Verse. 1586 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

وَلَا تَرْكَنُوْۗا اِلَى الَّذِيْنَ ظَلَمُوْا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ۝۰ۙ وَمَا لَكُمْ مِّنْ دُوْنِ اللہِ مِنْ اَوْلِيَاۗءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُوْنَ۝۱۱۳
Wala tarkanoo ila allatheena thalamoo fatamassakumu alnnaru wama lakum min dooni Allahi min awliyaa thumma la tunsaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولا تركنوا» تميلوا «إلى الذين ظلموا» بمودة أو مداهنة أو رضا بأعمالهم «فتمسكم» تصيبكم «النار وما لكم من دون الله» أي غيره «من» زائدة «أولياء» يحفظونكم منه «ثم لا تنصرون» تمتعون من عذابه.

113

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ} الركون حقيقة الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشيء والرضا به، قال قتادة: معناه لا تودّوهم ولا تطيعوهم. ابن جريج: لا تميلوا إليهم. أبو العالية: لا ترضوا أعمالهم؛ وكله متقارب. وقال ابن زيد: الركون هنا الإدْهَان وذلك ألا ينكر عليهم كفرهم. الثانية: قرأ الجمهور: «تَرْكَنُوا» بفتح الكاف؛ قال أبو عمرو: هي لغة أهل الحجاز. وقرأ طلحة بن مُصرِّف وقتادة وغيرهما: «تركُنوا» بضم الكاف؛ قال الفراء: وهي لغة تميم وقيس. وجوز قوم ركَن يركَن مثل منَعَ يَمنَع. الثالثة: قوله تعالى: {إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} قيل: أهل الشرك. وقيل: عامة فيهم وفي العصاة، على نحو قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا} تفسير : [الأنعام: 68] الآية. وقد تقدّم. وهذا هو الصحيح في معنى الآية؛ وأنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم؛ فإن صحبتهم كفر أو معصية؛ إذ الصحبة لا تكون إلا عن مودّة؛ وقد قال حكيم:شعر : عن المرء لا تَسأَل وسَلْ عن قَرينه فكلُّ قرينٍ بالمُقَارن يَقْتَدِي تفسير : فإن كانت الصحبة عن ضرورة وتَقيّة فقد مضى القول فيها في «آل عمران» و«المائدة». وصحبة الظالم على التقية مستثناة من النهي بحال الاضطرار. والله أعلم. الرابعة: قوله تعالى: {فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ} أي تحرقكم. بمخالطتهم ومصاحبتهم وممالأتهم على إعراضهم وموافقتهم في أمورهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلاَ تَرْكَنُواْ } تميلوا {إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } بمودّة أو مداهنة أو رضا بأعمالهم {فَتَمَسَّكُمُ } تصيبكم {ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره {مِنْ } زائدة {أَوْلِيآءَ } يحفظونكم منه {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ } تمنعون من عذابه.

ابن عبد السلام

تفسير : {تَرْكَنُواْ} تميلوا، أو تدنوا، أو ترضوا أعمالهم، أو تداهنوهم في القول فتوافقوهم سراً ولا تنكروا عليهم علانية.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ...} الآية: الرُّكُون: السُّكون إِلى الشيْء، والرضا به، قال أبو العالية: الركُونُ: الرِّضَا. قال ابنُ زَيْد: الرُّكُون: ٱلادِّهان. قال * ع *: فالركون يقع على قليلِ هذا المعنَى وكثيرِهِ، والنهْيُ هنا يترتَّب من معنى الركُونِ على المَيْلِ إِلَيهم بالشِّرْك معهم إِلى أقلِّ الرُّتَبِ مِنْ ترك التَّغْيير عليهم مع القُدْرة، و{ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} هنا: هم الكَفَرَة، ويدخُلُ بالمعنى أَهْلُ المعاصي. وقوله سبحانه: {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ...} الآية: لا خلاف أنَّ {ٱلصَّلَوٰةَ} في هذه الآية يرادُ بها الصلواتُ المفروضةُ، واختلفَ في طرفَيِ النَّهار وزُلَفِ اللَّيْل، فقيل: الطَّرَف الأوَّل: الصُّبْح، والثَّاني: الظُّهْر والعَصْر، والزُّلَف: المغرب والعشاء؛ قاله مجاهد وغيره، « حديث : وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَالَ فِي المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ:«هُمَا زُلْفَتَا اللَّيْلِ» » تفسير : وقيل: الطَرَفُ الأوَّل: الصبحُ، والثاني: العصر؛ قاله الحسن وقتادة، والزُّلَف: المغرب والعشاء، وليست الظهر في هذه الآية على هذا القول، بل هي في غيرها. قال * ع *: والأول أحسن الأقوالِ عِنْدِي، ورجَّح الطبريُّ القوْلَ بأن الطرفين الصُّبْح والمغرب، وهو قول ابن عبَّاس وغيره، وإِنه لظاهر، إِلا أن عموم الصلوات الخمْسِ بالآية أَولَى، والزّلَف: الساعاتُ القريبُ بعضُها من بَعْضٍ. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَـٰتِ }، ذهب جمهورُ المتأوِّلين من صَحَابَةٍ وتابعينَ إِلى أن الحسناتِ يرادُ بها الصَلواتُ الخَمْسُ، وإِلى هذه الآية ذهَبَ عثْمانُ رضي اللَّه عنه في وضوئه على المَقَاعِدِ، وهو تأويلُ مالك، وقال مجاهد: {ٱلْحَسَنَـٰتِ }: قول الرجُلِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَلاَ إِلٰهَ إِلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ. قال * ع *: وهذا كلُّه إِنما هو على جهة المِثَالِ في الحسنات، ومِنْ أجل أنَّ الصلواتِ الخمْسَ هي معظَمُ الأعمال، والذي يظهر أنَّ لفظ الآية عامٌّ في الحسنات، خاصٌّ في السيئات؛ بقوله عليه السلام: « مَا ٱجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ »، وروي حديث : أنَّ هذه الآية نزلَتْ في رجلٍ من الأنصار، وهو أبو اليُسْرِ بْنُ عَمْرو، وقيل: اسمه عَبَّاد، خَلاَ بامرأةٍ، فقَبَّلها، وتلذَّذ بها فيما دُونَ الجِمَاع، ثم جاء إِلى عُمَر، فشكا إِليه، فقال له: قَدْ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْكَ، فَٱسْتُرْ عَلَى نَفْسِكَ، فَقَلِقَ الرجُلُ، فجاء أبا بَكْر، فشكا إِليه، فقال له مثْلَ مقالةِ عُمَرَ، فَقَلِقَ الرجُلُ، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فَصَلَّى معه، ثم أخبره، وقال: ٱقْضِ فيَّ ما شِئْتَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: « لَعَلَّهَا زَوْجَةُ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟! » قَالَ: نَعَمْ، فَوَبَّخَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: « مَا أَدْرِي »، فنزلَتْ تفسير : هذه الآية، فَدَعَاهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فَتَلاَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَهَذَا لَهُ خَاصَّةً؟ فَقَالَ: « بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً ». قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه»: وهذا الحديثُ صحيحٌ، رواه الأئمةِ كلُّهم، انتهى. قال * ع *: ورُوِيَ: أن الآية قدْ كَانَتْ نزلَتْ قبْلَ ذلك، واستعملها النبيُّ صلى الله عليه وسلم في ذلك الرَّجُل، وروي أنَّ عمر قال مَا حُكِيَ عن معاذٍ، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: « حديث : الجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَالصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهَا؛ إِنِ ٱجْتُنِبَتِ الكبائر ». تفسير : وقوله: {ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ}: إِشارة إِلى الصلوات، أي: هي سببُ الذكْرَى، وهي العظَةُ، ويحتملُ أنْ تكونَ إِشارةً إِلى الإِخبار بأن الحسناتِ يُذْهِبْنَ السيئَاتِ. ويحتملُ أنْ تكون إِشارةً إِلى جميعِ ما تقدَّم من الأوامر والنواهِي والقَصَص في هذه السُّورة، وهو تفسيرُ الطبريُّ.

