Verse. 1589 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُوْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ اُولُوْا بَقِيَّۃٍ يَّنْہَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْاَرْضِ اِلَّا قَلِيْلًا مِّمَّنْ اَنْجَيْنَا مِنْہُمْ۝۰ۚ وَاتَّبَعَ الَّذِيْنَ ظَلَمُوْا مَاۗ اُتْرِفُوْا فِيْہِ وَكَانُوْا مُجْرِمِيْنَ۝۱۱۶
Falawla kana mina alqurooni min qablikum oloo baqiyyatin yanhawna AAani alfasadi fee alardi illa qaleelan mimman anjayna minhum waittabaAAa allatheena thalamoo ma otrifoo feehi wakanoo mujrimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلولا» فهلا «كان من القرون» الأمم الماضية «من قبلكم أولو بقية» أصحاب دين وفضل «ينهون عن الفساد في الأرض» المراد به النفي: أي ما كان فيهم ذلك «إلا» لكن «قليلا ممن أنجينا منهم» نهوا فنجوا ومن للبيان «واتبع الذين ظلموا» بالفساد وترك النهي «ما أترفوا» نعموا «فيه وكانوا مجرمين».

116

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين أن الأمم المتقدمين حل بهم عذاب الاستئصال بين أن السبب فيه أمران: السبب الأول: أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد في الأرض. فقال تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ } والمعنى فهلا كان، وحكي عن الخليل أنه قال كل ما كان في القرآن من كلمة لولا فمعناه هلا إلا التي في الصافات. قال صاحب «الكشاف»: وما صحت هذه الرواية عنه بدليل قوله تعالى في غير الصافات { أية : لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ من رَّبّهِ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَاء } تفسير : [القلم: 49] { أية : ولَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ } تفسير : [الفتح: 25] { أية : ولَّوْلاَ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً } تفسير : [الإسراء: 74]، وقوله: {أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ } فالمعنى أولو فضل وخير، وسمي الفضل والجود بقية لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله، فصار هذا اللفظ مثلاً في الجودة يقال فلان من بقية القوم أي من خيارهم ومنه قولهم في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا، ويجوز أن تكون البقية بمعنى البقوى كالتقية بمعنى التقوى أي فهلا كان منهم ذو بقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط الله تعالى وقرىء {أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ } بوزن لقية من بقاه يبقيه إذا راقبه وانتظره، والبقية المرة من مصدره، والمعنى فلولا كان منهم أولو مراقبة وخشية من انتقام الله تعالى. ثم قال: {إِلاَّ قَلِيلاً } ولا يمكن جعله استثناء متصلاً لأنه على هذا التقدير يكون ذلك ترغيباً لأولي البقية في النهي عن الفساد إلا القليل من الناجين منهم كما تقول هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم تريد استثناء الصلحاء من المرغبين في قراءة القرآن. وإذا ثبت هذا قلنا: إنه استثناء منقطع، والتقدير: لكن قليلاً ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد وسائرهم تاركون للنهي. والسبب الثاني: لنزول عذاب الاستئصال قوله: {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ } والترفه النعمة وصبي مترف إذا كان منعم البدن، والمترف الذي أبطرته النعمة وسعة المعيشة وأراد بالذين ظلموا تاركي النهي عن المنكرات أي لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واتبعوا طلب الشهوات واللذات واشتغلوا بتحصيل الرياسات وقرأ أبو عمرو في رواية الجعفي {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ } أي واتبعوا حراماً أترفوا فيه، ثم قال: {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ } ومعناه ظاهر.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: فهلا وجد من القرون الماضية بقايا من أهل الخير ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات والفساد في الأرض، وقوله: {إِلاَّ قَلِيلاً} أي: قد وجد منهم من هذا الضرب قليل، لم يكونوا كثيراً، وهم الذين أنجاهم الله عند حلول غضبه وفجأة نقمته، ولهذا أمر الله تعالى هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر؛ كما قال تعالى: {أية : وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [آل عمران: 104] وفي الحديث: «حديث : إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب» تفسير : ولهذا قال تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} وقوله: {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ} أي: استمروا على ما هم عليه من المعاصي والمنكرات، ولم يلتفتوا إلى إنكار أولئك، حتى فجأهم العذاب {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} ثم أخبر تعالى: أنه لم يهلك قرية إلا وهي ظالمة لنفسها، ولم يأت قرية مصلحة بأسه وعذابه قط، حتى يكونوا هم الظالمين؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} تفسير : [هود: 101] وقال: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [فصلت: 46].

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَوْلاَ } فهلا {كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ } الأمم الماضية {مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ } أصحاب دين وفضل {يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلأَرْضِ } المراد به النفي: أي ما كان فيهم ذلك {إِلاَّ } لكن {قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ } نهوا فنجوا، و«من» للبيان {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } بالفساد وترك النهي {مَآ أُتْرِفُواْ } نعموا {فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ }.

الشوكاني

.تفسير : هذا عود إلى أحوال الأمم الخالية لبيان أن سبب حلول عذاب الاستئصال بهم أنه ما كان فيهم من ينهى عن الفساد ويأمر بالرشاد، فقال: {فَلَوْلا } أي: فهلا {كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ } الكائنة {مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ } من الرأي والعقل والدين {يَنْهَوْنَ } قومهم {عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلأَرْضِ } ويمنعونهم من ذلك، لكونهم ممن جمع الله له بين جودة العقل، وقوّة الدين، وفي هذا من التوبيخ للكفار ما لا يخفى. والبقية في الأصل لما يستبقيه الرجل مما يخرجه، وهو لا يستبقي إلا أجوده وأفضله، فصار لفظ البقية مثلاً في الجودة، والاستثناء في {إِلاَّ قَلِيلاً } منقطع: أي: لكن قليلاً ممن أنجينا منهم ينهون عن الفساد في الأرض. وقيل: هو متصل لأن في حرف التحضيض معنى النفي، فكأنه قال: ما كان في القرون أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم، و"من" في {ممن أنجينا} بيانية، لأنه لم ينج إلا الناهون. قيل: هؤلاء القليل هم قوم يونس لقوله فيما مر: {أية : إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ } تفسير : [يونس: 98] وقيل: هم أتباع الأنبياء وأهل الحق من الأمم على العموم {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ} معطوف على مقدّر يقتضيه الكلام، تقديره: إلا قليلاً ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد. والمعنى: أنه اتبع الذين ظلموا بسبب مباشرتهم الفساد وتركهم للنهي عنه ما أترفوا فيه. والمترف: الذي أبطرته النعمة، يقال: صبيّ مترف: منعم البدن، أي صاروا تابعين للنعم التي صاروا بها مترفين من خصب العيش، ورفاهية الحال وسعة الرزق، وآثروا ذلك على الاشتغال بأعمال الآخرة واستغرقوا أعمارهم في الشهوات النفسانية؛ وقيل المراد بالذين ظلموا: تاركو النهي. وردّ بأنه يستلزم خروج مباشري الفساد عن الذين ظلموا وهم أشدّ ظلماً ممن لم يباشر، وكان ذنبه ترك النهي. وقرأ أبو عمرو في رواية عنه: «وأتبع الذين ظلموا» على البناء للمفعول، ومعناه: أتبعوا جزاء ما أترفوا فيه، وجملة: {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ } متضمنة لبيان سبب إهلاكهم، وهي معطوفة على أترفوا: أي وكان هؤلاء الذين أتبعوا ما أترفوا فيه مجرمين، والإجرام: الأثام. والمعنى: أنهم أهل إجرام بسبب اتباعهم الشهوات، واشتغالهم بها عن الأمور التي يحق الاشتغال بها، ويجوز أن تكون جملة: {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ } معطوفة على {واتبع الذين ظلموا}: أي اتبعوا شهواتهم، وكانوا بذلك الاتباع مجرمين. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } أي: ما صحّ ولا استقام أن يهلك الله سبحانه أهل القرى بظلم يتلبسون به وهو الشرك، والحال أن أهلها مصلحون فيما بينهم في تعاطي الحقوق لا يظلمون الناس شيئاً. والمعنى: أنه لا يهلكهم بمجرد الشرك وحده حتى ينضمّ إليه الفساد في الأرض، كما أهلك قوم شعيب بنقص المكيال والميزان وبخس الناس أشياءهم، وأهلك قوم لوط بسبب ارتكابهم للفاحشة الشنعاء. وقيل: إن قوله: {بِظُلْمٍ } حال من الفاعل. والمعنى: وما كان الله ليهلك القرى ظالماً هم حال كونهم مصلحين غير مفسدين في الأرض، ويكون المراد بالآية تنزيهه سبحانه وتعالى عن صدور ذلك منه بلا سبب يوجبه، على تصوير ذلك بصورة ما يستحيل منه، وإلا فكل أفعاله كائنة ما كانت لا ظلم فيها، فإنه سبحانه ليس بظلام للعبيد. قال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى: وما كان ربك ليهلك أحداً وهو يظلمه، وإن كان على نهاية الصلاح، لأن تصرفه في ملكه، دليله قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئًا } تفسير : [يونس: 44] وقيل: المعنى: وما كان ليهلكهم بذنوبهم وهم مصلحون: أي مخلصون في الإيمان، فالظلم المعاصي على هذا. {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً } أي: أهل دين واحد، إما أهل ضلالة، أو أهل هدى. وقيل: معناه: جعلهم مجتمعين على الحق غير مختلفين فيه، أو مجتمعين على دين الإسلام دون سائر الأديان، ولكنه لم يشأ ذلك فلم يكن، ولهذا قال: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } في ذات بينهم على أديان شتى، أو لا يزالون مختلفين في الحق أو دين الإسلام. وقيل: مختلفين في الرزق: فهذا غنيّ، وهذا فقير {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ } بالهداية إلى الدين الحق، فإنهم لم يختلفوا، أو إلا من رحم ربك من المختلفين في الحق أو دين الإسلام، بهدايته إلى الصواب الذي هو حكم الله، وهو الحق الذي لا حق غيره، أو إلا من رحم ربك بالقناعة. والأولى تفسير لجعل الناس أمة واحدة بالمجتمعة على الحق حتى يكون معنى الاستثناء في {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ } واضحاً غير محتاج إلى تكلف {وَلِذٰلِكَ } أي: لما ذكر من الاختلاف {خَلْقَهُمْ } أو ولرحمته خلقهم. وصحّ تذكير الإشارة إلى الرحمة لكون تأنيثها غير حقيقي. والضمير في خلقهم راجع إلى الناس، أو إلى {من} في {من رحم ربك}؛ وقيل: الإشارة بذلك إلى مجموع الاختلاف والرحمة، ولا مانع من الإشارة بها إلى شيئين كما في قوله: {أية : عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ } تفسير : [البقرة: 68]، {أية : وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً } تفسير : [الإسراء: 110] {أية : فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } تفسير : [يونس: 58]. قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } معنى تمت ثبتت، كما قدّره في أزله، وإذا تمت امتنعت من التغيير والتبديل، وقيل: الكلمة هي قوله: {لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } أي: ممن يستحقها من الطائفتين، والتنوين في {وَكُلاًّ } للتعويض عن المضاف إليه، وهو منصوب بـ {نقص}، والمعنى: وكل نبأ من أنباء الرسل مما يحتاج إليه نقصّ عليك: أي، نخبرك به. وقال الأخفش: {كَلاَّ } حال مقدّمة كقولك: كلاً ضربت القوم، والأنباء الأخبار {مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } أي: ما نجعل به فؤادك مثبتاً بزيادة يقينه بما قصصناه عليك، ووفور طمأنينته، لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب وأرسخ في النفس وأقوى للعلم، وجملة: {مَا نُثَبّتُ } بدل من أنباء الرسل، وهو بيان لكلا، ويجوز أن يكون {مَا نُثَبّتُ } مفعولاً لنقصّ، ويكون {كلاً} مفعولاً مطلقاً، والتقدير: كل أسلوب من أساليب الاقتصاص نقصّ عليك ما نثبت به فؤادك {وَجَاءكَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ } أي: جاك في هذه السورة، أو في هذه الأنباء البراهين القاطعة الدالة على صحة المبدأ والمعاد {وَمَوْعِظَةً } يتعظ بها الواقف عليها من المؤمنين {وَذِكْرَىٰ } يتذكر بها من تفكر فيها منهم، وخصّ المؤمنين لكونهم المتأهلين للاتعاظ والتذكر. وقيل: المعنى: وجاءك في هذه الدنيا الحق، وهو النبوّة، وعلى التفسير الأوّل، يكون تخصص هذه السورة بمجيء الحق فيها مع كونه قد جاء في غيرها من السور، لقصد بيان اشتمالها على ذلك، لا بيان كونه موجوداً فيها دون غيرها. {وَقُل لّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } بهذا الحق، ولا يتعظون، ولا يتذكرون {ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ } على تمكنكم وحالكم وجهتكم، وقد تقدّم تحقيقه {إِنَّا عَامِلُونَ } على مكانتنا وحالنا وجهتنا من الإيمان بالحق، والاتعاظ، والتذكر، وفي هذا تشديد للوعيد والتهديد لهم، وكذلك قوله: {وَٱنْتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ } فيه من الوعيد والتهديد ما لا يخفى. والمعنى: انتظروا عاقبة أمرنا فإنا منتظرون عاقبة أمركم وما يحلّ بكم من عذاب الله وعقوبته. {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي: علم جميع ما هو غائب عن العباد فيهما، وخصّ الغيب من كونه يعلم بما هو مشهود، كما يعلم بما هو مغيب، لكونه من العلم الذي لا يشاركه فيه غيره؛ وقيل: إن غيب السموات والأرض: نزول العذاب من السماء وطلوعه من الأرض، والأوّل: أولى، وبه قال أبو عليّ الفارسي وغيره، وأضاف الغيب إلى المفعول توسعاً {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ } أي: يوم القيامة فيجازى كلاً بعمله. وقرأ نافع وحفص {يرجع} على البناء للمفعول. وقرأ الباقون على البناء للفاعل {فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } فإنه كافيك كل ما تكره، ومعطيك كل ما تحبّ، والفاء لترتيب الأمر بالعبادة، والتوكل على كون مرجع الأمور كلها إلى الله سبحانه {وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } بل عالم بجميع ذلك، ومجاز عليه إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشر. وقرأ أهل المدينة والشام وحفص {تَعْمَلُونَ } بالفوقية على الخطاب. وقرأ الباقون بالتحتية. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك، في قوله: {فَلَوْلا } قال: فهلا. وأخرج ابن مردويه، عن أبيّ بن كعب، قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية}، وأحلام، ينهون عن الفساد في الأرض. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن جريج {إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ } يستقلهم الله من كل قوم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ } قال: في ملكهم وتجبرهم، وتركهم الحق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ من طريق ابن جريج، قال: قال ابن عباس: أترفوا فيه: أبطروا فيه. وأخرج الطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والديلمي عن جرير، قال: «سمعت رسول الله يسئل عن تفسير هذه الآية {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : وأهلها ينصف بعضهم بعضاً»تفسير : . وأخرجه ابن أبي حاتم، والخرائطي في مساوئ الأخلاق موقوفاً على جرير. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً } قال: أهل دين واحد أهل ضلالة أو أهل هدى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } قال: أهل الحق وأهل الباطل {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ } قال: أهل الحق {وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ } قال: للرحمة. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عنه {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ } قال: إلا أهل رحمته فإنهم لا يختلفون. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، قال: لا يزالون مختلفين في الأهواء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عطاء بن أبي رباح {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } أي: اليهود والنصارى والمجوس والحنيفية، وهم الذين رحم ربك الحنيفية. وأخرج هؤلاء عن الحسن في الآية قال: الناس مختلفون على أديان شتى إلا من رحم ربك، فمن رحم ربك غير مختلف {وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ } قال: للاختلاف. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } قال: أهل الباطل {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ } قال: أهل الحق {وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ } قال: للرحمة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة نحوه. وأخرجا عن الحسن قال: لا يزالون مختلفين في الرزق. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، ولذلك خلقهم قال: خلقهم فريقين: فريقاً يرحم فلا يختلف، وفريقاً لا يرحم يختلف، فذلك قوله: {فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ}. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله: {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاء ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } لتعلم يا محمد ما لقيت الرسل قبلك من أممهم. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس، قال: {وَجَاءكَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ } قال: في هذه السورة. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي موسى الأشعري مثله. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير مثله أيضاً. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة، قال: في هذه الدنيا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة {ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ } أي: منازلكم. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن جريج {وَٱنْتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} قال: يقول انتظروا مواعيد الشيطان إياكم على ما يزين لكم، وفي قوله: {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ } قال: فيقضي بينهم بحكم العدل. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن الضريس في فضائل القرآن، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن كعب قال: فاتحة التوراة فاتحة الأنعام، وخاتمة التوراة خاتمة هود {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } إلى آخر الآية.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أولو طاعة الثاني: أولو تمييز. الثالث: أولو حذر من الله تعالى. {ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أُترفوا فيه وكان مجرمين} يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم اتبعوا على ظلمهم ما أترفوا فيه من استدامة نعمهم استدراجاً لهم. الثاني: أنهم أخذوا بظلمهم فيما أترفوا فيه من نعمهم. والمترف: المنعّم. وقال ابن عباس: أترفوا فيه: معناه انظروا فيه.

