١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
111
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} أي إن كلاً من الأمم التي عددناهم يرون جزاء أعمالهم؛ فكذلك قومك يا محمد. وٱختلف القراء في قراءة {وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا} فقرأ أهل الحرمين ـ نافع وٱبن كثير وأبو بكر معهم ـ «وَإِنْ كُلاًّ لَمَا» بالتخفيف، على أنها «إن» المخففة من الثقيلة معملة؛ وقد ذكر هذا الخليل وسيبويه، قال سيبويه: حدثنا من أثق به أنه سمع العرب تقول: إن زيداً لمنطلقٌ؛ وأنشد قول الشاعر:شعر : كأنْ ظِبْيَةً تَعْطُو إلى وَارِقِ السَّلَمْ تفسير : أراد كأنها ظبية فخفّف ونصب ما بعدها؛ والبصريون يجوزون تخفيف «إنّ» المشدّدة مع إعمالها؛ وأنكر ذلك الكسائيّ وقال: ما أدري على أي شيء قرىء «وَإِنْ كُلاًّ»! وزعم الفراء أنه نصب «كلاّ» في قراءة من خفف بقوله: «لَيُوفينهم» أي وإن ليوفينهم كلاّ؛ وأنكر ذلك جميع النحويين، وقالوا: هذا من كبير الغلط؛ لا يجوز عند أحد زيداً لأضربنه. وشدّد الباقون «إنّ» ونصبوا بها «كلاّ» على أصلها. وقرأ عاصم وحمزة وٱبن عامر «لَمَّا» بالتشديد. وخففها الباقون على معنى: وإن كلا ليوفينهم، جعلوا «ما» صلة. وقيل: دخلت لتفصل بين اللامين اللتين تتلقيان القسم، وكلاهما مفتوح ففصل بينهما بـ«ـما». وقال الزجاج: لام «لمّا» لام «إنّ» و«ما» زائدة مؤكدة؛ تقول: إن زيداً لمنطلق؛ فإنّ تقتضي أن يدخل على خبرها أو ٱسمها لام كقولك: إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وقوله: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ} تفسير : [الزمر: 21]. واللام في «ليوفينهم» هي التي يُتَلقى بها القسم، وتدخل على الفعل ويلزمها النون المشدّدة أو المخففة؛ ولما اجتمعت اللامان فصل بينهما بـ«ـما» و«ما» زائدة مؤكدة، وقال الفراء: «ما» بمعنى «من» كقوله: {أية : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} تفسير : [النساء:72] أي وإنّ كلاً لمن ليوفِينهم، واللام في «ليوفينهم» للقسم؛ وهذا يرجع معناه إلى قول الزجاج، غير أن «ما» عند الزجاج زائدة وعند الفراء ٱسم بمعنى «من». وقيل: ليست بزائدة، بل هي ٱسم دخل عليها لام التأكيد، وهي خبر «إن» و«ليوفينهم» جواب القسم، التقدير: وإنّ كلاً خَلْق ليوفينهم ربك أعمالهم. وقيل: «ما» بمعنى «من» كقوله: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 3] أي مَنْ؛ وهذا كله هو قول الفراء بعينه. وأما من شدّد «لما» وقرأ «وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا» بالتشديد فيهما ـ وهو حمزة ومن وافقه ـ فقيل: إنه لحن؛ حكي عن محمد بن يزيد أن هذا لا يجوز؛ ولا يقال: إنّ زيداً إلاّ لأضربَنّه، ولا لَمّا لضربته. وقال الكسائي: الله أعلم بهذه القراءة، وما أعرف لها وجهاً. وقال هو وأبو علي الفارسي: التشديد فيهما مشكل. قال النحاس وغيره: وللنحويين في ذلك أقوال: الأول: أن أصلها «لمن ما» فقلبت النون ميماً، واجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الوسطى فصارت «لما» و«ما» على هذا القول بمعنى «من» تقديره: وإن كلا لمن الذين؛ كقولهم:شعر : وإنِّيَ لَمَّا أصْدِرُ الأمرَ وجهَهُ إذا هو أَعْيَا بالسَّبِيلِ مَصَادِرُه تفسير : وزيّف الزجاج هذا القول، وقال: «من» ٱسم على حرفين فلا يجوز حذفه. الثاني؛ أن الأصل لِمن ما، فحذفت الميم المكسورة لاجتماع الميمات، والتقدير: وإنّ كُلاًّ لِمَنْ خَلْقٍ ليوفينهم. وقيل: «لمَّا» مصدر «لَمَّ» وجاءت بغير تنوين حملاً للوصل على الوقف؛ فهي على هذا كقوله: {أية : وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً} تفسير : [الفجر: 19] أي جامعاً للمال المأكول؛ فالتقدير على هذا: وإن كلاًّ ليوفينهم ربك أعمالهم توفية لمًّا؛ أي جامعة لأعمالهم جمعاً، فهو كقولك: قياماً لأقومنّ. وقد قرأ الزهري «لَمًّا» بالتشديد والتنوين على هذا المعنى. الثالث: أن «لمّا» بمعنى «إلاّ» حكى أهل اللغة: سألتك بالله لمّا فعلت؛ بمعنى إلاَّ فعلت؛ ومثله قوله تعالى: {أية : إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} تفسير : [الطارق: 4] أي إلا عليها؛ فمعنى الآية: ما كل واحد منهم إلا ليوفينهم؛ قال القُشيريّ: وزيّف الزجاج هذا القول بأنه لا نفي لقوله: {وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا} حتى تقدر «إلا» ولا يقال: ذهب الناس لما زيد. الرابع: قال أبو عثمان المازني: الأصل وإن كلاّ لَمَا بتخفيف «لَمّا» ثم ثقلت كقوله:شعر : لقد خَشِيتُ أَنْ أَرَى جَدَبَّاً في عامِنَا ذا بعدَ ما أَخْصَبَّا تفسير : وقال أبو إسحاق الزجاج: هذا خطأٰ إنما يخفّف المثقل، ولا يثقّل المخفّف. الخامس: قال أبو عبيد القاسم ابن سلاّم: يجوز أن يكون التشديد من قولهم: لَمَمْتُ الشيءَ أَلُمُّهُ لَمًّا إذا جمعته، ثم بنى منه فَعْلَى، كما قرىء {أية : ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} تفسير : [المؤمنون: 44] بغير تنوين وبتنوين. فالألف على هذا للتأنيث، وتمال على هذا القول لأصحاب الإمالة؛ قال أبو إسحاق: القول الذي لا يجوز غيره عندي أن تكون مخففة من الثقيلة، وتكون بمعنى «ما» مثل:{أية : إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} تفسير : [الطارق: 4] وكذا أيضاً تشدّد على أصلها، وتكون بمعنى «ما» و«لما» بمعنى «إلا» حكى ذلك الخليل وسيبويه وجميع البصريين؛ وأن «لما» يستعمل بمعنى «إلا» قلت: هذا القول (الذي) ارتضاه الزجاج حكاه عنه النحاس وغيره؛ وقد تقدم مثله وتضعيف الزجاج له، إلا أن ذلك القول صوابه «إنْ» فيه نافية، وهنا مخففة من الثقيلة فافترقا وبقيت قراءتان؛ قال أبو حاتم: وفي حرف أُبَي: «وَإِنْ كُلٌّ إِلاَّ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ» وروي عن الأعمش «وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا» بتخفيف «إن» ورفع «كل» وبتشديد «لما». قال النحاس: وهذه القراءات المخالفة للسواد تكون فيها «إنْ» بمعنى «ما» لا غير، وتكون على التفسير؛ لأنه لا يجوز أن يقرأ بما خالف السواد إلا على هذه الجهة. {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} تهديد ووعيد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وإِن } بالتخفيف والتشديد {كَلاَّ } أي كل الخلائق {لما } «ما» زائدة، واللام موطئة لقَسَم مقدّر أو فارقة وفي قراءة بتشديد «لما» بمعنى «إِلا» ف «إن» نافية {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَٰلَهُمْ } أي جزاءها {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } عالم ببواطنه كظواهره.
