١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
112
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما أطنب في شرح الوعد والوعيد قال لرسوله: {فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } وهذ الكلمة كلمة جامعة في كل ما يتعلق بالعقائد والأعمال، سواء كان مختصاً به أو كان متعلقاً بتبليغ الوحي وبيان الشرائع، ولا شك أن البقاء على الاستقامة الحقيقية مشكل جداً وأنا أضرب لذلك مثالاً يقرب صعوبة هذا المعنى إلى العقل السليم، وهو أن الخط المستقيم الذي يفصل بين الظل وبين الضوء جزء واحد لا يقبل القسمة في العرض، إلا أن عين ذلك الخط مما لا يتميز في الحس عن طرفيه، فإنه إذا قرب طرف الظل من طرف الضوء اشتبه البعض بالبعض في الحس، فلم يقع الحس على إدراك ذلك الخط بعينه بحيث يتميز عن كل ما سواه. إذا عرفت هذا في المثال فاعرف مثاله في جميع أبواب العبودية، فأولها: معرفة الله تعالى وتحصيل هذه المعرفة على وجه يبقى العبد مصوناً في طرف الإثبات عن التشبيه، وفي طرف النفي عن التعطيل في غاية الصعوبة، واعتبر سائر مقامات المعرفة من نفسك، وأيضاً فالقوة الغضبية والقوة الشهوانية حصل لكل واحدة منهما طرفا إفراط وتفريط وهما مذمومان، والفاصل هو المتوسط بينهما بحيث لا يميل إلى أحد الجانبين، والوقوف عليه صعب ثم العمل به أصعب، فثبت أن معرفة الصراط المستقيم في غاية الصعوبة، بتقدير معرفته فالبقاء عليه والعمل به أصعب، ولما كان هذا المقام في غاية الصعوبة لا جرم قال ابن عباس: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع القرآن آية أشد ولا أشق عليه من هذه الآية، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : شيبتني هود وأخواتها، تفسير : وعن بعضهم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت له: روي عنك أنك قلت شيبتني هود وأخواتها فقال: «حديث : نعم» تفسير : فقلت: وبأي آية؟ فقال بقوله: {فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ }. المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية أصل عظيم في الشريعة وذلك لأن القرآن لما ورد بالأمر بأعمال الوضوء مرتبة في اللفظ وجب اعتبار الترتيب فيها لقوله: {فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } ولما ورد الأمر في الزكاة بأداء الإبل من الإبل والبقر من البقر وجب اعتبارها وكذا القول في كل ما ورد أمر الله تعالى به وعندي أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس، لأنه لما دل عموم النص على حكم وجب الحكم بمقتضاه لقوله: {فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } والعمل بالقياس انحراف عنه، ثم قال: {وَمَن تَابَ مَعَكَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: من في محل الرفع من وجوه: الأول: أن يكون عطفاً على الضمير المستتر في قوله: {فَٱسْتَقِمْ } وأغنى الوصل بالجار عن تأكيده بضمير المتصل في صحة العطف أي فاستقم أنت وهم. والثاني: أن يكون عطفاً على الضمير فى أمرت. والثالث: أن يكون ابتداء على تقدير ومن تاب معك فليستقم. المسألة الثانية: أن الكافر والفاسق يجب عليهما الرجوع عن الكفر والفسق ففي تلك الحالة لا يصح اشتغالهما بالاستقامة، وأما التائب عن الكفر والفسق فإنه يصح منه الاشتغال بالاستقامة على مناهج دين الله تعالى والبقاء على طريق عبودية الله تعالى، ثم قال: {وَلاَ تَطْغَوْاْ } ومعنى الطغيان أن يجاوز المقدار. قال ابن عباس: يريد تواضعوا لله تعالى ولا تتكبروا على أحد وقيل ولا تطغوا في القرآن فتحلوا حرامه وتحرموا حلاله، وقيل: لا تتجاوزوا ما أمرتم به وحد لكم، وقيل: ولا تعدلوا عن طريق شكره والتواضع له عند عظم نعمه عليكم والأولى دخول الكل فيه، ثم قال: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } والركون هو السكون إلى الشيء والميل إليه بالمحبة ونقيضه النفور عنه، وقرأ العامة بفتح التاء والكاف والماضي من هذا ركن كعلم وفيه لغة أخرى ركن يركن قال الأزهري: وليست بفصيحة. قال المحققون: الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة من الظلم وتحسين تلك الطريقة وتزيينها عندهم وعند غيرهم ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب فأما مداخلتهم لدفع ضرر أو اجتلاب منفعة عاجلة فغير داخل في الركون، ومعنى قوله: {فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ } أي أنكم إن ركنتم إليهم فهذه عاقبة الركون، ثم قال: {ومالكم مّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء } أي ليس لكم أولياء يخلصونكم من عذاب الله. ثم قال: {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ } والمراد: لا تجدون من ينصركم من تلك الواقعة. واعلم أن الله تعالى حكم بأن من ركن إلى الظلمة لا بد وأن تمسه النار وإذا كان كذلك فكيف يكون حال الظالم في نفسه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره. وقيل: له والمراد أمته؛ قاله السديّ. وقيل: «ٱسْتَقِمْ» ٱطلب الإقامة على الدّين من الله وٱسأله ذلك. فتكون السين سين السؤال، كما تقول: أستغفر الله أطلب الغفران (منه) والاستقامة الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين والشمال؛ فاستقم على امتثال أمر الله. وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك! قال: «حديث : قل آمنت بالله ثم استقم». تفسير : وروى الدارميّ أبو محمد في مسنده عن عثمان بن حاضر الأزديّ قال: دخلت على ابن عباس فقلت أوصني! فقال: نعم! عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع. {وَمَن تَابَ مَعَكَ} أي استقم أنت وهم؛ يريد أصحابه الذين تابوا من الشرك ومَن بعده ممن اتبعه من أمته. قال ابن عباس ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشيب! فقال: «حديث : شيبتني هود وأخواتها»تفسير : . وقد تقدّم في أول السورة. وروي حديث : عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ قال سمعت أبا علي السَّرِي يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت: يا رسول اللهٰ روي عنك أنك قلت: «شيبتني هود». فقال: «نعم» فقلت له: ما الذي شيّبك منها؟ قصص الأنبياء وهلاك الأمم فقال: «لا ولكن قوله: فاستقم كما أمرت»تفسير : . {وَلاَ تَطْغَوْاْ} نهي عن الطغيان والطغيان مجاوزة الحد؛ ومنه {إِنَّا لَمَّاطَغَىٰٱلْمَآءَ}. وقيل: أي لا تتجبروا على أحد.
ابن كثير
تفسير : يأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة، وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء، ومخالفة الأضداد، ونَهى عن الطغيان، وهو البغي؛ فإنه مصرعة حتى ولو كان على مشرك، وأعلم تعالى أنه بصير بأعمال العباد، لا يغفل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء. وقوله: {وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تداهنوا، وقال العوفي عن ابن عباس: هو الركون إلى الشرك. وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم. وقال ابن جرير عن ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا. وهذا القول حسن أي: لا تستعينوا بالظلمة، فتكونوا كأنكم قد رضيتم بأعمالهم {فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} أي: ليس لكم من دونه من ولي ينقذكم، ولا ناصر يخلصكم من عذابه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَٱسْتَقِمْ } على العمل بأمر ربك والدعاء إِليه {كَمآ أُمِرْتَ وَ } ليستقم {مَن تَابَ } آمن {مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ } تجاوزوا حدود الله {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم به.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} فيه أربعة تأويلات: أحدها: لا تميلوا، قاله ابن عباس. الثاني: لا تدنوا، قاله سفيان. الثالث: لا ترضوا أعمالهم، قاله أبو العالية. الرابع: لا تدهنوا لهم في القول وهو أن يوافقهم في السر ولا ينكر عليهم في الجهر. ومنه قوله تعالى {أية : ودّوا لو تدهن فيدهنون} تفسير : [القلم: 9]، قاله عبد الرحمن بن زيد. {فتمسكم النار} يحتمل وجيهن: أحدهما: فيمسكم عذاب النار لركونكم إليهم. الثاني: فيتعدى إليكم ظلمهم كما تتعدى النار إلى إحراق ما جاورها، ويكون ذكر النار على هذا الوجه استعارة وتشبيهاً، وعلى الوجه الأول خبراً ووعيداً.
