١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
114
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما أمره بالاستقامة أردفه بالأمر بالصلاة وذلك يدل على أن أعظم العبادات بعد الإيمان بالله هو الصلاة وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: رأيت في بعض «كتب القاضي أبي بكر الباقلاني» أن الخوارج تمسكوا بهذه الآية في إثبات أن الواجب ليس إلا الفجر والعشاء من وجهين. الوجه الأول: أنهما واقعان على طرفي النهار والله تعالى أوجب إقامة الصلاة طرفي النهار، فوجب أن يكون هذا القدر كافياً. فإن قيل: قوله: {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ } يوجب صلوات أخرى. قلنا: لا نسلم فإن طرفي النهار موصوفان بكونهما زلفاً من الليل فإن ما لا يكون نهاراً يكون ليلاً غاية ما في الباب أن هذا يقتضي عطف الصفة على الموصوف إلا أن ذلك كثير في القرآن والشعر. الوجه الثاني: أنه تعالى قال: {إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيّئَـٰتِ } وهذا يشعر بأن من صلى طرفي النهار كان إقامتهما كفارة لكل ذنب سواهما فبتقدير أن يقال إن سائر الصلوات واجبة إلا أن إقامتهما يجب أن تكون كفارة لترك سائر الصلوات. واعلم أن هذا القول باطل بإجماع الأمة فلا يلتفت إليه. المسألة الثانية: كثرت المذاهب في تفسير طرفي النهار والأقرب أن الصلاة التي تقام في طرفي النهار وهي الفجر والعصر، وذلك لأن أحد طرفي النهار طلوع الشمس والطرف الثاني منه غروب الشمس فالطرف الأول هو صلاة الفجر والطرف الثاني لا يجوز أن يكون صلاة المغرب لأنها داخلة تحت قوله: {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ } فوجب حمل الطرف الثاني على صلاة العصر. إذا عرفت هذا كانت الآية دليلاً على قول أبي حنيفة رحمه الله في أن التنوير بالفجر أفضل، وفي أن تأخير العصر أفضل وذلك لأن ظاهر هذه الآية يدل على وجوب إقامة الصلاة في طرفي النهار وبينا أن طرفي النهار هما الزمان الأول لطلوع الشمس، والزمان الثاني لغروبها، وأجمعت الأمة على أن إقامة الصلاة في ذلك الوقت من غير ضرورة غير مشروعة، فقد تعذر العمل بظاهر هذه الآية، فوجب حمله على المجاز، وهو أن يكون المراد: أقم الصلاة في الوقت الذي يقرب من طرفي النهار، لأن ما يقرب من الشيء يجوز أن يطلق عليه اسمه، وإذا كان كذلك فكل وقت كان أقرب إلى طلوع الشمس وإلى غروبها كان أقرب إلى ظاهر اللفظ، وإقامة صلاة الفجر عند التنوير أقرب إلى وقت الطلوع من إقامتها عند التغليس، وكذلك إقامة صلاة العصر عندما يصير ظل كل شيء مثليه أقرب إلى وقت الغروب من إقامتها عندما يصير ظل كل شيء مثله، والمجاز كلما كان أقرب إلى الحقيقة كان حمل اللفظ عليه أولى، فثبت أن ظاهر هذه الآية يقوي قول أبي حنيفة في هاتين المسألتين. وأما قوله: {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ } فهو يقتضي الأمر بإقامة الصلاة في ثلاث زلف من الليل، لأن أقل الجمع ثلاثة وللمغرب والعشاء وقتان، فيجب الحكم بوجوب الوتر حتى يحصل زلف ثلاثة يجب إيقاع الصلاة فيها، وإذا ثبت وجوب الوتر في حق النبي صلى الله عليه وسلم وجب في حق غيره لقوله تعالى: { أية : وَٱتَّبِعُوهُ } تفسير : [سبأ: 20] ونظير هذه الآية بعينها قوله سبحانه وتعالى: { أية : وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } تفسير : [طه: 30] فالذي هو قبل طلوع الشمس هو صلاة الفجر، والذي هو قبل غروبها هو صلاة العصر. ثم قال تعالى: {وَمِنْ ءانَاء ٱلَّيْلِ فَسَبّحْ } وهو نظير قوله: {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ }. المسألة الثالثة: قال المفسرون: نزلت هذه الآية في رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تقولون في رجل أصاب من امرأة محرمة كلما يصيبه الرجل من امرأته غير الجماع، فقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : ليتوضأ وضوءاً حسناً ثم ليقم وليصل » تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقيل للنبي عليه الصلاة والسلام: هذا له خاصة، فقال: « حديث : بل هو للناس عامة » تفسير : وقوله: {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ } قال الليث: زلفة من أول الليل طائفة، والجمع الزلف. قال الواحدي: وأصل الكلمة من الزلفى والزلفى هي القربى، يقال: أزلفته فازدلف أي قربته فاقترب. المسألة الرابعة: قال صاحب «الكشاف»: قرىء {زلفاً} بضمتين و {زلفاً} بإسكان اللام وزلفى بوزن قربى فالزلف جمع زلفة كظلم جمع ظلمة والزلف بالسكون نحو بسرة وبسر والزلف بضمتين نحو: يسر في يسر، والزلفى بمعنى الزلفة كما أن القربى بمعنى القربة وهو ما يقرب من آخر النهار من نحو: يسر في يسر، والزلفى بمعنى الزلفة كما أن القربى بمعنى القربة وهو ما يقرب من آخر النهار من الليل، وقيل في تفسير قوله: {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ } وقرباً من الليل، ثم قال: {إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيّئَـٰتِ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في تفسير الحسنات قولان: الأول: قال ابن عباس: المعنى أن الصلوات الخمس كفارات لسائر الذنوب بشرط الاجتناب عن الكبائر. والثاني: روي عن مجاهد أن الحسنات هي قول العبد سبحانه الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. المسألة الثانية: احتج من قال إن المعصية لا تضر مع الإيمان بهذه الآية وذلك لأن الإيمان أشرف الحسنات وأجلها وأفضلها. ودلت الآية على أن الحسنات يذهبن السيئات، فالإيمان الذي هو أعلى الحسنات درجة يذهب الكفر الذي هو أعلى درجة في العصيان فلأن يقوى على المعصية التي هي أقل السيئات درجة كان أولى، فإن لم يفد إزالة العقاب بالكلية فلا أقل من أن يفيد إزالة العذاب الدائم المؤبد. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذكِرِينَ } فقوله: {ذٰلِكَ } إشارة إلى قوله: {فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } إلى آخرها {ذِكْرَىٰ لِلذكِرِينَ } عظة للمتعظين وإرشاد للمسترشدين. ثم قال: {وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } قيل على الصلاة وهو كقوله: { أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا } تفسير : [طه: 132].
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ} لم يختلف أحد من أهل التأويل في أن الصلاة في هذه الآية يراد بها الصلوات المفروضة؛ وخصها بالذكر لأنها ثانية الإيمان، وإليها يفزع في النوائب؛ وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حَزَبَه أمر فزع إلى الصلاة. وقال شيوخ الصوفية: إن المراد بهذه الآية ٱستغراق الأوقات بالعبادة فرضاً ونفلاً؛ قال ٱبن العربي: وهذا ضعيف، فإن الأمر لم يتناول ذلك إلا واجباً لا نفلاً، فإن الأوراد معلومة، وأوقات النوافل المرغّب فيها محصورة، وما سواها من الأوقات يسترسل عليها الندب على البدل لا على العموم، وليس ذلك في قوة بشر. الثانية: قوله تعالى: {طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ} قال مجاهد: الطرف الأول صلاة الصبح، والطرف الثاني صلاة الظهر والعصر؛ وٱختاره ٱبن عطية. وقيل: الطرفان الصبح والمغرب؛ قاله ٱبن عباس والحسن. وعن الحسن أيضاً: الطرف الثاني العصر وحده؛ وقاله قتادة والضحّاك. وقيل: الطّرفان الظهر والعصر. والزُّلَف المغرب والعشاء والصبح؛ كأن هذا القائل راعى جهر القراءة. وحكى الماورديّ أن الطرف الأوّل صلاة الصبح باتفاق. قلت: وهذا الاتفاق ينقصه القول الذي قبله. ورجح الطّبري أن الطرفين الصبح والمغرب، وأنه ظاهر؛ قال ٱبن عطية: ورد عليه بأن المغرب لا تدخل فيه لأنها من صلاة الليل. قال ٱبن العربي: والعجب من الطبري الذي يرى أن طرفي النهار الصبح والمغرب وهما طرفا الليل! فقلب القوس ركوة، وحاد عن البرجاس غلوة؛ قال الطبري: والدليل عليه إجماع الجميع على أن أحد الطرفين الصبح، فدلّ على أن الطرف الآخر المغرب، ولم يجمع معه على ذلك أحد. قلت: هذا تحامل من ٱبن العربي في الرد، وأنه لم يجمع معه على ذلك أحد؛ وقد ذكرنا عن مجاهد أن الطرف الأول صلاة الصبح، وقد وقع الاتفاق ـ إلا من شذّ ـ بأن من أكل أو جامع بعد طلوع الفجر متعمداً أن يومه ذلك يوم فطر، وعليه القضاء والكفارة، وما ذلك إلا وما بعد طلوع الفجر من النهار؛ فدلّ على صحة ما قاله الطّبري في الصبح، وتبقى عليه المغرب والردّ عليه فيه ما تقدّم. والله أعلم. الثالثة: قوله تعالى: {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ} أي في زُلَفٍ من الليل، والزّلف الساعات القريبة بعضها من بعض؛ ومنه سميت المزْدَلِفَة؛ لأنها منزل بعد عَرَفَة بقرب مكة. وقرأ ابن القَعْقاع وابن أبي إسحاق وغيرهما «وَزُلُفاً» بضم اللام جمع زَلِيف؛ لأنه قد نطق بزليف، ويجوز أن يكون واحده «زُلُفة» لغة؛ كبُسرة وبسُر، في لغة من ضمّ السين. وقرأ ٱبن محيصن «وَزُلْفاً» من الليل بإسكان اللام؛ والواحدة زُلْفة تجمع جمع الأجناس التي هي أشخاص كدرّةٍ ودُرّ وبُرّة وبُرّ. وقرأ مجاهد وٱبن محيصن أيضاً «زُلْفَى» مثل قُربى. وقرأ الباقون «وَزُلَفاً» بفتح اللام كغُرْفة وغُرَف. قال ابن الأعرابي: الزلّف الساعات، واحدها زُلْفَة. وقال قوم: الزّلفة أوّل ساعة من الليل بعد مغيب الشمس؛ فعلى هذا يكون المراد بزلف الليل صلاة العَتَمَة؛ قاله ابن عباس. وقال الحسن: المغرب والعشاء. وقيل: المغرب والعشاء والصبح؛ وقد تقدّم. وقال الأخفش: يعني صلاة الليل ولم يعين. الرابعة: قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} ذهب جمهور المتأولين من الصحابة والتابعين (رضي الله عنهم أجمعين) إلى أن الحسنات هاهنا هي الصلوات الخمس وقال مجاهد: الحسنات قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إلٰه إلاّ الله والله أكبر، قال ٱبن عطية: وهذا على جهة المثال في الحسنات، والذي يظهر أن اللفظ عام في الحسنات خاص في السيئات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما ٱجتنبتِ الكبائرتفسير : . قلت: سبب النزول يعضد قول الجمهور؛ نزلت في رجل من الأنصار، قيل: هو أبو اليَسَر بن عمرو. وقيل: ٱسمه عَبّاد؛ خلا بامرأة فقبّلها وتلذذ بها فيما دون الفرج. روى الترمذي عن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني عالجت ٱمرأة في أقصى المدينة وإني أصبت منها ما دون أن أَمسّها وأنا هذا فاقض فيّ ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله! لو سترت على نفسك؛ فلم يردّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فانطلق الرجل فأتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً فدعاه، فتلا عليه: {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَـٰتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} إلى آخر الآية؛ فقال رجل من القوم: هذا له خاصة؟ قال: «حديث : (لا) بل للناس كافة»تفسير : . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وخرّج أيضاً عن ٱبن مسعود أن رجلاً أصاب من ٱمرأة قُبلةَ حرامٍ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن كفارتها فنزلت: {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَـٰتِ} فقال الرجل: ألِي هذه يا رسول الله؟ فقال: «حديث : لك ولمن عمل بها من أمتي»تفسير : . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروي حديث : عن أبي اليَسَر قال: أتتني ٱمرأة تبتاع تمراً فقلت: إن في البيت تمراً أطيب من هذا، فدخلت معي في البيت فأهويت إليها فقبلتها، فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال: ٱستر على نفسك وتب ولا تخبر أحداً فلم أصبر، فأتيت عمر فذكرت ذلك له فقال: ٱستر على نفسك وتُبْ ولا تخبر أحداً فلم أصبر، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: أَخْلَفْتَ غازياً في سبيل الله في أهله بمثل هذا"؟ حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة، حتى ظن أنه من أهل النار. قال: وأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أوحى الله إليه {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَـٰتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ}. قال أبو اليَسَر: فأتيته فقرأها عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصحابه: يا رسول اللهٰ ألِهذا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: «بل للناس عامة»تفسير : . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وقيس بن الربيع ضعّفه وَكِيعٌ وغيره؛ وقد روي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أعرض عنه، وأقيمت صلاة العصر فلما فرغ منها نزل جبريل عليه السلام عليه بالآية فدعاه فقال له: «أشهدت معنا الصلاة؟ قال نعم؛ قال: «ٱذهب فإنها كفارة لما فعلت»تفسير : . وروي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تلا عليه هذه الآية قال له: «قم فصل أربع ركعات»تفسير : . والله أعلم. وخرّج الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» من حديث ٱبن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لم أر شيئاً أحسن طلباً ولا أسرع إدراكاً من حسنة حديثة لذنب قديمتفسير : ، {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ}. الخامسة: دلّت الآية مع هذه الأحاديث على أن القبلة الحرام واللّمس الحرام لا يجب فيهما الحدّ، وقد يستدلّ به على أن لا حدّ ولا أدب على الرجل والمرأة وإن وُجدا في ثوب واحد، وهو ٱختيار ٱبن المنذر؛ لأنه لما ذكر ٱختلاف العلماء في هذه المسألة ذكر هذا الحديث مشيراً إلى أنه لا يجب عليهما شيء، وسيأتي ما للعلماء في هذا في «النور» إن شاء الله تعالى. السادسة: ذكر الله سبحانه في كتابه الصلاة بركوعها وسجودها وقيامها وقراءتها وأسمائها فقال: {أَقِمِ الصَّلاَةَ} الآية. وقال: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} تفسير : [الإسر اء: 78] الآية. وقال: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُون} تفسير : [الروم: 17 ـ 18]. وقال: {أية : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} تفسير : [طه: 130]. وقال: {أية : ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ} تفسير : [الحج: 77]. وقال: {أية : وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} تفسير : [البقرة: 238]. وقال: {أية : وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} تفسير : [الأعراف: 204] على ما تقدم. وقال: {أية : وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} تفسير : [الإسراء: 110] أي بقراءتك؛ وهذا كله مجمل أجمله في كتابه، وأحال على نبيه في بيانه؛ فقال جل ذكره: {أية : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} تفسير : [النحل: 44] فبيّن صلى الله عليه وسلم مواقيت الصلاة، وعدد الركعات والسَّجَدَات، وصفة جميع الصلوات فرضها وسننها، وما لا تصح (الصلاة) إلا به من الفرائض وما يستحب فيها من السنن والفضائل؛ فقال في صحيح البخاري: «حديث : صلّوا كما رأيتموني أصلي»تفسير : . ونقل ذلك عنه الكافّة عن الكافة، على ما هو معلوم، ولم يمت النبي صلى الله عليه وسلم حتى بَيّنَ جميع ما بالناس الحاجة إليه؛ فكمل الدِّين، وأوضح السبيل؛ قال الله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً} تفسير : [المائدة: 3]. قوله تعالى: {ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} أي القرآن موعظة وتوبة لمن اتعظ وتذكر؛ وخص الذاكرين بالذكر لأنهم المنتفعون بالذكرى. والذكرى مصدر جاء بألف التأنيث.