ابو السعود
تفسير : {وَإِنَّ كُـلاًّ} التنوينُ عوضٌ عن المضاف إليه أي وإن كلَّ المختلِفين فيه المؤمنين منهم والكافرين، وقرأ ابنُ كثير، ونافعٌ، وأبو بكر، بالتخفيف مع الإعمال اعتباراً للأصل {لَّمَّا لَيُوَفّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} أي أجزيةَ أعمالِهم، واللامُ الأولى موطئةٌ للقسم والثانيةُ جوابٌ للقسم المحذوف، ولما مركبةٌ من مِنْ الجارة وما الموصولة أو الموصوفة وأصلها لمِن فقلبت النون ميماً للإدغام فاجتمع ثلاث ميماتٍ فحُذفت أولاهن، والمعنى لَمِن الذي أو لمِنْ خلْقٍ أو لمن فريقٍ والله ليوفينهم ربك وقرىء لما بالتخفيف على أن ما مزيدةٌ للفصل بـين اللامين والمعنى إن جميعَهم والله ليوفينهم الآية وقرىء لمًّا بالتنوين أي جميعاً كقوله سبحانه: {أية : أَكْلاً لَّمّاً } تفسير : [الفجر: 19] وقرأ أبـي وإنْ كلٌّ لمّا ليوفينهم على أن نافية ولما بمعنى إلا وقد قرىء به {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي بما يعمله كلُّ فردٍ من المختلفين من الخير والشر {خَبِيرٌ} بحيث لا يخفى عليه شيءٌ من جلائله ودقائقه، وهو تعليلٌ لما سبق من توفية أجزيةِ أعمالِهم فإن الإحاطةَ بتفاصيل أعمالِ الفريقين وما يستوجبه كلُّ عمل بمقتضى الحكمةِ من الجزاء المخصوصِ توجب توفيةَ كلِّ ذي حقٍ حقَّه إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشر. {فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} لما بـيّن في تضاعيف القصص المَحْكية عن الأمم الماضيةِ سوءُ عاقبة الكفرِ وعصيانِ الرسل وأُشير إلى أن حالَ هؤلاء الكفرةِ في الكفر والضلالِ واستحقاق العذابِ مثلُ أولئك المعذبـين وأن نصيبَهم من العذاب واصلٌ إليهم من غير نقص وأن تكذيبَهم للقرآن مثلُ تكذيبِ قوم موسى عليه السلام للتوراة وأنه لو لم تسبِقْ كلمةُ القضاءِ بتأخير عقوبتِهم العامةِ ومؤاخذتِهم التامّةِ إلى يوم القيامة لفُعل بهم ما فُعل بآبائهم من قبلُ وأنهم يُوفَّوْن نصيبَهم غيرَ منقوص وأن كل واحدٍ من المؤمنين والكافرين يوفىٰ جزاءَ عملِه ـ أُمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالاستقامة كما أمر به في العقائد والأعمالِ المشتركة بـينه وبـين سائِر المؤمنين ولا سيما الأعمالُ الخاصةُ به عليه السلام من تبليغ الأحكامِ الشرعية والقيامِ بوظائف النبوةِ وتحمّل أعباءِ الرسالةِ بحيث يدخُل تحته ما أمر به فيما سبق من قوله تعالى: {أية : فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ}تفسير : [هود: 12] الآية، وبالجملة فهذا الأمرُ منتظمٌ لجميع محاسنِ الأحكامِ الأصليةِ والفرعية والكمالاتِ النظريةِ والعملية والخروجُ من عُهدته في غاية ما يكون من الصعوبة ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : شيبتْني سورةُ هود»تفسير : {وَمَن تَابَ مَعَكَ} أي تاب من الشرك والكفرِ وشاركك في الإيمان وهو المعنيُّ بالمعية وهو معطوفٌ على المستكنّ في قوله: فاستقم، وحسُن من غير تأكيدٍ لمكان الفاصل القائمِ مَقامَه، وفي الحقيقة هو مِن عطف الجملةِ على الجملة إذ المعنى وليستقم مَنْ تاب معك، وقيل: هو منصوبٌ على أنه مفعولٌ معه كما قاله أبو البقاء، والمعنى استقم مصاحباً لمن تاب معك {وَلاَ تَطْغَوْاْ} ولا تنحرفوا عما حُدّ لكم بإفراط أو تفريط، فإن كِلا طرفي قصدِ الأمور ذميمٌ، وإنما سُمّي ذلك طغياناً وهو تجاوزُ الحدِّ تغليظاً أو تغليباً لحال سائرِ المؤمنين على حاله عليه السلام {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيجازيكم على ذلك وهو تعليلٌ للأمر والنهي، وفي الآية دِلالةٌ على وجوب اتباعِ المنصوص عليه من غير انحرافٍ بمجرد الرأي فإنه طغيانٌ وضلالٌ، وأما العملُ بمقتضى الاجتهادِ التابعِ لعلل النصوصِ فذلك من باب الاستقامةِ كما أمر على موجب النصوصِ الآمرةِ بالاجتهاد.
القشيري
تفسير : أعاد ذكر الجزاء على الأعمال بالثواب والعقاب، وكرَّر ذلك في القرآن في كثير من المواضع إبلاغاً في التحذير، وتنبيهاً على طريق الاعتبار بحسن التفكير. ثم إن الجزاءَ على الأعمال معجَّلٌ ومؤجَّل، وكلُّ مَنْ أعرض عن الغفلة وجَنَحَ إلى وصف التيقظ وَجَدَ في معاملاته - عاجلاً - الربحَ لا الخُسران، وآجلاً الزيادةَ لا النقصان، وما يجده المرءُ في نفسه أتمُّ مما يدركه بعلمه بشواهد برهانه.