ابن عطية
تفسير : أمر النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستقامة وهو عليها إنما هو أمر بالدوام والثبوت، وهذا كما تأمر إنساناً بالمشي والأكل ونحوه وهو ملتبس به. والخطاب بهذه الآية للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين تابوا من الكفر، ولسائر أمته بالمعنى، وروي أن بعض العلماء رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال له: يا رسول الله بلغنا عنك أنك قلت: شيبتني هود وأخواتها فما الذي شيبك من هود؟ قال له: قوله تعالى: {فاستقم كما أمرت}. قال القاضي أبو محمد: والتأويل المشهور في قوله عليه السلام: شيبتني هود وأخواتها - أنها إشارة إلى ما فيها مما حل بالأمم السابقة، فكان حذره على هذه الأمة مثل ذلك شيبه عليه السلام. وقوله: {أمرت} مخاطبة تعظيم، وقوله: {ومن} معطوف على الضمير في قوله: {فاستقم}، وحسن ذلك دون أن يؤكد لطول الكلام بقوله: {كما أمرت}. و {لا تطغوا} معناه: ولا تتجاوزوا حدود الله تعالى، و"الطغيان": تجاوز الحد ومنه قوله: {أية : طغى الماء} تفسير : [الحاقة: 11] وقوله في فرعون: {أية : إنه طغى} تفسير : [طه: 24-43، النازعات: 17]، وقيل في هذه معناه: ولا تطغينكم النعم، وهذا كالأول. وقرأ الجمهور "تعملون" بتاء، وقرأ الحسن والأعمش "يعملون" بياء من تحت - وقرأ الجمهور: "ولا تركَنوا" بفتح الكاف، وقرأ طلحة بن مصرف وقتادة والأشهب العقيلي وأبو عمرو - فيما روى عنه هارون - بضمها، وهو لغة، يقال: ركن يركَن وركن يركُن، ومعناه السكون، إلى شيء والرضا به قال أبو العالية: "الركون": الرضا. قال ابن زيد: "الركون": الإدمان. قال القاضي أبو محمد: فالركون يقع على قليل هذا المعنى وكثيره، والنهي هنا يترتب من معنى الركون على الميل إليهم بالشرك معهم إلى أقل الرتب من ترك التغيير عليهم مع القدرة، و {الذين ظلموا} هنا هم الكفار، وهو النص للمتأولين، ويدخل بالمعنى أهل المعاصي. وقرأ الجمهور "فتَمسكم"، وقرأ يحيى وابن وثاب وعلقمة والأعمش وابن مصرف وحمزة - فيما روي عنه - "فتِمسكم" بكسر التاء وهي لغة في كسر العلامات الثلاث دون الياء التي للغائب، وقد جاء في الياء يِيجل ويِيبى، وعللت هذه بأن الياء التي وليت الأولى ردتها إلى الكسر. وقوله تعالى: {أقم الصلاة} الآية، لم يختلف أحد في أن {الصلاة} في هذه الآية يراد بها الصلوات المفروضة، واختلف في {طرفي النهار} وزلف الليل فقيل: الطرف الأول الصبح، والثاني الظهر والعصر والزلف المغرب والعشاء، قاله مجاهد ومحمد بن كعب القرظي ورويحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المغرب والعشاء: "هما زلفتا الليل" تفسير : . وقيل: الطرف الأول: الصبح، والثاني: العصر، قاله الحسن وقتادة والضحاك، والزلف: المغرب والعشاء، وليست الظهر في هذه الآية على هذا القول - بل هي في غيرها، وقيل الطرفان: الصبح والمغرب - قاله ابن عباس والحسن - أيضاً - والزلف: العشاء، وليست في الآية الظهر والعصر. وقيل: الطرفان: الظهر والعصر، والزلف: المغرب والعشاء والصبح. قال القاضي أبو محمد: كأن هذا القائل راعى جهر القراءة، والأول أحسن هذه الأقوال عندي ورجح الطبري أن الطرفين: الصبح والمغرب، وأنه الظاهر، إلا أن عموم الصلوات الخمس بالآية أولى. وقرأ الجمهور "زلَفاً" بفتح اللام، وقرأ طلحة بن مصرف وابن محيصن وعيسى وابن إسحاق وأبو جعفر "زلُفاً" بضم اللام كأنه اسم مفرد. وقرأ "زلْفاً" بسكون اللام مجاهد، وقرأ أيضاً: "زلفى" على وزن - فعلى - وهي قراءة ابن محيصن. والزلف: الساعات القريب بعضها من بعض. ومنه قول العجاج: [الرجز] شعر : ناج طواه الأين مما وجفا طي الليالي زلفاً فزلفا سماوة الهلال حتى احقوقفا تفسير : وقوله {إن الحسنات يذهبن السيئات}، ذهب جمهور المتأولين من صحابة وتابعين إلى أن {الحسنات} يراد بها الصلوات الخمس - وإلى هذه الآية ذهب عثمان - رضي الله عنه - عند وضوئه على المقاعد وهو تأويل مالك، وقال مجاهد: {الحسنات}: قول الرجل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله إنما هو على جهة المثال في الحسنات، ومن أجل أن الصلوات الخمس هي أعظم الأعمال، والذي يظهر أن لفظ الآية لفظ عام في الحسنات خاص في السيئات بقوله عليه السلام: "حديث : ما اجتنبت الكبائر ". تفسير : وروي أن هذه الآية نزلت في رجل من الأنصار، قيل: هو أبو اليسر بن عمرو، وقيل: اسمه عباد، خلا بامرأة فقبلها وتلذّذ بها فيما دون الجماع، ثم جاء إلى عمر فشكا إليه، فقال: قد ستر الله عليك فاستر على نفسك، فقلق الرجل فجاء أبا بكر فشكا إليه، فقال له مثل مقالة عمر، فقلق الرجل فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى معه، ثم أخبره وقال: اقض فيَّ ما شئت، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لعلها زوجة غاز في سبيل الله، قال: نعم، فوبخه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ما أدري، فنزلت هذه الآية، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلاها عليه: فقال معاذ بن جبل: يا رسول الله خاصة؟ قال: بل للناس عامة. وروي أن الآية كانت نزلت قبل ذلك واستعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الرجل وروي أن عمر قال ما حكي عن معاذ. قال القاضي أبو محمد: وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الجمعة إلى الجمعة، والصلوات الخمس، ورمضان إلى رمضان - كفارة لما بينها إن اجتنبت الكبائر" تفسير : . فاختلف أهل السنة في تأويل هذا الشرط في قوله: "إن اجتنبت الكبائر"، فقال جمهورهم: هو شرط في معنى الوعد كله، أي إن اجتنبت الكبائر كانت العبادات المذكورة كفارة للذنوب، فإن لم تجتنب لم تكفر العبادات شيئاً من الصغائر. وقالت فرقة: معنى قوله إن اجتنبت: أي هي التي لا تحطها العبادات، فإنما شرط ذلك ليصح بشرطه عموم قوله: ما بينهما، وإن لم تحطها العبادات وحطت الصغائر. قال القاضي أبو محمد: وبهذا أقول وهو الذي يقتضيه حديث خروج الخطايا مع قطر الماء وغيره؛ وذلك كله بشرط التوبة من تلك الصغائر وعدم الإصرار عليها، وهذا نص الحذاق الأصوليين. وعلى التأويل الأول تجيء هذه مخصوصة في مجتنبي الكبائر فقط. وقوله ذلك إشارة إلى الصلوات، ووصفها بـ {ذكرى}، أي هي سبب ذكر وموضع ذكرى، ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى الإخبار بـ {إن الحسنات يذهبن السيئات}، فتكون هذه الذكرى تحض على الحسنات، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى جميع ما تقدم من الأوامر والنواهي في هذه السورة، وهو تفسير الطبري. ثم أمره تعالى بالصبر، وجاءت هذه الآيات في نمط واحد: أعلمه الله تعالى أنه يوفي جميع الخلائق أعمالهم المسيء والمحسن، ثم أمره بالاستقامة والمؤمنين معه، ثم أمره بإقامة الصلوات ووعد على ذلك ثم أمره بالصبر على التبليغ والمكاره في ذات الله تعالى، ثم وعد بقوله: {إن الله لا يضيع أجر المحسنين}.
النسفي
تفسير : {فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } فاستقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها غير عادل عنها {وَمَن تَابَ مَعَكَ } معطوف على المستتر في {استقم} وجاز للفاصل يعني فاستقم أنت وليستقم من تاب عن الكفر ورجع إلى الله مخلصاً {وَلاَ تَطْغَوْاْ } ولا تخرجوا عن حدود الله {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فهو مجازيكم فاتقوه. قيل: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية كانت أشق عليه من هذه الآية ولهذا قال: «حديث : شيبتني هود»تفسير : {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } ولا تميلوا. قال الشيخ رحمه الله: هذا خطاب لأتباع الكفرة أي لا تركنوا إلى القادة والكبراء في ظلمهم وفيما يدعونكم إليه {فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ } وقيل: الركون إليهم الرضا بكفرهم. وقال قتادة: ولا تلحقوا بالمشركين. وعن الموفق أنه صلى خلف الإمام فلما قرأ هذه الآية غشي عليه فلما أفاق قيل له فقال: هذا فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالم! وعن الحسن جعل الله الدين بين لاءين {ولا تطغوا} {ولا تركنوا} وقال سفيان: في جهنم وادٍ لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك. وعن الأوزاعي: ما من شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملاً. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه»تفسير : ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برّية هل يسقى شربة ماء فقال: لا، فقيل له: يموت قال: دعه يموت {وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء } حال من قوله {فتمسكم النار} أي فتمسكم النار وأنتم على هذه الحالة، ومعناه وما لكم من دون الله من أولياء يقدرون على منعكم من عذابه ولا يقدر على منعكم منه غيره {ثم لا تنصرون} ثم لا ينصركم هو لأنه حكم بتعذيبكم. ومعنى «ثم» الاستبعاد أي النصرة من الله مستبعدة .
