Verse. 1562 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

وَيٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيْۗ اَنْ يُّصِيْبَكُمْ مِّثْلُ مَاۗ اَصَابَ قَوْمَ نُوْحٍ اَوْ قَوْمَ ہُوْدٍ اَوْ قَوْمَ صٰلِحٍ۝۰ۭ وَمَا قَوْمُ لُوْطٍ مِّنْكُمْ بِبَعِيْدٍ۝۸۹
Waya qawmi la yajrimannakum shiqaqee an yuseebakum mithlu ma asaba qawma noohin aw qawma hoodin aw qawma salihin wama qawmu lootin minkum bibaAAeedin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويا قوم لا يجرمنكم» يكسبنكم «شقاقي» خلافي فاعل يجرم والضمير مفعول أول، والثاني «أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح» من العذاب «وما قوم لوط» أي منازلهم أو زمن هلاكهم «منكم ببعيد» فاعتبروا.

89

Tafseer

البيضاوي

تفسير : { وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} لا يكسبنكم. {شِقَاقِى } معاداتي. {أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ} من الغرق. {أَوْ قَوْمَ هُودٍ} من الريح. {أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍ} من الرجفة و {أن} بصلتها ثاني مفعولي جزم، فإنه يعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب. وعن ابن كثير {يَجْرِمَنَّكُمْ } بالضم وهو منقول من المتعدي إلى مفعول واحد، والأول أفصح فإن أجرم أقل دوراناً على ألسنة الفصحاء. وقرىء {مَثَلُ } بالفتح لإِضافته إلى المبنى كقوله:شعر : لَمْ يُمْنع الشُّرْبَ مِنْهَا غَيْرَ أَنْ نَطَقَت حَمَامَةٌ فِي غُصُون ذات ارْقَالِ تفسير : {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ} زماناً أو مكاناً فإن لم تعتبروا بمن قبلهم فاعتبروا بهم، أو ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمساوي فلا يبعد عنكم ما أصابهم، وإفراد البعيد لأن المراد وما إهلاكهم أو وما هم بشيء بعيد، ولا يبعد أن يسوي في أمثاله بين المذكر والمؤنث لأنها على زنة المصادر كالصهيل والشهيق. {وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ} عما أنتم عليه. {إِنَّ رَبّى رَحِيمٌ} عظيم الرحمة للتائبين. {وَدُودٌ } فاعل بهم من اللطف والإحسان ما يفعل البليغ المودة بمن يوده، وهو وعد على التوبة بعد الوعيد على الإصرار. {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ} ما نفهم. {كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ} كوجوب التوحيد وحرمة البخس وما ذكرت دليلاً عليهما، وذلك لقصور عقولهم وعدم تفكرهم. وقيل قالوا ذلك استهانة بكلامه، أو لأنهم لم يلقوا إليه أذهانهم لشدة نفرتهم عنه. {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا} لا قوة لك فتمتنع منا إن أردنا بك سوءاً، أو مهيناً لاعِزَّ لك، وقيل أعمى بلغة حمير وهو مع عدم مناسبته يرده التقييد بالظرف، ومنع بعض المعتزلة استنباء الأعمى قياساً على القضاء والشهادة والفرق بين. {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ } قومك وعزتهم عندنا لكونهم على ملتنا لا لخوف من شوكتهم، فإن الرهط من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى التسعة. {لَرَجَمْنَـٰكَ} لقتلناك برمي الأحجار أو بأصعب وجه. {وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ } فتمنعنا عزتك عن الرجم، وهذا ديدن السفيه المحجوج يقابل الحجج والآيات بالسب، والتهديد وفي إيلاء ضميره حرف النفي تنبيه على أن الكلام فيه لا في ثبوت العزة، وأن المانع لهم عن إيذائه عزة قومه ولذلك. {قَالَ يَـا قَوْمِ أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً} وجعلتموه كالمنسي المنبوذ وراء الظهر بإشراككم به والإِهانة برسوله فلا تبقون علي لله وتبقون علي لرهطي، وهو يحتمل الإِنكار والتوبيخ والرد والتكذيب، و {ظِهْرِيّاً } منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب. {إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } فلا يخفى عليه شيء منها فيجازي عليها. {وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنّى عَـٰمِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } سبق مثله في سورة «الأنعام» والفاء في فـ {سَوْفَ تَعْلَمُونَ } ثمة للتصريح بأن الإِصرار والتمكن فيما هم عليه سبب لذلك، وحذفها ها هنا لأنه جواب سائل قال: فماذا يكون بعد ذلك؟ فهو أبلغ في التهويل. {وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ } عطف على من يأتيه لا لأنه قسيم له كقولك: ستعلم الكاذب والصادق، بل لأنهم لما أو عدوه وكذبوه قال: سوف تعلمون من المعذب والكاذب مني ومنكم. وقيل كان قياسه ومن هو صادق لينصرف الأول إليهم والثاني إليه لكنهم لما كانوا يدعونه كاذباً قال: ومن هو كاذب على زعمهم. {وَٱرْتَقِبُواْ } وانتظروا ما أقول لكم. {إِنّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ } منتظر فعيل بمعنى الراقب كالصريم، أو المراقب كالعشير أو المرتقب كالرفيع. {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا} إنما ذكره بالواو كما في قصة عاد إذ لم يسبقه ذكر وعد يجري مجرى السبب له بخلاف قصتي صالح ولوط فإنه ذكر بعد الوعد وذلك قوله: {وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } وقوله: {أية : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ }تفسير : [هود: 81] فلذلك جاء بفاء السببية. {وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ} قيل صاح بهم جبريل عليه السلام فهلكوا. {فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ} ميتين، وأصل الجثوم اللزوم في المكان. {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا} كأن لم يقيموا فيها. {أَلاَ بُعْدًا لّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ } شبههم بهم لأن عذابهم كان أيضاً بالصيحة، غير أن صيحتهم كانت من تحتهم وصيحة مدين كانت من فوقهم. وقرىء {بَعُدَتْ} بالضم على الأصل فإن الكسر تغيير لتخصيص معنى البعد بما يكون بسبب الهلاك، والبعد مصدر لهما والبعد مصدر المكسور. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا} بالتوراة أو المعجزات. {وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ} وهو المعجزات القاهرة أو العصا، وإفرادها بالذكر لأنها أبهرها، ويجوز أن يراد بهما واحد أي: ولقد أرسلناه بالجامع بين كونه آياتنا وسلطاناً له على نبوته واضحاً في نفسه أو موضحاً إياها، فإن أبان جاء لازماً ومتعدياً، والفرق بينهما أن الآية تعم الأمارة، والدليل القاطع والسلطان يخص بالقاطع والمبين يخص بما فيه جلاء. {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَٱتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ} فاتبعوا أمره بالكفر بموسى أو فما تبعوا موسى الهادي إلى الحق المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة، واتبعوا طريقة فرعون المنهمك في الضلال والطغيان الداعي إلى ما لا يخفى فساده على من له أدنى مسكة من العقل لفرط جهالتهم وعدم استبصارهم. {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} مرشد أو ذي رشد، وإنما هو غي محض وضلال صريح. {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} إلى النار كما كان يقدمهم في الدنيا إلى الضلال يقال قدم بمعنى تقدم. {فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ} ذكره بلفظ الماضي مبالغة في تحقيقه ونزل النار لهم منزلة الماء فسمى إتيانها مورداً ثم قال: {وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ } أي بئس المورد الذي وردوه فإنه يراد لتبريد الأكباد وتسكين العطش والنار بالضد، والآية كالدليل على قوله: {أية : وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } تفسير : [هود: 97] فإن من كان هذه عاقبته لم يكن في أمره رشد، أو تفسير له على أن المراد بالرشيد ما يكون مأمون العاقبة حميدها. {وَأُتْبِعُواْ فِى هَـٰذِهِ } الدنيا. {لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي يلعنون في الدنيا والآخرة. {بِئْسَ ٱلرّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ } بئس العون المعان أو العطاء المعطى، وأصل الرفد ما يضاف إلى غيره ليعمده، والمخصوص بالذم محذوف أي رفدهم وهو اللعنة في الدارين. {ذٰلِكَ } أي ذلك النبأ. {مِنْ أَنْبَاء ٱلْقُرَىٰ } المهلكة. {نَقُصُّهُ عَلَيْكَ } مقصوص عليك. {مِنْهَا قَائِمٌ } من تلك القرى باق كالزرع القائم. {وَحَصِيدٌ } ومنها عافي الأثر كالزرع المحصود، والجملة مستأنفة وقيل حال من الهاء في نقصه وليس بصحيح إذ لا واو ولا ضمير. {وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ } بإهلاكنا إياهم. {وَلَـٰكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} بأن عرضوها له بارتكاب ما يوجبه. {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ} فما نفعتهم ولا قدرت أن تدفع عنهم بل ضرتهم. {آلِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْء لَّمَّا جَاء أَمْرُ رَبّكَ} حين جاءهم عذابه ونقمته. {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} هلاك أو تخسير. {وَكَذٰلِكَ } ومثل ذلك الأخذ. {أَخْذُ رَبّكَ} وقرىء {أَخْذُ رَبّكَ} بالفعل وعلى هذا يكون محل الكاف النصب على المصدر. {إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ} أي أهلها وقرىء »إِذ« لأن المعنى على المضي. {وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ } حال من {ٱلْقُرَىٰ} وهي في الحقيقة لأهلها لكنها لما أقيمت مقامه أجريت عليها، وفائدتها الإِشعار بأنهم أخذوا بظلمهم وإنذار كل ظالم ظلم نفسه، أو غيره من وخامة العاقبة. {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} وجيع غير مرجو الخلاص منه، وهو مبالغة في التهديد والتحذير. {إِنَّ فِى ذَلِكَ} أي فيما نزل بالأمم الهالكة أو فيما قصه الله تعالى من قصصهم. {لآيَةً} لعبرة. {لّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلأَخِرَةِ} يعتبر به عظمته لعلمه بأن ما حاق بهم أنموذج مما أعد الله للمجرمين في الآخرة، أو ينزجر به عن موجباته لعلمه بأنها من إله مختار يعذب من يشاء ويرحم من يشاء. فإن من أنكر الآخرة وأحال فناء هذا العالم لم يقل بالفاعل المختار، وجعل تلك الوقائع لأسباب فلكية اتفقت في تلك الأيام لا لذنوب المهلكين بها. {ذٰلِكَ } إشارة إلى يوم القيامة وعذاب الآخرة دل عليه. {يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ } أي يجمع له الناس، والتغيير للدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم وأنه من شأنه لا محالة وأن الناس لا ينفكون عنه فهو أبلغ من قوله: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ }تفسير : [التغابن: 9] ومعنى الجمع له الجمع لما فيه من المحاسبة والمجازاة. {وَذٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } أي مشهود فيه أهل السموات والأرضين فاتسع فيه بإجراء الظرف مجرى المفعول به كقوله:شعر : في مَحفَلِ مِنْ نَوَاصِي النَّاس مَشْهُود تفسير : أي كثير شاهدوه، ولو جعل اليوم مشهوداً في نفسه لبطل الغرض من تعظيم اليوم وتمييزه فإن سائر الأيام كذلك. {وَمَا نُؤَخّرُهُ } أي اليوم. {إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ} إلا لانتهاء مدة معدودة متناهية على حذف المضاف وإرادة مدة التأجيل كلها بالأجل لا منتهاها فإنه غير معدود. {يَوْمَ يَأْتِى } أي الجزاء أو اليوم كقوله: {أية : أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ }تفسير : [يوسف: 107] على أن {يَوْمٍ } بمعنى حين أو الله عز وجل كقوله تعالى: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ }تفسير : [البقرة: 210] ونحوه. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة {يَأْتِ } بحذف الياء اجتزاء عنها بالكسر. {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ } لا تتكلم بما ينفع وينجي من جواب أو شفاعة، وهو الناصب للظرف ويحتمل نصبه بإضمار اذكر أو بالانتهاء المحذوف. {إِلاَّ بِإِذْنِهِ } إلا بإذن الله كقوله: {أية : لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ }تفسير : [النبأ: 38] وهذا في موقف وقوله: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ }تفسير : [المرسلات: 35-36] في موقف آخر أو المأذون فيه هي الجوابات الحقة والممنوع عنه هي الأعذار الباطلة. {فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ } وجبت له النار بمقتضى الوعيد. {وَسَعِيدٌ } وجبت له الجنة بموجب الوعد الضمير لأهل الموقف وإن لم يذكر لأنه معلوم مدلول عليه بقوله: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ } أو للناس. {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} الزفير إخراج النفس والشهيق رده، واستعمالها في أول النهيق وآخره والمراد بهما الدلالة على شدة كربهم وغمهم وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه وانحصر فيه روحه، أو تشبيه صراخهم بأصوات الحمير وقرىء {شَقُواْ} بالضم. {خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} ليس لارتباط دوامهم في النار بدوامهما فإن النصوص دالة على تأبيد دوامهم وانقطاع دوامهما. بل التعبير عن التأبيد والمبالغة بما كانت العرب يعبرون به عنه على سبيل التمثيل، ولو كان للارتباط لم يلزم أيضاً من زوال السموات والأرض زوال عذابهم ولا من دوامه دوامهما إلا من قبيل المفهوم، لأن دوامهما كالملزوم لدوامه، وقد عرفت أن المفهوم لا يقاوم المنطوق. وقيل المراد سموات الآخرة وأرضها ويدل عليه قوله تعالى: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ }تفسير : [إبراهيم: 48] وإن أهل الآخرة لا بد لهم من مظل ومقل، وفيه نظر لأنه تشبيه بما لا يعرف أكثر الخلق وجوده ودوامه، ومن عرفه فإنما يعرفه بما يدل على دوام الثواب والعقاب فلا يجدي له التشبيه.{إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} استثناء من الخلود في النار لأن بعضهم وهم فساق الموحدين يخرجون منها، وذلك كاف في صحة الاستثناء لأن زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض، وهم المراد بالاستثناء الثاني فإنهم مفارقون عن الجنة أيام عذابهم، فإن التأبيد من مبدأ معين ينتقض باعتبار الابتداء كما ينتقض باعتبار الانتهاء، وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بإيمانهم، ولا يقال فعلى هذا لم يكن قوله: {فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ} تقسيماً صحيحاً لأن من شرطه أن تكون صفة كل قسم منتفية عن قسيمه، لأن ذلك الشرط حيث التقسيم لانفصال حقيقي أو مانع من الجمع وها هنا المراد أن أهل الموقف لا يخرجون عن القسمين، وأن حالهم لا يخلو عن السعادة والشقاوة وذلك لا يمنع اجتماع الأمرين في شخص باعتبارين، أو لأن أهل النار ينقلون منها إلى الزمهرير وغيره من العذاب أحياناً، وكذلك أهل الجنة ينعمون بما هو أعلى من الجنة كالاتصال بجناب القدس والفوز برضوان الله ولقائه، أو من أصل الحكم والمستثنى زمان توقفهم في الموقف للحساب لأن ظاهره يقتضي أن يكونوا في النار حين يأتي اليوم، أو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ إن كان الحكم مطلقاً غير مقيد باليوم، وعلى هذا التأويل يحتمل أن يكون الاستثناء من الخلود على ما عرفت. وقيل هو من قوله: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} وقيل إلا ها هنا بمعنى سوى كقولك على ألف إلا الألفان القديمان والمعنى سوى ما شاء ربك من الزيادة التي لا آخر لها على مدة بقاء السموات والأرض. {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ} من غير اعتراض. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} غير مقطوع، وهو تصريح بأن الثواب لا ينقطع وتنبيه على أن المراد من الاستثناء في الثواب ليس الانقطاع، ولأجله فرق بين الثواب والعقاب بالتأبيد. وقرأ حمزة والكسائي وحفص {سُعِدُواْ} على البناء للمفعول من سعده الله بمعنى أسعده، و {عَطَاء} نصب على المصدر المؤكد أي أعطوا عطاء أو الحال من الجنة. {فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ} شك بعد ما أنزل عليك من مآل أمر الناس. {مّمَّا يَعْبُدُ هَـؤُلاء} من عبادة هؤلاء المشركين في أنها ضلال مؤد إلى مثل ما حل بمن قبلهم ممن قصصت عليك سوء عاقبة عبادتهم، أو من حال ما يعبدونه في أنه يضر ولا ينفع. {مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ ءابَاؤهُم مّن قَبْلُ } استئناف معناه تعليل النهي عن المرية أي هم وآباؤهم سواء في الشرك، أي ما يعبدون عبادة إلا كعبادة آبائهم أو ما يعبدون شيئاً إلا مثل ما عبدوه من الأوثان، وقد بلغك ما لحق آباءهم من ذلك فسيلحقهم مثله، لأن التماثل في الأسباب يقتضي التماثل في المسببات، ومعنى {كَمَا يَعْبُدُ } كما كان يعبد فحذف للدلالة من قبل عليه. {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ} حظهم من العذاب كآبائهم، أو من الرزق فيكون عذراً لتأخير العذاب عنهم مع قيام ما يوجبه. {غَيْرَ مَنقُوصٍ } حال من النصيب لتقييد التوفية فإنك تقول: وفيته حقه وتريد به وفاء بعضه ولو مجازاً. {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} فآمن به قوم وكفر به قوم كما اختلف هؤلاء في القرآن. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ } يعني كلمة الإِنظار إلى يوم القيامة. {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } بإنزال ما يستحقه المبطل ليتميز به عن المحق. {وَإِنَّهُمْ} وإن كفار قومك. {لَفِى شَكّ مّنْهُ} من القرآن. {مُرِيبٍ} موقع في الريبة. {وَإِنَّ كُـلاًّ} وإن كل المختلفين المؤمنين منهم والكافرين، والتنوين بدل من المضاف إليه. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر بالتخفيف مع الإِعمال اعتباراً للأصل. {لَّمَّا لَيُوَفّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ } اللام الأولى موطئة لقسم والثانية للتأكيد أو بالعكس وما مزيدة بينهما للفصل. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة {لَّمّاً} بالتشديد على أن أصله لمن ما فقلبت النون ميماً للادغام، فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت أولاهن، والمعنى لمن الذين يوفينهم ربك جزاء أعمالهم. وقرىء لما بالتنوين أي جميعاً كقوله: {أية : أَكْلاً لَّمّاً }تفسير : [الفجر: 19] {أية : وَإِن كُلٌّ لَّمَّا } تفسير : [يس: 32] على إن {إن} نافية و {لَّمّاً} بمعنى إلا وقد قرىء به. {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فلا يفوته شيء منه وإن خفي. {فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } لما بين أمر المختلفين في التوحيد والنبوة، وأطنب في شرح الوعد والوعيد أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالاستقامة مثل ما أمر بها وهي شاملة للاستقامة في العقائد كالتوسط بين التشبيه والتعطيل بحيث يبقى العقل مصوناً من الطرفين، والأعمال من تبليغ الوحي وبيان الشرائع كما أنزل، والقيام بوظائف العبادات من غير تفريط وإفراط مفوت للحقوق ونحوها وهي في غاية العسر ولذلك قال عليه الصلاة والسلام »حديث : شيبتني هود« تفسير : {وَمَن تَابَ مَعَكَ } أي تاب من الشرك والكفر وآمن معك، وهو عطف على المستكن في استقم وإن لم يؤكد بمنفصل لقيام الفاصل مقامه. {وَلاَ تَطْغَوْاْ } ولا تخرجوا عما حد لكم. {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فهو مجازيكم عليه، وهو في معنى التعليل للأمر والنهي. وفي الآية دليل على وجوب اتباع النصوص من غير تصرف وانحراف بنحو قياس واستحسان. {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } ولا تميلوا إليهم أدنى ميل فإن الركون هو الميل اليسير كالتزيي بزيهم وتعظيم ذكرهم واستدامته. {فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ } بركونكم إليهم وإذا كان الركون إلى من وجد منه ما يسمى ظلماً كذلك فما ظنك بالركون إلى الظالمين أي الموسومين بالظلم، ثم بالميل إليهم كل الميل، ثم بالظلم نفسه والانهماك فيه، ولعل الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه، وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين بها للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل، فإن الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط وتفريط فإنه ظلم على نفسه أو غيره بل ظلم في نفسه. وقرىء {تِرْكَنُواْ} » فَتِمَسَّكُمُ« بكسر التاء على لغة تميم و {تَرْكَنُواْ} على البناء للمفعول من أركنه. {وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء } من أنصار يمنعون العذاب عنكم والواو للحال. {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ } أي ثم لا ينصركم الله إذ سبق في حكمه أن يعذبكم ولا يبقي عليكم، وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه وأوجبه لهم، ويجوز أن يكون منزلاً منزلة الفاء لمعنى الاستبعاد، فإنه لما بين أن الله معذبهم وأن غيره لا يقدر على نصرهم أنتج ذلك أنهم لا ينصرون أصلاً. {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ} غدوة وعشية وانتصابه على الظرف لأنه مضاف إليه. {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ } وساعات منه قريبة من النهار، فإنه من أزلفه إذا قربه وهو جمع زلفة، وصلاة الغداة صلاة الصبح لأنها أقرب الصلاة من أول النهار، وصلاة العشية صلاة العصر، وقيل الظهر والعصر لأن ما بعد الزوال عشي وصلاة الزلف المغرب والعشاء. وقرىء »زُلُفا« بضمتين وضمة وسكون كبسر وبسر في بسرة و {زُلْفَىٰ} بمعنى زلفة كقربي وقربة. {إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيّئَـٰتِ } يكفرنها. وفي الحديث »حديث : إن الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما ما اجتنبت الكبائر« تفسير : وفي سبب النزول «أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني قد أصبت من امرأة غير أني لم آتها فنزلت». {ذٰلِكَ } إشارة إلى قوله {فَٱسْتَقِمْ } وما بعده وقيل إلى القرآن. {ذِكْرَىٰ لِلذكِرِينَ} عظة للمتعظين. {وَٱصْبِرْ} على الطاعات وعن المعاصي. {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} عدول عن الضمير ليكون كالبرهان على المقصود ودليلاً على أن الصلاة والصبر إحسان وإيماء بأنه لا يعتد بهما دون الإِخلاص. {فَلَوْلاَ كَانَ } فهلا كان. {مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ} من الرأي والعقل، أو أولو فضل وإنما سمي {بَقِيَّتُ} لأن الرجل يستبقي أفضل ما يخرجه، ومنه يقال فلان من بقية القوم أي من خيارهم، ويجوز أن يكون مصدراً كالتقية أي ذوو إبقاء على أنفسهم وصيانة لها من العذاب، ويؤيده أنه قرىء {بَقِيَّتُ} وهي المرة من مصدر بقاه يبقيه إذا راقبه. {يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} لكن قليلاً منهم أنجيناهم لأنهم كانوا كذلك، ولا يصح اتصاله إلا إذا جعل استثناء من النفي اللازم للتحضيض. {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ} ما أنعموا فيه من الشهوات واهتموا بتحصيل أسبابها وأعرضوا عما وراء ذلك. {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ } كافرين كأنه أراد أن يبين ما كان السبب لاستئصال الأمم السالفة، وهو فشو الظلم فيهم واتباعهم للهوى وترك النهي عن المنكرات مع الكفر، وقوله واتبع على معطوف مضمر دل عليه الكلام إذ المعنى: فلم ينهوا عن الفساد واتبع الذين ظلموا وكانوا مجرمين عطف على {أَتَّبِعُ} أو اعترض. وقرىء »وَٱتَّبِعْ« أي وأتبعوا جزاء ما أترفوا فتكون الواو للحال، ويجوز أن تفسر به المشهورة ويعضده تقدم الإِنجاء. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ} بشرك. {وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } فيما بينهم لا يضمون إلى شركهم فساداً وتباغياً، وذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه ومن ذلك قدم الفقهاء عند تزاحم الحقوق حقوق العباد. وقيل الملك يبقى مع الشرك ولا يبقى مع الظلم. {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً } مسلمين كلهم، وهو دليل ظاهر على أن الأمر غير الإِرادة وأنه تعالى لم يرد الإِيمان من كل أحد وأن ما أراده يجب وقوعه. {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } بعضهم على الحق وبعضهم على الباطل لا تكاد تجد اثنين يتفقان مطلقاً. {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ } إلا ناساً هداهم الله من فضله فاتفقوا على ما هو أصول دين الحق والعمدة فيه. {وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ } إن كان الضمير لـ {ٱلنَّاسِ } فالإِشارة إلى الاختلاف، واللام للعاقبة أو إليه وإلى الرحمة، وإن كان لمن فإلى الرحمة. {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ} وعيد أو قوله للملائكة. {لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ} أي من عصاتهما {أَجْمَعِينَ} أو منهما أجمعين لا من أحدهما. {وَكُلاًّ} وكل نبأ. {نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاء ٱلرُّسُلِ} نخبرك به. {مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } بيان لكلا أو بدل منه، وفائدته التنبيه على المقصود من الاقتصاص وهو زيادة يقينه وطمأنينة قلبه وثبات نفسه على أداء الرسالة واحتمال أذى الكفار، أو مفعول {وَكُلاًّ} منصوب على المصدر بمعنى كل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك ما نثبت به فؤادك من أنباء الرسل. {وَجَاءكَ فِى هَـٰذِهِ } السورة أو الأنباء المقتصة عليك. {ٱلْحَقّ} ما هو حق. {وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} إشارة إلى سائر فوائده العامة. {وَقُل لّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ } على حالكم. {إِنَّا عَامِلُونَ} على حالنا. {وَٱنْتَظِرُواْ} بنا الدوائر. {إِنَّا مُنتَظِرُونَ} أن ينزل بكم نحو ما نزل على أمثالكم.