اسماعيل حقي
تفسير : {وان كلا} التنوين عوض عن المضاف اليه اى وان كل المختلفين فيه المؤمنين منهم والكافرين {لما يوفينهم ربك اعمالهم} اللام الاولى موطئة للقسم والثانية جواب للقسم المحذوف ولما بتشديد الميم اصله لمن بكسر الميم على انها من الجارة دخلت على ما الموصولة او الموصوفة فلما اجتمعت النون ساكنة مع ميم ما وجب ادغامها فقلبت ميما فاجتمع فى اللفظ ثلاث ميمات فحذفت احداهن اولاهن كانت المحذوفة ام وسطاهن على اختلاف الاقوال. والمعنى ان جميعهم لمن الذى او لمن خلق او لمن فريق والله ليوفينهم ربك اعمالهم من الايمان وسائر الحسنات والكفر وسائر السيآت اى ليعطينهم ويؤدينهم جزاء اعمالهم خيرا او شرا تاما وافيا كاملا {انه} اى الله تعالى {بما يعملون} اى بما يعمله كل فرد من المختلفين من الخير والشر {خبير} بحيث لا يخفى عليه شيء من جلائله ودقائقه فيجازى كلا بحسب عمله وتوفية جزاء الطاعات وعد عظيم وتوفية جزاء المعاصى وعيد عظيم. فعلى العاقل ان ينتبه من الغفلة ويجانب ما يخالف امر الله تعالى فان الله تعالى لا يفوته منه شيء شعر : بهمه كار بنده دانا اوست بمكافات او توانا اوست تفسير : واعلم ان الكلمة الالهية الازلية سبقت بسعادة اهل الايمان وشقاوة اهل الكفر فهم فى قبضتى الكفر والقهر وامهالهم وتأخيرهم انما هو لاستكمال السعادة والشقاوة لنفوسهم ولغيرهم فكتاب الله تعالى هو محك النفوس فمن آمن به وعمل باحكامه فقد كملت سعادته ومن كفر به وترك العمل باحكامه فقد كملت شقاوته وكل واحد من الفريق الاول اهل يقين ونجاة وكل واحد من الفريق الثانى اهل شك وهلاك وعادة الله تعالى جارية على تسليط اهل الانكار على اهل الاقرار لاستخراج ما فى معادن نفوسهم من جواهر اوصافه الشريفة كالصبر على الاذى والتحمل على البلاء والحلم على السفهاء والعفو عن الجهلاء والصفح عمن ليس له حياء لكى يتخلقوا باخلاق الله تعالى ويظهر بها صدق عبوديتهم وتفاوت درجاتهم فان المراتب ليست بالدعاوى والامانى بل بالحقائق والمعانى: قال المولى الجامى شعر : بى رنج كسى جون نبردره بسر كنج آن به كه بكوشم بتمنا ننشينم تفسير : قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام قدس سره مبانى طريق الصوفية على اربعة اشياء وهى اجتهاد وسلوك وسير وطير فالاجتهاد التحقق بحقائق الايمان والسير التحقق بحقائق الاحسان والطير الجذبة بطريق الجود والاحسان الى معرفة الملك المنان فمنزلة الاجتهاد من السلوك منزلة الاستنجاء من الوضوء فمن لا استنجاء له لا وضوء له فكذا من لا اجتهاد له لا سلوك له ومنزلة السلوك من السير منزلة الوضوء من الصلاة فمن لا وضوء له لا صلاة له فكذا من لا سلوك له لا سير له وبعده الطير وهو الوصول وادنى الانتساب فى هذا الباب محبة اهل الاجتهاد وتصديق الواصلين الى سر المبدأ والمعاد ورعاية جانب المتحققين بحقائق القرآن دون العداوة والبغض والشنآن وفى الحديث القدسى "حديث : من عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب" تفسير : اى اعلمته انى محارب له حيث كان محاربا لى بمعاداة اوليائى فاذا كان معادى الولىّ ورافض علومه محاربا لله تعالى فما ظنك بمعادى النبى وتارك كتابه ولا يفلح احد ممن حارب الله تعالى ورسوله ووارث رسوله فان الله تعالى ذو البطش الشديد فاذا اخذه لم يفلته نسأل الله العافية والوفاء والصفاء ونعوذ به من الخذلان واهل الجفاء
الطوسي
تفسير : القراءة: اختلف القرّاء في قوله {وإن كلاً لما} على اربعة اوجه: قرأ ابن كثير ونافع بتخفيف (إن) وتخفيف (لما) وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم بتشديدهما معاً. وقرأ أبو عمرو والكسائي بتشديد الأولى وتخفيف الثانية. وقرأ أبو بكر عن عاصم بتخفيف الاولى وتشديد الثانية. اللغة والاعراب والمعنى: وقيل في معنى (لمَّا) بالتشديد خمسة أوجه: أوّلها - قول الفراء إنها بمعنى (لمن ما) فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت واحدة ثم ادغمت الاولى في الثانية، كما قال الشاعر: شعر : وانّي لمّا أصدر الامر وجهه اذا هو أعيا بالسبيل مصادره تفسير : ثم تخفف، كما قرأ بعض القراء: {أية : والبغي يعظكم}تفسير : فحذف احدى اليائين ذكره الفراء. والثاني - ما اختاره الزجاج: أن (لمّا) بمعنى (إلا) كقولهم سألتك لما فعلت، ومثله {أية : إن كل نفس لما عليها حافظ}تفسير : لأنه دخله معنى ما كلهم إلا لنوفينّهم. وقال الفراء هذا لا يجوز إلا في التمييز، لأنه لو جاز ذلك لجاز ان تقول جاءني القوم لمّا زيداً بمعنى الاّ زيداً، هذا لا يحوز بلا خلاف. الثالث - اختاره المازني: أنَّها هي المخففة شددت للتأكيد. قال الزجاج: هذا لا يجوز، لانه انما يجوز تخفيف المشددة عند الضرورة، فأما تشديد المخففة، فلا يجوز بحال. الرابع - حكاه الزجاج: إنها من لممت الشيء ألمه لمّاً إذا جمعته إلا أنها بنيت على (فعلى) فلم تصرف نحو (تترى) كأنه قال وإن كلا جميعاً ليوفينهم. الخامس - قراءة الزهري (لما) بالتنوين بمعنى شديداً، كقوله {أية : وتأكلون التراث أكلاً لما}. تفسير : واللام في قوله (لما) يحتمل أن تكون لام القسم دخلت على (ما) التي للتوكيد، ويحتمل أن تكون لام الابتداء دخلت على (ما) بمعنى الذي، كقوله {أية : فانكحوا ما طاب لكم من النساء} تفسير : ومثله {أية : وإن منكم لمن ليبطئن}تفسير : قال الشاعر: شعر : فلو ان قومي لم يكونوا أعزة لبعد لقد لاقيت لا بد مصرعا تفسير : وحكي عن العرب اني لبحمد الله لصالح قال أبو علي من قرأ بتشديد (إن) وتخفيف (لما) فوجهه بين، وهو انه نصب (كلا) بـ (إن) و (إن) تقتضي أن يدخل على خبرها أو اسمها لام، فدخلت هذه اللام وهي لام الابتداء على الخبر في قوله {وإن كلاً لما} وقد دخلت الخبر لام اخرى وهي التي يتلقى بها القسم، وتختص بالدخول على الفعل ويلزمها في اكثر الامر النونين، فلما اجتمعت اللامان واتفقا في تلقى القسم، واتفقا في اللفظ فصل بينهما، كما فصل بين (إن) واللام، فدخلت (ما) لهذا المعنى، وان كانت زائدة للفصل، كما جاءت النون - وإن كانت زائدة - في قوله {أية : فإما ترين من البشر}تفسير : وكما صارت عوضاً من الفعل في قولهم: أما لي، فهذا بين، ويلي هذا الوجه في البيان قول من خفف (ان) ونصب (كلا) وخففت (لما)، كما قال الشاعر: شعر : كأن ثدييه حقان تفسير : وأراد (كأن) المشددة، فخفف، واعمل، لان سيبويه حكى عمن يثق به أنه سمع من العرب من يقول: ان