ابن عطية

تفسير : {لولا} هي التي للتحضيض - لكن يقترن بها هنا معنى التفجع والتأسف الذي ينبغي أن يقع من البشر على هذه الأمم التي لم تهتد، وهذا نحو قوله: {أية : يا حسرة على العباد} تفسير : [يس: 30]، و {القرون من قبلكم} هم قوم نوح وعاد وثمود ومن تقدم ذكره، والقرن من الناس: المقترنون في زمان طويل أكثره - فيما حد الناس - مائة سنة، وقيل ثمانون وقيل غير ذلك إلى ثلاثين سنة؛ والأول أرجح لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أرأيتكم ليلتكم هذه فإن إلى رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد"تفسير : . قال ابن عمر: يريد أنها تخرم ذلك القرن و {بقية} هنا يراد بها النظر والعقل والحزم والثبوت في الدين، وإنما قيل: {بقية} لأن الشرائع والدول ونحوها - قوتها في أولها ثم لا تزال تضعف فمن ثبت في وقت الضعف فهو بقية الصدر الأول. وقرأت فرقة: "بقية" بتخفيف الياء وهو رد فعيلة إلى فعلة، وقرأ أبو جعفر وشيبة "بُقْية" بضم الباء وسكون القاف على وزن فُعلة. و {الفساد في الأرض} هو الكفر وما اقترن به من المعاصي، وهذه الآية فيها تنبيه لأمة محمد وحض على تغيير المنكر والنهي عن الفساد ثم استثنى الله تعالى القوم الذين نجاهم مع أنبيائهم وهم قليل بالإضافة إلى جماعاتهم. و {قليلاً} نصب على الاستثناء وهو منقطع عند سيبويه، والكلام عنده موجب، وغيره يراه منفياً من حيث معناه أنه لم يكن فيهم أولو بقية. وقرأ جمهور الناس "واتبعَ" على بناء الفعل للفاعل، وقرأ حفص بن محمد: "واتبع" على بنائه للمفعول، ورويت عن أبي عمرو. و {ما أترفوا فيه} أي عاقبة ما نعموا به - على بناء الفعل للمفعول - والمترف: المنعم الذي شغلته ترفته عن الحق حتى هلك ومنه قول الشاعر: شعر : تحيي رؤوس المترفين الصداد إلى أمير المؤمنين الممتاد تفسير : يريد المسؤول، يقال ماده، إذا سأله. وقوله: {بظلم}، يحتمل أن يريد بظلم منه لهم - تعالى عن ذلك - قال الطبري: ويحتمل أن يريد: بشرك منهم، وهم مصلحون في أعمالهم وسيرهم، وعدل بعضهم في بعض، أي أنهم لا بد من معصية تقترن بكفرهم. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وإنما ذهب قائله إلى نحو ما قيل إن الله تعالى يمهل الدول على الكفر ولا يمهلها على الظلم والجور، ولو عكس لكان ذلك متجهاً، أي ما كان الله ليعذب أمة بظلمهم في معاصيهم وهم مصلحون في الإيمان، والاحتمال الأول في ترتيبنا أصح إن شاء الله.

ابن عبد السلام

تفسير : {أُتْرِفُواْ} انظروا "ع" {بَقِيَّةٍ} طاعة، أو تمييز، أو حظ من الله ـ تعالى ـ {الْفَسَادِ} الكفر أو الظلم.

النسفي

تفسير : {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ } فهلا كان وهو موضوع للتحضيض ومخصوص بالفعل {أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ } أولوا فضل وخير، وسمي الفضل والجود بقية لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله فصار مثلاً في الجودة والفضل. ويقال: فلان من بقية القوم أي من خيارهم، ومنه قولهم: «في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا» {يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلأَرْضِ } عجب محمداً عليه السلام وأمته أن لم يكن في الأمم التي ذكر الله إهلاكهم في هذه السورة جماعة من أولىِ العقل والدين ينهون غيرهم عن الكفر والمعاصي {إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ } استثناء منقطع أي ولكن قليلاً ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد وسائرهم تاركون للنهي. و«من» في {ممن أنجينا} للبيان لا للتبعيض لأن النجاة للناهين وحدهم بدليل قوله: {أية : أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوء وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} تفسير : [الأعراف:165] {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } أي التاركون للنهي عن المنكر، وهو عطف على مضمر أي قليلاً ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد واتبع الذين ظلموا شهواتهم فهو عطف على « نهوا» {مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ } أي أتبعوا ما عرفوا فيه التنعم والترفه من حب الرياسة والثروة وطلب أسباب العيش الهنيء، ورفضوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونبذوه وراء ظهورهم {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ } اعتراض وحكم عليهم بأنهم قوم مجرمون {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ } اللام لتأكيد النفي {بِظُلْمٍ } حال من الفاعل أي لا يصح أن يهلك الله القرى ظالماً لها {وَأَهْلُهَا } قوم {مُصْلِحُونَ } تنزيهًا لذاته عن الظلم. وقيل: الظلم الشرك أي لا يهلك القرى بسبب شرك أهلها وهم مصلحون في المعاملات فيما بينهم لا يضمون إلى شركهم فساداً آخر {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً } أي متفقين على الإيمان والطاعات عن اختيار ولكن لم يشأ ذلك. وقالت المعتزلة: وهي مشيئة قسر، وذلك رافع للابتداء فلا يجوز {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } في الكفر والإيمان أي ولكن شاء أن يكونوا مختلفين لما علم منهم اختيار ذلك.

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {فلولا كان من القرون} يعني فهلا كان من القرون التي أهلكناهم {من قبلكم} يعني يا أمة محمد {أولو بقية} يعني أولوا تمييز وطاعة وخير يقال فلان ذو بقية إذا كان فيه خير وقيل معناه أولوا بقية من خير يقال فلان على بقية من الخير إذا كان على خصلة محمودة {ينهون عن الفساد في الأرض} يعني يقومون بالنهي عن الفساد في الأرض والآية للتقريع والتوبيخ يعني لم يكن فيهم من فيه خير ينهى عن الفساد عن الأرض فلذلك أهلكناهم {إلا قليلاً} هذا استثناء منقطع معناه لكن قليلاً {ممن أنجينا منهم} يعني من آمن الأمم الماضية وهم أتباع الأنبياء كانوا ينهون عن الفساد في الأرض {واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه} يعني واتبع الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي ما تنعموا فيه والترف التنعم والمعنى أنهم اتبعوا ما تعودوا به من النعم وإيثار اللذات على الآخرة ونعيمها {وكانوا مجرمين} يعني كافرين {وما كان ربك} يعني وما كان ربك يا محمد {ليهلك القرى بظلم} يعني لا يهلكهم بظلم منه {وأهلها مصلحون} يعني: في أعمالهم ولكن يهلكهم بكفرهم وركوبهم السيئات، وقيل: في معنى الآية وما كان ربك ليهلك القرى بمجرد شركهم إذا كانوا مصلحين يعني يعامل بعضهم بعضاً بالصلاح والسداد والمراد من الهلاك عذاب الاستئصال في الدنيا أما عذاب الآخرة فهو لازم لهم ولهذا قال بعض الفقهاء إن حقوق الله مبناها على المسامحة والمساهلة وحقوق العباد مبناها على التضييق والتشديد قوله عز وجل: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} يعني كلهم على دين واحد وشريعة واحدة {ولا يزالون مختلفين} يعني على أديان شتى ما بين يهودي ونصراني ومجوسي ومشرك ومسلم فكل أهل دين من هذه الأديان قد اختلفوا في دينهم أيضاً اختلافاً كثيراً لا ينضبط عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : تفرق اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين والنصارى مثل ذلك وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة"تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي بنحوه عن معاوية قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال"حديث : : ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة"تفسير : أخرجه أبو داود قال الخطابي: قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : وستفترق أمتي"تفسير : فيه دلالة على أن هذه الفرق غير خارجة من الملة والدين إذ جعلهم من أمته وقال غيره المراد بهذه الفرق أهل البدع والأهواء الذين تفرقوا واختلفوا وظهروا بعده كالخوارج والقدرية والمعتزلة والرافضة وغيرهم من أهل البدع والأهواء والمراد بالواحدة هي فرقة السنة والجماعة الذين اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله. وقوله سبحانه وتعالى: {إلا من رحم ربك} يعني لكن من رحم ربك فمنّ عليه بالهداية والتوفيق إلى الحق، وهداه إلى الدين القويم والصراط المستقيم فهم لا يختلفون {ولذلك خلقهم} قال الحسن وعطاء وللاختلاف خلقهم. قال أشهب: سألت مالك بن أنس عن هذه الآية فقال خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: وللرحمة خلقهم يعني الذين يرحمهم. وقال الفراء: خلق أهل الرحمة للرحمة وخلق أهل الاختلاف للاختلاف، وقيل: خلق الله عز وجل أهل الرحمة للرحمة لئلا يختلفوا وخلق أهل العذاب لأن يختلفوا وخلق الجنة وخلق لها أهلاً وخلق النار وخلق لها أهلاً فحاصل الآية أن الله خلق أهل الباطل وجعلهم مختلفين، وخلق أهل الحق وجعلهم متفقين فحكم على بعضهم بالاختلاف ومصيرهم إلى النار وحكم على بعضهم بالرحمة وهم أهل الاتفاق ومصيرهم إلى الجنة ويدل على صحة هذا القول سياق الآية وهو قوله تبارك وتعالى: {وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} وهذا صريح بأن الله سبحانه وتعالى خلق أقواماً للجنة وللرحمة فهداهم ووفقهم لأعمال أهل الجنة وخلق أقواماً للضلالة والنار فخذلهم ومنعهم من الهداية.

