Verse. 1588 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

وَاصْبِرْ فَاِنَّ اللہَ لَا يُضِيْعُ اَجْرَ الْمُحْسِـنِيْنَ۝۱۱۵
Waisbir fainna Allaha la yudeeAAu ajra almuhsineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«واصبر» يا محمد على أذى قومك أو على الصلاة «فإن الله لا يضيع أجر المحسنين» بالصبر على الطاعة.

115

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱصْبِرْ} أي على الصلاة؛ كقوله: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا} تفسير : [طه: 132]. وقيل: المعنى وٱصبر يا محمد على ما تلقى من الأذى. {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} يعني المصلين. قوله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ} أي فهلاّ كان. {مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ} أي من الأمم التي قبلكم. {أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ} أي أصحاب طاعة ودين وعقل وبصر. {يَنْهَوْنَ} قومهم. {عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ} لِما أعطاهم الله تعالى من العقول وأراهم من الآيات؛ وهذا توبيخ للكفار. وقيل: لولا هاهنا للنفي؛ أي ما كان من قبلكم؛ كقوله: {أية : فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ}تفسير : [يونس: 98] أي ما كانت. {إِلاَّ قَلِيلاً} استثناء منقطع؛ أي لكن قليلاً. {مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} نهوا عن الفساد في الأرض. قيل: هم قوم يونس؛ لقوله: «إِلاَّ قَوْمُ يُونُسَ». وقيل: هم أتباع الأنبياء وأهل الحق. {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي أَشْرَكُوا وَعَصَوا. {مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ} أي من الاشتغال بالمال واللذات، وإيثار ذلك على الآخرة. {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱصْبِرْ } يا محمد على أذى قومك أو على الصلاة {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } بالصبر على الطاعة.