البقاعي

تفسير : ولما نهي عن الإفراط في الدين، أتبعه النهي عن التفريط بالتقصير فيه بسفول الهمم على وجه عام، وكان الحب في الله والبغض منه أوثق عرى الإيمان، إشارة إلى ضده الذي هو أوثق عرى الشيطان فقال: {ولا تركنوا} أي شيئاً من ركون، وقال: {إلى الذين ظلموا} أي وجد منهم الظلم ولم يقل الظالمين، أي بالميل إليهم بأن تثاقل أنفسكم نحوهم للميل إلى أعمالهم ولو بالرضى به والتشبه بهم والتزيّي بزيهم، وحاصل الآيتين: لا تظلموا بأنفسكم ولا تستحسنوا أفعال الظالمين، وفسر الزمخشري الركون بالميل اليسير، وهو حسن من جهة المعنى لكني لن أره لغيره من أهل اللغة، وقال الرماني - وهو أقرب: الركون: السكون إلى الشيء بالمحبة والانصباب إليه، ونقيضه النفور عنه. وهو على التفسير الثاني في {تطغوا} من عطف الخاص على العام، والآية ملتفتة إلى قوله تعالى {فلعلك تارك بعض ما يُوحى إليك} {فتمسكم النار} أي فتسبب عن ركونكم إليهم مسُّها لكم فلا تقدروا على التخلص منها بنوع حيلة من أنفسكم؛ ومن إجلال النبي صلى الله عليه وسلم إفراده بالخطاب في الأمر بأفعال الخير، والإتيان بضمير الجمع في النهي عن أفعال الشر - نبه على ذلك الإمام أبو حيان. ولما كان كل موجود سوى الله في قهره وتحت أمره، قال تعالى: {وما لكم} ولما كان دون رتبته تعالى من الرتب والذوات ما لا يحصيه غيره سبحانه، أدخل الجار تبعيضاً فقال: {من دون الله} أي الملك لأعظم، وأعرق في النفي فقال: {من أولياء} أي يخلصونكم من عذابه لما تقرر أن {دون} من الأدون وهو الأقرب إلى جهة السفل؛ والولي: المختص بأن من شأنه تولي المعونة عند الحاجة، وأشار إلى أن نصر مَنْ لا ناصر له من الله محال بأداة البعد وبناء للمفعول فقال: {ثم لا تنصرون*} أي ثم إذاً فإنكم هذا وذاك فما أبعدكم من النصرة! ولما كان العلم حاصلاً بما سبق من الحكم من أن الآدمي محل العجز والتقصير، أتبع ذلك بأعلى مكفر لما يوجبه العجز ويقضي به الفتور والوهن من الصغائر وأعمه وأجلبه للاستقامة، وذلك يدل على أنها بعد الإيمان أفضل العبادات، فقال تعالى: {وأقم الصلاة} أي اعملها على استواء {طرفي النهار} بالصبح والعصر كما كان مفروضاً بمكة في أول الأمر قبل الإسراء، ويمكن أن يراد مع ذلك الظهر لأنها من الطرف الثاني {وزُلفاً} أي طوائف ودرجات وأوقات، جمع زلفة {من الَّيل} يمكن أن يكون المراد به التهجد، فقد كان مفروضاً في أول الإسلام، ويمكن أن يراد المغرب والعشاء مع الوتر أو التهجد؛ ثم علل ذلك بقوله: {إن الحسنات} أي الطاعات كلها الصلاة وغيرها المبنية على أساس الإيمان {يذهبن السيئات} أي الصغائر، وأما الكبائر التي يعبر عنها بالفواحش ونحوه فقد تقدم في قصة شعيب عليه السلام عند قوله {ثم توبوا إليه} أنه لا يكفرها إلا التوبة لما فيها من الإشعار بالتهاون بالدين، واجتنابها لا يكفر إلا إذا كان عن نية صالحة كما أفهمه صيغة الافتعال من قوله {أية : إن تجتنبوا} تفسير : [النساء: 30]؛ روى البخاري في التفسير عن ابن مسعود رضي الله عنه حديث : أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فأنزل الله عليه {أقم الصلاة طرفي النهار} - الآية، قال الرجل: ألي هذه؟ قال: لمن عمل بها من أمتيتفسير : . وهذا الحديث يؤيد قول ابن عباس رضي الله عنهما: إن هذه الآية من هذه السورة المكية المدنية. ولما تم هذا على هذا الوجه الأعلى والترتيب الأولى، قال تعالى مادحاً له ليعرف مقداره فيلزم: {ذلك} أي الأمر العالي الرتبة الذي تقدم من الترغيب والترهيب والتسلية وتعليم الداء والدواء للخلاص من الشقاء {ذكرى} أي ذكر عظيم {للذاكرين*} أي لمن فيه أهلية الذكر والانتباه به بحضور القلب وصفاء الفكر ونفوذ الفهم. ولما كان الصبر لله على المكاره أعلى الطاعة، أتبع ذلك قوله: {واصبر} أي ليكن منك صبر على الطاعات وعن المعاصي ولا تترك إنذارهم بما أمرت به مهما كان ولا تخفهم، فإن العاقبة لك إذا فعلت؛ ولما كان المقام الصبر صعباً والاستقامة على المحمود منه خاصة خطراً، وكانت النفس - لما لها من الجزع في كثير من الأحوال - كالمنكرة، أكدَّ قوله: {فإن} الصبر هو الإحسان كل الإحسان وإن {الله} أي المحيط بصفات الكمال {لا يضيع} أي بوجه من الوجوه {أجر المحسنين*} أي العريقين في وصف الإحسان بحيث إنهم يعبدون الله كأنهم يرونه، فلذلك يهون عليهم الصبر، ولذلك لأن الطاعة كلفة فلا تكون إلا بالصبر، وكل ما عداها فهو هوى النفس لا صبر فيه، فالدين كله صبر "حديث : حفت الجنة بالمكاره والنار بالشهوات" تفسير : ولذا فضل ثواب الصابر {أية : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} تفسير : [الزمر: 10] والصبر المحمود: حبس النفس عن الخروج إلى ما لا يجوز من ترك الحق، ونقيضه الجزع، قال الشاعر: شعر : إن تصبر فالصبر خير مغبةً وإن تجزعا فالأمر ما تريان تفسير : وهو من الصبر الذي هو المر المعروف لأنه تجرع مرارة الحق بحبس النفس عن الخروج إلى المشتهى مع الزاجر المعتبر من الشرع والعقل، فهو أكره شيء إلى النفس، والمعين عليه ما في استشعار لزوم الحق من العز والأجر بالطاعة والعلم بما يعقب من الخير في كل وجه وعادة النفس له، وقد غلب إطلاقه على الحق حتى لا يجوز إطلاقه إلا فيه - قاله الرماني. ولما كان ما تقدم كله مشيراً إلى استبعاد إيمان المعاندين بشيء من تدبير آدمي كما تكاد القصص تنطق به، وكذا الإعلام بأن عبادتهم إنما هي للتقليد وباختلاف قوم موسى في كتابه الذي هو هدى ورحمة، وكل ذلك فطماً عن طلب ما قد يهجس في الخاطر من تمني إجابتهم إلى ما يقترحون أو الكف عن بعض ما يغيظ من الإنذار، وكان من طبع البشر البعد عن الانتهاء عن الخواطر إلا بعد التجربة، كان ذلك ربما أوجب أن يقال: لو أجيبوا إلى سؤالهم لربما رجعوا عن كثير مما هم فيه، فدعاهم ذلك إلى الرشاد، فتسبب عنه أن يقال دفعاً له: {فلولا كان} ويجوز أن يكون مناسبتها أنه لما ذكر إهلاك القرون الماضية والأمم السالفة بما مضى إلى أن ختم بالأمر بالصبر على الإحسان من الأمر بالمعروف والنهي عن النمكر، كان من الجائز أن يقع في فكر الاعتراض بأن يقال: ما الموجب لذلك؟ فبين أن سبب الهلاك الإعراض عن نهي منتهك الحرمات والمجترىء على هتك الأستار الجليلة والرتع في الحمى مع تمكنهم بما أودع فيهم سبحانه من القوى والقدرة على اختيار جانب الخير والإعراض عن جانب الشر فقال تعالى: {فلولا} بصيغة تحتمل التخصيص، وفيها معنى التفجع والتأسف لاعتبار كل من كان على مثل حالهم {من القرون} أي المهلكين الأشداء الكائنين في زمان ما. ولما كان المراد القرون التي تقدم ذكر إهلاكها، وكانت أزمنتهم بعض الزمان الماضي، أتى بالجار فقال: {من قبلكم أولوا} أي أصحاب {بقية} أي حفظ وخير ومراقبة لما يصلحهم، لأن مادة "بقي" تدور على الجمع، ويلزمه القوة والثبات والحفظ، من قولهم: ابقه بقوتك مالك - وزن ادعه - أي احفظه حفظك مالك، ويلزمه النظر والمراقبة: بقيت الشيء - إذا نظرت إليه ورصدته، ويلزمه الثبات: بقي بقاء - إذا دام، والخير والجودة؛ قال الزمخشري: لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله، ويقال: فلان من بقية قوم، أي من خيارهم، وسيأتي شرح ذلك مستوفى عند قوله تعالى {وجعلنا بينهم موبقاً} إن شاء الله تعالى {ينهون} أي يجددون النهي في كل حين إشارة إلى كثرة المفسدين {عن الفساد} الكائن {في الأرض} و"لولا" هنا كالتي في يونس توبيخية أو استفامية كما جوزهما الرماني، ويجوز أن تكون تخصيصية كما قال الزمخشري، ويكون للسامع لا للمهلك، لأن الآية لما تضمنت إهلاك المقر على الفساد كان في ذلك أقوى حث لغيرهم على الأمر والنهي وأوفى تهديد زاجر عن ارتكاب مثل حالهم الموقع في أضعاف نكالهم، وفي تعقيب هذه الآية لآية الصبر إشارة إلى أن الصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الذروة العليا، والآية ناظرة إلى قوله تعالى {إنما أنت نذير}. ولما كانت المعاني الثلاثة متضمنة للنفي، كان المعنى: لم يكن من يفعل ذلك، فاتصل الاستثناء في قوله: {إلا قليلاً} أي صالحين {ممن أنجينا منهم} والظاهر أن "من" بيانية، أي هم الذين أنجينا فإنهم نهوا عن الفساد، عبر بالإنجاء لأنه الدال على الخير الحامل للنهي عن الفساد دون التنجية الدالة على التدريج والإبلاغ في الإنجاء فلو عبر بها فسد المعنى {واتبع} الأكثر وهم {الذين ظلموا} أي أوقعوا الظلم بترك النهي عن الفساد، وما أحسن إطلاقها عن التقييد بـ {منهم} {ما} ولما كان المبطر لهم نفس الترف، بني للمفعول قوله: {أُترفوا فيه} فأبطرتهم النعمة حتى طغوا وتجبروا {وكانوا مجرمين*} أي متصفين على سبيل الرسوخ بالإجرام، وهو قطع حبل الله على الدوام، فأهلكهم ربك لإجرامهم، ولولا ذلك لما فعل، فإن إهلاكهم على تقدير الانفكاك عن الإجرام يكون ظلماً على ما يتعارفون. ولما لاح بما مضى أن العبرة في الإهلاك والإنجاء للاكثر، قرره وأكده وبينه بقوله: {وما كان ربك} ذكر سبحانه بالوصف المفهم للإحسان تثبيتاً له وتأميناً {ليهلك القرى} أي إهلاكاً عاماً {بظلم} أي أيّ ظلم كان، صغير أو كبير {وأهلها مصلحون*} أي في حال ظلم بأن يوقع إهلاكهم في حال إصلاحهم الذي هم عريقون فيه، فيكون الإهلاك في غير موقعه على ما يتعارف العباد مع العلم بأن له أن يفعل ذلك في نفس الأمر لأنه لا يسأل عما يفعل؛ والإهلاك: إيجاب ما يبطل الإحساس، والهلاك: ضياع الشيء وهو حصوله بحيث لا يدري أين هو؛ والإصلاح: إيجاب ما يستقيم به الأمر على ما يدعو إليه العقل.