الثعالبي

تفسير : {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ...} الآية، {لَوْلاَ }: هي التي للتحضيض، لكن، يقترن بها هنا مَعْنَى التفجُّع والتأسُّف الذي ينبغي أنْ يقع من البَشَر عَلَى هذه الأُمَمِ التي لم تَهْتِدِ، وهذا نحو قوله سبحانه: { أية : يَٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ } تفسير : [يس:30]، والقرون من قبلنا قومُ نوحٍ وعادٍ وثمود، ومَنْ تقدم ذكْرُهُ. وقوله: {أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ }: أي: أولو بقيةٍ مِنْ عقْلٍ وتمييزٍ ودينٍ، {يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ } وإِنما قيل: {بَقِيَّةٍ }؛ لأن الشرائِعَ والدوَل ونَحْوَها، قوَّتُها في أولها، ثم لا تزال تَضْعُفُ، فمن ثَبَتَ في وقْتِ الضعْفِ، فهو بقيَّة الصدْرِ الأول. و{ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ}: هو الكُفْر وما ٱقْتَرَنَ به من المعاصي، وهذه الآيةُ فيها تنبيهٌ لهذه الأُمَّةِ وحضٌّ على تغيير المُنْكَر، ثم ٱستثْنَى عزَّ وجلَّ القوم الذين نَجَّاهم معَ أنبيائهم، وهم قليلٌ بالإِضافة إِلى جماعاتهم، و{قَلِيلاً} ٱستِثْنَاءٌ مُنْقطعٌ، أيْ: لكن قليلاً ممن أنجينا منهم، نَهَوْا عن الفساد، و«المُتْرَف»: المنعَّم الذي شغلَتْهُ تُرْفَتُهُ عن الحَقِّ حتى هلك؛ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ } منه سبحانه وتعالى عن ذلك، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً }: أي مؤمنة لا يَقَعُ منهم كُفْر؛ قاله قتادة، ولكنه عزَّ وجلَّ لم يشأْ ذلك، فهم لا يزالُونَ مختلفين في الأديان والآراءِ والمِلَلِ، هذا تأويل الجُمهورِ، {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ }، أي: بأن هداه إِلى الإِيمان؛ وقوله تعالى: {وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ }: قَالَ الحَسَن: أي: ولِلاختلافِ خلقهم. قال * ع *: وذلك أن اللَّه تعالى خلق خَلْقاً للسعادة، وخَلْقاً للشقاوةِ، ثم يَسَّر كُلاًّ لما خلق له، وهذا نصٌّ في الحديث الصحيحِ، وجعل بَعْدُ ذلك ٱلاختلاف في الدِّين على الحَقِّ هو أمارةَ الشقاوةِ، وبه علَّق العقابَ، فيصحُّ أَنْ يُحْمَلَ قولُ الحَسَن هنا: وللاختلافِ خَلَقُهُمْ، أي: لثمرة الاختلافِ، وما يكونُ عنه مِنْ شقاوةٍ أو سعادةٍ، وقال أشْهَبُ: سألتُ مالكاً عن هذه الآية، فقال: خَلَقَهُمْ؛ ليكونَ فريقٌ في الجنةِ، وفريقٌ في السعيرِ، وقيل غير هذا. وقوله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} أي: نفذ قضاؤه، وحَقَّ أمره، واللام في {لأَمْلأَنَّ }: لام قسم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ} من الآية. لمَّا بيَّن أنَّ الأمم المتقدمين حلَّ بهم عذاب الاستئصال، بيَّن أنَّ السبب فيه أمران: الأول: أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد في الأرض، فقال: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ}، "لوْلاَ" تحضيضية دخلها معنى التَّفجُّع عليهم، وهو قريبٌ من مجاز قوله تعالى: {أية : يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ} تفسير : [يس:30] وما يروى عن الخليل - رحمه الله - أنه قال: كل ما كان في القرآن من "لَوْلاَ" فمعناه "هَلاَّ" إلاَّ التي في الصافات "فلوْلاَ أنَّهُ"، لا يصحُّ عنه لورودها كذلك في غير الصافات {أية : لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ} تفسير : [القلم:49] {أية : وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ} تفسير : [الإسراء:74] {أية : وَلَوْلاَ رِجَالٌ} تفسير : [الفتح:25]. و "مِنَ القُرونِ" يجوز أن يتعلَّق بـ "كان"؛ لأنَّها هنا تامَّة،إذ المعنى: فهلاَّ وُجِد من القُرونِ، أو حدث، أو نحو ذلك، ويجُوزُ أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنَّهُ حالٌ من: "أُولُوا بقيَّةٍ" لأنه لو تأخَّر عنه لجاز أن يكون نعتاً لهُ، و"مِن قَبْلِكُم" حالٌ من "القُرُون" و"يَنْهَون" حالٌ من "أولوا بقيَّة" لتخصُّصه بالإضافةِ، ويجوز أن يكون نعتاً لـ "أُولُوا بقيَّّةٍ" وهو أولى. ويضعفُ أن تكون "كان" هذه ناقصة لبُعْد المعنى من ذلك، وعلى تقديره يتعيَّن تعلُّق "من القُرونِ" بالمحذُوف على أنَّهُ حالٌ؛ لأنَّ "كَانَ" النَّاقصة لا تعملُ عند جمهور النُّحاةِ، ويكون "يَنْهَوْنَ" في محلِّ نصب خبراً لـ "كان". وقرأ العامَّةُ "بقيَّة" بفتح الباء وتشديد الياءِ، وفيها وجهان: أحدهما: أنَّها صفةٌ على "فَعِيلة" للمبالغةِ، بمعنى "فاعل"؛ وذلك دخلت التَّاءُ فيها، والمرادُ بها حينئذٍ جُنْد الشيء وخياره، وإنَّما قيل لجنْدِه وخياره: "بقيَّة" في قولهم: فلان بقيةُ النَّاس، وبقيةُ الكرام؛ لأنَّ الرَّجُل يستبقي ممَّا يخرجه أجوده وأفضله والرجل يبقى بعده ذكر جوده وفضله؛ وعليه حمل بيتُ الحماسِة: [البسيط] شعر : 3040- إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ تَأتينِي بقِيَّتُكُمْ ................. تفسير : وفي المثل: "في الزَّوايا خبايا، وفي الرِّجالِ بَقايَا". والثاني: أنَّها مصدرٌ بمعنى البقوى قال الزمخشريُّ ويجوزُ أن تكون البقيَّة بمعنى البَقْوَى كالتقيَّة بمعنى التَّقوى، أي: فهلا كان منهم ذوو إبقاءٍ على أنفسهم، وصيانةٍ لها من سخطِ الله وعقابه. والمعنى: فهلاّ كان منهم أولوا مراقبة وخشية من انتقام الله. وقرأت فرقةٌ "بَقِيَة" بتخفيفِ الياءِ، وهي اسمُ فاعل من بقي كـ: شَجِيَة من شَجِي، والتقدير أولُوا طائفةٍ بقيةٍ أي: باقية. وقرأ أبو جعفرٍ وشيبة "بُقْية" بضمِّ الفاء وسكون العين. وقُرِىءَ "بَقْيَة" على المرَّة من المصدر. و "فِي الأرْضِ" متعلقٌ بالفسادِ، والمصدرُ المقترن بـ "أل" يعمل في المفاعيل الصريحة فكيف في الظروف؟ ويجوزُ أن يتعلَّق بمحذُوفٍ عل أنه حالٌ من "الفَسادِ". فصل المعنى: فهلاَّ "كان مِنَ القُرونِ" التي أهلكناهم، "مِن قَبْلِكُمْ" أولُوا تمييز وقيل: أولُوا طاعة وقيل: أولُوا خير، يقال: فلانٌ على بقيَّةٍ من الخير إذا كان على خصلة محمودة. و"ينْهَوْنَ عن الفسادِ في الأرضِ" أي: يقُومُون بالنَّهْي عن الفسادِ، ومعناه جحداً، أي: لم يكن فيهم أولُو بقية. قوله: "إِلاَّ قَلِيلاً" فيه وجهان: أحدهما: أن يكون استثناء منقطعاً؛ وذلك أن يحمل التحضيض على حقيقته، وإذا حُمل على حقيقته تعين أن يكون الاستثناءُ منقطعاً لئلاَّ يفسد المعنى. قال الزمخشريُّ: معناه: ولكن قليلاً ممَّن أنْجينَا من القرون نهوا عن الفساد، وسائرهُم تاركون النَّهي ثم قال: فإن قلت: هل لوقوع هذا الاستثناء متصلاً وجهٌ يحملُ عليه؟ قلتُ: إن جعلتهُ متَّصلاً على ما هو عليه ظاهرُ الكلام كان المعنى فاسِداً؛ لأنَّهُ يكون تحضيضاً لأولي البقية على النَّهي عن الفساد إلاَّ للقليل من النَّاجين منهم، كما تقولُ: هلا قرأ قومك القرآن إلاَّ الصلحاء منهم، تريدُ استثناء الصُّلحاء من المحضَّضينَ على قراءة القرآن. فيَئُول الكلام إلى أنَّ الناجين لم يحضُّوا على النَّهْي عن الفساد، وهو معنًى فاسدٌ. والثاني: أن يكون متَّصِلاً، وذلك بأن يؤوَّل التحضيض على قراءة القرآن بمعنى النَّفي، فيصحَّ ذلك؛ إلاَّ أنَّهُ يُؤدِّي إلى النصب غير الموجب، وإن كان غير النصب أولى. قال الزمخشري: فإن قلت: في تحضيضهم على النَّهي عن الفسادِ معنى نفيه عنهم، فكأنَّهُ قيل: ما كان من القُرُونِ أولُو بقية إلاَّ قليلاً كان استثناءً متصلاً ومعنى صحيحاً، وكان انتصابهُ على أصل الاستثناء، وإن كان الأفصحُ أن يرفع على البدل. ويؤيد أنَّ التحضيض هنا في معنى النَّفْي قراءةُ زيد من عليّ "إلاَّ قليلٌ" بالرفع، لاحظ معنى النَّفي فأبدل على الأفصحِ، كقوله: {أية : مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} تفسير : [النساء:66]. وقال الفراء: المعنى: فلمْ يكن؛ لأنَّ في الاستفهام ضَرْباً من الجَحْدِ سمَّى التَّحضيض استفهاماً. ونُقل عن الأخفش أنه كان يرى تعيُّن اتصال هذا الاستثناء كأنَّهُ لحظَ النَّفْيَ و "مِنْ" في: "مِمَّنْ أنْجَيْنَا" للتبعيض. ومنع الزمخشريُّ أن تكون للتبعيض بل للبيانِ فقال: حقُّها أن تكون للبيانِ لا للتبعيض؛ لأنَّ النَّجاة إنَّما هي للنَّاهينَ وحدهم، بدليل قوله: {أية : أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} تفسير : [الأعراف:165]. فعلى الأول يتعلق بمحذوفٍ على أنها صفةٌ لـ ": قَلِيلاً". وعلى الثاني: يتعلق بمحذوف على سبيل البيان، أي: أعني. قوله: {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ} هذا السببُ الثاني في نزولِ عذاب الاستئصال. قرأ العامَّةُ: "اتَّبَعَ" بهمزة وصلٍ وتاءِ مشددةٍ، وياءٍ، مفتوحتين، فعلاً ماضياً مبنياً للفاعل وفيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ معطوفٌ على مضمرٍ. والثاني: أنَّ الواو للحالِ لا للعطفِ، ويتَّضحُ ذلك بقول الزمخشري فإن قلت: علام عطف قوله: {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}؟ قلت: إن كان معناه: واتَّبعُوا الشَّّهواتِ كان معطوفاً على مضمرٍ؛ لأنَّ المعنى: إلاَّ قليلاً ممَّنْ أنجينا منهم نُهُوا عن الفسادِ، واتَّبع الذين ظلمُوا شهواتهم، فهو عطفٌ على "نُهُوا" وإنْ كان معناه: واتَّبعُوا جزاءَ الإترافِ، فالواو للحال، كأنَّه قيل: أنْجَيْنَا القليل، وقد اتبع الذين ظلموا جزاءهم. فجوز في قوله: "مَا أتْرِفُوا" وجهين: أحدهما: أنَّه مفعول من غير حذف مضافٍ، و"مَا" واقعة على الشَّهوات وما بطرُوا بسببه من النِّعم. والثاني: أنَّهُ على حذف مضاف، أي: جزاء ما أتْرِفُوا، ورتَّب على هذين الوجهين القول في "واتَّبَعَ". والإتْراف: إفعالٌ من التَّرف وهو النِّعمة، يقال: صبيٌّ مترفٌ، أي: مُنْعَم البدن، وأتْرِفُوا نَعِمُوا وقيل: التَّرفُّهُ: التوسُّع في النِّعمةِ. وقال مقاتلٌ: "أتْرِفُوا" خُوِّلُوا. وقال الفراء: عُوِّدُوا، أي: واتَّبع الذين ظلمُوا ما عُوِّدُوا من النَّعيم، وإيثار اللذات على الآخرة. وقرأ أبو عمرو في رواية الجعفي، وأبو جعفر "وأتْبعَ" بضم همزة القطع وسكون التَّاءِ وكسر الباء مبنيًّا للمفعول، ولا بدَّ حينئذٍ من حذف مضاف، أي: أتبعُوا جزاء ما أترفُوا فيه. و "ما" يجوز أن تكون معنى "الذي، وهو الظَّاهرُ لعودِ الضمير في "فيه" عليه، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: جزاء إترافهم. قوله "وكانُوا مُجْرمينَ" كافرين وفيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أن تكون عطفاً على "أُتْرِفُوا" إذا جعلنا "ما" مصدرية، أي: اتَّبعوا إترافهم وكونهم مجرمين. والثاني: أنه عطفٌ على "اتَّبَعَ"، أي: اتَّبَعُوا شهواتهم وكانوا مجرمين بذلك، لأنَّ تابعَ الشَّهواتِ مغمورٌ بالآثامِ. الثالث: أن يكون اعتراضاً وحكماً عليهم بأنَّهُم قومٌ مجرمون ذكر ذلك الزمخشريُّ. قال أبو حيَّان: "ولا يُسَمَّى هذا اعتراضاً في اصطلاح النَّحْو؛ لأنه آخرُ آيةٍ، فليس بين شيئين يحتاج أحدهما إلى الآخر". قوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ} الآية. في "لِيُهْلِكَ" الوجهان المشهوران، وهما: زيادة اللام في خبر: "كان" دلالةً على التَّأكيد - كما هو رأي الكوفيين - أو كونها متعلقة بخبر "كان" المحذوف، وهو مذهبُ البصريين، و"بِظُلْمٍ" متعلق بـ "يُهْلِكَ" والباءُ سببيةٌ، وجوَّز الزمخشريُّ أن تكون حالاً من فاعل "لِيُهْلِكَ"، وقوله "وأهْلُهَا مُصْلِحُون" جملة حالية. فصل قيل: المرادُ بالظلم هنا: الشرك، قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان:13] والمعنى: أنه تعالى لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم، ولهذا قال الفقهاءُ: إنَّ حقوق الله مبناها على المسامحةِ، وحقوق العباد مبناها على التَّضييقِ والشح، ويقالُ: إنَّ الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظُّلم، ويدلُّ على هذا التأويل أنَّ قوم هود، وصالح، ولوط، وشعيب إنَّما نزل بهم عذابُ الاستئصال، لما حكى الله تعالى عنهم من إيذاءِ النَّاس وظلم الخلق وهذا تأويل أهل السنة وقالت المعتزلة: إنَّهُ تعالى لو أهلكهم حال كونهم مصلحين لكان ظلماً، ولمَّا كان متعالياً عن الظلم، لا جرم أنَّهُ إنما يهلكهم لأجل سُوء أفعالهم. وقيل: معنى الآية: أنَّهُ لا يُهلكُهُمْ بظلم منه، وهم مُصْلِحُونَ في أعمالهم، ولكن يهلكهم بكفرهم وركوبهم السَّيئات، وهذا معنى قول المعتزلة. ثم قال تعالى: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} كلهم على دينٍ واحدٍ، {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} على أديان شتَّى، من يهوديٍّ، ونصرانيٍّ، ومجوسيٍّ، ومشركٍ، ومسلم، وقد تقدم الكلام على ذلك. قوله: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} ظاهرهُ أنه متَّصلٌ، وهو استثناءٌ من فاعل "يَزالُون"، أو من الضَّمير في "مُختلفينَ" وجوَّز الحوفي أن يكون استثناءً منقطعاً، أي: لكن من رحمَ، لم يختلفُوا، ولا ضرورة تدعُو إلى ذلك. قوله: "ولذلِكَ" في المشار إليه أقوال كثيرة. أظهرها: أنَّهُ الاختلافُ المدلولُ عليه بـ "مُخْتلفينَ"؛ كقوله: [الوافر]. شعر : 3041- إذَا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إلَيْهِ وخَالفَ والسَّفِيهُ إلى خِلافِ تفسير : رجع الضَّميرُ في "إليه" على السَّفه المدلول عليه بلفظ "السَّفيه"، ولا بدَّ من حذفِ مضافٍ على هذا، أي: ولثمرة الاختلاف خلقهم، واللام في الحقيقةِ للصَّيرورةِ، أي: خلقهم ليصير أمرهم إلى الاختلاف. وقيل: المرادُ به الرحمة المدلول عليها بقوله: "رَحِمَ" وإنَّما ذكِّر ذهاباً بها إلى الخيرِ. وقيل: المرادُ به المجموعُ منهما، وإليه نحا ابنُ عباس - رضي الله عنهما -: كقوله: {أية : عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ} تفسير : [البقرة:68] وقيل: إشارةٌ إلى ما بعده من قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} ففي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، وهو قولٌ مرجوحٌ؛ لأنَّ الأصل عدمُ ذلك. فصل قال الحسنُ وعطاء: وللاختلاف خلقهم قال أشهب: سألتُ مالكاً - رحمه الله - عن هذه الآية فقال: خلقهم ليكون فريقٌ في الجنَّةِ وفريقٌ في السَّعير. قال أبو عبيد: الذي أختاره قول من قال: خلق فريقاً لرحمته، وفريقاً لعذابه، ويُؤيده قوله تعالى: "وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين". وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خلق الله الجنَّة وخلق لها أهلاً، وخلق النَّار وخلق لها أهلاً ". تفسير : وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - ومجاهدٌ، وقتادة، والضحاك رضي الله عنهم: وللرَّحمةِ خلقهم، يعني الذين رحمهم، وقال الفراء: خلق أهل الرَّحْمةِ للرَّحمةِ، وأهل الاختلاف للاختلاف ومحصول الآية أنَّ أهل الباطلِ مختلفُون، وأهل الحقِّ متَّفقُون، فخلق أهل الحق للاتفاق، وأهل الباطل للاختلاف. وذهبت المعتزلةُ إلى قولِ ابن عبَّاسٍ، وهو أنَّهُ خلقهم للرَّحمةِ، قالوا: ولا يجوز أن يقال: وللاختلاف خلقهم، لوجوه: الأول: أنَّ عود الضَّمير إلى أقرب المذكورين أولى من عوده إلى أبعدهما: والثاني: لو خلقهم للاختلاف وأراد منهم ذلك لم يجز أن يعذبهم عليه، إذ كانوا مطيعين له بذلك الاختلاف. الثالث: أنَّا إذا فسرنا الآية بالرحمةِ مطابقاً لقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات:56]. فإن قيل: لو كان المراد، وللرَّحمة خلقهم لقال: ولتلك خلقهم، ولم يقل: ولذلك خلقهم. قلنا: إن تأنيث الرَّحمةِ لي حقيقيًّا، فكان محمولاً على الفضل والغفرانِ، كقوله:{أية : هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي} تفسير : [الكهف:98] وقوله:{أية : إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [الأعراف:56]. فصل احتج من قال بأنَّ الهداية والإيمان لا يحصل إلاَّ بخلقِ الله تعالى بهذه الآية، وذلك لأنَّها تدلُّ على أنَّ زوال الاختلاف في الدِّين لا يحصلُ إلاَّ لمنْ خصَّهُ الله برحمته، وتلك الرحمة ليست عبارة عن إعطاء القدرة والعقل، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإزاحة العذر، فإن كُلَّ ذلك حاصل للكفار، فلم يبق إلاَّ أن يقال: تلك الرحمة هو أنَّ الله - تعالى - يخلق فيه تلك الهداية والمعرفة. قوله تعالى: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} قال القاضي معناه: إلا من رحم ربُّك بأن يصير من أهل الجنة، والثواب، فيرحمه الله بألطافه وتسهيله، وهذان الجوابان في غاية الضعف. أمَّا الأولُ فلأنَّ قوله تعالى: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} بأن يصير من أهل الجنة، يفيدُ أنَّ ذلك الاختلاف إنما زال بسبب هذه الرحمة؛ فوجب أن تكون هذه الرَّحمة جارية مجرى السَّّبب المتقدم على زوال هذا الاختلاف، والثَّواب شيء متأخر عن زوال هذا الاختلاف، فالاختلاف جارٍ مجرى السبب له فحملُ هذه الرَّحمة على الثَّواب لا يجوزُ. وأمَّا الثاني - وهو حملُ هذه الرَّحمة على الألطافِ التي فعلها في حقِّ المؤمن - فهي مفعولة أيضاً في حقِّ الكافر، وهذه الرحمة أمر اختص به المؤمن؛ فوجب أن يكون شيئاً زائداً على تلك الألطاف، وأيضاً فحصول الألطاف هل يوجبُ رجحان وجود الإيمان على عدمه أم لا يوجبه؟ فإن لم يوجبه كان وجود تلك الألطاف وعدمها، بالنسبة إلى حصول هذا المقصود سيان، فلم يكُ لطفاً منه، وإذا وجب الرُّجحان فقد ثبت في العقليات أنه متى حصل الرجحان، فقد وجب حينئذ أن يكون حصول الإيمان من الله، وما يدل على أنَّ حصول الإيمان لا يكون إلاَّ بخلق الله تعالى؛ لأنَّهُ ما لم يتميز الإيمان عن الكفر، والعلم عن الجهلِ امتنع القصد إلى تكوين الإيمان والعلم، وهذا الامتياز إنما يحصلُ إذا علم كون احد هذين الاعتقادين مطابقاً للمعتقد، وكون الآخر ليس كذلك، وإنَّما يصح هذا العلم إذا عرف ذلك المعتقد كيف يكون، وهذا يوجب أنَّهُ لا يصح من العبدِ القصد إلى تكوين العلم بالشيء إلا بعد أن كان عالماً، وذلك يقتضي تكوين الكائن وتحصيل الحاصل وهو محالٌ، فثبت أنَّ زوال الاختلاف في الدِّين، وحصولِ العلم والهداية لا يحصل إلاَّ بخلق الله تعالى. ثم قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} وتم حكم ربك {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} فقوله: "أجْمَعِينَ" تأكيد، والأكثر أن يسبق بـ "كُل" وقد جاء هنا دونها. والجنَّةُ والجِنُّ: قيل: واحد، والتاء فيه للمبالغة. وقيل: الجنَّةُ جمع جِنّ، وهو غريبٌ، فيكون مثل "كَمْءِ" للجمع، و "كَمْأة" للواحد. قوله تعالى: {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ} الآية. لمَّا ذكر القصص الكثيرة في هذه السورة، ذكر في هذه الآية نوعين من الفائدة. أحدهما: تثبيت الفؤاد على أداء الرِّسالة، وعلى الصَّبر واحتمال الأذى؛ وذلك لأنَّ الإنسان إذا ابتلي بمحنة وبلية، فإذا رأى له فيه مشاركاً خف ذلك على قلبه؛ كما يقال: المصيبة إذا عمت خفت، فإذا سمع الرسول صلى الله عليه وسلم هذه القصص، وعلم أنَّ حال جميع الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - مع أتباعهم هكذا، سهل عليه تحمل الأذى من قومه، وأمكنه الصبر عليه. والفائدة الثانية: قوله {وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ}. قوله تعالى: {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ} في نصبه أوجه: أحدها: أنه مفعولٌ به، والمضاف إليه محذوفٌ، عوض منه التنوين، تقديره: وكلُّ نبأ نقصُّ عليك. و "مِنْ أنباءِ" بيانٌ له أو صفةٌ إذا قُدِّر المضاف إليه نكرة. وقوله: {مَا نُثَبِّتُ بِهِ} يجوز أن يكون بدلاً من: "كُلاًّ" وأن يكون خبر مبتدأ مضمر: أي: هو ما نُثَبِّتُ، أو منصوبٌ بإضمار أعني. الثاني: أنه منصوبٌ على المصدر، أي: كلَّ اقتصاصٍ نقصُّ، و "مِنْ أنباءِ" صفةٌ: أو بيان، و "ما نُثَبتُ" هو مفعول "نَقُصُّ". الثالث: كما تقدم، إلاَّ أنه يجعل "ما" صلة، والتقدير: وكلاًّ نقصُّ من أبناءِ الرُّسُل نُثَبِّتُ به فؤادك، كذا أعربه أبو حيان وقال: كَهِي في قوله: {أية : قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الأعراف:3]. الرابع: أن يكون "كُلاًّ" منصوباً على الحال من "ما نُثَبِّتُ" وهي في معنى: "جَمِيعاً" وقيل: بل هي حال من الضمير في "بِهِ" وقيل: بل هي حالٌ من "أنْبَاء" وهذان الوجهان إنما يجوزان عند الأخفشِ، فإنَّهُ يجيزُ تقديم حال المجرورِ بالحرف عليه؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} تفسير : [الزمر:67] في قراءة من نصب "مَطويَّاتٍ" وقول الآخر: [الكامل] شعر : 3042- رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْراعِهِمْ فِيهِمْ ورهْطُ رَبِيعةَ بْنِ حُذَارِ تفسير : والمعنى: وكل الذي تحتاجُ إليه من أبناء الرسل، أي: من أخبارهم، وأخبار الأمم نقصها عليك؛ لنثبت به فؤادك؛ لنزيدك يقيناً، ونقوي قلبك، وذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعها كان في ذلك تقوية لقلبه على الصَّبْرِ لأذى قومه. {وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ} قال الحسنُ وقتادةُ: في هذه الدنيا. وقال الأكثرون: في هذه السورة خص هذه السورة تشريفاً، وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور. وقيل: في هذه الآية. والمراد به "الحق" البراهين الدَّالة على التَّوحيدِ والعدلِ والنبوة، "مَوْعظةٌ" أي: وجاءتك موعظة "وذكْرى للمُؤمنينَ" والمرادُ بـ "الذكرى" الأعمال الباقية الصالحة في الدَّار الآخرة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب قال أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ {‏فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض‏} ‏‏. وأخرج ابن أبي مالك في قوله ‏ {‏فلولا‏} ‏ قال‏:‏ فهلا‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال‏:‏ أي لم يكن من قبلكم من ينهى عن الفساد في الأرض إلا قليلاً‏. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج ‏ {‏إلا قليلاً ممن أنجينا منهم‏} ‏ يستقلهم الله من كل قوم‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ‏ {‏واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه‏}‏ قال‏:‏ في ملكهم وَتَجَبُّرِهِمْ وتركهم الحق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق ابن جريج قال‏:‏ قال ابن عباس ‏ {‏أترفوا فيه‏}‏ نظروا فيه‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة ‏ {‏واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه‏} ‏ من دنياهم، وأن هذه الدنيا قد تعقدت أكثر الناس، وألهتهم عن آخرتهم‏.

