Verse. 1458 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

فَاِنْ كُنْتَ فِيْ شَكٍّ مِّمَّاۗ اَنْزَلْنَاۗ اِلَيْكَ فَسْــــَٔـلِ الَّذِيْنَ يَقْرَءُوْنَ الْكِتٰبَ مِنْ قَبْلِكَ۝۰ۚ لَقَدْ جَاۗءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَّبِّكَ فَلَا تَكُوْنَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِيْنَ۝۹۴ۙ
Fain kunta fee shakkin mimma anzalnna ilayka faisali allatheena yaqraoona alkitaba min qablika laqad jaaka alhaqqu min rabbika fala takoonanna mina almumtareena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(فإن كنت) يا محمد (في شك مما أنزلنا إليك) من القصص فرضاً (فاسأل الذين يقرءون الكتاب) التوراة (من قبلك) فإنه ثابت عندهم يخبروك بصدقه قال صلى الله عليه وسلم: "" لا أشك ولا أسأل "" (لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) الشاكين فيه.

94

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل اختلافهم عند ما جاءهم العلم أورد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ما يقوي قلبه في صحة القرآن والنبوة، فقال تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي الشك في وضع اللغة، ضم بعض الشيء إلى بعض، يقال: شك الجواهر في العقد إذا ضم بعضها إلى بعض. ويقال شككت الصيد إذا رميته فضممت يده أو رجله إلى رجله والشكائك من الهوادج ما شك بعضها ببعض والشكاك البيوت المصطفة والشكائك الأدعياء، لأنهم يشكون أنفسهم إلى قوم ليسوا منهم، أي يضمون، وشك الرجل في السلاح، إذا دخل فيه وضمه إلى نفسه وألزمه إياها، فإذا قالوا: شك فلان في الأمور أرادوا أنه وقف نفسه بين شيئين، فيجوز هذا، ويجوز هذا فهو يضم إلى ما يتوهمه شيئاً آخر خلافه. المسألة الثانية: اختلف المفسرون: في أن المخاطب بهذا الخطاب من هو؟ فقيل النبي عليه الصلاة والسلام. وقيل غيره، أما من قال بالأول: فاختلفوا على وجوه. الوجه الأول: أن الخطاب مع النبي عليه الصلاة والسلام في الظاهر، والمراد غيره كقوله تعالى: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } تفسير : [الأحزاب: 1] وكقوله: { أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } تفسير : [الزمر: 65] وكقوله: { أية : يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَءنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ } تفسير : [المائدة: 116] ومن الأمثلة المشهورة: إياك أعني واسمعي يا جاره. والذي يدل على صحة ما ذكرناه وجوه: الأول: قوله تعالى في آخر السورة { أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكّ مّن دِينِى } تفسير : [يونس: 104] فبين أن المذكور في أول الآية على سبيل الرمز، هم المذكورون في هذه الآية على سبيل التصريح. الثاني: أن الرسول لو كان شاكاً في نبوة نفسه لكان شك غيره في نبوته أولى وهذا يوجب سقوط الشريعة بالكلية. والثالث: أن بتقدير أن يكون شاكاً في نبوة نفسه، فكيف يزول ذلك الشك بأخبار أهل الكتاب عن نبوته مع أنهم في الأكثر كفار، وإن حصل فيهم من كان مؤمناً إلا أن قوله ليس بحجة لا سيما وقد تقرر أن ما في أيديهم من التوراة والإنجيل، فالكل مصحف محرف، فثبت أن الحق هو أن الخطاب، وإن كان في الظاهر مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن المراد هو الأمة، ومثل هذا معتاد، فإن السلطان الكبير إذا كان له أمير، وكان تحت راية ذلك الأمير جمع، فإذا أراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص، فإنه لا يوجه خطابه عليهم، بل يوجه ذلك الخطاب على ذلك الأمير الذي جعله أميراً عليهم، ليكون ذلك أقوى تأثيراً في قلوبهم. الوجه الثاني: أنه تعالى علم أن الرسول لم يشك في ذلك، إلا أن المقصود أنه متى سمع هذا الكلام، فإنه يصرح ويقول: « حديث : يا رب لا أشك ولا أطلب الحجة من قول أهل الكتاب بل يكفيني ما أنزلته علي من الدلائل الظاهرة » تفسير : ونظيره قوله تعالى للملائكة: { أية : أَهَـؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ } تفسير : [سبأ: 40] والمقصود أن يصرحوا بالجواب الحق ويقولوا: { أية : سُبْحَـٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ } تفسير : [سبأ: 41] وكما قال لعيسى عليه السلام: { أية : أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [المائدة: 116] والمقصود منه أن يصرح عيسى عليه السلام بالبراءة عن ذلك فكذا ههنا. الوجه الثالث: هو أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان من البشر، وكان حصول الخواطر المشوشة والأفكار المضطربة في قلبه من الجائزات، وتلك الخواطر لا تندفع إلا بإيراد الدلائل وتقرير البينات، فهو تعالى أنزل هذا النوع من التقريرات حتى أن بسببها تزول عن خاطره تلك الوساوس، ونظيره قوله تعالى: { أية : فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } تفسير : [هود: 12] وأقول تمام التقرير في هذا الباب إن قوله: {فَإِن كُنتَ فِي شَكّ } فافعل كذا وكذا قضية شرطية والقضية الشرطية لا إشعار فيها ألبتة بأن الشرط وقع أو لم يقع. ولا بأن الجزاء وقع أو لم يقع، بل ليس فيها إلا بيان أن ماهية ذلك الشرط مستلزمة لماهية ذلك الجزاء فقط، والدليل عليه أنك إذا قلت إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين، فهو كلام حق، لأن معناه أن كون الخمسة زوجاً يستلزم كونها منقسمة بمتساويين، ثم لا يدل هذا الكلام على أن الخمسة زوج ولا على أنها منقسمة بمتساويين فكذا ههنا هذه الآية، تدل على أنه لو حصل هذا الشك لكان الواجب فيه هو فعل كذا وكذا، فأما إن هذا الشك وقع أو لم يقع، فليس في الآية دلالة عليه، والفائدة في إنزال هذه الآية على الرسول أن تكثير الدلائل وتقويتها مما يزيد في قوة اليقين وطمأنينة النفس وسكون الصدر، ولهذا السبب أكثر الله في كتابه من تقرير دلائل التوحيد والنبوة. والوجه الرابع: في تقرير هذا المعنى أن تقول: المقصود من ذكر هذا الكلام استمالة قلوب الكفار وتقريبهم من قبول الإيمان، وذلك لأنهم طالبوه مرة بعد أخرى، بما يدل على صحة نبوته وكأنهم استحيوا من تلك المعاودات والمطالبات، وذلك الاستحياء صار مانعاً لهم عن قبول الإيمان فقال تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكّ } من نبوتك فتمسك بالدلائل القلائل، يعني أولى الناس بأن لا يشك في نبوته هو نفسه، ثم مع هذا إن طلب هو من نفسه دليلاً على نبوة نفسه بعد ما سبق من الدلائل الباهرة والبينات القاهرة فإنه ليس فيه عيب ولا يحصل بسببه نقصان، فإذا لم يستقبح منه ذلك في حق نفسه فلأن لا يستقبح من غيره طلب الدلائل كان أولى، فثبت أن المقصود بهذا الكلام استمالة القوم وإزالة الحياء عنهم في تكثير المناظرات. الوجه الخامس: أن يكون التقدير أنك لست شاكاً ألبتة ولو كنت شاكاً لكان لك طرق كثيرة في إزالة ذلك الشك كقوله تعالى: { أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] والمعنى أنه لو فرض ذلك الممتنع واقعاً، لزم منه المحال الفلاني فكذا ههنا. ولو فرضنا وقوع هذا الشك فارجع إلى التوراة والإنجيل لتعرف بهما أن هذا الشك زائل وهذه الشبهة باطلة. الوجه السادس: قال الزجاج: إن الله خاطب الرسول في قوله: {فَإِن كُنتَ فِي شَكّ } وهو شامل للخلق وهو كقوله: { أية : يأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء } تفسير : [الطلاق: 1] قال: وهذا أحسن الأقاويل، قال القاضي: هذا بعيد لأنه متى كان الرسول داخلاً تحت هذا الخطاب فقد عاد السؤال، سواء أريد معه غيره أو لم يرد وإن جاز أن يراد هو مع غيره، فما الذي يمنع أن يراد بانفراده كما يقتضيه الظاهر، ثم قال: ومثل هذا التأويل يدل على قلة التحصيل. الوجه السابع: هو أن لفظ {إن} في قوله: {إِن كُنتَ فِى شَكّ } للنفي أي ما كنت في شك قبل يعني لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك لكن لتزداد يقيناً كما ازداد إبراهيم عليه السلام بمعاينة إحياء الموتى يقيناً. وأما الوجه الثاني: وهو أن يقال هذا الخطاب ليس مع الرسول فتقريره أن الناس في زمانه كانوا فرقاً ثلاثة، المصدقون به والمكذبون له والمتوقفون في أمره الشاكون فيه، فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب فقال: إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته، وإنما وحد الله تعالى ذلك وهو يريد الجمع، كما في قوله: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ ٱلْكَرِيمِ * ٱلَّذِى خَلَقَكَ } تفسير : [الانفطار: 6، 7] و { أية : يأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ } تفسير : [الانشقاق: 6] وقوله: { أية : فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ضُرٌّ } تفسير : [الزمر: 49] ولم يرد في جميع هذه الآيات إنساناً بعينه، بل المراد هو الجماعة فكذا ههنا ولما ذكر الله تعالى لهم ما يزيل ذلك الشك عنهم حذرهم من أن يلحقوا بالقسم الثاني وهم المكذبون فقال: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ }. المسألة الثالثة: اختلفوا في أن المسؤول منه في قوله: {فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يقرؤن ٱلْكِتَـٰبِ } من هم؟ فقال المحققون هم الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبدالله بن سلام، وعبدالله بن صوريا، وتميم الداري، وكعب الأحبار لأنهم هم الذين يوثق بخبرهم، ومنهم من قال: الكل سواء كانوا من المسلمين أو من الكفار، لأنهم إذا بلغوا عدد التواتر ثم قرؤا آية من التوراة والإنجيل، وتلك الآية دالة على البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم فقد حصل الغرض. فإن قيل: إذا كان مذهبكم أن هذه الكتب قد دخلها التحريف والتغيير، فكيف يمكن التعويل عليها. قلنا: إنهم إنما حرفوها بسبب إخفاء الآيات الدالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام فإن بقيت فيها آيات دالة على نبوته كان ذلك من أقوى الدلائل على صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، لأنها لما بقيت مع توفر دواعيهم على إزالتها دل ذلك على أنها كانت في غاية الظهور، وأما أن المقصود من ذلك السؤال معرفة أي الأشياء، ففيه قولان: الأول: أنه القرآن ومعرفة نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم. والثاني: أنه رجع ذلك إلى قوله تعالى: { أية : فَمَا ٱخْتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ } تفسير : [يونس: 93] والأول أولى، لأنه هو الأهم والحاجة إلى معرفته أتم. واعلم أنه تعالى لما بين هذا الطريق قال بعده: {لَقَدْ جَاءكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ } أي فأثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية عنك، وانتفاء التكذيب بآيات الله، ويجوز أن يكون ذلك على طريق التهييج وإظهار التشدد ولذلك قال عليه الصلاة والسلام عند نزوله « حديث : لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق » تفسير : . ثم قال: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ فتكون مّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ }. واعلم أن فرق المكلفين ثلاثة، إما أن يكون من المصدقين بالرسول، أو من المتوقفين في صدقه، أو من المكذبين، ولا شك أن أمر المتوقف أسهل من أمر المكذب، لا جرم قد ذكر المتوقف بقوله: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } ثم أتبعه بذكر المكذب، وبين أنه من الخاسرين، ثم إنه تعالى لما فصل هذا التفصيل، بين أن له عباداً قضى عليهم بالشقاء فلا يتغيرون وعباداً قضى لهم بالكرامة، فلا يتغيرون، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر: {كلمات} على الجمع، وقرأ الباقون: {كلمة} على لفظ الواحد، وأقول إنها كلمات بحسب الكثرة النوعية أو الصنفية وكلمة واحدة بحسب الواحدة الجنسية. المسألة الثانية: المراد من هذه الكلمة حكم الله بذلك وإخباره عنه، وخلقه في العبد مجموع القدرة والداعية، الذي هو موجب لحصول ذلك الأثر، أما الحكم والأخبار والعلم فظاهر، وأما مجموع القدرة والداعي فظاهر أيضاً، لأن القدرة لما كانت صالحة للطرفين لم يترجح أحد الجانبين على الآخر إلا لمرجح، وذلك المرجح من الله تعالى قطعاً للتسلسل، وعند حصول هذا المجموع يجب الفعل، وقد احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في إثبات القضاء اللازم والقدر الواجب وهو حق وصدق ولا محيص عنه. ثم قال تعالى: {وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلاْلِيمَ } والمراد أنهم لا يؤمنون ألبتة، ولو جاءتهم الدلائل التي لا حد لها ولا حصر، وذلك لأن الدليل لا يهدي إلا بإعانة الله تعالى فإذا لم تحصل تلك الإعانة ضاعت تلك الدلائل.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد غيره، أي لست في شك ولكنّ غيرك شك. قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد: سمعت الإمامين ثعلباً والمبرد يقولان: معنى «فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ» أي قل يا محمد للكافر فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك. {فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} أي يا عابد الوثن إن كنت في شك من القرآن فٱسأل من أسلم من اليهود، يعنى عبد الله بن سَلاَم وأمثالَه؛ لأن عبدة الأوثان كانوا يقرّون لليهود أنهم أعلم منهم من أجل أنهم أصحاب كتاب؛ فدعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن يسألوا من يقرّون بأنهم أعلم منهم، هل يبعث الله برسول من بعد موسى. وقال القُتَبِيّ: هذا خطاب لمن كان لا يقطع بتكذيب محمد ولا بتصديقه صلى الله عليه وسلم، بل كان في شك. وقيل: المراد بالخطاب النبيّ صلى الله عليه وسلم لا غيره، والمعنى: لو كنت يلحقك الشك فيما أخبرناك به فسألت أهل الكتاب لأزالوا عنك الشك. وقيل: الشك ضيق الصدر؛ أي إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر، وٱسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك يخبروك صَبْرَ الأنبياءِ من قبلك على أذى قومهم وكيف عاقبة أمرهم. والشك في اللغة أصله الضيق؛ يقال: شك الثوب أن ضمه بِخلال حتى يصير كالوعاء. وكذلك السّفرة تُمدّ علائقها حتى تنقبض؛ فالشك يقبض الصدر ويضمه حتى يضيق. وقال الحسين بن الفضل: الفاء مع حروف الشرط لا توجب الفعل ولا تثبته، والدليل عليه ما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال لما نزلت هذه الآية: «حديث : والله لا أشك ـ ثم استأنف الكلام فقال ـ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ»تفسير : أي الشاكين المرتابين. {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} والخطاب في هاتين الآيتين للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد غيره.