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {فاستقم كما أمرت} الخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم يعني فاستقم يا محمد على دين ربك والعمل به والدعاء إليه كما أمرك ربك والأمر في فاستقم للتأكيد لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان على الاستقامة لم يزل عليها كقولك للقائم قم حتى آتيك أي دُم على ما أنت عليه من القيام حتى آتيك {ومن تاب معك} يعني ومن آمن معك من أمتك فليستقيموا أيضاً على دين الله والعمل بطاعته قال عمر بن الخطاب: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ منه روغان الثعلب (م). حديث : عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك قال "قل آمنت بالله ثم استقم"تفسير : {ولا تطغوا} يعني ولا تجاوزوا أمري إلى غيره ولا تعصوني وقيل معناه ولا تغلوا في الدين فتجاوزوا ما أمرتكم به ونهيتكم عنه {إنه بما تعملون بصير} يعني أنه سبحانه وتعالى عالم بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها قال ابن عباس: ما نزلت آية على رسول الله صلى الله عليه وسلم هي أشد عليه من هذه الآية ولذلك قال شيبتني هود وأخواتها (خ) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة"تفسير : قوله: إن الدين يسر، اليسر ضد العسر وأراد به التسهيل في الدين وترك التشدد فإن هذا الدين مع يسره وسهولته قوي فلن يغالب ولن يقاوى فسددوا أي اقصدوا السداد من الأمور وهو الصواب وقاربوا أي اطلبوا المقاربة وهي القصد الذي لا غلو فيه ولا تقصير والغدوة الرواح بكرة والرواح الرجوع عشياً والمراد منه اعملوا أطراف النهار وقتاً وقتاً والدلجة سير الليل والمراد منه اعملوا بالنهار واعملوا بالليل أيضاً وقوله شيء من الدلجة إشارة إلى تقليله. وقوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} قال ابن عباس: ولا تميلوا والركون هو المحبة والميل بالقلب، وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم، وقال السدي: لا تداهنوا الظلمة، وعن عكرمة لا تطيعوهم، وقيل: معناه ولا تسكنوا إلى الذين ظلموا {فتمسكم النار} يعني فتصيبكم النار بحرها {وما لكم من دون الله من أولياء} يعني أعواناً وأنصاراً يمنعونكم من عذابه {ثم لا تنصرون} يعني ثم لا تجدون لكم من ينصركم ويخلصكم من عقاب الله غداً في القيامة ففيه وعيد لمن ركن إلى الظلمة أو رضي بأعمالهم أو أحبهم فكيف حال الظلمة في أنفسهم نعوذ بالله من الظلم. قوله عز وجل: {وأقم الصلاة طرفي النهار} سبب نزول هذه الآية ما رواه الترمذي "حديث : عن أبي اليسر قال "أتتني امرأة تبتاع تمراًَ فقلت إن في البيت تمراً هو أطيب منه فدخلت معي فأهويت إليها فقبلتها فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال استر على نفسك وتب ولا تخبر أحداً فلم أصبر فأتيت عمر فذكرت ذلك له فقال استر على نفسك وتب ولا تخبر أحداً فلم أصبر فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال أخلفت غازياً في سبيل الله في أهله بمثل هذا حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة حتى ظن أنه من أهل النار قال وأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً حتى أوحى الله إليه وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إلى قوله ذلك ذكرى للذاكرين. قال أبو اليسر: فأتيته فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصحابه يا رسول الله ألهذا خاصة أم للناس عامة قال بل للناس عامة"تفسير : قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب وقيس بن الربيع ضعّفه وكيع وغيره وأبو اليسر هو كعب بن عمرو (ق). عن عبد الله بن مسعود حديث : أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فنزلت {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل} الآية فقال الرجل يا رسول الله ألي هذه الآية قال لمن عمل بها من أمتي وفي رواية فقال رجل من القوم يا نبي الله هذه له خاصة قال "بل للناس كافة" تفسير : عن معاذ بن جبل قال حديث : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله أرأيت رجلاً لقي امرأة وليس بينهما معرفة فليس يأتي الرجل إلى امرأته شيئاً إلا قد أتى هو إليها إلا أنه لم يجامعها قال فأنزل الله عز وجل {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ ويصلي قال معاذ فقلت يا رسول الله أهي له خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال: "بل للمؤمنين عامة" تفسير : أخرجه الترمذي وقال هذا الحديث ليس بمتصل لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ. أما التفسير فقوله سبحانه وتعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار} يعني صلاة الغداة والعشي وقال مجاهد: طرفي النهار يعني صلاة الصبح والظهر والعصر {وزلفاً من الليل} يعني صلاة المغرب والعشاء، وقال مقاتل: صلاة الصبح والظهر طرف وصلاة العصر والمغرب طرف وزلفاً من الليل يعني صلاة العشاء وقال الحسن طرفي النهار الصبح والعصر وزلفاً من الليل المغرب والعشاء وقال ابن عباس طرفي النهار الغداة والعشي يعني صلاة الصبح والمغرب قال الإمام فخر الدين الرازي: كثرت المذاهب في تفسير طرفي النهار والأشهر أن الصلاة التي في طرفي النهار هي الفجر والعصر وذلك لأن أحد طرفي النهار هو طلوع الشمس والثاني هو غروبها فالطرف الأول هو صلاة الفجر والطرف الثاني لا يجوز أن يكون صلاة المغرب لأنها داخلة تحت قوله تعالى {وزلفاً من الليل} فوجب حمل الطرف الثاني على صلاة العصر {وزلفاً من الليل} يعني وأقم الصلاة في زلف من الليل وهي ساعاته واحدتها زلفة وأصل الزلفة المنزلة والمراد بها صلاة المغرب والعشاء {إن الحسنات يذهبن السيئات} يعني إن الصلوات الخمس يذهبن الخطيئات ويكفرنها (م) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن زاد في رواية ما لم تغش الكبائر"تفسير : وزاد في رواية أخرى "حديث : ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر"تفسير : (ق) عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء قالوا لا قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا"تفسير : (خ) عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات"تفسير : قال الحسن وما يبقى من الدرن. قال العلماء: الصغائر من الذنوب تكفرها الأعمال الصالحات مثل الصلاة والصدقة والذكر والاستغفار ونحو ذلك من أعمال البر وأما الكبائر من الذنوب فلا يكفرها إلا التوبة النصوح ولها ثلاث شرائط: الشرط الأول: الإقلاع عن الذنب بالكلية. الثاني: الندم على فعله. الثالث: العزم التام أن لا يعود إليه في المستقبل، فإذا حصلت هذه الشرائط صحت التوبة وكانت مقبولة إن شاء الله تعالى، وقال مجاهد في تفسير الحسنات إنها قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر والقول الأول أصح أنها الصلوات الخمس وهو قول ابن مسعود وابن عباس وابن المسيب ومجاهد في إحدى الروايتين عنه والقرظي والضحاك وجمهور المفسرين {ذلك} إشارة إلى ما تقدم ذكره من الاستقامة والتوبة وقيل هو إشارة إلى القرآن {ذكرى للذاكرين} يعني عظة للمؤمنين المطيعين {واصبر} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني واصبر يا محمد على أذى قومك وما تلقاه منهم، وقيل معناه واصبر على الصلاة {فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} يعني أعمالهم، قال ابن عباس: يعني المصلين.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فاستقم كما أمرت...} الآية. قال: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستقيم على أمره ولا يطغى في نعمته. وأخرج أبو الشيخ عن سفيان رضي الله عنه في قوله {فاستقم كما أمرت} قال: استقم على القرآن. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك} قال: شمروا شمروا فما رؤي ضاحكاً. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج {ومن تاب معك} قال: آمن. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن العلاء بن عبد الله بن بدر رضي الله عنه في قوله {ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير} قال: لم يرد به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، إنما على الذين يجيئون من بعدهم. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس {ولا تطغوا} يقول: لا تظلموا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه قال: الطغيان خلاف أمره وركوب معصيته. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} قال: يعني الركون إلى الشرك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولا تركنوا} قال: لا تميلوا. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {ولا تركنوا} قال: لا تذهبوا. وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة في قوله {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} أن تطيعوهم أو تودوهم أو تصطنعوهم. وأخرج أبو الشيخ عن أبي العالية في قوله {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} قال: لا ترضوا أعمالهم. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: خصلتان إذا صلحتا للعبد صلح ما سواهم من أمره، الطغيان في النعمة والركون إلى الظلم، ثم تلا هذه الآية {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} .
القشيري
