Verse. 1561 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

قَالَ يٰقَوْمِ اَرَءَيْتُمْ اِنْ كُنْتُ عَلٰي بَيِّنَۃٍ مِّنْ رَّبِّيْ وَرَزَقَنِيْ مِنْہُ رِزْقًا حَسَـنًا۝۰ۭ وَمَاۗ اُرِيْدُ اَنْ اُخَالِفَكُمْ اِلٰي مَاۗ اَنْہٰىكُمْ عَنْہُ۝۰ۭ اِنْ اُرِيْدُ اِلَّا الْاِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ۝۰ۭ وَمَا تَوْفِيْقِيْۗ اِلَّا بِاؘ۝۰ۭ عَلَيْہِ تَوَكَّلْتُ وَاِلَيْہِ اُنِيْبُ۝۸۸
Qala ya qawmi araaytum in kuntu AAala bayyinatin min rabbee warazaqanee minhu rizqan hasanan wama oreedu an okhalifakum ila ma anhakum AAanhu in oreedu illa alislaha ma istataAAtu wama tawfeeqee illa biAllahi AAalayhi tawakkaltu wailayhi oneebu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا» حلالا أفأشوبه بالحرام من البخس والتطفيف «وما أريد أن أخالفكم» وأذهب «إلى ما أنهاكم عنه» فأرتكبه «إن» ما «أريد إلا الإصلاح» لكم بالعدل «ما استطعت وما توفيقي» قدرتي على ذلك وغيره من الطاعات «إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب» أرجع.

88

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى حكى عن شعيب عليه السلام ما ذكره في الجواب عن كلماتهم فالأول قوله: {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَءيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رزقاً حسناً} وفيه وجوه: الأول: أن قوله: {إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّى } إشارة إلى ما آتاه الله تعالى من العلم والهداية والدين والنبوة وقوله: {وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا } إشارة إلى ما آتاه الله من المال الحلال، فإنه يروى أن شعيباً عليه السلام كان كثير المال. واعلم أن جواب إن الشرطية محذوف والتقدير: أنه تعالى لما آتاني جميع السعادات الروحانية وهي البينة والسعادات الجسمانية وهي المال والرزق الحسن فهل يسعني مع هذا الإنعام العظيم أن أخون في وحيه وأن أخالفه في أمره ونهيه، وهذا الجواب شديد المطابقة لما تقدم وذلك لأنهم قالوا له: {إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ } فكيف يليق بك مع حلمك ورشدك أن تنهانا عن دين آبائنا فكأنه قال إنما أقدمت على هذا العمل، لأن نعم الله تعالى عندي كثيرة وهو أمرني بهذا التبليغ والرسالة، فكيف يليق بي مع كثرة نعم الله تعالى على أن أخالف أمره وتكليفه. الثاني: أن يكون التقدير كأنه يقول لما ثبت عندي أن الاشتغال بعبادة غير الله والاشتغال بالبخس والتطفيف عمل منكر، ثم أنا رجل أريد إصلاح أحوالكم ولا أحتاج إلى أموالكم لأجل أن الله تعالى آتاني رزقاً حسناً فهل يسعني مع هذه الأحوال أن أخون في وحي الله تعالى وفي حكمه. الثالث: قوله: {إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّى } أي ما حصل عنده من المعجزة وقوله: {وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا } المراد أنه لا يسألهم أجراً ولا جعلاً وهو الذي ذكره سائر الأنبياء من قولهم: {لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }. المسألة الثانية: قوله: {وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا } يدل على أن ذلك الرزق إنما حصل من عند الله تعالى وبإعانته وأنه لا مدخل للكسب فيه، وفيه تنبيه على أن الإعزاز من الله تعالى والإذلال من الله تعالى، وإذا كان الكل من الله تعالى فأنا لا أبالي بمخالفتكم ولا أفرح بموافقتكم، وإنما أكون على تقرير دين الله تعالى وإيضاح شرائع الله تعالى. وأما الوجه الثاني: من الأجوبة التي ذكرها شعيب عليه السلام فقوله: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ } قال صاحب «الكشاف»: يقال خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه وخالفني عنه إذا ولَّى عنه وأنت قاصده، ويلقاك الرجل صادراً عن الماء فتسأله عن صاحبه. فيقول: خالفني إلى الماء، يريد أنه قد ذهب إليه وارداً وأنا ذاهب عنه صادراً، ومنه قوله: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ } يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم فهذا بيان اللغة، وتحقيق الكلام فيه أن القوم اعترفوا بأنه حليم رشيد، وذلك يدل على كمال العقل، وكمال العقل يحمل صاحبه على اختيار الطريق الأصوب الأصلح، فكأنه عليه السلام قال لهم لما اعترفتم بكمال عقلي فاعلموا أن الذي اختاره عقلي لنفسي لا بد وأن يكون أصوب الطرق وأصلحها والدعوة إلى توحيد الله تعالى وترك البخس والنقصان يرجع حاصلهما إلى جزأين، التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله تعالى وأنا مواظب عليهما غير تارك لهما في شيء من الأحوال ألبتة فلما اعترفتم لي بالحلم والرشد وترون أني لا أترك هذه الطريقة، فاعلموا أن هذه الطريقة خير الطرق، وأشرف الأديان والشرائع. وأما الوجه الثالث: من الوجوه التي ذكرها شعيب عليه السلام فهو قوله: {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ } والمعنى ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي، وقوله: {مَا ٱسْتَطَعْتُ } فيه وجوه: الأول: أنه ظرف والتقدير: مدة استطاعتي للإصلاح وما دمت متمكناً منه لا آلو فيه جهداً. والثاني: أنه بدل من الإصلاح، أي المقدار الذي استطعت منه. والثالث: أن يكون مفعولاً له أي ما أريد إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه. واعلم أن المقصود من هذا الكلام أن القوم كانوا قد أقروا بأنه حليم رشيد، وإما أقروا له بذلك لأنه كان مشهوراً فيما بين الخلق بهذه الصفة، فكأنه عليه السلام قال لهم إنكم تعرفون من حالي أني لا أسعى إلا في الإصلاح وإزالة الفساد والخصومة، فلما أمرتكم بالتوحيد وترك إيذاء الناس، فاعلموا أنه دين حق وأنه ليس غرضي منه إيقاع الخصومة وإثارة الفتنة، فإنكم تعرفون أني أبغض ذلك الطريق ولا أدور إلا على ما يوجب الصلح والصلاح بقدر طاقتي، وذلك هو الإبلاغ والإنذار، وأما الإجبار على الطاعة فلا أقدر عليه، ثم إنه عليه السلام أكد ذلك بقوله: {وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } وبين بهذا أن توكله واعتماده في تنفيذ كل الأعمال الصالحة على توفيق الله تعالى وهدايته. واعلم أن قوله عليه السلام توكلت إشارة إلى محض التوحيد، لأن قوله عليه السلام توكلت يفيد الحصر، وهو أنه لا ينبغي للإنسان أن يتوكل على أحد إلا على الله تعالى وكيف وكل ما سوى الحق سبحانه ممكن لذاته فإن بذاته، ولا يحصل إلا بإيجاده وتكوينه، وإذا كان كذلك لم يجز التوكل إلا على الله تعالى وأعظم مراتب معرفة المبدأ هو الذي ذكرناه، وأما قوله: {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } فهو إشارة إلى معرفة المعاد، وهو أيضاً يفيد الحصر لأن قوله: {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } يدل على أنه لا مرجع للخلق إلا إلى الله تعالى وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ذكر شعيب عليه السلام قال: « حديث : ذاك خطيب الأنبياء » تفسير : لحسن مراجعته في كلامه بين قومه. وأما الوجه الرابع: من الوجوه التي ذكرها شعيب عليه السلام فهو قوله: {وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِى أَن يُصِيبَكُم } قال صاحب «الكشاف»: جرم مثل كسب في تعديته تارة إلى مفعول واحد وأخرى إلى مفعولين يقال جرم ذنباً وكسبه وجرمه ذنباً وكسبه إياه، ومنه قوله تعالى: {لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِى أَن يُصِيبَكُم } أي لا يكسبنكم شقاقي إصابة العذاب، وقرأ ابن كثير {يَجْرِمَنَّكُمْ } بضم الياء من أجرمته ذنباً إذا جعلته جارماً له أي كاسباً له. وهو منقول من جرم المتعدي إلى مفعول واحد، وعلى هذا فلا فرق بين جرمته ذنباً وأجرمته إياه، والقراءتان مستويتان في المعنى لا تفاوت بينهما إلا أن المشهورة أفصح لفظاً كما أن كسبه مالاً أفصح من أكسبه. إذا عرفت هذا فنقول: المراد من الآية لا تكسبنكم معاداتكم إياي أي يصيبكم عذاب الاستئصال في الدنيا مثل ما حصل لقوم نوح عليه السلام من الغرق، ولقوم هود من الريح العقيم ولقوم صالح من الرجفة، ولقوم لوط من الخسف. وأما قوله: {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ } ففيه وجهان: الأول: أن المراد نفي البعد في المكان لأن بلاد قوم لوط عليه السلام قريبة من مدين، والثاني: أن المراد نفي البعد في الزمان لأن إهلاك قوم لوط عليه السلام أقرب الإهلاكات التي عرفها الناس في زمان شعيب عليه السلام، وعلى هذين التقديرين فإن القرب في المكان وفي الزمان يفيد زيادة المعرفة وكمال الوقوف على الأحوال فكأنه يقول اعتبروا بأحوالهم واحذروا من مخالفة الله تعالى ومنازعته حتى لا ينزل بكم مثل ذلك العذاب. فإن قيل: لم قال: {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ } وكان الواجب أن يقال ببعيدين؟ أجاب عنه صاحب «الكشاف» من وجهين: الأول: أن يكون التقدير ما إهلاكهم شيء بعيد. الثاني: أنه يجوز أن يسوى في قريب وبعيد وكثير وقليل بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما. وأما الوجه الخامس: من الوجوه التي ذكرها شعيب عليه السلام فهو قوله: واستغفروا ربكم من عبادة الأوثان ثم توبوا إليه عن البخس والنقصان إن ربي رحيم بأوليائه ودود. قال أبو بكر الأنباري: الودود في أسماء الله تعالى المحب لعباده، من قولهم وددت الرجل أوده، وقال الأزهري في «كتاب شرح أسماء الله تعالى» ويجوز أن يكون ودود فعولاً بمعنى مفعول كركوب وحلوب، ومعناه أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه لكثرة إفضاله وإحسانه على الخلق. واعلم أن هذا الترتيب الذي راعاه شعيب عليه السلام في ذكر هذه الوجوه الخمسة ترتيب لطيف وذلك لأنه بين أولاً أن ظهور البينة له وكثرة إنعام الله تعالى عليه في الظاهر والباطن يمنعه عن الخيانة في وحي الله تعالى ويصده عن التهاون في تكاليفه. ثم بين ثانياً أنه مواظب على العمل بهذه الدعوة ولو كانت باطلة لما اشتغل هو بها مع اعترافكم بكونه حليماً رشيداً، ثم بين صحته بطريق آخر وهو أنه كان معروفاً بتحصيل موجبات الصلاح وإخفاء موجبات الفتن، فلو كانت هذه الدعوة باطلة لما اشتغل بها، ثم لما بين صحة طريقته أشار إلى نفي المعارض وقال لا ينبغي أن تحملكم عداوتي على مذهب ودين تقعون بسببه في العذاب الشديد من الله تعالى، كما وقع فيه أقوام الأنبياء المتقدمين، ثم إنه لما صحح مذهب نفسه بهذه الدلائل عاد إلى تقرير ما ذكره أولاً وهو التوحيد والمنع من البخس بقوله: {ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } ثم بين لهم أن سبق الكفر والمعصية منهم لا ينبغي أن يمنعهم من الإيمان والطاعة لأنه تعالى رحيم ودود يقبل الإيمان والتوبة من الكافر والفاسق لأن رحمته وحبه لهم يوجب ذلك، وهذا التقرير في غاية الكمال.

البيضاوي

تفسير : {قَالَ يَـا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّي} إشارة إلى ما آتاه الله من العلم والنبوة. {وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا } إشارة إلى ما آتاه الله من المال الحلال، وجواب الشرط محذوف تقديره فهل يسع مع هذا الإِنعام الجامع للسعادات الروحانية والجسمانية أن أخون في وحيه، وأخالفه في أمره ونهيه. وهو اعتذار عما أنكروا عليه من تغيير المألوف والنهي عن دين الآباء، والضمير في {مِنْهُ } لله أي من عنده وبإعانته بلا كد مني في تحصيله. {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ } أي وما أريد أن آتي ما أنهاكم عنه لأستبد به دونكم، فلو كان صواباً لآثرته ولم أعرض عنه فضلاً عن أن أنهى عنه، يقال خالفت زيداً إلى كذا إذا قصدته وهو مول عنه، وخالفته عنه إذا كان الأمر بالعكس، {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ } ما أريد إلا أن أصلحكم بأمري بالمعروف ونهيي عن المنكر ما دمت أستطيع الإِصلاح، فلو وجدت الصلاح فيما أنتم عليه لما نهيتكم عنه، ولهذه الأجوبة الثلاثة على هذا النسق شأن: وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتيه ويذره أحد حقوق ثلاثة أهمها وأعلاها حق الله تعالى، وثانيها حق النفس، وثالثها حق الناس. وكل ذلك يقتضي أن آمركم بما أمرتكم به وأنهاكم عما نهيتكم عنه. و {مَا } مصدرية واقعة موقع الظرف وقيل خبرية بدل من {ٱلإِصْلَـٰحَ } أي المقدار الذي استطعته، أو إصلاح ما استطعته فحذف المضاف. {وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بِٱللَّهِ } وما توفيقي لإصابة الحق والصواب إلا بهدايته ومعونته. {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } فإنه القادر المتمكن من كل شيء وما عداه عاجز في حد ذاته، بل معدوم ساقط عن درجة الاعتبار، وفيه إشارة إلى محض التوحيد الذي هو أقصى مراتب العلم بالمبدأ. {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} إشارة إلى معرفة المعاد، وهو أيضاً يفيد الحصر بتقديم الصلة على الفعل. وفي هذه الكلمات طلب التوفيق لإِصابة الحق فيما يأتيه ويذره من الله تعالى، والاستعانة به في مجامع أمره والإِقبال عليه بشراشره، وحسم أطماع الكفار وإظهار الفراغ عنهم وعدم المبالاة بمعاداتهم وتهديدهم بالرجوع إلى الله للجزاء.

ابن كثير

تفسير : يقول لهم: هل رأيتم يا قوم إِن كنت {عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى} أي: على بصيرة فيما أدعو إِليه {وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا} قيل: أراد النبوة، وقيل: أراد الرزق الحلال، ويحتمل الأمرين، وقال الثوري: {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ} أي: لا أنهاكم عن الشيء، وأخالف أنا في السر فأفعله خفية عنكم؛ كما قال قتادة في قوله: {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ} يقول: لم أكن أنهاكم عن أمر وأرتكبه {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ} أي: فيما آمركم وأنهاكم، إنما أريد إِصلاحكم جهدي وطاقتي {وَمَا تَوْفِيقِىۤ} أي: في إصابة الحق فيما أريده {إِلاَّ بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} في جميع أموري {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} أي: أرجع. قاله مجاهد وغيره. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا أبو قزعة سويد بن حجير الباهلي عن حكيم بن معاوية عن أبيه: أن أخاه مالكاً قال: يا معاوية إِن محمداً أخذ جيراني، فانطلق إِليه، فإِنه قد كلمك وعرفك، فانطلقت معه فقال: دع لي جيراني، فقد كانوا أسلموا، فأعرض عنه، فقام مُتَمَعَطاً فقال: أما والله لئن فعلت، إِن الناس يزعمون أنك لتأمرنا بالأمر، وتخالف إِلى غيره، وجعلت أجرُّه وهو يتكلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ماتقول؟» تفسير : فقال: إنك والله لئن فعلت ذلك، إن الناس ليزعمون أنك لتأمر بالأمر، وتخالف إلى غيره، قال: فقال: «حديث : أو قد قالوها؟ - أي: قائلهم - ولئن فعلت ما ذاك إِلا عليَّ، وما عليهم من ذلك من شيء، أرسلوا له جيرانه» تفسير : وقال أيضاً: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ناساً من قومي في تهمة، فحبسهم، فجاء رجل من قومي إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، فقال: يا محمد علام تحبس جيراني؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إِن ناساً ليقولون: إِنك تنهى عن الشيء، وتَسْتَخْلِي به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما تقول؟» تفسير : قال: فجعلت أعرض بينهما كلاماً؛ مخافة أن يسمعها، فيدعو على قومي دعوة لا يفلحون بعدها أبداً، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فهِّمها فقال: «حديث : قد قالوها، أو قائلها منهم، والله لو فعلت، لكان عليّ، وما كان عليهم، خَلُّوا عن جيرانه» تفسير : ومن هذا القبيل الحديثُ الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري قال: سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولون عنه صلى الله عليه وسلم إنه قال: «حديث : إِذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب، فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد، فأنا أبعدكم منه» تفسير : إِسناده صحيح. وقد أخرج مسلم بهذا السند حديث: «حديث : إِذا دخل أحدكم المسجد، فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج، فليقل: اللهم إِني أسألك من فضلك» تفسير : ومعناه والله أعلم: مهما بلغكم عني من خير، فأنا أولاكم به. ومهما يكن من مكروه، فأنا أبعدكم منه {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ} وقال قتادة: عن عزرة عن الحسن العُرَني عن يحيى بن البزار عن مسروق قال: جاءت امرأة إِلى ابن مسعود، فقالت: تنهى عن الواصلة؟ قال: نعم، قالت: فعله بعض نسائك، فقال: ما حفظت وصية العبد الصالح إِذاً {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ}. وقال عثمان بن أبي شيبة: حدثنا جرير عن أبي سليمان الضَّبِّيِّ قال: كانت تجيئنا كتب عمر بن عبد العزيز فيها الأمر والنهي، فيكتب في آخرها: وما كنت من ذلك إِلا كما قال العبد الصالح: {وَمَا تَوْفِيقِىۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَءيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً} حلالاً؟ أفأشوبه بالحرام من البخس والتطفيف؟ {وَمآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ } وأذهب {إِلَىٰ مَآ أَنْهَٰكُمْ عَنْهُ } فأرتكبه {إن} ما {أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلَٰحَ } لكم بالعدل {مَا ٱسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِى } قدرتي على ذلك وغيره من الطاعات {إِلاَّ بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } أرجع.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قال يا قوم أرأيتُم إن كُنتُ على بيِّنةٍ من ربي} قد ذكرنا تأويله. {ورزقني منه رِزقاً حسناً} فيه تأويلان: أحدهما: أنه المال الحلال، قاله الضحاك. قال ابن عباس وكان شعيب كثير المال. الثاني: أنه النبوة، ذكره ابن عيسى، وفي الكلام محذوف وتقديره، أفأعدل مع ذلك عن عبادته. ثم قال {وما أريدُ أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} أي لا أفعل ما نهيتكم عنه كما لا أترك ما أمرتكم به. {إنْ أريد إلا الإصلاح ما استطعت} ومعناه ما أريد إلا فعل الصلاح ما استطعت، لأن الاستطاعة من شرط الفعل دون الإرادة. {وما توفيقي إلا بالله عليه توكلْتُ وإليه أُنيب} فيه وجهان: أحدهما: أنّ الإنابة الرجوع ومعناه وإليه أرجع، قاله مجاهد. الثاني: أن الإنابة الدعاء، ومعناه وإليه أدعو، عبيد الله بن يعلى.

ابن عبد السلام

تفسير : {رِزْقاً حَسَناً} مالاً حلالاً، قال "ع": وكان شعيب كثير المال، أو نبوة فيه حذف تقديره أفأعدل عن عبادته. {أُنِيبُ} أرجع، أو أدعو.