البيضاوي

تفسير : {فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ} من القصص على سبيل الفرض والتقدير. {فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ} فإنه محقق عندهم ثابت في كتبهم على نحو ما ألقينا إليك، والمراد تحقيق ذلك والاستشهاد بما في الكتب المتقدمة وأن القرآن مصدق لما فيها، أو وصف أهل الكتاب بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إليه، أو تهييج الرسول صلى الله عليه وسلم وزيادة تثبيته لا إمكان وقوع الشك له ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «أية : لا أشك ولا أسأل»تفسير : وقيل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته أو لكل من يسمع أي إن كنت أيها السامع في شك مما نزلنا على لسان نبينا إليك، وفيه تنبيه على أن كل من خالجته شبهة في الدين ينبغي أن يسارع إلى حلها بالرجوع إلى أهل العلم. {لَقَدْ جَاءكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ} واضحاً أنه لا مدخل للمرية فيه بالآيات القاطعة. {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} بالتزلزل عما أنت عليه من الجزم واليقين.

ابن كثير

تفسير : قال قتادة بن دعامة: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا أشك ولا أسأل» تفسير : وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن البصري، وهذا فيه تثبيت للأمة، وإعلام لهم أن صفة نبيهم صلى الله عليه وسلم موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب؛ كما قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ} تفسير : [الأعراف: 157] الآية، ثم مع هذا العلم الذي يعرفونه من كتبهم كما يعرفون أبناءهم، يلبسون ذلك، ويحرفونه ويبدلونه، ولا يؤمنون به، مع قيام الحجة عليهم، ولهذا قال تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } أي: لا يؤمنون إيماناً ينفعهم، بل حين لا ينفع نفساً إيمانها، ولهذا لما دعا موسى عليه السلام على فرعون وملئه، قال: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} تفسير : [الأنعام: 111] ثم قال تعالى:

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإِن كُنتَ} يا محمد {فِي شَكٍّ مّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} من القصص فرضاً {فَسْئَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَٰبَ} التوراة {مِن قَبْلِكَ} فإنه ثابت عندهم يخبروك بصدقه قال صلى الله عليه وسلم « حديث : لا أشك ولا أسأل » تفسير : {لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} الشاكِّين فيه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فَإن كُنتَ في شَكٍّ مِّمَّآ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ} هذا خطاب من الله لنبيه يقول: إن كنت يا محمد في شك مما أنزلنا إليك، وفيه وجهان: أحدهما: في شك أنك رسول. الثاني: في شك أنك مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل. {فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكَتَابَ مِن قَبْلِكَ} فيه وجهان: أحدهما: أنه أراد مَنْ منهم مثل عبد الله بن سلام وكعب الأحبار، قاله ابن زيد. الثاني: أنه عنى أهل الصدق والتقوى منهم، قاله الضحاك. فإن قيل: فهل كان النبي صلى الله عليه وسلم شاكاً؟ قيل قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لاَ أَشُكُ وَلاَ أَسْأَلُ " تفسير : وفي معنى الكلام وجهان: أحدهما: أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره من أمته، كما قال تعالى: {أية : يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ} تفسير : الآية [الطلاق: 1]. والثاني: أنه خطاب ورد على عادة العرب في توليد القبول والتنبيه على أسباب الطاعة. كقول الرجل لابنه: إن كنت ابني فبرّني، ولعبده إن كنت مملوكي فامتثل أمري، ولا يدل ذلك على شك الولد في أنه ابن أبيه ولا أن العبد شاك في أنه ملك لسيده. {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} أي من الشاكّين. قوله عز وجل: {إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: إن الذين وجبت عليهم كلمة ربك بالوعيد والغضب لا يؤمنون أبداً. الثاني: إن الذين وقعت كلمته عليهم بنزول العذاب بهم لا يؤمنون أبداً.

ابن عبد السلام

تفسير : {فِى شَكٍّ} من إرسالك، أو من أنك مكتوب في التوراة والإنجيل {الَّذِينَ يَقْرَءُونَ} أهل الصدق والتقوى منهم، أو من آمن كعبد الله بن سلام، خوطب به الرسول صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، أو على عادتهم في التنبيه على أسباب الطاعة كقول الوالد لولده: إن كنت ولدي فبرني، والسيد لعبده: إن كنت عبدي فأطعني، ولا يشك في ولده أو عبده، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا أشك ولا أسأل ".