ابو السعود

تفسير : {وَلاَ تَرْكَنُواْ} أي لا تميلوا أدنى ميلٍ {إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي إلى الذين وُجد منهم الظلمُ في الجملة، ومدارُ النهي هو الظلمُ، والجمعُ باعتبار جمعيةِ المخاطَبـين وما قيل من أن ذلك للمبالغة في النهي من حيث إن كونهم جماعةً مظِنةُ الرخصةِ في مداهنتهم إنما يتم لو كان المرادُ النهيَ عن الركون إليهم من حيث أنهم جماعةٌ وليس كذلك {فَتَمَسَّكُمُ} بسبب ذلك {ٱلنَّارُ} وإذا كان حالُ الميل في الجملة إلى مَنْ وُجد منه ظلمٌ ما في الإفضاء إلى مِساس النارِ هكذا فما ظنُّك بميل من يميل إلى الراسخين في الظلم والعُدوان ميلاً عظيماً، ويتهالك على مصاحبتهم ومنادمتِهم ويُلقي شراشِرَه على مؤانستهم ومعاشرتهم، ويبتهج بالتزيّـي بزِيّهم ويمُدّ عينيه إلى زهرتهم الفانية ويغبِطُهم بما أوتوا من القطوف الدانية وهو في الحقيقة من الحبة طفيف ومن جناح البعوض خفيف بمعزل عن أن تميل إليه القلوب ضعُف الطالبُ والمطلوب، والآيةُ أبلغُ ما يتصور في النهْي عن الظلم والتهديدِ عليه. وخطابُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم ومَنْ معه من المؤمنين للتثبـيت على الاستقامة التي هي العدلُ فإن الميلَ إلى أحد طرفي الإفراطِ والتفريطِ ظلمٌ على نفسه أو على غيره. وقرىء تركنوا على لغة تميم وتُركَنوا على صيغة البناء للمفعول من أركنه {وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء} أي من أنصار يُنقِذونكم من النار، والجملةُ نصبٌ على الحاليه من قوله: فتمسكم النار، ونفيُ الأولياءِ ليس بطريق نفي أن يكون لكل واحدٍ منهم أولياءُ حتى يصدُقَ أن يكون له وليٌّ بل لمكان (لكم) بطريق انقسامِ الآحادِ على الآحاد لكن لا على معنى نفي استقلالِ كلَ منهم بنصير، بل على معنى نفيِ أن يكون لواحد منهم نصيرٌ بقرينة المقام {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} من جهة الله سبحانه إذ قد سبق في حكمه أن يعذبَكم بركونكم إليهم ولا يُبقيَ عليكم، وثم لتراخي رتبةِ كونِهم غيرَ منصورين من جهة الله بعدما أوعدهم بالعذاب وأوجبه عليهم، ويجوز أن يكون منزلاً منزلة الفاءِ بمعنى الاستبعادِ فإنه لما بـيّن أن الله تعالى معذبُهم وأن غيرَه لا ينقذهم أنتج أنهم لا يُنصرون أصلاً. {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ} أي غدوةً وعشيةً، وانتصابُه على الظرفيه لكونه مضافاً إلى الوقت {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ} أي ساعاتٍ منه قريبةً من النهار، فإنه مِنْ أزلفه إذا قرّبه جمع زُلفة، عطفٌ على طرفي النهار والمرادُ بصلاتهما صلاةُ الغداة والعصرِ، وقيل: الظُهر موضعَ العصر لأن ما بعد الزوال عشيٌّ، وبصلاة الزُلَف المغربُ والعشاء، وقرىء زُلُفاً بضمتين وضمة وسكون كبُسْر وبُسُر وزُلفى بمعنى زُلفة كقربى بمعنى قربة {إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ} التي من جملتها بل عُمدتُها ما أمِرْت به من الصلوات {يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيّئَـٰتِ} التي قلما يخلو منها البشر، أي يكفرنها وفي الحديث «حديث : إن الصلاة إلى الصلاة كفارةٌ لما بـينهما ما اجتُنبت الكبائر» تفسير : وقيل: «حديث : نزلت في أبـي اليَسَر الأنصاريِّ إذ قبّل امرأةً ثم ندِم فأتىٰ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما فعل فقال عليه الصلاة والسلام: «أنتظرُ أمرَ ربـي» فلما صلى صلاةَ العصر نزلت قال عليه السلام: "نعم اذهب فإنها كفارةٌ لما عمِلْت"»تفسير : أو يمنعْن من اقترافها كقوله تعالى: {أية : ٱتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى قوله تعالى: {فَٱسْتَقِمْ} فما بعده وقيل: إلى القرآن {ذِكْرَىٰ لِلذكِرِينَ} أي عظةٌ للمتعظين.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}[113] قال: أي لا تعتمدوا في دينكم إلا على سنتي.