ابو السعود

تفسير : {قَالَ يَـا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ} أي حجة واضحةٍ وبرهانٍ نيِّر، عبّر عما آتاه الله تعالى من النبوة والحكمة رداً على مقالتهم الشنعاءِ في جعلهم أمرَه ونهيَه غيرَ مستندٍ إلى سند {مّن رَّبّى} ومالكِ أموري، وإيرادُ حرفِ الشرط مع جزمه عليه السلام بكونه على ما هو عليه من البـينات والحججِ لاعتبار حال المخاطَبـين ومراعاةِ حُسنِ المحاورةِ معهم كما ذكرناه في نظائره {وَرَزَقَنِى مِنْهُ} أي من لديه {رِزْقًا حَسَنًا} هو النبوةُ والحِكمةُ أيضاً عبّر عنهما بذلك تنبـيهاً على أنهما ـ مع كونهما بـينةً ـ رزقٌ حسنٌ، كيف لا وذلك مناطُ الحياةِ الأبديةِ له ولأمته، وجوابُ الشرط محذوفٌ يدل عليه فحوى الكلامِ أي أتقولون والمعنى إنكم نظمتموني في سلك السفهاءِ والغُواةِ وعددتم ما صدر عني من الأوامر والنواهي من قبـيل ما لا يصِح أن يتفوّه به عاقل وجعلتموه من أحكام الوسوسةِ والجنون واستهزأتم بـي وبأفعالي حتى قلتم إن أمرتُكم به من التوحيد وتركِ عبادة الأصنامِ والاجتنابِ عن البخس والتطفيفِ ليس مما يأمر به آمرُ العقلِ ويقضي به قاضي الفِطنة، وإنما تأمُر به صلاتُك التي هي من أحكام الوسوسةِ والجنون فأخبروني إن كنت من جهة ربـي ومالكِ أمورِي ثابتاً على النبوة والحِكمةِ التي ليس وراءَها غايةٌ للكمال ولا مطمَحٌ لطامح ورزقني بذلك رزقاً حسناً أتقولون في شأني وشأنِ أفعالي ما تقولون مما لا خيرَ فيه ولا شرَّ وراءه هذا هو الجوابُ الذي يستدعيه السباقُ والسياقُ ويساعده النظمُ الكريمُ. وأما ما قيل من أن المحذوفَ أيصِحّ لي أن لا آمرَكم بترك عبادةِ الأوثانِ والكفِّ عن المعاصي، أو أهل يسعْ لي مع هذا الإنعام الجامعِ للسعادات الروحانيةِ والجُسمانية أن أخونَ في وحيه وأخالفَه في أمره ونهيِه ـ فبمعزل من ذلك، وإنما يناسب تقديرُه ـ إن حمل كلامُهم على الحقيقة وأريد بالصلاة الدينُ على معنى: أدينُك يأمرُك أن تكلفنا بترك عبادةِ آلهتِنا القديمة وتركِ التصرّفِ المطلق في أموالنا وتخالفنا في ذلك وتشُقَّ عصانا، وهذا مما لا ينبغي أن يصدُر عنك فإنك أنت المشهورُ بالحلم الفاضلِ والرشدِ الكاملِ فيما بـيننا كما كان قولُ قومِ صالح {أية : قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّا قَبْلَ هَـٰذَا }تفسير : [هود: 62] مسروداً على ذلك النمطِ فأُجيبوا بما أجيبوا به، وعلى هذا الوجهِ يكون المرادُ بالرزق الحسنِ الحلالَ الذي آتاه الله تعالى، والمعنى حينئذ أخبروني إن كنت نبـياً من عند الله تعالى ورزقني مالاً حلالاً أستغني به عن العالمين أيصِحّ أن أخالف أمرَه وأوافقَكم فيما تأتون وما تذرون. {وَمَا أُرِيدُ} بنهيـي إياكم عما أنهاكم عنه من البخس والتطفيف {أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ} أي أقصِدَه بعد ما ولَّيتم عنه وأستبِدَّ به دونكم. يقال: خالفت زيداً إلى كذا إذا قصدتُه وهو مولَ عنه وخالفتُه عن كذا إذا كان الأمرُ على العكس {إِنْ أُرِيدُ} بما أباشره من الأمر والنهي {إِلاَّ ٱلإِصْلَـٰحَ} إلا أن أُصلِحَكم بالنصيحة والموعظة {مَا ٱسْتَطَعْتُ} أي مقدارَ ما استطعتُه من الإصلاح، والتقيـيدُ به للاحتراز عن الاكتفاء بالإصلاح في الجملة لا عن إرادة ما ليس في وُسعه منه {وَمَا تَوْفِيقِى} أي كوني موفقاً لتحقيق ما أنتحيه من إصلاحكم {إِلاَّ بِٱللَّهِ} أي بتأيـيده ومعونتِه بل الإصلاحُ من حيث الخلقُ مستندٌ إليه سبحانه وإنما أنا من مباديه الظاهرةِ قاله عليه السلام تحقيقاً للحق وإزاحةً لما عسى يوهمه إسنادُ الاستطاعةِ إليه بإرادته من استبداده بذلك {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} في ذلك مُعرِضاً عما عداه فإنه القادرُ على كل مقدورٍ وما عداه عاجزٌ محْضٌ في حد ذاتِه بل معدومٌ ساقطٌ عن درجة الاعتبار بمعزل عن مرتبة الاستمدادِ به والاستظهار {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} أي أرجِعُ فيما أنا بصدده، ويجوز أن يكون المرادُ وما كوني موفقاً لإصابة الحقِّ والصوابِ في كل ما آتي وأذر إلا بهدايته ومعونتِه عليه توكلتُ، وهو إشارةٌ إلى محض التوحيدِ الذاتي والفعليِّ وإليه أنيب، أي عليه أقبل بشراشِر نفسي في مجامع أموري. وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ على الماضي الأنسبِ للتقرر والتحقّقِ كما في التوكل لاستحضار الصورةِ والدلالةِ على الاستمرار، ولا يخفى ما في جوابه عليه السلام من مراعاة لطفِ المراجعةِ ورِفق الاستنزالِ والمحافظةِ على قواعد حسنِ المجاراة والمحاورَة وتمهيدِ معاقدِ الحقِّ بطلب التوفيقِ من جناب الله تعالى والاستعانةِ في أموره، وحسمِ أطماعِ الكفار وإظهار الفراغِ عنهم وعدمِ المبالاة بمعاداتهم، وأما تهديدُهم بالرجوع إلى الله تعالى للجزاء كما قيل فلا لأن الإنابةَ إنما هي الرجوعُ الاختياريُّ بالفعل إلى الله تعالى لا الرجوعُ الاضطراريُّ للجزاء أو ما يعمه.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ}[88] قال: كل عالم أعطي علم الشر، وليس هو مجانباً للشر، فليس بعالم، ومن أعطي علم الطاعات وهو غير عامل بها، فليس بعالم. وقد سأل رجل سهلاً فقال: يا أبا محمد، إلى من تأمرني أن أجلس إليه؟ فقال: إلى من تحملك جوارحه لا لسانه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [الآية: 88]. قال أبو عثمان: ليس بواعظ من كان واعظًا بلسانه دون عمله، وليس بحكيم من لم تكن أفعاله أفعال الحكماء، وإنما الحكيم من يكون حكيمًا فى نطقه، حكيمًا فى فعله، حكيمًا فى جميع أحواله، وإلا فإنه يقال: ناطق بالحكمة. وقيل: إن الله عز وجل أوحى إلى عيسى صلى الله عليه وسلم يا عيسى عظ نفسك، فإن اتعظت، وإلا فاستحى منى. قوله تعالى: {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ} [الآية: 88]. قيل فيه: مرادى صلاحكم إن ساعدكم التوفيق، ولا أستطيع أنا ذلك لكم إلا بمعونة من الله لى عليه. قوله تعالى: {وَمَا تَوْفِيقِيۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ} [الآية: 88]. قال النهرجورىّ: التوفيق حسن عناية سيق إلى العبد ليس فيه سبب ولا منة إليه طلب. قال بعضهم: التوفيق هو الدليل الذى يدل على سبيل الحق، ويبعد عن نهج الباطل، وسلوكه، وهو أن يوصل إلى العبد ما جرى له فيه من العناية فى الأزل. قوله تعالى: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الآية: 88]. قال الجنيد رحمة الله عليه: التوكل أن لا يظهر فيك انزعاج إلى الأسباب مع شدة الفاقة، ولا نزول عن حقيقة الشكور إلى الحق. مع وقوفك عليها. قال بعضهم: التوكل: ترك رؤية التوكل وإسقاط رؤية الوسائط، والتعلق بأعلى الوثائق. قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: التوكل: أن تستوى عندك أفخاذ السباع، والمتكأ على الجشايا. قال ابن عطاء فى قوله: {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}: قال إليه أرجع عن جميع ما لى وعلىَّ، وأن لا أعتمد سواه. قال بعضهم: الإنابة: هى الرجوع عن جميع ما له، ثم إذا صح له هذا يكون مرجعه منه إليه، فبقى مستهلكًا فى مشاهدة المرجوع، فلا يكون له رجوع ولا ثبوت.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً}. البَيِّنَةُ نورٌ تَسْتَبْصٍرُ به ما خَفِيَ عليك تحت غطاء الغفلة. والرزق الحسن ما به دوام الاستقلال، وما ذلك إلا مقتضى عنايته الأزلية، وحُسْنُ توليه لشأنك - في جميع ما فيه صلاحك - من إتمام النعمة ودوام العصمة. وقيل الرزق الحسنُ ما تعنَّي صاحبُه لِطَلبِه، ولم يصبْه نَصَبٌ بسببه. وقيل الرزق الحَسَنُ ما يستوفيه بشهود الرزق ويحفظه عند التنعم بوجود الرَّزَّاق. ويقال الرزق الحسن ما لا يُنْسِي الرزَّاق، ويحمل صاحبَه على التوسعة والإنفاق. قوله جلّ ذكره: {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ}. يمكن للواعظ أو الناصح أنْ يساهِل المأمورَ في كل ما يأمره به، ولكن يجب ألا يجيز له ما ينهاه عنه؛ فإنَّ الإتيانَ بجميع الطاعات غيرُ مُمْكن، ولكنَّ التجرُّد عن جميع المحرَّمات واجبٌ. ويقال مَنْ لم يكنْ له حُكْمٌ على نفسه في المنع عن الهوى لم يكن له حُكْمٌ على غيره فيما يرشده إليه من الهدى. قوله جلّ ذكره: {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ}. مَدَارُ الأمر إلى الأغراض المقضية حُسْنُ القصد بالإصلاح، فيَقْرِنُ اللَّهُ به حسن التيسير، ومَنْ انطوى على قصدٍ بالسوء وَكَلَ الحقُّ بشأنه التعويق. قوله جلّ ذكره: {وَمَا تَوْفِيقِيۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ}. حقيقةُ التوفيق ما ينفق به الشيء، وفي الشريعة التوفيق ما تنفق به الطاعة، وهو قدرة الطاعة، ثم كل ما تقرب العبد به من الطاعة من توفير الدواعي وفنون المَنْهيات يُعدُّ من جملة التوفيق - على التوسُّع. والتوفيق بالله ومن اللهِ، وهو - سبحانه - بإعطائه متفضِّلٌ. قوله جلّ ذكره: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}. التوكل تفويض الأمر إلى الله، وأمارته تركُ التدبير بشهود التقدير، والثقة بالموعود عند عدم الموجود. ويتبين ذلك بانتفاء الاضطراب عند عدم الأسباب. ويقال التوكلُ السكون، والثقةُ بالمضمون. ويقال التوكل سكون القلب بمضمون الرَّبّ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} ليس للصادقين مع الخلق معادات بسبب من اسباب الدنيا انما ابغضهم وخالفهم حين يتركون متابعة السنة وما يعطونهم الا بعد تركهم هوى نفوسهم ولا ينصحهم الا شفقة عليهم قال ابو عثمان ليس بواعظ من كان واعظا بلسانه دون عمله وتصديق الاية قوله {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ} اى ما كان فى عقلى ونيتى من قوة الله اريد بها اصلاحكم ولكن الهداية والتوفيق ليس معى ولا اطيق ان انقذكم مما جرى عليكم فى الازل {وَمَا تَوْفِيقِيۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ} اى اصطفائيتى بالنبوة والولاية باختيار الله فى الازل الى {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} اسكن به لا لغيره واثق به فيما وعد لى {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} ارجع اليه بنعت شوقى الى بقائه وقيل فى قوله ان اريد الا الاصلاح ما استطعت اى مرادى صلاحكم ان يساعدكم التوفيق ولا استطيع انا ذلك لكم الا بمؤنتى من الله لى عليه قال النهرجورى التوفيق حسن عنايته من الحق سبق الى العبد ليس له فيه سبب ولا منه له طلب قال الجنيد التوكل ان لا يظهر فيك انزعاج الى الاسباب مع شدة الفاقة ولا يزول عن حقيقة السكون الى الحق مع وقوفك عليها.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} شعيب {يا قوم أرأيتم} اخبرونى {ان كنت} ايراد حرف الشك باعتبار حال المخاطبين {على بينة من ربى} اى حجة واضحة وبرهان نير من مالك امرى عبر بهما عمّا اتاه الله تعالى من النبوة والحكمة ردا على مقالتهم الشنعاء فى جعلهم امره ونهيه غير مستند الى سند {ورزقنى منه} اى من لدنه {رزقا حسنا} هو النبوة والحكمة ايضا عبر عنهما بذلك تنبيها على انهما مع كونهما بينة رزق حسن كيف لا وذلك مناط الحياة الا بدية له ولامته. وقال بعضهم هو ما رزقه الله من المال الحلال من غير شائبة حرام اى من غير بخس وتطفيف وكان كثير المال وجواب الشرط محذوف لان اثباته فى قصة نوح ولوط دل على مكانه ومعنى الكلام ينادى عليه. والمعنى اخبرونى ان كنت على حجة واضحة ويقين من ربى وكنت نبيا على الحقيقة فهل يصح لى ان اتبعكم واشوب الحلال بالحرام ولا آمركم بتوحيد الله وترك عبادة الاصنام والكف عن المعاصى والقيام بالقسط والانبياء لا يبعثون الا لذلك {وما اريد} بنهي اياكم عن التطفيف {ان اخالفكم} حال كونى مائلا {الى ما انهاكم عنه} يقال خالفت زيدا لى كذا اذا قصدته وهو مول عنه وخالفته عنه اذا كان الامر بالعكس اى لا انهى عن شيء وارتكبه من نقصان الكيل والوزن اى اختار لكم ما اختار لنفسى فانه ليس بواعظ من يعظ الناس بلسانه دون عمله. قال فى الاحياء اوحى الله تعالى الى عيسى عليه السلام يا ابن مريم عظ نفسك فان اتعظت فعظ الناس والا فاستحى منى: قال الحافظ شعر : واعظان كين جلوه در محراب ومنبر ميكنند جون بخلوت ميروند آن كار ديكر ميكنند مشكلى دارم زدانشمند مجلس باز برس توبه فرمايان جراخود توبه كمتر ميكنند تفسير : {ان اريد} اى ما اريد بما اباشره من الامر والنهى {الا الاصلاح} الا ان اصلحكم بالنصيحة والموعظة {ما استطعت} اى مقدر ما استطعته من الاصلاح. قال فى بحر العلوم ما مصدرية واقعة موقع الظرف اى مدة استطاعتى الاصلاح وما دمت متمكنا منه لا اترك جهدى فى بيان ما فيه مصلحة لكم: قال السعدى قدس سره شعر : بكوى آنجه دانى سخن سومند وكر هيج كسس را نيايد بسند تفسير : {وما توفيقى} مصدر من المبنى للمفعول اى كونى موفقا لتحقيق ما اقصده من اصلاحكم {الا بالله} الا بتأييده ومعونته بل الاصلاح من حيث الخلق مستند اليه وانما انا من مباديه الظاهرة. والتوفيق يعدى بنفسه وباللام وبالباء وهو تسهيل سبل الخير واصله موافقة فعل الانسان القدر فى الخير والاتفاق هو موافقة فعل الانسان خيرا كان او شرا قدر. وقال فى التأويلات النحمية التوفيق اختصاص العبد بعناية ازلية ورعاية ابدية {عليه توكلت} اعتمدت فى ذلك معرضا عما عداه فانه القادر على كل مقدور وما عداه عاجز محض فى حد ذاته بل معدوم ساقط عن درجة الاعتبار بمعزل عن رتبة الاستمداد به فى الاستظهار {واليه انيب} اى ارجع فيما انا بصدده فى جميع امورى ويجوز ان يكون المراد وما كونى موفقا لاصابة الحق والصواب فى كل ما اتى وما اذر الا بهدايته ومعونته عليه توكلت وهو اشارة الى محض التوحيد الذى هو اقصى مراتب العلم بالمبدأ واليه انيب اى عليه اقبل بشراشر نفسى مجامع امورى. وفى اشارة الى معرفة المعاد والتوكل على ثلاثة اوجه. توكل المبتدى وهو ترك الاسباب فى طلب المعاش. وتوكل المتوسط هو ترك طلب المعاش فى طلب العيش مع الله. وتوكل المنتهى وهو استهلاك الوجود فى وجود الله وافناء الاختيار فى اختيار الله ليبقى فى هويته بلا هو متصرفا فى الاسباب وان لا يرى التصرف والاسباب الا لمسبب الا سباب. قال فى التأويلات القاشانية اول مراتب التوحيد توحيد الافعال ثم توحيد الصفات ثم توحيد الذات فان الذات محجوبة بالصفات والصفات بالافعال والافعال بالآثار والاكوان. فمن تجلت عليه الافعال بارتفاع حجب الاكوان توكل. ومن تجلت عليه الصفات بارتفاع حجب الافعال رضى وسلم. ومن تجلت عليه الذات بانكشاف حجب الصفات فهو فى الوحدة فصار موحدا مطلقا انتهى شعر : تاخوانى "لا" و "الا الله" را درنيابى منهج اين راه را[1] عشق آن شعله است كوجون برفروخت هرجه جز معشوق باق جملة سوخت[2] تيغ "لا" در قتل غير حق براند درنكر آخر كه بعد از "لا" جه ماند ماند "الا الله" وباقى جملة رفت شادباش اى عشق شركت سوز ورفعت تفسير : فعلى العاقل ان يجتهد فى طريق الحق بالاذكار النافعة والاعمال الصالحة الى ان يصل الى مقام التوحيد الحقيقى ثم اذا وصل اليه اقتفى باثر الانبياء وكمل الاولياء فى طريق النصح والدعوة ولم يرد الا الاصلاح تكثيرا للاتباع المحمدية وتقويما لاركان العالم بالعدل ونظما للناس فى سلك الرشاد والله ولى الارشاد وهو المبدأ واليه الرجوع والمعاد