ابن كثير
تفسير : قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ} قال: يعني: الصبح والمغرب، وكذا قال الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال الحسن في رواية، وقتادة والضحاك وغيرهم: هي الصبح والعصر. وقال مجاهد: هي الصبح في أول النهار، والظهر والعصر من آخره وكذا قال محمد بن كعب القرظي والضحاك في رواية عنهـ قوله: {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ} قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم: يعني: صلاة العشاء. وقال الحسن في رواية ابن المبارك: عن مبارك بن فضالة عنه: {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ} يعني: المغرب والعشاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هما زلفتا الليل: المغرب والعشاء» تفسير : وكذا قال مجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والضحاك: إنها صلاة المغرب والعشاء، وقد يحتمل أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، فإنه إنما كان يجب من الصلاة صلاتان: صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها، وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة، ثم نسخ في حق الأمة، وثبت وجوبه عليه، ثم نسخ عنه أيضاً في قول، والله أعلم. وقوله: {إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَـٰتِ} يقول: إن فعل الخيرات يكفر الذنوب السالفة؛ كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: كنت إذا سمعت من رسول الله حديثاً، نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وإذا حدثني عنه أحد، استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما من مسلم يذنب ذنباً، فيتوضأ ويصلي ركعتين، إلا غفر له» تفسير : وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان أنه توضأ لهم كوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، وقال: «حديث : من توضأ وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه» تفسير : وروى الإمام أحمد وأبو جعفر بن جرير من حديث أبي عقيل زهرة بن معبد: أنه سمع الحارث مولى عثمان يقول: جلس عثمان يوماً، وجلسنا معه، فجاءه المؤذن، فدعا عثمان بماء في إِناء، أظنه سيكون فيه قدر مد، فتوضأ ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: «حديث : من توضأ وضوئي هذا، ثم قام فصلى صلاة الظهر، غفر له ما بينه وبين صلاة الصبح، ثم صلى العصر، غفر له ما بينه وبين صلاة الظهر، ثم صلى المغرب، غفر له ما بينه وبين صلاة العصر، ثم صلى العشاء، غفر له ما بينه وبين صلاة المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته، ثم إِن قام فتوضأ، وصلى الصبح، غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهن الحسنات يذهبن السيئات»تفسير : وفي الصحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهراً غمراً يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء »تفسير : ؟ قالوا: لا يا رسول الله قال: «حديث : كذلك الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الذنوب والخطايا» تفسير : وقال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو الطاهر وهارون ابن سعيد قالا: حدثنا ابن وهب عن أبي صخر: أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثه عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : الصلوات الخمس، والجمعة إِلى الجمعة، ورمضان إِلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إِسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد: أن أبا رُهْم السمعي كان يحدث: أن أبا أيوب الأنصاري حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : إِن كل صلاة تحط ما بين يديهامن خطيئة» تفسير : وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا محمد بن عوف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبي عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : جعلت الصلوات كفارات لما بينهن» تفسير : فإِن الله قال: {إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَـٰتِ}. وقال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يزيد بن زريع عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود: أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأنزل الله: {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَـٰتِ} فقال الرجل: يا رسول الله ألي هذا؟ قال: «حديث : لجميع أمتي كلهم» تفسير : هكذا رواه في كتاب الصلاة، وأخرجه في التفسير عن مسدد عن يزيد بن زريع بنحوه، ورواه مسلم وأحمد وأهل السنن، إِلا أبا داود، من طرق عن أبي عثمان النهدي، واسمه عبد الرحمن بن مل، به. ورواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير، وهذا لفظه، من طرق عن سماك بن حرب: أنه سمع إبراهيم بن يزيد يحدث عن علقمة والأسود عن ابن مسعود قال: جاء رجل إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إِني وجدت امرأة في بستان، ففعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها، قبلتها ولزمتها، ولم أفعل غير ذلك، فافعل بي ما شئت، فلم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، فذهب الرجل، فقال عمر: لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه، فأتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره، ثم قال: «حديث : ردوه علي» تفسير : فردوه عليه، فقرأ عليه: { وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَـٰتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَٰكِرِينَ} فقال معاذ، وفي رواية: عمر: يارسول الله أله وحده أم للناس كافة؟ قال: «حديث : بل للناس كافة» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد عن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إِن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإِن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إِلا من أحب، فمن أعطاه الله الدين، فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه» تفسير : قال: قلنا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: «حديث : غشه وظلمه، ولا يكسب عبد مالاً حراماً، فينفق منه، فيبارك له فيه، ولا يتصدق، فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره، إِلا كان زاده إِلى النار، إِن الله لا يمحو السيىء بالسيىء ولكن يمحو السيىء بالحسن، إِن الخبيث لا يمحو الخبيث» تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا أبو السائب حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إِبراهيم قال: كان فلان بن معتب رجلاً من الأنصار، فقال: يا رسول الله دخلت عليّ امرأة، فنلت منها ما ينال الرجل من أهله، إِلا أني لم أواقعها، فلم يدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجيبه حتى نزلت هذه الآية: {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَـٰتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَٰكِرِينَ} فدعاه رسول الله، فقرأها عليه. وعن ابن عباس: أنه عمرو بن غزية الأنصاري التمار. وقال مقاتل: هو أبو نفيل عامر بن قيس الأنصاري. وذكر الخطيب البغدادي: أنه أبو اليسر كعب بن عمرو. وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس وعفان قالا: حدثنا حماد، يعني: ابن سلمة عن علي بن زيد، قال عفان: أنبأنا علي بن يزيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس: أن رجلاً أتى عمر، فقال: إن امرأة جاءت تبايعه، فأدخلتها الدولج، فأصبت منها ما دون الجماع، فقال: ويحك لعلها مُغيبة في سبيل الله؟ قال: أجل، قال: فائت أبا بكر، فسله. قال: فأتاه، فسأله، فقال: لعلها مُغيبة في سبيل الله؟ فقال مثل قول عمر، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له مثل ذلك، قال: «حديث : فلعلها مغيبة في سبيل الله» تفسير : ونزل القرآن: {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَـٰتِ} إِلى آخر الآية، فقال: يا رسول الله لي خاصة أم للناس عامة؟ فضرب، يعني: عمر، صدره بيده، وقال: لا،ولا نُعْمَة عين، بل للناس عامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صدق عمر» تفسير : وروى الإمام أبو جعفر بن جرير من حديث قيس بن الربيع عن عثمان بن موهب عن موسى بن طلحة عن أبي اليسر كعب بن عمرو الأنصاري قال: أتتني امرأة تبتاع مني بدرهم تمراً، فقلت: إِن في البيت تمراً أجود من هذا، فدخلت، فأهويت إِليها فقبلتها، فأتيت عمر فسألته، فقال: اتق الله واستر على نفسك، ولا تخبرن أحداً، فلم أصبر حتى أتيت أبا بكر فسألته، فقال: اتق الله واستر على نفسك، ولا تخبرن أحداً، قال: فلم أصبر حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: «حديث : أخلفت رجلاً غازياً في سبيل الله في أهله بمثل هذا»تفسير : ؟ حتى ظننت أني من أهل النار، حتى تمنيت أني أسلمت ساعتئذ، فأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة فنزل جبريل، فقال أبو اليسر: فجئت، فقرأ عليّ رسول الله: { وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَـٰتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَٰكِرِينَ} فقال إِنسان: يا رسول الله له خاصة، أم للناس عامة؟ قال: «حديث : للناس عامة» تفسير : وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا جرير عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل: أنه كان قاعداً عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل فقال: يا رسول الله ما تقول في رجل أصاب من امرأة لا تحل له، فلم يدع شيئاً يصيبه الرجل من امرأته إِلا قد أصاب منها، غير أنه لم يجامعها؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : توضأ وضوءاً حسناً، ثم قم فصلِّ» تفسير : فأنزل الله عز وجل هذه الآية يعني: قوله: {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ} فقال معاذ: أهي له خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: «حديث : بل للمسلمين عامة» تفسير : ورواه ابن جرير من طرق عن عبد الملك بن عمير به. وقال عبد الرزاق: حدثنا محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة: أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذكر امرأة وهو جالس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنه لحاجة، فأذن له فذهب يطلبها فلم يجدها، فأقبل الرجل يريد أن يبشر النبي صلى الله عليه وسلم بالمطر، فوجد المرأة جالسة على غدير، فدفع في صدرها، وجلس بين رجليها، فصار ذكره مثل الهدبة، فقام نادماً حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما صنع، فقال له: «حديث : استغفر ربك، وصل أربع ركعات» تفسير : قال: وتلا عليه: {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ} الآية. وقال ابن جرير: حدثني عبد الله بن أحمد بن سيبويه، حدثنا إسحاق بن إِبراهيم، حدثني عمرو بن الحارث، حدثني عبد الله بن سالم عن الزبيدي عن سليم بن عامر: أنه سمع أبا أمامة يقول: إِن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أقم فيّ حد الله - مرة أو اثنتين - فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقيمت الصلاة، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة قال: «حديث : أين هذا الرجل القائل: أقم فيّ حد الله؟» تفسير : قال: أنا ذا. قال: أتممت الوضوء وصليت معنا آنفاً؟ قال: نعم. قال: «حديث : فإنك من خطيئتك كيوم ولدتك أمك، فلا تعد» تفسير : وأنزل الله على رسول الله: { وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَـٰتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَٰكِرِينَ}ـ وقال الإمام أحمد حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أنبأنا علي بن زيد عن أبي عثمان قال: كنت مع سلمان الفارسي تحت شجرة، فأخذ منها غصناً يابساً، فهزه حتى تحات ورقه، ثم قال: أبا عثمان ألا تسألني لم أفعل هذا؟ قلت: ولم تفعله؟ قال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى الصلوات الخمس، تحاتت خطاياه كما يتحات هذا الورق. وقال: { وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَـٰتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَٰكِرِينَ} وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «حديث : يا معاذ أتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن حبيب عن ميمون بن أبي شبيب عن أبي ذر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» تفسير : وقال أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن شمر بن عطية عن أشياخه عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله أوصني، قال: «حديث : إذا عملت سيئة، فأتبعها بحسنة تمحها» تفسير : قال: قلت: يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: «حديث : هي أفضل الحسنات» تفسير : وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا هذيل بن إبراهيم الجُمَّاني، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الزهري من ولد سعد بن أبي وقاص عن الزهري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما قال عبد: لا إله إلا الله في ساعة من ليل أو نهار، إلا طلست ما في الصحيفة من السيئات، حتى تسكن إلى مثلها من الحسنات» تفسير : عثمان بن عبد الرحمن يقال له: الوقاصي، فيه ضعف. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا بشر بن آدم وزيد بن أخرم قالا: حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا مستور بن عباد عن ثابت عن أنس: أن رجلاً قال: يا رسول الله ما تركت من حاجة ولا داجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟» تفسير : قال: بلى. قال: «حديث : فإن هذا يأتي على ذلك» تفسير : تفرد به من هذا الوجه مستور.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ } الغداة والعشيّ: أي الصبح والظهر والعصر {وَزُلَفاً } جمع زلفة. أي طائفة {مِّنَ ٱلَّيْلِ } أي المغرب والعشاء {إِنَّ ٱلْحَسَنَٰتِ } كالصلوات الخمس {يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّئـَٰتِ } الذنوب الصغائر، نزلت فيمن قَبَّل أجنبية، فأخبره صلى الله عليه وسلم فقال: ألي هذا؟ فقال: « حديث : لجميع أمتي كلهم » تفسير : ، رواه الشيخان {ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ } عظة للمتعظين.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وأقم الصلاة طرفي النهار} أما الطرف الأول فصلاة الصبح باتفاق وأما الطرف الثاني ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه عنى صلاة الظهر والعصر، قاله مجاهد. الثاني: صلاة العصر وحدها، قاله الحسن. الثالث: صلاة المغرب، قاله ابن عباس. {وزلفاً من الليل} والزلف جمع زلفة، والزلفة المنزلة، فكأنه قال ومنازل من الليل، أي ساعات من الليل، وقيل إنما سميت مزدلفة من ذلك لأنها منزل بعد عرفة، وقيل سميت بذلك لازدلاف آدم من عرفة إلى حواء وهي بها، ومنه قول العجاج في صفة بعير: شعر : ناجٍ طواه الأين مما وجفا طيَّ الليالي زُلَفاً فزلفا تفسير : وفي معنى {زلفاً من الليل} قولان: أحدهما: صلاة العشاء الآخرة، قاله ابن عباس ومجاهد. الثانية: صلاة المغرب والعشاء والآخرة، قاله الضحاك ولحسن ورواه مرفوعاً. {إن الحسنات يذهبن السيئات} في هذا الحسنات أربعة أقاويل: أحدها: الصلوات الخمس، قاله ابن عباس والحسن وابن مسعود والضحاك. الثاني: هي قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، قاله مجاهد قال عطاء: وهن الباقيات الصالحات. الثالث: أن الحسنات المقبولة يذهبن السيئات المغفورة. الرابع: أن الثواب الطاعات يذهبن عقاب المعاصي. {ذلك ذكرى للذاكرين} فيه وجهان: أحدهما: توبة للتائبين، قاله الكلبي. الثاني: بيان للمتعظين، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : واتبع السيئة الحسنة تمحها " تفسير : وسبب نزول هذه الآية ما روى الأسود عن ابن مسعود قال: جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني عالجت امرأة في بعض أقطار المدينة فأصبت منها دون أن أمسّها وأنا هذا فاقض فيّ ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله لو سترت على نفسك. ولم يردّ عليه النبي صلى الله عيله وسلم شيئاً. فنزلت هذه الآية: {إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذركى للذاكرين} فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليه فقال عمر: يا رسول الله أله خاصة أم للناس كافة؟ فقال: "حديث : بل للناس كافة" تفسير : قال أبو موسى طمحان: إن هذا الرجل أبو اليسر الأنصاري وقال ابن عابس هو عمرو بن غزية الأنصاري، وقال مقاتل: هو عامر بن قيس الأنصاري.
ابن عبد السلام
تفسير : {طَرَفَىِ النَّهَارِ} الأول الصبح اتفاقاً والثاني الظهر والعصر، أو العصر وحدها، أو المغرب "ع". {وَزُلَفاً} جمع زلفة والزلفة المنزلة أي ومنازل من الليل أي ساعات، ومزدلفة لأنها منزل بعد عرفة، أو لازدلاف آدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ من عرفة إلى حواء وهي بها. وأراد عشاء الآخرة، أو المغرب والعشاء {الْحَسَنَاتِ} الصلوات الخمس "ع"، أو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وهن الباقيات الصالحات، أو الحسنات المقبولة تذهب السيئات المغفورة، أو ثواب الطاعة يذهب عقاب المعصية. {ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} توبة للتائبين، أو بيان للمتعظين.