ابن كثير

تفسير : يقول لهم: {وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىۤ} أي: لا تحملنكم عداوتي وبغضي على الإصرار على ما أنتم عليه من الكفر والفساد، فيصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط من النقمة والعذاب. وقال قتادة: {وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىۤ} يقول: لا يحملنكم فراقي، وقال السدي: عداوتي، على أن تمادَوْا في الضلال والكفر، فيصيبكم من العذاب ما أصابهم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، حدثنا ابن أبي غنية، حدثني عبد الملك بن أبي سليمان عن ابن أبي ليلى الكندي قال: كنت مع مولاي أمسك دابته، وقد أحاط الناس بعثمان بن عفان إِذ أشرف علينا من داره فقال: {وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىۤ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍ} يا قوم لا تقتلوني، إِنكم إِن قتلتموني، كنتم هكذا، وشبك بين أصابعه، وقوله: {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} قيل: المراد: في الزمان، قال قتادة: يعني: إنما هلكوا بين أيديكم بالأمس، وقيل: في المكان، ويحتمل الأمران {وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} من سالف الذنوب {ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} فيما تستقبلونه من الأعمال السيئة. وقوله: {إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌ وَدُودٌ} لمن تاب.

المحلي و السيوطي

تفسير : { وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ } يكسبنكم {شِقَاقِى } خلافي فاعل (يَجرم)، والضمير مفعول أول، والثاني {أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَٰلِحٍ } من العذاب {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ } أي منازلهم أو زمن هلاكهم {مِّنكُم بِبَعِيدٍ } فاعتبروا.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي} في {يجرمنكم} تأويلان: أحدهما: معناه لا يحملنكم، قاله الحسن وقتادة. والثاني: معناه لا يكسبنكم، قاله الزجاج. وفي قوله {شقاقي} ثلاثة تأويلات: أحدها: إضراري، قاله الحسن. الثاني: عداوتي، قاله السدي ومنه قول الأخطل: شعر : ألا من مبلغ قيساً رسولاً فكيف وجدتم طعمَ الشقاق تفسير : الثالث: فراقي، قاله قتادة. {أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوحٍ} وهم أول أمة أهلكوا بالعذاب. {أو قوم هودٍ أو قوم صالحٍ وما قوم لوطٍ منكم ببعيدٍ} فيه وجهان: أحدهما: يعني بعد الدار لقربهم منهم، قاله قتادة. الثاني: بعد العهد لقرب الزمان. ويحتمل أن يكون مراداً به قرب الدار وقرب العهد. وقد أهلك قوم هود بالريح العاصف، وقوم صالح بالرجفة والصيحة، وقوم لوط بالرجم.