ابو السعود

تفسير : {وَٱصْبِرْ} على مشاقّ ما أُمِرْت به في تضاعيف الأوامرِ السابقةِ وأما ما نُهيَ عنه من الطغيان والركون إلى الذين ظلموا فليس في الانتهاء عنه مشقةٌ فلا وجهَ لتعميم الصبرِ له، اللهم إلا أن يُراد به ما لا يمكن عادة خلوُّ البشرِ عنه من أدنى ميلٍ بحكم الطبـيعةِ عن الاستقامة المأمورِ بها، ومن يسير ميلٍ بحكم البشرية إلى من وُجد منه ظلمٌ ما فإن في الاحتراز عن أمثاله من المشقة ما لا يخفى {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي يوفيهم أجورَ أعمالهم من غير بخسٍ أصلاً، وإنما عبِّر عن ذلك بنفي الإضاعةِ مع أن عدمَ إعطاءِ الأجرِ ليس بإضاعةٍ حقيقةً، كيف لا والأعمالُ غيرُ موجبةٍ للثواب حتى يلزَم من تخلفه عنها ضياعُها، لبـيان كمالِ نزاهتِه تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يمتنع صدورُه عنه سبحانه من القبائح وإبرازِ الإثابةِ في معرض الأمورِ الواجبة عليه، وإنما عدل عن الضمير ليكون كالبرهان على المقصود مع إفادة فائدةٍ عامةٍ لكل من يتصف به، وهو تعليلٌ للأمر بالصبر، وفيه إيماءٌ إلى أن الصبرَ على ما ذكر من باب الإحسان. {فَلَوْلاَ كَانَ} فهلا كان {مّنَ ٱلْقُرُونِ} الكائنةِ {مِن قَبْلِكُمْ} على رأي من جوّز حذفَ الموصولِ مع بعض صلتِه أو كائنةً من قبلكم {أُوْلُو بَقِيَّةٍ} من الرأي والعقلِ أو أولو فضلٍ وخير، وسُمّيا بها لأن الرجلَ إنما يستبقي مما يخرجه عادة أجودَه وأفضلَه، فصار مثلاً في الجودة والفضلِ ويقال: فلان من بقيةِ القومِ أي من خيارِهم، ومنه ما قيل: «في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا»، ويجوز أن تكون البقيةُ بمعنى البقوىٰ كالتقية من التقوى، أي فهلا كان منهم ذوو إبقاءٍ على أنفسهم وصيانةٍ لها من سخط الله تعالى وعقابه، ويؤيده أنه قرىء أولو بقْيةٍ وهي المرّةُ من مصدر بقاه يَبقيه إذا راقبه وانتظره أي أولو مراقبةِ وخشيةٍ من عذاب الله تعالى كأنهم ينتظرون نزولَه لإشفاقهم {يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلأرْضِ} الواقعِ منهم حسبَ ما حُكي عنهم {إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} استثناءٌ منقطعٌ أي لكن قليلاً منهم أنجيناهم لكونهم على تلك الصفةِ على أن مِنْ للبـيان لا للتبعيض لأن جميعَ الناجين ناهون، ولا صحة للاتصال على ظاهر الكلامِ لأنه يكون تحضيضاً لأولي البقية على النهي المذكورِ إلا للقليل من الناجين منهم كما إذا قلت هلاّ قرأ قومُك القرآن إلا الصلحاءَ منهم مريداً لاستثناء الصلحاءِ من المُحضَّضين على القراءة نعم يصح ذلك إن جعل استثناءً من النفي اللازمِ للتحضيض، فكأنه قيل: ما كان من القرون أولو بقيةٍ إلا قليلاً منهم، لكنَّ الرفعَ هو الأفصحُ حينئذ على البدلية {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} بمباشرة الفسادِ وتركِ النهي عنه {مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ} أي أُنعموا من الشهوات واهتموا بتحصيلها، وأما المباشرون فظاهرٌ وأما المساهلون فلِما لهم في ذلك من نيل حظوظِهم الفاسدة. وقيل: المرادُ بهم تاركو النهي، وأنت خبـيرٌ بأنه يلزم منه عدمُ دخولِ مباشري الفسادِ في الظلم والإجرام عبارةً {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} أي كافرين فهو بـيانٌ لسبب استئصالِ الأمم المُهلَكة وهو فشوُّ الظلمِ واتباعُ الهوى فيهم وشيوعُ ترك النهي عن المنكرات مع الكفر، وقوله: واتّبع عطفٌ على مضمر دل عليه الكلامُ، أي لم ينهَوا واتبع الخ فيكون العدولُ إلى المظهر لإدراج المباشرين معهم في الحكم والتسجيلِ عليهم بالظلم، وللإشعار بعلية ذلك لما حاق بهم من العذاب، أو على استئنافٍ يترتب على قوله: إلا قليلاً أي إلا قليلاً ممن أنجينا منهم نهَوا عن الفساد وتاركي النهي عنه، فيكون الإظهارُ مقتضى الظاهِرِ، وقوله: وكانوا مجرمين عطفٌ على أترفوا أي اتبعوا الإتراف، وكونُهم مجرمين لأن تابعَ الشهواتِ مغمورٌ بالآثام، أو أريد بالإجرام إغفالُهم للشكر، أو على اتبع أي اتبعوا شهواتِهم وكانوا بذلك الاتباعِ مجرمين، ويجوز أن يكون اعتراضاً وتسجيلاً عليهم بأنهم قومٌ مجرمون، وقرىء وأُتْبع أي أُتبعوا جزاءَ ما أُترفوا فتكون الواو للحال ويجوز أن يُفسَّر به المشهورةُ، ويعضُده تقدم الإنجاء.

القشيري

تفسير : الصبر تجرُّع كاساتِ التقدير من غر تعبيس. ويقال الصبرُ حُسْنُ الإقبال على معانقة الأمر ومفارقة الزجر. {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} المحسنُ: العاملُ الذي يعلم أَنَّ الأجرَ على الصبر والطاعة بفضله - سبحانه - لا باستحقاق عملٍ.