النسفي
تفسير : { وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ } غدوة وعشية {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ } وساعات من الليل جمع زلفة وهي ساعاته القريبة من آخر النهار من أزلفه إذا قربه. وصلاة الغدوة الفجر، وصلاة العشية الظهر والعصر لأن ما بعد الزوال عشي، وصلاة الزلف المغرب والعشاء، وانتصاب {طرفي النهار} على الظرف لأنهما مضافان إلى الوقت كقولك «أقمت عنده جميع النهار وأتيته نصف النهار وأوله وآخره». تنصب هذا كله على إعطاء المضاف حكم المضاف إليه {إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبنَ ٱلسَّيّئَاتِ } إن الصلوات الخمس يذهبن الذنوب وفي الحديث «حديث : إن الصلوات الخمس تكفر ما بينها من الذنوب»تفسير : أو الطاعات. قال عليه السلام: «حديث : أتبع السيئة الحسنة تمحها»تفسير : أو سبحان الله والحمد لله ولا إلٰه إلا الله والله أكبر {ذٰلِكَ } إشارة إلى {فاستقم} فما بعده أو القرآن {ذِكْرَىٰ لِلذكِرِينَ } عظة للمتعظين. نزلت في عمرو بن غزية الأنصاري بائع التمر قال لامرأة: في البيت تمر أجود فدخلت فقبلها فندم فجاءه حاكياً باكياً فنزلت فقال عليه السلام: «حديث : هل شهدت معنا العصر»تفسير : قال: نعم. قال: «حديث : هي كفارة لك»تفسير : فقيل: أله خاصة؟ قال: «حديث : بل للناس عامة»تفسير : {وَٱصْبِرْ } على امتثال ما أمرت به والانتهاء عما نهيت عنه فلا يتم شيء منه إلا به {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } جاء بما هو مشتمل على جميع الأوامر والنواهي من قوله {فاستقم} إلى قوله {واصبر} وغير ذلك من الحسنات.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وأقم الصلاة طرفي النهار} قال: صلاة المغرب والغداة {وزلفا من الليل} قال: صلاة العتمة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله {وأقم الصلاة طرفي النهار} قال: الفجر والعصر {وزلفاً من الليل} قال: هما زلفتان صلاة المغرب وصلاة العشاء. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : هما زلفتا الليل ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {وأقم الصلاة طرفي النهار} قال: صلاة الفجر وصلاتي العشاء يعني الظهر والعصر {وزلفاً من الليل} قال: المغرب والعشاء. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {وزلفاً من الليل} قال: ساعة بعد ساعة، يعني صلاة العشاء الآخرة. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس. أنه كان يستحب تأخير العشاء، ويقرأ {وزلفاً من الليل} . وأخرج ابن جرير ومحمد بن نصر وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله {إن الحسنات يذهبن السيئات} قال: الصلوات الخمس. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة ومحمد بن نصر وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {إن الحسنات يذهبن السيئات} قال: الصلوات الخمس {والباقيات الصالحات} قال: الصلوات الخمس. وأخرج ابن حبان عن ابن مسعود قال: حديث : قال رجل: يا رسول الله إني لقيت امرأة في البستان فضممتها إلي وقبلتها وباشرتها وفعلت بها كل شيء إلا أني لم أجامعها؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليه، فقال عمر: يا رسول الله أله خاصة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل للناس كافة ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن حبان عن ابن مسعود "حديث : أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له كأنه يسأل عن كفارتها؟ فأنزلت عليه {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات} فقال: يا رسول الله ألي هذه؟ قال: هي لمن عمل بها من أمتي ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال "حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني وجدت امرأة في البستان ففعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها قبلتها ولزمتها ولم أفعل غير ذلك فافعل بي ما شئت فلم يقل له رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، فذهب الرجل فقال عمر: لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه. فأتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره فقال ردوه عليه. فردوه فقرأ عليه {وأقم الصلاة طرفي النهار...} الآية. فقال معاذ بن جبل: يا رسول الله أله وحده أم للناس كافة؟ فقال: بل للناس كافة ". تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن مردويه عن أبي اليسر قال "حديث : أتتني امرأة تبتاع تمراً فقلت: إن في البيت تمراً أطيب منه. فدخلت معي البيت فأهويت إليها فقبلتها، فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له قال: استر على نفسك وتب. فأتيت عمر فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحداً. فلم أصبر، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: اخلفت غازياً في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟ حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة حتى ظن أنه من أهل النار، وأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً حتى أوحى الله إليه {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل} إلى قوله {للذاكرين} قال أبو اليسر: فأتيته فقرأها علي فقال أصحابه: يا رسول الله ألهذا خاصة؟ قال: بل للناس كافة ". تفسير : وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة رضي الله عنه. حديث : أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أقم في حد الله مرة أو مرتين. فأعرض عنه، ثم أقيمت الصلاة فلما فرغ قال "أين الرجل؟ قال: أنا ذا. قال: أتممت الوضوء وصليت معنا آنفاً؟ قال: نعم. قال: فإنك من خطيئتك كما ولدتك أمك فلا تعد، وأنزل الله حينئذ على رسول الله صلى الله عليه وسلم {وأقم الصلاة طرفي النهار} الآية" . تفسير : وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن جرير وأبو الشيخ والدارقطني والحاكم وابن مردويه عن معاذ بن جبل قام:حديث : رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما ترى في رجل لقي امرأة لا يعرفها فليس يأتي الرجل من امرأته شيئاً إلا أتى فيها غير أنه لم يجامعها، فأنزل الله {وأقم الصلاة طرفي النهار...} الآية. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "توضأ وضوءاً حسناً، ثم قم فصل. قال معاذ: فقلت يا رسول الله: أله خاصة أم للمؤمنين عامة؟ قال: للمؤمنين عامة . تفسير : وأخرج أحمد وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال "حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امراة جاءت تبايعني فأدخلتها فأصبت منها ما دون الجماع فقال: لعلها مغيبة في سبيل الله؟ قال: أظن. قال: ادخل. فدخل فنزل القرآن {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل...} الآية. فقال الرجل: ألي خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فضرب عمر في صدره وقال: لا، ولا نعمة عين ولكن للمؤمنين عامة. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: صدق عمر هي للمؤمنين عامة ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نلت من امرأة ما دون نفسها، فأنزل الله {وأقم الصلاة} الآية. وأخرج البزار وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباسحديث : أن رجلاً كان يحب امرأة، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة، فأذن له فانطلق في يوم مطير، فإذا هو بالمرأة على غدير ماء تغتسل، فلما جلس منها مجلس الرجل من المرأة ذهب يحرك ذكره فإذا هو كأنه هدبة فندم، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "صل أربع ركعات"، فأنزل الله {وأقم الصلاة طرفي النهار} . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن بريدة قال "حديث : جاءت امرأة من الأنصار إلى رجل يبيع التمر بالمدينة وكانت امرأة حسناء جميلة، فلما نظر إليها أعجبته وقال: ما أرى عندي ما أرضى لك ههنا، ولكن في البيت حاجتك، فأنطلقت معه حتى إذا دخلت راودها على نفسها فأبت، وجعلت تناشده فأصاب منها من غير أن يكون أفضى إليها، فانطلق الرجل وندم على ما صنع حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره فقال: ما حملك على ذلك؟ قال: الشيطان. فقال له: صل معنا، ونزل {وأقم الصلاة طرفي النهار} يقول: صلاة الغداة والظهر والعصر {وزلفاً من الليل} المغرب والعشاء {إن الحسنات يذهبن السيئات} فقال الناس: يا رسول الله لهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال: بل هي للناس عامة ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن عطاء بن أبي رباح قال: أقبلت امرأة حتى جاءت إنساناً يبيع الدقيق لتبتاع منه، فدخل بها البيت فلما خلا له قبلها فسقط في يده، فانطلق إلى أبي بكر فذكر ذلك له فقال: انظر لا تكون امرأة رجل غاز. فبينما هم على ذلك نزل في ذلك {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل} قيل لعطاء: المكتوبة هي؟ قال: نعم. وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال "حديث : جاء فلان بن مقيب رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله دخلت على امرأة فنلت منها ما ينال الرجل من أهله إلا أني لم أواقعها، فلم يدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجيبه حتى نزلت هذه الآية {وأقم الصلاة طرفي النهار} فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأها عليه ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن سليمان التيمي قال: ضرب رجل على كفل امرأة، ثم أتى إلى أبي بكر وعمر فسألهما عن كفارة ذلك فقال كل منهما: لا أدري، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله؟ فقال "لا أدري، حتى أنزل الله {وأقم الصلاة} الآية". وأخرج ابن جرير عن يزيد بن رومان. أن رجلاً من بني تميم دخلت عليه امرأة فقبلها ووضع يده على دبرها، فجاء إلى أبي بكر، ثم إلى عمر، ثم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية {وأقم الصلاة} إلى قوله {ذلك ذكرى للذاكرين} فلم يزل الرجل الذي قبل المرأة يذكر، فذلك قوله {ذكرى للذاكرين} . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن يحيى بن جعدة. حديث : أن رجلاً أقبل يريد أن يبشر النبي صلى الله عليه وسلم بالمطر، فوجد امرأة جالسة على غدير فدفع صدرها وجلس بين رجليها، فصار ذكره مثل الهدبة، فقام ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما صنع فقال له "استغفر ربك وصل أربع ركعات، وتلا عليه {وأقم الصلاة طرفي النهار...} الآية" . تفسير : وأخرج الطيالسي وأحمد والدارمي وابن جرير والطبراني والبغوي في معجمه وابن مردويه عن سلمان "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ غصناً يابساً من شجرة فهزه حتى تحات ورقه ثم قال: إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى الصلوات الخمس تحاتت خطاياه كما يتحات هذا الورق، ثم تلا هذه الآية {وأقم الصلاة طرفي النهار...} الآية. إلى قوله {للذاكرين} ". تفسير : وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : جعلت الصلوات كفارات لما بينهن، فأن الله تعالى قال {إن الحسنات يذهبن السيئات} ". تفسير : وأخرج أحمد وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كل صلاة تحط ما بين يديها من خطيئة ". تفسير : وأخرج أحمد والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح حديث : عن عثمان قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، ثم قال "من توضأ وضوئي هذا، ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما كان بينه وبين صلاة الصبح، ثم صلى العصر غفر له ما كان بينه وبين صلاة الظهر، ثم صلى المغرب غفر له ما كان بينه وبين صلاة العصر، ثم صلى العشاء غفر له ما كان بينه وبين صلاة المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهن الحسنات يذهبن السيئات قالوا: هذه الحسنات فما الباقيات يا عثمان؟ قال: هي لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" . تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهراً يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيئاً؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: كذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الذنوب والخطايا ". تفسير : وأخرج أحمد عن ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكن السيء بالحسن ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: لم أر شيئاً أحسن طلباً ولا أحسن إدراكاً من حسنة حديثة لسيئة قديمة {إن الحسنات يذهبن السيئات} ". وأخرج أحمد عن معاذ "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: يا معاذ أتبع السيئة الحسنة تمحها ". تفسير : وأخرج أحمد وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات حديث : عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله أوصني. قال: "اتق الله إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها. قال: قلت: يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: هي أفضل الحسنات" . تفسير : وأخرج أبو يعلى عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما قال عبد لا إله إلا الله في ساعة من ليل أو نهار إلا طلست ما في الصحيفة من السيئآت حتى تسكن إلى مثلها من الحسنات ". تفسير : وأخرج البزار عن أنس رضي الله عنه "حديث : أن رجلاً قال يا رسول الله: ما تركت من حاجة ولا داجة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: نعم. قال: فإن هذا يأتي على ذلك ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : مثل الذي يعمل الحسنات على أثر السيئآت كمثل رجل عليه درع من حديد ضيقة تكاد تخنقه، فكلما عمل حسنة فك حتى يحل عقده كلها ". تفسير : وأخرج الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: إن الصلاة من الحسنات وكفارة ما بين الأولى إلى العصر صلاة العصر، وكفارة ما بين صلاة العصر إلى المغرب صلاة المغرب، وكفارة ما بين المغرب إلى العتمة صلاة العتمة، ثم يأوي المسلم إلى فراشه لا ذنب له ما اجتنبت الكبائر، ثم قرأ {إن الحسنات يذهبن السيئات} . وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير عن علي رضي الله عنه قال: حديث : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قام الرجل فأعاد القول، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أليس قد صليت معنا هذه الصلاة، وأحسنت لها الطهور؟ قال: بلى. قال: فإنها كفارة ذلك" . تفسير : وأخرج مالك وابن حبان عن عثمان بن عفان أنه قال: لأحدثنكم حديثاً لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : ما من امرىء يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي الصلاة إلا غفر الله له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها. قال مالك: أراه يريد هذه الآية {أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات} ". تفسير : وأخرج ابن حبان عن واثلة بن الأسقع قال: حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علي. فأعرض عنه، ثم أقيمت الصلاة، فلما سلم قال: يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هل توضأت ثم أقبلت؟ قال: نعم. قال: وصليت معنا؟ قال: نعم. قال: فاذهب فإن الله قد غفر لك" . تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: حديث : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علي. فلم يسأله عنه، وحضرت الصلاة فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قضى الصلاة قام إليه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حداً فأقم عليّ كتاب الله. قال "أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم. قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك" . تفسير : وأخرج البزار وأبو يعلى ومحمد بن نصر وابن مردويه عن أنس بن مالك "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار عذب غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات فماذا يبقين من درنه؟ قال: ودرنه إثمه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنما مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات فما يبقى من درنه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد بن عمير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مثل الصلوات الخمس نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم، فماذا يبقين من الدرن ". تفسير : وأخرج أحمد وابن خزيمة ومحمد بن نصر والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان بسند صحيح عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت سعداً وناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: حديث : كان رجلان أخوان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحدهما أفضل من الآخر، فتوفي الذي هو أفضلهما وعمر الآخر بعده أربعين ليلة، ثم توفي فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضل الأوّل على الآخر قال "ألم يكن يصلي؟ قالوا: بلى يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يدريكم ما بلغت به صلاته؟ ثم قال عند ذلك: إنما مثل الصلوات كمثل نهر جار بباب أحدكم غمر عذب يقتحم فيه كل يوم خمس مرات، فماذا ترون يبقى من درنه؟" . تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مثل الصلوات الخمس كمثل نهر عذب يجري عند باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، فماذا يبقى عليه من الدرن؟ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي برزة "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما صليت صلاة إلا وأنا أرجو أن تكون كفارة لما أمامها ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من امرىء مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيقوم فيتوضأ فيحسن الوضوء، ويصلي فيحسن الصلاة إلا غفر له ما بينها وبين الصلاة التي كانت قبلها من ذنوبه ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني عن أبي سعيد الخدري "حديث : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الصلوات الخمس كفارة ما بينها، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت لو أن رجلاً كان يعتمل وكان بين منزله ومعتمله خمسة أنهار، فإذا أتى معتمله عمل فيه ما شاء الله فأصابه الوسخ أو العرق، فكلما مر بهر اغتسل ما كان يبقى من درنه؟ فكذلك الصلاة كلما عمل خطيئة صلى صلاة فدعا واستغفر الله غفر الله له ما كان قبلها ". تفسير : وأخرج البزار عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن لله تعالى ملكاً ينادي عند كل صلاة يا بني آدم قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على أنفسكم فاطفئوها ". تفسير : وأخرج الطبراني في الكبير عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : يبعث مناد عند حضرة كل صلاة فيقول: يا بني آدم قوموا فاطفئوا عنكم ما أقدتم على أنفسكم، فيقومون فيتطهرون ويصلون فيغفر لهم ما بينهما، فإذا حضرت العصر فمثل ذلك، فإذا حضرت المغرب فمثل ذلك، فإذا حضرت العتمة فمثل ذلك، فينامون فيغفر لهم، فمدلج في خير ومدلج في شر ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي أمامة الباهلي "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الصلاة المكتوبة تكفر ما قبلها إلى الصلاة الأخرى، والجمعة تكفر ما قبلها إلى الجمعة الأخرى، وشهر رمضان يكفر ما قبله إلى شهر رمضان، والحج يكفر ما قبله إلى الحج ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : المسلم يصلي وخطاياه مرفوعة على رأسه كلما سجد تحاتت عنه فيفرغ من صلاته وقد تحاتت عنه خطاياه ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن العبد إذا قام يصلي جمعت ذنوبه على رقبته، فإذا ركع تفرقت ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي الدرداء "حديث : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما من مسلم يذنب ذنباً فيتوضأ ثم يصلي ركعتين أو أربعاً مفروضة أو غير مفروضة، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان قال: الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود موقوفاً والبزار والطبراني عنه مرفوعاً قال "الصلوات الحقائق كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر". وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: مثل الصلوات الخمس مثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، فماذا يبقين بعد عليه من درنه؟. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء. مثل الصلوات الخمس مثل رجل على بابه نهر يغتسل منه كل يوم خمس مرات، فماذا يبقى ذلك من درنه؟. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: تكفير كل لحاء ركعتان. وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني في الكبير عن ابن مسعود قال: يحترقون فإذا صلوا الظهر غسلت، ثم يحترقون فإذا صلوا العصر غسلت، ثم يحترقون فإذا صلوا المغرب غسلت، حتى ذكر الصلوات كلهن. وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : تحترقون، فإذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب حتى تستيقظوا ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن أبي عبيدة بن الجراح. أنه قال: بادروا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات، فلو أن أحدكم أخطأ ما بينه وبين السماء والأرض ثم عمل حسنة لعلت فوق سيئاته حتى تقهرهن. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: استعينوا على السيئات القديمات بالحسنات الحديثات، وإنكم لن تجدوا شيئاً اذهب لسيئة قديمة من حسنة حديثة، وتصديق ذلك في كتب الله تعالى {إن الحسنات يذهبن السيئات} . وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {ذلك ذكرى للذاكرين} قال: هم الذين يذكرون الله في السراء والضراء، والشدة والرخاء، والعافية والبلاء. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: لما نزع الذي قبل المرأة تذكر، فذلك قوله {ذلك ذكرى للذاكرين} .