الخازن

تفسير : {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك} الشك في موضع اللغة خلاف اليقين والشك اعتدال النقيضين عند الإنسان لوجود أمارتين أو لعدم الأمارة والشك ضرب من الجهل وهو أخص منه فكل شك جهل وليس كل جهل شكاً فإذا قيل فلان شك في هذا الأمر فمعناه توقف فيه حتى يتبين له فيه الصواب أو خلافه وظاهر هذا الخطاب في قوله فإن كنت في شك أنه للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى فإن كنت يا محمد في شك مما أنزلنا إليك يعني من حقيقة ما أخبرناك به وأنزلناه يعني القرآن {فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك} يعني علماء أهل الكتاب يخبرونك أنك مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل وأنك نبي يعرفونك بصفتك عندهم وقد توجه هاهنا سؤال واعتراض وهو أن يقال هل شك النبي صلى الله عليه وسلم فيما أنزل عليه أو في نبوته حتى يسأل أهل الكتاب عن ذلك وإذا كان شاكاً في نبوة نفسه كان غيره أولى بالشك منه. قلت: الجواب عن هذا السؤال والاعتراض ما قاله القاضي عياض في كتابه الشفاء فإنه أورد هذا السؤال، ثم قال: احذر ثبت الله قلبك أن يخطر ببالك ما ذكره فيه بعض المفسرين عن ابن عباس أو غيره من إثبات شك النبي صلى الله عليه وسلم فيما أوحي إليه فإنه من البشر فمثل هذا لا يجوز عليه صلى الله عليه وسلم جملة بل قال ابن عباس: حديث : لم يشك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسألتفسير : . ونحوه عن سعيد بن جبير والحسن البصري. وحكي عن قتادة أنه قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما أشك ولا أسأل"تفسير : وعامة المفسرين على هذا، ثم كلام القاضي عياض رحمه الله ثم اختلفوا في معنى الآية ومن المخاطب بهذا الخطاب على قولين أحدهما أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر والمراد به غيره فهو كقوله لئن أشركت ليحبطن عملك ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرك فثبت أن المراد به غيره ومن أمثلة العرب: إياك أعني واسمعي يا جارة. فعلى هذا يكون معنى الآية قل يا محمد، يا أيها الإنسان الشاك إن كنت في شك مما أنزلنا إليك على لسان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فاسأل الذين يقرؤون الكتاب يخبروك بصحته ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى في آخر هذه السورة قل يا أيها الناس إن كنتم في شك في ديني الآية فبين أن المذكور في هذه الآية على سبيل الرمز وهو المذكور في تلك الآية على سبيل التصريح وأيضاً لو كان النبي صلى الله عليه وسلم شاكاً في نبوته لكان غيره أولى بالشك في نبوته وهذا يوجب سقوط الشريعة بالكلية معاذ الله من ذلك وقيل إن الله سبحانه وتعالى علم أن النبي لم يشك قط فيكون المراد بهذا التهييج فإنه صلى الله عليه وسلم إذا سمع هذا الكلام يقول حديث : لا أشك يا رب ولا أسأل أهل الكتاب بل أكتفي بما أنزلته علي من الدلائل الظاهرةتفسير : . وقال الزجاج: إن الله خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله فإن كنت في شك وهو شامل للخلق فهو كقوله يا أيها النبي إذا طلقتم النساء وهذا وجه حسن لكن فيه بعد وهو أن يقال متى كان الرسول صلى الله عليه وسلم داخلاً في هذا الخطاب كان الاعتراض موجوداً والسؤال وارداً، وقيل: إن لفظة إن في قوله فإن كنت في شك للنفي ومعناه وما أنت في شك مما أنزلنا إليك حتى تسأل فلا تسأل ولئن سألت لازددت يقيناً. والقول الثاني: إن هذا الخطاب ليس هو للنبي صلى الله عليه وسلم البتة ووجه هذا القول إن الناس كانوا في زمنه على ثلاث فرق فرقة له مصدقون وبه مؤمنون وفرقة على الضد من ذلك والفرقة الثالثة المتوقفون في أمره الشاكون فيه فخاطبهم الله عز وجل بهذا الخطاب، فقال: تمجد وتعالى: فإن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته وإنما وحد الله الضمير في قوله فإن كنت وهو يريد الجمع لأنه خطاب لجنس الإنسان كما في قوله تعالى:{أية : يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم}تفسير : [الإِنفطار: 6] لم يرد في الآية إنساناً بعينه بل أراد الجمع واختلفوا في المسؤول عنه في قوله تعالى: {فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك} من هم فقال المحققون من أهل التفسير: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه لأنهم هم الموثوق بأخبارهم. وقيل: المراد كل أهل الكتاب سواء مؤمنهم وكافرهم لأن المقصود من هذا السؤال الإخبار بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو أنه مكتوب عندهم صفته ونعته فإذا أخبروا بذلك فقد حصل المقصود والأول أصح. وقال الضحاك يعني أهل التقوى وأهل الإيمان من أهل الكتاب ممن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم {لقد جاءك الحق من ربك} هذا كلام مبتدأ منقطع عما قبله وفيه معنى القسم تقديره أقسم لقد جاءك الحق اليقين من الخير بأنك رسول الله حقاً وأن أهل الكتاب يعلمون صحة ذلك {فلا تكونن من الممترين} يعني من الشاكين في صحة ما أنزلنا إليك {ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله} يعني بدلائله وبراهينه الواضحة {فتكون من الخاسرين} يعني الذين خسروا أنفسهم. واعلم أن هذا كله على ما تقدم من أن ظاهره خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره ممن عنده شك وارتياب فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشك ولم يرتب ولم يكذب بآيات الله فثبت بهذا أن المراد به غيره والله أعلم. قوله سبحانه وتعالى {إن الذين حقت عليهم} يعني وجبت عليهم {كلمة ربك} يعني حكم ربك وهو قوله سبحانه وتعالى: وخلقت هؤلاء للنار ولا أبالي وقال قتادة: سخط ربك وقيل لعنة ربك وقيل هو ما قدره عليهم وقضاه في الأزل {لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية} فإنهم لا يؤمنون بها {حتى يروا العذاب الأليم} فحينئذ لا ينفعهم شيء قوله سبحانه وتعالى: {فلولا} يعني فهلا {كانت قرية} وقيل معناه فما كانت قرية وقيل لم تكن قرية لأن في الاستفهام معنى الحجة والمراد هل كانت قرية {آمنت} يعني عند معاينة العذاب {فنفعها إيمانها} يعني في حال اليأس {إلا قوم يونس} هذا استثناء منقطع يعني لكن قوم يونس فإنهم آمنوا فنفعهم إيمانهم في ذلك الوقت وهو قوله {لما آمنوا} يعني لما أخلصوا الإيمان {كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} يعني إلى وقت انقضاء آجالهم واختلفوا في قوم يونس هل رأوا العذاب عياناً أم لا فقال بعضهم رأوا دليل العذاب فآمنوا؛ وقال الأكثرون إنهم رأوا العذاب عياناً بدليل قوله كشفنا عنهم عذاب الخزي والكشف لا يكون إلا بعد الوقوع أو إذا قرب وقوعه. (ذكر القصة في ذلك) على ما ذكره عبد الله بن مسعود وسعيد بن جبير ووهب وغيرهم قالوا: إن قوم يونس كانوا بقرية نينوى من أرض الموصل وكانوا أهل كفر وشرك فأرسل الله سبحانه وتعالى إليهم يونس عليه السلام يدعوهم إلى الإيمان بالله وترك عبادة الأصنام فدعاهم فأبوا عليه فقيل له أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث فأخبرهم بذلك فقالوا إنا لم نجرب عليه كذباً قط فانظروا فإن بات فيكم الليلة فليس بشيء وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم فلما كان جوف الليل خرج يونس من بين أظهرهم فلما أصبحوا تغشاهم العذاب فكان فوق رؤوسهم. قال ابن عباس: إن العذاب كان أهبط على قوم يونس حتى لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل فلما دعوا كشف الله عنهم ذلك. وقال مقاتل: قدر ميل، وقال سعيد بن جبير: غشي قوم يونس العذاب كما يغشى الثوب القبر، وقال وهب: غامت السماء غيماً أسود هائلاً يدخن دخاناً شديداً فهبط حتى غشي مدينتهم واسودت أسطحتهم فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك فطلبوا نبيهم يونس عليه السلام فلم يجدوه فقذف الله سبحانه وتعالى في قلوبهم فخرجوا إلى الصحراء بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم فلبسوا المسوح وأظهروا الإسلام والتوبة وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والدواب فحن البعض إلى البعض فحن الأولاد إلى الأمهات والأمهات إلى الأولاد وعلت الأصوات وعجوا جميعاً إلى الله وتضرعوا إليه وقالوا آمنا بما جاء به يونس وتابوا إلى الله وأخلصوا النية فرحمهم ربهم فاستجاب دعاءهم وكشف عنهم ما نزل بهم من العذاب بعد ما أظلهم وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء وكان يوم الجمعة. قال ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم فيما بينهم حتى أن كان الرجل ليأتي إلى الحجر وقد وضع أساس بنيانه عليه فيقلعه فيرده. وروى الطبري بسنده عن أبي الجلد خيلان قال: لما غشي قوم يونس العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا له إنه قد نزل بنا العذاب فما ترى قال قالوا يا حي حين لا حي ويا حي محيي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت فقالوها فكشف الله عنهم العذاب ومتعوا إلى حين. وقال الفضيل بن عياض: إنهم قالوا اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم وأجل فافعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله، قال: وخرج يونس وجعل ينتظر العذاب فلم ير شيئاً فقيل له ارجع إلى قومك قال وكيف أرجع إليهم فيجدوني كذاباً وكان من كذب ولا بينة له قال فانصرف عنهم مغاضباً فالتقمه الحوت وستأتي القصة في سورة والصافات إن شاء الله تعالى فإن قلت كيف كشف العذاب عن قوم يونس بعد ما نزل بهم وقبل توبتهم ولم يكشف العذاب عن فرعون حين آمن ولم يقبل توبته. قلت: أجاب العلماء عن هذا بأجوبة: أحدهما: أن ذلك كان خاصاً بقوم يونس والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. الجواب الثاني: أن فرعون ما آمن إلا بعد ما باشر العذاب وهو وقت اليأس من الحياة وقوم يونس دنا منهم العذاب ولم ينزل بهم ولم يباشرهم فكانوا كالمريض يخاف الموت ويرجو العافية. الجواب الثالث: أن الله عز وجل علم صدق نياتهم في التوبة فقبل توبتهم بخلاف فرعون فإنه ما صدق في إيمانهم ولا أخلص فلم يقبل منه إيمانه والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : وقوله عز وجل: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ...} الآية: الصوابُ في معنى الآية: أنها مخاطبةٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمراد بها سِوَاهُ مِنْ كُلِّ من يمكِنُ أن يشُكَّ أو يعارِض. * ت *: ورُوينَا عن أبي داود سُلَيْمَانَ بْنِ الأَشْعَثِ، قال: حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هَارُونَ، قال: حدَّثنا محمَّد بنِ عَمْرٍو، عن أَبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي اللَّه عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: « حديث : المِرَاءُ في القُرْآنِ كُفْرٌ »تفسير : ، قال عِيَاض في «الشفا»: تأول بمعنى «الشك»، وبمعنى «الجِدَال». انتهى. {ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ }: من أسلم من أهْلِ الكتاب، كٱبْنِ سَلاَمٍ وغيره، وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال لَمَّا نزَلَتْ هذه الآية: « أَنَا لاَ أَشُكُّ وَلاَ أَسْأَلُ»، ثم جزم سبحانه الخَبَر بقوله: {لَقَدْ جَاءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ }، واللام في «لَقَدْ» لامُ قَسَم. وقوله: {مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ} يريد به: من أَن بني إِسرائيل لم يختلفوا في أمْره إِلا مِنْ بعد مجيئهِ عَلَيْه السلام؛ هذا قول أهل التأويل قاطبة. قال * ع *: وهذا هو الذي يشبه أنْ تُرْجَى إِزالةُ الشَّكِّ فيه مِنْ قِبَلِ أَهْلِ الكتاب، ويَحتملُ اللفظُ أَنْ يريد بـــ {مَا أَنزَلْنَا } جميعَ الشرع. * ت *: وهذا التأويلُ عندي أُبَيْنُ إِذَا لُخِّص، وإِن كان قد ٱستبعده * ع *: ويكون المراد بـــ {مَا أَنزَلْنَا }: مَا ذكره سبحانه من قصصهم، وذِكْرِ صفته عليه السلام، وذكْرِ أنبيائهم وصِفَتِهم وسيرهم وسائِرِ أخبارهم الموافِقَةِ لِمَا في كتبهم المنزَّلة على أنبيائهم؛ كالتوراة والإِنجيل والزَّبُور والصُّحُف، وتكون هذه الآية تَنْظُر إِلى قوله سبحانه: { أية : مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ... } تفسير : [يوسف:111]، فتأمَّله، واللَّه أعلم. وأما قوله: هذا قولُ أهْل التأويل قاطبةً، فليس كذلكَ، وقد تكلَّم صاحب «الشفا» على الآية، فأحْسَنَ، ولفظهُ: واختلف في معنى الآية، فقيلَ: المرادُ: قُلْ يا محمَّد للشاكِّ: {إِن كُنتَ فِي شَكٍّ...} الآية، قالوا: وفي السورة نَفْسِهَا ما دلَّ على هذا التأويل، وهو قوله تعالى: { أية : قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي... } تفسير : الآية [يونس:104]، ثم قال عياضٌ: وقيل: إِن هذا الشكَّ: الذي أُمِرَ غَيْرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بسؤالِ الذين يقرؤون الكتاب عنه، إِنما هو في ما قصَّهُ اللَّه تعالى من أخبار الأمم، لا فيما دعا إِلَيْه من التوحيد والشريعة. انتهى. وقوله سبحانه: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ...} الآية: مما خوطِبَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، والمراد سواه. قال * ع *: ولهذا فائِدةٌ ليست في مخاطبة الناس به، وذلك شدَّة التخويفِ؛ لأنه إِذا كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يُحَذَّرُ مِنْ مثل هذا، فغيره من النَّاسِ أَوْلَى أَن يحذَّر ويتقى على نفسه. وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ }: أي: حقَّ عليهم في الأزل وخلقهم لعذابه {لاَ يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ } إِلا في الوقت الذي لا يَنْفَعهم فيه الإِيمان؛ كما صنع فرعون وأشباهه، وذلك وقتُ المُعَايَنَةِ.