القشيري

تفسير : لا تعملوا أعمالَهم، ولا ترضوا بأعمالِهم، ولا تمدحوهم على أعمالهم، ولا تتركوا الأمرَ بالمعروف لهم، ولا تأخذوا شيئاً من حرام أموالهم، ولا تساكنوهم بقلوبكم، ولا تخالطوهم، ولا تعاشروهم... كل هذا يحتمله الأمرُ، ويدخل تحت الخطاب.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ} اى لا تقتدوا بالمرائين والجاهلين وفراء السوء فتمسكم نيران البعد وحب الجاه والرياسة ويلحقكم نار البدعة والضلالة وايضاً لا تسكنوا الى نفوسكم الظلمة بجهلها حقوق الله سبحانه قا لالكتانى من لم يتادب بحكيم او امام يكون بطالا ابدا قال الله ولا تركنوا الى الذين ظلموا وقال سهل لا تعتمدوا فى دينكم الا السنى وقال احمدون القصار لا تصاحب الاشرار فان ذلك يحرمك الاخيار وقال على بن موسى الرضا عن ابيه عن جعفر قال لا تركنوا الى نفوسكم فانها ظلمة وقال سهل لا تجالسوا اهل البدع.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولا تركنوا} الركون هو الميل اليسير والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين اى لا تميلوا ادنى ميل {الىالذين ظلموا} اى الى الذين وجد منهم الظلم فى الجملة {فتمسكم} بسبب ذلك وهو منصوب باضمار ان فى جواب النهى يعنى بشما برسد] {النار} [آتش دوزخ] واذا كان الركون الى من صدر منهم ظلم مرة فى الافضاء اى مساس النار هكذا فما ظنك بالركون الى من صدر منهم الظلم مرارا ورسخوا فيه ثم بالميل اليهم كل الميل {وما لكم من دون الله من اولياء} اى من انصار ينقذونكم من النار على ان يكون مقابلة الجمع بالجمع بطريق انقسام الآحاد على الآحاد. والجملة نصب على الحالية من مفعول فتمسكم النار وانتم على هذه الحالة وهى انتفاء ناصركم {ثم لا تنصرون} جملة فعليه معطوفة على الاسمية قبلها. وكلمة ثم لاستبعاد نصرة الله تعالى اياهم مع استحقاقهم العذاب بسبب ركونهم ثم لا ينصركم الله اذ سبق فى حكمه ان يعذبكم ولا يبقى عليكم. والآية ابلغ ما يتصور فى النهى عن الظلم والتهديد عليه والعجب من قوم يقرأون هذه الآية ويرون ما فيها ثم لا يرتدعون عن الظلم والميل الى اهله ولا يتدبرون انهم مؤاخذون غير منصورين: قال السعدى قدس سره شعر : كرازى بجاه اندر افتاده بود كه ازهول اوشير نرمانده بود بد انديش مردم بجز بدنديد بيفتادو عاجز تر ازخود نديد همه شب زفرياد وزارى نخفت يكى برسرش كوفت سنكى وكفت تو هركز رسيدى بفرياد كس كه ميخواهى امروز فرياد رس كه برريش جانت نهد مرهمى كه دلهى زدردت بنالد همى تومارا همى جاه كندى براه بسر لاجرم درفتادى بجاه اكربد كنى جشم نيكى مدار كه هر كزنيارد كزا نكور بار تفسير : وفى الحديث "حديث : اياكم والظلم فانه يخرب قلوبكم" تفسير : وفى تخريب القلب تخريب سائر الجسد فالظالم يظلم على نفسه حيث يخرب اعضاءه الظاهرة والباطنة وعلى الله حيث يخرب بنيان الله ويغيره ويفسده ولانه اذا ظلم غيره وآذاه فقد ظلم على الله ورسوله وآذاه. والدليل عليه قوله عليه السلام "حديث : انا من الله والمؤمنون منى فمن آذى مؤمنا فقد آذانى ومن آذانى فقد آذى الله تعالى" تفسير : ودخل فى الركون الى الظالمين المداهنة والرضى باقوالهم واعمالهم ومحبة مصاحبتهم ومعاشرتهم ومد العين الى زهرتهم الفانية وغبطتهم فيما اوتوا من القطوف الدانية والدعاء لهم بالبقاء وتعظيم ذكرهم واصلاح دواتهم وقلمهم ودفع القلم او الكاغد الى ايديهم والمشى خلفهم والتزيى بزيهم والتشبه بهم وخياطة ثيابهم وحلق رؤوسهم. وقد امتنع بعض السلف عن رد جواب الظلمة فى السلام. وقد سئل سفيان عن ظالم اشرف على الهلاك فى برية هل يسقى شربة ماء فقال لا فقيل له يموت فقال دعه فانه اعانه للظالم. وقال غيره يسقى الى ان يثوب الى نفسه ثم يعرض عنه وفى الحديث "حديث : العلماء امناء الرسل على عباد الله لم يخالطوا السلطان فاذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلوهم" تفسير : فاذا علمت هذا فاعلم ان الواجب عليك ان تعتزل عنهم بحيث لا تراهم ولا يرونك اذ لا سلامة الا فيه وان لا تفتش عن امورهم ولا تتقرب الى من هو من حاشيتهم ومتصل بهم من امامهم ومؤذنهم فضلا عن غيرهم من عمالهم وخدمهم ولا تتأسف على ما يفوت بسبب مفارقتهم وترك مصاحبتهم واذكر كثيرا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اذا قرأ الرجل القرآن وتفقه فى الدين ثم اتى باب السلطان تملقا اليه وطمعا لما فى يديه خاض بقدر خطاه فى نار جهنم" تفسير : والحديث كأنه مأخوذ من الآية فهما متطابقان معنى كما لا يخفى -وروى- ان الله تعالى اوحى الى يوشع بن نون انى مهلك من قومك اربعين الفا من خيارهم وستين الفا من شرارهم فقال ما بال الاخيار فقال انهم لم يغضبوا لغضبى فكانوا يواكلونهم ويشاربونهم وبهذا تبين ان بغض الظلمة والغضب عليهم لله واجب وانما ظهر الفساد فى الرعايا وجميع اقطار الارض برا وبحرا بفساد الملوك وذلك بفساد العلماء اولا اذ لولا القضاة السوء والعلماء السوء لقل فساد الملوك بل لو اتفق العلماء فى كل عصر على الحق ومنع الظلم مجتهدين فى ذلك مستفرغين مجهودهم لما اجترأ الملوك على الفساد ولاضمحل الظلم من بينهم راسا وبالكلية ومن ثم قال النبى عليه السلام "حديث : لا تزال هذه الامة تحت يد الله وكنفه ما لم يمالئ قرّاؤها امراءها" تفسير : وانما ذكر القراء لانهم كانوا هم العلماء وما كان علمهم الا بالقرآن ومعانيهم الا بالسنة وما وراء ذلك من العلوم انما احدثت بعدهم كذا فى بحر العلوم للشيخ على السمرقندى قدس سره. يقول الفقير اصلحه الله القدير ذكر فى الاحياء ان من دخل على السلطان بلا دعوة كان جاهلا ومن دعى فلم يجب كان اهل بدعة. وتحقيق المقام ان الركون فى الآية اسند الى المخاطبين ولمخالطة وايان الباب والممالأة الى العلماء والقراء فكل منها انما يكون مذموما اذا كان من قبل العلماء واما اذا كان من جانب السلاطين والامراء بان يكونوا مجبورين فى ذلك مطالبين بالاختلاط لاجل الانتفاع الدينى فلا بأس حينئذ بالمخالطة لان المجبور المطالب مؤيد من عند الله تعالى خال عن الاغراض النفسانية بخلاف ما اذا كان مقارنا بالاغراض النفسانية فيكون موكولا الى نفسه فتختطفه الشياطين نعوذ بالله تعالى