ابن عطية

تفسير : {لا يجرمنكم} معناه: لا يكسبنكم، يقال: جرمه كذا وكذا وأجرمه إذا أكسبه، كما يقال: كسب وأكسب بمعنى، ومن ذلك قول الشاعر: شعر : ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا تفسير : وقرأ الجمهور "يَجرمنكم" بفتح الياء، وقرأ الأعمش وابن وثاب "يُجرمنكم" بضمها، و {شقاقي} معناه: مشاقتي وعداوتي، و {أن} مفعولة بـ {يجرمنكم}. وكانت قصة قوم لوط أقرب القصص عهداً بقصة قوم شعيب، وقد يحتمل أن يريد وما منازل قوم لوط منكم ببعيد، فكأنه قال: وما قوم لوط منكم ببعيد بالمسافة، ويتضمن هذا القول ضرب المثل لهم بقوم لوط. وقرأ الجمهور "مثلُ" بالرفع على أنه فاعل {يصبكم} وقرأ مجاهد والجحدري وابن أبي إسحاق "مثلَ" بالنصب، وذلك على أحد وجهين: إما أن يكون "مثل" فاعلاً، وفتحة اللام فتحة بناء لما أضيف لغير متمكن، فإن "مثل" قد يجري مجرى الظروف في هذا الباب وإن لمن يكن ظرفاً محضاً. وإما أن يقدر الفاعل محذوفاً يقتضيه المعنى، ويكون "مثلَ" منصوباً على النعت لمصدر محذوف تقديره: إصابة مثل. وقوله {واستغفروا} الآية، تقدم القول في مثل هذا من ترتيب هذا الاستغفار قبل التوبة. و {ودود} معناه: أن أفعاله ولطفه بعباده لما كانت في غاية الإحسان إليهم كانت كفعل من يتودد ويود المصنوع له. وقوله تعالى: {قالوا: يا شعيب} الآية، {نفقه} معناه: نفهم وهذا نحو قول قريش {أية : قلوبنا في أكنة} تفسير : [فصلت: 5] ومعنى: "ما نفقه ما تقول" أي ما نفقه صحة قولك، وأما فقههم لفظه ومعناه فمتحصل، وروي عن ابن جبير وشريك القاضي في قولهم: {ضعيفاً} أنه كان ضرير البصر أعمى، وحكى الزهراوي: أن حمير تقول للأعمى: ضعيف، كما يقال له: ضرير، وقيل: كان ناحل البدن زمنه. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف ولا تقوم عليه حجة بضعف بصره أو بدنه؛ والظاهر من قولهم: {ضعيفاً} أنه ضعيف الانتصار والقدرة، وأن رهطه الكفرة كانوا يراعون فيه. و"الرهط" جماعة الرجل، ومنه الراهطاء لأن اليربوع يعتصم به كما يفعل الرجل برهطه. و {لرجمناك} قيل: معناه بالحجارة - وهو الظاهر وقاله ابن زيد - وقيل معناه: {لرجمناك} بالسب - وبه فسر الطبري. وهذا أيضاً تستعمله العرب. ومنه قوله تعالى: {أية : لأرجمنك واهجرني ملياً} تفسير : [مريم: 46]، وقولهم {بعزيز} أي بذي منعة وعزة ومنزلة في نفوسنا. وقوله تعالى: {قال يا قوم ارهطي} الآية، "الظهري" الشيء الذي يكون وراء الظهر، وقد يكون الشيء وراء الظهر بوجهين: في الكلام، إما بأن يطرح، كما تقول: جعلت كلامي وراء ظهرك ودبر أذنك ومنه قول الفرزدق: شعر : تميم بن زيد لا تكونن حاجتي بظهر فلا يعيى عليّ جوابها تفسير : وإما بأن يسند إليه ويلجأ. ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: "حديث : وألجأت ظهري إليك" تفسير : فقال جمهور المتأولين في معنى هذه الآية أنه: واتخذتم الله ظهرياً أي غير مراعى وراء الظهر على معنى الاطراح - ورجحه الطبري. قال القاضي أبو محمد: وهو عندي على حذف مضاف ولا بد، وقال بعضهم: الضمير في قوله: {واتخذتموه} عائد على أمر الله وشرعه، إذ يتضمنه الكلام. وقالت فرقة: المعنى: أترون رهطي أعز عليكم من الله وأنتم تتخذون الله سند ظهوركم وعماد آمالكم. قال القاضي أبو محمد: فقول الجمهور - على أن كان كفر قوم شعيب جحداً بالله تعالى وجهلاً به. وهذا القول الثاني - على أنهم كانوا يقرون بالخالق الرازق ويعتقدون الأصنام وسائط ووسائل ونحو هذا؛ وهاتان الفرقتان موجودتان في الكفرة. ومن اللفظة الاستظهار بالبيّنة، وقد قال ابن زيد: "الظهري": الفضل، مثل الجمال يخرج معه بإبل ظهارية يعدها إن احتاج إليها وإلا فهي فضلة. قال القاضي أبو محمد: هذا كله مما يستند إليه. وقوله {إن ربي بما تعملون محيط} خبر في ضمنه توعد. ومعناه محيط علمه وقدرته.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَجْرِمَنَّكُمْ} يحملنكم، أو يكسبنكم. {شِقَاقِى} عداوتي، أو إصراري، أو فراقي. {بِبَعيدٍ} بعد الدار لدنوهم منهم، أو بعد الزمان لقرب العهد "حديث : وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيباً قال "ذاك خطيب الأنبياء" ".

النسفي

تفسير : { وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِى أَن يُصِيبَكُم } أي لا يكسبنكم خلافي إصابة العذاب {مّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍ } وهو الغرق والريح والرجفة {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ } في الزمان فهم أقرب الهالكين منكم، أو في المكان فمنازلهم قريبة منكم أو فيما يستحق به الهلاك وهو الكفر والمساوىء. وسُوِّي في قريب وبعيد وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما {وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبّى رَحِيمٌ } يغفر لأهل الجفاء من المؤمنين {وَدُودٌ } يحب أهل الوفاء من الصالحين {قَالُواْ يا شُعَيْبٌ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ } أي لا نفهم صحة ما تقول وإلا فكيف لا يفهم كلامه وهو خطيب الأنبياء {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا } لا قوة لك ولا عز فيما بيننا فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروهاً {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ } ولولا عشيرتك لقتلناك بالرجم ــ وهو شر قتلة ــ وكان رهطه من أهل ملتهم فلذلك أظهروا الميل إليهم والإكرام لهم {وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ } أي لا تعز علينا ولا تكرم حتى نكرمك من القتل ونرفعك عن الرجم، وإنما يعز علينا رهطك لأنهم من أهل ديننا. وقد دل إيلاء ضميره حرف النفي على أن الكلام واقع في الفاعل لا في الفعل كأنه قيل: وما أنت علينا بعزيز بل رهطك هم الأعزة علينا ولذلك