البقاعي

تفسير : ولما كان ما مضى - من الآيات هذه السورة المبينة أن من أريدت شقاوته لا ينفعه مشاهدة الآيات - سبباً لنفي الشك عنها وإثبات اليقين بمضامينها بما سلف من الأدلة على تلك المضامين غلى أن ختم ذلك بذم من عمل عمل الشاك بعد أن جاء ما يوجب اليقين من العلم، وكان صلى الله عليه وسلم كما مضى في آخر التي قبلها أشفق الخلق لا سيما على العرب لا سيما على قومه منهم، وكانت الوصية قد برزت من الجناب الإلهي له بما يوافق طبعه من بذل الجهد في ملاطفتهم، كان ذلك جديراً بأن يحرك طبع البشر لتمني الإجابة لما يقترحون، وكان طلب ذلك بعد الفطام عنه من أفعال الشك في الجملة فأريد صرف النفس عنه بالكلية ولو بالخطور في البال فقيل مسبباً عما قبله: {فإن كنت} أي يا أرحم الخلق {في شك} ولم يرد بهذا الكلام حقيقته - والله أعلم - بل تقوية اليقين وتأكيده ورسوخه وتأييده بأن هذا أمر قد عزم عليه وفرغ منه فلا يحتمل مراجعة، وذلك لأن المعنى أن ثباتهم على الشقاوة أمر لا يعلم إلاّ من قبلنا، وذلك بأحد أمرين: إما بواسطة الأمين جبرئيل بما يأتي به من الوحي عنا غضاً طرياً محفوظاً من الغير فلا تحريف فيه ولا تبديل، وإما بواسطة أهل الكتاب عن أنبيائهم - وفي ذلك نزول درجتين مع تجويز التخويف والتبديل، وهذا ما لا يرضاه ذو همة علية ونفس أبية - فالمعنى: أنا قد أخبرتك بأن الآيات لا تزيد المقضي بشقائه إلاّ ضلالاً وأنا خبير بذلك {ولا ينبئك مثل خبير} فلا تطلب إجابتي إياهم إلى ما يقترحون عليك رجاء إيمانهم فإنهم لا يؤمنون بذلك {فإن كنت} أي في وقت من الأوقات {في شك} أي ولو قل {ممآ أنزلنآ} أي بعظمتنا واصلاً على لسان الواسطة {إليك} في ذلك {فسئل} أي بسبب ذلك الشك {الذين يقرءون} أي متتابعين لذلك {الكتاب} أي السماوي من اليهود والنصارى، فإنهم من الإحاطة بصحة ما أنزلنا إليك على حد عظيم. ومن آمن منهم أو كان منصفاً جدير بأن يزداد من فاوضه في ذلك إيماناً؛ ولما كانوا بعض من أوتي الكتاب في الزمن السالف، أثبت الجار فقال: {من قبلك} وهم عن ذلك الخبر بمراحل، فلا تجنح إلى سؤال غيري، وهذا مضمون قوله تعالى مؤكداً آتياً بحرف التوقع لأن كلاًّ من الأمرين في أحق مواضعه: {لقد جآءك الحق} أي الثابت الكامل ثباته وهو إمضاء العدل فيهم؛ وزاده تشريفاً وترغيباً فيه بقوله: {من ربك} أي المحسن إليك باصطفائك لذلك، فلذا سيق مساق البيان له من غير واو، فإذا ثبت أنه الحق أي الثابت أعلى الثبات تسبب عنه البعد من تزلزل من جاءه، فناسب اتباعه بقوله: {فلا تكونن} أكده لأنه حقيق بأن لا ينثني عنه أحد بوجه من الوجوه {من الممترين} أي الغافلين عن آيات الله فتطلب الفضل لأهل العدل؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا والله! ما شك طرفة عين ولا سأل أحداً منهم. ولما نهى عن ذلك لم يبق مما اقتضته القسمة العقلية إلاّ العناد ممن يمكن منه كما فعل بنو إسرائيل بعد مجيء العلم فأتبعه النهي عن مثل حالهم بقوله: {ولا تكونن} أي بوجه من الوجوه، والمراد بهذا أتباعه {من الذين كذبوا} أي فعلوا فعل المكذب مستهينين {بآيات الله} أي التي لا أعظم منها بإضافتها إلى من لا أعظم منه {فتكون} أي كوناً راسخاً {من الخاسرين} بل اثبت على ما أنت عليه من اليقين والطمأنينة والثقة بالله والسكينة، وهذا ونحوه مما غلظت فيه العبارة دلالة على مزيد قرب المخاطب وإن كان المراد غيره وعظيم منزلته ولطيف خصوصيته كما مضى بيانه عن الإمام أبي الحسن الحرالي رحمه الله في سورة براءة عند قوله تعالى {أية : عفا الله عنك} تفسير : [براءة: 43] - الآية، وتغليظ العبارة فيه تأديب عظيم لتابعيه؛ والشك: الوقوف بين النقيضين، وهو من شك العود فيما ينفذ فيه، لأنه يقف بذلك الشك بين جهتيه؛ والإنزال: نقل الشيء من علو إلى سفل؛ والامتراء؛ طلب التشكك مع ظهور الدليل، من مري الضرع وهو مسحه ليدر. ولما كان ما مضى من هذه الآيات وما كان من طرازها قاضياً بأنه لا تغني الآيات عنهم. صرح به قوله تعالى: {إن الذين حقت} أي وجبت وثبتت {عليهم} أي بأنهم أشقياء، وعبر بالاسم المفهم للإحسان إعلاماً بأنه ما أوجب عليهم العذاب إلاّ إحساناً إليه بما يقاسي من معالجتهم وغير ذلك من الحكمة فقال: {كلمت ربك} أي المحسن إليك في جميع أمرك {لا يؤمنون} أي لا قبول لهم لتجدد الإيمان {ولو جآءتهم كل آية} ونسبتها إلى قوله {لقد جاءك الحق} نسبة {لقد جاءك الحق} إلى {فإن كنت في شك} الآية في البيان المستفاد من حذف العاطف، وإذا كان الكلام في معنى واحد كان بمنزلة الكلمة الواحدة فسمي بها {حتى يروا العذاب الأليم} أي حين لا ينفعهم الإيمان لفوات شرطه كما لم ينفع فرعون لذلكأية : سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تحويلاً} تفسير : [الأحزاب: 62].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك‏} ‏ قال‏:‏ لم يشك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسأل‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك‏}‏ قال‏:‏ ‏ حديث : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: لا أشك ولا أسأل‏ . تفسير : وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك‏} ‏ قال‏:‏ التوراة والإِنجيل الذين أدركوا محمداً صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب فآمنوا به يقول‏:‏ سلهم إن كنت في شك بأنك مكتوب عندهم‏. وأخرج أبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سماك الحنفي قال‏:‏ قلت لابن عباس رضي الله عنهما إني أجد في نفسي ما لا أستطيع أن أتكلم به‏.‏ فقال‏:‏ شك‏؟‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ ما نجا من هذا أحد حتى نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ فإذا أحسست أو وجدت من ذلك شيئاً فقل ‏{أية : ‏هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم‏}‏ ‏تفسير : [‏الحديد: 3‏]‏. وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ خمسة أحرف في القرآن ‏{أية : ‏وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال‏} ‏تفسير : [‏إبراهيم: 26‏]‏ معناه وما كان مكرهم لتزول منه الجبال {أية : لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين‏}‏ ‏تفسير : [‏الأنبياء: 17‏]‏ معناه ما كنا فاعلين ‏{أية : ‏قل إن كان للرحمن ولد‏} ‏تفسير : [‏الزخرف: 81‏]‏ معناه ما كان للرحمن ولد ‏{أية : ‏ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه‏}‏ تفسير : ‏[‏الأحقاف: 26‏]‏ معناه في الذين ما مكناكم فيه ‏{‏فإن كنت في شك مما أنزلنا‏ إليك} ‏ معناه فما كنت في شك‏. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في قوله ‏ {‏فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك‏}‏ قال‏:‏ سؤالك إياهم نظرك في كتابي كقولك‏:‏ سل عن آل المهلب دورهم‏.

ابو السعود

تفسير : {فَإِن كُنتَ فِي شَكّ} أي في شك ما يسير على الفرْض والتقدير، فإن مضمونَ الشرطيةِ إنما هو تعليقُ شيءٍ بشيء من غير تعرُّضٍ لإمكان شيءٍ منهما كيف لا وقد يكون كلاهما ممتنعاً كقوله عز وجل: {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ }تفسير : [الزخرف: 81] وقوله تعالى: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } تفسير : [الزمر: 65] ونظائرِهما {مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ} من القصص التي من جملتها قصةُ فرعون وقومِه وأخبارُ بني إسرائيلَ {فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ} فإن ذلك محققٌ عندهم ثابتٌ في كتبهم حسبما ألقَينا إليك والمرادُ إظهارُ نبوتِه عليه السلام بشهادة الأحبارِ حسبما هو المسطورُ في كتبهم وإن لم يكن إليه حاجة أصلاً أو وصفُ أهلِ الكتاب بالرسوخ في العلم بصحة نبوتِه عليه السلام أو تهيـيجه عليه السلام وزيادةِ تثبـيتِه على ما هو عليه من اليقين لا تجويزِ صدورِ الشك منه عليه السلام ولذلك قال عليه السلام: «حديث : لا أشُكُّ ولا أسأَلُ»تفسير : وقيل: المرادُ بالموصول مؤمنو أهلِ الكتاب كعبد اللَّه بن سلام وتميمٍ الداري وكعبٍ وأضرابِهم وقيل: الخطابُ للنبـي عليه السلام والمرادُ أمتُه أو لكل من يسمع أي إن كنت أيها السامعُ في شك مما أنزلنا إليك على لسان نبـيِّنا، وفيه تنبـيهٌ على أن من خالجتْه شبهةٌ في الدين ينبغي أن يسارِعَ إلى حلها بالرجوع إلى أهل العلمِ فاسأل الذين يقرؤون الكتاب {لَقَدْ جَاءكَ ٱلْحَقُّ} الذي لا محيدَ عنه ولا ريبَ في حقيته {مِن رَبّكَ} وظهرَ ذلك بالآيات القاطعةِ التي لا يحوم حولَها شائبةُ الارتيابِ، وفي التعرّض لعنوان الربوبـيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام من التشريف ما لا يخفى {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} بالتزلزل عما أنت عليه من الجزم واليقينِ ودُمْ على ذلك كما كنت من قبل {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ} من باب التهيـيج والإلهابِ، والمرادُ به إعلامُ أن التكذيبَ من القبح والمحذوريةِ بحيث ينبغي أن يُنهى عنه من لا يُتصورُ إمكانُ صدورِه عنه فكيف بمن يمكن اتصافُه به وفيه قطعٌ لأطماع الكفرة {فَتَكُونَ} بذلك {مّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} أنفساً وأعمالاً {إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ} شروعٌ في بـيان سرِّ إصرارِ الكفرة على ما هم عليه من الكفر والضلالِ أي ثبتت ووجبتْ بمقتضى المشيئةِ على الحكمة البالغة {كَلِمَةُ رَبِّكَ} حكمُه وقضاؤه بأنهم يموتون على الكفر ويخلدون في النار كقوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنْى لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ } تفسير : [السجدة: 13] إلى آخره {لاَ يُؤْمِنُونَ} أبداً إذ لا كذِبَ لكلامه ولا انتقاضَ لقضائه أي لا يؤمنون إيماناً نافعاً واقعاً في أوانه فيندرج فيهم المؤمنون عند معاينةِ العذابِ مثلَ فرعونَ باقياً عند الموتِ فيدخل فيهم المرتدون.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} [الآية: 94]. قال ابن عطاء: مما فضلناك به وشرفناك، فسل الذين يقرءون الكتاب من قبلك وهم الأعداء، كيف وجدوا وصفك فى كتبهم وكيف رأوا فيها نشر فضائلك، يدل عليه قوله حين أنزلت عليه هذه الآية: "لا أشك لا أشك".