الطوسي

تفسير : نهى الله تعالى في هذه الآية عباده المكلفين عن أن يركنوا الى الذين ظلموا نفوسهم وغيرهم. و (الركون) الى الشيء هو السكون اليه بالمحبة اليه والانصات اليه، ونقيضه النفور عنه. وانما نهاهم عن الركون الى الظلمة لما في ذلك من الاستئناس به {فتمسكم النار} جواب النهي وبيان، لانهم متى خالفوا هذا النهي، وسكنوا الى الظالمين نالتهم النار، ولم يكن لهم ناصر من دون الله يدفع عنهم ثم لا يجدون من ينصرهم، ويدفع عنهم على وجه المغالبة، والولي ضد العدو، وجمعه أولياء. وقال الجبائي معنى {ثم لا تنصرون} انكم إن ركنتم الى الكفار والظالمين, وسكنتم اليهم مستكم النار في الآخرة ثم لا تنصرون في الدنيا على الكفار.

الجنابذي

تفسير : {وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ تأكيداً، والرّكون هو الميل اليسير والمراد بالظّلم ظلم آل محمّد (ص) ويجرى فى كلّ من ظلم غيره من حيث ظلمه، وامّا من ظلم نفسه فقط فهو وان كان من حيث ظلمه لنفسه ظالماً لكن لمّا كان حيثيّة ظلمه لنفسه خفيّة غير ظاهرة لغيره لم يكن داخلاً فيه ظاهراً وان كان بحسب الطّريق داخلاً والرّكون اليه موجباً لمسيس نار ظلمه النّاشئة من جهله {فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ} عن الصّادق عليه السّلام هو الرّجل يأتى السّلطان فيحبّ بقاءه الى ان يدخل يده كيسه فيعطيه، وعنه (ع) امّا انّها لم يجعلها خلوداً ولكن تمسّكم فلا تركنوا اليهم {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ} فلا تتّخذوهم اولياء {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} الجملة الاولى حال عن مفعول تمسّكم والثّانية عطف على تمسّكم.

فرات الكوفي

تفسير : {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار113} [سيأتي في ذيل الآية 56 من سورة الزمر في آخر الحديث الثاني من خطبة أمير المؤمنين عليه السلام].