البقاعي

تفسير : ولما بين لهم عذره بما انتفت به تهمته، أتبعه بما يدلهم على أن الحق وضح لهم وضوحاً لم يبق معه إلا المعاندة، فحذرهم عواقبها وذكرهم أمر من ارتكابها فقال: {ويا قوم} وأعز الناس عليّ {لا يجرمنكم} أي يحملنكم {شقاقي} أي شقاقكم لي على {أن يصيبكم} من العذاب {مثل ما} أي العذاب الذي {أصاب قوم نوح} بعد طول أعمارهم وتنائي أقطارهم {أو قوم هود} على شدة أبدانهم وتمادي أمانهم {أو قوم صالح} مع نحتهم البيوت من الصخور وتشييدهم عوالي القصور. ولما كان للمقاربة أثر المشاكلة والمناسبة، غير الأسلوب تعظيماً للتهويل فقال: {وما قوم لوط} أي على قبح أعمالهم وسوء حالهم وقوة أخذهم ووبالهم {منكم ببعيد*} أي لا في الزمان ولا في المكان فأنتم أجدر الناس بذكر حالهم للاتعاظ بها، وإنما فسرت جرم بحمل لأن ابن القطاع نقل أنه يقال: جرمت الرجل: حملته على الشيء، وقد عزا الرماني تفسيرها بذلك للحسن وقتادة، ويجوز أن تفسر بما تدور عليه المادة من القطع، أي لا يقطعنكم شقاقي عن اتباع ما أدعوكم إليه خوف أن يصيبكم، وقد جوزه الرماني. ولما رهبهم، أتبعه الترغيب في سياق مؤذن بأنهم إن لم يبادروا إلى المتاب بادرهم العذاب، بقوله عاطفاً لهذا الأمر على ذلك النهي المتقدم: {واستغفروا ربكم} أي اطلبوا ستر المحسن إليكم، ونبه على مقدار التوبة بأداة التراخي فقال: {ثم توبوا إليه} ثم علل ذلك مرغباً في الاقبال عليه بقوله: {إن ربي} أي المختص لي بما ترون من الإحسان ديناً ودنيا {رحيم ودود*} أي بليغ الإكرام لمن يرجع إليه بأن يحفظه على ما يرضاه بليغ التحبب إليه، ولم يبدأه بالاستعطاف على عادته بقوله: يا قوم، إشارة إلى أنه لم يبق لي وقت آمن فيه وقوع العذاب حتى أشتغل فيه بالاستعطاف، فربما كان الأمر أعجل من ذلك فاطلبوا مغفرته بأن بأن تجعلوها غرضكم ثم توصلوا إليها بالتوبة؛ فثم على بابها في الترتيب، وأما التراخي فباعتبار عظم مقدار التوبة وعلو رتبتها لأن الغفران لا يحصل بالطلب إلا إن اقترن بها، هذا الشأن في كل كبيرة من أنها لا تكفر إلا بالتوبة، وذلك لأن الطاعة المفعولة بعدها يكون مثلها كبيرة في جنس الطاعات كما أن تلك كبيرة في جنس المعاصي فلا تقوى الطاعة على محوها وتكرر الطاعات يقابله تكرر المعاصي بالإصرار الذي هو بمنزلة تكرير المعصية في كل حال، فلما رأوه لا ينزع عنهم ولم يقدروا لكلامه على جواب، أيأسوه من الرجوع إليه بأن أنزلوا أنفسهم عناداً في الفهم لهذا الكلام الواضح جداً إلى عداد البهائم، وهددوه فأخبر تعالى عنهم بذلك استئنافاً في جواب من يقول: ما قالوا بعد هذا الدعاء الحسن؟ بقوله: {قالوا يا شعيب} منادين له باسمه جفاء وغلظة {ما نفقه} أي الآن لأن "ما" تخص بالحال {كثيراً مما تقول} وإذا لم يفهم الكثير من الكلام لم يفهم مقصوده، يعنون: خفض عليك واترك كلامك فإنا لا نفهمه تهاوناً به كما يقول الإنسان لخصمه إذا نسبه إلى الهذيان: أنا لا أدري ما تقول، ولما كان غرضهم مع العناد قطع الأمر، خصواً عدم الفهم بالكثير ليكون أقرب إلى الإمكان، وكأنهم - والله أعلم - أشاروا إلى أنه كلام غير منتظم فلا حاصل له ولا لمضمونه وجود في الخارج. ولما كان في ذلك إشارة إلى أنه ضعيف العقل لأن كلامة مثل كلام المجانين، أتبعوه قولهم: {وإنا لنراك} أي رؤية مجددة مستمرة {فينا ضعيفاً} أي في البدن وغيره، فلا تتعرض لسخطنا فإنك لا تقدر على الامتناع من مكروه نحله بك بقوة عقل ولا جسم ولا عشيرة، وأشاروا إلى ضعف العشيرة بتعبيرهم بالرهط في قولهم: {ولولا رهطك لرجمناك} أي قتلناك شر قتلة - فإن الرهط من ثلاثة إلى عشرة وأكثر ما قيل: إن فخذه أربعون - فما أنت علينا بممتنع لضعفك وقلة قومك {وما أنت} أي خاصة، لأن "ما" لنفي الحال اختصاص بالزمان، والقياس أن يكون مدخولها فعلاً أو شبهه، وحيث أوليت الاسم لا سيما الضمير دل على أن التقديم للاهتمام والاختصاص {علينا بعزيز*} بكريم مودود، تقول: أعززت فلاناً - إذا كان له عندك ود، بل قومك هم الأعزة عندنا لموافقتهم لنا، ولو كان المراد: ما عززت علينا، لكان الجواب: لم لا أعز وقد شرفني الله - أو نحو هذا، ويصح أن يراد بالعزيز القوي الممتنع، ويصير إفهامه لامتناع رهطه محمولاً على أن المانع لهم موافقتهم لهم لا قوتهم؛ والفقه: فهم الكلام على ما تضمن من المعنى، وقد صار اسماً لضرب من علوم الدين، وأصل الرهط: الشدة، من الترهيط لشدة الأكل، ومنه الراهطاء: حجر اليربوع لشدته وتوثقه ليخبأ فيه ولد.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏لا يجرمنكم شقاقي‏}‏ لا يحملنكم فراقي‏. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال ‏{‏شقاقي‏}‏ قال‏:‏ عدواني. وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك رضي الله عنه عن ابن عباس‏.‏ أن شعيباً قال لقومه‏:‏ يا قوم اذكروا قوم نوح وعاد وثمود ‏ {‏وما قوم لوط منكم ببعيد‏} ‏ وكان قوم لوط أقربهم إلى شعيب، وكانوا أقربهم عهداً بالهلاك ‏ {‏واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم‏}‏ لمن تاب إليه من الذنب ‏ {‏ودود‏} ‏ يعني يحبه، ثم يقذف له المحبة في قلوب عباده‏.‏ فردوا عليه ‏ {‏قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا‏ً} ‏ كان أعمى ‏ {‏ولولا رهطك‏} ‏ يعني عشيرتك التي أنت بينهم ‏ {‏لرجمناك‏}‏ يعني لقتلناك ‏ {‏وما أنت علينا بعزيز‏}‏ ‏ {‏قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله‏} ‏ قالوا‏:‏ بل الله‏.‏ قال فاتخذتم الله وراءكم ‏ {‏ظهريا‏ً} ‏ يعني تركتم أمره وكذبتم نبيه، غير أن علم ربي أحاط بكم، ‏ {‏إن ربي بما تعملون محيط‏} ‏ قال ابن عباس‏:‏ وكان بعد الشرك أعظم ذنوبهم تطفيف المكيال والميزان، وبخس الناس أشياءهم مع ذنوب كثيرة كانوا يأتونها، فبدا شعيب فدعاهم إلى عبادة الله وكف الظلم وترك ما سوى ذلك‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن خلف بن حوشب قال‏:‏ هلك قوم شعيب من شعيرة إلى شعيرة، كانوا يأخذون بالرزينة ويعطون بالخفيفة‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ لا يحملنكم عدواتي على أن تتمادوا في الضلال والكفر فيصيبكم من العذاب ما أصابهم‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وما قوم لوط منكم ببعيد‏} ‏ قال‏:‏ إنما كانوا حديثي عهد قريب بعد نوح وثمود‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن أبي ليلى الكندي رضي الله عنه قال‏:‏ أشرف عثمان رضي الله عنه على الناس من داره وقد أحاطوا به فقال ‏{‏يا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد‏} ‏ يا قوم لا تقتلوني، إنكم إن قتلتموني كنتم هكذا، وشبك بين أصابعه‏. وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وإنا لنراك فينا ضعيفا‏ً} ‏ قال‏:‏ كان أعمى، وإنما عمي من بكائه من حب الله عز وجل‏. وأخرج الواحدي وابن عساكر عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : بكى شعيب عليه السلام من حب الله حتى عمي، فرد الله عليه بصره وأوحى الله إليه‏:‏ يا شعيب ما هذا البكاء أشوقاً إلى الجنة أم خوفاً من النار‏؟‏ فقال‏:‏ لا، ولكن اعتقدت حبك بقلبي، فإذا نظرت إليك فما أبالي ما الذي تصنع بي، فأوحى الله إليه‏:‏ يا شعيب إن يكن ذلك حقاً فهنيأً لك لقائي يا شعيب، لذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه والخطيب وابن عساكر من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏وإنا لنراك فينا ضعيفا‏ً} ‏ قال‏:‏ كان ضرير البصر‏. وأخرج أبو الشيخ عن سفيان في قوله ‏ {‏وإنا لنراك فينا ضعيفا‏ً} ‏ قال‏:‏ كان أعمى، وكان يقال له‏:‏ خطيب الأنبياء عليهم السلام‏. وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله ‏ {‏وإنا لنراك فينا ضعيفا‏ً}‏ قال‏:‏ إنما أنت واحد‏. وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ولولا رهطك لرجمناك‏}‏ قال‏:‏ لولا أن نتقي قومك ورهطك لرجمناك‏. وأخرج سعيد بن منصور عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال‏:‏ لو كان للوط مثل أصحاب شعيب لجاهد بهم قومه‏. وأخرج أبو الشيخ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏.‏ أنه خطب فتلا هذه الآية في شعيب ‏ {‏وإنا لنراك فينا ضعيفا‏ً} ‏ قال‏:‏ كان مكفوفاً، فنسبوه إلى الضعف ‏ {‏ولولا رهطك لرجمناك‏} ‏ قال علي‏:‏ فوالله الذي لا إله غيره ما هابوا جلال ربهم، ما هابوا إلا العشيرة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏واتخذتموه وراءكم ظهريا‏ً}‏ قال‏:‏ نبذتم أمره‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏واتخذتموه وراءكم ظهريا‏ً} ‏ قال‏:‏ قضاء قضى‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏واتخذتموه وراءكم ظهريا‏ً} ‏ يقول‏:‏ لا تخافونه‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي ‏ {‏واتخذتموه وراءكم ظهريا‏ً} ‏ قال‏:‏ جعلتموه خلف ظهوركم، فلم تطيعوه ولم تخافوه‏. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك ‏ {‏واتخذتموه وراءكم ظهريا‏ً} ‏ قال‏:‏ تهاونتم به‏. وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه ‏ {‏واتخذتموه وراءكم ظهريا‏ً}‏ قال‏:‏ الظهري الفضل مثل الجمال يحتاج معه إلى إبل ظهري فضل لا يحمل عليها شيئاً إلا أن يحتاج إليها، فيقول‏:‏ إنما ربكم عندكم هكذا إن احتجتم إليه، فإن لم تحتاجوا فليس بشيء‏.