القشيري
تفسير : أي اسْتَغْرِقْ جميعَ الأوقاتِ بالعبادات، فإنَّ إخلالَكِ لحظةً من الزمان بِفَرَضٍ تؤديه، أو نَفْلِ تأتيه حَسْرَةٌ عظيمةٌ وخُسرَانٌ مبينٌ. قوله {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} الحسنات ما يجود بها الحق، والسيئات ما يذنبها العبد، فإذا دخلت حسناتُه على قبائح العبد مَحَتْها وأَبْطَلَتْها. ويقال حسناتُ القُربة تَذْهَبُ بسيئات الزَّلَّة. ويقال حسناتُ الندم تَذْهَبُ بسيئات الجُرْم. ويقال (انسكاب) العَبْرَةَ تُذْهِبَ سيئاتِ العَثْرَة. ويقال حسنات العرفان تُذْهِبُ سيئات العصيان. ويقال حسنات الاستغفار تُذْهِبُ سئيات الإصرار. ويقال حسناتُ العناية تذهب سيئات الجناية. ويقال حسنات العفو عن الإخوان تذْهِبُ الحقدَ عليهم. ويقال حسنات الكَرَمَ تُذْهِبُ سيئاتٍ الخَدَم. ويقال حسنُ الظنِّ يُذْهِبُ سوأتهم بكم. ويقال حسنات الفضل من الله تُذْهِبُ سيئاتِ حسبان الطاعة من أنفسكم. ويقال حسناتُ الصدق تَذْهَبُ بسيئاتِ الإعجاب. ويقال حسناتُ الإخلاص تَذْهَبُ بسيئات الرياء.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} ان الله سبحانه حفظ الاوقات على اهل المشاهدات والمحاضرات ووسمها بوظائف الطاعات لهم ليصلوا بالمجالسات والمحاضرات والمراقبات والطاعات الى معالى الدرجات والقربات لان من حضر بقلبه وروحه وعقله مجالس الذكر والمراقبة يصل سره الى رؤية المشاهدة احد طرفى النهار لان كثرة الفترة والزلة والغفلة يكون بالنهار حتى يكونا ذاهبين بما جرى بينهما من الغفلات بما فيها من صفاء الاذكار وجولان الافكار واخذ طرفا من الليل وهو اولها لبقاء صفاء الوقت وحلاوة الذكر والطاعة وحرقة الوجد ولهب القلب ولذة الانس الى النهار ولا يترك صاحبها عاقلا وان كان نائما فاذا وصل اوقات الليل باوقات النهار ووصل اوقات النهار باوقات الليل === عد الانفاس ونفى خواطر الوسواس تذهب انوارها غبار الخطرات وظلمة المعارضات وهيجان الطبيعات والبشريات كما قال تعالى ان الحسنات يذهبن السيّئات ان حسنات انوار المشاهدات تذهب سيئات المعارضات وتذهب حسنات كشف الجمال سيات الخيال وتذهب حسنات التوحيد والمعرفة والفهم سيات الظن والوهم ولا يعرف ما وصفنا الا اهل الذكر من المريدين واهل المراقبة من المحبين واهل الرعاية من العارفين كما قال تعالى ذلك ذكرى للذاكرين قال ابو عثمان الاوقات والساعات جعلت علامات الاذكار اوقاتا للتيقظ ولاعتبار فمن مرت عليه احواله واوقاته وساعاته فى غفلة فليتيقن بموت القلب لانه مطالب فى كل وقت من اوقاته اما بفريضة او سنة او ادب قال الواسطى انوار الطاعات تذهب بظلم المعاصى قال بعضهم رؤية الفضل تسقط عن العبد رؤية العمل قال ابو عثمان حسن الظن بالخلق يذهب الاحنة والغيبة ويورث الشفقة والنصيحة والرحمة وذلك موعظة لمن يوفق له ويوهل وقال يحيى بن معاذ ان الله لم يرض للمؤمن بالذنب حتى ستر ولم يرض بالستر حتى غفر ولم يرض بالغفران حتى بدل ولم يرض بالتبدل حتى اجره عليها فقال ان الحسنات يذهبن السيات وقال فاولئك يبدل الله سيآتهم حسنات يقال حسنات التوبة تذهب سيئات الزلة ويقال حسنات العرفان يذهب سيئات العصيان ويقال حسنات العناية تذهب سيئات الجناية ولما عظم سان حفظ الاوقات === رعايتها على اهل المشاهدات والمجاهدات امر بالصبر عليها بقوله {وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} اى واصبر فى دفع الخطرات المذمومة عن مزار المجاهدة وانوا رالمكاشفة وايضا واصبر تحت برحاء تجلى الكبرياء فانى اجازى باحسانك بذل وجودك لى بنعت طلب رويتى بكشف جمال بقائى حتى لا تفنى بنور كبريائى وتبقى معى بنور بقائى قيل اصبر على اداء الطاعات وعن ارتكاب الجنايات فان الله لا يضيع اجر من احسن فى اداب العبودية وقيل اصبر على الذكر فان من ذكر الله على الحقيقة ذكره كما قال عليه السلام يقول الله اذا ذكرنى عبدى فى نفسه ذكرته فى نفسى الحديث واى اجر اعظم واجل من ذكر باق يكون ثواب ذكر باق.
اسماعيل حقي
تفسير : {واقم الصلوة} فى الامر بافعال الخير جاء موحدا موجها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الظاهر وان كان المأمور به من حيث المغنى عاما وفى النهى عن المحظورات موجها الى غير الرسول مخاطبا به امته فهذا من جليل البلاغة القرآنية والمراد باقامة الصلاة اداؤها وانما عبر عنه بها اشارة الى ان الصلاة عماد الدين {طرفى النهار} اى غدوة وعشية وانتصابه على الظرفية لكونه مضافا الى الوقت فيعطى حكم المضاف اليه {وزلفا من الليل} منصوب على الظرفية لعطفه على طرفى النهار اى ساعات من الليل وهى الساعات القريبة من النهار فانه من ازلفه اذا قربه جمع زلفة كغرف جمع غرفة. والمراد بصلاة الغدوة صلاة الفجر. وبصلاة العشية الظهر والعصر لان من بعد الزوال عشى. وبصلاة الزلف المغرب والعشاء وفيه دلالة بينة على اطلاق بينة على اطلاق لفظ الجمع وهو الزلف على الاثنين فالآية مشتملة على الصلوات الخمس ونظيرها قوله تعالى فى سورة ق {أية : وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس} تفسير : اى بصلاة الصبح {أية : وقبل الغروب} تفسير : اى بصلاة العصر والظهر فالعصر اصل فى ذلك الوقت والظهر تبع لها كما فى تفسير المناسبات {أية : ومن الليل} تفسير : فى بعض اوقاته {أية : فسبحه} تفسير : بصلاتى المغرب والعشاء وفسر بعضهم طرفى النهار بالصبح والمغرب وزلف الليل بالعشاء والتهجد فانه كان واجبا عليه فيوافق قوله {أية : ومن الليل فتهجد به} تفسير : اى الوتر على ما ذهب اليه ابو حنيفة او مجموع العشاء والوتر والتهجد على ما يقتضيه ظاهر صيغة الجمع فى زلفا {ان الحسنات} على الاطلاق لا سيما الصلوات الخمس {يذهبن السيئات} اى يكفرن الصغائر يعنى لا انها تذهب السيآت نفسها اذ هى قد وجدت بل ما كان يترتب عليها وفى الحديث "حديث : الصلوات الخمس والجمعة الى الجمعة ورمضان الى رمضان مكفرات لما بينهن اذا اجتنبت الكبائر" تفسير : ويمنعن من اقترافها كقوله تعالى {أية : ان الصلوة تنهى عن الفحشاء والمنكر} حديث : -روى- فى سبب النزول ان ابا اليسر الانصارى كان يبيع التمر فاتته امرأة فاعجبته فقال لها فى البيت اجود من هذا التمر فذهب الى نحو بيته وضمها الى نفسه وقبلها وفعل بها كل شيء الا الجماع فقالت له اتق الله فتركها وندم فاتى ابو بكر رضى الله عنه فاخبره فقال استر على نفسك وتب الى الله تعالى فلم يصبر فاتى عمر رضى الله عنه فقال له مثل ذلك فلم يصبر ثم اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبره بما فعل فقال "انتظر امر ربى فاستر على نفسك" فلما صلى صلاة العصر نزلت هذه الآية فقال عليه السلام "صليت العصر معنا" قال نعم فقال "اذهب فانها كفارة لما فعلت" فقال الحاضرون من الصحابة "هذا له خاصة ام للناس عامة" قال "بل للناس كافة" وفى الحديث "أرأيتم لو ان نهرا بباب احدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء" قالوا لا قال "فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا " تفسير : واعلم ان الذنوب كلها نجاسات والطاعات مطهرات وبماء اعضاءالوضوء تتساقط الاوزار ولذا كانت الغسالة فى حكم النجاسة. ومن هنا اخذ بعض الفقهاء كراهة والصلاة بالخرقة التى يتمسح بها اعضاء الوضوء وقال الله تعالى لموسى عليه السلام يا موسى يتوضأ احمد وامته كما امرتهم واعطيهم بكل قطرة تقطر من الماء جنة عرضها كعرض السماء فانظر الى ما سلبه الوضوء وجلبه: قال الحافظ شعر : خوشا نماز ونياز كسى كه ازسر درد بآب ديده وخون جكر طهارت كرد تفسير : واحسن الحسنات وافضل الطاعات العلم بالله وطريقة التوحيد وخلاف هوى النفس فبذكر الله يتخلص العبد من الذنوب وبه يحصل تزكية النفوس وتصفية القلوب وبه يتقوى العبد على طاعة الرحمن ويتخلص من كيد الشيطان حديث : قالوا يا رسول الله لا اله الا الله من الحسنات قال "هى احسن الحسنات" تفسير : وفى الآية اشارة الى ادامة الذكر والطاعة والعبادة فى الليل والنهار الا ان يكون له ضرورة من الحاجات الانسانية فيصرف بعض الاوقات اليها كطلب المعاش فى النهار والاستراحة فى الليل فانه يحصل للقوى البشرية والحواس كلال فيلزم دفعه بالمنام ليقوم فى اثناء الليل نشيطا للذكر والطاعة {ان الحسنات يذهبن السيئات} اى ان انوار الحسنات وهى الاعمال الصالحة والذكر والمراقبة طرفى النهار وزلفا من الليل يذهبن ظلمات سيآت الاوقات التى تصرف فى قضاء الحوائج النفسانية الانسانية وما يتولد من الاشتغال بها. واعلم ان تعلق الروح النورانى العلوى بالجسد الظلمانى السفلى موجب لخسران الروح الا ان تتداركه انوار الاعمال الصالحة الشرعية فتربى الروح وترقيه من حضيض البشرية الى ذروة الروحانية بل الى الوحدانية الربانية وتدفع عنه ظلمة الجسد السفلى كما ان القاء الحبة فى الارض موجب لخسران الحبة الا ان يتداركها الماء فيربيها الى ان تصير الحبة الواحدة الى سبعمائة حبة والله يضاعف لمن يشاء. فعلى العاقل ان يصبر على مشاق الطاعات والعبادات فان له فيها انوار او حياة باقية. شعر : مده براحت فانى حيات باقى را بمحنت دوسه روز ازغم ابد بكريز تفسير : {ذلك} اي المذكور من الاستقامة والاقامة وغيرهما {ذكرى للذاكرين} اى موعظة للمتعظين فمن امتثل الى امر الله تعالى فاستقام واقام فقد تحقق بحقيقة الحال والمقام. قال بعض الحكماء علامة الذى استقام ان يكون مثله كمثل الجبل لان الجبل له اربع علامات. احداها ان لا يذيبه الحر. والثانية ان لا يجمده البرد. والثالثة ان لا تحركه الريح. والرابعة ان لا يذهب به السيل فكذا المستقيم اذا احسن اليه انسان لا يحمله احسانه على ان يميل اليه بغير الحق كما يفعله ارباب الجاه والمناصب فى هذا الزمان فانهم بالشيء اليسير من الدنيا الواصل اليهم من يد رجل او امرأة يتخطون الحد ويتركون الاستقامة وليس الاتعاظ وقبول النصيحة من شأنهم. والثانى اذا اساء اليه انسان لا يحمله ذلك على ان يقول بغير الحق. والثالث ان هوى نفسه لا يحوله عن امر الله تعالى. والرابع ان حطام الدنيا لا يشغله عن طاعة الله: فقال الحافظ شعر : ببال وبرمر وازره كه تير برتابى هواكرفت زمانى ولى بخاك نشست تفسير : يعنى لا تخرج بالقدرة الدنيوية والمكنة المالية على حد الطريق المستقيم فان لكل ترق تنزلا الا ترى الى حال السهم كيف صعد الى جو السماء زمانا ثم سقط على الارض فالانسان لا بد وان يسقط على الارض فى آخر امره ونهاية عمره
الطوسي
تفسير : قرأ أبو جعفر {زلفا} بضم اللام. أمر الله تعالى في هذه الآية نبيه صلى الله عليه وسلم وأمة نبيه باقامة الصلاة، واقامتها هو الاتيان بأعمال الصلاة على وجه التمام في ركوعها وسجودها وسائر فروضها. وقيل اقامة الصلاة هو عمل على استواء كالقيام الذي هو الانتصاب في الاستواء. وقيل هو الدوام على فعلها من قولهم: قائم اي دائم واقف. وقوله {طرفي النهار} يريد بهما صلاة الفجر والمغرب - في قول ابن عباس والحسن وابن زيد والجبائي - وقال الزجاج يعني الغداة الظهر والعصر، وبه قال مجاهد، ومحمد بن كعب القرطي، والضحاك. ويحتمل أن يريد بذلك صلاة الفجر والعصر، لان طرف الشيء من الشيء وصلاة المغرب ليست من النهار. وقوله {وزلفاً من الليل} قال ابن عبّاس ومجاهد وابن زيد: يريد العشاء الآخرة وقال الزجاج يعني المغرب والعشاء الآخرة. و (الزلفة) المنزلة وجمعها زلف قال العجاج: شعر : ناج طواه الاين ممّا وجفا طي الليالي زلفاً فزلفا تفسير : قال الزجاج: ويجوز زلفاً بضم اللام، ونصبه على الظرف وهو واحد مثل الحلم، ويجوز أن يكون جمع زليف مثل قريب وقرب، ومنه اشتقاق المزدلفة لأن ازدلاف الناس اليها منزلة من عرفات. ومن قال: المراد بـ {طرفي النهار} الفجر والمغرب، قال ترك ذكر الظهر والعصر لأحد أمرين: احدهما ترك ذكرهما لظهورهما في انهما صلاة النهار، والتقدير أقم الصلاة طرفي النهار مع الصلاة المعروفة من صلاة النهار. والآخر - انهما ذكرا على التبع للطرف الاخير، لانهما بعد الزوال، فهما أقرب اليه. وقد قال الله تعالى {أية : أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل}تفسير : ودلوكها زوالها. وقوله {إن الحسنات يذهبن السيئات} قيل فيه وجهان: احدهما - تذهب به على وجه التكفير اذا كانت المعصية صغيرة. والآخر - ان المراد بالحسنات التوبة تذهب بالسيئة أي تسقط عقابها، لانه لا خلاف في ان سقوط العقاب عند التوبة. وقد قيل ان الدوام على فعل الحسنات يدعو الى ترك السيئات فكأنها اذهبت بها. وقوله {ذلك ذكرى للذاكرين} يعني ما ذكره من قوله {إن الحسنات يذهبن السيئات} فيه تذكار لمن تذكر به وفكر فيه.
الجنابذي
تفسير : {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} عطف على استقم او لا تطغوا او لا تركنوا {طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ} المراد بطرفى النّهار كما فى الخبر الغداة والمغرب وزلفاً جمع زلفة بمعنى القريبه اى ساعات قريبة من النّهار والمراد العشاء {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} تعليل لاقامة الصّلاة والمقصود دفع توهّم نشأ من النّهى عن الطّغيان بمعنى عدم التّمكّن والنّهى عن الرّكون الى الظّلمة كأنّه توهّم انّه لا يخلوا احد من عدم التّمكّن والرّكون الى الظّالم ولا سيّما الظّالم لنفسه، وفى الخبر انّ الصّلاة الى الصّلاة كفّارة ما بينهما ما اجتنبت الكبائر، وورد انّ الله يكفّر بكلّ حسنة سيّئة، وورد انّه ليس له شيء اشدّ طلباً ولا اسرع دركاً للخطيئة من الحسنة امّا انّها لتدرك الّذنب العظيم القديم المنسىّ عند صاحبه فتحطّه وتسقطه وتذهب به بعد اثباته، وذلك قوله سبحانه: انّ الحسنات يذهبن السّيئّات، وعن احد الصّادقين (ع): حديث : انّ عليّاً (ع) قال: سمعت حبيبى رسول الله (ص) يقول: ارجى آية فى كتاب الله اقم الصّلاة طرفى النّهار (الآية) وقال: يا علىّ والّذى بعثنى بالحقّ ونذيراً انّ احدكم ليقوم الى وضوئه فتساقط عن جوارحه الّذنوب، فاذا استقبل الله بقلبه ووجهه لم ينفتل وعليه من ذنوبه شيءٌ كما ولدته امّه تفسير : {ذٰلِكَ} اى اذهاب الحسنات للسّيّئات او قول انّ الحسنات يذهبن السّيّئات {ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} اى تذكّر لهم لما يرونه فى وجودهم وعالمهم من انمحاء السّيّئات بالحسنات ومن غسل الصّلاة لدرن الذّنوب عن وجودهم والمراد بالذّاكرين من كان شأنهم تذكّر المساوى الحاصلة لهم من افعالهم الشّنيعة وهم الّذين قبلوا الولاية ودخلوا الابيات من ابوابها وذكروا الله من جهة ذكره.