عمراً لمنطلق، قال وأهل المدينة يقرؤن {أية : وإن كلاً لما جميع لدينا محضرون} تفسير : يخفون وينصبون، ووجه النصب بها مع التخفيف ان (ان) مشبهة في نصبها بالفعل، والفعل يعمل محذوفاً كما يعمل غير محذوف في نحو (لم يك زيد منطلقاً، فلا تك منطلقاً) وكذلك {فلا تك في مرية} فاما من خفف (ان) ونصب (كلا) وشدد (لما) فقراءته مشكلة لأن (أن) اذا نصب بها وكانت مخففة كانت بمنزلة الثقيلة و (لما) اذا شددت كانت بمنزلة (إلا) فكذلك قراءة من شدد (لما) وثقل (ان) مشكلة، لانه كما لا يحسن أن تقول: ان زيد إلا منطلقاً فكذلك لا يحسن تثقيل (ان) وتخفيفها ويراد الثقيلة مع تثقيل (لما) فاما قولهم: نشدتك الله لما فعلت، والا فعلت، فقال الخليل: معناه لتفعلن، كما تقول: أقسمت عليه لتفعلن وإنما دخل (إلا ولما) لان المعنى الطلب، فكأنه قال: ما أسألك إلا فعل كذا، فلم يذكر حرف النفي في اللفظ، وإن كان مراداً، وليس في الآية معنى نفي ولا طلب، وضعف ابو علي. الوجه الذي حكيناه من ان اصله (لمن ما) فادغم النون في الميم بعد ما قلبت ميماً. قال: لان الحرف المدغم، إذا كان قبله ساكن نحو (يوم مالك) لم يقوّ الادغام فيه على أن يحرك الساكن الذي قبل الحرف المدغم، فاذا لم يجز ذلك فيه، وكان التغيير أسهل من الحذف، فانه لا يجوز الحذف الذي هو أجدر، في باب التغيير من تحريك الساكن على أنّ في هذه السورة ميمات أجتمعت في الادغام، أكثر مما اجتمعت في (لمن ما) ولم يحذف منها شيء نحو قوله {أية : وعلى أمم ممن معك}تفسير : ولم يحذف شيء منها فبأن لا يحذف - ها هنا - اجدر وحكي عن الكسائي أنه قال لا أعرف وجه التثقيل في (لما) قال ابو علي: ولم يبعد في ذلك، قال أبو علي: ولو خففت مخفف (ان) ورفع (كلا) وثقل (لما) ويكون المعنى ما كل الا ليوفينهم، كما قال {أية : وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا}تفسير : لكان ذلك أبين من النصب في (كل) وتثقيل (لما) و (كل) في الآية معرفة، والمعنى وإن كل المكلفين ليوفينهم ربك أعمالهم أو كل المختلفين على ما تقدم ذكره كما يقولون: مررت بكل قائماً، والتوفية بلوغ المقدار من غير نقصان، والتوفية مساواة المقدار في معناه، لأنه اذا ساواه في جنسه لم يجب به توفية. المعنى أخبر الله تعالى في هذه الآية انه يوفي جميع المكلفين ما يستحقونه على اعمالهم من الثواب والعقاب، لانه عالم بما فعلوه خبير به، لا يخفى عليه شيء من ذلك ومن ليس بعالم لا يمكنه ذلك، لانه يجوز ان يكون قد خفي عليه كثير منه، وهو تعالى لا يخفى عليه خافية.
الجنابذي
تفسير : {وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} قرئ انّ بتشديد النّون وتخفيفها وعلى قراءة التّخفيف قرئ كلاًّ بالنّصب وبالرّفع وعلى كلّ فلمّا بالتّشديد وبالتّخفيف وقرئ لمّاً بالتّنوين فعلى قراءة تشديد النّون فكلاًّ اسم انّ ولمّا بالتّشديد مركّبة من لام الابتداء ومن الجارّة وما الموصولة او ما الموصوفة، ولام ليوفّينّهم موطّئة والجملة صلة ما اوصفته والمعنى لمن الّذين ليوفّينّهم او لمن اشخاص ليوفيّنّهم بتقدير القول، او لمّا نافية والمنفىّ محذوف وليوفّينّهم جملة مستأنفة والمعنى لمّا يوفّ ربّك اعمالهم ليوفّينّهم اعمالهم او لمّا اصله لمّاً بالتّنوين بمعنى جميعاً تأكيداً لكلاّ ابدل النّون الفاً اجراءً للوصل مجرى الوقف، او لمّا فعلى من لمّ بالف التّأنيث بمعنى جميعاً لم ينصرف لمكان الالف وعلى قراءة تشديد انّ وتخفيف لما فلام لما لام خبر انّ ولام ليوفّينّهم موطّئة او بالعكس وما زائدة للفصل بين الّلامين، او لام لما لام خبر انّ وما موصولة او موصوفة اى انّ كلاًّ من المؤمنين والمنكرين للّذين ليوفّينّهم ربّك اعمالهم، وهكذا تقدير الموصوفة، وعلى قراءة تخفيف النّون ونصب كلاًّ وتشديد لمّا فان مخفّفة عاملة على اصلها وكلاًّ اسمها ولمّا على الوجوه السّابقة او ان نافية وكلاّ مفعول فعل محذوف ولمّا استثنائيّة والمعنى ان ارى كلاّ الاّ ليوفّينهم، او ان مخفّفة مهملة وكلاّ مفعول فعل محذوف ولما على الوجوه السّابقة وعلى قراءة تخفيف ان ونصب كلاّ وتخفيف لما فان مخفّفة عاملة مثل كونها مشدّدة عاملة مع لما بالتّخفيف او ان مخفّفة مهملة وارى مقدّرة ولام لمّا موطّئة او لام خبر انّ وما للفصل بين اللاّمين او لام لمّا خبر انّ وما موصولة او موصوفة، او ان نافية وارى مقدّرة ولام لما بمعنى الاّ على قول من يجعل اللاّم بعد ان بمعنى الاّ وما للفصل او ما موصولة او موصوفة، وعلى قراءة ان بالتّخفيف وكلّ بالرّفع ولمّا بالتّشديد فان مخفّفة مهملة وكلّ مبتدأ ولمّا على الوجوه السّابقة، او ان نافية ولمّا استثنائيّة وعلى قراءة ان بالتّخفيف وكلّ بالرّفع ولمّا بالتّخفيف فان مخفّفة مهملة او نافية ولمّا على الوجوه السّابقة، والمقصود تهديد المنكرين فالمعنى وانّ كلاًّ من المنكرين او تهديد المنكرين وترغيب المؤمنين، فالمعنى وان كلاًّ من المؤمنين والكافرين ليوفّينّهم ربّك اعمالهم {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} اى اذا كان الامر هكذا فاستقم وتمكّن والاستقامة من قام من الانحناء او من قام بالامر بمعنى كفاه واليهئة للطّلب او للمبالغة فمعنى استقام طلب القيام من نفسه او القيام بالامر من نفسه وهو ايضاً يفيد المبالغة او بالغ فيه، ومعنى الآية فاستقم استقامة مماثلة لمأموريّتك وموازيةً لها او استقامة مثل الاستقامة الّتى امرت بها. اعلم، انّ الانسان مأمور تكويناً بالسّير من ادنى مراتب الوجود وهو العناصر الاربعة بل مادّة الموادّ الى اعلاها وهو مقام الاطلاق والخروج من التّعيّن والتّقيّد وسيره من مقام الطّبع على مراتب الجماد والحيوان الى مقام البشر وظهور العقل الجزئىّ الّذى هو مناط التّكليف وظهور الاختيار بمحض الامر التّكوينىّ من دون مداخلة اختيار وتكليف، وبعد ظهور العقل وتمييز الخير والشّرّ الانسانيّين لمّا كان قد يعارض اختياره الامر التّكوينىّ ويمنعه عن سيره على المراتب العالية ادركه الرّحمة والعناية الآلهيّة بالاوامر والنّواهى التّكليفيّة على السنة رسله واوصيائهم (ع)، فان ساعده التّوفيق فى امتثال الاوامر والنّواهى وسار بمقتضى فطرته على المراتب العالية من الملكوت والجبروت الى مقام الاطلاق المعبّر عنه بالّلاهوت والمشيّة والحقّ المخلوق به والولاية المطلقة وتمكّن فى ذلك صار منتهياً فى سيره الى ما امر به وصار مستقيماً متمكّناً فى