ابو السعود

تفسير : {وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} أي لا يَكسِبنّكم، من جرَمتُه ذنباً مثلُ كسبته مالاً {شِقَاقِى} معاداتي وأصلُهما أن أحد المتعادِيَـين يكون في عُدوةٍ وشقَ والآخرُ في آخرَ {أَن يُصِيبَكُمُ} مفعولٌ ثانٍ ليجرمنكم أي لا تكسِبْكم معاداتُكم لي أن يصيبكم {مّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ} من الغرق {أَوْ قَوْمَ هُودٍ} من الريح {أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍ} من الصيحة والرجفةِ، وقرأ ابن كثير بضم الياء من أجرمتُه ذنباً إذا جعلته جارِماً له أي كاسباً وهو منقول من جرم المتعدي إلى مفعول واحد كما نقل أكسبه المالَ من كسب المالَ فكما لا فرق بـين كسبته مالاً وأكسبته إياه لا فرق جرَمته ذنباً وأجرمتُه إياه في المعنى، إلا أن الأولَ أصحُ وأدور على ألسنة الفصحاءِ وقرأ أبو حيوة مثلَ ما أصاب بالفتح لإضافته إلى غير متمكن كقوله: شعر : لم يمنع الشربَ منها غير أن نطَقت حمامةٌ في غصون ذاتُ أوقالِ تفسير : وهذا وإن كان بحسب الظاهرِ نهياً للشقاق عن كسب إصابةِ العذابِ لكنه في الحقيقة نهيٌ للكفرة عن مشاقّته عليه السلام على ألطف أسلوبٍ وأبدعِه كما مر في سورة المائدة عند قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ } تفسير : الآية {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ} زماناً أو مكاناً، فإن لم تعتبروا بمن قبلَهم من الأمم المعدودةِ فاعتبروا بهم، فكأنه إنما غير أسلوبَ التحذيرِ بهم ولم يصرِّح بما أصابهم بل اكتفى بذكر قربِهم إيذاناً بأن ذلك مغنٍ عن ذكره لشهرة كونِه منظوماً في سِمْطِ ما ذُكر من دواهي الأممِ المرقومة أو ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمعاصي فلا يبعُد أن يُصيبَكم مثلُ ما أصابكم، وإفرادُ البعيدِ مع تذكيره لأن المراد وما إهلاكُهم على نية المضافِ أو وما هم بشيء بعيد، لأن المقصودَ إفادةُ عدم بعدِهم على الإطلاق لا من حيث خصوصيةُ كونِهم قوماً أو ما هم في زمان بعيد أو مكان بعيد، ولا يبعُد أن يكون ذلك لكونه على زنة المصادر كالنهيق والشهيق، ولما أنذرهم عليه السلام بسوء عاقبة صنيعِهم عقّبه ـ طمعاً في ارعوائهم عما كانوا فيه يعمهون من طغيانهم ـ بالحمل على الاستغفار والتوبة فقال:

القشيري

تفسير : تورثكم مُخالَفَتُكم إياي فيما أدعوكم إليه من طاعةِ اللَّهِ أَنْ يلحقكم من أليم العقوبة ما أصاب مَنْ تقدَّمكم من الذين سِرْتُم على منهاجهم، وما عهدُكم ببعيد بمن تحققتم كيف حَلَّتْ بهم العقوبة، وكيف أنهم ما زادتْهم كثرةُ النصيحةِ إلاَّ غُلُوَّا في ضلالتهم، وعُتُوَّا في جهالتهم، وكما قيل: شعر : وكمْ صُغْتُ في آثاركم من نصيحةٍ وقد يستفيد البغضةَ المُتَنَصِّحُ

اسماعيل حقي

تفسير : {ويا قوم} [اى كروه من] {لا يجرمنكم} يقال جرم زيد ذنبا اى اكسبته وجرمته ذنبا اى كسبه وجرمته ذنبا اى اكسبته اياه فهو يتعدى الى واحد والى اثنين والاول فى الآية الكاف والميم. والمعنى لا يكسبنكم {شقاقى} فاعل لا يجرمن اى شقاقكم وعداوتكم اياى {ان يصيبكم} اى ينالكم وهو الثانى من مفعولى لا يجرمنكم ويقال جرمنى فلان على ان صنعت كذا اى حملنى فيقدر حرف الجر بعد ان. والمعنى لا يحملنكم بغضكم اياى على ان يصيبكم. قال الكاشفى [شما بران نداد ودشمنى وستيزه كارى بامن كه برسد شمارا] {مثل} فاعل ان يصيب مضاف الى قوله {ما اصاب قوم نوح} من الغرق {او قوم هود} من الريح {او قوم صالح} من الصيحة {وما قوم لوط} قال الجوهرى القوم يذكر ويؤنث {منكم ببعيد} يعنى انهم اهلكوا بسبب الكفر والمعاصى فى عهد قريب من عهدكم فهم اقرب الهالكين منكم فان لم تعتبروا بمن قبلهم من الامم المعدودة فاعتبروا بهم ولا تكونوا مثلهم كيلا يصيبكم مثل ما اصابهم. والاشارة ان فى طبيعة الانسان مركوزا من صفات الشيطنة الاباء والاستكبار ومن طبعه انه حريص على ما منع كما ان آدم عليه السلام لما منع من اكل الشجرة حرص على اكلها فلهاتين الصفتين اذا امر بشيء ابى واستكبر واذا نهى عن كل شيء حرص على اتيانه لا سيما اذا صدر الامر والنهى عن انسان مثله فان طاعة الله هينة القبول بالنسبة الى طاعة المخلوق لان فى الطاعة ذلة وهوانا وكسرا للنفس وان ما يحتمل المخلوق من خالقه اكثر مما يحتمله من مخلوق مثله ولهذا السر بعث الله الانبياء وامر الخلق بطاعتهم وقال {أية : اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم} تفسير : فمن كان موفقا من الله تعالى بالعناية الازلية يأتمر بما امر به وينتهى عما نهى عنه ويطيع الرسل فما جاءوا به اخرجته الطاعة من ظلمات صفاته المخلوقة الى نور صفاته الخالقية ومن سبقته الشقاوة فى الازل تداركه الخذلان ووكل الى نفسه وطبعه فلا يطيع الله ورسوله ويتمرد عن قبول الدعوة ويستكبر على الرسول ويعاديه بمعاداته ما أمره الله فيصيبه قهر الله وعذابه {أية : مثل ما اصاب قوم نوح او قوم هود او قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد} تفسير : اى وما معاملة قوم لوط من معاملتكم وذنوبهم من ذنوبكم ببعيد لان الكفر كله من جنس واحد وصفات الكفر قريب بعضها من بعض كذا فى التأويلات النجمية: قال فى المثنوى شعر : بس وصيت كرد وتخم وعظ كاشت جون زمين شان شوره بدسودى نداشت كرجه ناصح را بود صد داعيه بندرا اذنى ببايد واعيه توبصد تلطيف وبندش ميدهى اوز بندت ميكند بهلوتهى بك كس نا مستمع زاستيز ورد صد كس كوينده را عاجز كند زانبيا ناصحتر وخوش لهجه تر كى بودكه رفت دمشان در حجر زانجه كوه وسنك دركار آمدند مى نشد بدجت را بكشاده بند آنجنان دلها كه بدشان ما ومن تعتشان شد بل اشد قسوة

الطوسي

تفسير : هذا حكاية ما قال شعيب لقومه حين لم يقبلوا أمره ونهيه {يا قوم لا يجرمنكم} وقيل في معناه قولان: احدهما - قال الحسن وقتادة لا يحملنكم. والثاني - قال: الزجاج معناه لا يكسبنكم، كانه قال لا يقطعنكم اليه بحملكم عليه. والشقاق والمشاقة المباعدة بالعداوة الى جانب المباينة، وشقها. وكان سبب هذه العداوة دعاؤه لهم الى مخالفة الاباء والاجداد في عبادة الاوثان. وما يثقل عليهم من الايفاء في الكيل والميزان. وقوله {إن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح} قيل اهلك الله قوم نوح بالغرق، وقوم هود بالريح العقيم، وقوم صالح بالرجفة، وقوم لوط بالإِئتفاك، فحذرهم شعيب ان يصيبهم مثل ذلك. وقوله {وما قوم لوط منكم ببعيد} قيل في معناه قولان: احدهما - قريب منكم في الزمان الذي بينهم وبينكم، في قول قتادة. والاخر - ان دارهم قريبة من دارهم فيجب ان يتعظوا بهم.

الجنابذي

تفسير : {وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيۤ} لا يكسبنّكم كسباً سيّئاً {أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} يعنى ان كان زمان الامم السّالفة بعيداً منكم ولستم تعتبرون منهم لعدم مشاهدة آثار هلاكهم بعصيانهم فقوم لوط غير بعيدٍ منكم تشاهدون آثارهم وتتسامعون اخبارهم فاعتبروا بهم واجتنبوا عن مثل افعالهم فى مخالفة نبيّهم وهو تهديد لهم بهلاك الامم الماضية بمخالفتهم رسولهم.

الهواري

تفسير : {وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي} أي: لا يحملنكم فراقي {أَن يُصِيبَكُم} قال الحسن: بكفركم { مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} أي: أن ينزل بكم من عذاب الله مثل ما نزل بهم. {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ} لمن استغفره وتاب إليه {وَدُودٌ} أي: يود أهل طاعته. وقال الحسن: يتودَّدُ إلى خلقه. {قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ} [أي: لا نقبل ما تقول، وقد فهموه وقامت بينهم به الحجة] {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً} أي: مصاب البصر؛ كان أعمى. {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} أي: بالحجارة فقتلناك بها. {وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} وكان من أشرافهم. {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللهِ} على الاستفهام {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} قال مجاهد: فضلاً. وقال غيره: أعززتم قومكم وأظهرتم بربكم، يعني أنكم جعلتموه منكم بظهر. { إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} أي: خبير بأعمالكم. كقوله: (أية : وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً). تفسير : [الكهف:91] وكقوله: (أية : أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) تفسير : [الطلاق:12]. قوله: {وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ} أي: على ناحيتكم، أي: على الكفر. وهذا وعيد { إِنِّي عَامِلٌ}. على ناحيتي، أي: على ديني { سَوْفَ تَعْلَمُونَ} وليس يأمرهم أن يثبتوا على دينهم، ولكن يخوفهم أنهم إن ثبتوا على دينهم جاءهم العذاب. قال: { مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} أي: في الدنيا قبل عذاب الآخرة. { وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ} أي: سيعلمون إذا جاءهم العذاب من الكاذب. {وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} كقوله: (أية : فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ) تفسير : [الأعراف:71].