الأعقم
تفسير : {وأقم الصلاة طرفي النهار} وهو غدوه وعشيَّه، وعن ابن عباس قال: طرفي النهار الغداة والمغرب {وزلفاً من الليل} وهي الساعة القريبة من آخر النهار، مأخوذ من أزلفه أي قربه، وصلاة الغداة والفجر، وصلاة العشيَّة العصر والظهر لأن ما بعد الظهر والعصر عشي وصلاة الزلف المغرب والعشاء {إن الحسنات يذهبن السيئات}، قيل: أراد يكفرن الصغائر بالطاعات، وفي الحديث: "حديث : ان الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما ما اجتنبت الكبائر" حديث : وروي أنها نزلت في رجل من الأنصار كان يبيع التمر فأتته امرأة فأعجبته فقال لها: ان في البيت أجود من هذا التمر، فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها فتركها وندم، فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره بما فعل فقال له: "انتظر أمر ربي" فلما صلى صلاة العصر نزلت فقال له (صلى الله عليه وآله وسلم): "اذهب فإنها كفارة لما عملت" تفسير : {فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية} معنى الكلام هل لا كان منهم من كان فيه خير {ينهون عن الفساد} حتى لا يعمهم الهلاك، وقيل: من كان يبقي على نفسه من عذاب الله أي يرحم نفسه فلا يعرضها لعذاب النار أولو بقية ثم وصف البقية فقال: ينهون عن الفساد في الأرض أي هلاّ نهوا عن المنكر، والمراد لم يكن من القرون بقية تنهي عن الفساد {إلاَّ قليلاً ممن أنجينا منهم} استثناء منقطع يعني: لكن قليلاً منهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وهم أتباع الأنبياء وأهل الحق أنجاهم الله تعالى {واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه} يعني ظلموا أنفسهم ومالوا إلى الدنيا وزينتها ونعيمها، قوله تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} يعني لاضطرهم إلى أن يكونوا أمة واحدة أي أهل ملة واحدة وهي ملة الاسلام {إلاَّ من رحم ربك} إلاَّ ناساً هداهم الله ولطف بهم فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه {ولذلك خلقهم} أي ولرحمته خلقهم واللام لام العاقبة، وقيل: وعلى الرحمة خلقهم {وتمت كلمة ربك} هي وعده ووعيده الذي لا خلف فيه، وقيل: معنى تمت بخبرها يكون كما أخبر به، وقيل: الكلمة هي قوله تعالى للملائكة: {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} من الذين اختلفوا في الحق وتمسكوا بالباطل.
اطفيش
تفسير : {وَأَقِمْ الصَّلاَةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ} صلاة الفجر فى الطرف الأَول من النهار وصلاة الظهر والعصر فى الطرف الثانى منه، وأَوله الزوال كذا قيل، وفيه أَن الظهر أَول النصف وهو لا يسمى طرفا ولا وجه له إِلا أَنه نصف آخر لا أَول، وطرفى ظرف الزمان لإِضافته إِلى الزمان، أَمره صلى الله عليه وسلم بالصلاة لأَنه إِمام أُمته، فذلك أَمر لهم أَيضاً، وخص الصلاة من العبادات بالأَمر لأَنها أُم العبادة بعد التوحيد ويجوز أَن يكون الأَمر لكل من يصلح {وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ} جمع زلفة كغرفة وغرف أَى قطعة من قطع الليل منصوب على الظرفية من زلف إِليه بمعنى قرب أى ساعات الليل قريبة من النهار، وهى وقت المغرب والعشاءِ باعتبار أَوله فَأوله أَفضل بعد أَن كان التأْخير أَفضل على ما فى كتب الحديث والفقه، فالصلاة التى أَمره الله بإِقامتها فى الزلف صلاة المغرب والعشاءِ أو طرفىالنهار ووقت الفجر ووقت العصر، وزلفا من الليل وقت العشاءِ يقرب من وقت صلاة المغرب، وإِن كان النهار من الفجر إِلى الغروب فالمغرب طرف للمحاورة وهو طرف الليل حقيقة، وإِن كان من طلوع الشمس فالفجر والمغرب طرفى مجاز، وأَما صلاة الظهر فمن للآية الأُخرى مثل سبحان الله حين تمسون، ومثل {أية : أَقم الصلاة لدلوك الشمس} تفسير : [الإِسراء: 78]، وعن ابن عباس: صلاة الطرفين الصبح والمغرب وصلاة الزلف العشاءِ الثلث الأَول من الليل ولم تذكر هنا الظهر والعصر، ودخلت صلاة التهجد والوتر بقوله: {أية : ومن الليل فتجهد به نافلة} تفسير : [الإسراء: 79] {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} أَى جزاءُ السيئَات وأَل فيهما للحقيقة بحيث يراد مطلق الحسنات صلاة الفرض والنفل والصوم والزكاة وسائِر العبادات، وقيل الصلوات المفروضات وقيل الفرائِض فقط من الصلاة وغيرهما ومطلق السيئَات وقال ابن عباس أَل فى الحسنات للحقيقة أَو للعهد الذى فى الصغائِر فى غير هذه الآية كاللمم وفى الحسنات للعهد القريب وهو الصلوات الخمس يكفرن ما بينهن من الصغائِر، وعن مجاهد الحسنات قول العبد سبحان الله والحمد لله ولا إِله إِلا الله والله أَكبر ولا حول ولا قوة إِلا بالله العلى العظيم، والمراد بالسيئَات الصغائر قال صلى الله عليه وسلم حديث : الصلاة إِلى الصلاة كفارة ما بينهما ما اجتنبت الكبائِر تفسير : وقوله تعالى: " أية : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئَاتكم"تفسير : [النساء: 31] أَى بالصلوات الخمس أَو بمطلق الأّذكار وقيل بمجرد اجتناب الكبائِر، قيل نزلت فى أَبى اليسر عمرو بن عزية الأَنصارى، وقيل: كعب بن مالك، وقيل: كعب ابن عمر، وكان يبيع التمر فأَتته امرأَة فأَعجبته فقال لها إِن فى البيت أَجود من هذا التمر، فذهب بها إِلى بيته فضمها وقبلها، فقالت له اتق الله، فتركها وندم فأَتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأَخبره بما فعل، فقال:حديث : أنتظر أَمر ربىتفسير : ، فلما صلى صلاة العصر نزلت فقال: "حديث : اذهب فإِنها كفارة لما فعلت"تفسير : ، وروى أَنه أَتى أَبا بكر رضى الله عنه فأَخبره فقال: استر على نفسك وتب إِلى الله، فأتى عمر فقال له مثل ذلك ثم أَتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت فقال عمر: هذا له خاصة أَم للناس عامة، قال: للناس عامة، وروى أَنه صلى الله عليه وسلم قال له:"حديث : توضأْ وضوءًا حسناً وصل ركعتين فإِن الحسنات يذهبن السئيات "تفسير : ، وعلى هذا نزلت الآية قبل فعله، وروى أَن أَبا بكر قال له: تب إِلى ربك ولا تخبر أَحدا، وكذا قال عمر، وأَنه قال: فلم أَصبر بعد قولهما حتى أَتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال له: حديث : أَخنت رجلا غازياً فى سبيل الله فى أَهله بمثل هذا، وأَطرق طويلا حتى أَوحى إِليه "وأَقم الصلاة طرفى النهار" إِلى قوله: أَلِى خاصة أَم للناس عامة؟ فقال بل للناس عامةتفسير : ، وقيل معنى يذهبن السيئَات يمنعن من الإتيان بهن لقوله تعالى: {أية : إِن الصلاة تنهى عن الفحشاءِ والمنكر} تفسير : [العنكبوت: 45]، فيراد بالسيئات الكبائِر لأَن الصغائِر لا يخلو عنهن الإِنسان، فليست الصلاة تمنعهن أَلبتة، وهو بعيد مخالف لتفسير الصحابة والتابعين، والتفسير الأَول ألأَولى بمعنى غفران السيئَات، ولا يعارض بقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إِن الصغائِر تغفر باجتناب الكبائِر"تفسير : لجواز أن يكون المراد تغفر بالصلوات الخمس، أَو مطلق الأَذكار مع اجتناب الكبائِر، ويدل للأَول قوله صلى الله عليه وسلم حديث : الصلوات الخمس والجمع ورمضان والوضوءُ كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائِرتفسير : ، والمراد تغفر ولو بذكر واحد أَو صلاة واحدة لمن يشاء الله كما مر من أَنه صلى ذلك الرجل العصر فقال له صلى الله عليه وسلم:"حديث : كفر الله سيئتك بصلاتك هذه "تفسير : ، وجاءَ: من أَمن لتأْمين الإِمام ووافق تأْمين الملائِكة غفر له ما تقدم وجاءَ من أَكل طعاماً وقال: الحمد لله الذى أَطعمنى هذا الطعام ورزقنيه من غير حول منى ولا قوة غفر له ما تقدم، ومن لبس ثوباً وقال: الحمد لله الذى كسانى هذا ورزقنيه من غير حول منى ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأَخر، والجمهور على أَن السيئات الصغائر وأَمَّأ الكبائِر فلا يكفرها إِلا التوبة، ولا تكفر الصغائر المصر عليها بأَن عنى أَن يعود إِلى مثلها، أَو عنى أَن لا يتوب مما صدر منه {ذَلِكَ} المذكور من الأَمر بالاستقامة والنهى عن الطغيان والركون إِلى الذين ظلموا والأَمر بإِقامة الصلاة أو الإِشارة إِلى القرآن إلا أَنه لم يجر له ذكر ولما يتم نزوله، لكن بعض القرآن قرآن وقيل إِلى الإِخبار بأَن الحسنات يذهبن السيئَات، وقيل إِلى الأَوامر والنواهى فى السورة {ذِكْرَى} تذكير أى وعظ {لِلذَّاكِرِينَ} المتعظين، وخصهم لأَنهم المنتفعون.
الالوسي
تفسير : {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ} أي المكتوبة، ومعنى إقامتها أداؤها على تمامها وقيل: المداومة عليها، وقيل: فعلها في أول وقتها {طَرَفَي ٱلنَّهَارِ} أي أوله وآخره وانتصابه على الظرفية ـ لأقم ـ ويضعف كونه ظرفاً للصلاة ووجه انتصابه على ذلك إضافته إلى الظرف {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ} أي ساعات منه قريبة من النهار فإنه من أزلفه إذا قربه. وقال الليث: هي طائفة من أول الليل، وكذا قال ثعلب، وقال أبو عبيدة والأخفش وابن قتيبة: هي مطلق ساعات وآناؤه وكل ساعة زلفة، وأنشدوا للعجاج: شعر : ناج طواه الأين مما وجفا طي الليالي زلفا فزلفا سماوة الهلال حتى احقوقفا تفسير : وهو عطف على {طَرَفَي ٱلنَّهَارِ}، و {مِّنَ ٱلَّيْلِ} في موضع الصفة له. والمراد بصلاة الطرفين قيل: صلاة الصبح والعصر، وروي ذلك عن الحسن وقتادة والضحاك، واستظهر ذلك أبو حيان بناءً على أن طرف الشيء يقتضي يكون من الشيء، والتزم أن أول النهار من الفجر، وقد يطلق طرف الشيء على الملاصق لأوله وآخره مجازاً فيمكن اعتبار النهار من طلوع الشمس مع صحة ما ذكروه في صلاة الطرف الأول بجعل التثنية هنا مثلها في قولهم: القلم أحد اللسانين إلا أنه قيل بشذوذ ذلك. وروي عن ابن عباس ـ واختاره الطبري ـ أن المراذ صلاة الصبح والمغرب فإن كان النهار من أول الفجر إلى غروب الشمس فالمغرب طرف مجازاً وهو حقيقة طرف الليل، وإن كان من طلوع الشمس إلى غروبها فالصبح كالمغرب طرف مجازي، وقال مجاهد ومحمد بن كعب القرظي: الطرف الأول الصبح والثاني الظهر والعصر، واختار ذلك ابن عطية، وأنت تعلم أن في جعل الظهر من الطرف الثاني خفاء وإنما الظهر نصف النهار والنصف لا يسمى طرفاً إلى بمجاز بعيد، والمراد بصلاة الزلف عند الأكثر صلاة المغرب والعشاء. وروى الحسن في ذلك خبراً مرفوعاً، وعن ابن عباس أنه فسر صلاة الزلف بصلاة العتمة وهي ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق وقد تطلق على وقت صلاة العشاء الآخرة، وأغرب من قال: صلاة الطرفين صلاة الظهر والعصر، وصلاة الزلف صلاة المغرب والعشاء والصبح، وقيل: معنى (زلفاً) قرباً، وحقه على هذا ـ كما في «الكشاف» ـ أن يعطف على (الصلاة) أي أقم الصلاة طرفي النهار وأقم زلفا من الليل أي صلوات تتقرب بها إلى الله عز وجل انتهى. قيل: والمراد بها على هذا صلاة العشاء والتهجد وقد كان واجباً عليه عليه الصلاة والسلام، أو العشاء. والوتر على ما ذهب إليه أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، أو المجموع كما يقتضيه ظاهر الجمع، وقد تفسر بصلاة المغرب والعشاء ـ واختاره البعض ـ وقد جاء إطلاق الجمع على الاثنين فلا حاجة إلى التزام أن ذلك باعتبار أن كل ركعة قربة فتحقق قرب الثلاث فيما ذكر. وقرأ طلحة وابن أبـي اسحاق وأبو جعفر {زلفا} بضم اللام إما على أنه جمع زلفة أيضاً ولكن ضمت / عينه اتباعاً لفائه أو على أنه اسم مفرد كعنق أو جمع زليف بمعنى زلفة كرغيف ورغف، وقرأ مجاهد. وابن محيصن باسكان اللام كبسر بالضم والسكون في بسرة، وهو على هذا ـ على ما في «البحر» ـ اسم جنس، وفي رواية عنهما أنهما قرآ ـ زلفى ـ كحبلى وهو بمعنى زلفة فإن تاء التأنيث وألفه قد يتعاقبان نحو قربـى وقربة، وجوز أن تكون هذه الألف بدلاً من التنوين إجراءاً للوصل مجرى الوقف. {إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَّ ٱلسَّيّئَاتِ} أي يكفرنها ويذهبن المؤاخذة عليها وإلا فنفس السيئات أعراض وجدت فانعدمت، وقيل: يمحينها من صحائف الأعمال، ويشهد له بعض الآثار، وقيل: يمنعن من اقترافها كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} تفسير : [العنكبوت: 45] وهو مع بعده في نفسه مخالف للمأثور عن الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم فلا ينبغي أن يعول عليه. والظاهر أن المراد من الحسنات ما يعم الصلوات المفروضة وغيرها من الطاعات المفروضة وغيرها، وقيل: المراد الفرائض فقط لرواية «حديث : الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن»تفسير : وفيه أنه قد صح من حديث أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : «إذا أمّن الإمام فأمّنوا فإن الملائكة تؤمّن فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه»تفسير : وفي رواية تفرد بها يحيـى بن نصير ـ وهو من الثقات ـ بزيادة «حديث : وما تأخر» تفسير : وصح أن صيام يوم عرفة تكفر السنة الماضية والمستقبلة، وأخرج أبو داود في «السنن» بإسناد حسن عن سهل بنمعاذ بن أنس عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أكل طعاماً ثم قال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن لبس ثوباً وقال: الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر»تفسير : إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في تكفير أفعال ليست بمفروضة ذنوباً كثيرة، وقيل: المراد بها الصلوات المفروضة لما في بعض طرق خبر سبب النزول من حديث : أن أبا اليسر من الأنصار قبل امرأة ثم ندم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما فعل فقال عليه الصلاة والسلام: «أنتظر أمر ربـي فلما صلى صلاة قال: صلى الله عليه وسلم نعم اذهب بها فانها كفارة لما عملت» تفسير : وروي هذا القول عن ابن عباس وابن مسعود وابن المسيب، والظاهر أن ذلك منهم اقتصار على بعض مهم من أفراد ذلك العام، وسبب النزول لا يأبـى العموم كما لا يخفى، وفي رواية عن مجاهد أنها قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وفيه ما فيه. والمراد بالسيآت عند الأكثرين الصغائر لأن الكبائر لا يكفرها على ما قالوا: إلا التوبة، واستدلوا لذلك بما رواه مسلم من رواية العلاء «حديث : الصلوات الخمس كفارة لما بينها ما اجتنبت الكبائر» تفسير : واستشكل بأن الصغائر مكفرة باجتناب الكبائر بنص {أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ} تفسير : [النساء: 31] فما الذي تكفوه الصلوات الخمس؟ وأجاب البلقيني بأن ذلك غير وارد لأن المراد بالآية أن تجتنبوا في جميع العمر ومعناه الموافاة على هذه الحالة من وقت الإيمان أو التكليف إلى الموت، والذي في الحديث «حديث : إن الصلوات تكفر ما بينها»تفسير : أي في يومها إذا اجتنبت الكبائر في ذلك اليوم فلا تعارض، وتعقبه السمهودي بقوله: ولك أن تقول: لا يتحقق اجتناب الكبائر في جميع العمر إلا مع الإتيان بالصلوات الخمس فيه كل يوم فالتكفير حاصل بما تضمنه الحديث فما فائدة الاجتناب المذكور في الآية ثم قال: ولك أن تجيب بأن ذلك من باب فعل شيئين كل منهما مكفر، وقد قال بعض العلماء: إنه إذا اجتمعت مكفرات فحكمها أنها إذا ترتبت فالمكفر السابق وإن وقعت معاً فالمكفر واحد منها يشاؤه الله تعالى، وأما / البقية فثوابها باق له وذلك الثواب على كل منها يكون بحيث يعدل تكفير الصغائر لو وجدت، وكذا إذا فعل واحداً من الأمور المكفرة ولم يكن قد ارتكب ذنباً. وفي «شرح مسلم للنووي» نحو ذلك غير أنه ذكر أنه لو صادف فعل المكفر كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيرة رجونا أن يخفف من الكبائر، ويرد على قوله: إن المراد {إِن تَجْتَنِبُواْ} في جميع العمر منع ظاهر، والظاهر أن المران من ذلك أن ثواب اجتناب الكبائر في كل وقت يكفر الصغائر الواقعة فيه، وفي تفسير القاضي ما يؤيده، وكذا ما ذكره الإمام حجة الإسلام في الكلام على التوبة ((من أن حكم الكبيرة أن الصلوات الخمس لا تكفرها وأن اجتناب الكبائر يكفر الصغائر بموجب قوله سبحانه: {أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا } تفسير : [النساء: 31] الخ، ولكن اجتناب الكبيرة إنما يكفر الصغيرة إذا اجتنبها مع القدرة والإرادة كمن يتمكن من امرأة ومن مواقعتها فيكف نفسه عن الوقوع ويقتصر على النظر أو اللمس فإن مجاهدته نفسه في الكف عن الواقع أشد تأثيراً في تنوير قلبه من إقدامه على النظر في اظلامه فهذا معنى تكفيره فإن كان عنيناً أو لم يكن امتناعه إلا بالضرورة للعجز أو كان قادراً ولكن امتنع لخوف من آخر فهذا لا يصلح للتكفير أصلا فكل من لا يشتهي الخمر بطبعه ولو أبيح له ما شربه فاجتنابه لا يكفر عنه الصغائر التي هي من مقدماته كسماع الملاهي والأوتار)) وهذا ظاهر يدل عليه {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ}، ولا شك أن اجتناب الكبائر إذا قارن القصد حسنة وإنما قيدنا بذلك وإن كان الخروج عن عهدة النهي لا يتوقف عليه لأنه لا يثاب على الاجتناب بدون ذلك، فالأولى في الجواب عن الأشكال أن يقال: «ما اجتنبت الكبائر» في الخبر ليس قيداً لأصل التكفير بل لشمول التكفير سائر الذنوب التي بين الصلوات الخمس فهو بمثابة استثناء الكبائر من الذنوب، وكأنه قيل: الصلوات الخمس كفارة لجميع الذنوب التي بينها وتكفيرها للجميع في المدة التي اجتنبت فيها الكبائر أو مقيد باجتناب الكبائر وإلا فليست الصلوات كفارة لجميع الذنوب بل للصغائر فقط، وهذا وإن كان خلاف الظاهر من عود القيد لأصل التكفير لكن قرينة الآية دعت للعدول عنه إلى ذلك جمعاً بين الأدلة، ولا بدّ في هذا من اعتبار ما قالوا في اجتماع الأمور المكفرة الصغائر، وذكر الحافظ ابن حجر بعد نقله لكلام البلقيني ما لفظه: وعلى تقدير ورود السؤال فالتخلص عنه سهل وذلك لأنه لا يتم اجتناب الكبائر إلا بفعل الصلوات الخمس فمن لم يفعلها لم يعد مجتنباً للكبائر لأن تركها من الكبائر فيتوقف التكفير على فعلها انتهى ولا يخلو عن بحث، وممن صرح بأن «ما اجتنبت» الخ بمعنى الاستثناء نقلاً عن بعضهم المحب الطبري، فقد قال في «أحكامه»: اختلف العلماء في أمر تكفير الصغائر بالعبادات هل هو مشروط باجتناب الكبائر؟ على قولين: أحدهما نعم وهو ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما اجتنبت الكبائر» تفسير : فإن ظاهره الشرطية كما يقتضيه «إذا اجتنبت» الآتي في بعض الروايات، فإذا اجتنبت الكبائر كانت مكفرة لها وإلا فلا، وإليه ذهب الجمهور على ما ذكره ابن عطية، وقال بعضهم: لا يشترط، والشرط في الحديث بمعنى الاستثناء والتقدير مكفرات لما بينها إلا الكبائر وهو الأظهر. هذا وقد ذكر الزركشي أنهم اختلفوا في أن التفكير هل يشترط فيه التوبة أم لا؟ فذهب إلى الاشتراط طائفة وإلى عدمه أخرى، وفي «البحر» أن الاشتراط نص حذاق الأصوليين، ولعل الخلاف مبني على الخلاف في اشتراط الاجتناب وعدمه فمن جعل اجتناب الكبائر شرطاً في تكفير الصغائر لم يشترط التوبة وجعل هذه خصوصية لمجتنب الكبائر ولم يشترطه إلا من اشترطها، ويدل عليه خبر أبـي اليسر فإن الروايات متضافرة / على أنه جاء نادماً والندم توبة، وإن إخباره صلى الله عليه وسلم له بأن صلاة العصر كفرت عنه ما فعله إنما وقع بعد ندمه لكن ظاهر إطلاق الحديث يقتضي أن التكفير كان بنفس الصلاة فإن التوبة بمجردها تجبّ ما قبلها فلو اشترطناها مع العبادات لم تكن العبادات مكفرة، وقد ثبت أنها مكفرات فيسقط اعتبار التوبة معها انتهى ملخصاً مع زيادة، ولا يخفى أن هذا يحتاج إلى التزام القول بأن ندم أبـي اليسر لم يكن توبة صحيحة وإلا لكان التكفير به لأنه السابق، وبعض التزم القول بكونه توبة صحيحة إلا أنه توبة لم تقبل ولم تكفر الذنب، وأنت تعلم أن في عدم تكفير التوبة الذنب مقالاً، والمنقول عن السبكي أنه قال: إن قبول التوبة عن الكفر مقطوع به تفضلاً، وفي القطع بقبول توبة العاصي قولان لأهل السنة، والمختار عند إمام الحرمين أن تكفير التوبة للذنب مظنون، وادعى النووي أنه الأصح، وفي «شرح البرهان»: الصحيح عندنا القطع بالتكفير، وقال الحليمي: لا يجب على الله تعالى قبول التوبة لكنه لما أخبر عن نفسه أنه يقبل التبوة عن عباده ولم يجز أن يخلف وعده علمنا أنه سبحانه وتعالى لا يرد التوبة الصحيحة فضلاً منه تعالى. ومثل هذا الخلاف الخلاف في التكفير باجتناب الكبائر ونحوه هل هو قطعي أو ظني، وفي كلام العلامة نجم الدين النسفي وصدر الشريعة وغيرهما أن العقاب على الصغائر جائز الوقوع سواء اجتنب مرتكبها الكبائر أم لا لدخولها تحت قوله تعالى: {أية : يَغْفِرُ لِمَن يَشَآء وَيُعَذّبُ مَن يَشَآء} تفسير : [المائدة: 18] ولقوله تعالى: {أية : لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلآ أَحْصَاهَا} تفسير : [الكهف: 49] والإحصاء إنما يكون للسؤال والمجازاة إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث، وخالفت المعتزلة في ذلك فلم يجيزوا وقوع التعذيب إذا اجتنبت الكبائر واستدلوا بآية {أية : إِن تَجْتَنِبُوا } تفسير : [النساء: 31] الخ، ويجاب بأن المراد بالكبائر الكفر والجمع لتعدد أنواعه أو تعدد من اتصف به، ومعنى الآية إن تجتنبوا الكفر نجعلكم صالحين لتفكير سيآتكم، ولا يخفى ما في استدلالهم من الوهن، وجوابهم عن استدلال المعتزلة لعمري أوهن منه. وذهب صاحب «الذخائر» إلى أن من الحسنات ما يكفر الصغائر والكبائر إذ قد صح في عدة أخبار من فعل كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وفي بعضها خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ومتى حملت الحسنات في الآية على الاستغراق فالمناسب حمل السيئات عليه أيضاً، والتخصص خلاف الظاهر وفضل الله تعالى واسع، وإلى هذا مال ابن المنذر، وحكاه ابن عبد البر عن بعض المعاصرين له وعني به فيما قيل: أبا محمد المحدث لكن ردّ عليه، فقال بعضهم: يقول: إن الكبائر والصغائر تكفرها الطهارة والصلاة لظاهر الأحاديث وهو جهل بين وموافقة للمرجئة في قولهم، ولو كان كما زعم لم يكن للأمر بالتوبة معنى، وقد أجمع المسلمون على أنها فرض، وقد صح أيضاً من حديث أبـي هريرة «حديث : الصلوات كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» تفسير : انتهى. وفيه أن دعوى أن ذلك جهل لا يخلو عن الإفراط إذا الفرق بين القول بعموم التكفير ومذهب المرجئة في غاية الوضوح، ولو صح أن ذلك ذهاب إلى قولهم للزمه مثله بالنسبة إلى التوبة فإنه يسلم أنها تكفر الصغائر والكبائر وهي من جملة أعمال العبد فكما جاز أن يجعل الله سبحانه هذا العمل سبباً لتكفير الجميع يجوز أن يجعل غيره من الأعمال كذلك، وقوله: ولو كان كما زعم الخ مردود لأنه لا يلزم من تكفير الذنوب الحاصلة عدم الأمر بالتوبة وكونها فرضاً إذا تركها من الذنوب المتجددة التي لا يشملها التكفير السابق بفعل الوضوء مثلا ألا ترى أن التوبة من الصغائر واجبة على ما نقل عن الأشعري، وحكى إمام الحرمين وتلميذه الأنصاري الإجماع عليه / ومع ذلك فجميع الصغائر مكفرة بنص الشارع وإن لم يتب على ما سمعت من الخلاف، وتحقيق ذلك أن التوبة واجبة في نفسها على الفور ومن أخرها تكرر عصيانه بتكرر الأزمنة كما صرح به الشيخ عز الدين بن عبد السلام، ولا يلزم من تكفير الله تعالى ذنوب عبده سقوط التكليف بالتوبة التي كلف بها تكليفاً مستمراً، وقريب من هذا ارتفاع الإثم عن النائم إذا أخرج الصلاة عن وقتها مع الأمر بقضائها، وما روي من حديث أبـي هريرة إنما ورد في أمر خاص فلا يتعداه إذ الأصل بقاء ما عداه على عمومه وهذا مما لا مجال للقياس فيه حتى يخص بالقياس على ذلك فلا يليق نسبة ذلك القائل إلى الجهل، والرجاء بالله تعالى شأنه قوي كذا قيل، وفي المقام بعد أبحاث تركنا ذكرها خوف الإملال فإن أردتها فعليك بالنظر في الكتب المفصلة في علم الحديث. {ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذكِرِينَ} أي عظمة للمتعظين، وخصهم بالذكر لأنه المنتفعون بها، والإشارة إلى ما تقدم من الوصية بالاستقامة والنهي عن الطغيان والركون إلى الذين ظلموا وإقامة الصلوات في تلك الأوقات بتأويل المذكور، وإلى هذا ذهب الزمخشري، واستظهر أبو حيان كون ذلك إشارة إلى إقامة الصلاة وأمر التذكير سهل، وقيل: هي إشارة إلى الإخبار بأن الحسنات يذهبن السيآت، وقال الطبري: إشارة إلى الأوامر والنواهي في هذه السورة، وقيل: إلى القرآن، وبعض من جعل الإشارة إلى الإقامة فسر الذكرى بالتوبة.
ابن عاشور
تفسير : انتقل من خطاب المؤمنين إلى خطاب النّبي صلى الله عليه وسلم وهذا الخطاب يتناول جميع الأمّة بقرينة أنّ المأمور به من الواجبات على جميع المسلمين، لا سيما وقد ذكر معه ما يناسب الأوقات المعيّنة للصلوات الخمس، وذلك ما اقتضاه حديث أبي اليُسْر الآتي. وطرف الشيء: منتهاه من أوّله أو من آخره، فالتثنية صريحة في أنّ المراد أوّل النّهار وآخره. و{النّهار}: ما بين الفجر إلى غروب الشمس، سمي نهاراً لأنّ الضياء ينهر فيه، أي يبرز كما يبرز النهْر. والأمر بالإقامة يؤذن بأنّه عمل واجب لأنّ الإقامة إيقاع العمل على ما يستحقه، فتقتضي أنّ المراد بالصّلاة هنا الصلاة المفروضة، فالطّرفان ظَرْفان لإقامة الصّلاة المفروضة، فعلم أن المأمور إيقاع صلاة في أوّل النّهار وهي الصّبح وصلاة في آخره وهي العصر وقيل المغرب. والزُلَف: جمع زُلْفة مثل غُرْفة وغُرَف، وهي السّاعة القريبة من أختها، فعلم أن المأمور إيقاع الصلاة في زلف من اللّيل، ولمّا لم تعيّن الصلوات المأمور بإقامتها في هذه المدّة من الزمان كان ذلك مجملاً فبينته السنةُ والعملُ المتواتر بخمس صلوات هي الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وكان ذلك بيَاناً لآيات كثيرة في القرآن كانت مجملة في تعيين أوقات الصلوات مثل قوله تعالى: {أية : أقم الصّلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إنّ قرآن الفجر كان مشهودا}تفسير : [الإسراء: 78] والمقصود أن تكون الصّلاة أول أعمال المُسلم إذا أصبح وهي صلاة الصبح وآخر أعماله إذا أمسى وهي صلاة العشاء لتكون السيّئات الحاصلة فيما بيْن ذلك ممحوة بالحسنات الحافّة بها. وهذا مشير إلى حكمة كراهة الحديث بعد صلاة العشاء للحثّ على الصّلاة وخاصة ما كان منها في أوقات تعرض الغفلة عنها. وقد ثبت وجوبهما بأدلّة أخر وليس في هذه الآية ما يقتضي حصر الوجوب في المذكور فيها. وجملة {إنّ الحسنات يذهبن السّيئات} مسوقة مساق التّعليل للأمر بإقامة الصّلوات، وتأكيد الجملة بحرف {إنّ} للاهتمام وتحقيق الخبر. و{إنّ} فيه مفيدة معنى التّعليل والتفريع، وهذا التعليل مؤذن بأنّ الله جعل الحسنات يذهبن السيّئات، والتّعليل مشعر بعموم أصحاب الحسنات لأنّ الشأن أن تكون العلّة أعم من المعلول مع ما يقتضيه تعريف الجمع باللاّم من العموم. وإذهاب السيّئات يشمل إذهاب وقوعها بأن يصير انسياق النّفس إلى ترك السيّئات سَهْلاً وهيّناً كقوله تعالى: {أية : إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}تفسير : [العنكبوت: 45] ويكون هذا من خصائص الحسنات كلّها. ويشمل أيضاً محو إثمها إذا وقعت، ويكون هذا من خصائص الحسنات كلّها فضلاً من الله على عباده الصالحين. ومحمل السيّئات هنا على السيّئات الصغائر التي هي من اللّمم حملاً لمطلق هذه الآية على مقيد آية {أية : الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلاّ اللّمَم}تفسير : [النجم: 32] وقوله تعالى: {أية : إن تجتنبوا كبائر ما تُنْهَوْنَ عنه نكَفّر عنكم سيئاتكم}تفسير : [النساء: 31]، فيحصل من مجموع الآيات أنّ اجتناب الفواحش جعله الله سبباً لغفران الصغائر أوْ أنّ الإتيان بالحسنات يذهب أثر السيئات الصغائر، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: {أية : إنْ تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم}تفسير : في سورة [النّساء: 31]. روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أنّ رجلاً أصاب من امرأة قبلةَ حرام فأتى النبي فذكرت ذلك فأنزلت عليه {وأقم الصّلاة طرفي النهار وزُلَفاً من الليل}. فقال الرجل: ألِي هذه؟ قال: لمن عمل بِها من أمّتي. وروى الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنّي عالجت امرأة في أقصى المدينة وإني أصبت منها ما دون أن أمسّها وها أنا ذا فَاقْض فيّ ما شئت، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فانطلق الرجل فأتبعه رجلاً فدعاه فتلا عليه {وأقم الصلاة طرفي النهار} إلى آخر الآية، فقال رجل من القوم: هذا له خاصة؟ قال: لا، بل للنّاس كافة. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأخرج الترمذي حديثين آخرين: أحدهما عن معاذ بن جبل، والآخر عن أبي اليَسر وهو صاحب القصة وضعّفهما. والظاهر أن المرويّ في هذه الآية هو الذي حمل ابن عبّاس وقتادة على القول بأنّ هذه الآية مدنيّة دون بقية هذه السورة لأنه وقع عند البخاري والترمذي قوله: (فأنزلت عليه) فإن كان كذلك كما ذكره الرّاوي فهذه الآية ألحقت بهذه السورة في هذا المكان لمناسبة وقوع قوله: {أية : فاستقم كما أمرت}تفسير : [هود: 112] قبلها وقولِه: {أية : واصبر فإنّ الله لا يضيعُ أجرَ المحسنين}تفسير : [هود: 115] بعدَها. وأمّا الذين رجّحوا أنّ السورة كلّها مكيّة فقالوا: إنّ الآية نزلت في الأمر بإقامة الصّلوات وإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بها الذي سأله عن القبلة الحرام وقد جاء تائباً ليعلمه بقوله: {إن الحسنات يذهبن السيّئات}، فيؤوّل قولُ الراوي: فأنزلت عليه، أنّه أنزل عليه شمول عموم الحسنات والسيئات لقضيّة السائل ولجميع ما يماثلها من إصابة الذنوب غير الفواحش. ويؤيّد ذلك ما في رواية الترمذي عن علقمة والأسود عن ابن مسعود قوله: فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم {وأقم الصّلاة}، ولم يقولا: فَأنْزل عليه. وقوله: {ذلك ذكْرى للذّاكرين} أيْ تذْكرة للّذي شأنه أن يذكر ولم يكن شأنه الإعراض عن طلب الرشد والخير، وهذا أفاد العموم نصّاً. وقوله: {ذلك} الإشارة إلى المذكور قبله من قوله: {أية : فاستقم كما أمرت}تفسير : [هود: 112].
