هو أَمرٌ لنبينا محمَّد عليه السلام، وهذا غير متمكِّن. وقوله سبحانه: {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً...} الآية: هذا غضَبٌ من موسَى على القِبْطِ، ودعاءٌ عليهم، لمَّا عَتَوْا وعانَدوا، وقدَّم للدعاءِ تقريرَ نعِم اللَّه علَيْهم وكُفْرِهِم بها، و{ءاتَيْتَ } معناه: أَعْطَيْتَ، واللام في {لِيُضِلُّواْ} لام كَيْ، ويحتملُ أن تكون لامَ الصَّيْرورة والعَاقِبَةِ، المعنى: آتيتهم ذَلكَ، فصار أمرهم إِلى كذا، وقرأ حمزة وغيره: «لِيُضِلُّوا» (بضم الياء)؛ على معنى: لِيُضِلُّوا غيرهم. وقوله: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَٰلِهِمْ}: هو من طُمُوسِ الأَثْر والعين؛ وَطَمْسُ الوجوه منه، وتكْرير قوله: {رَبَّنَا } ٱستغاثة؛ كما يقول الداعي: يا اللَّه، يا اللَّه، روي أنهم حين دعا موسَى بهذه الدعوة، رَجَعَ سُكَّرُهُمْ حجارةً، ودراهِمُهم ودنانيرهم وحُبُوبُ أطعمتهم، رَجَعَتْ حجارةً؛ قاله قتادة وغيره، وقال مجاهد وغيره: معناه: أهْلِكْها ودَمِّرها. وقوله: {وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ }: بمعنى: ٱطْبَعْ وٱخْتِمْ عليهم بالكفر؛ قاله مجاهدٌ والضَّحَّاك. وقوله: {فَلاَ يُؤْمِنُواْ }: مذهب الأخفش وغيره: أنَّ الفعل منصوب؛ عطفاً على قوله: {لِيُضِلُّواْ}، وقيل: منصوبٌ في جواب الأمر، وقال الفراء والكسائي: هو مجزومٌ على الدعاء، وجعل رؤية العذاب نهايةً وغايةً؛ وذلك لِعِلْمه من اللَّه أنَّ المؤمن عند رؤية العَذَاب لا ينفعه إِيمانه في ذلك الوَقْت، ولا يُخْرِجُهُ من كُفْره، ثم أجاب اللَّه دعوتهما، قال ابن عباس: العَذَاب هنا: الغَرَقُ، وروي أن هارون كان يُؤْمِّنُ على دعاء موسَى؛ فلذلك نَسَب الدعوة إليهما؛ قاله محمد بن كَعْب القُرَظِيُّ، قال البخاريُّ: {وَعَدْوًا}: من العُدْوان. انتهى. وقول فرعون: {آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ...} الآية: روي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ( حديث : أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: مَا أَبْغَضْتُ أَحَداً قَطُّ بُغْضِي لِفِرْعَوْنَ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: {ءامَنتُ...} الآيَةَ، فَأَخَذْتُ مِنْ حَالِ البَحْرِ، فَمَلأْتُ فَمَهُ؛ مَخَافَةَ أَنْ تَلْحَقُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ » تفسير : ، وفي بعض الطرق: « مَخَافَةَ أَنْ يَقُولَ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَتَلْحَقُهُ الرَّحْمَة ». قال * ع *: فانظر إِلى كلام فرعون، ففيه مَجْهَلَةٌ وَتَلَعْثُمٌ، ولاَ عُذْرَ لأحد فِي جَهْلِ هذا، وإِنما العذر فيما لا سبيلَ إِلى علمه، كقول عليٍّ رضي اللَّه عنه: أَهْلَلْتُ بِإِهْلاَلٍ كَإِهْلاَلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، والحَالُ: الطِّينُ، والآثار بهذا كثيرةٌ مختلفة الألفاظِ، والمعنَى واحدٌ. وقوله سبحانه: {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ}، وهذا عَلى جهة التوبيخ له، والإِعلان بالنقمةِ منه، وهذا الكلامُ يحتملُ أن يكونَ مِنْ مَلَكٍ مُوَصِّلٍ عن اللَّه، أَو كيف شاء اللَّه، ويحتملُ أَنْ يكون هذا الكلامُ معنَى حاله وصورةَ خِزْيه، وهذه الآيةُ نصٌّ في رَدِّ توبةِ المُعَايِنِ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً} الآية. لمَّا شرح خوف المؤمنين من الكُفَّار، وما ظهر منهم من التَّوكُّل على الله، أتبعه بأن أمر موسى، وهارون باتخاذ المساجد، والإقبال على الصَّلوات. قوله "أَن تَبَوَّءَا" يجوز في "أنْ" أن تكون المفسِّرة؛ لأنَّه قد تقدَّمها ما هو بمعنى القول وهو الإيحاء، ويجوز أن تكون المصدريَّة، فتكون في موضع نصب بـ "أوْحَيْنَا" مفعولاً به، أي: أوحينا إليهما التَّبَوُّء. والجمهور على الهمزة في "تَبَوَّآ" وقرأ حفص "تَبَوَّيَا" بياء خالصة، وهي بدلٌ عن الهمزة، وهو تخفيفٌ غيرُ قياسي، إذ قياسُ تخفيف مثل هذه الهمزة: أن تكون بين الهمزة والألف، وقد أنكر هذه الرِّواية عن حفص جماعةٌ من القُرَّاءِ، وخصَّها بعضهم بحالة الوقف، وهو الذي لم يحكِ أبُو عمرو الدَّاني والشاطبي غيره، وبعضهم يُطلق إبدالها عنه ياء وصلاً ووقفاً، وعلى الجملة فهي قراءةٌ ضعيفةٌ في العربية، وفي الرواية. والتَّبَوُّؤُ: النزولُ والرجوعُ، يقال: تبوَّأ المكان: أي: اتخذه مُبَوَّأ، وقد تقدَّمت هذه المادة في قوله: {أية : تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [آل عمران:121] والمعنى: اجعلا بمصر بيوتاً لقومكما، ومرجعاً ترجعون إليه للعبادة. قوله: "لِقَوْمِكُما" يجوزُ أن تكون اللاَّمُ زائدة في المفعول الأول، و "بُيُوتاً" مفعول ثان، بمعنى: بوِّآ قومكما بيوتاً، أي: أنزلوهم، وفعَّلَ وتَفَعَّلَ بمعنًى، مثل "عَلَّقَهَا" و "تعلَّقها" قاله أبو البقاء، وفيه ضعفٌ: من حيث إنَّه زيدت اللامُ، والعاملُ غير فرع، ولم يتقدم المعمُولُ. الثاني: أنَّها غير زائدة، وفيها حينئذٍ وجهان: أحدهما: أنَّها حالٌ من "البُيُوتِ". والثاني: أنَّها وما بعدها مفعول "تَبَوَّءا". قوله "بِمِصْرَ" جوَّز فيه أبو البقاء أوْجُهاً: أحدها: أنَّه متعلِّق بـ "تَبَوَّءا"، وهو الظَّاهرُ. الثاني: أنَّه حالٌ من ضمير "تَبَوَّءا"، واستضعفهُ، ولمْ يُبَيِّنْ وجه ضعفه لوضوحه. الثالث: أنَّه حالٌ من "البُيُوت". الرابع: أنَّهُ حالٌ من: "لِقَوْمِكُما"، وقد ثنَّى الضمير في قوله: "تَبَوَّءَا" وجمع في قوله: "واجْعَلُوا" و "أقِيمُوا" وأفرد في قوله: "وبَشِّر" لأن الأول أمرٌ لهما، والثاني لهما ولقومهما، والثالث لمُوسى فقط؛ لأنَّ أخاهُ تبعٌ لهُ، ولمَّا كان فعلُ البشارة شريفاً خصَّ به موسى، لأنَّه هو الأصل، وقيل: وبشِّر المؤمنين يا محمَّد. فصل قال بعضهم: المراد من البُيُوتِ: المساجد؛ لقوله: {أية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ}تفسير : [النور:36] وقيل: مطلق البيوت، أمَّا الأوَّلُون ففسَّرُوا القبلة بالجانب، الذي يستقبل في الصلاة، أي: اجعلُوا بيوتكُم مساجداً، تستقبلونها في الصَّلاة. وقال ابن الأنباريِّ: المعنى: اجعلوا بيوتكم قبلاً، أي: مساجد؛ فأطلق لفظ الواحد، والمراد: الجَمْع، ومن قال: المرادُ: مطلق البيوت ففيه وجهان: أحدهما: قال الفراء: أي: اجعلوا بيوتكم إلى القبلة. الثاني: المعنى: اجعلوا بيوتكم متقابلة، والمراد منه: حصول الجمعيَّة، واعتضاد البعض بالبعض. واختلفوا في هذه القبلة أين كانت؟ ظاهر القرآن لا يدلُّ على تعيينها، وروي عن ابن عبَّاس: كانت الكعبةُ قبلةَ مُوسى، وكان الحسن يقول: الكعبة قبلةَ كلِّ الأنبياء، وإنما وقع العُدُول عنها بأمر الله - تعالى - في أيَّام الرسُول - عليه الصلاة والسلام - بعد الهجرة. وقال آخرون: كانت القبلة: بيت المقدس. فصل ذكر المُفَسِّرُون في كيفية هذه الواقعة وجوهاً: أحدها: أن موسى ومن معه كانوا مأمورين في أول أمرهم، بأن يُصَلُّوا في بيوتهم خُفيةً من الكُفَّار؛ لئلا يظهروا عليهم، فيُؤذُوهُم، ويفتنوهُم عن دينهم، كما كان المؤمنون في أول الإسلام بمكة. قال مجاهد: خاف موسى ومن معه من فرعون أن يصلُّوا في الكنائس الجامعة، فأمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد جهة الكعبة، يُصَلُّون فيها سرّاً. وثانيها: أنَّه لمَّا أرْسِلَ مُوسى إلى فرعون، أمر فرعون بتخريب مساجد بني إسرائيل، ومنعهم من الصلاة، فأمرهُم الله - تعالى - باتِّخاذِ المساجد في بيوتهم، رواه عكرمة، عن ابن عبَّاس. وهو قول إبراهيم. وثالثها: أنَّه تعالى لمَّا أرسل مُوسى إليهم، وأظهر فرعون لهم العداوة الشديدة، أمر الله - تعالى - موسى، وهارون، وقومهما باتِّخاذِ المساجد على رغم الأعداء، وتكفَّل الله بصونهم عن شرِّ الأعداءِ. قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً} الآية. لمَّا بالغ موسى في إظهار المعجزات، ورأى القوم مُصرِّينَ على الجُحُود والعنادِ؛ دعا عليهم، ومن حقِّ من يدعُو على الغير أن يذكُر سبب جرمه، وجرمهم: كان حُبَّ الدنيا؛ فلأجله تركوا الدِّين؛ فلهذا قال - عليه الصلاة والسلام -: {رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} والزينة: عبارة عن الصحَّة، والجمال، واللباس، والدوابِّ، وأثاث البيت، والمال ما يزيد على هذه الأشياء من الصَّامت، والنَّاطق، وقرأ الفضل الرَّقاشي "أئنَّكَ آتيْتَ". قوله: "ليُضِلُّوا" في هذه اللاَّم ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنَّها لامُ العلَّة، والمعنى: أنَّك آتيتهُم ما آتَيْتَهم على سبيل الاستدراج، فكان الإيتاءُ لهذه العلة. والثاني: أنَّها لامُ الصَّيرورةِ والعاقبة؛ كقوله: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً}تفسير : [القصص:8]، وقوله: [الوافر] شعر : 2928- لِدُوا للمَوْتِ وابنُوا لِلْخَرَابِ ........................ تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 2929- ولِلْمَوْتِ تَغْذُو الولِدَاتُ سِخالَهَا كمَا لِخرابِ الدُّور تُبْنَى المسَاكِنُ تفسير : وقوله: [البسيط] شعر : 2930- ولِلْمنَايَا تُرَبِّي كُلُّ مرضِعَةٍ ولِلْخَرابِ يُجِدُّ النَّاسُ عُمْرَانَا تفسير : والثالث: أنَّها للدعاء عليهم بذلك؛ كأنه قال: ليثبتُوا على ما هم عليه من الضلال، وليكونُوا ضُلاَّلاً، وإليه ذهب الحسن البصريُّ، وبدأ به الزمخشريُّ، وقد استُبعدَ هذا التَّأويلُ بقراءة الكوفيين، "لِيُضِلُّوا" بضمِّ الياء، فإنه يبعد أن يدعُو عليهم بأن يُضِلُّوا غيرهم، وقرأ الباقون بفتحها، وقرأ الشعبيُّ بكسرها، فوالى بين ثلاث كسرات إحداها في ياء. وقال الجبائي: إنَّ "لا" مقدرةٌ بين اللاَّم والفعل، تقديره: لئلاَّ يضلُّوا، ورأي البصريين في مثل هذا تقدير: "كرَاهَةَ"، أي: كراهة أن يضلُّوا. فصل احتج أهل السُّنَّة بهذه الآية على أنه - تعالى - يضلُّ الناس من وجهين: أحدهما: أن اللام في "لِيضلُّوا" لام التَّعليل. والثاني: قوله: {وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ} فقال - تعالى -: {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} قال القاضي: لا يجوز أن يكون المرادُ من الآية ما ذكرتُم لوجوه: الأول: لأنَّه - تعالى - منزَّهٌ عن فعل القبائح، وإرادة الكفر قبيحة. وثانيها: أنَّه - تعالى - لو أراد ذلك، لكان الكافرُ مطيعاً لله بكفره؛ لأنَّ الطاعة: هي الإتيان بمراد الأمر، ولو كان كذلك، لما استحقُّوا الدُّعاء عليهم. وثالثها: لو جوَّزْنَا إرادة إضلال العباد، لجوَّزْنَا أن يبعث الأنبياء بالدُّعاء إلى الضَّلالِ، ولجاز أن يقوي الكذَّابين الضَّالين بإظهار المعجزات، وفيه هدم الدِّين. ورابعها: أنَّه لا يجوز أن يقول لموسى وهارون: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ}تفسير : [طه:44]، وأن يقول: {أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}تفسير : [الأعراف:130]، ثم إنَّه - تعالى - إراد الضَّلال منهم، وأعطاهم النِّعم لكي يضلُّوا، وهذا كالمناقضة، فلا بُدّ من حَمْلِ أحدهما على الآخر. وخامسها: لا يجوز أن يقال: إن مُوسى دعا ربَّهُ بأن يُطْمِسَ على أموالهم؛ لأجل أن لا يؤمنوا، مع تشدده في إرادة الإيمان. وإذا ثبت هذا؛ وجب تأويلُ هذه الكلمة، وذلك من وجوه: الأول: أنَّ اللاَّم في "لِيُضِلُّوا": لامُ العاقبة كما تقدَّم، ولما كانت عاقبة قوم فرعون، هو الضَّلال، عبَّر عن هذا المعنى بهذا اللفظ. الثاني: أنَّ التقدير: لئلاَّ يضلوا، كقوله: {أية : يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ}تفسير : [النساء:176]، فحذف لدلالة المعقُول عليه، كقوله - تعالى -: {أية : بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}تفسير : [الأعراف:172]، أي: لئلاَّ تقُولُوا. الثالث: أن يكون موسى ذكر ذلك على وجه التَّعجُّبِ المقرُون بالإنكار، أي: إنَّك أتيتهُم بذلك لهذا الغرض فإنَّهُم لا ينفقُون هذه الأموال إلاَّ فيه، كأنَّه قال: أتيتهم زينةً وأموالاً لأجْلِ أن يُضلُّوا عن سبيلك، ثم حذف حرف الاستفهام، كما في قوله: [الكامل] شعر : 2931- كذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رأيْتَ بواسِطٍ غَلَسَ الظَّلامِ منَ الرَّبَابِ خَيَالاَ تفسير : والمرادُ: أكذبتك فكذا ههنا. الرابع: أنَّ هذه لام الدُّعاء، وهي لام مكسورة تجزم المستقبل، ويفتتح بها الكلام، فيقال: ليغفرُ الله للمؤمنين، وليُعذِّب الله الكافرين، والمعنى؛ ربنا ابتليهم بالضَّلال عن سبيلك. الخامس: سلَّمنا أنَّها لامُ التَّعليل، لكن بحسب ظاهر الأمر، لا في نفس الحقيقة، والمعنى: أنه - تعالى - لمَّا أعطاهم هذه الأموال، وصارت سبباً لبغيهم وكفرهم، أشبهت حال من أعطى المال لأجل الإضلال، فورد هذا الكلامِ بلفظ التَّعليل لهذا المعنى. السادس: أنَّ الضَّلال قد جاء في القرآن بمعنى: الهلاك، يقال: ضلَّ الماءُ في اللَّبن، أي: هلك، فقوله: "ليضلُّوا عن سبيلك" أي: ليهلكوا ويموتوا، كقوله - تعالى -: {أية : فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [التوبة:55]. قال ابن الخطيب: واعلم: أنَّ الجواب قد تقدَّم مراراً، ونُعيد بعضه، فنقول: الذي يدُلُّ على أنَّ الإضلال من الله - تعالى - وجوه: الأول: أنَّ العبد لا يقصدُ إلا حُصُول الهداية، فلمَّا لمْ تحصُل الهداية بل حصل الضَّلال الذي لا يُريده، علمنا أنَّ حصُوله ليس من العَبْدِ، بل من الله - تعالى -. فإن قالوا: إنَّه ظنَّ هذا الضَّلال هُدًى، فلذلك أوقعه في الوُجُود فنقول: إقدامُه على هذا الجهل، إن كان بجهل سابق، فذلك الجهل السابق يكون حُصُوله لسبق جهل آخر ويلزمُ التسلسل وهو محال؛ فوجب أنَّ هذه الجهالات والضَّلالات لا بُدَّ من انتهائها إلى جهل أوَّلٍ، وضلال أولٍ، وذلك لا يمكن أن يكون بإحداث العبد؛ لأنَّه يكرهُه ويُريد ضدَّهُ؛ فوجب أن يكون من الله - تعالى -. الثاني: أنَّه تعالى لمَّا خلق الخلق يُحِبُّون المال حُبّاً شديداً، بحيث لا يمكنهُم إزالة هذا الحُبِّ عن النَّفْسِ ألبتَّة، وكان حُصُول هذا الحُبِّ يوجب الإعراض عن خدمة الله وطاعته، ويوجب التَّكبُّر عليه، وترك اللُّزُوم؛ فوجب أن يكون فاعل هذا الكفر، هو الذي خلق الإنسان مجبُولاً على حُبِّ هذا المال والجاه. الثالث: أنَّ القُدْرة بالنِّسْبَة إلى الضِّدَّين على السَّويَّة، فلا يترجَّحُ أحدُ الطَّرفين على الآخر إلاَّ بمرجِّح، وذلك المُرجِّحُ ليس من العبد، وإلا لعاد الكلام فيه، فلا بُدَّ وأن يكون من الله - تعالى -، وإذا كان كذلك، كانت الهدايةُ والضلال من الله - تعالى -. وإذا عرفت هذا، فنقول: أما حملهم اللاَّم على لامِ العاقبة فضعيفٌ؛ لأنَّ موسى - عليه الصلاة والسلام - ما كان عالماً بالعواقب. فإن قالوا: إنَّ الله تعالى أخبرهُ بذلك. قلنا: فلمَّا أخبر الله عنهم أنَّهُم لا يُؤمِنُون، كان صدور الإيمان منهم مُحَالاً؛ لأنَّ ذلك يستلزمُ انقلاب خبر الله كذباً، وهو محال، والمفضي إلى المُحال محال. وأمّا قولهم: يحمل قوله: "لِيُضِلُّوا" على أنَّ المراد: لئلاَّ يُضِلُّوا، كما ذكره الجبائي، فأقول: إنَّه لمَّا فسَّر قوله - تعالى -: {أية : مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}تفسير : [النساء:79] نقل قراءة "فمنْ نفسِك" على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار، ثم إنَّه استبعد هذه القراءة، وقال: إنَّها تَقْتَضِي تحريف القرآن، وتغييرهُ، وتفتحُ تأويلات الباطنيَّة - والباطنية هم الملاحدة، ويقال لهم: القرامِطَة، والإسماعيلية القائلون: بأنَّ محمَّد بن إسماعيل نَسَخَ شريعة محمَّد بن عبد الله - ويقال لهم أيضاً: الناصرية أتباع محمد بن نصير، وكان من غلاة الروافض القائلين بالألوهية على توهُّم الدرزية أتباع بنشكين الدرزي، كان من موالي الحاكم أرسله إلى وادي تيم الله بن ثعلبة، فدعاهم إلى ألوهية الحاكم ويسمونه بالبازي، والغلام، ويحلفون به، ويقال لهم: الحرمية والمحمرة، وهم الآن يعرفون بالتيامنة لإسكانهم وادي التيم، ويقال لهم أيضاً: الفداوية والرافضة، وهم يحرفون كلام الله - تعالى - ورسوله عن مواضعه، ومقصودهم إنكار الإيمان وشرائع الإسلام، ويظهرون لهذه الأمور حقائق يعرفونها، فيقولون: إن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم، والصيام المفروض من كتمان أسرارهم، وحج البيت زيارة شيوخهم، ويدا أبي لهب أبو بكر وعمر، والبناء العظيم والإمام المبين علي بن أبي طالب، فهم لا تحل