جميع ما امر به تكويناً وتكليفاً، وان لم يساعده التّوفيق وتنزّل الى الملكوت السّفلى وعالم الجنّة والارواح الخبيثة صار مخالفاً للامر التّكوينىّ والتّكليفىّ فضلاً عن ان يكون مستقيماً فيه، فانّ الاستقامة هو التّمكّن فى المأمور به بحيث يصير راسخاً غير محتمل الزّوال بسهولة، والسّالك الى الله عروجه على المقامات وان كان صعباً لكن تمكّنه فيها بحيث لا يزول عنه اصعب من دخوله فيها فانّ الدّخول فى مقام التّوكّل صعب لكن تمكّنه فى التّوكّل بحيث لا يزول عنه فى حال من الاحوال اصعب من دخوله فيه، وهكذا الانسان الملكىّ عروجه الى الملكوت صعب لكن تمكّنه فيها بعد عروجه اليها بحيث لا يشغله شأن من شؤنه عنها اصعب وقد اشار المولوىّ قدّس سرّه الى السّير على تلك المراتب والتّمكّن فيها والانتهاء الى مقام الاطلاق بقوله: شعر : ازجمادى سردم وناسى شدم وز نما مردم بحيوان سر زدم سردم از حيوانى وآدم شدم بس جه ترسم كى زمردن كم شدم حمله ديكر بميرم از بشر تا بر آرم ازملايك بال وير وازملك هم باديم جستن زجو كلّ شيءٍ هالك الاّ وجههُ بار ديكر از ملك يران شوم آنجه اندر وهم نايد آن شوم بس عدم كردم عدم جون ارغنون كويدم انّا اليه راجعون تفسير : فانّه اشار بذكر الموت الى التّمكّن فى المقام الّذى مات منه لانّه لو لم يتمكّن فى ذلك المقام لم يكن حيّاً به بل كان آثار ذلك المقام عرضيّاً لا ذاتيّاً فلم يكن حيوته الّتى هى قوام ذاته به، وما لم يكن حيّاً به لم يتصوّر موته منه واراد بالملك جنس الملائكة ذوى الاجنحة الّتى عالمها الملكوت، والمراد بما لم يدخل فى الوهم المجرّدات الصّرفة الّتى لا يتصوّرها الواهمة لانّ تصوّرها لا يتجاوز عن المتقدّرات وهى وجه الله الباقى بعد هلاك كلّ شيءٍ، وصيرورته عدماً اشارة الى مقام الاطلاق او المراد بصيرورته غير موهوم مقام الاطلاق وصيروته عدماً تأكيداً له، ولمّا كان التّمكّن فى جملة المراتب امراً عظيماً صعباً امره (ص) بالاستقامة فى جميع ما امر به دون المؤمنين لانّه لا يتيسّر لهم التّمكّن فى جميع ما امروا به الاّ من ندر منهم، فانّ تقديم كما امرت على المعطوف للاشارة الى هذه اللّطيفة ولذلك لم يصرّح بامرهم بالاستقامة فيما يتيسّر لهم بل جعل امرهم تابعاً لامره (ص) وقال من غير تصريح بامرهم {وَمَن تَابَ مَعَكَ} كأنّه صار مأموراً باستقامة المؤمنين دون المؤمنين ولهذا ورد عنه (ع): شيّبتنى سورة هود وورد انّه ما نزلت آية كانت اشقّ على رسول الله (ص) من هذه الآية، ووجهه انّه امر فيها باستقامة امّته والاّ فاستقامته بنفسه كانت سهلاً عليه ولم يقل: شيّبتنى سورة الشّورى، لانّ الآية هنالك مطلقة عن ذكر من تاب معه الّذين بايعوا معه البيعة العامّة النّبوية الاسلاميّة فانّ التّوبة جزؤ للبيعة واحد اركانها سواء كانت البيعة اسلاميّة او ايمانيّة ومعك ظرف للتّوبة من حيث انّ النّبىّ (ص) او الولىّ يحصل له رجوع وانسلاخ من الكثرات حين البيعة وتوبة البايع او ظرف للاستقامة او هو حال او المراد بمن تاب عموم المؤمنين بالبيعة الخاصّة خصوصاً امير المؤمنين (ع) او المراد امير المؤمنين خاصّةً {وَلاَ تَطْغَوْاْْ} ولا تخرجوا من الاستقامة فانّه نحو من الطّغيان او لا تتجاوزوا حدود الله وجواز اتّصاف المؤمنين بالطّغيان اشركهم معه (ص) فى النّهى او صرف الخطاب عنه (ص) اليهم {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} تهديد وترغيب للمستقيم والطّاغى.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِنَّ كُلاًّ} يعني الأولين والآخرين { لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. قوله: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} على الإِسلام { وَمَن تَابَ مَعَكَ} يعني المؤمنين الذين تابوا من الشرك. {وَلاَ تَطْغَوْا} فترجعوا عن الإِسلام وتطغوا فيما أحل لكم كما طغى أهل الجاهلية فحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحام والزرع. ولا تقارفوا كبائر ما نهاكم الله عنه فتطغوا. وهو طغيان فوق طغيان. وطغيان دون طغيان؛ بعضه شرك، وبعضه نفاق دون الشرك. { إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. قوله: { وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} والركون إلى الظلمة من وجهين: يقول: لا تلحقوا بالمشركين ولا ترضوا بأعمالهم، وهم ظلم شرك. وكذلك لا تركنوا إلى الذين ظلموا من المنافقين ولا ترضوا بأعمالهم، وهو ظلم فوق ظلم، وظلم دون ظلم. {فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} أي: فتدخلوها، إذا أنتم ركنتم إلى الظالمين من المشركين والمنافقين. { وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ} أي: يمنعونكم من عذاب الله { ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} أي: لا ناصر لكم من الله. قوله: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ الَّيْلِ} يعني الصلوات الخمس: أن تقام على وضوئها وركوعها وسجودها ومواقيتها. وطرفا النهار، في الطرف الأول صلاة الصبح، وفي الطرف الآخر صلاة الظهر والعصر، وزلفا من الليل، يعني صلاة المغرب وصلاة العشاء. وزلف الليل [أدانيه]، يعني أوائله. قال: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} أي: إن الصلوات الخمس يذهبن ما دون الكبائر. ذكر أبو عثمان النهدي قال: كنت مع سلمان الفارسي تحت شجرة فأخذ غصناً منها، فهزّه حتى تساقط ورقه، ثم قال: إني كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة، فأخذ غصناً منها، فهزّه حتى تساقط ورقه، ثم قال: حديث : إن الرجل المسلم إذا توضأ وأحسن وضوءه، ثم صلّى الصلوات الخمس تحاتّت عنه ذنوبُه كما تَحَاتُّ هذا الورقتفسير : ، ثم تلا هذه الآية: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ الَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى للذَّاكِرِينَ}. ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ألا إن الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر تفسير : قوله: {ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} أي: توبة للتائبين. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن كفارتها، فنزلت هذه الأية: {أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ...} إلى قوله: {ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}.