اطفيش

تفسير : {ولا تَرْكنُوا} لا تميلوا بقلوبكم محبة، وقرئ بضم الكاف، وقرئ تركنوا بكسر التاء وفتح الكاف على لغة تميم فى كسر حرف المضارعة غير الياء فيما كان من باب علم يعلم، وهو رواية عن أبى عمرو وقرأ ابن أبى عبلة بالبناء للمفعول من أركنه إذا أماله، أى احذروا أن يميلكم أحد أو أمر. {إلَى الَّذينَ ظَلمُوا} ظلم شرك أو نفاق، وقيل: ظلم شرك، ويدخل النفاق بالحمد والمعنى، وقال ابن العالية: الركون إليهم الرضا بأعمالهم، وقال السدى، وابن زيد: مداهنتهم، وقال عكرمة: طاعتهم. والتحقيق أن النهى متناول للانحطاط فى هواهم، والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم ومجالستهم، وزيارتهم ومداهنتهم، والرضا بأعمالهم، والتشبه بهم، والتزيى بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم، وتأمل كيف عظم أمر الركون إذ قال: {ولا تركنوا} فإن أدنى ميل يسمى ركونا، وإذ قال: {إلى الذين ظلموا} فعبر بالفعل ولم يقل الظالمين ليدل على أدنى ظلم صدر من الإنسان ولو مرة واحدة، ولو عبر بالظالمين لتبادر الرسوخ فى الظلم، فإذا كان الركون إلى من وجد منه أدنى ظلم ولو مرة حراما، فكيف الركون إلى الراسخ فى الظلم؟ وكيف الميل إليه كل الميل؟ فكيف الظلم الراسخ نفسه. صلى الموفق خلف إمام فقرأ هذه الآية فغشى عليه، ثم أفاق فقيل له، فقال: هذا فى من ركن إلى من ظلم فكيف بالظالم، وعن الحسن: جعل الله الدين بين لاءين: لا تطغوا، ولا تركنوا، ولا يبعد أن الآنة أبلغ نهى فى الظلم إذ حرم أدنى ميل إلى أدنى ظلم، وأوجب عليه النار إذ قال: {فتمسَّكُم} تصيبكم وقرأ أبو عمرو فى رواية بكسر التاء {النَّارُ} والنهى عنه تثبيت على الاستقامة، قال ابن مسعود رضى الله عنه: إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه، فيخرج ولا دين له، لأنه يرضيه بسخط الله. قال بعضهم: ما دخلت أبداً على السلطان إلا وحاسبت نفسى بعد الخروج، فأرى عليها الدرك، وأنا أغلظ عليه وأخالف هواه، ولوددت أنى أنجو من الدخول كفافا، مع أنى لا آخذ منهم شيئا، ولا أشرب لهم شربة ماء. وأول من خالط السلاطين من العلماء الزهرى، وكتب إليه أخ له فى الدين: عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغى لمن عرفك أن يدعو لك الله أن يرحمك، أصبحت شيخا كبيرا، وقد أثقلتك نعم الله بما فهمك من كتابه، وعلمك من سنة نبيِّه، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، قال الله سبحانه وتعالى لنبيه: {أية : لتبيننه للناس ولا تكتمونه}. تفسير : لو أعلم أن أيسر ما ارتكبت، وأخف ما احتملت، أنك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغنى بذنوبك ممن لم يؤد حقا، ولم يترك باطلا حين أدناك، اتخذوك قطبا تدور عليك رحى باطلهم، وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم، وسلما يصعدون فيك إلى ضلالهم، يدخلون الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما عمروا لك فى جنب ما خربوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك، فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم: {أية : فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلٰوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًّا}. تفسير : فإنك تعامل من لا يجهل، ويحفظ عليك من لا يغفل، فداو دينك فقد دخله سقم، وهيئ زادك فقد حضر السفر البعيد، وما يخفى على الله من شئ فى الأرض ولا فى السماء، والسلام. انتهى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : العلماء أمناء الرسل على عباد الله تعالى ما لم يخالطوا السلاطين، فإذا خالطوهم فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلواهم" تفسير : وعن عبادة بن الصامت: حب القراء الناسك للأمراء نفاق، وحبه للأغنياء رياء، وعن الأوزاعى: ما من شئ أبغض إلى الله تعالى من عالم يزور عاملا. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : شرار العلماء الذين يأتون الأمراء، وخيار الأمراء الذين يأتون العلماء" تفسير : وعن مكحول: من تعلم القرآن وتفقه فى الدين، ثم صحب لسلطان تملقا إليه وطمعا لما فى يده، خاض فى جهنم بعدد خطاه. قال بعض: ما أسمج بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد، فيسأل عنه فيقال: إنه عند الأمير، وعن محمد بن سلمة: الذباب على العذرة أحسن من قراء على باب هؤلاء، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله فى أرضه ". تفسير : وسئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك فى برية: هل يسقى شربة ماء؟ فقال: لا، فقيل له: يموت؟ فقال: دعه يمت، وذكر بعضهم: أن الراكن يهلك قبل المركون إليه، ووجهه أنه إذا أراد باطلا فسوغه له وأعانه فقد كفر بذلك، بخلاف المركون إليه فإنه لا يكفر بالإرادة، بل بالفعل فلا يكفر حتى يفعل، أو معنى القبلية أن ذنب الراكن أعظم إذا كان سببا لذنب المركون إليه وعمدة له. {ومَا لكُم مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أولياءَ} أنصار يمنعونكم من النار، والجملة حال من كاف تمسكم {ثمَّ لا تُنْصرونَ} أى لا ينصركم الله إذ قضى بتعذيبكم، والعطف على الحال، وثم لبعد النصر، شبه امتناعه بشئ بعيد لا يتوصل إليه، وأجاز بعضهم أن تكون ثم للسببية والترتيب باتصال، لأنه يتولد من كونهم لا يقدر على نصرهم إلا الله، وهو قضى بعدم نصرهم أنهم لا ينصرون أصلا. ذكر بعض أن أبا اليسر كعب بن عمرو بن غزية الأنصارى قال: "حديث : أتتنى امرأة تبتاع منى تمرا بدرهم فاعجبتنى، فقلت: إن فى البيت تمرا أطيب من هذا، فدخلت معى البيت، فقبلتها وضممتها إلى نفسى، فقالت لى: اتق الله فتركتها وندمت، فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب، ولا تخبر أحدا، فلم أصبر، فأتيت عمر فذكرت ذلك له فقال كذلك سواء، فلم أصبر فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: "أخلفت غازيا فى سبيل الله فى أهله بمثل هذا؟ وأطرف عنى وظننت أنى من أهل النار، وأن الله لا يغفر لى أبدا، وتمنيت لو أسلمت حينئذ، فنزل بعد الإطراق الطويل. {وأقِم الصَّلاةَ} إلى قوله: {للذاكرين} ". تفسير : وروى أنه صلى الله عليه وسلم [صلى] العصر فنزلت، قال: فأتيته فقرأها علىَّ، وروى أن عمر، وقيل: معاذ بن جبل [قال:] ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: "بل للناس عامة" وقيل: فاعل ذلك رجل اسمه عباد، وقيل: [إن] فاعل ذلك قال: يا رسول الله ألَى هذه الآية؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "لأمتى كافة" . "حديث : وروى عن معاذ بن جبل: أنه أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قاعد عنده فقال: يا رسول الله أريت رجلا لقى امرأة ليس بينهما معرفة، فأتى منها كل ما يأتى الرجل امرأته إلا الجماع، فنزلت وأمره أن يتوضأ وضوءاً حسنا، ويصلى ركعتين، فقال معاذ: يا رسول الله أله خاصة أم للمؤمنين عامة؟ قال: "بل للمؤمنين عامة" ". تفسير : وفى روايةحديث : أن فاعل ذلك أتى عمر أولا فقال له: استر على نفسك، فقلق فجاء أبا بكر فقال له كذلك، فقلق فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى معه ثم أخبره وقال: اقض فىَّ ما شئت، فقال: "لعلها زوجة غاز فى سبيل الله؟" قال: نعم: فوبخه النبى صلى الله عليه وسلم وقال: "ما أدرى" فنزلت فدعاه فتلاها عليه ". تفسير : وفى رواية ابن عباس: حديث : أنه أتى عمر فقال: ان امرأة جاءتنى تبايعنى فأدخلتها فأصبت منها كل شئ إلا الجماع، فقال: ويحك، بعلها مغيب فى سبيل الله؟ قال: أجل، قال: أتيتَ أبا بكر؟ فأتاه وقال له مثل عمر وقال: أتيتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأتاه فقال له مثلهما، ولما قال: بعلها مغيب فى سبيل الله؟ سكت فنزلت، فقال الرجل: ألى خاصة يا رسول الله أم للناس عامة؟ فضرب به عمر فى صدره فقال: لا ولانعمت عين، ولكن للناس عامة، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "صدق عمر"" تفسير : وانظر كيف اعتبر عمر عموم اللفظ لا خصوص السبب كما هو مذهبنا فى مثل ذلك، وقيل: نزلت الآية قبل فعله الرجل واستعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه. {طَرَفىِ النَّهارِ} طرفى ظرف زمان لإضافته لاسم الزمان، والطرفان الغدوة والغشية، وصلاتهما الفجر وهو فى الطرف الأول، والظهر والعصر وهما فى الطرف الثانى، لأن ما بعد الزوال عشى. {وزُلَفاً} جمع زلفة كغرفة وغرف، وقرأ أبو جعفر بضم الراء واللام كبسرة وبسر بضمتين، ويقال: بسر بالإسكان وقرأ بإسكان اللام كبسر بالإسكان، والمراد ساعات متقاربة بعضها إلى بعض، أو متقاربة إلى النهار، وقرأ زلفى كقربى، وبمعنى زلفة كقربة وهو مصدر مؤنث بالألف. {مِنَ اللَّيلِ} وصلاة زلف من الليل المغرب والعشاء، لتقارب ساعاتهما بعضهما إلى بعض، أو قربهما من النهار، وذلك هو الذى ظهر لى فى تفسير الآية، وبه قال مجاهد، وفى الحديث، "حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال فى المغرب والعشاء: "إنهما زلفتا الليل"" تفسير : واستحسنه عياض، وقال الحسن، وقتادة: طرف الأول الصبح، والثانى العصر، والزلف المغرب والعشاء، واختاره الفخر. وقال ابن عباس وغيره: طرف الأول الصبح، والثانى المغرب، والزلف العشاء، وفى هذين القولين ضعف لعدم عمومهما الصلوات ولأن المغرب ليس من النهار، واختار الطبرى قول ابن عباس، وقال مقاتل: الطرف الأول الصبح والظهر، والطرف الثانى العصر والمغرب، والزلف العشاء، وفيه ما مر فى قول ابن عباس أن المغرب ليس من النهار، إلا أن يقال فيهما: إنه طرف لتلوه للنهار. {إنَّ الحَسَناتِ} الفرائض والنوافل من الصلاة والصدقة، والصوم والاستغفار وغير ذلك {يُذْهِبْنَ} يكفرن ويمحون {السَّيئاتِ} الصغائر لمن اجتنب الكبائر، وثبت فى الحديث: "حديث : الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارات لما بين ذلك لمن اجتنب الكبائر" تفسير : وفى رواية: "حديث : إذا اجتنب الكبائر" تفسير : وفى رواية: "حديث : ما لم تغش الكبائر" تفسير : وفى الكبائر وفى الحديث: "حديث : إن الصلوات الخمس كنهر جار عم على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، أيبقى من درنه، أى وسخه، شئ؟ قالوا: لا" تفسير : وكنى به عن الصغائر. وذكر أبو عثمان النهرى، "حديث : أنه كان مع سلمان الفارسى تحت شجرة، فأخذ غصنا منها فهزه حتى تساقط ورقه: أنى كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة: فأخذ غصنا منها فهزه حتى تساقط ورقه، ثم قال: "إن الرجل المسلم إذا توضأ ثم صلى صلاة الخمس، تحاتت عنه ذنوبه كما تحاتت هذا الورق" ثم تلى هذه الآية" تفسير : على سبيل التمثيل، وذلك هو الذى ظهر عندى. وقال الجمهور من الصحابة والتابعين: المراد فى الآية الصلوات الخمس، وبه قال عثمان، ومالك، وابن المسيب، ومجاهد فى رواية عنه، والضحاك، ونسب لابن مسعود، وابن عباس، والقرطبى، وقال مجاهد فى رواية: هن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وعن عياض أن هذا وقول الجمهور تمثيل. {ذَلكَ} إشارة إلى قوله: {استقم} وما بعده، وقال الطبرى: ما ذكر فى السورة من الأوامر والنواهى والقصص، وقيل: القرآن، وقيل: الصلوات المشار إليها بالحسنات، فإن الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى الإخبار بالحسنات يذهبن السيئات. {ذِكْرى للذَّاكرينَ} وعظ وتنبيه لمن سبق العلم أنه يتذكر، وخص لأنه المنتفع، أو وعظ وتنبيه متأثر فيمن رأيتموه قد اتعظ وتنبه، يعنى أن تذكره من ذلك.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ تَرْكنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} مشركين أَو موحدين {فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} بركونكم إليهم والركون شامل للحب بالقلب إِلا ما كان عن ضرورة، وبالتزييى بزيهم فى اللباس والمشى وبالتكلم بنحو كلام اختصوا به، وتعظيم ذكرهم ومداهنتهم واختيارهم على غيرهم، حكى عن الموفق أَنه صلى خلف إِمام فقرأَ هذه الآية فغشى عليه فلما أًفاق قيل له فقال هذا فيمن ركن إِلى ظالم فكيف بالظالم، وعن الحسن جعل الله الدين بين لاءَين لا تطغوا ولا تركنوا، ولما خالط الزهرى السلاطين كتب إِليه أَخ فى الدين: عافانا الله وإِياك أَبا بكر من الفتن، فقد أَصبحت بحال لمن يعرفك أَن يدعو لك الله ويرحمك، أصبحت شيخاً كبيراً وقد أَثقلتكك نعم الله بما فهمك من كتابه وعلمك سنة نبيه، وليس كذلك أَخذ الله الميثاق على الْعلماءِ، قال الله سبحانه: {أية : لتبيننه للناس ولا تكتمونه} تفسير : [آل عمران: 187]، وأَيسر ما ارتكبت وأَخف ما احتملت أَنك آنست وحشة الظالم وسهلت سبل الغير بدونك إِلى من لم يود حقاً ولم يترك باطلا حين أَدناك واتخذك قطباً يدور عليك رحا باطلهم، وجسرا يعبرون عليك إِلى بلائِهم، وسلما يصعدون فيك إِلى ضلالهم، ويدخلون الشك على العلماء ويعتادون بك إِلى قلوب الجهلاءِ فما أَيسر ما عمروا لك فى جنب ما خربوا عليك، وما أكثر ما أَخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك فما يؤْمنك أَن تكون ممن قال الله فيهم: "أية : فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا "تفسير : [مريم: 59] فإنك تعامل من لا يجهل ويحفظ عليك من لا يقفل، فداو دينك فقد دخله سقم وهيىءْ زادك فقد حضر السفر البعيد، وما يخفى على الله شىءٌ فى الأَرض ولا فى السماءِ، وفى الأَثر ما من شىءٍ أَبغض إِلى الله تعالى من عالم يزور عاملا، والذباب على العذرة أَحسن من قارىءٍ على باب هؤلاءِ، قيل لسفيان: إِنى أَخيط للظلمة فهل أَنا من أَعوانهم؟ قال: لا أَنت منهم، ومن يبع لك الإِبرة من أَعوانهم {وَمَا لَكُمْ مَّنْ دُون اللهِ مِنْ أَوِلِيَاءَ} يمنعونكم من العذاب على الركون أَو يصرفونه عنكم بعد وقوعكم فيه، والواو للحال {ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ} لا ينصركم الله ولا غيره إِن كنتم لقضائِه بتعذيب الراكن ولا يخلف وعيده كما لا يخلف وعده، وثم للتراخى فى الاستبعاد، استبعاد النصرة لهم من الله، وليس هذا خارجاً عن قولنا ثم لتراخى الرتبة أَو عطف فعليه على اسمية أَى نصركم بعيداً وهى بمعنى الواو أَو الفاءُ للسببية الموصولة وقد أَكَد الله الشأْن فى هذه الأَحكام إِذا صرفها إِلى الخطاب لنبيه صلى الله عليه وسلم وأَصحابه أَو إِليه وإِلى أُمته.