ذبائحهم لا يناكحونا، وتجب مجاهدتهم؛ لأنهم مرتدون، قاله ابن تيمية، وبالغ في إنكار تلك القراءة. وهذا الوجه الذي ذكرهُ هنا شرٌّ من ذلك؛ لأنَّه قلب النَّفْي إثباتاً، والإثبات نفياً، وتجويزه يفتح باب ألاَّ يعتمد على القرآن لا في نفيه، ولا في إثباته، وحينئذٍ يبطل القرآن بالكُلِّيَّة، وهذا بعينه هو الجواب عن قوله المراد فيه الاستفهام، بمعنى: الإنكار، فإنَّ تجويزهُ يوجبُ تجويز مثله في سائر المواضع، فلعله - تعالى - إنما قال: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ}تفسير : [البقرة:43] على سبيل الإنكار والتعجُّب، ثم قال: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ}. قال مجاهد: أهلكها، والطَّمسُ: المَسْخُ. وقال أكثر المفسرين: مسخها الله وغيَّرها عن هيئتها. قال ابن عبَّاس: بلغنا أنَّ الدَّراهم والدَّنانير صارت حجارة منقوشة كهيئتها، صحاحاً وأنصافاً، وأثلاثاً، وجعل سكنهم حجارة. قال محمد بن كعب: "كان الرجل مع أهله في فراشه، فصارا حجرين، والمرأة قائمة تخبز فصارت حجراً" ودعا عمر بن عبد العزيز بخريطة فيها أشياء من بقايا أهل فرعون، فأخرج منها البيضة منقوشة، والجوزة مشقوقة وهي حجارة. {وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} أي: أقسها واطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان. قال الواحدي: "وهذا دليلٌ على أنَّ الله يفعل ذلك بمن يشاء، ولولا ذلك لما حسن من موسى هذا السُّؤال". قوله: "فَلاَ يُؤْمِنُواْ" يحتمل النَّصْبَ والجزمَ، فالنَّصْب من وجهين: أحدهما: عطفهُ على "لِيُضِلُّوا". والثاني: نصبه على جواب الدُّعاءِ في قوله: "اطْمِسْ"، والجزم على أنَّ "لا" للدُّعاءِ، كقولك: لا تُعذِّبْنِي يا ربِّ، وهو قريبٌ من معنى: "لِيُضلُّوا" في كونه دعاءً، هذا في جانب شبه النَّهي، وذلك في جانب شبه الأمر، و "حتَّى يروا": غايةٌ لنفي إيمانهم، والأولُ قول الأخفش، والثاني بدأ به الزمخشري، والثالث: قول الكسائيِّ، والفرَّاء؛ وأنشد قول الشاعر: [الطويل] شعر : 2932- فلا يَنْبَسِطْ منْ بَيْنِ عَيْنَيْكَ ما انزوى ولا تَلْقَنِي إلاَّ وأنفُكَ راغمُ تفسير : وعلى القول بأنه معطوفٌ على "ليُضِلُّوا" يكون ما بينهما اعتراضاً. قوله: {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا}: الضمير لمُوسى وهارُون. قيل: كان موسى يدعو وهارون يُؤمِّن، فنسب الدعاء إليهما؛ لأنَّ المؤمن أيضاً داعٍ؛ لأنَّ قوله: "آمين" أي: استجب. وقيل: المراد موسى وحده، ولكن كنَّى عن الواحد بضمير الاثنين. وقيل: لا يبعُد أن يكون كلُّ واحدٍ منهما ذكر هذا الدُّعاء؛ غاية ما في الباب أن يقال: إنَّما حَكَى هذا الدعاء عن موسى، بقوله: {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً} إلاَّ أنَّ هذا لا ينافي أن يكون هارون ذكر ذلك الدعاء أيضاً. وقرأ السلمي، والضحاك: "دَعواتُكُما" على الجمع. وقرأ ابن السَّميفع: "قَدْ أجبتُ دعوتكما" بتاء المتكلم، وهو الباري - تعالى -، "دَعوتَكُمَا" نصب على المفعول به. وقرأ الرَّبيع: "أجَبْتُ دعوتيكُما" بتاء المتكلم أيضاً، ودعوتيكما تثنيةٌ، وهي تدلُّ لمن قال: إنَّ هارون شارك موسى في الدُّعاء. قوله: "فاسْتَقِيمَا" أي: على الدَّعوة والرِّسالة، وامضيا لأمري إلى أن يأتيهم العذابُ، قال ابن جريج: لبث فرعون بعد هذا الدُّعاء أربعين سنة. "وَلاَ تَتَّبِعَانِّ": قرأ العامَّةُ بتشديد التاء والنون، وقرأ حفص بتخفيف النُّون مكسورة، مع تشديد التَّاء وتخفيفها، وللقُرَّاء في ذلك كلامٌ مضطربٌ بالنِّسبة للنَّقْلِ عنهُ. فأمَّا قراءةُ العامَّة، فـ "لا" فيها للنَّهي، ولذلك أكَّد الفعل بعدها، ويضعفُ أن تكون نافية؛ لأنَّ تأكيد المنفيِّ ضعيفٌ، ولا ضرورة بنا إلى ادِّعائه، وإن كان بعضهم قد ادَّعى ذلك في قوله: {أية : لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}تفسير : [الأنفال:25] لضرورةٍ دعتْ إلى ذلك هناك، وقد تقدَّم تحريره في موضعه، وعلى الصحيح تكون هذه جملة نهيٍ معطوفة على جملة أمرٍ. قال الزجاج: "ولا تتَّبعانِّ": موضعه جزم، تقديره: و لاتتَّبِعَا، إلاَّ أنَّ النُّون الشديدة، دخلت على النهي مؤكدة وكسرت لسكونها، وسكون النون التي قبلها، فاختير لها الكسرة، لأنها بعد الألف تشبه نون التثنية. وأمَّا قراءة حفص، فـ "لاَ": تحتمل أن تكون للنَّفي، وأن تكون للنَّهْي. فإن كانت للنفي، كانت النون نون رفعٍ، والجملة حينئذٍ فيها أوجه: أحدها: أنَّها في موضع الحال، أي: فاسْتقيمَا غيرَ مُتَّبِعيْنِ، إلاَّ أنَّ هذا مُعترض بما قدَّمْتُه من أنَّ المضارعَ المنفيَّ بـ "لا" كالمثبت في كونه لا تباشره واو الحال، إلاَّ أن يقدَّر قبلهُ مبتدأ، فتكون الجملة اسميَّة أي: وأنتما لا تتَّبعَان. والثاني: أنَّهُ نفيٌ في معنى النَّهي؛ كقوله - تعالى -: {أية : لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ}تفسير : [البقرة:83]. الثالث: أنَّها خبرٌ محضٌ مستأنف، لا تعلُّق له بما قبله، والمعنى: أنَّهُمَا أخبرا بأنَّهما لا يتَّبعانِ سبيل الذين لا يعلمون. وإن كانت للنَّهي، كانت النون للتوكيد، وهي الخفيفة، وهذا لا يراه سيبويه، والكسائي، أعني: وقوع النون الخفيفة بعد الألف، سواء كانت الألف ألف تثنية، أو ألف فصلٍ بين نُون الإناث، ونون التوكيد، نحو "هل تضربنانِ يا نسوة" وقد أجاز يونس، والفرَّاء: وقوع الخفيفة بعد الألف وعلى قولهما تتخرَّج القراءةُ، وقيل: أصلها التشديد، وإنَّما خففت للثقل فيها؛ كقولهم: "رُبَ" في "رُبَّ". وأمَّا تشديدُ التاء وتخفيفها، فلغتان، من اتَّبَع يتَّبع، وتَبع يتْبَع، وقد تقدَّم [الأعراف:175] هل هما بمعنى واحد، أو مختلفان في المعنى؟ وملخصه: أنَّ تبعه بشيءٍ: خلفه، واتَّبعه كذلك، إلاَّ أنه حاذاهُ في المشي واقتدى بِهِ، وأتبعه: لحقهُ. فصل المعنى: لا تسلك طريق الجاهلين الذين يظنُّون أنه: متى كان الدعاء مُجاباً، كان المقصُود حاصلاً في الحال، فربما أجاب الله تعالى الإنسان في مطلوبه، إلاَّ أنَّه يوصله إليه في وقته المقدَّر؛ فإنَّ وعد الله لا خلف له، والاستعجال لا يصدر إلا من الجُهَّال؛ كما قال لنُوح - عليه الصلاة والسلام - {أية : إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ}تفسير : [هود:46]، وهذا النَّهي لا يدلُّ على صدور ذلك من موسى - عليه الصلاة والسلام - كما أن قوله: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}تفسير : [الزمر:65] لا يدل على صدور الشرك منه.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تَبَوَّءا لقومكما بمصر بيوتاً} قال: ذلك حين منعهم فرعون الصلاة، وأمروا أن يجعلوا مساجدهم في بيوتهم، وأن يوجهوها نحو القبلة. وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {أن تبوّءا لقومكما بمصر بيوتاً} قال: مصر الاسكندرية. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {واجعلوا بيوتكم قبلة} قال: كانوا لا يصلون إلا في البِيَع، حتى خافوا من آل فرعون فأمروا أن يصلوا في بيوتهم. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {واجعلوا بيوتكم قبلة} قال: أُمِروا أن يتخذوا في بيوتهم مساجد. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانوا يفرقون من فرعون وقومه أن يصلوا فقال {واجعلوا بيوتكم قبلة} . قال: قبل الكعبة، وذكر أن آدم عليه السلام فمن بعده كانوا يصلون قبل الكعبة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {واجعلوا بيوتكم قبلة} قال: يقابل بعضها بعضاً. وأخرج ابن عساكر عن أبي رافع رضي الله عنه "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فقال: إن الله أمر موسى وهرون أن يتبوءا لقومهما بيوتاً، وأمرهما أن لا يبيت في مسجدهما جنب، ولا يقربوا فيه النساء إلا هرون وذريته، ولا يحل لأحد أن يقرب النساء في مسجدي هذا، ولا يبيت فيه جنب إلا علي وذريته ".
القشيري
تفسير : مَهِّدْ إليهم لعبادتنا مَحَالَّ وهي نفوسهم، ولمعارفنا منازلَ وهي قلوبهم، ولمحبتنا مواضعَ وهي أرواحهم، ولمشاهدتنا معاهِدَ وهي أسرارهم؛ فنفوس العابدين بيوت الخدمة، وقلوب العارفين أوطان الحشمة، وأرواح المهيمين مشاهد المحبة، وأسار الموحدين منازل الهيبة.