تفسير : يحتمل أن تكون السين في الاستقامة سين الطلب؛ أي سَلْ من الله الإقامة لَكَ على الحقّ. ويحتمل أن تكون الإقامة في الأمر بمعنى أقام عليه. وحقيقة الاستقامة على الطاعة المداومة على القيام بحقِّها من غير إخلالٍ بها، فلا يكون في سلوك نهج الوِفاقِ انحرافٌ عنه. ويقال المستقيمُ مَنْ لا ينصرف عن طريقه، يواصل سيره بمسراه، وورعه بتقواه ويتابع في ترك هواه. ويقال استقامة النفوس في نفي الزَّلَّة، واستقامة القلوب في نفي الغفلة، واستقامة الأرواح بنفي العلاقة، واستقامة الأسرار بنفي الملاحظة. استقامة العابدين ألا يدخروا نفوسَهم عن العبادة وألا يُخِلُّوا بأدائها، ويقضون عسيرَها ويسيرَها. واستقامة الزاهدين ألا يرجوا من دنياهم قليلها ولا كثيرها. واستقامة التائبين ألا يُلِمُّوا بعقوة زلة فَيَدَعْونَ صغيرَها وكبيرَها... وعلى هذا النحو استقامة كلِّ أحدٍ. قوله {وَمَن تَابَ مَعَكَ}: أي فَلْيَستَقِمْ أيضاً مَنْ معك.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} امر الله روح نبيه فى معهد الازل ان يقوم تحمل امانة علوم كنوز القدم وما يتعلق بها من كشوف انوار صفاته وذاته الى الابد وذلك بعد ان كساه كسوة الربوبية وقدرة الازلية فذكره عهده الاول بعد كونه متحليا بانوار التائيد والعناية وقيامه بأداء حقوق الرسالة والنبوة فان الان او ان الامتحان حيث زاينت الدنيا باحسن زينتها لك واجزيت الطبيعة فيك وان يستقيم اصحابك وامتك فى حمل ما تخبرهم من احوالك معى واحوالهم وكراماتهم بين يدى فانى بجلالى وقدرى اكشف اسرارى لك ولامتك من اهل الحقائق ما لا يطيق بازائها السموات والارض فاستقم بما يليق برسالتك {وَمَن تَابَ مَعَكَ} من امتك بما يليق بولايتهم وليس للاستقامة حد لانها مقامات وحالات ومعارف وكواشف وتوحيد ويقين وصدق واخلاص واداب وخطاب وفى كل مقام استقامة من يستقيم فيها جميعا وفيما يرد عليه من مواردات المواجيد من اللطفيات وما يرد عليه من الامتحان والبليات صار موصوفا بالاستقامة ومن يطيق ان يقوم بازائها مستقيما ولا يثبت على صفوان القدم اثار اهل العدم من جعله الله مستقيما بتائيده صار مستقيما المخصوص فى ذلك محمد صلى الله عليه وسلم لذلك قال عليه السلام استقيموا ولن تحصوا ولما ثقل عليه اثقال الاستقامة على تتابعه كشوف الازليات واسرار الابديات قال شبتنبى هو وقال ابن عطا انما ينال الاستقامة على حسب ما اكرم به من نور السر وقال بعضهم من يطيق مثل هذه المخاطبة بالاستقامة الا من ايد من المشاهدات القوية والانور البينة والاثار الصادقة ثم عصم بالتثبيت لولا ان ثبتناك ثم حفظ فى وقت المشاهدة ومشافهة الخطاب وهو المزين بمقام القرب والمخاطب فى بساط الانس محمد صلى الله عليه وسلم بعد ذلك خوطب بقوله فاستقم كما امرت ولولا هذه المقدمات لانفسخ هذا الخطاب الا تراه كيف يقول للامة استقيموا ولن تحصوا اى لا تطيقوا الاستقامة التى امرت بها وقال جعفر الصادق فى قوله فاستقم كما امرت افتقر الى الله بصحة العزم قال الشيخ ابو عبد الرحمن سمعت ابا على الشيونى يقول رايت النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام فقلت له روى عنك انك قلت شيبتنى هود فقال نعم فقلت له ما الذى شيبك منه قصص الانبياء وهلاك الامم فقال لا ولكن قوله فاستقم كما امرت وقال جعفر الصادق منهم من استقام على توحيده ومنهم من استقام على ايمانه ومنهم من استقام على اسلامه ومنهم من استقام على معرفته ومنهم من استقام على عظمته ومنهم من استقام على الحمد والثناء ومنهم من استقام على الكرم والوفاء ومنهم من استقام على الخوف والرجاء ومنهم من استقام باله لا شئ سواه وقال بعضهم الاستقامة لا يكون الا باتباع السنة وقال الجريرى الاستقامة فى النعمة للعوام والاستقامة فى البلاء استقامة الخواص وقال الجنيد الاستقامة مع الخوف والرجاء حال العابدين والاستقامة مع الهيبة والحياء حال المقربين والاستقامة مع الغيبة عن رؤية الاستقامة حال العارفين وقال الاستاد يحتمل ان يكون السنن فى الاستقامة سنن الطلب اى سل من الله الاقامة على الحق ويقال المستقيم من لا ينصرف عن طريق الله ما لم يصل الى الله يصل سيره بسراه.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاستقم كما امرت} يقول الفقير اى اذا تبين عندك يا محمد احوال القرون الاولى وان اخوانك الانبياء ومؤمنيهم تحملوا من قومهم الاذى من قومهم الاذى وصبروا واستقاموا على طريقتهم المثلى الى ان يأتى امر الله تعالى فدم انت ايضا على الاستقامة على التوحيد والدعوة اليه كما امر الله تعالى {ومن تاب معك} معطوف على المستكن فى فاستقم من غير تأكيد بالمنفصل لوجود الفاصل القائم مقامه اى ومن تاب من الشرك والكفر وشاركك فى الايمان هو المعنى بالمعية والا فليس لهم مصاحبة له فى التوبة عما ذكر اذ الانبياء معصومون عن الكفر وكذا فى تعمد الكبائر قبل الوحى وبعده بالاجماع لكن الظاهر ان الاشتراك فى نفس التوبة يكفى فى الاصطحاب ولا يلزم الاشتراك فى المتوب عنه وقد كان عليه السلام يستغفر الله كل يوم اكثر من سبعين مرة على ما ورد فى الحديث كذا فى حواشى سعدى المفتى. يقول الفقير لعل التوبة فى مثل هذا المقام هر الرجوع عن الحالة الاولى ومفارقتها سواء صدر فيها الكفر كسجود الصنم وغيره وهو حال اكثر المؤمنين او لم يصدر وهو حال الاقلين ومنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صح انه عليه السلام شهد بان عليا رضى الله عنه لم يكفر بالله قط طرفة عين مع قوله له فى دعوة الاسلام (وادعوك الى الكفر باللات والعزى) فان هذا القول لا يقتضى كفره رضى الله عنه اذ قد يدعى الرجل الى كفر ما لم يتصف به اذا كان من شأنه الكفر به والانكار عليه {ولا تطغوا} اى ولا تنحرفوا عما حد لكم بافراط وتفريط فان كلا طرفى قصد الامور ذميم. وانما سمى ذلك طغيانا وهو تجاوز الحد تغليظا او تغليبا لحال سائر المؤمنين على حاله. وفى سورة شورى {أية : واستقم كما امرت ولا تتبع اهواءهم} تفسير : والنهيان متقاربان اذا المراد عدم الاتباع لاهواء اهل الكفر لان فى الاتباع الطغيان وفى عدمه الاستقامة المحضة {انه} اى الله تعالى {بما تعملون بصير} عالم لا يخفى عليه شيء فيجازيكم على ذلك فاتقوه فى المحافظة على حدوده وهو فى معنى التعليل للامر والنهى. وعن بعض الصلحاء وهو ابو على السنوسى رضى الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى النوم فقلت له روى عنك انك قلت "حديث : شيبتنى سورة هود" تفسير : فقال نعم فقلت فما الذى شيبك منها أقصص الانبياء وهلاك الامم قال لا ولكن قوله فاستقم كما امرت وذلك لان حقيقة الاستقامة هى الوفاء بالعهود كلها وملازمة الصراط المستقيم برعاية حد التوسط فى كل الامور من الطعام والشراب واللباس فى كل امر دينى ودنيوى ترغيب او ترهيب او حال او حكم او صفة او معاملة وذلك هو الصراط المستقيم كالصراط المستقيم فى الآخرة والتمشى على هذا الصراط الذى يقال لها الاستقامة الاعتدالية عسير جدا كما قال فى بحر العلوم الاستقامة على جميع حدود الله على الوجه الذى امر الله بالاستقامة عليه مما يكاد يخرج عن طوق البشر ولذلك قال عليه السلام "حديث : شيبتنى سورة هود" تفسير : ولن يطيق مثل ههذ المخاطبة بالاستقامة الا من ايد بالمشاهدات القوية والآثار الصادقة ثم بالتثبت كما قال {أية : لولا أن ثبتناك} تفسير : ثم حفظ وقت المشاهدة ومشافهة الخطاب ولولا هذه المقدمات لتفسخ دون هذا الخطاب ألا تراه كيف قال للامة "حديث : استقيموا ولن تحصوا" تفسير : اى لن تطيقوا الاستقامة التى امرت بها. قيل لمحمد بن فضل حاجة العارفين الى ماذا قال حاجتهم الى الخصلة التى كملت بها المحاسن كلها ألا وهى الاستقامة فكل من كان اتم معرفة كان اتم استقامة. قال ابن عطاء فاستقم اى افتقر الى الله مع تبريك من الحول والقوة. وفى التفسيرالفارسى للامام القشيرى [فرمودكه مستقيم آنكس است كه از راه حق بازنكردد تابسر منزل وصال برسد. وشيخ ابو على دقاق كفته استقامت آنست كه سرخودرا از ما سوى محفوظ دارى. وخواجه بخارى درصفت اهل استقامت فرموده] شعر : كسى را دانم اهل استقامت كه باشد برسر كوى ملامت ز اوصاف طبيعت باك برده باطلاق هويت جان سبرده تمام از كردتن دامن فشانده برفته سايه وخوشيد مانده تفسير : وقال ابو على الجرجانى كن طالب الاستقامة لا طالب الكرامة فان نفسك متحركة فى طلب الكرامة ويطلب منك الاستقامة فالكرامة الكبرى الاستقامة فى خدمة الخالق باظهار الخوارق. قال حضرة الشيخ الشهير بالهدائى قدس سره فى نفائس المجالس لا تتيسر الاستقامة الا بايفاء حق كل مرتبة من الشريعة والطريقة والمعرفة والحقيقة فمن رعاية حق الشريعة العدالة فى الاحكام فالاستقامة فى مرتبة الطبيعة برعاية الشريعة وفى مرتبة النفس برعاية الطريقة وفى مرتبة الروح برعاية المعرفة وفى مرتبة السر برعاية المعرفة والحقيقة فمراعاة تلك الامور فى غاية الصعوبة ولذلك قال عليه السلام "حديث : شيبتنى سورة هود" تفسير : فالكمال الانسانى بتكميل تلك المراتب لا باظهار الخوارق كما حكى انه قيل للشيخ ابى سعيد ان فلانا يمشى على الماء قال ان السمك والضفدع كذلك وقيل ان فلانا يطير فى الهواء فقال ان الطيور كذلك وقيل ان فلانا يصل الى الشرق و الغرب فى آن واحد قال ان ابليس كذلك فقيل فما الكمال عندك قال ان تكون فى الظاهر مع الخلق وفى الباطن مع الحق. واعلم ان النفوس جبلت على الاعوجاج عن طريق الاستقامة الا ما اختص منها بالعناية الازلية والجذبة الالهية: قال المولى الجامى قدس سره شعر : سالكان بى كشش دوست بجايى نرسند سالها كرجه درين راه تك وبوى كنند