القشيري

تفسير : معناه لم يكن فيكم مِنْ هؤلاء الذين كانوا ينهون عن القبائح إلا قليل. وقيل معناه لم يكن فيمن قبلكم من الأمم مَنْ يَنْهى عن الفساد، ويحفظ الدِّين، ويطيعون أنبياءَهم - إلا قليل.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلولا كان} لولا بمعنى هلا وكان بمعنى وجد. والمعنى بالفارسية [بس جرا نبود] {من القرون} الهالكة الكائنة {من قبلكم} على رأى من جوز حذف الموصول مع بعض صلته او كائنة من قبلكم على ان يكون حالا وكل اهل عصر قرن لمن بعدهم لانهم يتقدمونهم. قال فى القاموس القرن مائة سنة وهو الاصح حديث : لقوله عليه السلام لغلام "عش قرنا" فعاش مائة سنة تفسير : وكل امة هلكت فلم يبق منها احد {اولوا بقية} اصحاب فضل وخير وسمى الفضل والجودة بقية على ان يكون الهاء للنقل كالذبيحة لان الرجل انما يستبقى مما يكسبه عادة اجوده وافضله فصار مثلا فى الجودة والفضل يقال فلان من بقية القوم اى من خيارهم ومنه ما قيل فى الزوايا خبايا وفى الرجال بقايا {ينهون} المفسدين نعت لاولوا {عن الفساد فى الارض} الواقع منهم حسبما حكى عنهم ومعناه جحد اى لم يكن فيهم اولوا بقية ينهون حتى لا ينزل العذاب بهم {الا قليلا ممن انجينا منهم} استثناء منقطع اى لكن قليلا ممن انجينا من القرون نهوا عن الفساد وهم اتباع الانبياء وسائرهم تاركوا النهى. ومن فى ممن للبيان لا للتبعيض لان جميع الناجين ناهون {واتبع الذين ظلموا} عطف على مضمر دل عليه الكلام اى لم ينهوا عن الفساد واتبع الذين ظلموا بمباشرة الفساد وترك النهى عنه فيكون العدول الى المظهر لادراج المباشرين معهم فى الحكم والتسجيل عليهم بالظلم وللاشعار بعلية ذلك لما حاق بهم من العذاب {ما اترفوا فيه} الاتراف الانعام من الترف وهو النعمة اى انعموا فيه من الشهوات واللذات وآثروها على امر الآخرة. ويقال اترفته النعمة اى اطغته. فالمعنى ما اطغوا فيه على ان يكون فيه للسببية والمراد هو الاموال والاملاك قال الله تعالى {أية : ان الانسان ليطغى ان رآه استغنى} تفسير : يعنى اهتموا بكسبها وبذلوا وسعهم فى تحصيلها وجمعها واعرضوا عما وراءها. اما المباشرون فظاهر. واما المتساهلون فلما فى ذلك من نيل حظوظهم الفاسدة {وكانوا مجرمين} عطف على اتبع وهذا بيان لسبب استئصال الامم المهلكة وهو ترك الامر بالمعروف والنهى عن المنكر واتباع الشهوات وفى الحديث "حديث : ان الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على ان ينكروا فلا ينكرون فاذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة فكل قوم لم يكن فيهم آمر بالمعروف وناه عن المنكر من ارباب الصدق وهم مجتمعون على الفساد اولا يأتمرون بالامر بالمعروف ولا ينتهون بالنهى عن المنكر فانهم هالكون"تفسير : : قال السعدى شعر : كرت نهى منكر برآيد ز دست نشايد جو بى دست وبابان نشست بكو آنجه دانى سخن سودمند وكر هيج كس را نيايد بسند جو دست وزبانرا نماند مجال بهمت نمايند مردى رجال

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (لولا): تحضيضة، ويقترن بها هنا معنى التفجع والتأسف، كقوله:{أية : يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ}تفسير : و"إلا قليلاً" منقطع، ولا يصح اتصاله، إلا إذا جعل استثناء من النفي اللازم للتحضيض. أي: ما كان في القرون الماضية أولو بقية إلا قليل. يقال: فلان من بقية القوم، أي: خيارهم، وإنما قيل فيه "بقية"؛ لأن الشرائع والدول تقوى أولاً ثم تضعف. فمن ثبت في وقت الضعف على ما كان في أوله، فهو بقية الصدر الأول. قاله ابن عطية. وقوله: "بظلم": حال من "ربك"؛ أي: ما كان ربك ليهلك القرى ظالماً لهم، أو متعلق بيُهلك. يقول الحق جل جلاله: {فلولا} فهلا {كان من القرون من قبلكم}؛ كقوم نوح وعاد وثمود ومن تقدم ذكرهم، {اُولوا بقية} من الرأي، والعقل يُنكرون عليهم، أي: فهلا وجد فيهم من فيه بقية من العقل والحزم والثبوت، {ينهون عن الفساد في الأرض}، لكن قليلاً ممن أنجينا منهم كانوا كذلك، فأنكروا على أهل الفساد، واعتزلوهم في دينهم؛ فأنجيناهم. وفي هذا تحريض على النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، وأنه سبب النجاة في الدارين. {واتَّبع الذين ظلموا ما أُترفوا فيه}: ما أنعموا فيه من الشهوات، واهتموا بتحصيل أسبابها، وأعرضوا عما وراء ذلك، {وكانوا مجرمين} كافرين. قال البيضاوي: كأنه أراد أن يُبين ما كان السبب لاستئصال الأمم الماضية: وهو: فشو الظلم فيهم، واتباع الهوى، وترك النهي عن المنكرات مع الكفر. هـ. {وما كان ربك ليُهلك القرى بظلم} أي: متلبساً بظلم، {وأهلُها مصلحون}، فيعذبهم بلا جرم، أي: ما كان ليعذبهم ظالماً لهم بلا سبب. أو ما كان ليهلك القرى بشرك وأهلها مصلحون فيما بينهم، لا يضمون إلى شركهم فساداً وبغياً، وذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه. ومن ذلك قدَّم الفقهاءُ، عند تزاحم الحقوق، وحقوقَ العباد، وقال بعضهم: [الذنوب ثلاثة: ذنب لا يغفره الله، وهو الشرك، وذنب لا يعبأ الله به، وهو ما كان بينه وبين عباده، وذنب لا يتركه الله، وهو حقوق عباده]. وقالوا: قد يبقى المُلك مع الشرك ولا يبقى مع الظلم. الإشارة: أولو البقية الذين ينهون عن الفساد في الأرض هم: أهل النور المخزون المستودع في قلوبهم من نور الحق، إذا قابلوا منكراً دمغوه بالحال أو المقال، وإذا قابلوا فساداً أصلحوه، وإذا قابلوا فتنة أطفؤوها. وإذا قابلوا بدعة أخمدوها، واجهوا ضالاً أرشده، أو غافلاً ذكروه، أو طالباً للوصول وصلوه، يمشون في الأرض بالنصيحة، لا يخافون في الله لومة لائم. أولئك لهم الأمن وهم مهتدون. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي نفس محمد بيده لئن شئتم لأُقسمن لكم: إنَّ أحَبَّ عباد اللَّهِ إلى الله الذين يُحببون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، ويمشون في الأرض بالنصيحة"تفسير : أما كونهم يحببون الله إلى عباده، فلأنهم يَذكرون لهم آلاءه وإحسانه وبره. والنفسُ تحب بالطبع من أحسن إليها. وأما كونهم يحببون عباد الله إلى الله؛ فلأنهم يردونهم عن غيهم وحظوظهم، التي تبعدهم عن ربهم. فإذا رجعوا إليه أحبهم. وسئل ذو النون المصري رضي الله عنه عن وصف الأبدال، فقال: سألتَ عن دياجي الظلام؛ لأَكشفُ لك عنهم، وهم قوم ذكروا الله بقلوبهم، تعظيماً لربهم؛ لمعرفتهم بجلاله، فهم حجج الله تعالى على خلقه، ألبسهم الله ـ تعالى ـ النور الساطع من محبته، ورفع لهم أعلام الهداية إلى مواصلته، وأقامهم مقام الأبطال لإرادته، وأفرغ عليهم من مخافته، وطهَّر أبدانهم بمراقبته، وطيبهم بطيب أهل معاملته، وكساهم حُللاً من نسج مودته، ووضع على رؤوسهم تيجان مبرته، ثم أودع القلوب من ذخائر الغيوب، فهي متعلقة بمواصلته، فهممهم إليه ثائرة، وأعينهم بالغيب ناظرة، قد أقامهم على باب النظر من رؤية، وأجلسهم على كراسي أطباء أهل معرفته، ثم قال لهم: إن أتاكم عليلٌ مَنْ فقدي فداووه، أو مريض من فراقي فعالجوه، أو خائف مني فانصروه، أو من آمن مني فحذِّروه، أو راغب في مواصلتي فمنُّوه، أو راحل نحوي فزودوه، أو جبان في متاجرتي فشجعوه، أو آيسٌ من فضلي فرجّوه، أو راج لإحساني فبشروه، أو حسن الظن بي فباسطوه، أو محب لي فواصلوه، أو معظم لقدرتي فعظموه، أو مسيء بعد إحساني فعاتبوه، أو مسترشد فأرشدوه. هـ. وهذا بقدر الله ومشيئته، كما قال تعالى: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً}.

الطوسي

تفسير : معنى {فلولا كان} هلا كان، ولم لا، وألا كان، ومعناه النفي وتقديره لم يكن من القرون من قبلكم، فهو تعجيب وتوبيخ لهؤلاء الذين سلكوا سبيل من كان قبلهم في الفساد نحو عاد وثمود، وسائر القرون الذين مرّ ذكرهم في القرآن، وأخبر الله بهلاكها {أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض} أي كان يجب أن يكون منهم قوم باقون في الارض ينهون عن الفساد في الارض مع إنعام الله عليهم بكمال العقل والقدرة، وبعثة الرسل اليهم، واقامة الحجج. وأولوا بقية هم الباقون، فعجب الله نبيه كيف لم يكن منهم بقية في الارض يأمرون فيها بالمعروف وينهون فيها عن المنكر، وكيف اجتمعوا على الكفر حتى استأصلهم الله بالعذاب والعقوبات لكفرهم بالله ومعاصيهم له ثم استثنا بقوله {إلا قليلاً} والمعنى انهم هلكوا جميعاً الا قليلاً ممن انجى الله منهم، وهم الذين آمنوا مع الرسل، ونجوا معهم من العذاب الذي نزل بقومهم. وقوله {واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين} معناه أنهم اتبعوا التلذذ والتنعم بالاموال والنعم التي أعطاهم الله اياها، وقضوا الشهوات وذلك من الحرام. وبين انهم كانوا بذلك مجرمين عاصين لله تعالى. وقال الفراء والزجاج: ان قوله {إلا قليلاً} استثناء منقطع، لأنه ايجاب لما تقدم فيه صيغة النفي وإنما تقدم تهجين لمخرج السؤال، ولو رفع لجاز في الكلام. ومعنى {أترفوا فيه} اي عوّدوا الترفة بالتنعيم واللذة، وذلك ان الترفة عادة النعمة قال الشاعر: شعر : يهدي رؤس المترفين الصداد الى أمير المؤمنين الممتاد تفسير : اي المسؤل، وأبطر بهم النعمة حتى طغوا وبغوا، وفي الآية دلالة على وجوب النهي عن المنكر، لأنه تعالى ذمهم بترك النهي عن الفساد، وانه نجا القليل بنهيهم عنه، فلو نهى الكثير كما نهى القليل لما اهلكوا، ومعنى {أولوا بقية} اصحاب جماعة تبقى من نسلهم، والبقية ممدوحة يقال في فلان بقية أي فيه فضل وخير، كأنه قيل بقية خير من الخير الماضي.