اسماعيل حقي
تفسير : قوله تعالى {واوحينا الى موسى واخيه} هارون {ان} مفسرة للمفعول المقدر اى اوحينا اليهما شيئا هو {تبوآ لقومكما بمصر بيوتا} يقال تبوأ المكان اذا اتخذ مباءة ومنزلا. والمعنى اجعلا بمصر المعروفة او الاسكندرية كما فى الكواشى بيوتا من بيوته مباءة لقومكما ومرجعا يرجعون اليها للسكنى والعبادة {واجعلوا} انتما وقومكما {بيوتكم} تلك {قبلة} مساجد متوجهة نحو القبلة وهى الكعبة فان موسى عليه السلام كان يصلى اليها {واقيموا الصلاة} فيها وهذا ينبئ ان الصلاة كانت مفروضة عليهم دون الزكاة ولعل ذلك لفقرهم {وبشر} يا موسى لان بشارة الامة وظيفة صاحب الشريعة {المؤمنين} بالنصرة فى الدنيا اجابة لدعوتهم والجنة فى العقبى. وفى الآية اشارة الى ان السلاك ينبغى ان لا يتخذوا المنازل فى عالم النفس السفلية بل يتخذوا المقامات فى مصر عالم الروحانية ويقيموا الصلاة اى يديموا العروج من المقامات الروحانية الى القربات والمواصلات الربانية فان سير الممكنات متناه وذوقها منقطع واماسير الواجب فغير متناه وذوقه دائم فى الدنيا والآخرة وذرة من سيره وذوقه لا يساويها لذة الجنان الثمان وجميع ذوق الرجال بانواع الكرامات لا يعادل محنة اهل الفناء عند الله وان تألموا هنا ولكن ذلك ليس بألم بل اشد والالم فيما اذا رأى اهل الذوق مراتب اهل الفناء فوقهم واقله التألم من تقدمهم. وغبطة موسى عليه السلام ليلة المعراج بنبينا عليه السلام من هذا القبيل ثم هذا بالنسبة الى كل من كان فى التنزل والارشاد واما من بقى فى الوصلة فلا تألم له من شيء ولا مفخر فوق الحقيقة كما فى الواقعات المحمودية. ثم ان الابتلاء ماض الى يوم القيامة. قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر اعلم انه لا بد لجميع بنى آدم من العقوبة والا لم شيئا بعد شيء الى دخولهم الجنة لانه اذ نقل الى البرزخ فلا بد له من الالم وادناه سؤال منكر ونكير فاذا بعث فلا بد من الم الخوف على نفسه او غيره واول الالم فى الدنيا استهلال المولود حين ولادته صارخا لما يجده من مفارقة الرحم وسخونته فيضر به الهواء عند خروجه من الرحم فيحس بالم البرد فيببكى فان مات فقد اخذ حظه من البلاء انتهى كلامه وكان امية بن خلف يعذب بلالا رضى الله عنه لاسلامه فيطرحه على ظهره فى الرمضاء اى الرمل اذا اشتدت حرارته لو وضعت فيه قطعة لحم لنضجت ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدر وهو يقول احد احد اى الله فيمزج مرارة العذاب بحلاوة الايمان وقد وضع له رضى الله عنه انه لما احتضر وسم امرأته تقول واحزناه صار يقول واطرباه شعر : نلقى غذا الاحبه محمدا وحزبه تفسير : فكان يمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء وقد اشير الى هذه القصة فى المثنوى شعر : كفت جفت امشب غريبى ميروى از تبار خويش غائب ميشوى كفت نى نى بلكه امشب جان من ميرسد خود از غريبى در وطن كفت رويت را كجا بينيم ما كفت اندر حلقه خاص خدا كفت ويران كشت اين خانه دريغ كفت اندر مه نكر منكر بميغ كرد ويران تا كند معمور تر قومم انبه بود وخانه مختصر من كدا بودم درين خانه جو جاه شاه كشتم قصر بايد بهر شاه قصرها خود مر شهانرا مأنس است مرده اخانه ومكان كورى بس است انبيا را تنك آمد اين جهان جون شهان رفتند اندر لا مكان مرد كان را اين جهان بنمود فر ظاهرش زفت وبمعنى تنك تر كر نبودى تنك ابن افغان زجيست جون دوتاشد هركه دروى بيش زيست در زمان خواب جون آزاد شد زان زمكان بنكر كه جان جون شادشد تفسير : وحاصله ان الله تعالى خلق العوالم على التفاوت وجعل بعضها اوسع من بعض واضيق الكل الدنيا واوسعه عالم الامر والشان ولكون الانبياء وكمل الاولياء اصحاب السلوك والعروج كانوا باجسادهم فى الدنيا وارواحهم عند الحضرة العليا فلا جرم ان كل العوالم بالنسبة اليهم على السواء فلذا لا يتأذون بشيء اصلا ولا يخافون غير الله تعالى واما غيرهم فليسوا بهذه المرتبة فلهذا اختلفت احوالهم فى السر والعلانية وغفلوا عن التوجه وحسن النية ومن الله العصمة والتوفيق
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وأوحينا إلى موسى وأخيه ان تبَوءا} أي: اتخذا {لقومكما بمصر بيوتاً} للصلاة والعبادة، قيل: أراد الإسكندرية، وهي من مصر، {واجعلوا} أنتما وقومكما {بُيوتَكم} التي تسكنون فيها {قبلةً}: مصلّى ومساجد. ورُوي أن فرعون أخافهم، وهدم مواضع كانوا اتخذوها للصلاة، فأمروا بإخفائها وجعلها في بيوتهم، وتكون متوجهة نحو القبلة ـ يعني مكة ـ وكان موسى يصلي إليها. فإن قلت: لِمَ خُصَّ موسى وهارون بالخطاب في قوله: {أن تَبوءا} ثم خُوطب بها بنو إسرائيل في قوله: {واجعلوا بيوتكم}؟ فالجواب: أن التبوء واتخاذ المساجد مما يتعاطاه رؤوس القوم للتشاور، بخلاف جعل البيوت قبلة فمما ينبغي أن يفعله كل أحد. {وأقيموا الصلاة} في تلك البيوت، أُمروا بذلك أول مرة لئلا تظهر عليهم الكفرة ويفتنونهم عن دينهم، {وبشَّر المؤمنين} بالنصر والعز في الدنيا، وبالجنة في العقبى. الإشارة: اتخاذ الأماكن للعبادة والعزلة مطلوب عند القوم، وفي الحِكَم: "ما نفع القلبَ شيءٌ مثلُ عزلةٍ يدخل بها ميدان فكرة"، وأصلهم في ذلك: اعتزاله صلى الله عليه وسلم في غار حراء في مبدأ الوحي، فالخلوة للمريد لا بد منها في ابتداء أمره، فإذا قوي نوره، ودخل مقام الفناء؛ صلح له حينئذٍ الخلطة مع الناس، بحيث يكون جسده مع الخلق وقلبه مع الحق، فإن لله رجالاً أشباحُهم مع الخلق تسعى، وأرواحهم في الملكوت ترعى. وقال بعضهم: الجَسدُ في الحانوت والقلب في الملكوت، فإذا رجع إلى البقاء لم يختَرْ حالاً على حال؛ لأنه مع الله على كل حال، وهذا من أقوياء الرجال. نفعنا الله بهم. ثم ذكر دعاء موسى على فرعون، فقال: {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً}.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى انه أوحى إلى موسى وأخيه بمعنى ألقى اليهما في خفاء والايحاء والايماء والاشارة نظائر، وكله بيان ودلالة. وحكى الرماني أن قوماً أجازوا أن يوحي الله إلى من ليس بنبي برؤيا أو إلهام، قال: وليس يجوز عندنا على المعنى الذي يقع الوحي إلى الانبياء، لانه إنما يقع على خلاف مجرى العادة بمعجزة تشهد بأنه تعالى ألقى المعنى اليه. ولا يجوز ان تطلق الصفة بالوحي الا لنبي فان قيد ذلك على خلاف هذا المعنى كان جائزاً، كقوله {أية : وأوحى ربك إلى النحل } تفسير : ومعنى قوله {تبوءا} اتخذا يقال: بوّأته منزلا أي اتخذته له وأصله الرجوع من {أية : باؤوا بغضب من الله} تفسير : أي رجعوا، والمبوء المنزل لانه يرجع اليه للمقام فيه ومنه قولهم (بؤ بشسع كليب) أي ارجع به. وقوله {واجعلوا بيوتكم قبلة} معناه مصلى. وقيل قبلة: مسجداً، لانهم كانوا خائفين فأمروا بأن يصلوا في بيوتهم - في قول ابن عباس ومجاهد وابراهيم والسدي والضحاك والربيع - وقال الحسن يعني قبلة نحو الكعبة. ولم يصرف (مصر) لانه مؤنث معرفة كقولك هند، ولو صرفته لخفته كما صرفت هند كان جائزاً، وترك الصرف أقيس. وقوله {وأقيموا الصلاة} أمر من الله اياهم باقامة الصلاة والدوام على فعلها {وبشر المؤمنين} أمر منه لموسى ان يبشر المؤمنين بالجنة وما وعد الله تعالى من الثواب وانواع النعيم.
الجنابذي
تفسير : {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا} ان اتّخذا لهم {بِمِصْرَ بُيُوتاً} مبوّءً ومرجعاً يرجعون وقت العبادة اليها {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ} المبنيّة للعبادة {قِبْلَةً} تتوجّهون اليها وقت العبادة باقامة عبادتكم فيها او بتوجّهكم وقت عبادتكم نحوها {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} فيها او اليها، وفى الاخبار ما يشعر بانّ البيوت المأمور باتّخاذها كانت مساجدهم وكانوا يجتمعون وقت العبادة اليها {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} باجابة دعوتهم ونجاتهم ووراثتهم لملك مصر فى الدّنيا والجنّة فى الآخرة، فى الخبر: حديث : انّ رسول الله (ص) خطب النّاس فقال ايّها النّاس انّ الله عزّ وجلّ امر موسى (ع) وهارون (ع) ان يبنيا لقومهما بمصر بيوتاً وامرهما ان لا يبيت فى مسجدهما جنب ولا يقرب فيها النّساء الاّ هارون وذرّيّته، وانّ عليّاً (ع) منّى بمنزلة هارون من موسى فلا يحلّ لاحدٍ ان يقرب النّساء فى مسجدى ولا يبيت فيه جنباً الاّ علىّ (ع) وذرّيّته فمن ساءه ذلك، فههنا، وضرب بيده نحو الشّام .