اطفيش
تفسير : {وإنْ كُلاًّ لمَّا ليُوفينَّهم ربُّك أعْمالَهم} إن مخففة من الثقيلة، وكلا اسمها، ففى ذلك كما قال ابن هشام رد على الكوفيين فى منعهم إعمال المخففة، وذلك قراءة نافع، وابن كثير، وأبى بكر، واللام هى الفارقة بين النفى والإثبات، استصحبت مع عدم اللبس بالعمل، وهى لام الابتداء الواقعة فى خبر إن، وما صلة للتأكيد فاصلة بين لامين، واللام الثانية اللام التى تكون فى جواب القسم، ومعناها التوكيد. ويجوز أن تكون اللام الأولى هى المؤذنة بالقسم الموطئة له كالداخلة على إن الشرطية، والثانى لام جواب القسم، وما صلة للتأكيد فاصلة لأحدهما عن الأخرى وزعم بعضهم أن يجوز كون الأولى لام جواب القسم، والثانية لام الموطئة، وهو ضعيف، والقسم محذوف يقدر بعد لما على أن لامه لام الفرق، وقبله على غير ذلك، والقسم جوابه مقبول مقول مقدر مخبر به، أى وإن كل مختلفين المؤمنين والكافرين لمقول فنهم: والله ليوفينهم ربك أعمالهم، من حسن وقبح، وإيمان وجود، وقرأ غير الثالثة بتشديد النون على الأصل، لكن ابن عامر، وحمزة، وعاصم يشددون الميم أيضا هنا، وفى {أية : لمَّا جميع} تفسير : فى يونس، وفى {أية : لما عليها حافظ} تفسير : فى سورة الطارق، وخففها الباقون. ووجه التشديد أن الأصل لمن ما أبدلت النون فى ما وأدغمت فخفف فحذف الميم الأولى المكسورة، وما واقعة على العقلاء، أى لمن الذين يقال فيهم: والله ليوفينهم ربك أعمالهم، واللام الأولى على هذه هذه القراءة هى لام الابتداء التى تقع فى خبر إن، والثانية فى جواب القسم، وقرأ أبى: وإن كل لما، بتخفيف النون والإهمال، وتشديد الميم على أن إن نافية، ولما بمعنى إلا ويدل قراءة ابن مسعود، وإن كل إلا بالتخفيف، وقرأ الزهرى، وسليمان بن أرقم، وان كلا بالتشديد والنصب، لما بالتشديد والتنوين، وهو مصدر بمعنى اسم مفعول حال من محذوف، أى مقول فيهم لما أى مجموعين والله ليوفينهم لا توكيد كما قيل، إذ لا ضمير فيه، عائد إليهم كما فى قولك: كلهم، ولا هو مجموع كقولك أجمعين. {إنَّه بما يعْمَلون خَبيرٌ} عالم بباطن الأمر كظاهره فيجازيهم تهديد.
اطفيش
تفسير : {وَإِنَّ كُلاًّ} كل فرد من أَفراد كل فريق من الفريقين المؤْمنين والكافرين أَو إِن كل فريق من الفريقين وإن مخففة بقيت على عمل المشددة، وقال مقاتل: المراد كفار مكة {لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} اللام الأُولى للتأْكيد فى خبر إِن المخففة كما تكون فى خبر المشددة لا فارقة بين النافية والمخففة لأَن النصب بها فارق لأَن النافية لا تنصب الاسم، وما صلة فاصلة بين اللامين لكراهة تواليهما والثانية للتأْكيد فى جواب القسم والقسم وجوابه خبر لأَن المخففة أو مفعول لقول محذوف مخبر به عن أَن أَى لمقول فيهم والله لنوفينهم إِلخ، أَو صلة ما أَو صفتها واقعة على القولين بتقدير القول أى للذين يقال فيهم والله ليوفينهم أَو قوم مقول فيهم والله ليوفينهم أَو اللام عند زيادة ما فى جواب القسم كررت تأْكيدا كذا قيل وفيه أَنه لا يكرر الحرف الذى ليس حرف جواب إِلا مع مدخوله إِلا نادرا أَو ضرورة، والقرآن لا يحمل على ذلك، وتوفية الأعمال إِحضار الثواب للمؤمنين على طاعتهم والعقاب للكافرين على معاصيهم فذلك تبشير وإِنذار فى لفظ واحد، وسمى المسبب أَو اللازم وهو الجزاءُ باسم السبب أَو الملزوم وهو العمل أَو يقدر مضاف أَى جزاءُ أَعمالهم {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} عليم بما جل أَو دق، ما فى القلب وما فى غيره.
الالوسي
تفسير : {وَإِنَّ كُـلاًّ} التنوين عوض عن المضاف إليه كما هو المعروف في تنوين كل عند قوم من النحاة، وقيل: إنه تنوين تمكين لكنه لا يمنع تقدير المضاف إليه أيضاً أي وإن كل المختلفين المؤمنين والكافرين. وقال مقاتل: يعني به كفار هذه الأمة {لَّمَّا لَيُوَفّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَـٰلَهُمْ} أي أجزية أعمالهم، ولام {لَيُوَفّيَنَّهُمْ} واقعة في جواب القسم أي والله ليوفينهم، و {لَّمّاً} بالتشديد وهو مع تشديد أن قراءة ابن عامر وحمزة وحفص وأبـي جعفر وتخريج الآية على هذه القراءة مشكل حتى قال المبرد: إنها لحن وهو من الجسارة بمكان لتواتر القراءة وليته قال: ما أدري ما وجه هذه القراءة. واختلفوا في تخريجها فقال أبو عبيدة: إن أصل {لَّمّاً} هذه لما منوناً، وقد قرىء كذلك ثم بنى على فعلى وهو مأخوذ من لممته إذا جمعته، ولا يقال: إنها {لَّمّاً} المنونة وقف عليها بالألف، وأجري الوصل مجرى الوقف لأن ذلك على ما قال أبو حيان: إنما يكون في الشعر واستبعد هذا التخريج بأنه لا يعرف بناء فعلى من لمّ، وبأنه يلزم لمن أمال فعلى أن يميلها ولم يملها أحد بالإجماع وبأنه كان القياس أن تكتب بالياء ولم تكتب بها، وسيعلم إعراب الآية على هذا مما سيأتي إن شاى الله تعالى. وقيل: {لَّمّاً} المخففة وشددت في الوقف ثم أجري الوصل مجرى الوقف وحينئد فالإعراب ما ستعرفه أيضاً إن شاء الله تعالى وهو بعيد جداً، وقيل: إنها بمعنى إلا، وإلا تقع زائدة كما في قوله: شعر : حلفت يميناً غير ذي مثنوية يمين امرىء إلا بها غير آثم تفسير : فلا يبعد أن {لَّمّاً} التي بمعناها زائدة وهو وجه ضعيف مبني على وجه ضعيف في إلا، وعن المازني أن (إن) المشددة هن نافية، و {لَّمّاً} بمعنى إلا غير زائدة وهو باطل لأنه لم يعهد تثقيل (إن) النافية، ولنصب ـ كل ـ والنافية لا تنصب. وقال الحوفي: {إن} على ظاهرها و {لَّمّاً} بمعنى إلا كما في قولك: نشدتك بالله إلا فعلت، وضعفه أبو علي بأن {لَّمّاً} هذه لا تفارق القسم قبلها وليس كما ذكر فقد تفارق؛ وإنما يضعف ذلك بل يبطله كما قال أبو حيان: إن الموضع ليس موضع دخول إلا ألا ترى أنك لو قلت: إن زيداً إلا ضربت لم يكن تركيباً عربياً؛ وقيل: إن {لَّمّاً} هذه أصلها لمن ما فهي مركبة من اللام ومن الموصولة أو الموصوفة وما الزائدة فقلبت النون ميماً للادغام فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الوسطى منها ثم أدغم المثلان، وإلى هذا ذهب المهدوي. وقال الفراء وتبعه جماعة منهم نصر الشيرازي: إن أصلها