الواحدي
تفسير : {وأقم الصلاة طرفي النهار} بالصبح والمغرب {وزلفاً من الليل} صلاة العشاء قرب أوَّل الليل، والزُّلف: أوَّل ساعات اللَّيل. وقيل: صلاة طرفي النَّهار: الفجر والظُّهر والعصر، وأمَّا المغرب والعشاء فإنَّهما من صلاة زلف اللَّيل. {إن الحسنات يذهبن السيئات} إنَّ الصَّلوات الخمس تكفِّر ما بينها من الذنوب إذا اجتنبت الكبائر {ذلك ذكرى} أَيْ: هذه موعظةٌ {للذاكرين}. {واصبر} على الصَّلاة {فإنَّ الله لا يضيع أجر المحسنين} يعني: المُصلِّين. {فلولا كان من القرون من قبلكم} أَيْ: ما كان منهم {أولوا بقية} دينٍ وتميزٍ وفضلٍ {ينهون عن الفساد في الأرض} عن الشِّرك والاعتداء في حقوق الله والمعصية {إلاَّ قليلاً} لكن قليلاً {ممن أنجينا منهم} وهم أتباع الأنبياء وأهل الحقِّ، نهوا عن الفساد {واتَّبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه} آثروا الَّلذات على أمر الآخرة، وركنوا إلى الدُّنيا والأموال وما أُعطوا من نعيمها. {وما كان ربك ليهلك القرى} أَيْ: أهلها {بظلمٍ} بشركٍ {وأهلها مصلحون} فيما بينهم، أَيْ: ليس من سبيل الكفَّار إذا قصدوا الحقَّ في المعاملة أن يُنزِّل اللَّهُ بهم عذاب الاستئصال، كقوم لوطٍ عُذِّبوا باللِّواط، وقوم شعيب عُذِّبوا ببخس المكيال. {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} مسلمين كلَّهم {ولا يزالون مختلفين} في الأديان.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وأقم الصلاة: أي صل الصلاة المفروضة. طرفي النهار: أي الصبح، وهي في الطرف الأول، والظهر والعصر وهما في الطرف الثاني. وزلفاً من الليل: أي ساعات الليل والمراد صلاة المغرب وصلاة العشاء. إن الحسنات يذهبن السيئات: أي حسنات الصلوات الخمس يذهبن صغائر الذنوب التي تقع بينهن. ذلك ذكرى للذاكرين: أي ذلك المذكور من قوله وأقم الصلاة عظة للمتعظين. المحسنين: أي الذين يحسنون نياتهم وأقوالهم وأعمالهم بالإِخلاص فيها لله وأدائها على نحو ما شرع الله وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهدايتهم إلى ما فيه كمالهم وسعادتهم فقال تعالى { وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ} أقمها في هذه الأوقات الخمس وهي الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، ومعنى أقمها أدها على الوجه الأكمل لأدائها، فيكون ذلك الأداء حسنات يمحو الله تعالى بها السيئات، وقوله تعالى {ذٰلِكَ} أي المأمور به وما يترتب عليه {ذِكْرَىٰ} أي عظة {لِلذَّاكِرِينَ} أي المتعظين وقوله {وَٱصْبِرْ} أي على الطاعات فعلاً وتركاً وعلى أذي المشركين ولا تجزع {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي جزاءهم يوم القيامة، والمحسنون هم الذين يخلصون أعمالهم لله تعالى ويؤدونها على الوجه الأكمل في أدائها فتنتج لهم الحسنات التي يذهب الله بها السيئات. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- بيان أوقات الصلوات الخمس إذ طرفي النهار هما الصبح وفيها صلاة الصبح والعشيّ وفيها صلاة الظهر والعصر كما أن زلفاً من الليل هي ساعاته فيها صلاة المغرب والعشاء. 2- بيان سنة الله تعالى في أن الحسنة تمحو السيئة وفي الحديث "حديث : الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينها ما لم تغش الكبائر ". تفسير : 3- وجوب الصبر والإِحسان وأنهما من أفضل الأعمال.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلصَّلاَةَ} {ٱلْلَّيْلِ} {ٱلْحَسَنَاتِ} {لِلذَّاكِرِينَ} (114) - وَأَدِّ الصَّلاَةَ عَلَى الوَجْهِ القَوِيمِ، وَأَدِمْهَا فِي طَرَفَي النَّهَارِ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ، فِي الغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، وَفِي أَوَائِلِ الليْلِ، لأَِنَّ الأَعْمَالَ الحَسَنَةَ تُزَكِّى النُّفُوسَ وَتُصْلِحُها، وَتُذْهِبُ السَّيِّئَاتِ المُؤَاخَذَ عَنْهَا. وَفِي الوَصَايَا التِي أَوْصَاكَ اللهُ بِهَا مِنَ الاسْتِقَامَةِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الطُّغْيَانِ، وَإِقَامَةِ الصَّلاَةِ ... عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ، الذِينَ يُرَاقِبُونَ اللهَ، وَلاَ يَنْسَوْنَهُ. الزُّلْفَةُ - الطَّائِفَةُ مِنْ أَوَّلِ الليْلِ لِقُرْبِهَا مِنَ النَّهَارِ. ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ - عِظَةً لِلْمُتَّعِظِينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذا أمر بالخير؛ يوجهه الله سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم. ونحن نلحظ في هذه الآيات من سورة هود أنها تحمل أوامر ونواهي؛ الأوامر بالخير دائماً؛ والنواهي عن الشر دائماً. ونلحظ أن الحق سبحانه قال: {أية : فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ ..}تفسير : [هود: 112]. ثم وَجَّه النهي للأمة كلها: {أية : وَلاَ تَطْغَوْاْ ..}تفسير : [هود: 112] ولم يقل: "فاستقم ولا تطغى" لأن الأمر بالخير يأتي للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته معه؛ وفي النهي عن الشر يكون الخطاب موجهاً إلى الأمة، وفي هذا تأكيد لرفعة مكانة النبي صلى الله عليه وسلم. ونرى نفس الأمر حين يوجه الحق سبحانه الحديث إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيقول سبحانه وتعالى: {أية : وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ..}تفسير : [هود: 113]. ولم يقل: "ولا تركن إلى الذين ظلموا". وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم ولأمته: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ..} [هود: 114]. والإقامة تعني: أداء المطلوب على الوجه الأكمل، مثل إقامة البنيان؛ وأن تجعله مؤدياً للغرض المطلوب منه. ويقال: "أقام الشيء" أي: جعله قائماً على الأمر الذي يؤدي به مهمته. وقول الحق سبحانه: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ ..} [هود: 114]. أي: نهايته من ناحية، ونهايته من الناحية الأخرى؛ لأن طرف الشيء هو نهايته. وتتحدد نهاية الطرفين من منطقة وسط الشيء، فالوسط هو الفاصل بين الطرفين؛ فما على يمين الوسط يعد طرفاً؛ وما على يسار الوسط يعد طرفاً آخر؛ وكل جزء بعد الوسط طرف. وعادةً ما يعد الوسط هو نقطة المنتصف تماماً، وما على يمينها يقسم إلى عشرة أجزاء، وما على يسارها يقسم إلى عشرة أجزاء أخرى، وكل قسم بين تلك الأجزاء التي على اليمين و التي على اليسار يعد طرفاً. وقول الحق سبحانه: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ ..} [هود: 114]. يقتضي أن تعرف أن النهار عندنا إنما نتعرف عليه من بواكير الفجر الصادق، وهذا هو أول طرف نقيم فيه صلاة الفجر، ثم يأتي الظهر؛ فإن وقع الظهر قبل الزوال حسبناه من منطقة ما قبل الوسط، وإن كان بعد الزوال حسبناه من منطقة ما بعد الوسط. وبعد الظهر هناك العصر، وهو طرف آخر. وقول الحق سبحانه: {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ..} [هود: 114]. يقتضي منا أن نفهم أن كلمة {زُلَفاً} هي جمع؛ زلفة، وهي مأخوذة من: أزلفه، إذا قرَّبه. والجمع أقله ثلاثة؛ ونحن نعلم أن لنا في الليل صلاة المغرب، وصلاة العشاء، ولذلك نجد الإمام أبا حنيفة يعتبر الوتر واجباً، فقال: إن صلاة العشاء فرض، وصلاة الوتر واجب؛ وهناك فرق بين الفرض والواجب. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك مباشرة: {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ..} [هود: 114]. وهذا التعقيب يضع الصلاة في قمة الحسنات، وقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا بأن قال: "حديث : الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تُغْشَ الكبائر ". تفسير : واختلف العلماء في معنى السيئات والحسنات، وقال بعضهم: الحسنة هي ما جعل الله سبحانه على عملها ثواباً، والسيئة هي ما جعل الله على عملها عقاباً. وأول الحسنات في الإيمان أن تشهد أن لا إله إلا الله، وهذه حسنة أذهبت الكفر؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات. ولذلك قال بعض العلماء: إن المسلم الذي ارتكب معصية أو كبيرة من الكبائر، لا يخلد في النار؛ لأنه إذا كانت حسنة الإيمان قد أذهبت سيئة الكفر، أفلا تذهب ما دون الكفر؟. وهكذا يخفّف العقاب على المسلم فينال عقابه من النار، ولكنه لا يخلد فيها؛ لأننا لا يمكن أن نساوي بين من آمن بالله ومن لم يؤمن بالله. والإيمان بالله هو أكبر حسنة، وهذه الحسنة تذهب الكفر، ومن باب أولى أن تذهب ما دون الكفر. وتساءل بعض العلماء: هل الفرائض هي الحسنات التي تذهب السيئات؟ وأجاب بعضهم: هناك أحاديث صحيحة قد وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حسنات في غير الفرائض، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : إن صوم يوم عرفة إلى صوم يوم عرفة يذهب السيئات . تفسير : ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : إن الإنسان الذي يستقبل نعمة الله بقوله: الحمد لله الذي رزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة، والحمد لله الذي كساني من غير حولٍ مني ولا قوةتفسير : . وهذا القول يكفّر السيئات. ألم يقل صلى الله عليه وسلم حديث : إنك إذا قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم؛ فهذا القول كفارة؟ تفسير : إذن: فالحسنات مطلقة سواء أكانت فرضاً أم غير فرضٍ، وهي تذهب السيئات. والسيئة هي عمل توعد الله - سبحانه - من يفعله بالعقوبة. وتساءل أيضاً بعض العلماء: إن السيئة عمل، والعمل إذا وقع يُرفع ويُسجَّل، فكيف تُذهبها الحسنة؟ وأجابوا: إن ذهاب السيئة يكون إما عن طريق مَنْ يحفظ العمل، ويكتبه عليك، فيمحوه الله من كتاب سيئاتك، أو أن يعفو الله سبحانه وتعالى عنك؛ فلا يعاقبك عليه، أو يكون ذهاب العمل في ذاته فلا يتأتى، وما وقع لا يرتفع؛ أو يحفظها الله إن وقعت؛ لأنه هو سبحانه القائل: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}تفسير : [ق: 18]. ويقول سبحانه: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ}تفسير : [الانفطار: 10-11]. وهكذا يكون إذهاب السيئة، إما محوها من الكتاب، وإما أن تظل في الكتاب، ويذهب الله سبحانه عقوبتها بالمغفرة. والحق سبحانه يقول: {أية : ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ ..}تفسير : [النجم: 32]. واجتناب الكبائر لا يمنع من وقوع الصغائر. والحق سبحانه يقول: {أية : إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ..}تفسير : [العنكبوت: 45]. وحين ننظر إلى مواقيت الصلاة، نجدها خمسة مواقيت، فمن تعلَّق قلبه بالصلاة، إنما ينشغل قلبه طوال وقت حركته بإقامة الصلاة، ثم يأتي وقت الليل لينام، وكل من يرتكب معصية سينشغل فكره بها لمدةٍ، ولو لم يأت له وقت صلاة لأحسَّ بالضياع، أما إذا ما جاء وقت الصلاة فقلبه يتجه لله سبحانه طالباً المغفرة. وإن وقعت منه المعصية مرة، فقد لا تقع مرة أخرى، أو أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر في وقت الاستعداد لها، فمن جلس لينمَّ على غيره، أو يظلم الناس، إذا ما سمع أذان الصلاة وقام وتوضأ؛ فقد رحم الناس في وقت وضوئه ووقت صلاته ووقت ختمه للصلاة. وهناك أعمال كثيرة من الفروض والحسنات وهي تمحو السيئات، وعلى المسلم أن ينشغل بزيادة الحسنات، وألا ينشغل بمحو السيئات؛ لأن الحسنة الواحدة بعشرة أمثالها وقد يضاعفها الله سبحانه، أما السيئة فإنما تكتب واحدة. ويُنهي الحق سبحانه هذه الآية الكريمة بقوله: {.. ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114]. أي: إن إقامة الصلاة طرفي النهار، وزلفاً من الليل هي حسنات تذهب السيئات؛ وفي ذلك ذكرى وتنبيه للنفس إلى شيء غُفِل عنه، أي: أن هذا الشيء كان موجوداً من قبل، ولكن جاءت الغفلة لتنسيه، والإخبار الأول أزال الجهل بهذا الشيء، والإخبار الثاني يذكِّرك بالحكم؛ لأن آفة الإنسان أن الأمور التي تمر به من المرائي والمدركات، تتوالى وتصير الأشياء التي في بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور، فيغفل الإنسان عما صار في حاشية الشعور، ولا بد من مجيء معنى جديد ليذكِّر بما غاب في حاشية الشعور. ومثال ذلك: إنك إذا ألقيت حجراً في بحر، فهذا الحجر يستقر في بؤرة تصنع حولها دوائر من المياه، وتذهب هذه الدوائر إلى أن تختفي من رؤية الإنسان، ودليل ذلك أنك قد تتذكر أحداثاً مرت عليك من عشرين عاماً أو أكثر، هذه الأحداث كانت موجودة في حاشية الشعور، ثم جاء لك ما ينبهك إليها. والمخ كآلة التصوير الفوتوغرافية يلتقط أحياناً من مرة واحدة، وأحياناً من مرتين، أو أكثر، والالتقاط من أول مرة إنما يتم لأن المخ في تلك اللحظة كان خالياً من الخواطر. ونحن نجد أن من فقدوا أبصارهم إنما ينعم الله سبحانه عليهم بنعمة أخرى، هي قدرتهم الكبيرة على حفظ العلم؛ لأنه حين يسمع الكفيف العلم لا تشغله الخواطر المرئية التي تسرق انتباه بؤرة الشعور، أما المبصر، فقد تسرق بؤرة شعوره ما يمر أمامه، فيسمع العلم لأكثر من مرة إلى أن يصادف العلم بؤرة الشعور خالية فيستقر فيها. وهكذا تفعل الذكرى؛ لأنها تستدعي ما في حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور، فإذا انشغلت عن طاعة وذهبت إلى معصية، فالذكرى توضح لك آفاق المسئولية التي تتبع المعصية، وهي العقاب. ولذلك يقال: "لا خير في خيرٍ بعده النار، ولا شر في شر بعده الجنة". والحق سبحانه يقول هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ..} [هود: 114]. وأنت حين تنظر إلى أركان الإسلام، ستجد أنك تشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله مرة واحدة في العمر، والركن الثاني، وهو الصلاة، وهو ركن لا يسقط أبداً، فهي كل يوم خمس مرات، فيها تنطق بالشهادة، وتزكِّي ببعض الوقت ليبارك لك الله - سبحانه وتعالى - فيما بقي لك من وقتٍ، وفيها تصوم عن الطعام والشراب وكل ما يفسد الصيام، وأنت تتجه لحظة قيام الصلاة إلى البيت الحرام. ففي الصلاة تتضح العبادات الأخرى، ففيها من أركان الإسلام الخمس. ولذلك لا تسقط الصلاة أبداً؛ لأنك إن لم تستطع الصلاة واقفاً؛ فَلَكَ أن تصلي قاعداً، وإن لم تكن تستطيع الحركة فَلَكَ أن تحرك رموش عينيك، وأنت تصلي. وهكذا تجد في الصلاة كل أركان الدين، ولأهميتها نجد أنها تبقى مع الإنسان إلى آخر رمقٍ في حياته، وهي قد أخذت أهميتها في التشريع على قدر أهميتها في التكليف، وكل تكاليف الإسلام قد جاءت بواسطة الوحي إلا الصلاة، فقد جاءت مباشرة من الله تعالى، فقد استدعى الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم إليه ليفرض عليه الصلاة وهي تحية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ نظراً لأنها شرعت في قرب محمد صلى الله عليه وسلم من ربه سبحانه وتعالى. لذلك جعل الحق سبحانه الصلاة المفروضة في القرب وسيلة لقرب أمة رسوله صلى الله عليه وسلم جميعاً؛ ولذلك فهي الباقية. ويُحكَى أن الإمام علياً - كرم الله وجهه ورضي عنه - أقبل على قوم وقال لهم: أي آيةٍ في كتاب الله أَرْجَى عندكم؟ أي: ما هي الآية التي تعطي الرجاء والطمأنينة والبشرى بأن الحق سبحانه يقبلنا ويغفر لنا ويرحمنا، فقال بعضهم: هي قول الحق سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ..}تفسير : [النساء: 116]. فقال الإمام علي: حسنة، وليست إياها؟ أي: أنها آية تحقق ما طلبه، لكنها ليست الآية التي يعنيها. فقال بعض القوم إنها قول الحق سبحانه: {أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً}تفسير : [النساء: 110]. فكرر الإمام علي: حسنة، وليست إياها. فقال بعض القوم: هي قول الحق سبحانه: {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً ..}تفسير : [الزمر: 53]. فقال الإمام علي: حسنة، وليست إياها: فقال بعضهم: هي قوله سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ ..}تفسير : [آل عمران: 135]. فقال الإمام علي: حسنة، وليست إياها. وصمت القوم وأحجموا، فقال الإمام علي كرَّم الله وجهه: ما بالكم يا معشر المسلمين؟ وكأنه يسألهم: لماذا سكتم؟.. فقالوا: لا شيء. وهكذا جعل الإمام علي التشويق أساساً يبني عليه ما سوف يقول لهم: واشرأبت أعناقهم، وأرهفوا السمع، فقال لهم الإمام علي: سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : أَرْجَى آية في كتاب الله هي قول الحق سبحانه: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ}. يا علي إن أحدكم ليقوم من وضوئه فتتساقط عن جوارحه ذنوبه، فإذا أقبل على الله بوجهه وقلبه لا ينفتل - أي: لا يلتفت - إلا وقد غفر الله له كل ذنوبه كيوم ولدته أمه؛ فإذا أحدث شيئاً بين الصلاتين فله ذلك، ثم عدَّ الصلوات الخمس واحدة واحدة، فقال بين الصبح والظهر، وبين الظهر والعصر، وبين العصر والمغرب، وبين المغرب والعشاء، وبين العشاء والفجر، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "يا علي إنما الصلوات الخمس لأمتي كنهر جارٍ بباب أحدكم، أو لو كان على جسد واحد منكم درن ثم اغتسل في البحر، أيبقى على جسده شيء من الدرن؟ قال: فذلكم والله الصلوات لأمتي" ". تفسير : ولذلك لو نظرنا إلى الأعمال لوجدنا كل عمل له مجاله في عمره إلا مجال الصلاة، فمجالها كل عمر الإنسان. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ} معناه ساعاتٌ مِنهُ واحد [تُـ]ـهَا زُلفَةٌ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن سيئات الأولياء؛ لأنها تذهبها حسناتهم بقوله تعالى: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ} [هود: 114] إلى قوله: {أَجْمَعِينَ} [هود: 119] بقوله تعالى: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ} يشير إلى أن مرور ساعات عمر الإنسان وأوقاته عليه، مقوبل له وهو في الخسران منه إلا أن يكون مردودها عليه في الأعمال الصالحة يدل على هذا قوله تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}تفسير : [العصر: 1-3] وذلك لأن تعلق الروح النوراني العلوي بالجسد الظلماني السفلى موجب لخسران الروح إلا أن تتدراكه أنوار الأعمال الصالحة الشرعية فتربي الروح وترقيه من حضيض البشرية إلى ذروة الروحانية؛ بل إلى الوحدانية الربانية وتدفع عنه ظلمة الجسد السفلى كما أن إلقاء الحبة في الأرض موجب الخسران الحبة إلا أن يتداركها الماء فيربيها إلى أن تصير الحبة الواحدة إلى سبعمائة حبة واللهُ يضاعف لمن يشاء، فكذلك خص الله تعالى من أوقات عمر العبد طرفي النهار. {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ} [هود: 114] من الليل من أيام عمره بأن يصرف في إقامة الصلاة، وبه يشير إلى إدامة الذكر والطاعة والعبادة في أكثر النهار، ويصرف منه مقدار ما كان له ضرورة من الحاجات الإنسانية، فيها، {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ} [هود: 114] أي: ويصرف بعض ساعات الليل على قدر الصدق في الطلب في الذكر والطاعة، ويتسريح في بعضها؛ لاسترواح القوى البشرية، ودفع كلالة الحواس ليقوم في أثناء الليل منشاطاً للذكر والطاعة. {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} [هود: 114] أي: أنوار الحسنات وهي الأعمال الصالحة والذكر في المراقبة في طرفي النهار وزلفاً من الليل يذهبن ظلمات سيئات الأوقات التي تصرف في قضاء الحوائج النفسانية الإنسانية وما يتولد من الاشتغال بها، {ذٰلِكَ} [هود: 114] أي: الذي أشرنا إليه، {ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114] عظة لأهل الذكر {أية : ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ}تفسير : [آل عمران: 191] أي: رقود أجسادهم ذاكراً أرواحهم، {وَٱصْبِرْ} [هود: 115] يعني: أيها الطالب الصادق والفاسق والوامق على صرف الأوقات في طلب المحبوب بدوام الذكر، ومراقبة القلب، وترك الشهوات، ومخالفة الهوى والطبيعة. {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [هود: 115] أي: سعي الطالبين كما قال الله تعالى: "حديث : ألا من طلبني وجدني"؛تفسير : لأن من سنة كلامه قوله تعالى: "حديث : من تقرب إلي شبراً تقرب إليه ذراعاً"،تفسير : {فَلَوْلاَ} [هود: 116] فهلا، {كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ} [هود: 116] من أرباب النظر وأصحاب القلوب، {يَنْهَوْنَ} [هود: 116] أهل الكفر والطغيان والفسوق، {عَنِ ٱلْفَسَادِ} [هود: 116] أي: عن إفساد استعدادهم، {فِي ٱلأَرْضِ} [هود: 116] أي: في الصرف لشهوات أرض البشرية. {إِلاَّ قَلِيلاً} [هود: 116] من الأنبياء وأتباعهم الذين كانوا ينهونهم فلا يتناهون عما نهوا عنه، {مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} [هود: 116] أي: من جملتهم، {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} [هود: 116] إذ لم يتناهوا عما نهوا عنه، {مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ} [هود: 116] من شهوات الدنيا ولذاتها، {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} [هود: 116]؛ إذ لم يتناهوا عما نهوا عنه، فأهلكوا جميعاً به يشير إلى أن كل قوم لم يكن فيهم آمر بالمعروف وناهٍ عن المنكر من أرباب الصدق وهم مجتمعون على الفساد؛ إذ لا يأتمرون بالأمر بالمعروف ولا يتناهون بالنهي عن المنكر فإنهم هالكون. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ} [هود: 117] أي: بغير استحقاق الهلاك، {وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117] والصلاح من يصرف استعداده الفطري في طلب الحق، ولا يفسده مع طلب غيره، {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} [هود: 118] في طلب الحق، {وَلاَ يَزَالُونَ} [هود: 118] الخلق {مُخْتَلِفِينَ} [هود: 118] في الطلب، فمنهم: من طلب الدنيا، ومنهم: من طلب الآخرة، ومنهم: من طلب الحق تعالى: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} [هود: 119] فأخرجهم بنور رحمته عن ظلمة طبيعتهم الجسمانية والروحانية إلى نور طلب الربوبية، فلا يكونون طلاباً للدنيا والعقبى؛ بل يكونون طلاب جمال الله وجلاله. {وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 119] أي: ولطلب الله تعالى خلقهم، وأكرمهم بحسن استعدادهم للطب، وفضلهم على العالمين بفضيلة الوجدان، {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} [هود: 119] في الأزل؛ إذ قال: "حديث : هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي"،تفسير : {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ} أي: من الأرواح المستهلكة المتمردة وهم: إبليس وأتباعه، {وَٱلنَّاسِ} [هود: 119] وهم: النفوس الأمارات بالسوء، {أَجْمَعِينَ} [هود: 119] كلهم الفريقين المعرضين عن الله تعالى وطلبه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يأمر تعالى بإقامة الصلاة كاملة { طَرَفَيِ النَّهَارِ } أي: أوله وآخره، ويدخل في هذا، صلاة الفجر، وصلاتا الظهر والعصر، { وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ } ويدخل في ذلك، صلاة المغرب والعشاء، ويتناول ذلك قيام الليل، فإنها مما تزلف العبد، وتقربه إلى الله تعالى. { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } أي: فهذه الصلوات الخمس، وما ألحق بها من التطوعات من أكبر الحسنات، وهي: مع أنها حسنات تقرب إلى الله، وتوجب الثواب، فإنها تذهب السيئات وتمحوها، والمراد بذلك: الصغائر، كما قيدتها الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثل قوله: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر"، بل كما قيدتها الآية التي في سورة النساء، وهي قوله تعالى: {أية : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا }. تفسير : ذلك لعل الإشارة، لكل ما تقدم، من لزوم الاستقامة على الصراط المستقيم، وعدم مجاوزته وتعديه، وعدم الركون إلى الذين ظلموا، والأمر بإقامة الصلاة، وبيان أن الحسنات يذهبن السيئات، الجميع { ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ } يفهمون بها ما أمرهم الله به، ونهاهم عنه، ويمتثلون لتلك الأوامر الحسنة المثمرة للخيرات، الدافعة للشرور والسيئات، ولكن تلك الأمور، تحتاج إلى مجاهدة النفس، والصبر عليها، ولهذا قال: { وَاصْبِرْ } أي: احبس نفسك على طاعة الله، وعن معصيته، وإلزامها لذلك، واستمر ولا تضجر. { فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } بل يتقبل الله عنهم أحسن الذي عملوا، ويجزيهم أجرهم، بأحسن ما كانوا يعملون، وفي هذا ترغيب عظيم، للزوم الصبر، بتشويق النفس الضعيفة إلى ثواب الله، كلما ونت وفترت.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 375 : 26 : 6 - سفين عن منصور عن مجاهد {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ} قال، الفجر والظهر والعصر. [الآية 114]. 376 : 27 : 7 - سفين عن منصور عن مجاهد في قوله {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ} قال، المغرب والعشاء. [الآية 114]. 377 : 28 : 8 - سفين عن منصور عن مجاهد في قوله {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} قال، الصلوات الخمس [الآية 114]. 378 : 29 : 16 - سفين عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن سعيد بن جبير قال، قال ابن عباس في قوله {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} قال، هي الصلوات الخمس.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ} [114] 267- / أنا قتيبة بن سعيد، نا ابن أبي عَدي، عن سليمان التَّيمي، وأنا إسماعيل بن مسعود، عن يزيد - وهو ابن زُريع - وبِشْر قالا: حدثنا سليمان التَّيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود: حديث : أن رجلا أصاب من امرأة قُبْلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يسئلُه عن كَفَّارتها، فأنزل الله عز وجل: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} قال يا رسول الله أَلِيَ هذه؟ قال: "بل هي لِمَن عمل بها من أُمتي ". تفسير : 268- أنا محمد بن حاتم بن نُعَيم، أنا سُويد، أنا عبد الله، عن شَريك، نا عثمان بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن أبي اليَسر بن عمرو، قال: حديث : أَتَته امرأة، وزوجها قد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في بَعْث، فقالت له: بِعنِي بدرهم تمراً. قال: فقلت لها - وأعْجَبَتني - : إنَّ في البيت تمراً أطيب من هذا، فانطلق بها فغمزها وقبَّلها، ففزع ثم خرج فلقي أبا بكر فقال له: هلكتُ. قال: ما شأنك، فقص عليه أمره، وقال له: هل لي من توبة؟ قال: نعم، تُبْ ولا تَعُدْ ولا تُخْبِرنَّ أحداً، ثم انطلق حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقص عليه فقال: "خَلَّفت رجلا من المسلمين غازيا في سبيل الله بهذا؟!" وظننت أني من أهل النار، وأن الله لا يغفر لي أبداً، و [أ] طْرَقَ عني نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت عليه {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} فأرسل إليَّ نبي الله صلى الله عليه وسلم فقرأهنَّ عليَّ .
همام الصنعاني
تفسير : 1254- حدثنا عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَر، عن سليمانَ التَّيْمي، عن أبي عُثْمَانَ النهدي، عن ابن مسعود في قوله تعالى: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ}: [الآية: 114]، قال: ضرب رجل على كَفَلِ امرأة ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله وأبا بكر وعمر، فكلما سأل رجلاً منهم عن كفارة ذلك، قال: (أمُغْزِيَةٌ هي؟) قال: نعم. قال: لا أدري حتى أنزل الله: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ}: [الآية: 114]. 1255- حدثنا عبد الرَّزاقِ، عَنْ ابْنِ التَّيْمي، عن أبيهِ، عن أبي عثمانَ النهدي، عن ابن مسْعُودٍ مثله. 1256- قال معمر عن قتادة: هِيَ الصبح والعصر {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ}: [الآية: 114]، هي المغرب والعشاء {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ}: [الآية: 114]. 1257- حدثنا عبد الرزاق،ـ عن الثَّوْري، عن مَنْصُور، عن مُجَاهد، في قوله تعالى: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ}: [الآية: 114]، قال: صلاة الفجر وصلاة العشي، {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ}: [الآية: 114]، قال: المغرب والعشاء، {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ}: [الآية: 114]، قال: الصلوات، {يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ}: [الآية: 114]. 1258- حدثنا عبد الرزاق، عن الثزري، عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ}: [الآية: 114]، قال: الصلوات الخمس {أية : وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ}تفسير : : [الكهف: 46]، الصلوات الخمس. 1259- عبد الرزاق، عَنْ إسرائيل بن يونس، عن سماك بن حرب، أنه سمع إبراهيم بن يزيد يحدث عن عَلْقَمَة والأسود، عن عبد الله بن مسعود، قال: حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ إني أجرت امرأة في البستان ففعلتُ بها كل شيء غير أني لم أجامعها، قَبَّلْتُها ولزمتها ولم أفعل غير ذَلِك، فافعل بي ما شئت، فلم يقل له رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فذهب الرجل فقال عمر بن الخطاب: لقد ستر الله عليه، لو ستر على نفسه. فأتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بَصَرَهُ فقال: "رُدُّوه عَليَّ" فردَّوهُ عليه فقرأ عليه: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ}: [الآية: 114]، إلى {ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} فقال له معاذ بن جبل: أله وحده أم للناس يا نبيَّ الله؟ قال: "بل للناس كافة ". تفسير : 1260- حدثنا عبد الرزاق، عن محمد بن مسلم، عن عَمْرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، أن رَجُلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذكر امرأةً وهو جالسٌ مع النبي صلى الله عليه وسلم فأستأذنه لحاجة، ذهب في طلبها فلم يجدها، فأقبل الرجل يريد أن يبشر النبي صلى الله عليه وسلم بالمطر فوجد المرأة جالِسَة عَلَى غدير فَدَفَعَ في صدْرها وجلس بين رجليها فصارَ ذكره مثل الهدبة فقام نادِماً حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما صنع، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "استغفر ربك، وصل أربع ركعات" ثم تلا عليه: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ}: [الآية: 114]. 1261- معمر عن زيد بن أسلم، أن رَجُلاً كانَ في الأمم الماضية يجتهد في العبادة، ويشدد علَى نفسِهِ، وَيُقْنِدُ الناسَ من رَحمة الله تعالى ثم مَاتَ، فقال: أي ربي، ما لِي عندك؟ قال: النار قال: أي ربي، فأين عبادتي واجتهادي؟ قال فيقول: "إنك كنت تُقْنِطُ الناس من رحمتي في الدنيا، فأنا أقنطك اليوم من رَحْمتي". 1262- معمر، عن زيد بن أسلم، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فأخذ رجل فرخ طائر، فجاء الطائر فألقى بنفسه في حجر الرجل مع فرخه. فأخذه الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عجبتم لهذا ا لطائر جاء فألقى نفسه في أيديكم رحمة لولده فوالله، لله أرحم بعبده المؤمن من هذا الطائر بفرخه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):