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {وأوحينا إلى موسى وأخيه} أمرناهما {أن تبَوَّءا} اتخذا {لقومكما بمصر بيوتاً} هي مصر المعروفة بيوتاً تسكنونها وتأوون إليها {واجعلوا بيوتكم قبلة} أي مصلّى، وقيل: كانوا خائفين فأمروا أن يصلوا في بيوتهم عن ابن عباس ومجاهد، وإبراهيم والسدي، وأبي علي واختلفوا في القبلة، فقيل: أراد الكعبة، وقيل: بيت المقدس {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه} يعني أشرافهم وكبراءهم {زينة} من متاع الدنيا {وأموالاً في الحياة الدنيا} يعني بسطت ذلك لهم في الدنيا {ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم} دعا عليهم يعني اطمس على أموالهم أهلكها واشدد على قلوبهم قيل: أمتهم بعد سلب أموالهم، وقيل: الشد على القلب عبارة عن الخذلان {قال قد أجيبت دعوتكما} يعني موسى وهارون (عليهما السلام) {فاستقيما}، قيل: على الطاعة وأراد الرسالة والدعاء إلى الدين، وروي أن موسى (عليه السلام) مكث بعد الدعاء أربعين سنة ثم أهلك الله تعالى فرعون وقومه، وقيل: بل أخذ في الحال {ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} أي لا تتبعان سبيل الجهلة بعبادة غير الله ولا تعجلا فإن العجلة ليست بمصلحة وهذا كما قال لنوح (عليه السلام) إني أعظك أن تكون من الجاهلين {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} أي قطعنا بهم، ثمَّ بيَّن تعالى ما آل إليه من فرعون وقومه، فقال تعالى: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} وذلك أن الله تعالى لما أجاب موسى أمره بإخراج بني إسرائيل من مصر ليلاً فخرج {فأتبعهم فرعون وجنوده} مشرقين حتى أتوا على البحر وأمر الله موسى أن يضرب البحر بعصاه فانفلق فصار فيه اثني عشر طريقاً يابسة، وارتفع بين كل طريقين الماء كالجبل، وصار في الماء شبه الحروق ينظر بعضهم إلى بعض حتى جاوز موسى وهارون وبني إسرائيل، وانتهى فرعون إلى البحر فرآه بتلك الهيئة ساكناً فهاب دخوله وكان على حصان أدهن فتقدمه جبريل (عليه السلام) على رمكه فخاض البحر، وميكائيل يسوقهم، فاقتحم واقتحمت الخيول فانطبق الماء عليهم وغرقوا، فقال بعضهم: لم يغرق فرعون فقذفه البحر ميتاً حتى رآه بني إسرائيل. {قال آمنت أنه لا إله إلاَّ الذين آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} {الآن}، قيل: فيه إضمار، أي قيل له: الآن آمنت حين لا يقبل الايمان لأنه حال الالجاء وكنت قبل كافراً مفسداً، واختلفوا في قائل هذا والمخاطب به فقيل: ملك الموت بأمر الله عز وجل، وقيل: جبريل {فاليوم ننجيك ببدنك}، قيل: نبعدك عن جميع ملكك، وقيل: نلقيك على نجوة من الأرض، قال كعب الأحبار رماه الماء إلى الساحل كأنه ثوراً ونبديك كاملاً سوياً أو عرياناً أو بدرعك، وروي أنه كان له درع من ذهب {لتكون لمن خلفك} أي من ورائك {آية} علامة وهم بنو إسرائيل.
اطفيش
تفسير : {وأوْحَينا إلى مُوسَى وأخِيهِ أنْ تبَوَّأا} أى أن يتخذا يقال تبوأ مكانا، أى اتخذه مباءة أى مرجعا يلجأ إليه، وأفردهما لأن التبوأ للقوم واتخاذ المواضع للعبادة مما يتعاطاه رؤساء القوم بتشاور {لِقَوْمكما بمصْرَ} فى مصر وهو دار المملكة فى تلك الجهة، وعن مجاهد: مصر ما بين أسوان والإسكندرية معهما، وقيل: المراد هنا الإسكندرية {بيُوتاً} للسكنى أو للعبادة، وقيل: من بوأت مباءة أى موضعا يرجعون إليه، وهذا الاشتقاق صالح فى كل بيت للسكنى، أو للعبادة أو لغيرهما. {واجْعَلُوا بيُوتكُم} الإضافة للعهد الذكرى، فهى البيوت المأمور باتخاذها {قِبْلةً} أى مصلى، لأن موضع الصلاة تستقبل فيه الجهة المأمور باستقبالها، وقال ابن عباس: موجهة إلى القبلة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير بيوتكم ما استقبل به القبلة" تفسير : وعن ابن عباس وجماعة: مساجد متوجهة نحو القبلة، وهى بيت المقدس، وقيل: الكعبة، وكان موسى ومن معه يصلّون إلى الكعبة، بل قيل عن الحسن: إن قبلة النبيين كلهم الكعبة، إلا ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، ثم صرف عنه إلى الكعبة، أمر قوم موسى بالصلاة فى بيوتهم خفية فى أول الأمر بعد رسالة موسى، لأن فرعون والقبط يؤذونهم، ويفتنونهم عن دينهم، وكانوا قبلها فى مساجد ظاهرة، فخربها بعدها. وقيل: اجعلوا فى بيوتكم قبلة تصلون إليها، وقيل: ابنوا بيوتكم متقابلة، أو اشتروها كذلك، فلا يكون فيها سواكم، وإنما خاطب الكل هنا، لأن الصلاة والاستقبال مما يفعله كل مسلم لا يختصان بالرؤساء، وكذا اتخاذ بيوت السكنى أو المساجد، وكذا الخطاب فى قوله: {وأقيمُوا الصَّلاةَ} فى البيوت خفية لئلا تفتنوا، وقيل: المراد بالبيوت مساجد ظاهرة، وضمن الله لهم أن لا يصلهم مكروه من فرعون على ذلك {وبشِّر المؤمِنينَ} بالنصر والجنة، لم يجمع هنا لأن التبشير فى الأصل من وظيفة صاحب الشريعة، ولم يخاطب معها هارون لأن الرسالة أعظم وأغلب، وهارون تابع له وقال الطبرى، ومكى: {وبشر المؤمنين} خطاب للنبى محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول ضعيف. ينقش {وأوحينا} إلى قوله: {وبشر المؤمنين} {وإن يمسسك الله بضر} إلى {الرحيم} فى قطعة سكر بإبرة حديد، ويقرأ: وعده الحق، وقوله الصدق، وهو الشافى، ويذاب بماء عذب أخذ من النهر ليلا عند طلوع الفجر، وبشر به المريض فيبرأ بإذن الله تعالى، وعن هبيرة، عن حفص: أنه وقف على تبوأ بإبدال الهمزة ياء، والصحيح أنه وقف بالهمزة كما هو الواضح.
اطفيش
تفسير : {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ} هارون {أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ} فى مصر {بُيُوتاً} وأَن مفسرة لتقدم معنى القول دون حروفه، وتبوءَا أَمر أَو مصدرية وتبوءَ مضارع أَو أَمر عند من أَجاز دخول أَن المصدرية على الطلب، والمعنى أَوحينا التبوءَ أَو أَوحينا أَمر التبوءَ أَى الأَمر به، ومعنى تبوءِ البيوت اتخاذ البيوت للسكنى، أَو للرجوع إِليها للعبادة، كذا يقال فلعلهم قبل ذلك لا بيوت لهم، بل يكترون أَو يسكنون بالعارية، أَو لهم بيوت نحو شعر أَو أَخصاص فأَمر ببيوت البناءِ، وهذا يصعب لكثرتهم، أَو الأَمر متوجه إِلى من لا بيت له، ولجمهورهم بيوت، أَو أُريد بالبيوت محاريب فى مساكنهم أَو أُريد بالبيوت مساجد أَو مصليات مخفاة حيث يمكن إِخفاؤها، والفعل متعد لواحد واللام متعلق بتبوءَا أَو بمحذوف حال من بيوتاً، أَو من قوم وقيل الاثنين، واللام صلة فى أَحدهما {وَاجْعَلُوا} أَنتما وقومكما، وقد يكون الخطاب لقومهما لأَنهما يأْمران وينهيان جهراً {بُيُوتَكُمْ} مطلقا أَو البيوت المأْمور باتخاذها {قِبْلَةً} قيل يقابل بعضها، بعضا، وهو قول عن ابن عباس وهو أَمر صعب، وقيل مقابلة بأَبوابها إِلى الكعبة، وكان موسى يصلى إِليها أَول الأَمر، وروى أَن جميع الأَنبياءِ قبلتهم الكعبة، وهو ضعيف، ويذكر أَن قبلة اليهود الصخرة، وموسى الكعبة، والنصارى مطلع الشمس، وهو بعيد، أَو القبلة مجاز للمصلى فإِنها سبب لكون البيت مصلى فإِن الصلاة سبب لكون المكان مصلى والصلاة سبب صحتها وشرطها فيكون سبباً له لكونه شرطاً للصلاة، أَو معنى قبلة مساجد على أَن المراد باتخاذ البيوت اتخاذها للعبادة يصلون فيها مستقبلين للكعبة، وذلك لضرورة الإِخفاءِ من فرعون لئلا يهلكهم، وإِنما وجبت عليهم الصلاة فى الكنائِس إِذ لم يضطروا وفرعون منعهم عن الكنائِس، فأَوحى الله إِليهم أَن صلوا فى البيوت، كما قال ابن عباس، وورد أَن أَصحاب الكنائِس يصلون إِذا رجعوا إِليها، وقبلة اليهود الآن الصخرة، وكذا هى قبلة موسى عليه السلام، وكانوا يضعون التابوت عليها ويصلون إِليه، ولما زال بقوا على الصلاة إِليها وقبل ذلك يصلون إِليه وهو فى قبة موسى عليه السلام {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ} فى بيوتكم إِذ منعتم عن الكنائِس أُو أُخربت أَو عن بنائِها من أَول الأَمر بعد إِذ كنتم تصلون فيها، كما كان المؤمنون بمكة أَول الإِسلام يخفون دينهم، وقيل أَمر الله موسى، باتخاذ المساجد على رغم الأَعداءِ وتكفله لهم أَن يصونهم عن شر الأَعداءِ {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} يا موسى بالنصر على فرعون وقومه وبالجنة وبحصول مقصودهم، أَفرد بالخطاب لأَنه المقدم بالرسالة فهو أَليق من هارون بتبشير المؤمنين، وأَما غير ذلك من اتخاذ المعابد والمساجد والصلاة فإِنه مما شاركوا فيه وخوطبوا فيه معه.