الالوسي

تفسير : {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي لا تميلوا إليهم أدنى ميل، والمراد بهم المشركون كما روى ذلك ابن جرير وابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وفسر الميل بميل القلب إليهم بالمحبة، وقد يفسر بما هو أعم من ذلك كما يفسر {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} بمن وجد منه ما يسمى ظلماً مطلقاً، وقيل: ولإرادة ذلك لم يقل إلى الظالمين؛ ويشمل النهي حينئذ مداهنتهم وترك التغيير عليهم مع القدرة والتزيي بزيهم وتعظيم ذكرهم ومجالستهم من غير داع شرعي وكذا القيام لهم ونحو ذلك، ومدار النهي على الظلم والجمع باعتبار جمعية المخاطبين، وقيل: إن ذلك للمبالغة في النهي من حيث أن كونهم جماعة مظنة الرخصة في مداهنتهم مثلاً، وتعقب بأنه إنما يتم أن لو كان المراد النهي عن الركون إليهم من حيث أنهم جماعة وليس فليس. {فَتَمَسَّكُمُ} أي فتصيبكم بسبب ذلك كما تؤذن به الفاء الواقعة في جواب النهي {ٱلنَّارِ} وهي نار جهنم، وإلى التفسير الثاني ـ وما أصعبه على الناس اليوم بل في غالب الأعاصير من تفسير ـ ذهب أكثر المفسرين، قالوا: وإذا كان حال الميل في الجملة إلى من وجد منه ظلم ما في الإفضاء إلى مساس الناس النار فما ظنك بمن يميل إلى الراسخين في الظلم كل الميل، ويتهالك على ما مصاحبتهم ومنادمتهم ويتعب قلبه وقالبه في إدخال السرور عليهم، ويستنهض الرجل والخيل في جلب المنافع إليهم ويبتهج بالتزيي بزيهم والمشاركة لهم في غيهم ويمد عينيه إلى ما متعوا به من زهرة الدنيا الفانية ويغبطهم بما أوتوا من القطوف الدانية غافلاً عن حقيقة ذلك ذاهلاً عن منتهى ما هنالك؟! وينبغي أن يعدّ مثل ذلك من الذين ظلموا لا من الراكنين إليهم بناءاً على ما روي أن رجلاً قال لسفيان: إني أخيط للظلمة فهل أعدّ من أعوانهم، فقال له: لا أنت منهم والذي يبيعك الإبرة من أعوانهم، وما أحسن ما كتبه بعض الناصحين للزهري حين خالط السلاطين، وهو عافانا الله تعالى وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله تعالى ويرحمك أصبحت شيخا كبيراً وقد أثقلتك نعم الله تعالى تعالى بما فهمك من كتابه وعلمك من سنة نبيك صلى الله عليه وسلم وليس / كذلك أخذ الله تعالى الميثاق على العلماء، قال سبحانه: {أية : لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } تفسير : [آل عمران: 187] واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت إنك آنست وحشة الظالم وسهلت سبيل الغي بدنوك ممن لم يؤد حقا ولم يترك باطلا حين أدناك اتخذوك قطباً تدور عليك رحى باطلهم وجسراً يعبرون عليك إلى بلائهم وسلماً يصعدون فيك إلى ضلالهم يدخلون الشك بك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهلاء فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم: {أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَـٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوٰتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً}تفسير : [مريم: 59] فإنك تعامل من لا يجهل ويحفظ عليك من لا يغفل فداو دينك فقد دخله سقم وهيىء زادك فقد حضر السفر البعيد، {أية : وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ }تفسير : [إبراهيم: 38] والسلام. وعن الأوزاعي ما من شيء أبغض إلى الله تعالى من عالم يزور عاملاً، وعن محمد بن مسلمة: الذباب على العذرة أحسن من قارىء على باب هؤلاء، وفي الخبر «من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله تعالى في أرضه»، ولعمري إن الآية أبلغ شيء في التحذير عن الظلمة والظلم، ولذا قال الحسن: جمع الدين في لاءين يعني ـ {أية : لا تَطْغَواْ}تفسير : .[هود: 112] و{وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ}. ويحكى أن الموفق أبا أحمد طلحة العباب صلى خلف الإمام فقرأ هذه الآية فغشي عليه فلما أفاق قيل له، فقال: هذا فيمن ركن إلى من ظلم فكيف الظالم. هذا وخطاب النبـي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين بهذين النهيين بعد الأمر بالاستقامة للتثبيت عليها، وقد تجعل تأكيداً لذلك إذا كان المراد به الدوام والثبات، وعن أبـي عمرو أنه قرأ {تَرْكَنُواْ} بكسر التاء على لغة تميم. وقرأ قتادة وطلحة والأشهب، ورويت عن أبـي عمرو {تَرْكَنُواْ} بضم الكاف مضارع ركن بفتحها وهي على ما في البحر لغة قيس وتميم وقال الكسائي: إنها لغة أهل نجد وشذ ـ تركن ـ بالفتح مضارع ركن كذلك، وقرأ ابن أبـي عبلة {وَلاَ تَرْكَنُواْ} مبنياً للمفعول من أركنه إذا أماله، وقراءة الجمهور {تَرْكَنُواْ} بفتح الكاف، والماضي ـ ركن ـ بكسرها وهي لغة قريش، وهي الفصحى ـ على ما قال الأزهري ـ وقرأ ابن وثاب وعلقمة والأعمش وابن مصرف. وحمزة فيما يروى عنه {فَتَمَسَّكُمُ} بكسر التاء على لغة تميم أيضاً. {وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ} من أنصار يمنعون العذاب عنكم، والمراد نفي أن يكون لكل نصير، والمقام قرينة على ذلك. والجملة في موضع الحال من ضمير {تَمَسَّكُمُ} {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} من جهته تعالى إذ قد سبق في حكم تعالى أن يعذبكم بركونكم إليهم ولا يبقي عليكم، و {ثُمَّ} قيل: لاستبعاد نصره سبحانه إياهم وقد أوعدهم العذاب على ذلك وأوجبه لهم، وتعقب بأن أثر الحرف إنما هو في مدخوله ومدخول {ثُمَّ} عدم النصرة وليس بمستبعد، وإنما المستبعد نصر الله تعالى لهم، فالظاهر أنها للتراخي في الرتبة لأن عدم نصر الله تعالى أشد وأفظع من عدم نصرة غيره، وأجيب بما لا يخلو عن تكلف، وأياً مّا كان فالمقام مقام الواو إلا أنه عدل عنها لما ذكر. وجوز القاضي أن تكون منزلة الفاء بمعنى الاستبعاد فإنه سبحانه لما بين أنه معذبهم وأن أحداً لا يقدر على نصرهم أنتج ذلك أنهم لا ينصرون أصلاً، ووجه ذلك بأنه كان الظاهر أن يؤتى بالفاء التفريعية المقارنة / للنتائج إذا المعنى أن الله تعالى أوجب عليكم عقابه ولا مانع لكم منه فإذن أنتم لا تنصرون فعدل عنه إلى العطف ـ بثم ـ الاستبعادية إلى الوجه الذي ذكره، واستبعاد الوقوع يقتضي النفي، والعدم الحاصل الآن فهو مناسب لمعنى تسبب النفي، ودفع بذلك ما قيل عليه: إن الداخل على النتائج هي الفاء السببية لا الاستبعادية ولا يخفى قوة الاعتراض، وفرق بين وجهي الاستبعاد السابق والتنزيل المذكور بأن المنفي على الأول نصرة الله تعالى لهم، وعلى الثاني مطلق النصرة.