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (ومن تاب): عطف على فاعل (استقم)؛ للفصل، (فَتَمَسَّكُمُ): جواب النهي. ويقال: ركن يركن: كعَلِم يعلم، وركن يركن: كدخل يدخل، و(ثم لا تنصرون): مستأنف لا معطوف، و(طرفي): منصوب على الظرفية. و(زلفاً)، كقربة، أزلفه: قربة. يقول الحق جل جلاله: {فاستقمْ} يا محمد {كما أُمرت}، {و} ليستقم {من تابَ معك} من الكفر وآمن بك. وهي شاملة للاستقامة في العقائد، كالتوسط بين التشبيه والتعطيل، بحيث يبقى العقل مصوناً من الطرفين، وفي الأعمال؛ من تبليغ الوحي، وبيان الشرائع كما أنزل، والقيام بوظائف العبادات من غير تفريط ولا إفراط. وهي في غاية العسر. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : شَيَّبَتنِي هُود"تفسير : . قاله البيضاوي. قال المحشي الفاسي: واللائق أن إشفاقه ـ عليه الصلاة والسلام ـ من أجل أمته لا من أجل نفسه؛ لأجل نفسه؛ لأجل عصمته، وإنما أشفق عليهم لتوعد اللعن لهم بقوله: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}تفسير : [الأعراف: 16]. هـ. قلت: ولا يبعد أن يكون أشفق ـ عليه الصلاة والسلام ـ من صعوبة استقامته التي تليق به، فبقدر ما يعلو المقام يطلب بزيادة الأدب، وبقدر ما يشتد القرب يتوجه العتاب. ولذلك كان الحق تعالى يعاتبه على ما لا يعاتب عليه غيره. وقد قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد تقدم كلام الإحياء في قوله:{أية : أَلا بُعداً لِعَادٍ} تفسير : [هود: 60]. ثم قال تعالى: {ولا تَطْغَوا}؛ ولا تخرجوا عما حد لكم، {إنه بما تعملون بصير}، فيجازيكم على النقير والقطمير، وهو تهديد لمن لم يستقم، وتعليل للأمر والنهي. {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا}: لا تميلوا إليهم أدنى ميل؛ فإن الركون: هو الميل اليسير، كالتزيي بزيهم، وتعظيم ذكرهم، وصحبتهم من غير تذكيرهم ووعظهم. {فتمسَّكم النارُ}؛ لركونهم إليهم. قال الأوزاعي: ما من شيء أبغض إلى الله تعالى من عَالِم يَزورُ عَاملاً. هـ. وقال سفيان: في جهنم وادٍ لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك. هـ. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من دَعَا لِظَالٍمٍ بالبَقَاءِ ـ أي بأن قال: بارك الله في عمرك ـ فَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يُعْصَى الله في أرضهِ"تفسير : وسئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية، هل يسقى شربة ماء؟ فقال: لا. فقيل له: يموت؟! فقال: دعه يموت. هـ. وهذا إغراق ولعله في الكافر المحارب، والله أعلم. قال البيضاوي: وإذا كان الركون إلى من وجد منه ما يسمى ظلماً موجباً للنار، فما ظنك بالركون إلى الظالمين الموسومين بالظلم، ثم الميل إليهم، ثم بالظلم نفسه، والانهماك فيه. ولعل الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه. وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين بها؛ للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل؛ فإن الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط أو تفريط، ظلم على نفسه أو غيره، بل ظلم في نفسه. هـ. {وما لكم من دون الله من أولياء}؛ من أنصار يمنعون العذاب عنكم، {ثم لا تُنصرون}: ثم لا ينصركم الله إن سبق في حكمه أنه يعذبكم. ولمَّا كان الركون إلى الظلم، أو إلى من تلبس به فتنة، وهي تكفرها الصلاة، كما في الحديث، أمر بها أثره، فقال: {وأقم الصَّلاةَ طرفي النهار} غدوة وعشية، {وزلُفاً من الليل}؛ ساعات منه قريبة من النهار. والمراد بالصلاة المأمور بها: الصلوات الخمس. فالطرف الأول: الصبح، والطرف الثاني: الظهر والعصر، والزلف من الليل: المغرب والعشاء، {إن الحسنات يُذهبن السيئات}؛ يكفر بها قال ابن عطية: لفظ الآية عام في الحسنات خاص في السيئات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:حديث : ما اجتنَبت الكَبَائِرُ"،تفسير : ثم قال: وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الجُمُعَةُ إلى الجُمعَةِ كفَّارَة، والصَّلوَاتُ الخَمسُ، وَرَمَضانُ إِلى رَمَضانَ كفاره لِمَا بينَهُما ما اجتُنِبت الكبائر"تفسير : انظر تمامه في الحاشية. قال ابن جزي: حديث : رُوي أن رجلاً قََبّل امراة، قلتُ: هو نبهان التمار، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وصلَّى معه الصلاة، فنزلت الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: "أين السائل؟" فقال: ها أنا ذا، فقال: "قدغَفَرَ اللَّهُ لَكَ بِصَلاتِكَ مَعَنا" . فقال الرجل: أَلِيَ خاصَّةً، أو للمسلمين عامة؟ فقال: "للمسلمين عَامَّةً"تفسير : .والآية على هذا مدنية. وقيل: إن الآية كانت قبل ذلك، وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم للرجل مستدلاً بها. والآية على هذا مكية كسائر السورة، وإنما تُذهب الحسناتُ ـ عند الجمهورـ الصغائر إذا اجتنبت الكبائر. هـ. قلت: وقيل: تكفر مطلقاً؛ اجتُنِبَت الكبائر أم لا، وهو الظاهر،لأنه إذا حصل اجتناب الكبائر كفرت بلا سبب؛ لقوله تعالى {أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ...}تفسير : [النساء: 31] الآية. وقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : ما اجتنبت الكبائر"تفسير : . معناه: أن الصلوات والجمعة مكفرة لما عدا الكبائر. والحاصل: أن من اجتنب الكبائر كفرت عنه الصغائر بلا سبب؛ لنص الآية. ومن ارتكب الكبائر والصغائر وصلى، كفرت الصغائر دون الكبائر، وبهذا تتفق الآية مع الحديث. والله تعالى أعلم. قال ابن عطية في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ...}تفسير : [التوبة: 111] الآية: الشهادة ماحية لكل ذنب إلا لمظالم العباد. وقد روي: "أن الله يتحمل عن الشهيد مظالم العباد، ويجازيهم عنه". ختم الله لنا بالحسنى. انتهى. {ذلك} أي: ما تقدم من وعظ ووعد ووعيد، وأمر الاستقامة، أو القرآن كله، {ذكرى للذاكرين}: عظة للمتقين. وخص الذاكرين، لمزيد انتفاعهم بالوعظ، لصقالة قلوبهم. وفي الخبر: "لكل شيء مصقلة، ومصقلة القلوب ذكر الله". {واصبرْ} على مشاق الاستقامة، ودوامها {فإن الله لا يُضيع أجرَ المحسنين} وهم: أهل الاستقامة ظاهراً وباطناً. الإشارة: الاستقامة على ثلاثة أقسام: استقامة الجوارح، واستقامة القلوب، واستقامة الأرواح والأسرار. أما استقامة الجوارح فتحصل بكمال التقوى، وتحقيق المتابعة للسنة المحمدية. وأما استقامة القلوب فتحصل بتطهيرها من سائر العيوب، كالكبر والعجب، والرياء، والسمعة، والحقد والحسد، وحب الجاه والمال، وما يتفرع عن ذلك من العداوة والبغضاء، وترك الثقة بمجيء الرزق، وخوف سقوط المنزلة، من قلوب الخلق، والشح والبخل، وطول الأمل، والأشر والبطر، والغل والمباهاة، والتصنع والمداهنة، والقسوة والفظاظة والغلظة، والغفلة، والجفاء، والطيش، والعجلة، والحمية، وضيق الصدر، وقلة الرحمة. إلى غير ذلك من أنواع الرذائل. فإذا تطهر القلب من هذه العيوب اتصف بأضدادها من الكمالات: كالتواضع لله، والخشوع بين يديه، والتعظيم لأمره، والحفظ لحدوده، والتذلل لربوبيته، والإخلاص في عبوديته، والرضى بقضائه، ورؤية المنة له في منعه وعطائه. ويتصف فيما بين خلقه بالرأفة والرحمة، واللين والرفق، وسعة الصدر والحِلم، والاحتمال والصيانة، والنزاهة والأمانة، والثقة والتأني، والوقار، والسخاء والجود، والحياء، والبشاشة والنصيحة. إلى غير ذلك من الكمالات. وأما استقامة الأرواح والأسرار، فتحصل بعدم الوقوف مع شيء سوى الله تعالى، وعدم الالتفات إلى غيره حالاً كان أو مقاماً أو كرامة، أو غير ذلك: كما قال الششتري رضي الله عنه: شعر : فلا تلْتَفِت في السَّير غيراً، وكلُّ ما سوى الله غيرٌ، فاتخذ ذِكرَه حِصنا وكلُّ مقامٍ لا تُقمْ فيهِ إنّه حجابٌ، فجد السَّير واستَنجد العونا ومهما ترى كلًّ المراتِبِ تجْتَلِي عليكَ فحلْ عنها، فعَن مثلها حُلنا وقُلْ: ليس لي في غَير ذاتِكَ مَطلبٌ فلا صورةُ تُجلى ولا طُرفة تُجنا تفسير : وقوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا}: هو نهي عن صحبة الغافلين والميل إليهم. قال بعض الصوفية: قلب لبعض الأبدال: كيف الطريق إلى التحقيق، والوصول إلى الحق؟ قال: لا تنظر إلى الخلق؛ فإن النظر إليهم ظلمة، قلت: لا بد لي، قال: لا تسمع كلامهم؛ فإن كلامهم قسوة: قلت: لا بد لي، قال: لا تعاملهم؛ لأن معاملتهم خسران وحسرة ووحشة، قلت: أنا بين أظهرهم لا بد لي من معاملتهم؟ قال: لا تسكن إليهم؛ فإن السكون إليهم هلكة. قلت: هذا لعله يكون؟ قال: يا هذا، أتنظر إلى اللاعبين، وتسمع كلام الجاهلين، وتعامل البطالين، وتسكن إلى الهلكى، وتريد أن تجد حلاوة الطاعة، وقلبك مع غير الله عز وجل!! هيهات! هذا ما لا يكون أبداً. هـ. ونقل الورتجبي عن جعفر الصادق: ولا تركنوا إلى نفوسكم فإنها ظلمَة. هـ. ثم ذكمر سبب هلاك الأمم الماضية، وهو فشو الظلم، وعدم تغيير المنكر، فقال: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ}.
الطوسي
تفسير : أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم وأمته أن يستقيموا كما أمرهم الله، وكذلك من رجع الى الله والى نبيه {ولا تطغوا} يعني في الاستقامة، فيخرجوا عن حدها بالزيادة على ما أمرهم فرضاً كان أو نفلاً. وقيل: معناه لا تطغينكم النعمة، فتخرجوا من الاستقامة. و (الاستقامة) الاستمرار في جهة واحدة، وان لا يعدل يميناً وشمالاً. و (الطغيان) تجاوز المقدار في الفساد. والطاغي كالباغي في صفة الذم، وطغى الماء مشبه بحال الطاغي، وانما خص من تاب دون ان أسلم من أول حاله للتغليب في الاكثر ويدخل فيه الأقل على وجه التبع. وقوله {إنه بما تعملون بصير} اخبار منه تعالى أنه عالم بأعمالهم لا يخفى عليه شيء منها.