الالوسي
تفسير : {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءا} {أن} مفسرة لأن في الوحي معنى القول، ويحتمل أن / تكون مصدرية؛ والتبوؤ اتخاذ المباءة أي المنزل كالتوطن اتخاذ الوطن، والجمهور على تحقيق الهمزة ومنهم من قرأ {تبويا} {لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا} فجعلها ياء وهي مبدلة من الهمزة تخفيفاً، والفعل على ما قيل مما يتعدى لواحد فيقال: تبوأ زيد كذا لكن إذا أدخلت اللام على الفاعل فقيل: تبوأ لزيد كذا تعدى لما كان فاعلاً باللام فيتعدى لاثنين، وخرجت الآية على ذلك ـ فلقومكما ـ أحد المفعولين، وقيل: هو متعد لواحد و {لِقَوْمِكُمَا} متعلق بمحذوف وقع حالاً من البيوت، واللام على الوجهين غير زائدة. وقال أبو علي: هو متعد بنفسه لاثنين واللام زائدة كما في {أية : رَدِفَ لَكُم }تفسير : [النمل: 72] وفعل وتفعل قد يكونان بمعنى مثل علقتها وتعلقتها، والتقدير بوئا قومكما بيوتاً يسكنون فيها أو يرجعون إليها للعبادة. و {مِصْرَ} غير منصرف لأنه مؤنث معرفة ولو صرفته لخفته كما صرفت هنداً لكان جائزاً، والجار متعلق ـ بتبوآ ـ وجوز أن يكون حالاً من {بُيُوتًا} أو من ـ قومكما ـ أو من ضمير الفاعل في {تَبُوآ} وفيه ضعف. {وَٱجْعَلُواْ} أنتما وقومكما ففيه تغليب المخاطب على غيره {بُيُوتَكُمْ} تلك فالإضافة للعهد {قِبْلَةً} أي مصلى، وقيل: مساجد متوجهة نحو القبلة يعني الكعبة فإن موسى عليه السلام كان يصلي إليها، وعلى التفسيرين تكون القبلة مجازاً فيما فسرت به بعلاقة اللزوم أو الكلية والجزئية، والاختلاف في المراد هنا ناظر للاختلاف في أن تلك البيوت المتخذة هل للسكنى أو للصلاة؟ فإن كان الأول فالقبلة مجاز عن المصلى وإن كان الثاني فهي مجاز عن المساجد. واعترض القول بحمل القبلة على المساجد المتوجهة إلى الكعبة بأن المنصوص عليه في الحديث الصحيح أن اليهود تستقبل الصخرة والنصارى مطلع الشمس ولم يشتهر أن موسى عليه السلام كان يستقبل الكعبة في صلاته فالقول به غريب، وأغرب منه ما قاله العلائي من أن الأنبياء عليهم السلام كانت قبلتهم كلهم الكعبة، قيل: وجعل البيوت مصلى ينافيه ما في الحديث «حديث : جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»تفسير : من أن الأمم السالفة كانوا لا يصلون إلا في كنائسهم، وأجيب عن هذا بأن محله إذا لم يضطروا فإذا اضطروا جازت لهم الصلاة في بيوتهم كما رخص لنا صلاة الخوف، فإن فرعون لعنه الله تعالى خرب مساجدهم ومنعهم من الصلاة فأوحى إليهم أن صلوا في بيوتكم كما روي عن ابن عباس وابن جبير، وقد يقال: إنه لا منافاة أصلاً بناءً على أن المراد تعيين البيوت للصلاة وعدم صحة الصلاة في غيرها فيكون حكمها إذ ذاك حكم الكنائس اليوم وما هو من الخصائص صحة الصلاة في أي مكان من الأرض وعدم تعين موضع منها لذلك فلا حاجة إلى ما يقال: من أن اعتبار جعل الأرض كلها مسجداً خصوصية بالنظر إلى ما استقرت عليه شريعة موسى عليه السلام من تعين الصلاة في الكنائس وعدم جوازها في أي مكان أراده المصلي من الأرض، وما تقدم من استقبال اليهود الصخرة فالمشهور أنه كان في بيت المقدس وأما قبل بعد نزول التوراة فكانوا يستقبلون التابوت وكان يوضع في قبة موسى عليه السلام، على أنه قد قيل: إن الاستقبال في بيت المقدس كان للتابوت أيضاً وكانوا يضعونه على الصخرة فيكون استقباله استقبالها، وأما استقبالهم في مصر فيحتمل أنه كان للكعبة كما روي عن الحسن وما في الحديث محمول على آخر أحوالهم، ويحتمل أنه كان للصخرة حسبما هو اليوم ويحتمل غير ذلك والله تعالى أعلم بحقيقة الحال، وقيل: معنى {قِبْلَةَ} متقابلة ورواه ابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أي اجعلوا بيويتكم يقابل بعضها بعضاً. {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} فيها، قيل: أمروا بذلك في أول أمرهم لئلا يظهر عليهم الكفرة فيؤذونهم ويفتنونهم / في دينهم، وهو مبني على أن المراد بالبيوت المساكن أما لو أريد بها المساجد فلا يصح كما لا يخفى، ولعل التوجيه على ذلك هو أنهم أمروا بالصلاة ليستعينوا ببركتها على مقصودهم فقد قال سبحانه: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ}تفسير : [البقرة: 45] وهي في المساجد أفضل فتكون أرجى للنفع {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بحصول مقصودهم، وقيل: بالنصرة في الدنيا إجابة لدعوتهم والجنة في العقبـى، وإنما ثنى الضمير أولاً لأن التبوأ للقوم واتخاذ المعابد مما يتولاه رؤساء القوم بتشاور، ثم جمع ثانياً لأن جعل البيوت مساجد والصلاة فيها مما يفعله كل أحد مع أن في إدخال موسى وهارون عليهما السلام مع القوم في الأمرين المذكورين ترغيباً لهم في الامتثال، ثم وحد ثالثاً لأن بشارة الأمة وظيفة صاحب الشريعة وهي من الأعظم أسر وأوقع في النفس، ووضع المؤمنين موضع ضمير القوم لمدحهم بالإيمان وللإشعار بأنه المدار في التبشير.
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن يكون عطفاً على جملة {أية : وقال موسى يا قوم}تفسير : [يونس: 84]، ويجوز أن يكون عطفَ قصة على قصة، أي على مجموع الكلام السابق، لأن مجموعه قصص هي حكاية أطوار لقصة موسى وقومه. ووقع الوحي بهذا الأمر إلى موسى وهارون ـ عليهما السلام ـ لأنه من الأعمال الراجعة إلى تدبير أمر الأمة، فيمكن الاشتراك فيها بين الرسول ومُؤَازره. والتبَوُّؤ: اتخاذ مكان يسكنه، وهو تفعل من البَوْء، أي الرجوع، كأنّ صاحب المسكن يُكلف نفسه الرجوع إلى محل سَكنه ولو كان تباعد عنه في شؤون اكتسابه بالسير إلى السوق أو الصيد أو الاحتطاب أو قطف الثمار أو نحو ذلك، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : تُبَوّىء المؤمنين مَقاعد للقتال}تفسير : في [آل عمران: 121]. فمعنى تَبَوّءا لقومكما} اجعلا قومكما متبوئينَ بيوتاً. وفاعل هذا الفعل في الأصل هو الساكن بالمباءة، وإنما أسند هنا إلى ضمير موسى وهارون ـ عليهما السلام ـ على طريقة المجاز العقلي، إذ كانا سبب تَبَوّؤ قومهما للبيوت. والقرينة قوله: {لقومكما} إذ جعل التبوؤ لأجل القوم. ومعنى تبوؤ البيوت لقومهما أن يأمرا قومهما باتخاذ البيوت على الوصف الذي يأمرانهم به. وإذ قد كان لبني إسرائيل ديار في مصر من قبل، إذ لا يكونون قاطنين مصر بدون مساكن، وقد كانوا ساكنين أرض (جَاسان) قرب مدينة (منفيس) قاعدة المملكة يومئذٍ في جنوب البلاد المصرية، كما بيناه في سورة البقرة، لا جرم أن تكون البيوت المأمور بتبوئها غير البيوت التي كانوا ساكنيها. واضطرب المفسرون في المراد من هذه البيوت وذكروا روايات غير ملائمة لحالة القوم يومئذٍ. فقيل: أريد بالبيوت بيوت العبادة أي مساجد يصلون فيها، وربما حمل على هذا التفسير من تأوّله وقوعُ قوله: {وأقيموا الصلاة} عقبه. وهذا بعيد لأن الله علم أن بني إسرائيل مفارقون مصر قريباً بإذنه. وقيل: البيوت بيوت السكنى وأمسكوا عن المقصود من هذه البيوت. وهذا القول هو المناسب للتبوؤ لأن التبوؤ السكنى، والمناسب أيضاً لإطلاق البيوت، وكونها بمصر. فالذي يظهر بناء عليه أن هذه البيوت خيام أو أخصاص أمرهم الله باتخاذها تهيئة للارتحال وهي غير ديارهم التي كانوا يسكنونها في (جاسان) قرب مدينة فرعون وقد جاء في التوراة ما يشهد بهذا التأويل في الفصل الرابع من سفر الخروج: إن الله أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل إلى البادية ليعملوا عيد الفصح ثلاثة أيام وأن ذلك أولُ ما سأله موسى من فرعون، وأن فرعون منعهم من ذلك، وأن موسى كرر طلب ذلك من فرعون كلّ ذلك يمنعه كما في الفصل السابع والفصل الثامن من سفر الخروج، وقد صار لهم ذلك عيداً بعد خروجهم. وقوله: {واجعلوا بيوتكم قبلة} أي هذه الخيام أو الأخصاص التي تتخذونها تجعلونها مفتوحة إلى القبلة. قاله ابن عطية عن ابن عباس. والقِبلة: اسم في العربية لجهة الكعبة. وتلك الجهة هي ما بين المشرق والمغرب لأن قبلة بلاد مصر كقبلة المدينة ما بين المشرق والمغرب وهي الجنوب، فيجوز أن يكون التعبير عن تلك الجهة بالقبلة في الآية حكاية لتعبير موسى عنها بما يدل على معنى التوجه إلى الجهة التي يصلون إليها، وهي قبلة إبراهيم، فيكون أمرُ بني إسرائيل يومئذٍ جارياَ على الملة الحنيفية قبل أن ينسخ بالاستقبال إلى صخرة القدس ويجوز أن يكون موسى قد عبر بما يفيد معنى الجنوب فحكيت عبارته في القرآن باللفظ المرادف له الشائع في التعبير عن الجنوب عند العرب وهو كلمة قبلة. والحكمة في جعل البيوت إلى القبلة أن الشمس تدخلها من أبوابها في غالب أوقات النهار في جميع الفصول وفي ذلك منافع كثيرة والذين فسروا البيوت بأنها بيوت السكنى فسروا قبلة: إما بمعنى متقابلة، وإما بمعنى اجعلوا بيوتكم محل صلاتكم، وكلا التفسيرين بعيد عن الاستعمال. وأما الذين تأولوا البيوت بالمساجد فقد فسروا القبلة بأنها قبلة الصلاة، أي جهة الكعبة. وعن ابن عباس: كانت الكعبة قبلة موسى. وعن الحسن: كانت الكعبة قبلة كل الأنبياء. وهذا التفسير يلائم تركيب {اجعلوا بيوتكم قبلة} لأن التركيب اقتضى أن المجعول قبلة هو البيوت أنفسها لا أن تجعل الصلاة فيها إلى جهة القبلة فإذا افتقدنا التأويلات كلها لا نجدها إلا مفككة متعسفة خلا التفسير الذي عولنا عليه، وقد اختلفوا فيه فهدانا الله إليه. وأسند فعل {اجعلوا} إلى ضمير الجماعة لأن ذلك الجعل من عمل موسى وأخيه وقومهما إذ كل أحد مكلف بأن يجعل بيته قبلة. وأمْرهم بإقامة الصلاة، أي التي فرضها الله عليهم على لسان موسى، والتي كانوا يصلونها من قبل مجيء موسى اتباعاً لإبراهيم عليه السلام وأبنائه. والظاهر أن الداعي إلى أمرهم بإقامة الصلاة أن اتخاذ البيوت كان في حالة رحيل فكانت حالتهم مظنة الشغل عن إقامة الصلوات فلذلك أمروا بالمحافظة على إقامة الصلاة في مدة رحلتهم. وعَطْفُ جملة: {وبشر المؤمنين} على ما قبلها يؤذن بأن ما أمروا به من اتخاذ البيوت أمر بحالة مشعرة بترقب أخطار وتخوف فإنهم قالوا: {أية : ربنا لا تجعلنا فتنة}تفسير : [يونس: 85] فأمر موسى أن يبشرهم بحسن العاقبة، وأنهم منصورون على عدوهم وناجون منه والمؤمنون هم قوم موسى الذين ذكروا في قوله: {أية : فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه}تفسير : [يونس: 83] وفي قوله: {أية : إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا}تفسير : [يونس: 84، 85].