ابن عاشور

تفسير : الرّكُون: الميل والموافقة، وفعله كعَلِم. ولعلّه مشتق من الرُكْن ـ بضم فسكون ـ وهو الجنب، لأنّ المائل يدني جنبه إلى الشيء الممال إليه. وهو هنا مستعار للموافق، فبعد أن نهاهم عن الطغيان نهاهم عن التقارب مِن المشركين لئلاّ يضلوهم ويزلوهم عن الإسلام. و{الذين ظلموا} هم المشركون. وهذه الآية أصل في سدّ ذرائع الفساد المحقّقة أو المظنونة. والمسّ: مستعمل في الإصابة كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : إنّ الذين اتّقوا إذا مسّهم طائفٌ من الشّيطان}تفسير : في آخر الأعراف (201)، والمراد: نار العذاب في جهنّم. وجملة {وما لكم من دون الله من أولياء} حال، أي لا تجدون من يسعى لما ينفعكم. و{ثمّ} للتّراخي الرتبي، أي ولا تجدون من ينصركم، أي من يخفّف عنكم مسّ عذاب النّار أو يخرجكم منها. و{من دون الله} متعلّق بأولياء لتضمينه معنى الحُماة والحائلين. وقد جمع قوله: {أية : ولا تطغوا}تفسير : [هود: 112] وقوله: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} أصلي الدّين، وهما: الإيمان والعمل الصالح، وتقدّم آنفاً قول الحسن: «جعل الله الدين بين لاَئين {ولا تطغوا}، ولا تركنوا».

د. أسعد حومد

تفسير : (113) - وَلاَ تَسْتَعِينُوا بِالظَّالِمِينَ، وَلاَ تَعْتَمِدُوا عَلَيْهِمْ، وَلاَ تَعْتَزُّوا بِهِمْ، وَلاَ تَسْتَحْسِنُوا طَرِيقَتَهُمْ (لاَ تَرْكَنُوا) فَتَكُونُوا كَأَنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِأَعْمَالِهِمْ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ أَصَابَتْكُمُ النَّارُ التِي هِيَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ، وَلَنْ تَجِدُوا يَوْمَئِذٍ مَنْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ. (وَالآيَةُ عَامَّةٌ تَشْمَلُ الظَّالِمِينَ دُونَ تَفْرِيقٍ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ). لاَ تَرْكَنُوا - لاَ تَمِلْ قُلُوبُكُمْ بِالمَحَبَّةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والكافرون - كما نعلم - قد عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعبد آلهتهم سنة، وأن يعبدوا هم الله سنة، ولكن الحق سبحانه قطع وفصل في هذا الأمر. ويأتي هنا توكيد هذا الأمر؛ فيقول سبحانه: {وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ..} [هود: 113]. والركون هو الميل والسكون والمودة والرحمة، وأنت إذا ركنت للظالم؛ أدخلت في نفسه أن لقوته شأناً في دعوتك. والركون أيضاً يعني: المجاملة، وإعانة هذا الظالم على ظلمه، وأن تزِّين للناس ما فعله هذا الظالم. وآفة الدنيا هي الركون للظالمين؛ لأن الركون إليهم إنما يشجعهم على التمادي في الظلم، والاستشراء فيه. وأدنى مراتب الركون إلى الظالم ألا تمنعه من ظلم غيره، وأعلى مراتب الركون إلى الظالم أن تزين له هذا الظلم؛ وأن تزين للناس هذا الظلم. وأنت إذا استقرأت وضع الظلم في العالم كله لوجدت آن آفات المجتمعات الإنسانية إنما تنشأ من الركون إلى الظالم؛ لكنك حين تبتعد عن الظالم، وتقاطعه أنت ومن معك؛ فلسوف يظن أنك لم تُعرْض عنه إلا لأنك واثق بركن شديد آخر؛ فيتزلزل في نفسه؛ حاسباً حساب القوة التي تركن إليها؛ وفي هذا إضعاف لنفوذه؛ وفي هذا عزلة له وردع؛ لعله يرتدع عن ظلمه. والركون للظالم إنما يجعل الإنسان عرضة لأن تمسه النار بقدر آثار هذا الركون؛ لأن الحق سبحانه يقول: {وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} [هود: 113]. فأنتم حين تركنون إلى ظالم إنما تقعون في عداء مع منهج الله؛ فيتخلى الله عنكم ولا ينصركم أحد؛ لأنه لا وليَّ ولا ناصر إلا الله تعالى. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ} معناهُ ولا تَمِيلُوا.