اطفيش

تفسير : {ويا قَوْم لا يجْرمنَّكُم} لا يكسبنكم من جرم المتعدى لاثنين، فإنه تارة يتعدى لهما، وتارة لواحد، وكذا كسب الأول الكاف، والثانى أن يصيبكم، وقرأ ابن كثير بضم الياء على أنه من أجرم المتعدى لواحد، تعتدى بالهمزة إلى آخر، يقال: أجرمه زيد ذنبا إذا جعله جارما، أى كاسبا له، كما يقال: أكسبته مالا أى جعلته كاسبا له، وقيل: والأفصح استعمالهما الثلاثيين عند التعدى لاثنين، لأنه أكثر استعمالا فى ألسنة الفصحاء، وأما أجرم بمعنى أذنب وهو رباعى فهو الأكثر، والنهى فى اللفظ الشقاق فإن قوله: {شِقَاقى} أى مخالفتى فاعل، وفى المعنى للمخاطبين عن الشقاق، أى لا تشاققونى فيجرمنكم شقاقى. {أن يُصِيبكُم مثْلُ} فاعل يصيب، وقرأ أبو حيوة بالفتح على البناء للإبهام مع الإضافة المبنى، وهو رواية عن نافع، والمشهور عنه الرفع، وقال ابن مالك: مثل لا تبنى بالإضافة لمبنى، لأنها تخالف سير المبهمات، لأنها تثنى وتجمع، وجعل مثل فى قراءة الفتح مفعولا مطلقا، وفاعل يصيب ضمير الله تعالى، وجعل مثل فى: {أية : إنه لحقّ مثل ما أنكم تنطقون} تفسير : حال من ضمير مستتر فى حق، على أنه اسم فاعل حذف ألفه، وضعف ابن هشام ذلك. {ما أصابَ قَومَ نوحٍ} من الغرق {أو قَوْمَ هُودٍ} من الريح {أو قَومَ صَالحٍ} من الصيحة {وما قَوْمَ لوطٍ مِنْكُم ببَعيدٍ} فى الزمان، فإنهم أهلكوا فى زمان قريب من زمانكم، وهم قرب الهالكين منكم، أو فى المكان، وذلك أن قوم شعيب جيران لقوم لوطٍ، وبلادهم قريبة من بلادهم، فإن لم تعتبروا بمن قبلكم فاعتبروا بهم، أو فى الكفر والمعاصى ما يوجب الإهلاك، بل قد قاربتموهم، أو ساوايتموهم، فوجب لكم من الهلاك مثل ما وجب لهم جنسا أو نوعا، والباء صلة للتأكيد، وبعيد خبر ما، وأفرد بجواز استعمال القوم استعمال المفرد المذكر، والمفرد المؤنث، هو الجمع، فانظر حاشيتى على المرادى فى باب العدد، أو لأن التقدير لشئ بعيد، أو التقدير ما زمان قوم لوط أو ما مكانهم أو ما إهلاكهم، ولأن بعيدا فعيل بمعنى فاعل يجوز أن يستوى فيه المذكر والمؤنث، لأنه بوزن المصدر كالذميل والصهيل، ويجوز كون الباء ظرفية أى فى مكان بعيد فلا إشكال فيه.

اطفيش

تفسير : {وَيَا قَومِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} جرم بمعنى أَكسب يتعدى لمفعولين الأَول الكاف {شِقَاقِى} فاعل يجرم مصدر شاق بفتح القاف مشددة بمعنى مخالفة مضاف لمفعوله أَى شقاقكم إِياى واللفظ نهى للسبب الملزوم والمراد نهى صاحبه، ولا يقال نهى غير العاقل ليعلم بالأَولى نهى العاقل لأَنا نقول إِنما يتم ذلك لو كان لغير العاقل إِحساس بأَن يكون حيوانا والثانى هو قوله {أَنْ يُصِيبَكُم} أَى لا يصيرنكم مشاقتى كاسبين إِصابتكم بنصب إِصابة {مَّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ} من الغرق {أَوْ قَوْمَ هُودٍ} من الريح {أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ} من الصيحة والرجفة {وما قَوْمُ لُوطٍ مِّنْكُمْ} منازل قوم لوط أَو زمان هلاكهم وما هو قريب زمانا أَشد وعظا {بِبَعِيدٍ} أفرد لأنه بوزن المصدر من الفعل الثلاثى المفتوح كالصهيل والدبيب، أَو مراعاة للفظ قوم أَو بشىءٍ بعيد، أَو ما إِهلاك قوم لوط ببعيد إِن لم تعتبروا بمن قدم عهدا أَو مكانا، فاعتبروا بمن قرب مرأَى، والباءُ زائدة وما هم فى مكان بعيد أَو زمان بعيد فهى ظرفية فانظر ما مر فإِنه مثله، فاعتبروا بهم إِذ ترون فى أَسفاركم بقية آثارهم أَو أَرضهم المقلوبة بأَن يتواتر إِليكم أَن هذه الأرض باطن أَرضهم المقلوبة، ويجوز أَن يكون ما كفر قوم لوط ومساوئِهم ببعيد منكم، فإِن كفركم مثل كفرهم، ولو زادوا بالفحش أَو ما هم ببعيد منكم فى الكفر والمساوىءِ فإِن لم تكونوا قوم لوط بعينهم فما قوم لوط منكم ببعيد.

الالوسي

تفسير : {وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} أي لا يكسبنكم {شِقَاقِي} أي معاداتي، وأصلها أن أحد المتعاديين يكون في عدوة وشق والآخر في آخر، وروي هذا عن السدي، وعن الحسن ضراري، وعن بعض فراقي، والكل متقارب، وهو فاعل ـ يجرمنكم ـ والكاف مفعوله الأول، وقوله سبحانه: {أَن يُصِيبَكُمُ} مفعوله الثاني، وقد جاء تعدي ـ جرم ـ إلى مفعولين كما جاء تعديها لواحد وهي مثل كسب في ذلك، ومن الأول قوله: شعر : ولقد طعنت أبا عيينة طعنة (جرمت) فزارة بعدها أن يغضبوا تفسير : وإضافة ـ شقاق ـ إلى ياء المتكلم من إضافة المصدر إلى مفعوله أي لا يكسبنكم شقاقكم إياي أن يصيبكم / {مّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ} من الغرق {أَوْ قَوْمَ هُودٍ} من الريح {أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍ} من الرجفة والصيحة، ونهى الشقاق مجاز أو كناية عن نهيهم وهو أبلغ من توجيه النهي إليهم لأنه إذا نهى وهو لا يعقل علم نهي المشاقين بالطريق الأولى. وقرأ ابن وثاب والأعمش {يجرمنكم} بضم الياء، وحكى أيضاً عن ابن كثير وهو حينئذٍ من أجرمته ذنباً إذا جعلته جارماً له أي كاسباً، والهمزة للنقل من جرم المتعدي إلى مفعول واحد، ونظيره في النقل كذلك كسب المال فإنه قال فيه أكسبه المال والقراءتان سواء في المعنى إلا أن المشهورة جارية على ما هو الأكثر استعمالاً في كلام الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم. وقرأ مجاهد والجحدري وابن أبـي إسحاق {مَثَلَ} بالفتح، وروي ذلك عن نافع، وخرجه جمع على أن {مَثَلُ} فاعل أيضاً إلا أنه بني على الفتح لإضافته إلى غير متمكن، وقد جوز فيه وكذا في غير مع ـ ما وأن ـ المخففة والمشددة ذلك كالظروف المضافة للمبنى، وعلى هذا جاء قوله: شعر : لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت حمامة في غصون ذات أوقال تفسير : وبعض على أنه نعت لمصدر محذوف والفتحة إعراب أي إصابة مثل إصابة قوم نوح، وفاعل {يُصِيبَكُمُ} ضمير مستتر يعود على العذاب المفهوم من السياق وفيه تكلف. {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ} زماناً كما روي عن قتادة أو مكاناً كما روي عن غيره ومراده عليه السلام أنكم إن لم تعتبروا بمن قبل لقدم عهد أو بعد مكان فاعتبروا بهؤلاء فإنهم بمرأى ومسمع منكم وكأنه إنما غير أسلوب التحذير بهم واكتفى بذكر قربهم إيذاناً بأن ذلك مغن عن ذكر ما أصابهم لشهرة كونه منظوماً في سمط ما ذكر من دواهي الأمم المرقومة، وجوز أن يراد بالبعد البعد المعنوي أي ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمساوي، فاحذروا أن يحل بكم ما حل بهم من العذاب، وقد أخذ هذا المعنى بعض المتأخرين فقال: شعر : فإن لم تكونوا قوم لوط بعينهم فما قوم لوط منكم ببعيد تفسير : وإفراد {بَعِيدٍ} وتذكيره مع كون المخبر عنه وهو قوم اسم جمع، ومؤنثاً لفظاً على ما نص عليه الزمخشري، واستدل له بتصغيره على قويمة وذلك يقتضي أن يقال: ببعيدة موافقة للفظ وببعداء موافقة للمعنى لأن المراد: وما إهلاكهم أو وما هم بشيء بعيد، أو وما هم في زمان بعيد أو مكان بعيد، وجوز أن يكون ذلك لأنه يستوي في بعيد المذكر والمؤنث لكونه على زنة المصادر كالنهيق والصهيل. وفي «الكشف» عن الجوهري أن القوم يذكر ويؤنث لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت للآدميين تذكر وتؤنث مثل رهط ونفر وقوم وإذا صغرت لم تدخل فيه الهاء، وقلت: قويم ورهيط ونفير، ودخل الهاء فيما يكون لغير الآدميين مثل الإبل والغنم لأن التأنيث لازم وبينه وبين ما نقل عن الزمخشري بون بعيد، وعليه فلا حاجة إلى التأويل، هذا ثم إنه عليه السلام لما أنذرهم سوء عاقبة صنيعهم عقبة طمعاً في اروعائهم عما هم فيه من الضلال بالحمل على الاستغفار والتوبة فقال: {وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ}.