الجنابذي

تفسير : {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ} بعد ما نهى عن الطّغيان وذكر مسيس النّار بالرّكون الى الظّالم وانّ الصّلاة حسنة وانّ الحسنات يذهبن السّيّئات وامر بالصّبر على الطّاعات واذى القوم واشار الى الامر بالاحسان، وبّخهم على ترك النّهى عن الطّغيان والرّكون وعلى عدم الصّبر على الاذى والطّاعات مشعراً بتسبّبه عمّا قبله باتيان الفاء، اى اذا كان الامر هكذا فانتم موبّخون على ترك النّهى عن هذا الامر العظيم الّذى يدخل بسببه عباد الله النّار، والمراد بالبقيّة هو بقيّة الله وقد مضى فى تفسير بقيّة الله انّ العقل وجنوده رسول الله الى العالم الصّغير وبعد استيلاء الشّيطان على مملكة هذا العالم فان بقى من العقل وجنوده شيءٌ كان الانسان ذا بقيّة من جنود الله والاّ فلا {يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ} ارض العالم الصّغير وارض العالم الكبير {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} استثناء متّصل من اولوا بقيّة باعتبار النّفى المستفاد من اداة التّخصيص اى ما كان من القرون اولوا بقيّة من رسول الله الباطنىّ او الظّاهرىّ الاّ قليلاً هم من انجينا او بعض ممّن انجينا او ناشئاً ممّن انجينا ومتولّداً منهم، ومنهم ظرف لغواى انجينا من بينهم حين هلاكهم او انجيناهم من شرّ تلك القرون او ظرف مستقرّ اى ممّن انجينا حال كونهم بعضاً من القرون او متولّداً منهم {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ} عطف للحاظ المعنى كأنّه قال: فنهى اولو البقيّة واتّبع الّذين ظلموا ما اترفوا فيه وتركوا النّهى طلباً للرّاحة وخوفاً من اذى القوم وزوال النّعمة والآية توبيخ لاهل عصر الرّسول (ص) وبيان لذمائمهم {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} تمرّنوا عليه وصار الاجرام سجيّةً لهم.

فرات الكوفي

تفسير : {فَلَوْلا كان مِنَ القُرون مِنْ قَبْلِكُم أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنهَوْن عَنِ الفَسَادِ في الأرض} قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي [رحمة الله عليه. ر] معنعناً: عن زيد بن علي [عليهما السلام. ما] في قوله تعالى: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض} إلى آخر الآية قال: يخرج الطائفة [ب: طائفة] منا ومثلنا ممن كان قبلنا من القرون فمنهم من يقتل ويبقى منهم بقية ليحيون ذلك الأمر يوماً. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري [قال: حدثنا عباد عن الحسين بن حماد عن أبيه عن زياد المديني]: عن زيد بن علي [عليهما السلام. ش، ما] في قوله: {فلولا كان من القرون من قبلكم} قال: نزلت هذه فينا. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن زيد بن علي [عليه السلام. ما] في قوله [تعالى. ما]: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض} قال: نزلت فينا وفيمن كان قبلنا ليحيي الله هذه الأرض.

اطفيش

تفسير : {فلَوْلا} أى هذا وهى للتوبيخ التنديم، ويجوز أن تكون للتحضيض تنزيلا للماضين منزلة الحاضرين، وأن تكون للتحضيض باعتبار المخاطبين، ولو كان اللفظ متوجها للماضين {كانَ مِنَ القُرونِ} الأمم. {مِنْ قَبْلكُم} كقوم نوح، وعاد، وثمود، حال من القرون {أولُوا بقيَّةٍ} أى أصحاب دين وفضل وعقل ورأى، وسمى الخير بقية لأنه يستبقى الإنسان ما هو أفضل ما يخرجه وأجوده، يقال: فلان بقية القوم، أى خيارهم، وقيل: المعنى بقية من خير، وقيل: إن الشرائع والدول قوتها فى أولها، ثم لا تزال تضعف ممن ثبت فى وقت الضعف، فهو بقية الصدر الأول، ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى البقوى، كالتقية بمعنى التقوى، أى أصحاب بقاء على أنفسهم، أى ترحم لها وصيانة من العذاب، ويؤيده أنه قرئ أولوا بقية بفتح الباء وإسكان القاف، وهى المرة من البقاء كضربة وجلسة، وهى المراقبة أى أولوا مراقبة وخشية من انتقام الله، يقال: بقاه يبقيه بقية إذا راقبه. {ينْهونَ عَن الفَسادِ} الكفر والمعاصى والظلم فى الأرض، والمراد انتفاء ذلك منهم، وفى الآية تنبيه على تغيير المنكر وحض إليه {إلاَّ قليلاً} استثناء منقطع لكن قليل {ممَّنْ} بيان للقليل لا تبعيض {أنْجَينا منْهُم} من العذاب الاستئصال، قد نهوا عن الفساد، ومن هذه للتبعيض، ويجوز أن تكون للابتداء على حذف مضاف، أى من عذابهم، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا باعتبار النفى اللازم من التحضيض أو التنديم، فإن التحضيض والتنديم إنما يكونان على ما لم يكن، كأنه قيل: ما كان من القرون أولوا بقية إلا قليلا، والقليل هم أتباع الأنبياء فى زمانهم بدليل: {ممن أنجينا منهم}. {واتَّبعَ الَّذينَ ظَلمُوا} بالفساد أو ترك النهى {ما أتْرِفُوا فيهِ} أى ما نعموا فيه من اللذات والشهوات، واهتموا بتحصيل أسباب ذلك، وأعرضوا عما وراء ذلك من أمر الدين والنهى، والعطف على محذوف، أى لم ينهوا واتبع الذين ظلموا، وقرأ أبو عمرو فى رواية الجعفى: وأتبع بضم الهمزة وتخفيف التاء وكسر الباء، أى أتبعهم الله جزاء ما أترفوا فيه، فتكون الواو للحال، ويجوز على قراءة الجمهور بوصل الهمزة وتشديد التاء وفتح الباء، أن تكون الواو للحال، والذين مفعول، وما فاعل، أى وقد تبعهم جزاء ما أترفوا فيه، ويقويه تقدم إنجاء الناهين، لأن تقدمه يناسب أن يبين هلاك من لم ينه. {وكانُوا مُجرِمينَ} كافرين عطف على المحذوف المعطوف عليه، اتبع الذين أو على اتبع الذين، أو معترض بين به سبب الإهلاك، وهو كثرة الظلم واتباع الشهوات، وترك المنهى عن المنكرات والكفر، فإن النهى والأمر ركنان من أركان الدين.

اطفيش

تفسير : {فَلَوْلاَ} تحضيض أَو توبيخ أَو نفى على ما يأْتى إِن شاءَ الله {كَانَ مِنَ الْقُرُونِ} الأُمم الماضية من للتبعيض {مِنْ قَبْلِكُمْ} من للابتداءِ تتعلق بمحذوف حال من القرون {أُولُو بَقِيَّة} أَصحاب دين وفضل أَو عقل ورأْى إِذ بهما يوصل إِلى قبول الشرع، وإِلى الاستنباط منه وذلك أَن الإِنسان يدخر أَفضل ما يجد ويحافظ عليه فيحضره إِذا احتاج إِليه، كما يقال فى الزوايا خبايا وفى الرجال بقايا، وبقية القوم خيارهم، والبقية بمعنى الصفة كناية عما أُطلق عليه أَنه خير وجيد من الخصال المرضية، ومن لوازم الخير أَن يصان ويستبقى وكأَنه قيل أُولو خصلة باقية، أَى من شأْنها أَن تبقى ولا تضيع وغلب عليه الاسمية فخرج إِلى معنى نفس الشىءِ الجيد ولو لم يستشعر معنى البقاءِ، ويجوز أَن يكون مصدرا أَى أُولو إِبقاءٍ على أَنفسهم أى نقص الشر عن أَنفسهم، وهو بمعنى الإِبقاءِ فهو اسم مصدر، يقال أَبقى عليه أَى راقبه وصرف الشر عنه أَو بعض الشر، ويدل لذلك قراءة بقية بفتح الباءِ وإِسكان القاف وتخفيف الياءِ وقراءة بقية بضم الباءِ وإسكان القاف والفعل بقاه يبقيه كرماه يرميه، وأَما ضد الفناءِ فبقى يبقى كرضى يرضى {يَنْهَوْن عَنِ الْفَسَادِ فِى الأَرْضِ} بالشرك والمعاصى،وصلاح الأَرض تركها وكأَن لا خبر لها فليس ينهونه خبرا لها بل حال من أُولو أَو نعت له وإِذا جعلنا لولا للتحضيض فقد اعتبرنا القرون كأَنهم موجودون فحض أَصحاب الرأى منهم على النهى وكان بمعنى يكون، وإِن جعلناها للتوبيخ فالماضى على ظاهره وتحضيض المفقود وتوبيخه كناية عن توبيخ الموجودين وتحضيضهم، والتحضيض على لشىءِ والتوبيخ يستلزمان أَنه منتف يطلب تحصيله أَو متروك يعاتب على تركه، فلذلك الانتفاءِ صح الاستثناءُ فى قوله {إِلاَ قَلِيلاً} وصح النصب فى التمام والنفى لجوازه فصيحا تقول ما قام القوم إِلا رجالا بالنصب، كما تقول بالرفع وقوى النصب عدم التصريح بالنفى، وقد قيل إِن لولا حرف نفى، وكأَنه قيل ما فيهم خيار ينهون إِلا قليلا {مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ} من الهلاك نهوا عن الفساد فنجوا، ومن هذه للبيان أى إِلا قليلا هم من أَنجينا كمن نجا مع هود ومع صالح ومع لوط بإيمانه أنجينا الذين ينهون عن السوءِ وأَخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس، ويجوز كون الاستثناءِ منقطعا فرجح النصب أَو تعين ولو مع السلب وأُجيز أَن تكون الآية من باب نفى اللزوم بانتفاءِ اللازم نحو ما كان أَغنياؤهم يواسون الناس تذمهم بأَنهم فقراءُ وبالغت بأَنه لو كان فيهم أَغنياءُ لم يواسو الناس {واتَّبَعَ} العطف على محذوف، أًى فلم ينهوا واتبع {الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ} جعلهم الله بخذلانه تابعين ما أَترفهم الله فيه. أَى ما وسع الله عليهم من النعم ولذذهم فيه فاشتغلوا بالتلذذ بها، وأَعرضوا عن دين الله واشتغلوا عن النهى عن الفساد بتوفيرها واكتسابها والمحافظة عليها لهواهم، ويجوز على بعد أَن يكون من أَترفته النعم إِذا أَطغته {وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} مذنبين ذنوبا عظاما من شرك وظلم وترك النهى عن الفساد مع علمهم بما هو فساد مما يدرك بالعقل، وهم مؤاخذون على ذلك، ولو لم يدركوا فكيف ما أَدركوا.

الالوسي

تفسير : {فَلَوْلاَ كَانَ} تحضيض فيه معنى التفجع مجازاً أي فهلا / كان {مّنَ ٱلْقُرُونِ} أي الأقوام المقترنة في زمان واحد {مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ} أي ذوو خصلة باقية من الرأي والعقل أو ذوو فضل على أن يكون ـ البقية ـ اسماً للفضل والهاء للنقل، وأطلق عليه ذلك على سبيل الاستعارة من البقية التي يصطفيها المرء لنفسه ويدخرها مما ينفعه، ومن هنا يقال: فلان من بقية القوم أي من خيارهم، وبذلك فسر بيت «الحماسة»:شعر : إن تذنبوا ثم يأتيني (بقيتكم) فما علي بذنب عندكم فوت تفسير : ومنه قولهم: في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا، وجوز أن تكون البقية بمعنى البقوى كالتقية بمعنى التقوى أي فهلا كان منهم ذوو إبقاء لأنفسهم وصيانة لها عما يوجب سخط الله تعالى وعقابه، والظاهر أنها على هذا مصدر، وقيل: اسم مصدر، ويؤيد المصدرية أنه قرىء {بَقِيَّةُ} بزنة المرة وهو مصدر بقاه يبقيه كرماه يرميه بمعنى انتظره وراقبه، وفي الحديث عن معاذ بن جبل قال: «بقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تأخر صلاة العشاء حتى ظن الظان أنه ليس بخارج» الخبر أراد معاذ انتظرناه، وأما الذي من البقاء ضد الفناء ففعله بقي يبقى كرضى يرضى، والمعنى على هذه القراءة فهلا كان منهم ذوو مراقبة لخشية الله تعالى وانتقامه، وقرىء {بقية} بتخفيف الياء اسم فاعل من بقي نحو شجيت فهي شجية. وقرأ أبو جعفر وشيبة {بقية} بضم الباء وسكون القاف. {يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ} الواقع فيما بينهم حسبما ذكر في قصصهم، وفسر الفساد في «البحر» بالكفر وما اقترن به من المعاصي {إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} استثناء منقطع أي ولكن قليلاً منهم أنجيناهم لكونهم كانوا ينهون، وقيل أي: ولكن قليلاً ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد وسائرهم تاركون للنهي، و {مِنْ} الأولى بيانية لا تبعيضية لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم بدليل قوله سبحانه: {أية : أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}تفسير : [الأعراف: 165] وإلى ذلك ذهب الزمخشري، ومنع اتصال الاستثناء على ما عليه ظاهر الكلام لاستلزامه فساد المعنى لأنه يكون تحضيضاً ـ لأولي البقية ـ على النهي عن الفساد إلا للقليل من الناجين منهم، ثم قال: ((وإن قلت: في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم فكأنه قيل: ما كان من القرون أولو بقية إلا قليلاً كان استثناءاً متصلاً ومعنى صحيحاً وكان انتصابه على أصل الاستثناء وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل))، والحاصل أن في الكلام اعتبارين: التحضيض والنفي، فإن اعتبر التحضيض لا يكون الاستثناء متصلاً لأن المتصل يسلب ما للمستثنى منه عن المستثنى أو يثبت له ما ليس له، والتحضيض معناه لم ما نهوا، ولا يجوز أن يقال: إلا قليلا فانهم لا يقال لهم: لم ما نهوا لفساد المعنى لأن القليل ناهون وإن اعتبر النفي كان متصلا لأنه يفيد أن القليل الناجين ناهون. وأورد على ذلك القطب أن صحة السلب أو الإثبات بحسب اللفظ لازم في الخبر وأما في الطلب فيكون بحسب المعنى فإنك إذا قلت: اضرب القوم إلا زيداً فليس المعنى على أنه ليس أضرب بل على أن القوم مأمور بضربهم إلا زيداً فإنه غير مأمور به فكذا هنا يجوز أن يقال: أولو بقية محضوضون على النهي إلا قليلاً فإنهم ليسوا محضوضين عليه لأنهم نهوا فالاستثناء متصل قطعاً كما ذهب إليه بعض السلف، وقد يدفع ما أورده بأن مقتضى الاستثناء أنهم غير محضوضين، وذلك إما لكونهم نهوا أو لكونهم لا يحضون عليه لعدم توقعه منهم، فإما أن يكون قد جعل احتمال الفساد إفساداً أو ادّعى أنه هو المفهوم من السياق. ثم إن المدقق «صاحب» الكشف قال: إن ظاهر تقرير / كلام الزمخشري يشعر بأن {يَنْهَوْنَ} خبر {كَانَ} جعل {مّنَ ٱلْقُرُونِ} خبراً آخر أو حالاً قدمت لأن تحضيض ـ أولي البقية ـ على النهي على ذلك التقدير حتى لو جعل صفة، و {مّنَ ٱلْقُرُونِ} خبراً كان المعنى تنديم أهل القرون على أن لم يكن فهم أولو بقية ناهون وإذا جعل خبراً لا يكون معنى الاستثناء ما كان من القرون أولو بقية إلا قليلا بل كان ما كان منهم أولو بقية ناهين إلا قليلاً فإنهم نهوا وهو فاسد، والانقطاع على ما أثره الزمخشري أيضاً يفسد لما يلزم منه أن يكون أولو بقية غير ناهين لأن في التحضيض والتنديم دلالة على نفيه عنهم، فالوجه أن يؤوّل بأن المقصد من ذكر الاسم الخبر وهو كالتمهيد له كأنه قيل: فلولا كان من القرون من قبلكم ناهون إلا قليلاً، وفي كلامه إشارة إلى أنه لا يختلف نفي الناهي، وأولو البقية، وإنما عدل إلى المنزل مبالغة لأن أصحاب فضلهم وبقاياهم إذا حضضوا على النهي وندموا على الترك فهم أولي بالتحضيض والتنديم، وفيه مع ذلك الدلالة على خلوهم عن الاسم لخلوهم عن الخبر لأن ذا البقية لا يكون إلا ناهياً فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم وهو من باب.شعر : ولا ترى الضب بها ينجحر تفسير : وقولك: ما كان شجعانهم يحمون عن الحقائق في معرض الذم تريد أن لا شجاع ولا حماية لكن بالغت في الذم حتى خيلت أنه لو كان لهم شجاع كان كالعدم فهذا هو الوجه الكريم والمطابق لبلاغة القرآن العظيم انتهى، وهو تحقيق دقيق أنيق. وادعى بعضهم أن الظاهر أن {كَانَ} تامة، و {أُوْلُو بَقِيَّةُ} فاعلها، وجملة {يَنْهَوْنَ} صفته، و{مّنَ ٱلْقُرُونِ} حال متقدمة عليه، و {مِنْ} تبعيضية، و {مِن قَبْلِكُمْ} حال من {ٱلْقُرُونِ}، ويجوز أن يكون صفة لها أي الكائنة بناءاً على رأي من جوز حذف الموصول مع بعض صلته، واعترض بأنه يلزم منه كون التحضيض على وجود أولئك فيهم وكذا يلزم كون المنفي ذلك وليس بذاك بل المدار على النهي تحضيضاً ونفياً، والتزام توجه الأمرين إليه لكون الصفة قيداً في الكلام؛ والاستعمال الشائع توجه نحو ما ذكر إلى القيد كما قيل زيادة نغمة في الطنبور من غير طرب، ومثله يعد من النصب. {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} وهم تاركو النهي عن الفساد. {مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ} ما أنعموا فيه من الثروة والعيش الهنيء والشهوات الدنيوية، وأصل الترف التوسع في النعمة. وعن الفراء معنى أترف عود الترفة وهي النعمة، وقيل: {أُتْرِفُواْ} أي طغوا من أترفته النعم إذا أطغته ـ ففي ـ إما سببية أو ظرفية مجازية، وتعقب بأن هذا المعنى خلاف المشهور وإن صح هنا؛ ومعنى اتباع ذلك الاهتمام به وترك غيره أي اهتموا بذلك {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} أي مرتكبي جرائم غير ذلك، أو كافرين متصفين بما هو أعظم الاجرام، ولكل من التفسيرين ذهب بعض، وحمل بعضهم {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} على ما يعم تاركي النهي عن الفساد والمباشرين له، ثم قال: وأنت خبير بأنه يلزم من التحضيض بالأولين عدم دخول مباشري الفساد في الظلم والإجرام عبارة، ولعل الأمر في ذلك هين فلا تغفل، والجملة عند أبـي حيان مستأنفة لخبار عن حال هؤلاء الذين ظلموا وبيان أنهم مع كونهم تاركي النهي عن الفساد كانوا ذوي جرائم غير ذلك. وجوز بعض المحققين أن تكون عطفاً على مقدر دل عليه الكلام أي لم ينهوا واتبع الخ. وقيل: التقدير إلا قليلاً ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد واتبع الذين الخ، وأن تكون استئنافاً يترتب على قوله سبحانه: {إِلاَّ قَلِيلاً} أي إلا قليلاً ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد واتبع الذين ظلموا من مباشري الفساد وتاركي النهي عنه، وجعل الإظهار على هذا مقتضى الظاهر، وعلى الأول لإدراج المباشرين مع التاركين / في الحكم والتسجيل عليهم بالظلم وللإشعار بعلية ذلك لما حاق بهم من العذاب. وفي «الكشاف» ما يقضي ظاهره بأن العطف على {نهوا} الواقع خبر لكن فيلزم أن يكون المعطوف خبراً أيضاً مع خلوه عن الرابط، وأجيب تارة بأنه في تأويل سائرهم أو مقابلوهم وأخرى بأن {نُهُوا} جملة مستأنفة استؤنفت بعد اعتبار الخبر فعطف عليها، وفي ذلك ما فيه، وقوله تعالى: {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} عطف على {ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ} الخ مع المغايرة بينهما، وجوز أن يكون العطف تفسيرياً على معنى: وكانوا مجرمين بذلك الاتباع، وفيه بعد، وأن يكون على {أُتْرِفُواْ} على معنى اتبعوا الإتراف وكونهم مجرمين لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام، أو أريد بالإجرام إغفالهم للشكر، وتعقبه صاحب «التقريب» بقوله: وفيه نظر لأن ما في {مَآ أُتْرِفُواْ} موصولة لا مصدرية لعود الضمير من {فِيهِ} إليه، فكيف يقدر {كَانُواْ} مصدراً إلا أن يقال: يرجع الضمير إلى الظلم بدلالة {ظَلَمُواْ} فتكون {مَا} مصدرية وأن تكون الجملة اعتراضاً بناءاً على أنه قد يكون في آخر الكلام عند أهل المعاني. وقرأ أبو جعفر والعلاء بن سيابة وأبو عمرو وفي رواية الجعفي {وَٱتَّبِعْ} بضم الهمزة المقطوعة وسكون التاء وكسر الباء على البناء للمفعول من الاتباع، قيل: ولا بد حينئذ من تقدير مضاف أي اتبعوا جزاء ما أترفوا و {مَا} إما مصدرية أو موصولة والواو للحال، وجعلها بعضهم للعطف على لم ينهوا المقدر، والمعنى على الأوّل إلا قليلاً نجيناهم وقد هلك سائرهم. وأما قوله سبحانه: {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} فقد قالوا: إنه لا يحسن جعله قيداً للإنجاء إلا من حيث أنه يجري مجرى العلة لإهلاك السائر فيكون اعتراضاً أو حالاً من {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} والحال الأول من مفعول {أَنجَيْنَا} المقدر وجوز أن يفسر بذلك القراءة المشهورة، وتقدم الإنجاء للناهين يناسب أن يبين هلاك الذين لم ينهوا، والواو للحال أيضاً في القول الشائع كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاءهم فهلكوا، وإذا فسرت المشهورة بذلك فقيل: فاعل {وَٱتَّبِعْ} {مَآ أُتْرِفُواْ} أو الكلام على القلب فتدبر.