اسماعيل حقي

تفسير : {واصبر} يا محمد على مشاق الاوامر ويدخل فيه الامة بالتبعية وقد كانت العادة القرآنية على اجراء اكثر خطابات الاوامر على النبى عليه لسلام واكثر خطابات النهى على الامة اعتبارا للاصالة فى الاتصاف والتنزه والاجتناب فافهم {فان الله لا يضيع اجر المحسنين} فى اعمالهم صلاة كانت او صبرا او غيرهما من فرائض الاسلام ومندوبات الاعمال ومكارم الاخلاق ومحاسن الشيم اى يوفيهم اجور اعمالهم من غير بخس اصلا وانما عبر عن ذلك بنفى الاضاعة مع ان عدم اعطاء الاجر ليس باضاعة حقيقة كيف لا والاعمال غير موجبة للثواب حتى يلزم من تخلفه عنها ضياعها لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يمتنع صدوره عنه سبحانه من القبائح وابراز الاثابة فى معرض الامور الواجبة وهو تعليل للامر بالصبر. وفيه ايماء الى ان الصبر من باب الاحسان وهو ان تعبد الله كأنك تراه لانه اذا قدر المرء على هذه المشاهدة هان عليه الصبر وغيره من مر الاحكام ولا يكون هذا الاحسان الا بالاخلاص واخلاص السريرة شعر : كر نباشد نيت خالص جه حاصل از عمل تفسير : وكان اهل الخير يكتب بعضهم الى بعض بثلاث كلمات من عمل لآخرته كفاه الله امر دنياه ومن اصلح سريرته صلح الله علانيته. ومن اصلح فيما بينه وبين الله اصلح الله ما بينه وبين الناس. واعلم ان الله تعالى امر ونهى ومراده اطاعة عباده له فى كل ما يأتون وما يدرون فان فلاحهم فى ذلك ولا يرضى الله منهم الا بالطاعة والتسليم والقبول: قال الحافظ شعر : مزن زجون وجرا دمكه بنده مقبول قبول كرد بجان هر سخن كه جانان كفت تفسير : وعن ابى بكر الوراق قال طلبنا اربعة اشياء سنين فوجدناها فى اربعة. طلبنا رضى الله تعالى فوجدناه فى طاعته. وطلبنا السعة فى المعيشة فوجدناها فى صلاة الضحى. وطلبنا سلامة الدين فوجدناها فى حفظ اللسان. وطلبنا نور القبر فوجدناه فى صلاة الليل. فعلى العاقل السعى فى طريق الطاعات وتنوير القلب بنور العبادات. وفى التأويلات النجمية {واصبر} ايها الطالب الصادق والعاشق الوامق على صرف الاوقات فى طلب المحبوب بدوام الذكر ومراقبة القلب وترك لشهوات ومخالفة الهوى والطبيعة {فان الله لا يضيع اجر المحسنين} اى سعى الطالبين كما قال {أية : ألا من طلبنى وجدنى} تفسير : لان من سنة كرمه قوله {أية : من تقرب الى شبرا تقربت اليه ذراعا} تفسير : والمقصود من الحديث القدسى بيان سعة فيضه وجوده على عباده والتقرب الى الله تعالى انما يكون بقطع التعينات ورفع حجب الكثرة عن وجه الوحدة الذاتية الا ان ذلك مشروط بشرائط ومربوط بالاسباب فى الصورة الظاهرة ولا تقيد تلك الشرائط والاسباب الا بالجذبة الالهية والدعوة الربانية فمن دعاه وازال الموانع عن طريقه فقد وصل والا فقد انقطع دونه الطريق وبقى متحيرا مبهوتا شعر : داد حق را قابليت شرط نيست بلكه شرط قابليت داد اوست تفسير : اللهم ارحمنا فان ذنوبنا قد جلت وحجبنا قد كثفت وحيلنا قد انقطعت وما بقى الا التوفيق منك والعفو والغفران واللطف والكرم والاحسان انك انت المحسن فى كل زمان ومكان

الطوسي

تفسير : أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذى قومه وتكذيبهم اياه، والتجلد عليه، وعلى القيام بما افترض عليه من اداء الواجب، والامتناع من القبيح، وبين له انه لا يضيع ولا يهمل أجر المحسنين على احسانهم بل يكافيهم عليه أتم الجزاء وأكمل الثواب، و (الصبر) حبس النفس عن الخروج الى ما لا يجوز من ترك الحق، وضده الجزع قال الشاعر: شعر : فان تصبرا فالصبر خير مغبة وان تجزعا فالامر ما تريان تفسير : والصبر على الباطل مذموم، قال الله تعالى {أية : وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم}تفسير : ويعين على الصبر شيئان: احدهما - العلم بما يعقب من الخير في كل وجه وعادة النفس له. والثاني - استشعار ما في لزوم الحق من العز والأجر بطاعة الله. والصبر مأخوذ من الصبر المر، لأنه تجرع مرارة الحق بحبس النفس عن الخروج الى المشتهى.