القشيري

تفسير : ما شكَّ - صلى الله عليه وسلم - فيما عليه أُنْزِل، ولا عن أحدٍ منهم ساءَل، وإنما هذا الخطابُ على جهة التهويل، والمقصود منه تنبيهُ القوم على ملازمة نهج السبيل. ويقال صفة أهل الخصوص ملاحظة أنفسهم وأحوالِهم بعين الاستصغار. ويقال فإنْ تَنَزَّلْتَ منزلةَ أهلِ الأدب في تَرْكِ الملاحظات فَسَلْ عَمَّن أرسلنَا قَبْلَكَ فهل بَلَّغْنَا أحداً منزلتك؟ وهل خَصَصْنَا أحداً بمثل تخصيصكَ؟

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} كان صلى الله عليه وسلم مصطفى فى الازل بشرط الرسالة والنبوة والمقام المحمود الذى خص به عن جميع خلقه فلما جاء عليه اوائل الاصطفائية ودلائل الرسالة وحقائق انوار الوصلة بغتة ولم يحصل له === الحاصل البداية تردد حاله وعارضه وسره وخاف من فوت الحال فتسلى الحق قلبه بخطابه واحاله الى رؤساء اخبار كتبه المنزلة ليعرفوا من هناك نشر فضائله واختصاصه فى الازل برسالته بما وجدوا فى كتبهم الا ترى كيف اراد ان تلقى نفسه من حبل جرى شوقا الى جبرئيل عليه السلام ورسالة الله سبحانه حتى جاء جبرئيل واخذه وتسلاه بسلام الله ووحيه والا ترى الى قوله زملونى زملونى ولا تعجب عن خواطر التردد عن البشر وان كان رفيعا فان شاهد القدم لو بقلب سربال الربوبية يبلغ قلوب الصديقين ويفنى ارواح المقربين من يتخلص من معارضة النفس بعد المكاشفة وتلك المعارضة يصدر من الحق امتحانا وعبرة حتى يطلع على الطالب شمس العناية وتمر السعادة فيرى الحق بالحق ويستقيم به له الا ترى كيف قال عليه السلام انه ليغان على قلبى وانى لاستغفر الله فى كل يوم سبعين مرة وكيف قال نحن اولى بالشك من ابراهيم ليس هذا شكا فى وعد الله انه دفع المعارضة والخطرات الا ترى اذ استقام وزال الامتحان من مقام العرفان والايقان كيف قال لا اشك ولا اشك لا تعجب مما ذكرنا فان الحق حق والخلق خلق حاشا انه كان فى شك انما كان فى رؤية جلال القدم يرى نفسه غريا عجيبا ويتعجب مما يرى من غائب وضوح الرؤية كان كمن لم ير فتحير فى امر الازلية واحكام الربوبية قد اضمحل الحدث فى القدم ويرى القدم ولم ير انه يرى القدم بالحدث فدهذ بين رؤيتين يسمع خطاب الازل فيرى الحدث متكلفا بين انوار القدم شعر : انا مبصر واظن انى نائم من كان يحلم بآلائه فاحلما كبر العيان على حتى انه صار اليقين من العيان توهما تفسير : قال ابن عطا فى قوله فان كنت فى شك مما انزلنا اليك مما فضلناك وشرفناك فاسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك وهم الاعداء كيف وجدوا وصفك فى كتبهم وكيف راوا فيها نشر فضائلك يدل عليه قوله عليه السلام حين انزلت هذه الاية لا اشك لا اشك.

اسماعيل حقي

تفسير : {فان كنت فى شك} اى فى شك ما يسير على الفرض والتقدير فان مضمون الشرطية انما هو تعليق شيء بشيء من غير تعرض لا مكان شيء منهما كيف لا وقد يكون كلاهما ممتنعا كقوله تعالى {أية : قل ان كان للرحمن ولد فانا اول العابدين} تفسير : {مما انزلنا اليك} من القصص التى من جملتها قصة فرعون وقومه واخبار بنى اسرائيل {فاسال الذين يقرأون الكتاب من قبلك} فان ذلك محقق عندهم ثابت فى كتبهم على نحو ما القينا اليك والمراد اظهار نبوته عليه السلام بشهادة الاحبار حسبما هو المسطور فى كتبهم وان لم يكن اليه حاجة اصلا او وصف اهل الكتاب بالرسوخ فى العلم بصحة نبوته او تهييجه عليه السلام وزيادة تثبيته على ما هو عليه من اليقين لا تجويز صدور الشك منه عليه السلام ولذلك قال عليه السلام "حديث : لا اشك ولا اسأل" تفسير : [ودرزاد المسير آورده كه ان بمعنى ماى نافيه است يعنى تودر شك نيستى اما براى زيادتى بصيرت سؤال كن ازاهل كتاب]. وقيل الخطاب للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم والمراد امته فانه محفوظ ومعصوم من الشكوك والشبهات فيما انزل وعادة السلطان الكبير اذا كان له امير وكان تحت راية ذلك الامير جمع فاراد السلطان ان يامر الرعية امر مخصوص بهم فانه لا يوجه خطابه لهم بل يوجه ذلك الخطاب لذلك الامير الذى جعله اميرا عليهم ليكون اقوى تاثيرا فى قلوبهم او الخطاب لكل من يسمع اى ان كنت ايها السامع فى شك مما انزلنا اليك على لسان نبينا وفيه تنبيه على ان من خالجه شبهة فى الدين ينبغى ان يسارع الى حلها بالرجوع الى اهل العلم شعر : جون جنين وسواس ديدى زودزود باخدا كردودرا اندر سجود سجده كه را تركن ازاشك روان كاى خدا ياوارهانم زين كمان كوندانستى مراد حق ازين فاسال اهل العلم حتى تطمئن تفسير : {لقد جاءك الحق} الذى لا ريب في حقيقته {من ربك} وظهر ذلك بالآيات القاطعة {فلا تكونن من الممترين} بالتزلزل عما انت عليه من الجزم واليقين ودم على ذلك كما كنت من قبل والامتراء التوقف فى الشيء والشك فيه وامره اسهل من امر المكذب فبدأ به اولا ونهى عنه واتبع به ذكر المكذب ونهى ان يكون منهم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {فإن كنتَ} يا محمد {في شكٍ مما أنزلنا إليك فاسألِ الذين يقرؤون من قَبلِكَ} الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد به: من وقع له شك، فإن الملك إذا إراد أن يُعرض بأحد؛ خاطب كبير القوم وهو يريد غيره، فهو كقول العامة: الكلام مع السارية وافهمي يا جارية. وأما النبي صلى الله عليه وسلم فهو بعيد من الشك؛ لأنه عين اليقين، وهو الذي علَّم الناس اليقين، ولذلك قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما نزلت "حديث : لا أشُكُ وَلاَ أَسأَل"تفسير : والمراد بالذين يقرؤون الكتاب: من أسلم منهم، كعبد الله بن سلام وغيره، أو فإن كنت أيها المستمع في شك مما أنزلنا إليك على لسان فاسأل... الخ، وفيه تنبيه على أن من خالجته شبهة في الدين ينبغي أن يسارع إلى حلها، بالرجوع إلى أهل اليقين إن كانت في التوحيد، أو إلى أهل العلم إن كانت في الفروع. قال ابن عطية: الخواطر التي لا ينجو منها أحد، هي خلاف الشك الذي يحال فيه على الاستشفاء بالسؤال. هـ. أي: فإنها معفوّ عنها. ثم قال تعالى: {لقد جاءك الحقُّ من ربك} واضحاً لا مدخل للمرية فيه بالآيات القاطعة {فلا تكوننَّ من الممتَرين}: الشاكِّين بالتزلزل على ما أنت عليه من الجزم واليقين، {ولا تكوننَّ من الذين كذَّبوا بـآيات الله فتكون من الخاسرين}، وهذا كله يجري على ما تقدم من أنه لكل سامع. وقال البيضاوي: هو من باب التهييج والتثبيت، وقطع الأطماع عنه، كقوله: {أية : فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ}تفسير : [القصص: 86]. هـ. الإشارة: لا تنقطع عن العبد الأوهام والشكوك والخواطر، حتى يدخل مقام الإحسان، ويكاشف بمقام الشهود والعيان، بالغيبة عن حس الأكوان، بسطوع أنوار المعاني عند غيبة الأواني، ومن غاب عن حس نفسه غاب عنه حس جميع الأكوان؛ وذلك بصحبة أهل العرفان، الذين سلكوا الطريق حتى أفضوا إلى عين التحقيق، فزاحت عنهم الشكوك والأوهام، وانحلت عنهم الشُّبَه، وزالت عن قلوبهم الأسقام، واطلعوا على تاويل المتشابه من القرآن، فبصحبة هؤلاء ترتفع الخواطر والشكوك، ويرتفع العبد إلى حضرة ملك الملوك، فجلوس ساعة مع هؤلاء تعدل عبادة سنين. وفي بعض الآثار: (تعلموا اليقين بمجالسة أهل اليقين) قلت: وقد مَنَّ الله علينا بمعرفتهم وصحبتهم، بعد أن تحققنا بخصوصيتهم، فللّه الحمد وله الشكر. ثم أخبر عمن سبق له الشقاء، فلا ينفع فيه سؤال ولا صبحة، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ}.

الطوسي

تفسير : هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمّد صلى الله عليه وآله يقول له {إن كنت في شك مما} أي من الذي {أنزلنا إليك} والشك هو توقف النفس فيما يخطر بالبال عن اعتقاده على ما هو به، وعلى ما ليس به. وقيل: إن هذا وإن كان خطاباً للنبي صلى الله عليه وآله فان المراد به الذين كانوا شاكين في نبوته. وقال قوم: إن معناه فان كنت أيها السامع في شك مما أنزلنا على نبينا اليك، ومثله قول القائل لعبده: إن كنت مملوكي فانتبه إلى امري. وقوله الرجل لابنه: ان كنت ابني فبرني. وقوله: إن كنت والدي فتعطف علي. وحكى الزجاج وجهاً ثالثاً وهو أن يكون معنى (إن) معنى (ما) والتقدير: ما كنت في شك مما أنزلنا اليك {فاسأل الذين} أي لسنا نريد بأمرك لانك شاك لكن لتزداد بصيرة، كما قال لابراهيم { أية : أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } تفسير : وقوله {فاسأل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك} قيل: انما أمره بأن يسأل اهل الكتاب مع جحد اكثرهم لنبوته لامرين: احدهما - ان يكون امره بأن يسأل من آمن من اهل الكتاب كعبد الله بن سلام وكعب الاحبار وابن صوريا، ذهب اليه ابن عباس ومجاهد وابن زيد والضحاك. والثاني - سلهم عن صفة النبي صلى الله عليه وآله المبشر به في كتبهم ثم انظر فمن وافق فيه تلك الصفة. وقال البلخي ذلك راجع إلى قوله {فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم} فأمره بأن يسألهم هل الأمر على ذلك؟ فانهم لا يمتنعون عن الاخبار به ولم يأمره بان يسألهم هل هو محق فيه أم لا؟ ولا ان ما انزله عليه صدق ام لا؟ ووجه آخر وهو انه انما امره أن يسألهم ان كان شاكاً ولم يكن شاكاً فلا يجب عليه مسألتهم وهذا معنى ما روي عنه صلى الله عليه وآله انه قال "حديث : ما شككت ولا انا شاك ". تفسير : وقوله {لقد جاءك الحق من ربك} قسم منه تعالى بأنه قد جاءك يا محمّد الحق من عند ربك لان لام (لقد) القسم. وقوله {فلا تكونن من الممترين} اي لا تكونن من الشاكين. والامتراء طلب الشك مع ظهور الدليل، وهو من مري الضرع اي مسحه ليدر، فلا معنى لمسحه بعد دروره بالحلب. وقال سعيد بن جبير والحسن وقتادة وابو عبد الله عليه السلام: لم يسأل النبي صلى الله عليه وآله ويقوي ان الخطاب متوجه إلى النبي والمراد به غيره قوله بعد هذا {قل يا أيها الناس إن كنتم في شك}.