ابن عجيبة

تفسير : قلت: جواب "إن كنت": محذوف، أي: فهل ينبغي أن أخون في وحيه وأخالفه في أمره. يقول الحق جل جلاله: {قال} شعيب لقومه: {يا قوم أرأيتم إن كنتم على بينةٍ من ربي}، وهي النبوة والعلم والحكمة، {ورزقني منه}؛ من عنده، وبإعانته، بلا كد في تحصيله، {رزقاً حسناً}: حلالاً، إشارة إلى من آتاه من المال الحلال. فهل يسع لِي بعد هذا الإنعام، الجامع للسعادات الروحانية والجسمانية، أن أخون في وحيه، وأخالفه في أمره ونهيه، حتى لا أنهاكم عن عبادة الأوثان، والكف عن العصيان، والأنبياء لا يبعثون إلا بذلك، وهذا منه اعتذار لما أنكروا عليه من الأمر بالخروج عن عوائدهم، وترك ما ألفوه من دينهم الفاسد، أي: كيف أترك ما أمرني به ربي من تبليغ وحيه، وأنا على بينة منه، وقد أغناني الله عنكم وعن غيركم. ولذلك قال إثره: {وما أريدُ أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} أي: وما أريد أن آتي ما أنهاكم عنه؛ لأَستبد به دونكم، فتتهموني إن أردت الاستبداد به. يقال: خالفني فلان إلى كذا: إذا قصده، وأنت مول عنه، وخالفني عنه: إذا ولى عنه وأنت قاصده. {إن أريدُ إلا صلاحَ ما استطعت} أي: ما أريد إلا أن أصلحكم بأمري لكم بالمعروف، ونهيي لكم عن المنكر جهد استطاعتي. قال البيضاوي: ولهذه الأجوبة الثلاثة على هذا النسق شأن، وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتيه ويذره أحد حقوق ثلاثة: أهمها وأعلاها: حق الله تعالى. وثانيها: حق النفس، وثالثها: حق الناس. هـ. قلت: فحق الله: كونه على بينة من ربه، وحق النفس: تمكينه من الرزق الحسَن. وحق الناس: نصحهم من غير طمع، ولا حظ. ثم قال: {وما توفيقي إلا بالله}؛ وما توفيقي لإجابة الحق، والصواب إلا بهدايته ومعونته، {عليه توكلتُ}؛ فإنه القادر على كل شيء، وما عداه عاجز بل معدوم، ساقط عن درجة الاعتبار. وفيه إشارة إلى محض التوحيد، الذي هو أقصى مراتب العلم بالله. {وإليه أُنيب}؛ أرجع في جميع أموري. {ويا قوم لا يجرمنكم}: لا يُكسبنكم {شقاقي}: معاداتي، {أن يُصيبكم مثل ما أصاب قومَ نوح} من الغرق، {أو قومَ هودٍ} من الريح، {أو قومَ صالحٍ} من الصيحة، والمعنى: لا تخالفوني فيجركمْ ذلك إلى الهلاك كما هلك الأمم قبلكم، {وما قومُ لوطٍ منكم ببعيدٍ}؛ زماناً ولا مكاناً، فإن لم تعتبروا بمن قبلكم، فاعتبروا بهم؛ إذ هم ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمساوئ، فلا يبْعد عنكم ما أصابهم. وإنما أفرد "بعيد"؛ لأن المراد: وما إهلاكهم، أو وما هم بشيء بعيد. {واستغفروا ربَّكم ثم تُوبوا إليه} عما أنتم عليه؛ {إن ربي رحيم}؛ عظيم الرحمة للتائبين {ودود}؛ متودد إليهم، فاعل بهم من اللطف والإحسان ما يفعل البليغ بمن يوده، وهو وعد على التوبة بعد الوعيد على الإصرار. قاله البيضاوي. الإشارة: قد تضمنت خطبة شعيب عليه السلام ست خصال، من اجتمعت فيه فاز بسعادة الدارين: الأولى: فتح البصيرة، ونفوذ العزيمة، وتنوير القلب بمعرفة الله، حتى يكون على بينة من ربه. الثانية: تيسير الرزق الحلال، من غير تعب ولا مشقة، يستعين به على طاعة ربه، ويقوم به بمؤنة أمره. الثالثة: السعي في إصلاح عباد الله وإرشادهم، ودعاؤهم إلى الله من غير طمع ولا حرف، ويكون حاله يصحح مقاله، فلا يترك ما أمر به، ولا يفعل ما نهى عنه. الرابعة: الاعتماد على الله والرجوع إليه في توفيقه وتسديده، وفي أمر دنياه ودينه، بحيث لا يرجو إلا الله، ولا يخاف إلا منه. الخامسة: الحذر والتحذير من مخالفة ما جاءت به الرسل من عند الله، والتمسك بما أمروا به من طاعة الله، والاعتذار بمن هلك قبله ممن خالف أمر الله. السادسة: تحقيق التوبة والانكسار، والإكثار من الذكر والاستغفار. فذلك سبب المودة من الكريم الغفار. ولأجل هذه الخطبة سُمي شعيب خطيب الأنبياء. والله تعالى أعلم. ثم ذكر جواب قومه، فقال: {قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ}.

الطوسي

تفسير : جواب (أن) في الآية محذوف، والتقدير يا قوم إن كنت على حجة ودلالة من ربي، ومع ذلك رزقنى منه رزقاً حسناً، وانما وصفه بأنه حسن مع ان جميع رزق الله حسن لامرين: احدهما - انه اراد بـ {حسناً} حسن موقعه لجلالته وعظمته. والثاني - انه اراد ما هو عليه على وجه التأكيد. وقيل إن الرزق الحسن ها هنا النبوة. وقال البلخي معناه الهدى والايمان، لانهما لا يوصل اليهما إلا بدعائه وبيانه ومعونته ولطفه، وتريدون أن أعدل عما انا عليه من عبادته مع هذه الحال الداعية اليها؟، وانما حذف لدلالة الكلام عليه، والرزق عطاء الخير الجاري في حكم المعطي، والعطية الواصلة من الانسان رزق من الله. وصلة من الانسان، لإدرار الخير على العبد في حكمه. وقوله {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه}. قيل في معناه قولان: احدهما - ليس نهيي لكم لمنفعة اجرّها الى نفسي بما تتركون من منع الحقوق. والثاني - أنا لا انهى عن القبيح وافعله مثل من ليس بمستبصر في امره، كما قال الشاعر: شعر : لا تنه عن خلق وتاتي مثله عار عليك اذا فعلت عظيم تفسير : وقوله {إن أريد إلا الإصلاح} معناه لست أريد بما آمركم به وانهاكم عنه الا اصلاح حالكم ما قدرت عليه. وقوله {وما توفيقي إلا بالله} والتوفيق عبارة عن اللطف الذي تقع عنده الطاعة وذلك بحسب ما يعلم الله تعالى. وانما لم يكن الموفق للطاعة الا الله، لان احداً لا يعلم ما يتفق عنده الطاعة - من غير تعليم - سواه تعالى. وقوله {عليه توكلت} معناه على الله توكلت وفوضت أمري اليه على وجه الرضا بتدبيره مع التمسك بطاعته {وإليه أنيب} قيل في معناه قولان: احدهما - قال مجاهد: اليه ارجع. والثاني - قال الحسن: اليه ارجع بعملي وبنيتي اي اعمل اعمالي لوجه الله.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} قد مضى بيان البيّنة {وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً} اشارة الى موائد الولاية فانّها الرّزق الحسن، والجزاء محذوف اى انصرف عن دعواى؟ واخف غير مولاى؟! {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} يعنى ليس مطمح نظرى دنياكم حتّى تكّذبونى بمنزلة ما أسألكم عليه مالاً {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ} لمّا نسب الارادة الى نفسه تبرّى عن استقلاله فقال {وَمَا تَوْفِيقِيۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} يعنى لا انظر فى فعلى ودعوتى الى نفسى وحولى وقوّتى ولا فى غاية فعلى اى غير ربّى فالآية اشارة الى التّبرّى من حوله ومن النّظر الى غاية سوى مولاه.