الجنابذي

تفسير : {وَٱصْبِرْ} على اذى قومك حتّى لا يخرجك عن الاستقامة ولا يدخلك فى الطّغيان والرّكون الى غير الله وعلى الطّاعات خصوصاً الصّلوات الخمس باتيانها بجميع شرائطها {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} وضع المظهر موضع المضمر ليكون كالبرهان ويكون تلويحاً الى الامر بالاحسان الى المسئ ووجه اختلاف الخطاب فى تلك الآيات من قوله فاستقم الى قوله واصبر بالخصوص والعموم غير خافٍ على المتأمّل فى لطائف الخطاب.

الهواري

تفسير : قوله: {وَاصْبِرْ} أي: على ما فرض الله عليك، وعلى ما يقول لك المشركون من الأذى {فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}. قوله: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ} [يعني طاعة] { يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} يقول: لم يكن ذلك إلا قليلاً ممن أنجينا منهم أي: من المؤمنين. وأولو بقية عند بعضهم مثل قوله: (أية : بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَّكُمْ) تفسير : [هود:86] أي: حظكم عند ربكم خير لكم، يعني الجنة. قال: {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ} يعني المشركين، اتبعوا ما أترفوا فيه، أي: من دنياهم. وقال الحسن: ما وسّع الله عليهم فيه من الدنيا. {وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} أي: مشركين. قوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} كقوله: (أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) تفسير : [العنكبوت:40]، يعني بشركهم وتكذيبهم رسلهم. ولو آمنوا لم يهلكوا بالعذاب. قوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي: على الإِيمان. مثل قوله: (أية : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لأَمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً) تفسير : [يونس:99] {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} والمختلفون هم الكفار، وهم في اختلاف [على أديان شتى] في تفسير مجاهد وغيره، مثل قوله: (أية : بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ) تفسير : [سورة ق:5] أي: ملتبس. وعامة الناس كفار. وقوله: { إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} والمختلفون هم الكفار، وهم المؤمنون، لا يختلفون في البعث كما اختلف الكفّار، وهم في شك منه، وذلك منهم اختلاف، وهم منه في لَبس. فأهل رحمة الله أهل جماعة وإن تفرّقت ديارهم، وأهل معصية الله أهل فرقة وإن اجتمعت ديارهم. والآية محتملة لاختلاف الكفار في البعث وشكهم فيه، واختلاف من اختلف من أهل القبلة مما شرعوا من الأديان ما لم يأذن به الله، وادعائهم على الله في ذلك الكذب، وبقولهم في ذلك على الله ما لا يعملون. قوله: { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} قال الحسن: للاختلاف، وتلا هذه الآية: (أية : عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ العَظِيمِ الَّذَي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) تفسير : [النبإ:1-3]. ولا اختلاف اليوم أعظم وبالاً ولا أشد فرقة ولا ادعاء على الله من مختلفي أهل القبلة فيما شرعوا من أديانهم. وتَقَوَّلُوا على الله من أباطيلهم. قال: ولذلك خلق أهل الرحمة لا يختلفون. قوله: { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} أي: وسبقت كلمة ربك { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أي: من كلا الفريقين: الجن والإِنس، يعني الكفار أهل النار. كقوله: (أية : اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ) تفسير : [الأعراف:18] أي: من كلا الفريقين ممن عصى الله وارتكب الكبائر.

اطفيش

تفسير : {واصْبِرْ} يا محمد على الصلاة والتبليغ وغيرهما من الطاعات، وعلى أذى المشركين، وعن المعاصى، والصبر ملاك الأمر، ولا ينتفع بإيمانه وعلمه من لا يصبر {فإن اللهَ} الفاء للتعليل {لا يُضيعُ أجْر المحسِنينَ} وهذا على العموم، وعن ابن عباس: المحسنون المصلون، ويجوز أن يكون الأصل لا يضيع أجرك، وعدل منه إلى المحسنين، استدلالا على أن الإحسان موجب للثواب وإيذانا، بأن الصلاة والصبر ونحوهما إحسان وإشارة إلى أنهما لا يكويان معتد بهما حتى يكونا بإحسان وهو الإخلاص، وكذا نحوهما من الطاعات.