الجنابذي

تفسير : {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} والمراد بما انزل خلافة علىّ (ع) او ما اوحى اليه (ص) ليلة الاسراء من عظمة مقام علىّ (ع) كما فى الخبر ولم يكن له شكّ لكنّه من باب ايّاك اعنى واسمعى يا جارة او الخطاب عامّ {فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} قد مرّ مراراً انّ الحقّ المضاف هو الولاية المطلقة ومظهرها علىّ (ع) وكلّ حقّ حقّ بحقّيّته { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} واصل الآيات هى الآية الكبرى الّتى هى ولاية علىّ (ع) {فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} لانفاقك فى ردّ الآيات بضاعتك الّتى آتاك الله لتنفقه فى تصديق الآيات.

فرات الكوفي

تفسير : {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك94} فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن زرارة بن أعين قال: قلت لأبي جعفر [عليه السلام. ب] آية في كتاب الله [تعالى. ر] نسألك [أ، ر:تشكّك] قال: وما هي [ر: ما قال الله] قلت: قوله: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك} [الآية. ر] مَنْ هؤلاء الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسؤالهم فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أسري به إِلى السماء فصار في السماء الرابعة جمع الله لي النبيين والصديقين والملائكة، فأذن جبرئيل [عليه السلام. ر] وأقام الصلاة ثم تقدم رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلّم. ب] فصلى بهم فلما انصرف قال: بم تشهدون؟ قالوا: نشهد أن لا إله إِلا الله وأنّك رسول الله وأن علياً أمير المؤمنين فهو معنى قوله: {فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك}.

الهواري

تفسير : قال الحسن: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ} يقول: لو سألت الذين يقرأون الكتاب من قبلك لأخبروك، وليس يقول: سَلْهم لتعلم ذلك منهم. قال: {لَقَدْ جَاءَكَ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ} أي: من الشاكّين. {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذِّبُوا بِآيَاتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الخَاسِرِينَ}. قوله: { إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} وهم الذين يلقون الله عزّ وجلّ بكفرهم. {وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ} أي: الموجع. أي: إن الآية إذا جاءتهم فلم يؤمنوا جاءهم العذاب، فإذا رأوا العذاب آمنوا فلا يُقبل منهم. قوله: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا} يقول: لو آمنت قبل نزول العذاب عليها لنفعها إيمانها. فلم يفعل ذلك أهل قرية فيما خلا { إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا ءَامَنُوا} أي: قبل أن ينزل عليهم العذاب { كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ} أي عذاب الهون { فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: عن الذين لو كانوا لم يؤمنوا قبل أن ينزل بهم العذاب نزل بهم الخزي. ولو كان نزل بهم ثم آمنوا لم يقبل منهم الإِيمان. قال الله: (أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُونَ)تفسير : [غافر:85]. قال بعضهم: يقول: لم يكن هذا في الأمم قبلكم، لم يكن ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين عاينت عذاب الله إلا قوم يونس. وقال: ذكر لنا أن قوم يونس كانوا من أرض الموصل. فلما فقدوا نبيَّهم قذف الله في قلوبهم التوبة، فلبسوا المسوح، وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، فَحَجُّوا إلى الله أربعين ليلة. فلما عرف الله الصدق من قلوبهم، والتوبة والندامة على ما مضى منهم، كشف عنهم العذاب بعدما نزل بهم. وقال بعضهم: كان بينهم وبين العذاب أربعة أميال. وذكروا أن مجاهداً قال: {فَنَفَعَهَا} أي: كما نفع قومَ يونس إيمانُهم، فلم يكن ذلك. قوله: {كَشَفْنَا عَنْهُمْ}، أي: صرفنا عنهم. قوله: { وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} يعني إلى الموت بغير عذاب.

اطفيش

تفسير : {فإنْ كُنتَ فى شَكٍّ} تردد وقد استعمل فى الظن وهو محتمل هنا، والشك ضرب من الجهل، وكل شك جهل، وليس كل جهل شك، فبينهما عموم وخصوص مطلقان {ممَّا أنزَلنا إليْكَ} أى القرآن والقصص، والصحيح عندى الأول، ولو ضعفه بعض، وهذا الشك على سبيل الفرض والتقدير، لا على إثبات أنه شاك حاشاه. {فاسْأل الِّذينَ يقْرءُونَ الكِتابَ} التوراة، أو حقيقة الكتاب فيشملها، والإنجيل جميعا {مِنْ قَبلكَ} كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار ونحوهما، ممن آمن من علماء أمر الكتاب، فإنهم الموثوق بجوابهم لإيمانهم، قاله الضحاك، ونسب للمحققين، وقيل: المراد علماؤهم مطلقا، فإن أمرك محقق فى كتبهم، على نحو ما ألقينا إليك، أقروا أو جحدوا. "حديث : روى أنه لما نزل ذلك قال صلى الله عليه وسلم: "لا أشك يا رب ولا أسأل أهل الكتاب، بل أكتفى بما أنزلت علىَّ"" تفسير : فالمراد تهييج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزيادة تثبيت له، وتحقيق أمره، والاستشهاد عليه بما فى الكتب المتقدمة، وليس كما قيل المراد، فالتحقيق للأمر، والاستشهاد، وأما التهييج بل المراد كلاهما، فإن قوله: {إن كنت فى شك} تهييج وقوله: {فاسأل} الخ تحقيق واستشهاد، ويجوز أن يكون المراد التهييج، وبيان أن أمرك عِلْم قد رسخ فيه أهل الكتاب. وقيل: الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم، والمراد من شك، ويناسبه: {أية : قل يا أيها الناس إن كنتم فى شك من دينى} تفسير : وقيل الخطاب للشمول، أى فإن كنت فى شك يا من يمكن منه الشك، والآية تشير إلى المسارعة إلى أهل العلم إذا اعترت شبهة. {لَقَد جاء الحقُّ مِنْ ربِّكَ} أى ما لا يقبل الشك {فلا تكونَنَّ مِنَ الممتَرينَ} الشاكين، والامتراء افتعال من المرية.

اطفيش

تفسير : {فَإِنْ كُنْتَ فِى شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ} يا محمد مما متعلق بشك أَى شك فيما أَنزلنا أَو بسبب ما أَنزلنا والفاء لمجرد الترتيب الذكرى أَو للسببية، لأَن ذكر القصة فى الجملة سبب للشك، والمراد مما أَنزلنا إِليك من القصص، والمراد الشك على سبيل الفرض والتقدير، كقوله تعالى: "أية : قل إِن كان للرحمن ولد"تفسير : [الزخرف: 81] وقوله: "أية : فإِن استعطعت أَن تبتغى نفقاً فى الأَرض"تفسير : [الأَنعام: 35] إِلخ وقيل الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد أُمته، أَو كل من يسمع، ولا ينافيه قوله عز وجل: "مما أَنزلنا إِليك" فإِنه كقوله تعالى: "أية : وأَنزلنا إِليكم نورا مبيناً"تفسير : [النساء: 174] وما أَنزلنا إِليه فقد أُنزل إِلينا، وقيل: الشك الضيق والشدة لأَن الشك سبب لها وملزوم فى الجملة، تسأَل أَهل الكتاب فيخبرونك بما لقيت الرسل فتصبر كما صبروا، وهو ضعيف ولا يجوز أَن يكون الخطاب فى كنت لمن يصلح للشك وفى إِليك لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأَنه لا يجوز خطابان فى كلام واحد مثل أَن تقول أَكرمك وتريد بخطاب أَكرم زيد، وبخطاب الكاف عمرا وقيل إِن نافية واسأل جواب لمحذوف تقديره إِن أَردت زيادة نفى الشك فاسأَل ولا بأْس بهذا، ولو قيل: هو خلاف الظاهر {فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرءُونَ الْكِتَابَ} نحو التوراة والإِنجيل {مِنْ قَبْلِكَ} فإِن ما أَنزلنا إِليكَ هو عندهم فى كتبهم يخبرونك بصدقه ولو أَنكر بعضهم، قال صلى الله عليه وسلم: حديث : يا رب لم أَشك فلا أَسأَلتفسير : ، رواه عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة، وكان عمر يسأَل أَهل الكتاب فغضب صلى الله عليه وسلم جداً، فقال: حديث : لو كان أَخى موسى حياً لم يسعه إِلا اتباعىتفسير : ، وهذا تهييج له صلى الله عليه وسلم على زيادة الثبوت برسوخ علماء أَهل الكتاب فى معرفة رسالته صلى الله عليه وسلم إِلى كل أَحد، ويتحقق ذلك فى كتبهم، وقيل الخطاب فى ذلك كله لمن يصلح له ولا يعارضه أَنزلنا إِليك ما أَنزل إِليه صلى الله عليه وسلم أُنزل إِلى أُمته، وفى الآية أَنه يجب على كل من خالجته شبهة فى أَمر الدين أَن يسارع إِلى حلها بالرجوع إِلى أَهل العلم، وإِن لم يجد من يحلها وجب عليه أَن يعتقد أَنى فى هذا على ما هو الحق عند الله، وانتظر الفتح فإِن شك هل يوصف الله بكذا سارع إِلى تبديد التوحيد بقوله ليس كمثله شىءٌ، وهيجه أَيضاً على زيادة الثبات بقوله {لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنَّ رَّبِّكَ} واضحاً لا يقبل شكاً ولا شبهة فى أَنكَ رسول إِلى كل أَحد، وأَن هذا عند أَهل الكتاب، وزاد التهييج بقوله عز وجل {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} الشاكين فتزلزل عما أَنت فيه وزاد بقوله: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وفى تلك التهييجات قطع لأَطماع الكفار، وعن أَن يترك الحق وإِعلام بأَن الامتراءَ والتكذيب بلغا فى القبح إِلى حيث ينبغى أَن ينهى عنهما من لا يملك أَن يتصف بهما.