اطفيش

تفسير : {قالَ يا قَوْم أرأيتُم إنْ كُنتُ عَلى بيِّنةٍ} بيان بالعلم والنبوة والهداية {مِنْ ربِّى ورَزَقنى منهُ رزْقاً حَسناً} مالا حلالا، وكان كثير المال والنعمة طيبهما، لا بخس ولا تطفيف، وزعم بعض أن البينة البصيرة ونور العقل، ولا بأس بهذا وأن الرزق الحسن النبوة والحكمة والمعرفة والعلم، وفى هذا ضعف ظاهر، إلا إن أريد أن ذلك سبب الرزق الحسن فى الدنيا والآخرة. وإنما قال منه على معنى من عنده تعالى وأعانه بلا كد منى فى تحصيله، وجواب الشرط محذوف تقديره، فهل يسعنى أن أخالفه وأتبعكم مع هذا الإنعام الجامع لخير الدنيا والآخرة؟ ومتعلق أرأيتم بمعنى أخبرونى هو مجموع الشرط والجواب، ويجوز كون الجواب مدلولا عليه بأرأيتم، وذلك المقدر متعلق أرأيتم إن كنت على بينة من ربى وأتانى رحمة منه، فأخبرونى هل يسعنى أن أخالفه؟ وإنما حذف هل يسعى الخ سواء جعل جوابا أو متعلق جواب، لدلالة إثبات الجواب فى قصتى نوح وصالح على مكانة، ولتدل معنى الكلام عليه، وذلك الكلام من شعيب مراعاة حق الله تعالى، وهو أهم الحقوق وأعلاه، ولذلك بداية قيل. وأشار إلى حق النفس بقوله: {وما أريدُ أنْ أخالفَكُم إلى ما أنْهاكُم عَنْه} من الإشراك والتطفيف وغيرهما، أى لست أنهاكم عن ذلك لأفعله أنا، وأختص به، فإنه لا خير فيه لى ولا لكم، وإنما أنهاكم نصيحة لكم، وشفقة عليكم، ولو كان صوابا لفعلته ولم أختص به، بل آمركم به لكمال نصحى لكم، وشفقتى عليكم، يقال: خالفت زيدا أنى كذا إذا قصدته، وأدبر عنه وخالفته عنه فى العكس، ويحتمل أن يكون ذلك مأخوذا من خلفه، بمعنى وراءه، لأنك قصدت إلى ما تركه زيد وراء ظهره، أو تركت ما قصد إليه وراء ظهرك. وأشار قبل إلى حق الناس بقوله: {إن أريدُ إلاَّ الإصْلاحَ ما اسْتَطعتُ} أى مدة استطاعتى، فما ظرفية مصدرية، أى ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتى ونصحى مدة استطاعتى الإصلاح، وتمكنى منه لا أقصر فى ذلك كما تقتضيه الحقوق الثلاثة المذكورة، والمصدر ظرف زمان بنيابته عن المدة، كما رأيت متعلق بأريد، قيل: أو بأداة النفى وهو أصح من حيث المعنى. ويجوز أن يكون ما اسما واقعا على المقدار بدلا من الإصلاح بدل اشتمال، أى المقدار الذى استطعته من الاستطاعة، أو المقدار الذى استطعت إصلاحه، وحذف المضاف، وإن قدرنا المقدار الذى استطعته من الإصلاح كان بدل بعض واسما واقعا على المقدار، على تقدير مضاف قبلها، أى إصلاح ما استطعت، فيكون البدل اشتماليا أو بعضيا كذلك، ويجوز كونها مفعولا للإصلاح، فيكون ذلك من إعمال المصدر المقرون بإلا، أى لا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فسادكم أو من فاسدكم. {ومَا تَوفيقى إلاَّ بالله} إلى الحق {عليْهِ توكَّلتُ} لأنه القادر دونكم ودون ما تعبدون، وذلك إشارة إلى محض التوحيد، وكذلك قوله: {وإليْه أنيبُ} أى أراجع فى أمورى كلها، لا أعمل بما يخالف، وإن أراد بالإنابة الرجوع بالبعث، فهو إشارة إلى معرفة المعاد بعد الإشارة إلى أقصى مراتب العلم بالمبدأ وهو التوحيد، وهذه ثلاث جمل: الأولى: حصرية بإلا، والثانية والثالثة: بتقديم المعمول، وذلك تأكيد للتوحيد ودين الله، وإقناط من اتبعهم وفى الإنابة بمعنى الرجوع بالبعث تهديد بالجزاء، وكان صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيبا قال: "حديث : ذلك خطيب الأنبياء" تفسير : كما مرّ فى الأعراف، وأما قوله: {إن أريد إلا الإصلاح} فإظهار لمحض النصح لهم كما مر، ونفى للجبر على الطاعة، وياء توفيقى مفتوحة عند نافع، وابن عامر، وأبى عمرو واو ساكنة عدهم على الإصرار.

اطفيش

تفسير : {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتِ عَلىَ بَيِّنَةٍ} علم وحجة ونبوة ورسالة {مِنْ ربِّى وَرَزَقَنِى} أَى ربى {مِنْهُ} من ربى {رِزْقاً حَسَناً} حلالا غير حرام كما تأْخذونه بالتطفيف والبخس أًفأَشوب الحلال الذى رزقى بالحرام وأَكفر نعمته، العقل الرشيد لم يقبل ذلك، وكيف أُقابل النبوة والعلم والرسالة بما يناقضهن وأُخون، كيف يليق بالحيلم الرشيد أَن يخالف أَمر ربه ونهيه، واحترز بالحسن عن القبيح وهو الحرام، فإن الحرام قبيح فمن أَكله فقد أَكل رزقه ويعاقب عليه إِن كان مما يعرف بالعلم، وشمل الرزق الحسن ما بالكسب بالسهل وما بالكسب الكد وما بلا كسب، وفسر بعضهم الرزق الحسن بما لا كد فيه، وبعض النبوة والحكمة لأَنهما سبب تعاطى الحلال خاصة وسبب العيشة الدائِمة فى الآخرة فيكون ردا على قولهم تعاطيت مالا نفع فيه {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنهَاكُمْ عَنْهُ} لا أَفعل ما أَنهاكم عنه فأَكون أَنهاكم عنه ليتخلص لى ولا تشاركونى فيه، وأَكون قد ذهبت إليه خلفكم أَى بعد إِعراضكم عنه وأَخلفكم فيه، فهو رباعى فى معنى الثلاثى، وحاصله ما أُرِيد أَن أَكون خلفا منكم فيما أَنهاكم عنه، أَو من المخالفة ضد الموافقة، وإِذا فعلت ما تولى عنه قيل خالفته إِليه، وعدى بإِلى لتضمنه معنى الميل والسبق كأَنه قيل، ما أُرِيد أَن أُخالفكم مائِلا إلى ما أَنهاكم عنه كما قدره بعض، وإذا تركته وهو قاصد إِليه قيل خالفته فيه {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ} ما أُرِيد بأَمرى لكم ونهيى لكم إلا إصلاح حالكم بدين الله والنصح والوعظ {مَا اسْتَطَعْتُ} ما دمت أَستطيع إِصلاحكم فلو وجدت ما أَنتم عليه صلاحا لكم لم أَنهكم عنه ولم أَتخلف عنه، ويجوز أَن يكون ما اسما بدلا من الإصلاح، كأَنه قيل إِلا المقدار الذى أَستطيعه فهو بدل كل بأَن يراد به الإصلاح المذكور لأَنه لا يوجد إِلا ما أُطيق، أَو الإِصلاح إِصلاح ما استطعته من الإصلاح فهو بدل بعض باعتبار أَن مطلق الإصلاح بحسب مفهومه أَعم من ذلك الإصلاح المقدر ولا يصح هنا بدل الاشتمال فلا تهم، يجب على العاقل أَن يراعى من الدين الأَهم فالأَهم مما هو حق الله وحق النفس وحق الناس كما فعل شعيب، قوله يا قوم إِلخ فى حق الله فإن المراد كيف أَشوب الحلال بالحرام وأَكفر النعمة، وقدم التوحيد وهم أَهم، وقوله وما أُرِيد أَن أَخالفكم فى حق نفسه يصونها عما يعيبها وقوله: إِن أُريد إِلخ فى حقهم {وَمَا تَوْفِيقِى} ما جنس توفيقى فى إصلاحكم وفى كل ما آتى وما أَذر أَى لا فرد من أَفراد توفيقى، والمصدر المضاف من صيغ العموم فهو عام إلى الإصلاح المذكور وإصابة الحق وطاعة الله وترك المعاصى {إٍلاَّ بِاللهِ} إلا بهداية الله تعالى، والتوفيق فعل لله تعالى والباءُ لا تدخل على الفاعل، وإِذا أَكرمك زيد لم تقل إِكرامى بزيد بل من زيد فيقدر مضافا خروجا عن ذلك أَى إِلا بتأْييد الله {عَلَيْهِ} لا على غيره {تَوَكَّلت} فى جميع أُمورى ومنها أَمركم، فإِنه القادر عليها وعلى غيرها، وهذا متضمن للتوحيد إِذ جعل غير الله حاجزا، وتهديد بأَن الله عز وجل كاف معين لمن توكل عليه ينتقم له {وَإِلَيْهِ} لا إِلى غيره {أُنِيبُ} أَرجع فى المصالح ومنها إِصلاحكم ودفع المضار، وبالبعث، وفى الآية الاستعانة بالله فيما يفعل وما يترك وقطع أَطماع الكفار عنه وتهديد بالرجوع إِلى الله بالجزاءِ.