اطفيش

تفسير : {وَاصْبِرْ} يا محمد على تحمل ما ذكر من الأَوامر والنواهى وعلى تحمل الأَذى من قومك أَو على مطلق فعل الطاعات وترك المعصيات وشمل الصبر على البلاءِ والصبر على صعوبة رد النفس عما تشتهى وقيل المراد الصبر على الصلاة وإِقامتها كما قال عز وجل: "أية : وأْمر أَهلك بالصلاة واصطبر عليها "تفسير : [طه: 132] {فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحسِنِينَ} مقتضى الظاهر لا يضيع أَجرهم بالهاءِ عائِدة إِلى الذاكرين، وعبر عنهم بالمحسنين ليكون الكلام فى صورة حجة لهم وهى أن أجرهم يثبت لإِحسانهم، إِذ تعليق الحكم بالمشتق يؤْذن بأَنه علة وليخبر بأَن الصلاة والصبر إِحسان، وأنه لا يعتد بهما دون إِخلاص إذ الإِحسان أن تعبد الله كأنك تراه، كما جاءَ فى الحديث. وعبادتك الله كأَنك تراه إِخلاص، والمراد اإِحسان كيفية وكمية، ويجوز أَن يراد كل محسن من كل أُمة والإِحسان على العموم، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: المحسنين المصلون.

الالوسي

تفسير : {وَٱصْبِرْ} أي على مشاق امتثال ما كلفت به، في «الكشاف» إن هذا كرور منه تعالى إلى التذكير بالصبر بعد ما جاء بما هو خاتمة للتذكير لفضل خصوصية ومزية وتنبيه على مكان الصبر ومحله كأنه قال: وعليك بما هو أهم مما ذكرت به وأحق بالتوصية وهو الصبر على امتثال ما أمرت به والانتهاء عما نهيت عنه فلا يتم شيء منه إلا به انتهى. ووجه كونه كريراً إلى ما ذكر بأن الأمر بالاستقامة أمر بالثبات قولاً وفعلاً وعقداً وهو الصبر على طاعة الله تعالى ويتضمن الصبر عن معصيته ضرورة على أن ما ذكره سبحانه كله لا يتم إلا بالصبر ففي ضمن الأمر به أمر بالصبر، واعترض اعتبار الانتهاء عما نهى عنه من متعلقات الصبر إذ لا مشقة في ذلك، واعتذر عن ذلك بأنه يمكن أن يراد بما نهى عنه من الطغيان والركون ما لا يمكن عادة خلو البشر عنه من أدنى ميل بحكم الطبيعة من الاستقامة المأمور بها ومن يسير ميل بحكم البشرية إلى من وجد منه ظلم فإن في الاحتراز عن أمثاله من المشقة ما لا يخفى. وتعقب بأن ما هو من توابع الطبيعة لا يكون من متعلقات النهي، ولهذا ذكروا أن حب المسلم لولده الكافر مثلاً لا إثم فيه، فالأولى أن يقال: إن وجود المشقة في امتثال مجموع ما كلف به يكفي في الغرض، وقيل: المراد من الصبر المأمور به المداومة على الصلاة كأنه قيل: أقم الصلاة أي أدّها تامة ودوام عليها نظير قوله تعالى: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلٰوةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا} تفسير : [طه: 132]. {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي يوفيهم ثواب أعمالهم من غير بخس أصلاً، وعبر ذلك بنفي الإضاعة بياناً لكمال نزاهته تعالى عن حرمانهم شيئاً من ثوابهم. وعدل عن الضمير ليكون كالبرهان على المقصود مع إفادة فائدة عامة لكل من يتصف بذلك وهو تعليل للأمر بالصبر، وفيه إيماء إلى أن الصبر على ما ذكر من باب الإحسان، وعن مقاتل أنه فسر الإحسان هنا بالإخلاص. وعن ابن عباس أنه قال: المحسنون المصلون وكأنه نظر إلى سياق الكلام، هذا ومن البلاغة القرآنية أن الأوامر بأفعال الخير أفردت للنبـي صلى الله عليه وسلم وإن كانت عامة في المعنى، والمناهي جمعت للأمة، وما أعظم شأن الرسول عليه الصلاة والسلام عند ربه جل وعلا.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : فلا تك في مرية ممّا يعبد هؤلاء}تفسير : [هود: 109] الآيات، لأنّها سيقت مساق التّثبيت من جرّاء تأخير عقاب الذين كذبوا. ومناسبة وقوع الأمر بالصّبر عقب الأمر بالاستقامة والنّهي عن الركون إلى الذين ظلموا، أنّ المأمورات لا تخلو عن مشقة عظيمة ومخالفة لهوى كثير من النفوس، فناسب أن يكون الأمر بالصبر بعد ذلك ليكون الصبر على الجميع كلّ بما يناسبه. وتوجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم تنويه به. والمقصود هو وأمته بقرينة التعليل بقوله: {فإنّ الله لا يُضيع أجر المحسنين} لما فيه من العموم والتفريع المقتضي جمعهما أنّ الصبر من حسنات المحسنين وإلا لَمَا كان للتفريع موقع. وحرف التأكيد مجلوب للاهتمام بالخبر. وسمّي الثواب أجراً لوقوعه جزاء على الأعمال وموعوداً به فأشبه الأجر.