لمن ما بمن الجارة وما الموصولة أو الموصوفة وهي على الاحتمالين واقعة على من يعقل فعمل بذلك نحو ما عمل على الوجه الذي قبله، وقد جاء هذا الأصل في قوله: شعر : وانا لمن ما تضرب الكبش ضربة على رأسه تلقى اللسان من الفم تفسير : واللام على هذين الوجهين قيل: موطئة للقسم، ونقل عن الفارسي ـ وهو مخالف لما اشتهر عن النحاة ـ من أن الموطئة هي الداخلة على شرط مقدم على جواب قسم تقدم لفطاً أو تقديراً لتؤذن بأن الجواب له نحو والله لئن أكرمتني لأكرمتك وليس ما دخلت عليه جواب القسم بل ما يأتي بعدها وكان مذهبه كمذهب الأخفش أنه لا يجب دخولها على الشرط، وإنما هي ما دلت على أن ما بعدها صالح لأن يكون جواباً للقسم مطلقاً. وقيل: إنها اللام الداخلة في خبر (إن)، ومن موصولاً أو موصوفاً على الوجه الأول من الوجهين هو الخبر والقسم وجوابه صلة أو صفة، والمعنى وإن كلا للذين أو الخلق والله ليوفينهم ربك، ومن ومجرورها على الوجه الثاني / في موضع الخبر لإن والجملة القسمية وجوابها صلة أو صفة أيضاً لكن لما، والمعنى وإن كلا لمن الذين أو لمن خلق والله ليوفينهم ربك، قال في «البحر»: وهذان الوجهان ضعيفان جداً ولم يعهد حذف نون من وكذا حذف نون من الجارة إلا في الشعر إذا لقيت لام التعريف أو شبهها غير المدغمة نحو قولهم: ملمال يريدون من المال. وفي «تفسير القاضي» وغيره إن الأصل لمن ما بمن الجارة قلبت النون ميماً فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت أولاهن، وفيه أيضاً ما فيه ففي «المغني» إن حذف هذه الميم استثقالاً لم يثبت انتهى، وقال الدماميني: كيف يستقيم تعليل الحدف بالاستثقال وقد اجتمعت في قوله تعالى: {أية : عَلَىٰ أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ }تفسير : [هود: 48] ثماني ميمات انتهى، وأنشد الفراء على ما ذهب إليه قول الشاعر: شعر : وإني لما أصدر الأمر وجهه إذا هو أعيا بالسبيل مصادره تفسير : وزعم بعضهم أن (لما) بمعنى حين وف الكلام حدف أي لما عملوا ما عملوا أو نحو ذلك والحذف في الكلام كثير نحو قوله: شعر : إذا قلت: سيروا إن ليلى لعلها جرى دون ليلى مائل القرن أعضب تفسير : أراد لعلها تلقاني أو تصلني أو نحو ذلك وهو كما ترى، وقال أبو حيان بعد أن ذكر أن هذه التخريجات مما تنزه ساحة التنزيل عن مثلها: كنت قد ظهر لي وجه جار على قواعد العربية عار من التكلف وهو أن {لَّمّاً} هذه هي الجازمة حذف فعلها المجزوم لدلالة المعنى عليه كما حذفوه في قولهم: قاربت المدينة ولما يريدون ولما أدخلها، والتقدير هنا وإن كلا لما ينقص من جزاء عمله ويدل عليه ليوفينهم ربك أعمالهم، وكنت أعتقد أني ما سبقت إلى ذلك حتى تحققت أن ابن الحاجب وفق لذلك فرأيت في كتاب «التحرير» نقلاً عنه أنه قال: {لَّمّاً} هذه هي الجازمة حدف فعلها للدلالة عليه، وقد ثبت الحذف في قولهم: خرجت ولما وسافرت ولما ونحوه وهو سائغ فصيح فيكون التقدير ولما يتركوا أو لما يهملوا ويدل عليه تفصيل المجموعين ومجازاتهم، ثم قال: وما أعرف وجهاً أشبه من هذا وإن كانت النفوس تستبعده من جهة أن مثله لم يقع في القرآن انتهى، ولا يخفى عليك أن الأولى أن يقدر لما يوفوا أعمالهم أي إلى الآن لم يوفوها وسيوفونها، وإلى ذلك ذهب ابن هشام لما يلزم على التقديرات السابقة على ما هو المشهور في معنى لما أنهم سينقصون من جزاء أعمالهم وأنهم سيتركون ويهملون، وذلك بمعزل عن أن يراد وهو ظاهر، وهذا وجه النظر الذي عناه ابن هشام في قوله معترضاً على ابن الحاجب: وفي هذا التقدير نظر. قال الجلبـي: وجهه أن الدال على المحذوف سابق عليه بكثير من أن ذلك المحذوف ليس من لفظ هذا الذي قيل: إنه دال عليه وليس بذاك، ثم المرجح عند كثير من المفسرين ما ذهب إليه الفراء. وقرأ نافع وابن كثير (إن) و (لما) بالتخفيف وخرجت هذه القراءة على أن (إن) عاملة وإن خففت اعتباراً للأصل في لعمل وهو شبه الفعل ولا يضر زوال الشبه اللفظي، وإلى ذلك ذهب البصريون، وذكر أبو حيان أن مذهبهم جواز أعمالها إذا خففت لكن على قلة إلا مع المضمر فلا يجوز إلا إن ورد في شعر، ونقل عن سيبويه منهم أنه قال: أخبرني الثقة أنه سمع يعض العرب يقول: إن عمراً لمنطلق. وزعم بعض من النحويين أن المكسورة إذا خففت لا تعمل، وتأول الآية بجعل {كَلاَّ} منصوباً بفعل مقدر أي إن أرى كلا مثلا وليس بشيء، وجعل هذا في «البحر» مذهب الكوفيين، وفي «الارتشاف» إن الكوفيين / لا يجوزون تخفيف المسكورة لا مهملة ولا معملة، وذكر بعضهم مثله وأن ما يعدّها البصريون مخففة يعدها الكوفيون نافية، واستثنى منهم الكسائي فإنه وافق البصريين ومذهبهم في ذلك هو الحق، و {كَلاَّ} اسمها واللام هي الداخلة على خبر إن وما موصولة خبر إن، والجملة القسمية وجوابها صلة، وإلى هذا ذهب الفراء، واختار الطبري في اللام مذهبه، وفي {مَا} كونها نكرة موصوفة، والجملة صفتها أي وإن كلا لخلق أو لفريق موفى عمله، واختار أبو علي في اللام ما اختاراه؛ وجعل الجملة القسمية خبراً وما مزيدة بين اللامين وقد عهدت زيادتها في غير ما موضع. وقرأ أبو بكر عن عاصم بتخفيف (إن) وتشديد (لما) وقرأ الكسائي وأبو عمرو بعكس ذلك وتخريج القراءتين لا يخفى على من أحاط خبراً بما ذكر في تخريج القراءتين قبل. وقرأ أبـي والحسن بخلاف عنه وأبان بن تغلب، و(إن) بالتخفيف (كل) بالرفع (لما) بالتشديد، وخرجت على أن إن نافية وكل مبتدأ والجملة القسمية وجوابها خبره، و {لَّمّاً} بمعنى إلا أي ما كل إلا أقسم والله ليوفينهم، وأنكر أبو عبيدة مجيء {لَّمّاً} بمعنى إلا في كلام العرب، وقال الفراء: إن جعلها هنا بمعنى الأوجه لا نعرفه، وقد قالت العرب مع اليمين بالله: لما قمت عنا وإلا قمت عنا، وأما في غير ذلك فلم نسمع مجيئها بمعنى إلا لا في نثر ولا في شعر؛ ويلزم القائل أن يجوز قام الناس لما زيداً على معنى إلا زيداً ولا التفات إلى إنكارهما، والقراءة المتواترة في {أية : وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ}تفسير : [يس: 32]{أية : إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}تفسير : [الطارق: 4] تثبت