الالوسي

تفسير : {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةً} حجة ظاهرة {مّن رَّبّي} ومالك أموري {وَرَزَقَنِي مِنْهُ} من لدنه سبحانه {رِزْقًاً حَسَنًا} هو النبوة والحكمة يدل على ذلك، والجواب عليه من باب إرخاء العنان والكلام المنصف كأنه عليه السلام قال: صدقتم فيما قلتم إني لم أزل مرشداً لكم حليماً فيما بينكم لكن ما جئت به ليس غير الإرشاد والنصيحة لكم، انظروا بعين الإنصاف وأنتم ألباء إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربـي وكنت نبياً على الحقيقة أيصح لي وأنا مرشدكم والناصح لكم أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك؟ ثم إنه عليه السلام أكد معنى الإرشاد، وأدرج معنى الحلم فيما سيأتي من كلامه صلى الله عليه وسلم كذا قرره العلامة الطيبـي. واختار شيخ الإسلام عدم كونه باقياً على الظاهر لما أن مقام الاستهزاء آب عنه، وذكر قدس سره أن المراد بالبينة والرزق الحسن النبوة والحكمة، وأن التعبير عنهما بذلك للتنبيه على أنهما مع كونهما بينة رزق حسن كيف لا وذلك مناط الحياة الأبدية له عليه السلام ولأمته؟ وأن هذا الكلام منه عليه السلام رد على / مقالتهم الشنعاء المتضمنة زعم عدم استناد أمره ونهيه إلى سند، ثم قال: وجواب الشرط محذوف يدل عليه فحوى الكلام أي أتقولون والمعنى أنكم عددتم ما صدر عني من الأوامر والنواهي من قبيل ما لا يصح أن يتفوه به عاقبل وجعلتموه من أحكام الوسوسة والجنون واستهزأتم بـي وبأفعالي وقلتم، فأخبروني إن كنت من جهة ربـي ومالك أموري ثابتاً على النبوة والحكمة التي ليس وراءها غاية للكمال ولا مطمح لطامح ورزقني لذلك رزقاً حسناً أتقولون في شأني وشأن أفعالي ما تقولون مما لا خير فيه ولا شر وراءه؟! وادّعى أن هذا هو الجواب الذي يستدعيه السياق ويساعده النظم الكريم. وفسر القاضي الرزق الحسن بما آتاه الله تعالى من المال الحلال، ومعنى كون ذلك منه تعالى أنه من عنده سبحانه وبإعانته بلا كد في تحصيله، وقدر جواب الشرط فهل يسع لي مع هذا الإنعام الجامع للسعادة الروحانية والجسمانية أن أخون في وحيه وأخالفه في أمره ونهيه، وذكر أن هذا الكلام منه عليه السلام اعتذار عما أنكروا عليه من تغيير المألوف والنهي عن دين الآباء. وقدر بعضهم ما قدره العلامة الطيبي. وزعم شيخ الإسلام أن ذينك التقديرين بمعزل عما يستدعيه السياق، وأنهما إنما يناسبان إن حمل كلامهم على الحقيقة وأريد بالصلاة الدين حسبما نقل عن أبـي مسلم وعطاء، ويكون المراد بالرزق الحسن على ذلك ما آتاه الله تعالى من الحلال فقط كما روي عن الضحاك ويكون المعنى حينئذ أخبروني إن كنت نبيا من عند الله تعالى ورزقني مالاً حلالاً أستغني به عن العالمين أيصح أن أخالف أمره أو أوافقكم فيما تأتون وما تذرون انتهى. وأقول: لا يخفى أن المناسب للمقام حمل الرزق الحسن على ما آتاه الله تعالى من الحلال الخالي عن التطفيف والبخس، وتقدير جواب الشرط نحو ما قدره القاضي ليس في الكلام ما يأبـى عنه، ولا يتوقف على حمل الكلام على الحقيقة والصلاة على الدين بل يتأتى تقدير ذلك، ولو كان الكلام على سبيل التهكم والصلاة بالمعنى المتبادر بأن يقال: إنهم قاتلهم الله تعالى لما قالوا في ظلال الضلال وقالوا ما قالوا في حق نبيهم وما صدر منه من الأفعال لم يكن لهم مقصود إلا ترك الدعوة وتركهم وما يفعلون، ولم يتعرض عليه السلام صريحاً لرد قولهم المتضمن لرميه وحاشاه بالوسوسة والجنون والسفه والغواية إيذاناً بأن ذلك مما لا يستحق جواباً لظهور بطلانه وتعرض لجوابهم عما قصدوه بكلامهم ذلك بما يكون فيه قطع أطماعهم من أول الأمر مع الإشارة إلى رد ما تضمنته مقالتهم الشنعاء فكأنه عليه السلام قال لهم: يا قوم إنكم اجترأتم على هذه المقالة الشنيعة وضمنتموها ما هو ظاهر البطلان لقصد أن أترككم وشأنكم من عبادة الأوثان ونقص المكيال والميزان فأخبروني إن كنت نبياً من عند الله تعالى ومستتنيا بما رزقني من المال الحلال عنكم وعن غيركم أيصح أن أخالف وحيه وأوافق هواكم لا يكون ذلك من أصلا فإذن لا فائدة لكم في هذا الكلام الشنيع. وربما يقال: إن في هذا الجواب إشارة إلى وصفهم بنحو ما وصفوه به عليه السلام كأنه قال: إن طلبكم مني ترك الدعوة وموافقة الهوى مع أني مأمور بدعوتكم وغني عنكم مما لا يصدر عن عاقل ولا يرتكبه إلا سفيه غاو، وكأن التعرض لذكر الرزق مع الكون على بينة للإشارة إلى وجود المقتضي وارتفاع ما يظن مانعاً، ولا يخفى ما في إخراج الجواب على هذا الوجه من الحسن فتأمل. بقي أن الذي ذكره النحاة على ما قال أبو حيان في مثل هذا الكلام أعني {أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ} الخ أن تقدر / الجملة الاستفهامية على أنها في موضع المفعول الثاني لأرأيتم المتضمنة معنى أخبروني المتعدية إلى مفعولين والغالب في الثاني أن يكون جملة استفهامية، وجواب الشرط ما يدل عليه الجملة السابقة مع متعلقها، والتقدير ـ إن كنت على بينة من ربـي فأخبروني هل يسع لي الخ فافهم ولا تغفل. {وَمَآ أُرِيدُ} بنهيي إياكم عما أنهاكم عنه من البخس والتطفيف {أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ} أي أقصده بعد ما وليتم عنه فأستبد به دونكم كما هو شأن بعض الناس في المنع عن بعض الأمور يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه، وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده. قال في «البحر»: والظاهر على ما ذكروه أن {أَنْ أُخَالِفَكُمْ} في موضع المفعول به ـ لأريد ـ أي وما أريد مخالفتكم، ويكون خالف بمعنى خلف نحو جاوز وجاز، ويكون المعنى وما أريد أن أكون خلفاً منكم، و {إِلَىٰ} متعلقة بأخالف أو بمحذوف أي مائلاً إلى ما أنهاكم عنه، وقيل: في الكلام فعل محذوف معطوف على المذكور أي وأميل إلى الخ، ويجوز أن يبقى أخالف على ظاهره من المخالفة، ويكون {أن} وما بعدها في موضع المفعول به ـ لأريد ـ ويقدر مائلاً إلى كما تقدم، أو يكون {أن} وما بعدها في موضع المفعول له، و {إِلَىٰ مَا} متعلقاً ـ بأريد ـ أي وما أقصد لأجل مخالفتكم إلى ما أنهاكم عنه، وقال الزجاج في معنى ذلك: أي ما أقصد بخلافكم إلى ارتكاب ما أنهاكم عنه. {إِنْ أُرِيدُ} أي ما أريد بما أقول لكم {إِلاَّ ٱلإِصْلَـٰحَ} أي إلا أن أصلحكم بالنصيحة والموعظة {مَا ٱسْتَطَعْتُ} أي مدة استطاعتي ذلك وتمكني منه لا آلو فيه جهداً ـ فما ـ مصدرية ظرفية. وجوز فيها أن تكون موصولة بدلاً من {ٱلإِصْلَـٰحَ} أي المقدار الذي استطعته أو {إِلاَّ ٱلإِصْلَـٰحَ} إصلاح ما استطعت، وهي إما بدل بعض أو كل لأن المتبادر من الإصلاح ما يقدر عليه، وقيل: بدل اشتمال، وعليه وعلى الأول يقدر ضمير أي منه لأنه في مثل ذلك لا بد منه؛ وجوز أيضاً أن تكون مفعولاً به للمصدر المذكور كقوله: شعر : ضعيف النكاية أعداءه يخال الفرار يراخي الأجل تفسير : أي ما أريد إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم، والأبلغ الأظهر ما قدمناه لأن في احتمال البدلية إضماراً وفوات المبالغة؛ وفي الاحتمال الأخير إعمال المصدر المعروف في المفعول به، وفيه ـ مع أنه لا يجوز عند الكوفيين ويقل عند البصريين ـ فواتها، وزيادة إضمار مفعول {ٱسْتَطَعْتَ}. {وَمَا تَوْفِيقِي} أي ما كوني موفقاً لتحقيق ما أتوخاه من إصلاحكم {إِلاَّ بِٱللَّهِ} أي بتأييده سبحانه ومعونته. واختار بعضهم أن يكون المراد وما توفيقي لإصابة الحق والصواب في كل ما آتي وأذر إلا بهدايته تعالى ومعونته والظاهر أن المراد وما كل فرد من أفراد توفيقي لما صرحوا به من أن المصدر المضاف من صيغ العموم، ويؤول إلى هذا ما قيل: إن المعنى ما جنس توفيقي لأن انحصار الجنس يقتضي انحصار أفراده لكن على الأول بطريق المفهوم وعلى الثاني بطريق المنطوق، وتقدير المضاف بعد الباء مما التزمه كثير، وفيه على ما قيل: دفع الاستشكال بأن فاعل التوفيق هو الله تعالى، وأهل العربية يستقبحون نسبة الفعل إلى الفاعل بالباء لأنها تدخل على الآلة فلا يحسن ضربـي بزيد، وإنما يقال: من زيد، فالاستعمال الفصيح بناءاً على هذا وما توفيقي إلا من عند الله / ووجه الدفع بذلك التقدير ظاهر لأن الدخول ليس على الفاعل حينئذ. وجوز أن يكون ذلك التقدير لما أن التوفيق وهو كون فعل العبد موافقاً لما يحبه الله تعالى ويرضاه لا يكون إلا بدلالة الله تعالى عليه، ومجرد الدلالة لا يجدي بدون المعونة منه عز شأنه. {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} في ذلك، أو في جميع أمور لا على غيره فإنه سبحانه القادر المتمكن من كل شيء، وغيره سبحانه عاجز في حد ذاته بل معدوم ساقط عن درجة الاعتبار كما أشار إليه الكتاب وعاينه أولو البصائر والألباب {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} أي أرجع فيما أنا بصدده، أو أقبل بشراشري في مجامع أموري لا إلى غيره، والجملة معطوفة على ما قبلها، وكأن إيثار صيغة الاستقبال فيها على الماضي الأنسب للتقرر والتحقق كما في التوكل لاستحضار الصورة والدلالة على الاستمرار، ولا يخفى ما في جوابه عليه السلام مما لا يكاد يوجد في كلام خطيب إلا أن يكون نبياً. وفي «أنوار التنزيل» أن لأجوبته عليه السلام الثلاثة يعني {يَٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ} الخ {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ} الخ و {إِنْ أُرِيدُ} الخ على هذا النسق شأناً، وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتيه ويذره ثلاثة حقوق أهمها وأعلاها حق الله تعالى، فإن الجواب الأول: متضمن بيان حق الله تعالى من شكر نعمته والاجتهاد في خدمته. وثانيها: حق النفس، فإن الجواب الثاني متضمن بيان حق نفسه من كفها عما ينبغي أن ينتهي عنه غيره. وثالثها: حق الناس فإن الجواب الثالث متضمن للإشارة إلى أن حق الغير عليه إصلاحه وإرشاده؛ وإنما لم يعطف قوله: {إِنْ أُرِيدُ} الخ على ما قبله لكونه مؤكداً ومقرراً له لأنه لو أراد الاستئثار بما نهى عنه لم يكن مريداً للإصلاح، ولا ينافي هذا كونه متضمناً لجواب آخر، وكأن قوله: {وَمَا تَوْفِيقِي} الخ إزاحة لما عسى أن يوهمه إسناد الاستطاعة إليه بإرادته من استبداده بذلك، ونظير ذلك {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }تفسير : [الفاتحة: 5] وفيه مع ما بعده إشارة إلى محض التوحيد. وقال غير واحد: إنه قد اشتمل كلامه عليه السلام على مراعاة لطف المراجعة ورفق الاستنزال والمحافظة على حسن المجاراة والمحاورة، وتمهيد معاقد الحق بطلب التوفيق من جانبه تعالى والاستعانة به عز شأنه في أموره وحسم أطماع الكفار وإظهار الفراغ عنهم وعدم المبالاة بمعاداتهم، قيل: وفيه أيضاً تهديدهم بالرجوع إلى الله تعالى للجزاء، وذلك من قوله: {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} لأن الرجوع إليه سبحانه يكنى به عن الجزاء وهو وإن كان هنا مخصوصاً به لاقتضاء المقام له لكنه لا فرق فيه بينه وبين غيره، وفيه مع خفاء وجه الإشارة أن الإنابة إنما هي الرجوع الاختياري بالفعل إليه سبحانه لا الرجوع الاضطراري للجزاء وما يعمه، وقد يقال: إن في قوله: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} إشارة أيضاً إلى تهديدهم لأنه عز وجل الكافي المعين لمن توكل عليه لكن لا يتعين أن يكون ذلك تهديداً بالجزاء يوم القيامة.