د. أسعد حومد

تفسير : (115) - وَوَطِّنْ نَفْسَكَ عَلَى الصَّبْرِ وَاحْتِمَالِ المَشَقَّةِ فِي سَبِيلِ مَا أُمِرْتَ بِهِ، وَمَا نُهِيتَ عَنْهُ، فِي هذِهِ الوَصَايَا وَفِي غَيْرِهَا، فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضَيِّعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وجاءت كلمة "اصبر" لتخدم كل عمليات الاستقامة. وكذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ..}تفسير : [طه: 132]. والصبر نوعان: صبر "على"، وصبر "عن" وفي الطاعات يكون الصبر على مشقة الطاعة، مثل صبرك على أن تقوم من النوم لتصلي الفجر، وفي اتقاء المعاصي يكون الصبر عن الشهوات. وهكذا نعلم أن الصبر على إطلاقه مطلوب في الأمرين: في الإيجاب للطاعة، وفي السلب عن المعصية. ونحن نعلم أن الجنة حُفَّتْ بالمكاره؛ فاصبر على المكاره، وحُفَّتِ النار بالشهوات؛ فاصبر عنها. وافرض أن واحداً يرغب في أكل اللحم، ولكنه لا يملك ثمنها، فهو يصبر عنها؛ ولا يستدين. ولذلك يقول الزهاد: ليس هناك شيء اسمه غلاء، ولكن هناك شيء اسمه رخص النفس. ولذلك نجد من يقول: إذا غلا شيء عليّ تركته، وسيكون أرخص ما يكون إذا غلا. والحق سبحانه يقول: {أية : وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ ..}تفسير : [لقمان: 17]. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [هود: 115]. وهم الذين أدخلوا أنفسهم في مقام الإحسان، وهو أن يلزم الواحد منهم نفسه بجنس ما فرض الله فوق ما فرض الله، من صلاة أو صيام، أو زكاة، أو حج لبيت الله؛ لأن العبادة ليست اقتراحاً من عابدٍ لمعبود، بل المعبود هو الذي يحدد ما يقربك إليه. وحاول ألاّ تدخل في مقام الإحسان نَذْراً؛ لأنه قد يشق عليك أن تقوم بما نذرته، واجعل زمان الاختيار والتطوع في يدك؛ حتى لا تدخل مع الله في ودٍّ إحساني ثم تفتر عنه، وكأنك - والعياذ بالله - قد جرَّبت مودة الله تعالى، فلم تجده أهلاً لها، وفي هذا طغيان منك. وإذا رأيت إشراقات فيوضات على مَنْ دخل مقام الإحسان فلا تنكرها عليه، وإلا لسويت بين من وقف عند ما فُرِضَ عليه، وبين من تجاوز ما فُرِضَ عليه من جنس ما فَرَضَ الله. وجرب ذلك في نفسك، والتزم أمر الله باحترام مواقيت الصلاة، وقم لتصلي الفجر في المسجد، ثم احرص على أن تتقن عملك، وحين يجيء الظهر قم إلى الصلاة في المسجد، وحاول أن تزيد من ركعات السنة، وستجد أن كثافة الظلمانية قد رَقَّتْ في أعماقك، وامتلأتَ بإشراقات نوارنية تفوق إدراكات الحواس، ولذلك لا تستكثر على مَنْ يرتاض هذه الرياضة الروحية، حين تجد الحق سبحانه قد أنار بصيرته بتجليات من وسائل إدراك وشفافية. ولذلك لا نجد واحداً من أهل النور والإشراق يدَّعي ما ليس له، والواحد منهم قد يعلم أشياء عن إنسان آخر غير ملتزم، ولا يعلنها له؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد خَصَّه بأشياء وصفات لا يجب أن يضعها موضع التباهي