ابن عاشور

تفسير : هذا قوي الاتّصال بقوله تعالى: {أية : وكذلك أخذ ربك}تفسير : [هود: 102] فيجوز أن يكون تفريعاً عليه ويكون ما بينهما اعتراضاً دعا إليه الانتقال الاستطرادي في معان متماسكة. والمعنى فهلاّ كان في تلك الأمم أصحاب بقية من خير فنهوا قومهم عن الفساد لما حلّ بهم ما حلّ. وذلك إرشاد إلى وجوب النهي عن المنكر. ويجوز أن يكون تفريعاً على قوله تعالى: {أية : فاستقم كما أمرت}تفسير : [هود: 112] والآية تفريع على الأمر بالاستقامة والنهي عن الطغيان وعن الركون إلى الذين ظلموا، إذ المعنى: ولا تكونوا كالأمم من قبلكم إذ عدموا من ينهاهم عن الفساد في الأرض وينهاهم عن تكذيب الرّسل فأسرفوا في غلوائهم حتى حلّ عليهم غضب الله إلاّ قليلاً منهم، فإن تركتم ما أمرتم به كان حالكم كحالهم، ولأجل هذا المعنى أتي بفاء التفريع لأنّه في موقع التفصيل والتعليل لجملة {أية : فاستقم كما أمرت}تفسير : [هود: 112] وما عطف عليها؛ كأنّه قيل: وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم فَلَوْلاَ كان منهم بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلى آخره، أي فاحذروا أن تكونوا كما كانوا فيصيبكم ما أصابهم، وكونوا مستقيمين ولا تَطغوا ولا تركنوا إلى الظّالمين وأقيموا الصلاة، فغُيّرَ نظمُ الكلام إلى هذا الأسلوب الذي في الآية لتفنن فوائده ودقائقه واستقلال أغراضه مع كونها آيلة إلى غرض يعمّمها. وهذا من أبدع أساليب الإعجاز الذي هو كردّ العجز على الصدر من غير تكلّف ولا ظهور قصد. ويقرب من هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وَمَا أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم فإنّما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم»تفسير : . و(لولا) حرف تحضيض بمعنى (هلاّ). وتحضيض الفائت لا يقصد منه إلاّ تحذير غيره من أن يقع فيما وقعوا فيه والعبرة بما أصابهم. والقرون: الأمم. وتَقَدّم في أوّل الأنعام. والبقية: الفضل والخير. وأطلق على الفضل البقية كناية غلبت فسارت مسرى الأمثال لأنّ شأن الشيء النفيس أنّ صاحبه لا يفرط فيه. وبقيّة الناس: سادتهم وأهل الفضل منهم، قال رويشد بن كثير الطائي:شعر : إنْ تذنبوا ثم تأتيني بقيّتكم فَمَا عليّ بذنب منكم فوت تفسير : ومن أمثالهم «في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا». فمن هنالك أطلقت على الفضل والخير في صفات الناس فيقال: في فلان بقية، والمعنى هنا: أولُو فضل ودين وعلم بالشريعة، فليس المراد الرّسل ولكن أريد أتباع الرسل وحملة الشرائع ينهون قومهم عن الفساد في الأرض. والفساد: المعاصي واختلاف الأحوال، فنهيهم يردعهم عن الاستهتار في المعاصي فتصلح أحوالهم فلا يحق عليهم الوهن والانحلال كما حلّ ببني إسرائيل حين عدموا من ينهاهم. وفي هذا تنويه بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فإنّهم أولُو بقيّة من قريش يدعونهم إلى الإيمان حتى آمن كلّهم، وأولُو بقية بين غيرهم من الأمم الذين اختلطوا بهم يدعونهم إلى الإيمان والاستقامة بعد الدخول فيه ويعلّمون الدين، كما قال تعالى فيهم: {أية : كنتم خيرَ أمّةٍ أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}تفسير : [آل عمران: 110]. وفي قوله: {من القرون من قبلكم} إشارة إلى البشارة بأنّ المسلمين لا يكونون كذلك ممّا يومىء إليه قوله تعالى: {مِن قبلكم}. وقرأ ابن جمّاز عن أبي جعفر «بِقْية» ـ بكسر الباء ـ الموحّدة وسكون القاف وتخفيف التّحتية ـ فهي لغة ولم يذكرها أصحاب كتب اللغة ولعلّها أجريت مجرى الهيئة لما فيها من تخيّل السمت والوقار. و{إلاّ قليلاً} استثناء منقطع من {أولُوا بقيّة} وهو يستتبع الاستثناء من القرون إذ القرون الذين فيهم {أولوا بقيّة} ليسوا داخلين في حكم القرون المذكورة من قبل، وهو في معنى الاستدراك لأنّ معنى التحْضيض متوجّه إلى القرون الذين لم يكن فيهم أولو بقية فهم الذين يُنعى عليهم فقدان ذلك الصنف منهم. وهؤلاء القرون ليس منهم من يستثنى إذ كلهم غير ناجين من عواقب الفساد، ولكن لمّا كان معنى التحضيض قد يوهم أنّ جميع القرون التي كانت قبل المسلمين قد عدموا أولي بقية مع أن بعض القرون فيهم أولو بقيّة كان الموقع للاستدراك لرفع هذا الإيهام، فصار المستثنى غيرَ داخل في المذكور من قبل، فلذلك كان منقطعاً، وعلامة انقطاعه انتصابه لأنّ نصب المستثنى بعد النفي إذا كان المستثنى منه غير منصوب أمارة على اعتبار الانقطاع إذ هو الأفصح. وهل يجيء أفصح كلام إلاّ على أفصح إعْراب، ولو كان معتبراً اتّصاله لجاء مرفوعاً على البدلية من المذكور قبله. و(مِن) في قوله: {ممن أنجينا} بيانيّة، بيان للقليل لأنّ الذين أنجاهم الله من القرون هم القليل الذين ينهون عن الفساد، وهم أتباع الرسل. وفي البيان إشارة إلى أنّ نهيهم عن الفساد هو سبب إنجاء تلك القرون لأنّ النهي سبب السبب إذ النهي يسبّب الإقلاع عن المعاصي الذي هو سبب النجاة. ودلّ قوله: {ممّن أنجينا منهم} على أن في الكلام إيجازَ حذفٍ تقديره: فكانوا يتوبون ويقلعون عن الفساد في الأرض فينجون من مسّ النار الذي لا دافع له عنهم. وجملة {واتّبع الذين ظلموا} معطوفة على ما أفاده الاستثناء من وجود قليل ينهون عن الفساد، فهو تصريح بمفهوم الاستثناء وتبيين لإجماله. والمعنى: وأكثرهم لم ينهوا عن الفساد ولم ينتهوا هم ولا قومهم واتّبعوا ما أترفوا فيه كقوله تعالى: {أية : فسجدوا إلاّ إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين}تفسير : [البقرة: 34] تفصيلاً لمفهوم الاستثناء. وفي الآية عبرة وموعظة للعصاة من المسلمين لأنّهم لا يخلون من ظلم أنفسهم. واتباعُ ما أترفوا فيه هو الانقطاع له والإقبال عليه إقبال المتّبِع على متبوعه. وأترفوا: أعطوا التّرف، وهو السعة والنعيم الذي سهّله الله لهم فالله هو الذي أترفهم فلم يشكروه. و{كانوا مجرمين} أي في اتّباع الترف فلم يكونوا شاكرين، وذلك يحقّق معنى الاتّباع لأنّ الأخذ بالترف مع الشكر لا يطلق عليه أنه اتّباع بل هو تمحّض وانقطاع دون شوبه بغيره. وفي الكلام إيجاز حذف آخر، والتقدير: فحقّ عليهم هلاك المجرمين، وبذلك تهيّأ المقام لقوله بعده: {أية : وما كان ربك ليهلك الْقُرى بظلم}تفسير : [هود: 117].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فلولا: لولا كلمة تفيد الحض على الفعل والحث عليه. من القرون: أي أهل القرون والقرن مائة سنة. أولو بقية: أي أصحاب بقيّة أي دين وفضل. ما أترفوا فيه: أي ما نعموا فيه من طعام وشراب ولباس ومتع. وكانوا مجرمين: أي لأنفسهم بارتكاب المعاصي ولغيرهم بحملهم على ذلك. بظلم: أي منه لها بدون ما ذنب اقترفته. أمة واحدة: أي على دين واحد وهو الإِسلام. ولذلك خلقهم: أي خلق أهل الاختلاف للاختلاف وأهل الرحمة للرحمة. معنى الآيات: يقول تعالى لرسوله {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ} من قبلكم أيها الرسول والمؤمنون {أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ} من فهم وعقل وفضل ودين ينهون عن الشرك والتكذيب والمعاصي أي فهلاّ كان ذلك إنه لم يكن اللهم إلا قليلا ممن أنجى الله تعالى من اتباع الرسل عند إهلاك أممهم وقوله تعالى {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} أي لم يكن بينهم أولو بقيّة ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجى الله وما عداهم كانوا ظالمين لأنفسهم بالشرك والمعاصي متبعين ما اترفوا فيه من ملاذ الحياة الدنيا وبذلك كانوا مجرمين فأهلكهم الله تعالى ونجى رسله والمؤمنين كما تقدم ذكره في قصة نوح وهود وصالح وشعيب عليهم السلام. وقوله تعالى {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} أي لم يكن من شأن ربّك أيها الرسول أن يهلك القرى بظلم منه وأهلها مصلحون، ولكن يهلكهم بسبب ظلمهم لأنفسهم بالشرك والتكذيب والمعاصي. وما تضمنته هذه الآية هو بيان لسنة الله تعالى في إهلاك الأمم السابقة ممن قص تعالى أنباءهم في هذه السورة. وقوله تعالى{وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي على الإِسلام بأن خلق الهداية في قلوبهم وصرف عنهم الموانع، ولما لم يشأ ذلك لا يزالون مختلفين على أديان شتى من يهودية ونصرانية ومجوسية وأهل الدين الواحد يختلفون إلى طوائف ومذاهب مختلفة وقوله {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} أيها الرسول فإنهم لا يختلفون بل يؤمنون بالله ورسوله ويعملون بطاعتهما فلا فرقة ولا خلاف بينهم دينهم واحد وأمرهم واحد. وقوله {وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} أي وعلى ذلك خلقهم فمنهم كافر ومنهم مؤمن، والكافر شقي والمؤمن سعيد، وقوله {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ} أي حقت ووجبت وهي {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} ولذا كان اختلاقهم مُهيّئاً لهم لدخول جهنم حيث قضى الله تعالى بامتلاء جهنم من الجن والإِنس أجمعين فهو أمر لابد كائن. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- ما يزال الناس بخير ما وجد بينهم أولو الفضل والخير يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن الفساد والشر. 2- الترف كثيرا ما يقود إلى الإجرام على النفس باتباع الشهوات وترك الصالحات. 3- متى كان أهل القرى صالحين فهم آمنون من كل المخاوف. 4- الاتفاق رحمة والخلاف عذاب.