ابن عاشور

تفسير : تقدّم نظير الآية في قصة نوح وقصة صالح ـ عليهما السّلام ـ. والمراد بالرزق الحسن هنا مثل المراد من الرحمة في كلام نوح وكلام صالح ـ عليهما السلام ـ وهو نعمة النبوءة،وإنّما عبّر شعيب ـ عليه السّلام ـ عن النبوءة بالرزق على وجه التشبيه مشاكلة لقولهم: {أية : أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء}تفسير : [هود: 87] لأنّ الأموال أرزاق. وجواب الشرط محذوف يدل عليه سياق الكلام، أو يدل عليه {إن كنتُ على بينة من ربي}. والتقدير: مَاذا يسعكم في تكذيبي، أو ماذا ينجيكم من عاقبة تكذيبي، وهو تحذير لهم على فرض احتمال أن يكون صادقاً، أي فالحزم أن تأخذوا بهذا الاحتمال، أو فالحزم أن تنظروا في كنه ما نهيتكم عنه لتعلموا أنّه لصلاحكم. ومعنى {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} عند جميع المفسّرين من التّابعين فمَن بعدهم: ما أريد ممّا نهيتكم عنه أن أمنعكم أفعالاً وأنا أفعلها، أي لم أكن لأنْهاكم عنْ شيء وأنا أفعله. وبيّن في «الكشاف» إفادة التركيب هذا المعنى بقوله «يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مُوَلّ عنه... ويلقاك الرجلُ صادراً عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقول: خالفني إلى الماء، يريد أنه قد ذهب إليه وارداً وأنا ذاهب عنه صادراً» اهـ. وبيانه أن المخالفة تدل على الاتصاف بضد حاله، فإذا ذُكرت في غرض دلّت على الاتصاف بضده، ثم يبيّن وجه المخالفة بذكر اسم الشيء الذي حصل به الخلاف مدخولاً لحرف {إلى} الدّال على الانتهاء إلى شيء كما في قولهم: خالفني إلى الماء لتضمين {أخالفكم} معنى السعي إلى شيء. ويتعلق {إلى ما أنهاكم} بفعل {أخالفكم}، ويكون {أن أخالفكم} مفعول {أريد}. فقوله: {أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} أي أن أفعل خلاف الأفعال التي نهيتكم عنها بأن أصرفكم عنها وأنا أصير إليها. والمقصود: بيان أنه مأمور بذلك أمراً يعمّ الأمة وإياه وذلك شأن الشرائع، كما قال علماؤنا: إنّ خطاب الأمة يشمل الرسول ـ عليه الصلاة والسّلام ـ ما لم يدل دليل على تخصيصه بخلاف ذلك، ففي هذا إظهار أنّ ما نهاهم عنه ينهى أيضاً نفسه عنه. وفي هذا تنبيه لهم على مَا فِي النهي من المصلحة، وعلى أن شأنه ليس شأن الجبابرة الذين ينهون عن أعمال وهم يأتونها، لأن مثل ذلك يُنْبِىءُ بعدم النصح فيما يأمرون وينهون، إذ لو كانوا يريدون النصح والخير في ذلك لاختاروه لأنفسهم وإلى هذا المعنى يرمي التوبيخ في قوله تعالى: {أية : أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون}تفسير : [البقرة: 44] أي وأنتم تتلون كتاب الشريعة العامة لكم أفلا تعقلون فتعلموا أنكم أولَى بجلب الخير لأنفسكم. والذي يظهر لي في معنى الآية أن المراد من المخالفة المعاكسة والمنازعة؛ إما لأنه عرف من ملامح تكذيبهم أنهم توهّموه ساعياً إلى التملك عليهم والتجبر، وإما لأنّه أراد أن يقلع من نفوسهم خواطر الشر قبل أن تهجس فيها. وهذا المحمل في الآية يسمح به استعمال التركيب ومقاصد الرسل وهو أشمل للمعاني من تفسير المتقدّمين، فلا ينبغي قصر تفسير الآية على ما قالوه لأنّه لا يقابل قول قومه {أية : أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء}تفسير : [هود: 87]، فإنهم ظنوا به أنه مَا قَصَدَ إلاّ مخالفتهم وتخطئتهم ونفوا أن يكون له قصد صالح فيما دعاهم إليه، فكان مقتضى إبطال ظِنّتِهم أن يَنفي أن يريد مجرد مخالفتهم، بدليل قوله عقبه {إن أريد إلاّ الإصلاح مَا استطعت}. فمعنى قوله: {وما أريد أن أخالفكم} أنّه ما يريد مجرّد المخالفة كشأن المنتقدين المتقعرين ولكن يخالفهم لمقصد سام وهو إرادة إصلاحهم. ومن هذا الاستعمال ما ورد في الحديث لمّا جاء وفد فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر الصديق: «أمّرْ الأقرع بن حابس، وقال عمر: أمّرْ فلاناً، فقال أبو بكر لعُمر: ما أردتَ إلى خلافي، فقال عمر: ما أردتُ إلى خلافك». فهذا التفسير له وجه وجيه في هذه الآية. وفي هذا ما يدلّ على أن المنتقدين قسمان قسم ينتقد الشيء ويقف عند حد النقد دون ارتقاء إلى بيان ما يصلح المنقود. وقسم ينتقد ليبيّن وجه الخطأ ثم يعقبه ببيان ما يصلح خطأه. وعلى هذا الوجه يتعلّق {إلى ما أنهاكم} بفعل {أريد} وكذلك {أن أخالفكم} يتعلق بـ{أريد} على حذف حرف لام الجر. والتقدير: ما أريد إلى النهي لأجل أن أخالفكم، أي لمحبة خلافكم. وجملة {إن أريد إلاّ الإصلاح مَا استعطعت} بيان لجملة {ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} لأنّ انتفاء إرادة المخالفة إلى ما نهاهم عنه مجمل فيما يريد إثباته من أضداد المنفي فبيّنهُ بأنّ الضد المراد إثباته هو الإصلاح في جميع أوقات استطاعته بتحصيل الإصلاح، فالقصر قصر قلب. وأفادت صيغة القصر تأكيد ذلك لأن القصر قد كان يحصل بمجرد الاقتصار على النفي والإثبات نحو أن يقول: ما أريد أن أخالفكم أريد الإصلاح، كقول عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي أو السموءل: شعر : تسيل على حد الظبات نفوسنا وليست على غير الظبات تسيل تفسير : ولما بيّن لهم حقيقة عمله وكان في بيانه ما يجر الثناء على نفسه أعقبه بإرجاع الفضل في ذلك إلى الله فقال: {وما توفيقي إلاّ بالله} فسمّى إرادته الإصلاح توفيقاً وجعله من الله لا يحصل في وقت إلاّ بالله، أي بإرادته وهديه، فجملة {وما توفيقي إلاّ بالله} في موضع الحال من ضمير {أريد}. والتوفيق: جعل الشيء وفقاً لآخر، أي طبقاً له، ولذلك عرفوه بأنه خلقُ القدرة والدّاعية إلى الطاعة. وجملة {عليه توكّلت} في موضع الحال من اسم الجلالة، أو من ياء المتكلم في قوله: {توفيقي} لأنّ المضاف هنا كالجزء من المضاف إليه فيسوغ مجيء الحال من المضاف إليه. والتوكّل مضى عند قوله تعالى: {أية : فإذا عزمت فتوكّل على الله}تفسير : في سورة [آل عمران:159]. والإنابة تقدمت آنفاً في قوله: {أية : إنّ إبراهيم لحليمٌ أوّاهٌ منيبٌ}تفسير : [هود: 75].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن نبيه شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، أنه أخبر قومه: أنه إذا نهاهم عن شيء انتهى هو عنه وأن فعله لا يخالف قوله. ويفهم من هذه الآية الكريمة أن الإنسان يجب عليه أن يكون منتهياً عما ينهى عنه غيره، مؤتمراً بما يأمر به غيره. وقد بين تعالى ذلك في مواضع آخر. كقوله: {أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} تفسير : [البقرة: 44] الآية. وقوله: {أية : كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}تفسير : [الصف: 3]. وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار، فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع عليه أهل النارفيقولون: أي فلان. ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟! فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه ". تفسير : ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "فتندلق أقتابه" أي تتدلى أمعاؤه. وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو نُعيم في الحلية، وابن مردودية والبيهقي في شعب الإيمان وغيرهم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رايت ليلة أسري بي رجالاً تقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت رجعت. فقلت لجبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من الخطباء من أمتك، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون"تفسير : قاله صاحب "الدر المنثور" اهـ. وقد قال الشاعر: شعر : لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم تفسير : وقد أجاد من قال: شعر : وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو مريض تفسير : ومعلوم أن عمل الإنسان بما ينصح به غيره أدعى لقبول غيره منه. كما قال الشاعر: شعر : فإنك إذ ما تأت ما أنت آمر به تلف من إياه تأمر آتيا

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰقَوْمِ} {أَرَأَيْتُمْ} {أَنْهَاكُمْ} {ٱلإِصْلاَحَ} (88) - فَقَالَ لَهُمْ شُعَيبٌ: هَلْ تَرَوْنَ لَوْ أَنَّنِي كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَهُدًى، وَأَنَّهُ آتَانِي النُّبُوَّةَ، وَرَزَقني رِزْقاً حَلالاً طَيِّباً حَسَناً، ثُمَّ عَصَيْتُهُ فِيمَا أَرْسَلَنِي بِهِ إِلَيكُمْ، وَتَرَكْتُ دَعْوَتَكُمْ إِلَى الحَقِّ، وَعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَه، فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ حِينَئِذٍ؟ وَأَنَا لاَ أَنْهَاكُمْ عَنْ شَيءٍ وَأُخَالِفُكُمْ فِي السِّرِّ إِليهِ فَأَفْعَلُهُ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَقولَ لَكُمْ إِنَّ اللهَ أَكْرَمَنِي بِالرِّزْقِ الحَلالِ الحَسَنِ، دُونَ أَنْ أَحْتَاجَ إِلى التَّطْفِيفِ فِي المِكْيَالِ وَالمِيزَانِ، وَدُونَ أَنْ أَبْخَسَ فِيهما. وَأَنَا لاَ أُرِيدُ مِنْ أَمْري إِيّاكُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ، وَبِالإقْلاعِ عَنِ المَفَاسِدِ، إِلاَّ الإِصْلاَحَ بِقَدْرِ جَهْدِي وَطَاقَتِي. وَلا أَسْأَلُ غَيْرَ اللهِ التَّوْفِيقَ فِي إِصَابَةِ الحَقِّ وَإِنَّنِي تَوَكَّلْتُ عَلَيهِ، وَإِليهِ أَخْلَصْتُ وَأَنبْتُ فِي عِبَادَتِي وَطَاعَتِي. أَرَأَيْتُمْ - أَخْبِرُونِي. بَيِّنَةٍ - هِدَايَةٍ وَبَصِيرَةٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا يعلن لهم شعيب - عليه السلام - أنه على يقين من أن الله سبحانه وتعالى قد أعطاه حجة ومنهجاً، وقد رزقه الرزق الحسن الذي لا يحتاج معه إلى أحد؛ فأمور حياته ميسورة. وقد يكون المقصود بالرزق الحسن رحمة النبوة. ثم يقول الحق سبحانه ما جاء على لسان شعيب عليه السلام: {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ..} [هود: 88]. أي: أنني أطبق ما أدعوكم إليه على نفسي؛ فلا أنقص كيلاً أو أخْسِر ميزاناً، ولا أبخس أحداً أشياءه؛ لأني لا أعبد غير الله. وكلمة "أخالف" تدل على اتجاهين متضادين، فإن كان قولك بهدف صرف إنسان عن فعل لكي تفعله أنت؛ تكون قد خالفته "إلى" كذا، وإن كنت تريده أن يفعل فعلاً كيلا تفعله أنت؛ تكون قد خالفته "عن" كذا. فشعيب - عليه السلام - يوضح لهم أنه لا ينهاهم عن أفعال؛ ليفعلها هو؛ بل ينهاهم عن الذي لا يفعله؛ لأن الحق سبحانه قد أمره بألا يفعل تلك الأفعال، فالحق سبحانه هو الذي أوحى له بالمنهج، وهو الذي أنزل عليه الرسالة. وشعيب - عليه السلام - لا ينهاهم عن أفعال يفعلها هو؛ لأنه لا يستأثر لنفسه بما يرونه خيراً؛ فليس في نقص الكيل والميزان؛ أو الشرك بالله أدنى خير، فكل تلك الأفعال هي الشر نفسه. ويوضح لهم شعيب - عليه السلام - مهمة النبوة؛ فيقول: {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ..} [هود: 88]. فالنبوات كلها لا يرسلها الله تعالى إلا حين يطم الفساد، ويأتي النبي المُرسَل بمنهج يدل الناس إلى ما يصلح أحوالهم؛ من خلال "افعل" و"لا تفعل" ويكون النبي المُرسَل هو الأسوة لتطبيق المنهج؛ فلا يأمر أمراً هو عنه بنَجْوةٍ؛ ويطبق على نفسه أولاً كل ما يدعو إليه. ولذلك قال شعيب - عليه السلام -: {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ..} [هود: 88]. لأن الله سبحانه وتعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، وما يدخل في طوعها. ويقول شعيب - عليه السلام - بعد ذلك: {.. وَمَا تَوْفِيقِيۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88]. وهكذا نعلم أن هناك فرقاً بين العمل؛ وبين التوفيق في العمل؛ لأن جوارحك قد تنشغل بالعمل؛ ولكن النية قد تكون غير خالصة؛ عندئذ لا يأتي التوفيق من الله. أما إن أقبلت على العمل؛ وفي نيتك أن يوفقك الله سبحانه لتؤدي هذا العمل بإخلاص؛ فستجد الله تعالى وهو يصوِّب لك أيَّ خطأ تقع فيه؛ وستنجز العمل بإتقان وتشعر بجمال الإتقان، وفي الجمال جلال. والحق سبحانه وتعالى يقول هنا ما جاء على لسان شعيب عليه السلام: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ}؛ أي: أنه لا يتوكل إلا على الله؛ ولا يصح أن تعطف على هذا القول شيئاً؛ لأنك إن عطفت على هذا القول وقلت "على الله توكلت وعليك"؛ فتوقع ألا يوفقك الله، لأنك أشركت أحداً غير الله. ونجد في القرآن الكريم قول الحق سبحانه على لسان هود عليه السلام: {أية : تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ}تفسير : [هود: 56]. ويجوز لك هنا أن تعطف. ولك أن تتذكر قول أحد العارفين: "اللهم إني أستغفرك من كل عملٍ قصدتُ به وجهك فخالفني فيه ما ليس لك". فلا تترك شيئاً يزحف على توكلك على الله تعالى؛ لأنك إليه تنيب؛ وترجع؛ كما قال شعيب عليه السلام: {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}. ويقول الحق سبحانه وتعالى من بعد ذلك: {وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيۤ ...}.