الالوسي

تفسير : {فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} أي في شك ما يسير، والخطاب قيل: له صلى الله عليه وسلم والمراد إن كنت في ذلك على سبيل الفرض والتقدير لأن الشك لا يتصور منه عليه الصلاة والسلام لانكشاف الغطاء له ولذا عبر ـ بأن ـ التي تستعمل غالباً فيما لا تحقق له حتى تستعمل في المستحيل عقلاً وعادة كما في قوله سبحانه: {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ }تفسير : [الزخرف: 81] وقوله تعالى: {أية : فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الأنعام: 35] وصدق الشرطية لا يتوقف على وقوعها كما هو ظاهر؛ والمراد بالموصول القصص، أي إن كنت في شك من القصص المنزلة إليك التي من جملتها قصة فرعون وقومه وأخبار بني إسرائيل. {فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءَونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ} فإن ذلك محقق عندهم ثابت في كتبهم حسبما أنزلناه إليك، وخصت القصص بالذكر لأن الأحكام المنزلة إليه عليه الصلاة والسلام ناسخة لأحكامهم مخالفة لها فلا يتصور سؤالهم عنها، والمراد بالكتاب جنسه فيشمل التوراة والإنجيل وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ويؤيده أنه قرىء {الكُتبْ} بالجمع، وفسر الموصول بمن لم يؤمن من أهل الكتاب لأن إخبارهم بما يوافق ما أنزل المترتب على السؤال أجدى في المقصود، وفسره بعضهم بالمؤمنين منهم كعبد الله بن سلام وتميم الداري ونسب ذلك إلى ابن عباس والضحاك ومجاهد وتعقب بأن ابن سلام وغيره إنما أسلموا بالمدينة وهذه السورة مكية، وينبغي أن يكون المراد الاستدلال على حقية المنزلة والاستشهاد بما في الكتب المتقدمة على ما ذكر وأن القرآن مصدق لها، ومحصل ذلك أن الفائدة دفع الشك إن طرأ لأحد غيره صلى الله عليه وسلم بالبرهان أو وصف أهل الكتاب بالرسوخ في العلم بصحة نبوته صلى الله عليه وسلم وتوبيخهم على ترك الإيمان أو تهييج الرسول عليه الصلاة والسلام وزيادة تثبيته، وليس الغرض إمكان وقوع الشك له صلى الله عليه وسلم أصلاً، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام حين جاءته الآية على ما أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة: «لا أشك ولا أسأل». وزعم الزجاج أن {إن} نافية وقوله سبحانه: {فَاسْأَلِ} جواب شرط مقدر أي ما كنت في شك مما أنزلنا إليك فإن أردت أن تزداد يقيناً فاسأل وهو خلاف الظاهر وفيما ذكر غنى عنه، ومثله ما قيل: إن الشك بمعنى الضيق والشدة بما يعاينه صلى الله عليه وسلم من تعنت قومه وأذاهم أي إن ضقت ذرعاً بما تلقى من أذى قومك وتعنتهم فاسأل أهل الكتاب كيف صبر الأنبياء عليهم السلام على أذى قومهم وتعنتهم فاصبر كذلك بل هو أبعد جداً من ذلك، وقيل: الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته أو لكل من يسمع أي إن كنت أيها السامع في شك مما أنزلنا على لسان نبينا إليك فاسأل، {فَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} على هذا نظير قوله سبحانه: {أية : وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً}تفسير : [النساء: 174] وفي جعل القراءة صلة الموصول إشارة إلى أن الجواب لا يتوقف على أكثر منها، وفي الآية تنبيه على أن من خالجته شبهة في الدين ينبغي له مراجعة من يزيلها من أهل العلم بل المسارعة إلى ذلك حسبما تدل عليه الفاء الجزائية بناءً على أنها تفيد التعقيب. {لَقَدْ جَآءكَ ٱلْحَقُّ} الواضح الذي لا محيد عنه ولا ريب في حقيته {مِن رَبّكَ} القائم بما يصلح شأنك {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} أي بالتزلزل عما أنت عليه من الحزم واليقين ودم على ذلك كما كنت من قبل، والامتراء الشك والتردد وهو أخف من التكذيب فلذا ذكر أولا، وعقب بقوله سبحانه: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ}.

ابن عاشور

تفسير : تفريع على سياق القصص التي جعلها الله مثلاً لأهل مكة وعظة بما حل بأمثالهم. انتقل بهذا التفريع من أسلوب إلى أسلوب كلاهما تعريض بالمكذبين، فالأسلوب السابق تعريض بالتحذير من أن يحل ما حل بالأمم المماثلة لهم، وهذا الأسلوب الموالي تعريض لهم بشهادة أهل الكتاب على تلك الحوادث، وما في الكتب السابقة من الأنباء برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فالمراد من {ما أنزلنا إليك} هو المنزل الذي تفرع عليه هذا الكلام وهو ما أنزل في هذه السورة من القصص. ثم أن الآية تحتمل معنيين لا يستقيم ما سواهما؛ أولهما: أن تبقى الظرفية التي دلت عليها (في) على حقيقتها، ويكون الشك قد أطلق وأريد به أصحابه، أي فإن كنت في قوم أهل شك مما أنزلنا إليك، أي يشكون في وقوع هذه القصص، كما يقال: دخل في الفتنة، أي في أهلها. ويكون معنى {فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك} فاسأل أهل الكتاب سؤال تقرير وإشهاد عن صفة تلك الأخبار يخبروا بمثل ما أخبرتهم به، فيزول الشك من نفوس أهل الشك إذ لا يحتمل تواطؤك مع أهل الكتاب على صفة واحدة لتلك الأخبار. فالمقصود من الآية إقامة الحجة على المشركين بشهادة أهل الكتاب من اليهود والنصارى قطعاً لمعذرتهم. وثانيهما: أن تكون (في) للظرفية المجازية كالتي في قوله تعالى: {أية : فلا تكُ في مرية مما يعبد هؤلاء}تفسير : [هود: 109] ويكون سوق هذه المحاورة إلى النبي صلى الله عليه وسلم على طريقة التعريض لقصد أن يسمع ذلك المشركون فيكون استقرار حاصل المحاورة في نفوسهم أمكن مما لو ألقي إليهم مواجهة. وهذه طريقة في الإلقاء التعريضي يسلكها الحكماء وأصحاب الأخلاق متى كان توجيه الكلام إلى الذي يقصد به مظنة نفور كما في قوله تعالى: {أية : لئن أشركت ليحبطنّ عملك ولتكُونَنّ من الخاسرين}تفسير : [الزمر: 65] أو كان في ذلك الإلقاء رفق بالذي يقصد سوق الكلام إليه كما في قصة الخصم من اللذين اختصما إلى داود المذكورة في سورة ص. وكلا الاحتمالين يلاقي قوله: {فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك} فإنه يقتضي أن المسؤول عنه مما لا يكتمه أهل الكتاب، وأنهم يشهدون به، وإنما يستقيم ذلك في القصص الموافقة لما في كتبهم فإنهم لا يتحرجون من إعلانها والشهادة بها. وغير هذين الاحتمالين يعكر عليه بعض ما في الآية، ويقتضي أن المخاطب النبي صلى الله عليه وسلم لمكان قوله: {من قبلك}. وليس المراد بضمائر الخطاب كل من يصح أن يخاطب، لأن قوله: {مما أنزلنا إليك} يناكد ذلك إلا بتعسف. وإنما تكون جملة: {فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك} جواباً للشرط باعتبار ما تفيده مادة السؤال من كونهم يجيبون بما يزيل الشك، فبذلك يلتئم التلازم بين الشرط والجواب، كما دلت عليه جملة: {لقد جاءك الحق من ربك}. وقرأ الجمهور {فاسأل} بهمزة وصل وسكون السين وهمزة بعد السين. وقرأه ابن كثير والكسائي {فسَل} بفتح السين دون همزة الوصل وبحذف الهمزة التي بعد السين مخفف سَأل. فجملة: {لقد جاءك الحق من ربك} مستأنفة استئنافاً بيانياً لجواب سؤال ناشىء عن الشرط وجوابه، كأنّ السامع يقول: فإذا سألتهم ماذا يكون، فقيل: لقد جاءك الحق من ربك. ولما كان المقصود من ذلك علم السامعين بطريق التعريض لا علم الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لأنه ليس بمحل الحاجة لإعلامه بأنه على الحق قرنت الجملة بحرفي التأكيد، وهما: لام القسم وقد، لدفع إنكار المعرّض بهم. وبذلك كان تفريع {فلا تكونن من الممترين} تعريضاً أيضاً بالمشركين بأنهم بحيث يُحذر الكون منهم. والامتراء: الشك فيما لا شبهة للشك فيه. فهو أخص من الشك. وكذلك عطف {ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله} وهو أصرح في التعريض بهم {فتكون من الخاسرين}. وهذا يقتضي أنهم خاسرون. ونظيره {أية : لئن أشركت ليحبطنّ عملُك ولتكوننّ من الخاسرين}تفسير : [الزمر: 65]، وحاصل المعنى: فإن كنتم شاكين في صدق ما أنزلنا على محمد مما أصاب المكذبين قبلَكم فاسألوا أهل الكتاب يخبروكم بأن ذلك صدق، لقد جاءكم الحق من رب محمد صلى الله عليه وسلم فلا تكونوا شاكّين ولا تكذبوا بآيات الله فتكونوا خاسرين.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: شك: ما قابل التصديق فالشاك غير المصدق. مما أنزلنا إليك: أي في أن بني إسرائيل لم يختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم. الكتاب: أي التوراة والإِنجيل. فلا تكونن من الممترين: أي لا تكونن من الشاكين. حقت عليهم: أي وجبت لهم النار بحكم الله بذلك في اللوح المحفوظ. حتى يروا العذاب: أي يستمرون على تكذيبهم حتى يروا العذاب فيؤمنوا حيث لا ينفع الإِيمان. معنى الآيات: يقرر تعالى نبوة رسوله {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} أحبار اليهود ورهبان النصارى فإنهم يعرفون نعوتك وصفاتك في التوراة والإِنجيل وإنك النبي الخاتم والمنقذ وأن من آمن بك نجا ومن كفر هلك وهذا من باب الفرض وليكون تهييجاً للغير ليؤمن وإلا فهو صلى الله عليه وسلم قد قال: (لا أشك ولا أسأل) وقوله {لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ}، يقسم تعالى لرسوله بأنه قد جاءه الحق من ربه وهو الحديث الثابت بالوحي الحق وينهاه أن يكون من الممترين أي الشاكين في صحة الإِسلام، وأنه الدين الحق الذي يأبى الله إلا أن يظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وقوله {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} أي وينهاه أيضاً أن يكون من الذين كذبوا بوحي الله وشرعه ورسوله المعبر عنها بالآيات لأنها حاملة لها داعية إليها، فتكون من الخاسرين يوم القيامة. وهذا كله من باب "إياك أعني واسمعي يا جاره" وإلا فمن غير الجائز أن يشك الرسول أو يكذب بما أنزل عليه من الآيات الحاملة من الشرائع والأحكام. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ} هو كما أخبر عز وجل فالذين قضى الله بعذابهم يوم القيامة فكتب ذلك في كتاب المقادير عنده هؤلاء لا يؤمنون أبداً مهما بذل في سبيل إيمانهم من جهد في تبيين الحق وإقامة الأدلة وإظهار الحجج عليهم وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم من جراء ما يألم له ويحزن من إعراض كفار قريش وعدم استجابتهم وقوله {وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ} تأكيد للحكم السابق وهو أن الذي حكم الله بدخولهم النار لا يؤمنون ولا يموتون إلا كافرين لينجز الله ما وعد ويمضي ما قضى وحكم. وقوله: {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} أي يستمرون على كفرهم بك وبما جئت به حتى يشاهدوا العذاب الأليم وحينئذ يؤمنون كما آمن فرعون عندما أدركه الغرق ولكن لم ينفعه إيمانه فكذلك هؤلاء المشركون من قومك الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم وعندئذ لا ينفعهم إيمانهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم. 2- سؤال من لا يعلم من يعلم. 3- التكذيب بآيات الله كفر وصاحبه من الخاسرين. 4- الشك والافتراء في أصول الدين وفروعه كفر. 5- تقرير عقيدة القضاء والقدر، وإن الشقي من شقي في كتاب المقادير والسعيد من سعد فيه. 6- عدم قبول توبة من عاين العذاب في الدنيا بأن رأى ملك الموت وفي الآخرة بعد أن يبعث ويشاهد أهوال القيامة.