الواحدي
تفسير : {وأوحينا إلى موسى وأخيه...} الآية. لمَّا أُرسل موسى صلوات الله عليه إلى فرعون أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فَخُرِّبت كلُّها، ومُنعوا من الصَّلاة، فأُمروا أن يتَّخذوا مساجد في بيوتهم، ويصلُّوا فيها خوفاً من فرعون، فذلك قوله: {تَبَوَّءَا لقومكما} أَيْ: اتَّخذا لهم {بمصر بيوتاً} في دورهم {واجعلوا بيوتكم قبلة} أَيْ: صلُّوا في بيوتكم لتأمنوا من الخوف، وقوله: {ربنا ليضلوا عن سبيلك} أَيْ: جعلت هذه الأموال سبباً لضلالهم؛ لأنَّهم بطروا، فاستكبروا عن الإِيمان {ربنا اطمس على أموالهم} امسخها وأذهبها عن صورتها، فصارت دراهمهم ودنانيرهم حجارةً منقوشةً صحاحاً وأنصافاً، وكذلك سائر أموالهم {واشدُدْ على قلوبهم} اطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح للإِيمان {فلا يؤمنوا} دعاءٌ عليهم {حتى يروا العذاب الأليم} يعني: الغرق، فاستجيب في ذلك، فلم يؤمن فرعون حتى أدركه الغرق.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلصَّلاَةَ} {تَبَوَّءَا} (87) - قَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ إِظْهَارَ صَلاَتِهِمْ خَوْفاً مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، فَأَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى وَهَارُونَ، عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، أَنْ يَتَّخِذَا لِقَوْمِهِمِا بُيُوتاً فِي مِصْرَ، وَأَنْ يَجَعَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بُيُوتَهُمْ قِبَلَ القِبْلَةِ، لِيُصَلُّوا فِيهَا، وَهُمْ مُتَجِّهُونَ جَمِيعاً جِهَةً وَاحِدَةً، لأَنَّ الاتِّحَاَد فِي الاتِّجَاهِ يُسَاعِدُ عَلَى اتِّحَادِ القُلُوبِ. ثُمَّ يَأْمُرُهُمُ اللهُ بِإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ بِحِفْظِ اللهِ إِيَّاهُمْ، وَبِالثَّوَابِ وَالنَّصْرِ القَرِيبِ وَالفَرَجِ. تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا - اتَّخِذا وَاجْعَلاَ لَهُمْ. قِبْلَةً - مَسَاجِدَ أَوْ مُصَلَّى جِهَةَ القِبْلَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وأوضحنا من قبل أن موسى وهارون عليهما السلام رسولان برسالة واحدة، وأن الوَحْي قد جاء للاثنين برسالة واحدة. فالحق سبحانه ساعة يختار نبيّاً رسولاً، فإنما يختاره بتكوينٍ وفطرةٍ تؤهّله لحَمْل الرسالة والنطق بمرادات الله تعالى. وإذا كان الخَلْق قد صنعوا آلات ذاتية الحركة من مواد جامدة لا فكر لها ولا رَويّة، مثل الساعة التي تُؤذِّن، أو المذياع الذي يذيع في توقيت محدد، إذا كان البشر قد صنعوا ذلك فما بالنا بالله سبحانه الخالق لكل الخلق والكون ومرسل الرسل؟ إنه سبحانه وتعالى يختار رسله بحيث يسمح تكوين الرسول أن يؤدي المهمة الموكولة إليه في أي ظرف من الظروف. وقول الحق سبحانه هنا: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ ..} [يونس: 87]. يبيِّن لنا أن الوحي شمل كلاً من موسى وهارون عليهما السلام، بحيث إذا جاء موقف من المواقف يقتضي أن يتكلم فيه موسى، فهارون أيضاً يمكن أن يتكلم في نفس الأمر؛ لأن الشحنة الإيمانية واحدة، والمنهج واحد. وقد حدث ذلك بعد أن غرق فرعون وقومه، وخلا لهم الجو، فجاء لهم الأمر أن يستقروا في مصر، وأن يكون لهم فيها بيوت. ولكن لنا أن نسأل: هل فرعون هذا هو شخص غرق وانتهى؟ لا.. إن فرعون ليس اسماً لشخص، بل هو تصنيف لوظيفة، وكان لقب كل حاكم لمصر قديماً هو "فرعون"؛ لذلك لا داعي أن نشغل أنفسنا: هل هو تحتمس الأول؟ أو رمسيس؟ أو ما إلى ذلك؟ فهب أن فرعون المعنيَّ هنا قد غرق، ألا يعني ذلك مجيء فرعون جديد؟ نحن نعلم من التاريخ أن الأسر الحاكمة توالت، وكانوا فراعنة، وكان منهم من يضطهد المؤمنين، ولا بد أن يكون خليفة الفرعون أشد ضراوةً وأكثر شحنةً ضد هؤلاء القوم. وقول الحق سبحانه وتعالى في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً ..} [يونس: 87]. نجد فيه كلمة "مصر" وهي إذا أطلقت يُفهم منها أنها "الإقليم". ونحن هنا في بلدنا جعلنا كلمة "مصر" علماً على الإقليم الممتد من البحر المتوسط إلى حدود السودان، أي: وادي النيل. ومرة أخرى جعلنا من "مصر" اسماً لعاصمة وادي النيل. ونحن نقول أيضاً عن محطة القطارات في القاهرة: "محطة مصر". وقول الحق سبحانه هنا: {.. أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا} [يونس: 87]. نفهم منه أن التبؤُّ هو اتخاذ مكان يعتبر مباءةً؛ أي: مرجعاً يبوء الإنسان إليه. التبؤُّ - إذن - هو التوطن في مكان ما، والإنسان إذا اتخذ مكاناً كوطن له فهو يعود إليه إن ذهب إلى أي بلد لفترة. ويعتبر الخروج من الوطن مجرد رحلة تقتضي العودة، وكذلك البيت بالنسبة للإنسان؛ فالواحد منا يطوف طوال النهار في الحقل أو المصنع أو المكتب، وبعد ذلك يعود إلى البيت للبيتوتة. والبيوت التي أوصى الله سبحانه وتعالى بإقامتها لقوم موسى وهارون - عليهما السلام - كان لها شرط هو قول الحق سبحانه: {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ..} [يونس: 87]. والقِبلة هي المتجَه الذي نصلي إليه. ومثال ذلك: المسجد، وهو قبلة مَنْ هو خارجه، وساعة ينادي المؤذن للصلاة يكون المسجد هو قبلتنا التي نذهب إليها، وحين ندخل المسجد نتجه داخله إلى القبلة، واتجاهنا إلى القبلة هو الذي يتحكم في وضعنا الصفِّي. والأمر هنا من الحق سبحانه: {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ..} [يونس: 87]. فإقامة البيوت هنا مشروطة بأن يجعلوا بها قبلة لإقامة الصلاة بعيداً عن أعين الخصوم الذين يضطهدونهم، شأنهم شأن المسلمين الأوائل حينما كان الإسلام - في أوليته - ضعيفاً بمكة، وكان المسلمون حين ذاك يصلون في قلب البيوت، وهذا هو سر عدم الجهر بالصلاة نهاراً، وعدم الجهر يفيد في ألا ينتبه الخصوم إلى مكان المصلين. وأما الجهر بالصلاة ليلاً وفجراً، فقد كان المقصود به أن يعلمهم كيفية قراءة القرآن. وهنا يقول الحق سبحانه: {أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ..} [يونس: 87]. وقد يكون المقصود بذلك أن تكون البيوت متقابلة. وإلى يومنا هذا أنت إن نظرت إلى ساحات اليهود في أي بلد من بلاد الدنيا تجد أنهم يقطنون حيّاً واحداً، ويرفضون أن يذوبوا في الأحياء الأخرى. ففي كل بلد لهم حي يسكنون فيه، ويسمى باسم "حي اليهود". وكانت لهم في مصر "حارات" كل منها تسمى باسم "حارة اليهود". وقد شاء الحق - سبحانه وتعالى - ذلك وقال في كتابه العزيز: {أية : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ ..}تفسير : [البقرة: 61]. وهم يحتمون بتواجدهم معاً، فإن حدث أمر من الأمور يفزعهم؛ يصبح من السهل عليهم أن يلتقوا. أو {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ..} [يونس: 87]. أي: أن يكون تخطيط الأماكن والشوارع التي تُبنى عليها البيوت في اتجاه القبلة. وأي خطأ معماري مثل الذي يوجد في تربيعة بناء مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، هذا الخطأ يوجب الاتجاه إلى اليمين قليلاً مما يسبب بعض الارتباك للمصلين؛ لأن الانحراف قليلاً إلى اليمين في أثناء الصلاة يقتضي أن يقصر كل صف خلف الصف الآخر. وحين نصلي في المسجد الحرام بمكة، نجد بعضاً من المصلين يريدون مساواة الصفوف، وأن تكون الصفوف مستقيمة، فنجد من ينبه إلى أن الصف يعتدل بمقدار أطول أضلاع الكعبة، ثم ينحني الصف. وكذلك في الأدوار العليا التي أقيمت بالمسجد الحرام نجد الصفوف منحنية متجهة إلى الكعبة. ولذلك أقول دائماً حين أصلي بالمسجد الحرام: إن معنى قول الإمام: "سووا صفوفكم" أي: اجعلا مناكبكم في مناكب بعضكم بعض، أما خارج الكعبة فيكفي أن نتجه إلى الجهة التي فيها الكعبة، ونحن خارج الكعبة لا نصلي لعين الكعبة، ولكننا نصلي تجاه الكعبة؛ لأننا لو كنا نصلي إلى عين الكعبة لما زاد طول الصف في أي مسجد عن اثني عشر متراً وربع المتر، وهو أطول أضلاع الكعبة. وقول الحق سبحانه هنا: {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ..} [يونس: 87]. أي: خططوا في إقامة البيوت أن تكون على القبلة، وبعض الناس يحاولون ذلك، لكن تخطيط الشوارع والأحياء لا يساعد على ذلك. ثم يقول الحق سبحانه: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ..} [يونس: 87]. وهذا الأمر نفهم منه أن الصلاة فيها استدامة الولاء لله تعالى، فنحن نشهد ألا إله إلا الله مرة واحدة في العمر، ونُزكِّي - إن كان عندنا مال - مرة واحدة في السنة، ونصوم - إن لم نكن مرضى - شهراً واحداً هو شهر رمضان، ونحج - إن استطعنا - مرة واحدة في العمر. ويبقى ركن الصلاة، وهو يتكرر كل يوم خمس مرات، وإن شاء الإنسان فَلْيُزِد، وكأن الحق سبحانه وتعالى هنا ينبه إلى عماد الدين وهي الصلاة. ولكن مَن الذي اختار المكان في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؟ هل هو موسى وأخوه هارون؟ أم أن الخطاب لكل القوم. نلحظ هنا أن الأمر بالتبوّء هو لموسى وهارون - عليهما السلام - أما الأمر بالجعل فهو مطلوب من موسى وهارون والأتباع؛ لذلك جاء الجعل هنا بصيغة الجمع. ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: {.. وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 87]. وفي هذا تنبيه وإشارة إلى أن موسى هو الأصل في الرسالة؛ لذلك جاء له الأمر بأن يحمل البشارة للمؤمنين. ونلحظ هنا في هذه الآية أن الحق سبحانه جاء بالتثنية في التبوء، وجاء بالجمع في جعل البيوت، ثم جاء بالمفرد في نهاية الآية لينبهنا إلى أن موسى - عليه السلام - هو الأصل في الرسالة إلى بني إسرائيل. والبشرى على الأعمال الصالحة تعني: التبشير بالجنة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً} [الآية: 87]. يعني: مصر والاسكندرية. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} [الآية: 87]. يعني اجعلوا مساجدكم نحو الكعبة. وذلك حين خاف موسى ومن معه، من فرعون وقومه، أَن يصلُّوا في الكنائس الجماعة، فأُمروا أَن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبل الكعبة يصلُّون فيها.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعدما أخلصوا في تضرعهم وتوجههم إلينا {أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ} أصالة {وَأَخِيهِ} تبعاً {أَن تَبَوَّءَا} أي: خذا مباءة؛ أي: مسكناً ومبيتاً {لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ} وأمر لهم أن يبنوا {بُيُوتاً} فيها {وَ} بعدما بنيتم بيوتاً {ٱجْعَلُواْ} أي: كل واحد منكما ومنهم {بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} ومسجداً توجهون فيها إلى الله وتتقربون نحوه {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} فيها أي: أديموا الميل والتوجه نحو الحق مخبتين خاشعين مخلصين {وَ} بعدما واضبوا على ما أُمروا واستقاموا عليه مخلصين {بَشِّرِ} يا موسى الداعي لهم إلى الحق {ٱلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 87] المتوجهين نحوه بالنصرة على الأعداء في الدنيا، والكرامة العظيمةم في النشاة الأخرى، والفوز بالوصول إلى فناء المولى. {وَقَالَ مُوسَىٰ} بعدما تفرس القبول والإجابة للدعاء، داعياً على الأعداء {رَبَّنَآ إِنَّكَ} بفضلك وجودك {آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً} يتزينون {وَأَمْوَالاً} يميلون إليها ويفتخرون بها {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} ولم يشكروا لنعمك بكل يكفروا بها يا {رَبَّنَا} وإنما افتخروا وباهوا بحطامهم {لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ} ضعفاء المؤمنين المتلونين الذين لم يتمكنوا في مقر اليقين ولم يتوطنو في موطن التمكين {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ} أي: امحها واتلفها؛ لئلا يتمكنوا على تضليل عبادك بها {وَٱشْدُدْ} ختمك وطبعك {عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ} لا ينكشفوا بالإذعان والقبول {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ} المعد لهم لكفرهم وإصرارهم {ٱلأَلِيمَ} [يونس: 88] المؤلم في غاية الإيلام حين رأوا المؤمنين في سرور دائم ولذة مستمرة وجنة نعيم. {قَالَ} سبحانه مبشراً لموسى: {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} ووقع مناجاتكما في محل القبول، ثنَّى الضمير؛ لأن هارون يؤمن حين دعا {فَٱسْتَقِيمَا} على ما أتنما عليه من الدعوة وإلزام الحجة ولا تفتروا في أمركما هذا، والزما الصبر؛ إذ الأمور مرهونة بأوقاتها {وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ} في الاستعجال والاستسراع {سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [يونس: 89] الأدب مع الله في إلحاحهم واقترحاتهم في طلبه الحاجات.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن حال موسى وأخيه وحال فرعون وتابعيه بقوله: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ } [يونس: 87] إلى قوله: {لَغَافِلُونَ} [يونس: 92]، {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ} [يونس: 87] أي: إلى موسى القلب وهارون السر، {أَن تَبَوَّءَا} أي: تهيئا، {لِقَوْمِكُمَا} [يونس: 87] لصفاتكما، {بِمِصْرَ} [يونس: 87] عالم الروحانية، {بُيُوتاً} [يونس: 87] مقامات؛ وذلك لأن القلب والسر بصفاتهما وساطة بين الروح والنفس، فيشير إلى ألا تتخذوا المنازل في عالم النفس السفلية واتخذوا المقامات في عالم الروح العلوي. {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} [يونس: 87] أي: اجعلوا مقاماتكم في عالم الروحانية المتوجهة في قبلة طلب الحق أي: لا تقيموا في الروحانية، {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} [يونس: 87] أديموا العروج من المقامات الروحانية إلى القربات والموصلات الربانية، {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 87] المصدقين السائرين إلى الله بالوصول والوصال، {وَقَالَ مُوسَىٰ} [يونس: 88] القلب موافقاً للشر. {رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ} [يونس: 88] النفس، {وَمَلأَهُ} [يونس: 88] أي: صفاته، {زِينَةً} [يونس: 88] أي: جعلت ما على الأرض من مستلذات النفس وشهواتها زينة في نظرها؛ لأنها ملائمة طبعها، {وَأَمْوَالاً} [يونس: 88] أي: جعلت الأموال سبب تحصيل مرادات النفس ومرامها، {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ} [يونس: 88] أي: ليكون عاقبة أمرهم أن ينقطعوا عن السير في طلبك، ويضلوا عبادك بها عن طلبك شغلاً بتمتعاتها وغروراً بغنائها وتفاخراً بجمعها. {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ } [يونس: 88] بمحقها أو بتحقيرها في نظرهم، {وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} [يونس: 88] أي: واشدد طريق النظر إلى الدنيا وما فيها على قلوبهم، واجعل همتهم عليه في طلبك للنظر إليك، {فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} [يونس: 88] فإن النفس وصفاتها لا تؤمن بالآخرة وطلب الحق حتى يذيقهم ألم فطامهم عن الدنيا وشهواها، فإن الفطام عن المألوفات شديد. {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} [يونس: 89] أي: دعوة القلب والسير بما سألوا الله في حق النفس وصفاتها وفطامها عن ملاذ الدنيا، {فَٱسْتَقِيمَا} [يونس: 89] يا قلب السير في طلب الحق والسير إليه، {وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [يونس: 89] الطريق إلى الله ولا يعرفون قدره همتهم الدنيا وشهواتها عن أثر إجابة الدعوة فقال: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ} [يونس: 90] بنو إسرائيل وهم: القلب والسر وصفاتهما {ٱلْبَحْرَ} بحر الملكوت أي سلكناهم في بحر الروحانية الملكوتية، {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ} [يونس: 90] النفس، {وَجُنُودُهُ} [يونس: 90] وصفاته في بحر الملكوت يعني: الفطام عن شهوات عالم الملك، {بَغْياً وَعَدْواً} [يونس: 90] أي: حسداً وعداوة؛ لأن النفس لا تجاوز بحر الملكوت إلا بعلمه واضطراراً، فإن السير في الملكوت ليس من طبعها، فلا مسلك إلا قهراً وقسراً {حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ} [يونس: 90] يعني: فلما هبت رياح اللطف وتموجت بحار الفضل استغرق موسى القلب وبنو إسرائيل صفاته في لجي بحر الوصال، وبلغت أفواج أمواجه إلى ساحل البشرية فأدرك فرعون النفس الغرق فاستمسك بعروة تلك الفرق. {قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90] ومن أمارات أغطية فرعون النفس من عالم الملكوت الروحاني أنه عند الغرق ما تمسك بحبل التوفيق بيد الصدق والاستقلال، وما قال: آمنت بالله الذي لا إله إلا هو، وإنما تمسك بيد الاضطرار والتقليد، فقال: {آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ} فقيل له: {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ} [يونس: 91] أي: قبل الاضطرار. {وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} [يونس: 91] أي: كنت ممن يملك نفسه ويهلك غيره، {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} [يونس: 92] أي: بنفسك وقالبك من بحر الضلالة، {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} [يونس: 92] أي: دليلاً على كمال قدرتنا، ومزيد عنايتنا بأن من اتبع خواص عبادنا نجعلهم من أهل النجاة والدرجات بعد أن كان من أهل الهلاك والدركات، {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} [يونس: 92] أي: من أهل النسيان، {عَنْ آيَاتِنَا} [يونس: 92] الدالة إلينا، {لَغَافِلُونَ} [يونس: 92] لشغلهم بغيرنا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ } حين اشتد الأمر على قومهما، من فرعون وقومه، وحرصوا على فتنتهم عن دينهم. { أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا } أي: مروهم أن يجعلوا لهم بيوتًا، يتمكنون ]به[ من الاستخفاء فيها. { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } أي: اجعلوها محلا تصلون فيها، حيث عجزتم عن إقامة الصلاة في الكنائس، والبيع العامة. { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ } فإنها معونة على جميع الأمور، { وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } بالنصر والتأييد، وإظهار دينهم، فإن مع العسر يسرًا، إن مع العسر يسرًا، وحين اشتد الكرب، وضاق الأمر، فرجه الله ووسعه. فلما رأى موسى، القسوة والإعراض من فرعون وملئه، دعا عليهم وأمن هارون على دعائه، فقال: { رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 348 : 3 : 1 - حدثنا أبو حذيفة ثنا سفين عن خصيف عن عكرمة عن بن عباس في قوله {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} قال، اجعلوها مساجد. [الآية 87]. 349 : 4 : 2 - سفين عن منصور عن مجاهد في قوله {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} قال، كانوا خائفين، فأُمروا ان يصلوا في بيوتهم.
همام الصنعاني
تفسير : 1169- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً}: [الآية: 87]، قال: نحو القبلة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):