الأندلسي

تفسير : {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ} هذه مراجعة لطيفة واستنزال حسن واستدعاء برفق ولذلك قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ذلك خطيب الأنبياءتفسير : . وهذا النوع يسمى استدراج المخاطب عند أرباب علم البيان وهو نوع لطيف غريب المعنى والمغزى يتوصل به إلى بلوغ الغرض. قال الزمخشري: فإن قلت: أين جواب أرأيتم وما لم يثبت كما ثبت في قصة نوح وصالح؟. قلت: جوابه محذوف وإنما لم يثبت لأن إثباته في القصتين دل على مكانه. ومعنى الكلام ينادي عليه، والمعنى أخبروني إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي وكنت نبياً على الحقيقة أنصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي والأنبياء لا يبعثون إلا كذلك "انتهى". وتسمية هذا جواباً لا رأيتم ليس بالمصطلح بل هذه الجملة التي قدّرها هي في موضع المفعول الثاني لأرأيتم لأن أرأيتم إذا ضمنت معنى أخبرني تعدت لمفعولين، والغالب في الثاني أن يكون جملة استفهامية ينعقد منها ومن المفعول الأول في الأصل جملة ابتدائية كقول العرب: أرأيتم زيداً ما صنع. قال ابن عطية: وجواب الشرط الذي في قوله: {إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ} محذوف تقديره أَضِل كما ضللتم، أو أترك تبليغ الرسالة، ونحو هذا مما يليق بهذه المحاجة. "انتهى". وليس قوله: أضل جواباً للشرط لأنه إن كان مثبتاً فلا يمكن أن يكون جواباً لأنه لا يترتب على الشرط وإن كان استفهاماً حذف منه الهمزة فهو في موضع المفعول الثاني لأرأيتم، وجواب الشرط محذوف يدل عليه الجملة السابقة مع متعلقها. قال الزمخشري: ما استطعت يجوز فيه وجوه أحدها: أن يكون بدلاً من الإِصلاح أي المقدار الذي استطعته، أو على حذف مضاف تقديره إلا الإِصلاح إصلاح ما استطعت فهذان وجهان في البدل، والثالث: أن تكون مفعولاً كقوله: شعر : ضعيف النكاية أعداءه تفسير : أي ما أريد إلا أن أُصلحَ ما استطعتُ إصلاحه من فاسدكم. "انتهى". هذا الثالث ضعيف لأن المصدر المعرف بأل لا يجوز أعماله في المفعول به عند الكوفيين، واما البصريون فاعماله عندهم فيه قليل. ومعنى: {لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} يسكبنّكم. {شِقَاقِيۤ} أي خلاقي وعدواتي وشقاقي فاعل. يجرمنكم وان يصيبكم مفعول ثان ليجرمنكم ومثل مرفوع به. {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} أما في الزمان لقرب عهد هلاكهم من عهدكم إذ هم أقرب الهالكين. {قَالُواْ يٰشُعَيْبُ} كانوا لا يلقون إليه أذهانهم رغبة عنه وكراهة له أو قالوا ذلك على وجه الاستهانة به. {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ} احترموه لرهطه إذ كانوا كفاراً مثلهم وكان في عزة ومنعة منهم. {لَرَجَمْنَاكَ} ظاهره القتل وبالحجارة وهي شر القِتْلات. {وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} أي بذي منعة علينا. والظاهر في قوله: واتخذتموه ان الضمير عائد على الله تعالى أي ونسيتموه وجعلتموه كالشىء المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به والظهرى بكسر الظاء منسوب إلى الظهر من تغييرات النسب ونظيره قولهم في النسب إلى أمس أمسى بكسر الهمزة. {وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ} تقدم تفسير نظيره. قال الزمخشري: فإِن قلت: قد ذكر عملهم على مكانتهم وعمله على مكانته، ثم اتبعه ذكر عاقبة العاملين منه ومنهم فكان القياس أن يقول: من يأتيه عذاب يخزيه، ومن هو صادق حتى ينصرف من يأتيه عذاب يخزيه إلى الجاحدين ومن هو صادق إلى النبي المبعوث إليهم. قلت: القياس ما ذكرت ولكنهم لما كانوا يعودونه كاذباً قال: ومن هو كاذب يعني في زعمكم ودعواكم تجهيلاً لهم. "انتهى". وفي ألفاظ هذا الرجل سوء أدب والذي قاله ليس بقياس لأن التهديد الذي وقع ليس بالنسبة إليه ولا هو داخل في التهديد المراد بقوله: سوف تعلمون إذ لم يأت التركيب اعملوا على مكانتكم واعمل على مكانتي ولا سوف تعلمون واعلم وإنما التهديد مختص بهم واستسلف الزمخشري قوله: قد ذكر عملهم على مكانتهم وعمله على مكانته فبني على ذلك سؤالاً فاسداً لأن المترتب على ما ليس مذكوراً لا يصح البتة وجميع الآية والتي قبلها إنما هي بالنسبة إليهم على سبيل التهديد ونظيره في سورة تنزيل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم. فهذا جاء بالنسبة للمخاطبين في قوله: قل يا قوم اعملوا على مكانتكم، كما جاء هنا. {مَن يَأْتِيهِ} من يجوز أن تكون موصولة مفعولةً بقوله: تعلمون، أي تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب. ويجوز أن تكون استفهامية في موضع رفع على الابتداء. وتعلمون معلق كأنه قيل أيُّنا يأتيه عذاب يخزيه وأينا هو كاذب. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا} الآية: المعجزات التسع وهي: العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ونقص من الأموال والأنفس، والثمرات، ومنهم من أبدل النقص بإِظلال الجبل. وقيل: الآيات التوراة، وهذا ليس بسديد لأنه قال: إلى فرعون وملائه، والتوراة إنما أنزلت بعد هلاك فرعون وملائه. والسلطان المبين: هو الحجة الواضحة. {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} يقال: قدم زيد القوم يقدم قدْماً وقدوماً يقدمهم والمعنى يقدم قومه المغرقين وعدل إلى النار كما كان قدوة في الضلال متبعاً كذلك يتقدمهم إلى النار وهم يتبعونه وعدل عن فيورِدَهم إلى فأوردهم لتحقق وقوعه لا محالة، فكأنه قد وقع ولما في ذلك من الإِرهاب والتخويف والهمزة فأوردهم للتعدية ورد يتعدى إلى واحد فلما أدخل الهمزة تعدى إلى اثنين فتضمن وارداً وموروداً. ويطلق الورد على الوارد فالورد لا يكون المورود فاحتيج إلى حذف ليطابق فاعل بئس المخصوص بالذم فالتقدير وبئس مكان الورد المورود. ويعني به النار، فالورد فاعل ببئس والمخصوص بالذم المورود وهي النار. قال ابن عطية: والمورود صفة للورد، أي بئس مكان الورد المورود النار، ويكون المخصوص محذوفاً لفهم المعنى كما حذف في قوله: {أية : وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} تفسير : [آل عمران: 12، 197]. "انتهى". هذا التخريج يبنى على جواز وصف فاعل نعم وبئس وفيه خلاف ذهب ابن السراج والفارسي إلى أن ذلك لا يجوز. وقال الزمخشري: بئس الرفد المرفود رفدهم أي بئس العون المعان، وذلك أن اللعنة في الدنيا رفد للعذاب ومدد له وقد رفدت باللعنة في الآخرة. وقيل: بئس العطاء المعطي. "انتهى". ويظهر من كلامه أن المرفود صفة للرفد وأن المخصوص بالذم محذوف تقديره رفدهم وما ذكره من تفسيره، أي بئس العون المعان هو قول أبي عبيدة، وسمي العذاب رفداً على نحو قوله: شعر : تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : وقال الكلبي: الرفد الرفادة أي بئس ما يرفدون به بعد الغرق النار.

الجيلاني

تفسير : {قَالَ} شعيب بعدما تفرش بنور النبوة باستهزائهم: {يٰقَوْمِ} الساعين للباطل المصرين عليه {أَرَأَيْتُمْ} أخبروني {إِن كُنتُ} جئت لكم {عَلَىٰ بَيِّنَةٍ} مصدقة نائشة {مِّن} قبل {رَّبِّي} معجزة لجميع ما يقابلني ويعارضني {وَ} مع ذلك {رَزَقَنِي مِنْهُ} أي: من عنده سبحانه {رِزْقاً حَسَناً} معنوياً وصورياً وروحانياً وجسمانياً، فهل يليق بمثلي أن يفترى عليه، وينسب ~إليه مراء ما لم يوحَ من عنده كذباً وبهتاناً {وَ} اعلموا أيضاً أني {مَآ أُرِيدُ} بنهيي لكم عن التطفيف والتبخيس {أَنْ أُخَالِفَكُمْ} فيما أنتم عليه وأرجع بنفسي {إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} لأستبد وأتخصص به، وهو إفساد وميل عن جادة الله لاحق وصراط الله ألأقوم، فكيف يميل الموحد المؤيد إلى أمثال هذا، بل {إِنْ أُرِيدُ} أي: ما أريد {إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ} مقدار {مَا ٱسْتَطَعْتُ وَ} ما أنا متكفل للصلاح أيضاً ومدع الاستقلال به {مَا تَوْفِيقِيۤ} أي: إقداري وتمكيني وحولي وقوتي {إِلاَّ بِٱللَّهِ} إذ لا حول ولا قوة بالأصالة إلا بالله لذلك {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} أي: وثقت والتجأت {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] وأتوجه في جميع ما رجوت؛ إذ هو مولاي ومولي أموري وعليه اعتمادي واعتضادي. {وَ} بعدما تفرس منهم المصيبة والمراء المفرط، قال على مقتضى الحبة والشفقة وإرخاء العنان: {يٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيۤ} أي: لا يحملنكم بغضي وعداوتي على الجرائم المستجلبة لأنواع العذاب والنكال، إني أخاف عليكم {أَن يُصِيبَكُم} بسبب جرائمكم وعصيانكم {مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ} مثل ما أصاب {قَوْمَ هُودٍ أَوْ} مثل ما أصاب {قَوْمَ صَالِحٍ} وباجملة: {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ} وقصة استئصالهم وإهلاكهم وتقليب أماكنهم عليهم {مِّنكُم بِبَعِيدٍ} [هود: 89] متمادٍ في البعد إلى حيث يحصل لكم الذهول عنه لقرب عهدهم. {وَ} يا قوم {ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} الذي أظهركم من العدم من جميع فرطاتكم {ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} أي: اخلصوا في إنابتكم ورجوعكم، ولا تغتموا بعد إخلاص التوبة بما جرى عليكم من الجرائم {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ} يقبل توبتكم ويعفو عن زلاتكم {وَدُودٌ} [هود: 90] يحبكم ويرحمكم ويتفضل عليكم. وبعدما بالغ في نصحهم وإرشادهم {قَالُواْ} تسفيهاً عليه وتخويفاً: {يٰشُعَيْبُ} نادوه على سبيل الاستهزاء والاستحقار {مَا نَفْقَهُ} ونفهم ونعقل {كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ} أي: بعض هذياناتك التي تكلمت بها {وَإِنَّا} أي: وإن لم نفهم بعض كلماتك لابتنائها على الخبل والخرق {لَنَرَاكَ} في بادي الرأي {فِينَا ضَعِيفاً} في غاية الضعف والحقارة {وَ} بالجملة: {لَوْلاَ رَهْطُكَ} أي: عشائرك وأقوامك {لَرَجَمْنَاكَ} بالحجارة ألبتة بسبب هذاياناتك وذكرك آلهتنا بالسوء، ودخلك على أفعالنا مع أموالنا {وَ} أعلم يقيناً إنك بنفسك {مَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود: 91] بل عزتك عندنا بسبب رهطك لكونهم إخواننا في الدين، فلا نريد أذاهم بقتلك، وإلا فلا نبالِ بك وبرحمتك.