القطان

تفسير : {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ}. الخطابُ للرسول الكريم ويقول: ان كنت يا محمد في شك مما أنزل الله اليك، من هذا القصص او غيره فاسألْ أهلَ الكتاب.. إن لديهم عِلماً يقرأونه في كتبهم، وفيها الجواب القاطع الموافق لما أنزلنا عليك. ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يشكّ فيما أُنزِلَ اليه، وقد روى ابن جرير وعبد الرزاق عن قتادة "حديث : ان الرسول الكريم قال حين نزول الآية: لاَ أشُكُ ولا أسأل" تفسير : وانما كان هذا تثبيتاً للرسول لشدّة الموقف وتأزّمه في مكة بعد حادث الاسراء، وبخاصة ان بعض من أسلموا قد ارتدوا آنذاك، وبعد موت خديجة وأبي طالب، واشتدوا الأذى على الرسول واصحابه. {لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ}. لقد جاءك الحق الواضح يا محمد بأنك رسولُ الله، فلا تكونَنَّ من الشاكِّين في صحة ذلك. {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}. إياك ان تكون أنت أو أحد من الّذين اتبعوك، من الذين يكذّبون بآياتنا البينات!، اذا ذَاك يحلّ عليك الخُسران والغضب. والخطابُ ههنا للرسول الكريم ولكن المراد به هو وكل من يساوره ادنى شك في صدق رسالته. {إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}. ان الّذي سَبَق عليهم قضاءُ الله بالكفرِ لمِا عَلِمَ من عنادِهم وتعصبُّهِم، لا يؤمنون.. وذلك لرسوخهم في الكفر والطغيان. وحتى لو جئتَهم يا محمد بكل حجّة واضحة فإنهم لنْ يقتنعوا، بل يظلّوا على ضلالهم، وإلى أن يحلّ بهم العذاب الأليم.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَاسْأَلِ} {ٱلْكِتَابَ} {يَقْرَءُونَ} (94) - فَإِنَّهُ كَانَ فِي نَفْسِكَ شَكٌّ، مِمَّا أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ، مِنَ القُرْآنِ، وَمَا جَاءَ فِيهِ مِنَ الشَّوَاهِدِ، مِنْ قِصَّةِ هُودٍ وَنُوحٍ وَمُوسَى وَغَيْرِهِمْ فَرْضاً وَتَقْدِيراً، فَاسْأَلْ مَنْ لَهُمْ عِلْمٌ بِالكُتُبِ التِي جَاءَتْ قَبْلَكَ، فَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا جَاءَ فِي هَذِه ِالكُتُبِ مِنَ البِشَارَةِ بِبَعْثِكِ رَسُولاً مِنَ اللهِ إِلى النَّاسِ، وَحِينَئِذٍ تَعْلَمُ يَقِيناً أَنَّ الذِي جَاءَكَ مِنْ رَبِّكِ هُوَ الحَقُّ، فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُتَشَكِّكِينَ. (وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ العَرَبِ أَنْ يُقَدِّرُوا الشَّكَّ فِي الشَّيءِ لِيَبْنُوا عَلَيْهِ مَا يَنْفِي احْتِمَالَ وُقُوعِهِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ لابْنِهِ: إنْ كُنْتَ ابْنِي فَكُنْ شُجَاعاً). المُمْتَرِينَ - المُتَشَكِّكِينَ، المُتَزَلْزِلِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ونحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال من البداية إنه لا يشك في رسالته، وحين وعده أهله بالسيادة قال: "حديث : والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته ". تفسير : نقول: إن الحق سبحانه وتعالى يضمر خطاب الأمة في خطاب رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأتباع حين يقرأون ويسمعون الخطاب وهو موجَّه بهذا الأسلوب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فهم لن يستنكفوا عن أيِّ أمر يصدر إليهم. ومثال ذلك: لو أن قائداً يصدر أمراً لاثنين من مساعديه اللذين يقودان مجموعتين من المقاتلين، فيقول القائد الأعلى لكل منهما: إياك أن تفعل كذا أو تصنع كذا. والقائد الأعلى بتعليماته لا يقصد المساعدين له، ولكنه يقصد كل مرءوسيهم من الجند. وجاء الأمر هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لتفهم أمته أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان ليتأبَّى على أمر من أوامر الله، بل هو صلى الله عليه وسلم ينفّذ كل ما يؤمر به بدقة؛ وذلك من باب خطاب الأمة في شخصية رسولها صلى الله عليه وسلم. وقول الحق سبحانه: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ ..} [يونس: 94]. هذا القول دليل على أن الذين عندهم علم بالكتاب من السابقين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعرفون الحقائق الواضحة عن رسالته صلى الله عليه وسلم. وإن الذين يكابرون ويكفرون برسول الله صلى الله عليه وسلم ورسالته إنما يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. وقد قال عبد الله بن سلام: "لقد عرفت محمداً حين رأيته كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد". إذن: فالحق عندهم واضح مكتوبٌ في التوراة من بشارة به صلى الله عليه وسلم، وهذا يثبت أنك يا محمد صادق في دعوتك، بشهادة هؤلاء. ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله تعالى: {.. لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} [يونس: 94]. والحق القادم من الله تعالى ثابت لا يتغير؛ لأنه واقع، والواقع لا يتعدد، بل يأتي على صورة واحدة. أما الكذب فيأتي على صور متعددة. ولذلك فمهمة المحقِّق الدقيق أن يقلِّب أوجه الشهادات التي تقال أمامه في النيابة أو القضاء؛ حتى يأتي حكمه مصيباً لا مدخل فيه لتناقض، ولا يعتمد على تخيُّل أو أكاذيب. وقول الحق سبحانه: {لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ ..} [يونس: 94]. إنما يدل على أن الذين قرأوا الكتاب قد عرفوا أنك رسول الله حقّاً، ومنهم من ترك معسكر اليهودية، وجاء إلى معسكر الإيمان بك؛ لأن الحق الذي جاء لا دخل للبشرية فيه، بل جاء من ربك: {.. فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} [يونس: 94]. ومجيء الخطاب بهذا الشكل، هو كما قلت موجَّه إلى الأمَّة المؤمنة في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم. والحق سبحانه يقول: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ..}تفسير : [الزمر: 65]. هذا القول نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن غير المعقول أن يشرك النبي صلى الله عليه وسلم، وكل الآيات التي تحمل معاني التوجيه في الأمور المنزَّه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصَّة بأمته. وأيضاً يقول الحق سبحانه: {أية : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}تفسير : [يونس: 95]. والقول الحكيم ساعة يوجِّه إلى الخير قد يأتي بمقابلة من الشر؛ لتتضح الأشياء بالمقارنة. ونحن في حياتنا اليومية نجد الأب يقول لابنه: اجتهد في دروسك، واستمع إلى مدرِّسيك جيّداً حتى تنجح، فلا تكن مثل فلان الذي رسب، والوالد في هذه الحالة يأتي بالإغراء الخيِّر، ويصاحبه بمقابله، وهو التحذير من الشر. وقد قال الشاعر: شعر : فالوَجْهُ مثلُ الصُّبحِ مُبْيَضُّ والشَّعْرُ مثلُ الليلِ مُسْوَدُّ ضِدَّانِ لمّا استجمعا حَسُنَا والضِّدُّ يُظْهِر حُسنَهُ الضِّدُّ تفسير : ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ } هل هو صحيح أم غير صحيح؟. { فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ } أي: اسأل أهل الكتب المنصفين، والعلماء الراسخين، فإنهم سيقرون لك بصدق ما أخبرت به، وموافقته لما معهم، فإن قيل: إن كثيرًا من أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، بل ربما كان أكثرهم ومعظمهم كذبوا رسول الله وعاندوه، وردوا عليه دعوته. والله تعالى أمر رسوله أن يستشهد بهم، وجعل شهادتهم حجة لما جاء به، وبرهانًا على صدقه، فكيف يكون ذلك؟ فالجواب عن هذا، من عدة أوجه: منها: أن الشهادة إذا أضيفت إلى طائفة، أو أهل مذهب، أو بلد ونحوهم، فإنها إنما تتناول العدول الصادقين منهم. وأما من عداهم، فلو كانوا أكثر من غيرهم فلا عبرة فيهم، لأن الشهادة مبنية على العدالة والصدق، وقد حصل ذلك بإيمان كثير من أحبارهم الربانيين، كـ "عبد الله بن سلام" [وأصحابه وكثير ممن أسلم في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفائه، ومن بعده] و "كعب الأحبار" وغيرهما. ومنها: أن شهادة أهل الكتاب للرسول صلى الله عليه وسلم مبنية على كتابهم التوراة الذي ينتسبون إليه. فإذا كان موجودًا في التوراة، ما يوافق القرآن ويصدقه، ويشهد له بالصحة، فلو اتفقوا من أولهم لآخرهم على إنكار ذلك، لم يقدح بما جاء به الرسول. ومنها: أن الله تعالى أمر رسوله أن يستشهد بأهل الكتاب على صحة ما جاءه، وأظهر ذلك وأعلنه على رءوس الأشهاد. ومن المعلوم أن كثيرًا منهم من أحرص الناس على إبطال دعوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فلو كان عندهم ما يرد ما ذكره الله، لأبدوه وأظهروه وبينوه، فلما لم يكن شيء من ذلك، كان عدم رد المعادي، وإقرار المستجيب من أدل الأدلة على صحة هذا القرآن وصدقه. ومنها: أنه ليس أكثر أهل الكتاب، رد دعوة الرسول، بل أكثرهم استجاب لها، وانقاد طوعًا واختيارًا، فإن الرسول بعث وأكثر أهل الأرض المتدينين أهل كتاب. فلم يمكث دينه مدة غير كثيرة، حتى انقاد للإسلام أكثر أهل الشام، ومصر، والعراق، وما جاورها من البلدان التي هي مقر دين أهل الكتاب، ولم يبق إلا أهل الرياسات الذين آثروا رياساتهم على الحق، ومن تبعهم من العوام الجهلة، ومن تدين بدينهم اسمًا لا معنى، كالإفرنج الذين حقيقة أمرهم أنهم دهرية منحلون عن جميع أديان الرسل، وإنما انتسبوا للدين المسيحي، ترويجًا لملكهم، وتمويهًا لباطلهم، كما يعرف ذلك من عرف أحوالهم البينة الظاهرة. وقوله: { لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ } أي: الذي لا شك فيه بوجه من الوجوه ولهذا قال: { مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ }كقوله تعالى: {أية : كِتَابٌ أُنزلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ }. تفسير : { وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ } وحاصل هذا أن الله نهى عن شيئين: الشك في هذا القرآن والامتراء فيه. وأشد من ذلك، التكذيب به، وهو آيات الله البينات التي لا تقبل التكذيب بوجه، ورتب على هذا الخسار، وهو عدم الربح أصلا وذلك بفوات الثواب في الدنيا والآخرة، وحصول العقاب في الدنيا والآخرة، والنهي عن الشيء أمر بضده، فيكون أمرًا بالتصديق التام بالقرآن، وطمأنينة القلب إليه، والإقبال عليه، علمًا وعملا. فبذلك يكون العبد من الرابحين الذين أدركوا أجل المطالب، وأفضل الرغائب، وأتم المناقب، وانتفى عنهم الخسار.

همام الصنعاني

تفسير : 1173- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ}: [الآية: 94]، قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا أشك وَلا أسأل ". تفسير : 1174- عبد الرزاق، عن ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي السليل، عن قيس بن عباد أو غيره، قال: قالت بنو إسرائيل: لم يَمُتْ - يعنون فرعون - قال: فأخرجه الله تعالى إليهم ينظرون إليه مثل الثور الأحمر.