ابن عاشور

تفسير : تقدم الكلام على النكتة في إعادة النداء في الكلام الواحد لمخاطب متّحد قريباً. وتقدم الكلام على {لا يجرمنكم} عند قوله تعالى: {أية : ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدّوكم عن المسجد الحرام أن تَعتدوا}تفسير : في أول [العقود: 2]، أي لا يكسبنكم. والشقاق: مصدر شاقّه إذا عاداه. وقد مضت عند قوله تعالى:{أية : ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله}تفسير : في أول [الأنفال: 13]. والمعنى: لا تجر إليكم عداوتكم إياي إصابتَكم بمثل ما أصاب قوم نوح إلى آخره، فالكلام في ظاهره أنه ينهى الشقاق أن يجر إليهم ذلك. والمقصود نهيهم عن أن يجعلوا الشّقاق سبباً للإعراض عن النظر في دعوته، فيوقعوا أنفسهم في أن يصيبهم عذاب مثل ما أصاب الأمم قبلهم فيحسبوا أنهم يمكرون به بإعراضهم وما يمكرون إلاّ بأنفسهم. ولقد كان فضْح سوء نواياهم الدّاعية لهم إلى الإعراض عن دعوته عقب إظهار حسن نيّته ممّا دعاهم إليه بقوله: {أية : وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت}تفسير : [هود: 88] مصادفاً مَحزّ جَوْدة الخطابة إذ رماهم بأنّهم يعملون بضدّ ما يعاملهم به. وجملة {وما قوم لوط منكم ببعيد} في موضع الحال من ضمير النّصب في قوله: {أن يصيبكم} والواو رابطة الجملة. ولمعنى الحال هنا مزيد مناسبة لمضمون جملتها إذ اعتبر قرب زمانهم بالمخاطبين كأنّه حالة من أحوال المخاطبين. والمراد بالبُعد بُعد الزمن والمكان والنسب، فزمن لوط ـ عليه السّلام ـ غير بعيد في زمن شعيب ـ عليه السّلام ـ، والدّيار قريبة من ديارهم، إذ منازل مدين عند عقبة أيلة مجاورة معان ممّا يلي الحجاز، وديار قوم لوط بناحية الأردن إلى البحر الميت وكان مدين بن إبراهيم ـ عليهما السّلام ـ وهو جد القبيلة المسماة باسمه، متزوجاً بابنة لوط. وجملة {واستغفروا ربكم} عطف على جملة {لا يجرمنّكم شقاقي}. وجملة {إن ربي رحيم ودود} تعليل الأمر باستغفاره والتوبة إليه، وهو تعليل لما يقتضيه الأمر من رجاء العفو عنهم إذا استغفروا وتابوا. وتفنن في إضافة الرب إلى ضمير نفسه مرة وإلى ضمير قومه أخرى لتذكيرهم بأنّه ربّهم كيلا يستمروا على الإعراض وللتشرف بانتسابه إلى مخلوقيته. والرّحيم تقدّم. والودود: مثال مُبالغة من الودّ وهو المحبّة. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : ودّوا لو تكفرون كما كفروا}تفسير : في سورة [النساء: 89]. والمعنى: أنّ الله شديد المحبة لمن يتقرّب إليه بالتّوبة.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰقَوْمِ} {صَالِحٍ} (89) - وَتَابَعَ شُعَيْبٌ حَدِيثَهُ مَعَ قَوْمِهِ فَقَالَ لَهُمْ: يَا قَوْم لاَ يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضِي وَعَدَاوَتِي عَلَى الإِصْرَارِ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ مِنَ الكُفْرِ وَالفَسَادِ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ مِنْ غَرَقٍ، وَقَوْمَ هُودٍ، مِنْ عَذَابِ الرَّيِحِ العَقِيمِ، وَقَوْمَ صَالِحٍ مِنْ عَذَابَ يَوْمِ الظُلَّةِ، وَقَوْمَ لُوطٍ المُجَاوِرِينَ لَكُمْ مِنْ هَلاكٍ شَامِلٍ وَعَذَابٍ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ، وَعُتُوِّهِمْ عَنْ أَمْرِهِ، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ. لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ - لاَ يَحْمِلَنَّكُمْ، أَوْ لاَ يَدْفَعَنَّكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يقول لهم شعيب عليه السلام: أرجو ألا تحملكم عداوتكم لي على أن تُجرموا جُرْماً؛ يكون سبباً في أن ينزل الحق سبحانه بكم عقاباً، مثلما أصاب القوم الذين سبقوكم؛ من الذين خالفوا رسلهم؛ فأنزل الله - عز وجل - عليهم العذاب كالغرق، و الرجفة، والصيحة، والصاعقة، فاحذروا ذلك. وشعيب عليه السلام ينصحهم هنا حرصاً منه عليهم، على الرغم من علمه أنهم يكنون له العداء؛ لأنه دعاهم إلى ترك عبادة الأصنام التي عبدها آباؤهم؛ ونهاهم عن إنقاص الكيل والميزان، وألا يبخسوا الناس أشياءهم؛ وسبق أن عذَّب الحق سبحانه المخالفين لشرع الله من الأمم السابقة؛ ويذكرهم شعيب - عليه السلام - بأقرب من عُذِّبوا زماناً ومكاناً؛ وهم قوم لوط. يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: {وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيۤ} معناه لا يَحمِلَنكُمْ. وشِقَاقِي معناهُ ضِراري.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيۤ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ} [هود: 89] من العذاب، وذلك إن في طبيعة الإنسان مركوزة من صفات الشيطنة الإباء والاستكبار، ومن طبعه أنه حريص على ما تبع كان آدم عليه السلام لما منع من أكل الشجرة حرص على أكلها، فلهاتين الصفتين إذا أمر بشيء أبى واستكبر، وإذا نهى عن شيء حرص على إتيانه لا سيما إذا صدر الأمر والنهي من إنسان مثله، فإن طاعة الله هينة القبول بالنسبة إلى طاعة المخلوق؛ ولأن في الطاعة ذلة وهواناً وكسراً للنفس، وأن ما يحتمل المخلوق من خالقه أكثر مما يحتمله من مخلوق مثله، ولهذا السر بعث الله الأنبياء - عليهم السلام - وأمر الخلق بطاعتهم، فقال: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ}تفسير : [النساء: 59] فمن كان موفقاً من الله تعالى بالعناية الأزلية يأمر بما أمر به، وينتهي عما نهي عنه، ويطيع الرسل فيما جاءوا به أخرجته الطاعة من ظلمات صفات المخلوقة إلى نور صفاته الخالقية، ومن أدركته الشقاوة في الأزل تدراكه الخذلان، ووكل إلى نفسه وطبعه، فلا يطيع الله ورسوله، ويتمرد عن قبول الدعوة، ويستكبر على الرسول ويعاديه، ويزد بمعاداته ما أمره الله به فيصيبه قهر الله وعذابه. {مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} [هود: 89] أي: وما معاملة قوم لوط من معاملتكم وذنوبهم من ذنوبكم ببعيد؛ لأن الكفر كله من جنس واحد وصفات الكفر قريب بعضها من بعض، {وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} [هود: 90] من صفات الكفر ومعاملته وبدلوها بصفات الإسلام ومعاملته، فإنها تزكية النفوس عن الصفات الذميمة، {ثُمَّ تُوبُوۤاْ} [هود: 90] أي: ارجعوا، {إِلَيْهِ} [هود: 90] على قدمي الشريعة والطريقة سائرين منكم به؛ ليحليكم بتحلية الحقيقة وهي الفناء عنكم والبقاء به، {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ} [هود: 90] السائرين منهم إليه بالتوفيق والتيسير، {وَدُودٌ} [هود: 90] محب لمحبة هاد لطالبيه، {قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ} [هود: 91] في ذلك؛ لأنهم كانوا من القلب وفقهه بمعزل لهم {أية : قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا}تفسير : [الأعراف: 179]. {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً} [هود: 91] أي: ضعيف الرأي ناقص العقل؛ وذلك لأنه كما يرى العاقل السفيه ضعيف الرأي يرى السفيه العاقل ضعيف الرأي، {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} [هود: 91] يشير إلى أن الجاهل بصير برؤية الخلق أعمى برؤية الحق، فهؤلاء قد رأوا رهط شعيب، وأنهم حفظته ومنعتهم عنهم وما قالوا: إن الله تعالى حافظه وناصره، ولهذا قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم: {أية : لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ}تفسير : [الحشر: 13]، ولهذا المعنى، قالوا: {وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود: 91] يشير إلى من كان على الله تعالى عزيزاً، فإنه ليس على الجاهل بعزيز، {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} [هود: 92] أي: جعلتم الخلق من أعينكم فتفزعون منهم، وجعلتم الله وراء ظهوركم فلا تفزعون منه، {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ} [هود: 92] في ظاهركم وبما تسترون في باطنكم، {مُحِيطٌ} [هود: 92] علمه فيجازيكم به. {وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} يعني: إذ لا تقبلوا نصيحتي وتعلمون بالطبيعة اعملوا على تمكنكم بالخذلان، {إِنِّي عَٰمِلٌ} [هود: 93] بالتوفيق في الله، {سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} [هود: 93] وهو عذب البعد والقطيعة، {وَمَنْ هُوَ كَٰذِبٌ} [هود: 93] في دعواه من بيننا، {وَٱرْتَقِبُوۤاْ} [هود: 93] سخط الله فيما أدعيتم، {إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} [هود: 93] رقيب مرتقب رضاء الله فيما ادعيت.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 365 : 16 : 18 - سفين في قوله: {لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيۤ} لا تحملنكم عداوتي. [الآية 89].

همام الصنعاني

تفسير : 1235- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قَتَادَةَ، في قوله تعالى: {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ}: [الآية: 89]، قال: إنما كانوا حديثي عهد قريب بعد قوم نوح وعَاد وثَمُود. 1242- قال معمر، وقال قتادة في قوله تعالى: {لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيۤ}: [الآية: 89]، قال: لا يحملنّكم شقاقي.