القطان

تفسير : فلولا: فهلا القرون: جمع قرن، الجيل من الناس وشاع تقديره بمائة سنة. اولو بقية: ما يبقى من اهل الصلاح والعقل. ما اترفوا فيه: ما تنعموا فيه من ملذات الدنيا فافسدتهم وابطرتهم. وتمت كلمة ربك: قضاؤه وأمره. {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ}. فهلاَّ وجد هناك من أهل القرون التي كانت قبلكم جماعةٌ اصحابُ شيء من العقل او الرأي والصلاح ينهون قومهم عن الفساد في الأرض. {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ}. ولكن كان هناك نفَر قليل من المؤمنين لم يُسمع لهم رأي ولا توجيه، فأنجاهم الله مع رسلهم. أما الظالمون المعانِدون فقد تمسّكوا بما رزقناهم من أسباب الترف والنعيم فبطِروا واستكبروا وصدّوا عن سبيل الله، وكانوا بذلك مجرمين. ثم بين الله تعالى ما يحول بين الأمم وإهلاكها فقال: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}. ما كان من سنة الله، ولا من عدله في خَلقه، ان يظلم أمةً من الأمم فيهلكها وهي متمسكة بالحق، ملتزمة الفاضئل. وهذا هو العدل من احكم الحاكمين. {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}. لو شاء ربك ايها النبيّ لجعلَ الناس على دينٍ واحد، مطيعين الله بطبيعة خلْقتهم، كالملائكة، ولكان العالَم غير هذا العالم، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك، بل خلقهم مختارين كاسِين، وجعلهم متفاوتين في الاستعداد وكسب العلم، وهم لا يزالون مختلفين في كل شيء حتى في اصول العقائد، تبعا لميولهم وشهواتهم وتفكيرهم. {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ}. لا يزالون مختلفين في شئونهم الدنيوية والدينية، الا من رحم الله منهم لسلامة فِطَرهم، فانهم اتفقوا على حكم الله فيهم، فآمنوا بجميع رسله وكتبه واليوم الآخر. ولهذه المشيئة التي اقتضتها حكمته تعالى في نظام هذا الكون، خلَقهم مستعدّين لهذا الاختلاف ليرتب على ذلك استحقاق الثواب والعقاب. {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}. ولقد سبق في قضائه وقدَره وحكمته النافذة، أن يملأ جهنم من اتباع ابليس من الجن والناس من الذين ظلموا ولا يهتدون.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُوْلُواْ} (116) - لَقَدْ كَانَ مِنَ الوَاجِبِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الأُمَمِ السَّابِقَةِ التِي أَهْلَكَهَا اللهُ بِظُلْمِهَا، جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أُولُو عَقْلٍ، وَرَأيٍ، وَصَلاحٍ، يَنْهَوْنَ المُفْسِدِينَ عَنِ الإِفْسَادِ فِي الأَرْضِ، وَيَأخُذُونَ عَلَى أَيْدِيهِمْ لِكَيْلاَ يَنْزِلَ بِهِمْ عَذَابُ اللهِ، لأَنَّ مِنْ سُنَّةِ اللهِ أَنْ لاَ يُهْلِكَ قَوْماً إِلاّ إِذَا عَمَّ الفَسَادُ وَالظُّلْمُ أَكْثَرَهُمْ. وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ هؤُلاءِ الأَقْوَامِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ قِلَّةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ أَكْثَرُهُمْ مِنَ الضُّعَفَاءِ الذِينَ لاَ يُؤْخَذُ بِرَأْيهِمْ، وَلاَ تُسْمَعُ كَلِمَتُهُمْ، وَلا يُقْبَلُ أَمْرُهُمْ وَنَهْيُهُمْ. أَمَّا الأَكْثَرُونَ فَكَانُوا مِنَ الظَّالِمِينَ المُسْتَكْبِرِينَ المُعَانِدِينَ، فَأَصَرُّوا عَلَى ظُلْمِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، وَاتَّبَعُوا حَيَاةَ التَّرَفِ وَالفَسَادِ، فَحَالَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الانْتِفَاعِ بِدَعْوَةِ الحَقِّ، فَبَطِرُوا وَاسْتَكْبَرُوا، وَصَدُّوا عَنْ سَبيلِ اللهِ، وَقَدْ أَغْرَقُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الجَرَائِمِ التِي وَلَّدَهَا النَّعِيمُ وَالتَّرَفُ، وَاسْتَسْلَمُوا لَهَا، وَلِذَلِكَ رَجَّحُوا مَا أَتَوا بِهِ عَلى اتِّبَاعِ الرُّسُلِ وَطَاعَةِ اللهِ فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ، وَتِلْكَ سُنَّةُ اللهِ فِي خَلْقِهِ. القُرُونِ - الأُمَمِ. أُوْلُو بَقِيَّةٍ - أَصْحَابُ فَضْلٍ وَخَيْرٍ. مَا أُتْرِفُوا فِيهِ - مَا أُنْعِمُوا فِيهِ مِنَ الخَصْبِ وَالسَّعَةِ.

الثعلبي

تفسير : {فَلَوْلاَ كَانَ} فهلاّ كان {مِنَ ٱلْقُرُونِ} التي أهلكناهم {مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ} أصحاب دين وعقل {يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ} ومعناه: فلم يكن، لأن في الاستفهام ضرباً من الجحد {إِلاَّ قَلِيلاً} استثناء منقطع {مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} وهم أتباع الأنبياء وأهل الحق. {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ} قال ابن عباس: ما أُنظروا فيه، وروي عنه: أُبطروا. الضحّاك: اعتلّوا، مقاتل بن سليمان: أُعطوا، ابن حيان: خوّلوا، مجاهد: تجبّروا في الملك وعتوا عن أمر الله، الفرّاء: ما سوّدوا من النعيم واللذات وإيثار الدنيا على الآخرة {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} كافرين {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ} [بظلم منه لهم] {وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} في أعمالهم غير مسيئين، لكنه يهلكها بكفرهم وإتيانهم السيئات، وقيل: معناه لم يكن ليهلكهم بشركهم وأهلها مصلحون فيما بينهم لا يتظالمون، ويتعاطون الحق بينهم وإن كانوا مشركين، وإنّما يهلكهم إذا ظلموا. {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ} كلّهم {أُمَّةً} جماعة {وَاحِدَةً} على ملّة واحدة {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} على أديان شتى من يهودي ونصراني ومجوسي ونحو ذلك {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} ويعني بهم المؤمنون وأهل الحق. {وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} قال الحسن ومقاتل بن حيان ويمان وعطاء: وللاختلاف خلقهم، قال الأشهب: سألت مالكاً عن هذه الآية فقال: لقهم ليكون فريق في الجنة، وفريق في السعير، وقيل: اللام بمعنى على، أي وعلى ذلك خلقهم، كقول الرجل للرجل: أكرمتك على برّك بي ولبرّك بي، ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة: وللرحمة خلقهم ولم يقل: ولتلك، والرحمة مؤنّثة لأنها مصدر وقد مضت هذه المسألة،وهذا باب سائغ في اللغة [وهو أن يُذكر] لفظان متضادان ثم يشار إليهما بلفظ التوحيد فمن ذلك قوله تعالى {أية : لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ}تفسير : [البقرة: 68] ثم قال: {أية : عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ}تفسير : [البقرة: 68]، وقوله {أية : وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً}تفسير : [الإسراء: 110] وقوله: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ}تفسير : [يونس: 58] فكذلك معنى الآية، ولذلك أي وللاختلاف والرحمة خلقهم أحسن خلق، هؤلاء لجنّته، وهؤلاء لناره. {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ * وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} قال ابن عباس: نسدد، الضحاك: نقوّي، ابن جريج: نصبّر حتى لا تجزع، أهل المعاني: ما نثبّت به قلبك. {وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ} قال الحسن وقتادة: في هذه الدنيا، وقال غيرهما: في هذه السورة،{وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَٱنْتَظِرُوۤاْ} ما يحلّ بنا من رحمة الله {إِنَّا مُنتَظِرُونَ} ما يحل بكم من النقمة. {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قال ابن عباس: خزائن الله، الضحّاك: جميع ما غاب عن العباد، وقال الباقون: غيب نزول العذاب من السماء {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ} في المعاد حتى لا يكون للخلق أمر، وقرأ نافع وحفص بضم الياء أي يُرجع {فَٱعْبُدْهُ} وحده {وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} توثّق به {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} قال كعب: خاتمة التوراة خاتمة هود والله أعلم. يعملون قراءة العامة بالياء، وقرأ أهل المدينة والشام وحفص بالتاء.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكلمة "لولا" هنا تحضيضية، والتحضيض إنما يكون حثاً لفعلٍ لم يأت زمنه، فإن كان الزمن قد انتهى ولا يمكن استدراك الفعل فيه، تكون "لولا" للتحسر والتأسف. وفي سورة يونس يقول الحق سبحانه: {أية : فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ ..}تفسير : [يونس: 98]. وذكَّرهم بالآيات. ونحن قد علمنا أن "لولا" لها استعمالان في اللغة، فهي إن دخلت على جملة اسمية، فهي تدل على امتناع لوجود، كقول إنسان لآخر: "لولا أن أباك فلاناً لضربتك على ما أذنبت" وتسمى "لولا" في هذه الحالة "حرف امتناع لوجود". وإذا دخلت "لولا" على جملة فعلية، فهي أداة تحضيض، وتحميس، وحث المخاطب على أن يفعل شيئاً، مثلما تشجِّع طالباً على المذاكرة، فتقول له: "لولا ذاكرت بجد واجتهاد في العام الماضي لما نجحت ووصلت إلى هذه السنة الدراسية". وفي هذا تحميس له على بذل مزيد من الجهد، أما إذا قلت لراسب: "لولا ذاكرت لما رسبت" فهذا توبيخ وتأسيف له على ما فات، وشحن طاقته لما هو آت؛ لأن الزمن قد فات وانتهى وقت المذاكرة؛ لذلك تكون "لولا" - هنا - للتقريع والتوبيخ. والحق سبحانه وتعالى يرشدنا إلى أن بقية الأشياء هي التي ثبتت أمام أحداث الزمن، فأحداث الزمن تأتي لتطوح بالشيء التافه أولاً، ثم بما دونه ثم بما دونه، ويبقى الشيء القوي؛ لأنه ثابت على أحداث الزمن؛ وبقية الأشياء دائماً خيرها. والحق سبحانه قد بيَّن لنا أنه قد أهلك الأمم التي سبقت؛ لأنه لم توجد فئة منهم تنهى عن الفساد في الأرض، وجاء الإهلاك لامتناع من يقاوم الفساد بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وضرب الحق سبحانه لنا المثل بالبقية في كل شيء، وأنها هي التي تبقى أمام الأحداث، ففي قصة شعيب عليه السلام يقول الحق سبحانه: {أية : يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ * وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّةُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ..}تفسير : [هود: 84-86]. ومعنى ذلك أن نقص المكيال أو الميزان قد يزيد التاجر ما عنده، ولكنه لا يلتفت إلى ما هو مدخور. ولذلك قال شعيب عليه السلام: {أية : وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ..}تفسير : [هود: 85]. فأنت إن نظرت إلى شيء قد ذهب، فامتلك القدرة على أن تحقق فيه بالفهم، لتجده مدخراً لك باقياً. ولنا المثل في موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - حينما سألها عن شاة أُهديت له، وكانت تعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب من الشاة كتفها، فتصدقت بكل الشاة إلا جزءاً من كتفها، فلمَّا سألها: ما فعلت بالشاة قالت: ذهبت كلها إلا كتفها. هكذا نظرت عائشة - رضي الله عنها - هذا المنظور الواقعي؛ بأن الباقي من الشاة هو كتفها فقط، وأنها تصدقت بباقي الشاة، ويلفتها رسول الله صلى الله عليه وسلم لفتة إيمان ويقين، ويقول لها: "بقي كلها إلا كتفها". هكذا نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما بقي من الشاة من خير. ويؤيد ذلك حديث قاله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وهل لك يابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت ". تفسير : ويلفتنا القرآن الكريم إلى المنظور، وإلى المدخور، فيقول الحق سبحانه: {أية : ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً ..}تفسير : [الكهف: 46]. ويصف الحق سبحانه هذا المدخور بقوله: {أية : .. ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً}تفسير : [الكهف: 46]. وفي آية أخرى يقول سبحانه: {أية : .. وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً}تفسير : [مريم: 76]. إذن: لا بد أن تنظر إلى الباقيات في الأشياء؛ لأنها هي التي يُعوَّل عليها. ويلفتنا الحق سبحانه إلى ذلك في أكثر من موضع من القرآن الكريم، فيقول تعالى: {أية : وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}تفسير : [الأعلى: 17]. ويقول سبحانه: {أية : وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ..}تفسير : [القصص: 60]. إذن: فإياك أن تنظر إلى الذاهب، ولكن انظر إلى الباقي. وإذا عضَّتِ الإنسان الأحداث في أي شيء، نجد أن سطحي الإيمان يفزع مما ذهب، ونجد راسخ الإيمان شاكراً لله تعالى على ما بقي. وها هو ذا سيدنا عبد الله بن جعفر - رضي الله عنه - حينما جُرحت ساقه جرحاً شديداً، وهو في الطريق إلى الشام، ولحظة أن وصل إلى قصر الخلافة قال الأطباء: لا بد من التخدير لنقطع الساق المريضة، فقال: والله ما أحب أن أغفل عن ربي طرفة عين. وكان هذا القول يعني أن تجرى له جراحة بتر الساق دون مخدر، فلمَّا قُطعت الساق، وأرادوا أن يأخذوها ليدفنوها؛ لتسبقه إلى الجنة إن شاء الله؛ قال: ابعثوا بها، فجاءوا بها إليه، فأمسكها بيده وقال: اللهم إن كنت قد ابتليت في عضو؛ فقد عافيت في أعضاء. هكذا نظر المؤمن إلى ما بقي. وحين يتكلم القرآن الكريم عن مراتب ومراقي الإيمان يقول مرة: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ ..}تفسير : [غافر: 40]. ويقول عن أناس آخرين: {أية : أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ ..}تفسير : [البقرة: 157]. والجنة باقية بإبقاء الله لها، ولكن رحمة الله باقية ببقاء الله، وهكذا تكون درجة الرحمة أرقى من درجة الجنة. وهكذا تجد في كل أمر ما يسمى بالباقيات. وهنا يقول الحق سبحانه: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ..} [هود: 116]. أي: لولا أن كان في الناس بقية من الخير وبقية من الإيمان، وبقية من اليقين، وكانوا ينهون عن الفساد في الأرض، لولا هم لخسف الله الأرض بمن عليها. والبقايا في كل الأشياء هي نتيجة الاختيار، والاختبار؛ مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ..}تفسير : [الرعد: 17]. وفي العصر الحديث نقول: "البقاء للأصلح". إذن: فالحق سبحانه إنما يحفظ الحياة بهؤلاء الذين ينهون عن الفساد في الأرض؛ لأنهم يعملون على ضوء منهج الله، وهذا المنهج لا يزيد ملكاً لله، ولا يزيد صفة من صفات الكمال لله، لأنه سبحانه خلق الكون بكل صفات الكمال فيه، ومنهجه سبحانه إنما يُصلح حركة الحياة، وحركة الأحياء. وهكذا يعود منهج السماء بالخير على مخلوقات الله، لا على الله الذي كوَّن الكون بكماله. واقرأ إن شئت قول الحق سبحانه: {أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ}تفسير : [الرحمن: 7-8]. فكما رفع الحق سبحانه السماء بلا عمد، وجعل الأمور مستقرة متوازنة؛ فلكم أن تعدلوا في الكون في الأمور الاختيارية بميزان دقيق؛ لأن اعوجاج الميزان إنما يفسد حركة الحياة. ومن اعوجاج الميزان أن يأخذ العاطل خير الكادح، ويرى الناس العاطل، وهو يحيا في ترفٍ من سرقة خير الكادح، فيفعلون مثله، فيصير الأمر إلى انتشار الفساد. وينزوي أصحاب المواهب، فلا يعمل الواحد منهم أكثر من قدر حاجته؛ لأن ثمرة عمله إن زادت فهي غير مصونة بالعدالة. وهكذا تفسد حركة الحياة، وتختل الموازين، وتتخلف المجتمعات عن ركب الحياة. والحق سبحانه وتعالى يقول: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ ..} [هود: 116]. وشاء الحق سبحانه أن يجعل أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم بشرط أن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر. قال الله تعالى: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ..}تفسير : [آل عمران: 110]. وجعلها الحق سبحانه الأمة الخاتمة، لأنه لا رسالة بعد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كانت الرسالات قبلها تأتي بعد أن يتقلص الخير في المجتمعات، وفي النفوس. فقد وضع الحق سبحانه المنهج لأول الخلق في النفس الإنسانية، وكانت المناعة ذاتية في الإنسان، إن ارتكب ذنباً فهو يتوب ويرجع بعد أن يلوم نفسه، ولكن قد يستقر أمره على المعصية، وتختفي منه "النفس اللوَّامة"، ويستسلم للنفس الأمَّارة بالسوء، فيجد من المجتمع من يقوِّمه، فإذا ما فسد المجتمع، فالسماء تتدخل بإرسال الرسل، إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد أمَّنها الحق سبحانه أنه سيظل فيها إلى أن تقوم الساعة من يدعو إلى الخير، ومن يأمر بالمعروف، ومن ينهى عن المنكر؛ ولذلك لن يوجد أنبياء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم تأكيداً لهذا المعنى: "حديث : علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ". تفسير : والعَالِم: هو كل من يعلم حكماً من أحكام الله سبحانه، وعليه أن يبلغه إلى الناس. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : نضَّر الله وجه امرىءٍ سمع مقالتي فوعاها، وأدَّاها إلى من لم يسمعها، فرُبَّ مُبلَّغ أوعى من سامع ". تفسير : ويقول الحق سبحانه: {.. أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} [هود: 116]. وقد أنجى الحق سبحانه بعضاً ممن نهوا عن الفساد في الأرض. ونرى أمثلة على ذلك في القرية التي كانت حاضرة البحر، وكانت تأتيهم حيتانهم شُرعاً يوم السبت الذي حرموا فيه الصيد على أنفسهم، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم. ويقول الحق سبحانه: {أية : وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ}تفسير : [الأعراف: 164-165]. هكذا أنجى الله سبحانه الذي نهوا عن السوء في تلك القرية، وقد نرى في بعض المجتمعات عنصرين: الأول: أنه لا يوجد طائفة تنهى عن الفساد. والعنصر الثاني: أن ينفتح على المجتمع باب الترف على مصراعيه، وفي انفتاح باب الترف على مصراعيه مذلَّة للبشر؛ لأنك قد تجد إنساناً لا تترفه إمكاناته؛ فيزيد هذه الإمكانات بالرشوة والسرقة والغصب. وكل ذلك إنما ينشأ لأن الإنسان يرى مترفين يتنعمون بنعيم لا تؤهله إمكاناته أن يتنعم به. ويقول الحق سبحانه وتعالى عن إهلاك مثل هذه المجتمعات: {أية : وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا ..}تفسير : [الإسراء: 16]. وبعض الناس يفهمون هذه الآية الكريمة على غير وجهها؛ فهم يفهمون الفسق على أنه نتيجة لأمر من الله - سبحانه وتعالى - والحقيقة أنهم إنما قد خالفوا أمر الله؛ لأن الحق سبحانه يقول: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ..}تفسير : [البينة: 5]. أي: أن الحق سبحانه أمر المترفين أن يتبعوا منهج الله، لكنهم خالفوا المنهج الإلهي مختارين؛ ففسقوا عن أمر ربهم. وفي الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ ..} [هود: 116]. وقوله سبحانه: (ظلموا) تبين أن مادة الترف التي عاشوا فيها جاءت من الظلم، وأخذ حقوق الناس وامتصاص دماء الكادحين. ومادة (ترف) تعني النعمة يتنعم بها الإنسان. ومنها: أَترف، وأُترف، وكلمة "أترف" أي: أطغته النعمة، وأنسته المنعم سبحانه. وأترف، أي: مد الله له في النعمة ليأخذه أخذ عزيز مقتدر. والحق سبحانه يقول: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ..}تفسير : [الأنعام: 44]. فمن يمسك عدوه ليرفعه؛ فلا يظنن أنه يدلِّله، ولكنه يرفعه ليلقيه من علٍ، فيزداد ويعظم ألمه. وكان الله سبحانه قد أعطى أمثال هؤلاء نعمة؛ ليطغوا. ولنا أن ننتبه إلى كلمة "الفتح" التي تجعل النفس منشرحة، وعلينا أن ننتبه إلى المتعلق بها، أهو فتح عليك، أم فتح لك؟ إن فُتح عليك؛ فافهم أن النعمة جاءت لتطغيك، ولكن إن فُتح لك، فهذا تيسير منه سبحانه، فهو القائل: {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً}تفسير : [الفتح: 1]. وهؤلاء الذين يحدثنا الحق سبحانه عنهم في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ قد فتح الله سبحانه عليهم أبواب الضر؛ لأنهم غفلوا عنه. ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: {.. وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} [هود: 116]. أي: كانوا يقطعون ما كان يجب أن يوصل؛ وهو اتباع منهج السماء؛ لأن كلمة (مجرمين) مأخوذة من مادة "جرم" وتعني: "قطع"، وقطع اتباع منهج السماء؛ والغفلة عن الإيمان بالخالق سبحانه، والاستغراق في الترف الذي حققوه لأنفسهم بظلم الغير، وأخذ نتيجة عرق وجهد الغير. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَي نجيح، عن مجاهد: {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ} [الآية: 116]. يعني: في ملكهم وتجبرهم وتركهم الحق. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا مبارك بن فضالة عن الحسن في قوله: عز وجل: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [الآية: 118]. قال: على أَديان شتى {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} فإِنهم لا يختلفون، يقول: {وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} [الآية: 119]. قال: خلق خلقاً للجنة وخلقا للنار. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ} [الآية: 120] يعني: في هذه السورة.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ} معناه ما تَكَبَّرُوا فِيهِ.