اطفيش
تفسير : {فاسْتَقم كَما أمِرْتَ} أى كن معتدلا فى الاعتقاد، لا تشبه الله بخلقه، ولا تعطله، وفى الأعمال كالصلاة والصوم، وتبليغ الوحى، وبيان الشرع من غير إخلال بواجب، ومن غير غلو، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الدين يسر ولن يشاد هذا الدين أحد - أى نغالبه - إلا غلبه فسددوا - أى اعملوا بالصلاح - وقاربوا" تفسير : أى وسطاً لا غلو ولا إخلال، أو الواو بين الأعمال فى رفق وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، أى بالعمل أطراف النهار وقتا وقتا، وشئ من الدلجة، أى وقليل من العمل فى الليل. وقال ما معناه إن من دخل الدين بغير رفق كان كمن حمل على دابته ما لا تطيق وعقرت بحملها قبل الوصول فماله ظهر دابته سالما ولا وصول حيث قصده. قال ابن عباس رضى الله عنهما: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى جميع القرآن آية أشد ولا أشق عليه من هذه الآية، ولهذا قال: "حديث : شيبتنى هود وأخواتها" تفسير : وفى رواية: "حديث : الواقعة، والمرسلات، وعم، وإذا الشمس كورت" تفسير : وقال عياض: المشهور أن ذلك لما فيهن من ذكر ما حل بالأمم انتهى. قلت: يمكن الجمع بأن ما يشبه من هود هذه الآية، ومن تلك السور ذكر ما حل بهم، ثم رأيت ما يؤيده، وهو أن بعضا ممن يعتد برؤياه، حديث : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى النوم، فقلت له: روى عنك أنك قلت: "لقد شيبتنى هود" فقال: "نعم" فقال: ما الذى شيبك منها؟ أقصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ قال: "لا ولكن قوله: فاستقم كما أمرت" . تفسير : وفى رواية رآه بعض العلماء فى النوم فقال: حديث : يا رسول الله بلغنى عنك أنك قلت:"شيبتنى هود وأخواتها" فما الذى شيبك من هود؟ فقال: "قوله عز وجل: فاستقم كما أمرت" وقال له أصحابه: لقد أسرع فيك الشيب؟ فقال "شيبتنى هود" . تفسير : وإن قلت: فهل ينافى ذلك تفسير الاستقامة بالدوام عليها؟ قلت: لا ينافيها، لأيه اشتد خوفه بتلك السور وهو مستقيم، لكنه خاف أن يزل، وخاف لعله كان غير مستقيم بأن قصر مثلا تقصيرا ما، وقال جعفر الصادق: المعنى افتقر إلى الله بصحة العزم، والأولى أن يقال افزع بدل افتقر، ولو كان الافتقار أيضا خلوا وفراغا. {ومَنْ تَابَ} من الشرك، والعطف على المستتر فى استقم للفصل بـ {كما أمرت} وهم أيضا مستقيمون، فأمرهم بالاستقامة أمر بالدوام عليها، وإن راعينا خللا فى جانبهم، من حيث إنهم غير معصومين، أو راعينا من لم يستقم، فالأمر بالاستقامة فى جانبهم أمر بالدخول فيها على الأصل، فيكون استقم مستعملا فى معناه المجازى وفى معناه الحقيقى، وقد أجاز غير واحد ذلك، وعلى المعنى يعتبر الحال الذى استقبل بعد نزول الآية فى جانب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه حال غير موجودة فلا يلزم من الأمر بالاستقامة فيها تحصيل الحاصل، وكذا فى جانبهم إن فرضنا استقامتهم، واعتبرناها حال النزول، أو يقدر على المنع أمر آخر لكنه باللام، والمضارع لائق بحالهم، أى وليستقم من تاب. {مَعَك} متعلق بتاب، أو حال من المستتر فى تاب، ولا يلزم من تعليقه فيه أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أشرك وتاب من الشرك، حاشاه عن ذلك، لأنه يجوز أن تقول قمت مع زيد، تريد أنك قمت بحضرته ولو لم يقم هو. واعلم يا أخى رحمك الله أنى استقريت هذه المذاهب المعتبرة كمذهبنا معشر الأباضية، ومذهب المالكية، ومذهب الشافعية، ومذهب الحنفية، ومذهب الحنبلية، بالمنقول والمفعول، ولم أر مستقيما منها فى علم التوحيد والصفات، سوى مذهبنا، فإنه مستقيم خال عن التشبيه والتعطيل، حججه لا تقاومها حجة، ولا تثبت لها، والحمد لله وحده. {ولاَ تَطْغَوا} لا تجاوزوا المأمور به إلى المنهى عنه، ففى ذلك تأكيد لقوله: {استقم كما امرت ومن تاب معك} {إنَّه} تعليل مستأنف {بما تعْملُون بَصيرٌ} فيجازيكم به، ومن انحرف عن النص بنحو قياس واستحسان فقد طغى وخرج عن الاستقامة، وحام حول النهى، ونبذ الأمر، قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهى، ولا تروغ منه روغان الثعلب، وما لم يرد فيه النص فالواجب على غير المجتهد أن يتبع فيه المجتهد، وإن استقل برأيه فسق، قاله أبو يعقوب يوسف بن خلفون رحمه الله.
اطفيش
تفسير : {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} هو صلى الله عليه وسلم مستقيم لكن جاءَ الكلام إِلهابا له، أَو المراد دم على الاستقامة أَو زد منها، وقيل استفعل للطلب والكاف بمعنى على أَى اطلب على الدين {وَمَنْ تَابَ} من الشرك وآمن {مَعَكَ} والعطف على ضمير استقم لوجود الفاصل ولا حاجة إِلى جعل من فاعلا لمحذوف أَى وليتب من تاب معك ففعل الأَمر يرفع الظاهر بواسطة العطف ولو كان لا يرفعه بدونها، والكاف بمعنى على وما مصدرية أَى استقم على أَمرى، أَو اسم والمعنى على ما أُمرت به فحذف الرابط ولو لم يجر الموصول بما جر به ولو اتفق عاملهما، أَو ضمن أُمرت معنى أُلزمت أَو الكاف على أَصلها أَى استقم استقامة مثل الاستقامة التى أُمرت، إِما على معنى استقم فى الحال وبعد كما استقمت قبل وإِما على أَن مطلوب الأَمر كلى والمأْْمور به جزئِى على حد: صل ركعتين كما أُمرت، ولا غرابة فيه، وإِما على أَن الشىءَ باعتبار الأَمر به غيره باعتبار وقوعه، فصح التشبيه، وقد قيل الآية كقولك مثلك لا يبخل والمراد أَداءُ الفرائِض فعلا وتركا كالقرآن والتوحيد والتبليغ هكذا، أَو ذلك أَمر فى بيان اعتدال الإِسلام لا إِفراط ولا تفريط لا تشبيه ولا تعطيل لا إِسراف ولا إِقتار ولا جبن ولا تهور، ولا تحملوا أَنفسكم ما يضرها من الطاعات بل ما تطيقه ولا ما تضعف به أجسامكم من قطعها بالكلية عما يلذ، وزعم بعض المحققين أَن الآية لا تشمل علم القلب، ونقول هى أَولى به {وَلاَ تَطْغَوْا} لا تتعدوا الحدود، وعلل استقم ولا تطغوا بقوله {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} يجازيكم عليه، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : شيبتنى هود وأَخواتها"تفسير : ، وقال:"حديث : شيبتنى هود وأَخواتها الواقعة والحاقة وإِذا الشمس كورت"،تفسير : وقال:"حديث : شيبتنى هود وأَخواتها قبل المشيب"تفسير : ، وقال:"حديث : شيبتنى هود وأَخواتها من المفصل"تفسير : ، قال: "حديث : شيبتنى سورة هود وأَخواتها الواقعة والقارعة والحاقة وإذا الشمس كورت"تفسير : ، وسأَل سائِل وقال: "حديث : شيبتنى هود وأخواتها ذكر القيامة وقصص الأُمم"تفسير : ، وروى أنه لما نزلت السورة قال:" حديث : شيبتنى هود"تفسير : ، ولما نزلت الآية قال: شمروا شمروا، فما رؤى ضاحكاً بعدها، وعن ابن عباس رضى الله عنهما ما نزلت عليه صلى الله عليه وسلم آية أَشد من هذه، واستدل بعض على أَن الاستقامة صعب بهذه الآية، وفسر بعض الأشعرية الصراط الذى هو أدق من الشعر وأَحد من السيف فى حديث الصراط على متن جهنم بالاستقامة إِخراجاً له عن ظاهره كما كنت أقول قبل اطلاعى عليه، ورأَى أَبو على الشترى النبى صلى الله عليه وسلم فى النوم فقال: ما شبيك من هود، أَقصص الأنبياءِ وهلاك الأُمم؟ قال: شيبتنى استقم كما أُمرت، والله أَعلم بصحة الرؤيا وتحقيقها لمنافاتها بعض الروايات كما رأيت.
الالوسي
تفسير : {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} لما بين أمر المختلفين في التوحيد والنبوة، وأطنب سبحانه في شرح الوعد والوعيد أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالاستقامة مثل الاستقامة التي أمر بها وهذا يقتضي أمره صلى الله عليه وسلم بوحي أخر ولو غير متلو كما قاله غير واحد. والظاهر أن هذا أمر بالدوام على الاستقامة وهي لزوم المنهج المستقيم وهو المتوسط بين الإفراط والتفريط وهي كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل وسائر الأخلاق فتشمل العقائد والأعمال المشتركة بينه صلى الله عليه وسلم وبين سائر المؤمنين والأمور الخاصة به عليه الصلاة والسلام من تبليغ الأحكام والقيام بوظائف النبوة وتحمل أعباء الرسالة وغير ذلك، وقد قالوا: إن التوسط بين الإفراط والتفريط بحيث لا يكون ميل إلى أحد الجانبين قيد عرض شعرة مما لا يحصل إلا بالافتقار إلى الله تعالى ونفي الحول والقوة بالكلية، ومثلوا الأمر المتوسط بين ذينك الطرفين بخط يكون بين الشمس والظل لس بشمس ولا ظل بل هو أمر فاصل بينهما ولعمري إن ذلك لدقيق، ولهذا قالوا: لا يطيق الاستقامة إلا من أيد بالمشاهدات القوية والأنوار السنية ثم عصم بالتشبث بالحق {أية : وَلَوْلآ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء: 74] وجعل بعض العارفين الصراط الذي هو أدق من الشعرة وأحد م السيف إشارة إلى هذا المنهج المتوسط. ومما يدل على شدة هذا الأمر ما أخرج ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه قال: لما نزلت هذه الآية صلى الله عليه وسلم: «حديث : شمروا شمروا»تفسير : وما رؤي بعدها ضاحكاً. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية أشد من هذه الآية ولا أشق. وأستدل بعض المفسرين على عسر الاستقامة بما شاع من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : شيبتني هود»،تفسير : وأنت تعلم أن الأخبار متضافرة بضم سور أخرى إليها وإن اختلفت في تعيين المضموم كما مر أول السورة، وحينئذ لا يخفى ما في الاستدلال من الخفاء، ومن هنا قال صاحب «الكشف»: التخصيص بهود لهذه الآية غير لائح إذ ليس في الأخوات ذكر الاستقامة. وذكر في «قوت القلوب» أنه لما كان القريب الحبيب صلى الله عليه وسلم شيبه ذكر البعد وأهله ثم قال: ولعل الأظهر أنه عليه الصلاة والسلام شبيه ذكر أهوال القيامة، وكأنه ـ بأبـي هو وأمي ـ شاهد منه يوماً يجعل الوالدان شيباً انتهى. وبعضهم استدل للتخصيص برؤيا أبـي علي الشتري السابقة وفيه بعد تسليم صحة الرواية أن رؤيا النبـي صلى الله عليه وسلم وإن كانت حقاً حيث أن الشيطان لا يتمثل به عليه الصلاة والسلام إلا أنه من أين يجزم بضبط الرائي وتحقيقه ما رأى على أن مما يوهن أمر هذه الرؤيا ويقوي ظن عدم ثبوتها ما أخرجه ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : شيبتني هود وأخواتها وما فعل بالأمم قبلي»تفسير : وذكر الشهاب ما يقوي اعتراض صاحب «الكشف» من أنه ليس في الطرق المروية في هذا الباب الاقتصار على هود بل ذكر معها أخواتها وليس فيها الأمر المذكور مع أنه وقع في غيرها من آل حميم، ثم ذكر أنه لاح له ما يدفع الإشكال؛ وذلك أن مبنى هذه السورة الكريمة على إرشاده تعالى شأنه نبيه صلى الله عليه وسلم إلى كيفية الدعوة من مفتتحها إلى مختتمها وإلى ما يعتري من تصدي لهذه المرتبة السنية من الشدائد واحتماله لما يترتب عليه من الفوائد لا على التسلية إذ لا يطابق المقام حسبما تقدم لك عن صاحب «الكشف». ولما كانت هذه السورة جامعة لإرشاده من أول أمره إلى آخره وهذه الآية فذلكة لها فحينما نزلت هذه السورة هاله ما فيها من الشدائد وخاف من عدم القيام بأعبائها / حتى إذا لقى الله تعالى في يوم الجزاء ربما مسه نصب من السؤال عنها فذكر القيامة في تلك السور يخوفه هولها لاحتمال تفريطه فيما أرشده الله تعالى له في هذه، وهذا لا ينافي عصمته عليه الصلاة والسلام وقربه لكونه الأعلم بالله تعالى والأخوف منه، فالخوف منها يذكره بما تضمنته هذه السورة فكأنها هي المشيبة صلى الله عليه وسلم من بينها ولذا بدأ بها في جميع الروايات، ولما كانت تلك الآية فذلكة لها كانت هي المشيبة في الحقيقة فلا منافاة بين نسبة التشييب لتلك السور ولا لهذه السورة وحدها كما فعله من فعله ولا لتلك الآية كما وقع في تلك الرؤيا انتهى، وسيأتي إن شاء الله تعالى وجه آخر لنسبة التشييب لهذه السورة فليتأمل. وذهب بعض المحققين إلى كون الكاف في {كَمَا} بمعنى على كما في قولهم: كن كما أنت عليه أي على ما أنت عليه، ومن هنا قال ابن عطية وجماعة: المعنى استقم على القرآن، وقال مقاتل: امض على التوحيد، وقال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: استقم على الإخبار عن الله تعالى بصحة العزم، والأظهر إبقاء (ما) على العموم أي استقم على جميع ما أمرت به، والكلام في حذف مثل هذا الضمير أمر شائع، وقد مر التنبيه عليه، ومال بعضهم إلى كون الكاف للتشبيه حسبما هو الظاهر منها إلا أنه قال: إنها في حكم مثل في قولهم: مثلك لا يبخل فكأنه قيل: استقم الاستقامة التي أمرت بها فراراً من تشبيه الشيء بنفسه، ولا يخفى أنه ليس بلازم. ومن الغريب ما نقل عن أبـي حيان أنه قال في «تذكرته»: فإن قلت: كيف جاء هذا التشبيه للاستقامة بالأمر؟ قلت: هو على حذف مضاف تقديره مثل مطلوب الأمر أي مدلوله، فإن قلت: الاستقامة المأمور بها هي مطلوب الأمر فكيف يكون مثلا لها؟ قلت مطلوب الأمر كلّي والمأمور جزئي فحصلت المغايرة وصح التشبيه كقولك: صل ركعتين كما أمرت، وأبعد بعضهم فجعل الكاف بمعنى على واستفعل للطلب كاستغفر الله تعالى أي اطلب الغفران منه، وقال: المعنى اطلب الإقامة على الدين. {وَمَن تَابَ مَعَكَ} أي تاب من الشرك وآمن معك فالمعية باعتبار اللازم من غير نظر إلى ما تقدمه وغيره. وقد يقال: يكفي الاشتراك في التوبة والمعية فيها مع قطع النظر عن المثوب عنه، وقد كان صلى الله عليه وسلم يستغفر الله تعالى في اليوم أكثر من سبعين مرة، واستظهر ذلك الجلبـي. و {مِنْ} على ما اختاره أبو حيان وجماعة عطف على الضمير المستكن في {وَٱسْتَقِمْ} وأغنى الفصل بالجار والمجرور عن تأكيده بضمير منفصل لحصول الغرض به، وفي الكلام تغليب لحكم الخطاب على الغيبة في لفظ الأمر، واختار كثير أنه فاعل لفعل محذوف أي وليستقم من الخ لأن الأمر لا يرفع الظاهر، وحينئذ فالجملة معطوفة على الجملة الأولى، ومن ذهب إلى الأول رجحه بعدم احتياجه إلى التقدير ودفع المحذور بأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع. وجوز أبو البقاء كونه منصوباً على أنه مفعول معه، والمعنى استقم مصاحباً لمن تاب، قيل: وهو في المعنى أتم وإن كان في اللفظ نوع نبوة عنه. وقيل: إنه مبتدأ والخبر محذوف أي فليستقم، وجوز كون الخبر {مَعَكَ}. {وَلاَ تَطْغَوْاْ} أي لا تنحرفوا عما حدّ لكم بافراط أو تفريط فإن كلا طرفي قصد الأمور ذميم، وسمي ذلك طغياناً وهو مجاوزة الحدّ تغليظاً أو تغليباً لحال سائر المؤمنين على حاله صلى الله عليه وسلم، وعن ابن عباس أن المعنى لا تطغوا في القرآن فتحلوا وتحرموا ما لم تأمروا به. وقال ابن زيد: لا تعصوا ربكم، وقال مقاتل: لا تخلطوا التوحيد بالشرك، ولعل الأول أولى. {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيجازيكم على ذلك وهو تعليل للأمر والنهي السابقين كأنه قيل: استقيموا ولا تطغوا / لأن الله تعالى ناظر لأعمالكم فيجازيكم عليها، وقيل: إنه تتميم للأمر بالاستقامة، والأول أحسن وأتم فائدة. وقرأ الحسن والأعمش ـ يعملون ـ بياء الغيبة، وروي ذلك عن عيسى الثقفي أيضاً. وفي الآية ـ على ما قال غير واحد ـ دليل على وجوب اتباع المنصوص عليه من غير انحراف بمجرد التشهي وإعمال العقل الصرف فإن ذلك طغيان وضلال، وأما العمل بمقتضى الاجتهاد التابع لعلل النصوص فذلك من باب الاستقامة كما أمر على موجب النصوص الآمرة بالاجتهاد، وقل الإمام: وعندي لا يجوز تخصيص النص بالقياس لأنه لما دل عموم النص على حكم وجب الحكم بمقتضاه لقوله تعالى: {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} والعمل بالقياس انحراف عنه، ولذا لما ورد القرآن بالامر بالوضوء وجيء بالاعضاء مرتبة في اللفظ وجب الترتيب فيها، ولما ورد الأمر في الزكاة بأداء الإبل من الإبل والبقر من البقر وجب اعتبارها، وكذا القول في كل ما ورد أمر الله تعالى به كل ذلك للأمر بالاستقامة كما أمر انتهى. وأنت تعلم أن إيجاب الترتيب في الوضوء لذلك ليس بشيء ويلزمه أن يوجب الترتيب في الأوامر المتعاطفة بالواو مثل {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} تفسير : [البقرة: 43] وكذا في نحو {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ}تفسير : [البقرة: 45] بعين ما ذكر في الوضوء وهو كما ترى، وكأنه عفا الله تعالى عنه يجزم بأن الحنفية الذين لا يوجبون الترتيب في أعمال الوضوء طاغون خارجون عما حد الله تعالى احتمال للقول بأنهم مستقيمون وهو من الظلم بمكان.
ابن عاشور
تفسير : {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ}. ترتب عن التسلية التي تضمّنها قوله: {أية : ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه}تفسير : [هود: 110] وعن التثبيت المفاد بقوله: {أية : فلا تك في مرية ممّا يَعبد هؤلاء}تفسير : [هود: 109] الحضّ على الدّوام على التمسك بالإسلام على وجه قويم. وعبّر عن ذلك بالاستقامة لإفادة الدّوام على العمل بتعاليم الإسلام، دواماً جماعهُ الاستقامة عليه والحذر من تغييره. ولمّا كان الاختلاف في كتاب موسى ـ عليه السّلام ـ إنّما جاء من أهل الكتاب عطف على أمر النّبيء صلى الله عليه وسلم بالاستقامة على كتابه أمرُ المؤمنين بتلك الاستقامة أيضاً، لأنّ الاعوجاج من دواعي الاختلاف في الكتاب بنهوض فرق من الأمة إلى تبديله لمجاراة أهوائهم، ولأنّ مخالفة الأمّة عمداً إلى أحكام كتابها إن هو إلاّ ضرب من ضروب الاختلاف فيه، لأنّه اختلافها على أحكامه. وفي الحديث: «حديث : فإنّما أهلكَ الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافُهم على أنبيائهم»تفسير : ، فلا جرم أن كانت الاستقامة حائلاً دون ذلك، إذ الاستقامة هي العمل بكمال الشريعة بحيث لا ينحرف عنها قِيد شبر. ومتعلقها العمل بالشريعة بعد الإيمان لأنّ الإيمان أصل فلا تتعلّق به الاستقامة. وقد أشار إلى صحّة هذا المعنىحديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبِي عَمْرَةَ الثقفي لمّا قال له: «يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك. قال: قل آمنت بالله ثم استَقِمْ» تفسير : فجعل الاستقامة شيئاً بعد الإيمان. ووُجّه الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم تنويهاً بشأنه ليبني عليه قوله: {كما أمرتَ} فيشير إلى أنّه المتلقّي للأوامر الشرعيّة ابتداء. وهذا تنويه له بمقام رسالته، ثم أُعلم بخطاب أمّته بذلك بقوله: {ومن تاب معك}. وكاف التّشبيه في قوله: {كما أمرت} في موضع الحال من الاستقامة المأخوذة من (استقم). ومعنى تشبيه الاستقامة المأمور بها بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم لكون الاستقامة مماثلة لسائر ما أمر به، وهو تشبيه المجمل بالمفصّل في تفصيله بأن يكون طبقه. ويؤول هذا المعنى إلى أن تكون الكاف في معنى (على) كما يقال: كن كما أنت. أي لا تتغيّر، ولتشبه أحوالك المستقبلة حالتك هذه. {ومن تاب} عطف على الضمير المتّصل في {أمرت}. ومصحّح العطف موجود وهو الفصل بالجار والمجرور. {ومن تاب} هم المؤمنون، لأنّ الإيمان توبة من الشّرك، و{معك} حال من {تاب} وليس متعلّقاً بـ{تاب} لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن من المشركين. وقد جمع قوله: {فاستقم كما أمرت} أصول الصّلاح الديني وفروعه لقوله: {كما أمرتَ}. قال ابن عبّاس: ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشدّ ولا أشق من هذه الآية عليه. ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشيب «شيبتني هود وأخواتها». وسئل عمّا في هود فقال: قوله {فاستقم كما أمرت}. الخطاب في قوله: {ولا تطغوا} موجه إلى المؤمنين الذين صدق عليهم {ومن تاب معك}. والطغيان أصله التّعاظم والجراءة وقلة الاكتراث، وتقدّم في قوله تعالى: {أية : ويمدُّهم في طغيانهم يعمهون}تفسير : في سورة [البقرة: 15]. والمراد هنا الجراءة على مخالفة ما أمروا به، قال تعالى: {أية : كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحلّ عليكم غضبي}تفسير : [طه: 81]. فنهى الله المسلمين عن مخالفة أحكام كتابه كما نهى بني إسرائيل. وقد شمل الطغيان أصول المفاسد، فكانت الآية جامعة لإقامة المصالح ودَرْء المفاسد، فكان النهي عنه جامعاً لأحوال مصادر الفساد من نفس المفسد وبقي ما يخشى عليه من عدوى فساد خليطه فهو المنهى عنه بقوله بعد هذا: {أية : ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار}تفسير : [هود: 113]. وعن الحسن البصري: جعل الله الدّين بين لاءَيْن {ولا تطغوا} {أية : ولا تركنوا}تفسير : [هود: 113]. وجملة {إنّه بما تعملون بصير} استئناف لتحذير من أخفى الطغيان بأن الله مطلع على كل عمل يعمله المسلمون، ولذلك اختير وصف {بصير} من بين بقية الأسماء الحسنى لدلالة مادته على العلم البين ودلالة صيغته على قوته.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 112- وإذا كان هذا هو حال الأمم التى جاءها كتاب من اللَّه فاختلفت فيه وخرجت عليه، فداوم أنت ومن معك من المؤمنين على التزام الطريق المستقيم كما أمرك الله، ولا تجاوزوا حدود الاعتدال بتقصير أو إهمال ومغالاة فى تكليف أنفسكم ما لا تطيقون. إنه سبحانه محيط علمه بكل ما تعملون فيجازيكم عليه. 113- ولا تميلوا أدنى ميل إلى أعداء الله وأعدائكم الذين ظلموا أنفسهم وتجاوزوا حدود الله، ولا تُعَوِّلوا عليهم أو تستحسنوا طريقهم، فتستحقوا بسبب هذا الميل عذاب النار، ولا تجدوا أحداً يدفعه عنكم، ثم تكون عاقبتكم أنكم لا تُنصرون على أعدائكم بخذلان الله لكم، ولركونكم إلى عدوه. 114- وأدِّ الصلاة - أيها النبى - على أتم وجه فى طرفى النهار، وفى أوقات متفرقة من الليل، فإنها تطهر النفوس فتتغلب على نزعة الشر، وتمحو آثار السيئات التى قَلّما يخلو منها البشر، ذلك الذى أُمِرت به - أيها النبى - من الإرشاد للخير عظة ينتفع بها المستعدون لقبولها، الذين يذكرون ربهم ولا ينسونه. 115- واصبر - أيها النبى - على مشاق ما أمرناك به، وأحسِنْ تنفيذه، يعطك الله أجراً عظيماً، لأنه لا يضيع عنده أجر المحسنين لأعمالهم. 116- كان يجب أن يكون من تلك الأمم السابقة - التى أهلكناها بسبب ظلمها - جماعة منهم لهم كلمة مسموعة، وفضل من دين وعقل، ينهون غيرهم عن الفساد فى الأرض، فيحفظوهم من العذاب الذى حل بهم، ولم يكن هذا، لكن الذى حدث أنه كان فيهم قليل من المؤمنين لم يُسمع لهم رأى ولا توجيه، فأنجاهم الله مع رسلهم، فى الوقت الذى أصرَّ فيه الظالمون المعاندون على ما تعوَّدوه من قبل من حياة الترف والفساد، فحال ذلك بينهم وبين الانتفاع بدعوة الحق والخير، وكانوا فى إيثارهم لهذا الطريق غارقين فى الذنوب والسيئات، فأهلكهم الله تنفيذاً لسنّته فى خلقه.
د. أسعد حومد
تفسير : (112) - فَالزَمِ الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ الذِي لاَ عِوَجَ فِيهِ، وَاثْبَتْ عَلَيهِ. وَكَذلِكَ فَلْيَسْتَقِمْ مَنْ تَابَ مِنَ الشِّرْكِ، وَآمَنَ مَعَكَ، وَلاَ تَنْحَرِفُوا عَمَّا رُسِمَ لَكُمْ، وَلاَ تَتَجَاوَزُوا حُدُودَ الاعْتِدَالِ، فَتُكَلِّفُوا أَنْفُسَكُمْ مَا لاَ تُطِيقُونَ، فَالإِفْرَاطُ فِيهِ كَالتَّفْرِيطِ، كِلاَهُمَا زَيْغٌ عَنِ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ. لاَ تَطْغَوْا فِيهِ - لاَ تَتَجَاوَزُوا مَا حَدَّهُ اللهُ لَكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والاستقامة معناها: عدم الميل أو الانحراف - ولو قيد شعرةٍ - وهذا أمر يصعب تحقيقه؛ لأن الفاصل بين الضدين، أو بين المتقابلين هو أدق من الشعرة في بعض الأحيان. ومثال ذلك: حين ترى الظل والضوء، فأحياناً يصعد الظل على الضوء، وأحياناً يصعد الضوء على الظل، وسنجد صعوبة في تحديد الفاصل بين الظل والنور، مهما دقت المقاييس. وهكذا يصبح فصل الشيء عن نقيضه صعباً، ولذلك فالاستقامة أمر شاق للغاية. وساعة أن نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : شيبتني هود وأخواتها ". تفسير : ولولا أن قال الحق سبحانه في كتابه الكريم: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ..}تفسير : [التغابن: 16]. فلولا نزول هذه الآية لتعب المسلمون تماماً، وقد أنزل الحق سبحانه هذا القول بعد أن قال: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ..}تفسير : [آل عمران: 102]. وعزَّ ذلك على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الحق سبحانه ما يخفف به عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن قال سبحانه: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ..}تفسير : [التغابن: 16]. إذن: فالأمر بالاستقامة هو أمر بدقة الأداء المطلوب لله أمراً ونهياً، بحيث لا نميل إلى جهة دون جهة. وهكذا تطلب الاستقامة كامل اليقظة وعدم الغفلة. ويقول الحق سبحانه: {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ ..} [هود: 112]. وهذا إيذان بألاَّ ييأس رسول الله صلى الله عليه وسلم من وقوف صناديد قريش أمام دعوته صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم سيتساقطون يوماً بعد يوم. وقول الحق سبحانه: {.. وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود: 112]. يعني ألا نتجاوز الحد، فالطغيان هو مجاوزة الحد. وهكذا نعلم أن الإيمان قد جعل لكل شيء حدّاً، إلا أن حدود الأوامر غير حدود النواهي؛ فالحق سبحانه إن أمرك بشيء، فهو يطلب منك أن تلتزمه ولا تتعده. وقال الحق سبحانه: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ..}تفسير : [البقرة: 229]. وهذا القول في الأوامر، أما في النواهي فقد قال سبحانه: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ..}تفسير : [البقرة: 187]. أي: أن تبتعد عنها تماماً. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : من وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملكٍ حمى، ألا وإن حمى الله محارمه ". تفسير : وحين ينهانا الحق سبحانه عن الاقتراب من شيء فهذه هي استقامة الاحتياط، وهي قد تسمح لك بأن تدخل في التحريم ما ليس داخلاً فيه، فمثلاً عند تحريم الخمر، جاء الأمر باجتنابها أي: الابتعاد عن كل ما يتعلق بالخمر حتى لا يجتمع المسلم هو والخمر في مكان. وجعل الحق سبحانه أيضاً الاستقامة في مسائل الطاعة، وهو سبحانه يقول: {أية : وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ ..}تفسير : [الأنعام: 141]. والنهي عن الإسراف هنا؛ ليعصمنا الحق سبحانه من لحظة نتذكر فيها كثرة ما حصدنا، ولكننا لا نجد ما نقيم به الأود فقد يسرف الإنسان لحظة الحصاد لكثرة ما عنده، ثم تأتي له ظروف صعبة فيقول: "يا ليتني لم أُعْطِ". وهكذا يعصمنا الحق سبحانه من هذا الموقف. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : "سدِّدوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وأن أحب الأعمال أدومها إلى الله وإن قل"؛ لأن الدين قوي متين، و"لن يشاد الدين أحد إلا غلبه" ". تفسير : وهكذا نجد الحق سبحانه ونجد رسوله صلى الله عليه وسلم أعلم بنا، والله لا يريد منا عدم الطغيان من ناحية المحرمات فقط، بل من ناحية الحِلِّ أيضاً، فيوصينا سبحانه بالرفق واللين والهوادة، وأن يجعل الإنسان لنفسه مُكْنة الاختيار. ومثال ذلك: أن يلزم الإنسان نفسه بعشرين ركعة كل ليلة، وهو يلزم نفسه بذلك نذراً لله تعالى في ساعة صفاء، لكنه حين يبدأ في مزاولة ذلك القدر يكتشف صعوبته، فتكرهه نفسه. ولذلك يأمرنا الحق سبحانه بالاستقامة وعدم الطغيان؛ استقامة في تحديد المأمور به والمنهي عنه؛ ولذلك كان الاحتياط في أمر العبادات أوسع لمن يطلب الاستقامة. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحلال بيِّن، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ". تفسير : ولذلك يطلب الشارع الحكيم سبحانه منا في الاحتياط أن نحتاط مرة بالزيادة، وأن نحتاط مرة بالنقص، فحين تصلي خارج المسجد الحرام، يكفيك أن تكون جهتك الكعبة، أما حين تصلي في المسجد الحرام، فأنت تعلم أن الكعبة قسمان: قسم بنايته عالية، وقسم اسمه "الحطيم" وهو جزء من الكعبة، لكن نفقتهم أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قصرت؛ فلم يبنوه. لذلك فأنت تتجه ببصرك إلى البناء العالي المقطوع بكعبيته، وهذا هو الاحتياط بالنقص. أما الاحتياط بالزيادة، فمثال ذلك: هو الطواف، وقد يزدحم البشر حول الكعبة، ولا تسمح ظروفك إلا بالطواف حول المسجد. وهكذا يطول عليك الطواف، لكنه طواف بالزيادة فعند الصلاة يكون الاحتياط بالنقص، أما عند الطواف فيكون الاحتياط بالزيادة. وهكذا نجد الاحتياط هو الذي يحدد معنى الاستقامة. ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله تعالى: {.. إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود: 112]. وفي الآية السابقة قال سبحانه: {أية : .. إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}تفسير : [هود: 111]. وعلمنا معنى الخبير، أما المقصود بالبصير هنا فهو أنه سبحانه يعلم حركة العبادة؛ لأن حركة العبادة مرئية. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):