والمراءاة. وحين عرض الحق سبحانه هذه القضية أراد أن يضع حدوداً للمرتاض ولغير المرتاض، في قصة موسى عليه السلام حينما وجد موسى وفتاه عبداً صالحاً، ووصف الحق سبحانه العبد الصالح بقوله تعالى: {أية : .. عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً}تفسير : [الكهف: 65]. وقال العبد الصالح لموسى عليه السلام: {أية : .. إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}تفسير : [الكهف: 67]. وبيَّن العبد الصالح لموسى - بمنتهى الأدب - عذره في عدم الصبر، وقال له: {أية : وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً}تفسير : [الكهف: 68]. وردَّ موسى عليه السلام: {أية : .. سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً}تفسير : [الكهف: 69]. فقال العبد الصالح: {أية : .. فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً}تفسير : [الكهف: 70]. ولكن الأحداث توالت؛ فلم يصبر موسى؛ فقال له العبد الصالح: {أية : هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ..}تفسير : [الكهف: 78]. وهذا حكم أزلي بأن المرتاض للرياضة الروحية، ودخل مقام الإحسان لا يمكن أن يلتقي مع غير المرتاض على ذلك، وليلزم غير المرتاض الأدب مثلما يلتزم المرتاض الأدب، ويقدم العذر في أن ينكر عليه غير المرتاض معرفة ما لا يعرفه. ولو أن المرتاض قد عذر غير المرتاض، ولو أن غير المرتاض تأدب مع المرتاض لاستقرَّ ميزان الكون. والحق سبحانه يبيِّن لنا مقام الإحسان وأجر المحسنين، في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ}تفسير : [الذاريات: 15-16]. ويبيِّن الحق سبحانه لنا مدارج الإحسان، وأنها من جنس ما فرض الله تعالى، في قوله سبحانه: {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}تفسير : [الذاريات: 17]. والحق سبحانه لم يكلف في الإسلام ألا يهجع المسلم إلا قليلاً من الليل، وللمسلم أن يصلي العشاء، وينام إلى الفجر. وتستمر مدارج الإحسان، فيقول الحق سبحانه: {أية : وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}تفسير : [الذاريات: 18]. والحق سبحانه لم يكلِّف المسلم بذلك، ولكن الذي يرغب في الارتقاء إلى مقام الإحسان يفعل ذلك. ويقول الحق سبحانه أيضاً: {أية : وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ}تفسير : [الذاريات: 19]. ولم يحدد الحق سبحانه هنا هذا الحق بأنه حق معلوم، بل جعله حقاً غير معلوم أو محددٍ، والله سبحانه لم يفرض على المسلم إلا الزكاة، ولكن من يرغب في مقام الإحسان فهو يبذل من ماله للسائل والمحروم. وهكذا يدخل المؤمن إلى مقام الإحسان، ليودَّ الحق سبحانه. ولله المثل الأعلى: نحن نجد الإنسان حين يوده غيره؛ فهو يعطيه من خصوصياته، ويفيض عليه من مواهبه الفائضة، علماً، أو مالاً، فما بالنا بمن يدخل في ودٍّ مع الله سبحانه وتعالى. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ ...}.