الأندلسي

تفسير : {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ} الآية، لولا هنا للتحضيض صحبها معنى التفجع والتأسف الذي ينبغي أن يقع من البشر على هذه الأمم التي لم تهتد. والقرون: قوم نوح وعاد وثمود ومن تقدم ذكره. والبقية هنا يراد بها الخير والنظر إلا قليلاً استثناء منقطع أي لكن قليل من أنجينا منهم نهوا عن الفساد وهم قليل بالإِضافة إلى جماعاتهم. والظاهر أن الذين ظلموا هم تاركوا النهي عن الفساد. وما أترفوا فيه، أي نعّموا فيه من حب الرياسة والثروة وطلب أسباب العيش النهي ورفضوا ما فيه صلاح دينهم. {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} أي ذوي جرائم غير ذلك. قال الزمخشري: إن كان معناه واتبعوا الشهوات كان معطوفاً على مضمر لأن المعنى إلا قليلاً ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد في الأرض واتبع الذين ظلموا شهواتهم فهو عطف على نهوا وإن كان معناه واتبعوا جزاء الإِتراف، فالواو للحال كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاءهم وكانوا مجرمين لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام. "انتهى". جعل ما في قوله: ما أترفوا فيه، مصدرية ولهذا قدره اتبعوا، والظاهر أنها بمعنى الذي لعود الضمير في فيه عليها. وأجاز أيضاً أن يكون معطوفاً على اتبعوا، أي اتبعوا شهواتهم وكانوا مجرمين بذلك. وأجاز أيضاً أن يكون اعتراضاً وحكماً عليهم بأنهم قوم مجرمون. "انتهى". ولا يسمى هذا اعتراضاً في اصطلاح النحويين لأنه آخر آية فليس بين شيئين يحتاج أحدهما إلى الآخر. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ} الآية، تقدم تفسير شبه هذه الآية في الانعام إلا أن هنا ليهلك وهي آكد في النفي لأنه على مذهب الكوفيين زيدت اللام في خبر كان على سبيل التوكيد وعلى مذهب البصريين توجه النفي إلى الخبر المحذوف المتعلق به اللام تقديره مريداً الإِهلاك للقرى. قال ابن عطية: المعنى وما كان ربك ليهلك القرى بظلم منه. تعالى الله عن ذلك {وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} بالإِيمان به. وقال الزمخشري: وأهلها مصلحون تنزيهاً لذاته عن الظلم وإيذاناً بأن إهلاك المصلحين من الظلم. "انتهى". وهو مصادم للحديث: حديث : أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبثتفسير : . وللآية: {أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} تفسير : [الأنفال: 25]. {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} قال الزمخشري: يعني لاضطرهم إلى أن يكون أهل ملة واحدة، وهذا كلام يتضمن نفي الاضطرار وأنه لم يقهرهم على الاتفاق على دين الحق ولكنه مكنهم من الاختيار الذي هو أساس التكليف فاختار بعضهم الحق وبعضهم الباطل فاختلفوا. {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} إلا أناساً هداهم الله ولطف بهم فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه. "انتهى". وهو على طريقة الاعتزال. وقال ابن عباس وقتادة: أمة واحدة مؤمنة حتى لا يقع منهم كفر لكنه تعالى لم يشأ ذلك. {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} استثناء متصل من قوله: ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، فلا يقع منهم اختلاف. والإِشارة بقوله: {وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} إلى المصدر المفهوم من قوله: مختلفين، كما قال الشاعر: شعر : إذا أنهى السفيه جرى إليه تفسير : فعاد الضمير على المصدر المفهوم من اسم الفاعل، كأنه قال: وللاختلاف خلقهم ويكون على حذف مضاف، أي ولثمرة الاختلاف من الشقاء والسعادة خلقهم. وقال الزمخشري: ولذلك إشارة إلى ما دل عليه الكلام أولاً من التمكين والاختيار الذي عنه الاختلاف خلقهم ليثيب مختار الحق بحسن اختياره ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره. "انتهى". وهذا على طريقة الاعتزال. {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} أي نفذ قضاؤه وحق أمره. واللام في {لأَمْلأَنَّ} هي التي يتلقى بها القسم إذ الجملة قبلها ضمنت معنى القسم كقوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ}تفسير : [آل عمران: 81]، ثم قال: لتؤمنن به، والجنة والجن بمعنى واحد. قال ابن عطية: والهاء فيه للمبالغة وان كان الخبر يقع على الواحد فالجنة جمعه. "انتهى". فيكون مما يكون فيه الواحد بغير هاء وجمعه بالهاء كقول بعض العرب: كم للواحد، وكمأة للجمع. {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ} مفعول به والعامل فيه نقص، والتنوين عوض عن المحذوف والتقدير وكل نبأ نقص عليك. ومن نبأ الرسل في موضع الصفة لقوله: ولاك، إذ هي مضافة في التقدير إلى نكرة. وما: زائدة كما هي في قوله: {أية : قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الأعراف: 3]. {مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} قال ابن عباس: ما نسكن به فؤادك وتثبيت الفؤاد هو بما جرى للأنبياء عليهم السلام، ولاتباعهم المؤمنين، وما لقوا من تكذيبهم من الأذى، ففي هذا كله أسوة بهم إذ المشاركة في الأمور الصعبة تهون ما يلقى الإِنسان من الأذى، ثم الاعلام بما جرى على مكذبيهم من العقوبات المستأصلة بأنواع العذاب من الغرق والريح والرجفة وخسف وغير ذلك فيه طمأنينة النفس وتأنيس. والإِشارة بقوله: {فِي هَـٰذِهِ}، إلى أبناء الرسل التي قصها الله تعالى عليه أي النبأ الصدق الحق الذي هو مطابق لما جرى ليس فيه تغيير ولا تحريف كما ينقل شيئاً من ذلك المؤرخون. {وَمَوْعِظَةٌ} أي اتعاظ وازدجار لسامعه. {وَذِكْرَىٰ} لمن آمن إذ الموعظة والذكرى لا ينتفع بهما إلا المؤمن لقوله تعالى: {أية : وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الذاريات: 55]. {وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} الآية، اعملوا صيغة أمر ومعناه التهديد والوعيد. والخطاب لأهل مكة وغيرها. {عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} أي جهتكم وحالتكم التي أنتم عليها. {وَٱنْتَظِرُوۤاْ} بنا الدوائر. {إِنَّا مُنتَظِرُونَ} أن ينزل بكم نحو ما اقتص الله من النقم النازلة بأشباهكم. {وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} الآية، أضاف تعالى علم الغيب بما في السماوات والأرض له توسعاً لا يخفى عليه شىء في أعمالكم، ولاحَظَّ لمخلوق في علم الغيب، فالجملة الأولى: دلت على أن علمه محيط بجميع الكائنات كليّها وجزئّيها حاضرها وغائبها، لأنه إذا أحاط علمه بما غاب فهو بما حضر محيط إذ علمه تعالى لا يتفاوت. والجملة الثانية: دلت على القدرة النافذة والمشيئة. والجملة الثالثة: دلت على الأمر بإِفراد من هذه صفاته بالعبادة الجسدية والقلبية، والعبادة أولى الرتب الذي يتحلى بها العبد. والجملة الرابعة: دلت على الأمر بالتوكل وهي أخيرة الرتب لأنه بنور العبادة أبصر أن جميع الكائنات معذوقة بالله تعالى، وأنه هو المتصرف وحده في جميعها لا يشركه في شىء منها أحد من خلقه، فوكل نفسه إليه تعالى ورفض سائر ما يتوهم أنه سبب في شىء منها. والجملة الخامسة: تضمنت التنبيه على المجازاة فلا يضيع طاعة مطيع ولا يهمل حال متمرد، لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

الجيلاني

تفسير : {فَلَوْلاَ} أي: فهلا {كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ} اللات خلون {مِن قَبْلِكُمْ} وفيها {أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ} أي: ذوو رأي ونهية وفضل وتدبير {يَنْهَوْنَ} برأيهم وتدبيرهم {عَنِ ٱلْفَسَادِ} الواقع {فِي ٱلأَرْضِ} ولكنا ما أبقينا عليها منهم {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} أي: من عقلائهم، ليتبع لهم العوام فينجوا من الآثام {وَ} مع ذلك لم يتبعوا حتى ينجوا، بل {ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أنفسهم بالعرض على عذا ب الله والخروج عن مقتضى حدوده بـ {مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ} أي: المترفهة المتنعمة من ذوي اللذات والشهوات، فاهتموا بتحصيل أسبابها {وَكَانُواْ} بميلهم إلى الهوى واللذات {مُجْرِمِينَ} [هود: 116] مستحقين لأنواع العقوبات. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ} أي: ليس من سنته وجري عادته {لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ} بشرك وكفر صدر عنهم {وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117] أي: والحال أن أهلها مصلحون على الأرض لا مفسدون فيها؛ يعني: لا يأخذهم سبحانه بمجرد حق الله بلا انضمام حقوق العباد إليه، بل إنما أخذهم الله حين فشا الفسوق والمراء، وظهر الفساد والجدال بين العباد. كيف {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ} من غاية لطفه لعباده {لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود: 118] متفقة على التوحيد بلا مخالفة منهم. {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} وجعل فطرته على صرافة التوحيد {وَلِذٰلِكَ} التوحيد والعرفان {خَلَقَهُمْ} وجبلهم {وَ} بالجملة: {تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} بوضع الاختلاف بين استعدادات عباده حسب تجلياته وشئونه على مقتضى أوصافه وأسمائه المتقابلة بحسب الكمال {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ} التي أُعدت للأشقياء المردودين المنحرفين عن جادة العدالة الإلهية والقسط الحقيقي {مِنَ ٱلْجِنَّةِ} أي: الشياطين {وَٱلنَّاسِ} التابعين لهم والمقتفين أثرهم {أَجْمَعِينَ} [هود: 119] أي: منهما جميعاً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تعالى، إهلاك الأمم المكذبة للرسل، وأن أكثرهم منحرفون، حتى أهل الكتب الإلهية، وذلك كله يقضي على الأديان بالذهاب والاضمحلال، ذكر أنه لولا أنه جعل في القرون الماضية بقايا، من أهل الخير يدعون إلى الهدى، وينهون عن الفساد والردى، فحصل من نفعهم ما بقيت به الأديان، ولكنهم قليلون جدا. وغاية الأمر، أنهم نجوا، باتباعهم المرسلين، وقيامهم بما قاموا به من دينهم، وبكون حجة الله أجراها على أيديهم، ليهلك من هلك عن بيِّنة ويحيا من حيَّ عن بيِّنة. { وَ } لكن { اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ } أي: اتبعوا ما هم فيه من النعيم والترف، ولم يبغوا به بدلا. { وَكَانُوا مُجْرِمِينَ } أي: ظالمين، باتباعهم ما أترفوا فيه، فلذلك حق عليهم العقاب، واستأصلهم العذاب. وفي هذا، حث لهذه الأمة، أن يكون فيهم بقايا مصلحون، لما أفسد الناس، قائمون بدين الله، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصرونهم من العمى. وهذه الحالة أعلى حالة يرغب فيها الراغبون، وصاحبها يكون، إماما في الدين، إذا جعل عمله خالصا لرب العالمين.