ما أنكراه. وقد نص الخليل وسيبويه والكسائي على مجيء ذلك، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وكون العرب خصصت مجيئها كذلك ببعض التراكيب لا يضر شيئاً فكم من شيء خص بتركيب دون ما أشبه. وقرأ الزهري وسليمان بن أرقم {وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا} بتشديد الميم والتنوين ولم يتعرضوا في النقل عنهما لتشديد (إن) ولا لتخفيفها، وهي في هذه القراءة مصدر من قولهم: لممت الشيء إذا جمعته كما مر ونصبها على الحالية من ضمير المفعول في {لَيُوَفّيَنَّهُمْ} عند أبـي البقاء وضعفه. وقال أبو علي: إنها صفة لكل ويقدر مضافاً إلى نكرة ليصح وصفه بالنكرة، وكان المصدر حينئذ بمعنى اسم المفعول، وذكر الزمخشري في معنى الآية على هذه القراءة أنه وإن كلا ملمومين بمعنى مجموعين كأنه قيل: وآن كلا جميعاً كقوله تعالى: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ}تفسير : [الحجر: 30] وجعل ذلك الطيبـي منه ميلا إلى القول بالتأكيد. وقال ابن جنى: إنها منصوبة ـ بليوفينهم ـ على حد قولهم: قياماً لا أقومن، والتقدير توفية جامعة لأعمالهم وخبر {إِنَّ فِي ذَلِكَ} جملة القيم وجوابه، وروى أبو حاتم أن في مصحف أبـي (وإن من كل إلا ليوفينهم) وخرج على أن إن نافية ومن زائدة. وقرأ الأعمش نحو ذلك إلا أنه أسقط من هو حرف ابن مسعود رضي الله تعالى عنه والوجه ظاهر. قيل: وقد تضمنت هذه الجملة عدة مؤكدات من (إن) واللام وما إذا كانت زائدة والقسم ونون التأكيد وذلك للمبالغة في وعد الطائعين ووعيد العاصين. {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي أنه سبحانه بما يعمله كل فرد من المختلفين من الخير والشر عليم على أتم وجه بحيث لا يخفى عليه شيء من جلائله ودقائقه، والجملة قيل: توكيد للوعد والوعيد فانه سبحانه لما كان عالماً بجميع المعلومات كان عالماً بمقادير الطاعات والمعاصي وما يقتضيه كل فرد منها من الجزاء بمقتضى الحكمة وحينئد تتأتى توفية كل ذي حق حقه إن خيراً فخير وإن شراً فشر. / وقرأ ابن هرمز {تَعْلَمُونَ} على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.
ابن عاشور
تفسير : تذييل للأخبار السابقة. والواو اعتراضية. و(إنْ) مخفّفة من {إنّ} الثّقيلة في قراءة نافع، وابن كثير، وأبي بكر عن عاص، وأعملت في اسمها فانتصب بعدها. و(إنْ) المخففة إذا وقعت بعدها جملة اسمية يكثر إعمالها ويكثر إهمالها قاله الخليل وسيبويه ونحاة البصرة وهو الحق. وقرأ الباقون (إنّ) مشدّدة على الأصل. وبتنوين {كُلاّ} عوض عن المضاف إليه. والتقدير: وإنّ كلّهم، أي كلّ المذكورين آنفاً من أهل القرى، ومن المشركين المعرّض بهم، ومن المختلفين في الكتاب من أتباع موسى ـ عليه السّلام ـ. و(لَما) مخفّفة في قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، والكسائي، فاللاّم الدّاخلة على (مَا) لام الابتداء التي تدخل على خبر {إنّ}. واللاّم الثّانية الدّاخلة على {ليوفينّهم} لام جواب القسم. و(مَا) مزيدة للتأكيد. والفصل بين اللاّمين دفعاً لكراهة توالي مثلين. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وعاصم، وأبو جعفر، وخلَف ـ بتشديد الميم ـ من (لَمّا). فعند مَن قرأ (إنْ) مخفّفة وشدّد الميم وهو أبو بكر عن عاصم تكون (إن) مخفّفة من الثقيلة، وأمّا مَن شدّد النون (إنّ) وشدّد الميم من (لمّا) وهم ابن عامر، وحمزة، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر، وخلف فتوجيه قراءتهم وقراءة أبي بكر ما قاله القراء: إنّها بمعنى (لَمِنْ مَا) فحذف إحدى الميمات الثلاث، يريد أنّ (لَمّا) ليست كلمة واحدة وإن كانت في صُورتها كصورة حرف (لَمّا) في رسم المصحف (لأنّه اتّبع فيه صورة النطق بها) وإنّما هي مركّبة من لاَم الابتداء و(مِنْ) الجارة التي تستعمل في معنى كثرة تكرّر الفعل كالتي في قول أبي حَية النمري: شعر : وإنّا لَمِمّا نَضرب الكبش ضربة على رأسه تُلقِي اللسانَ من الفم تفسير : أي نكثر ضرب الكبش، أي أمير جيش العدوّ على رأسه. وقول ابن عبّاس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلاقي من الوحي شدّة، وكان ممّا يحرّك لسانه حين يُنزل عليه القرآن، فقال الله تعالى: {أية : لا تحرّك به لسانك لتعجل به}تفسير : [القيامة: 16] الآية. فأصل هذه الكلمات في الآية على هذه القراءات: وإنّ كُلا لَمِنْ مَا ليُوفينهم، فلمّا قلبت نون (من) ميماً لإدغامها في ميم (مَا) اجتمع ثلاث ميمات فحذفت الميم الأولى تخفيفاً وهي ميم (مِن) لوجود دليل عليها وهو الميم الثانية لأنّ أصل الميم الثّانية نون (مِن) فصار (لَمّا). ولام {ليوفينّهم} لام قسم. ومعنى الكثرة في هذه الآية الكناية عن عدم إفلات فريق من المختلفين في الكتاب من إلحاق الجزاء عن عمله به. والمعنى: وإنّ جميعهم لَلاَقُون جزاء أعمالهم لا يفلت منهم أحد، وإن توفية الله إياهم أعمالهم حقّقه الله ولم يسامح فيه. فهذا التخريج هو أولى الوجوه التي خرجت عليها هذه القراءة وهو مروي عن الفراء وتبعه المهدوي ونصر الشيرازي النّحوي ومشى عليه البيضاوي. وقد أنهاها أبو شامة في «شرح منظومَة الشّاطبي» إلى ستّة وجوه وأنهاها غيره إلى ثمانية وجوه. وفي تفسير الفخر: سمعت بعض الأفاضل قال: إنّ الله تعالى لمّا أخبر عن توفية الأجزية على المستحقّين في هذه الآية ذكر فيها سبعة أنواع من التّوكيدات، أوّلها: كلمة (إنْ) وهي للتأكيد، وثانيها (كلّ) وهي أيضاً للتّأكيد، وثالثها اللاّم الدّاخلة على خبر (إنّ)، ورابعها حرف (ما) إذا جعلناه موصولاً على قول الفراء، وخامسها القسم المضمر، وسادسها اللاّم الدّاخلة على جواب القسم، وسابعها النون المؤكدة في قوله: {ليوفينهم}. وتوفية أعمالهم بمعنى توفية جزاء الأعمال، أي إعطاء الجزاء وافياً من الخير على عمل الخير ومن السوء على عمل السوء. وجملة {إنّه بما يعملون خبير} استئناف وتعليل للتّوفية لأنّ إحاطة العلم بأعمالهم مع آرادة جزائهم توجب أن يكون الجزاء مطابقاً للعمل تمام المطابقة. وذلك محقق التوفية.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَعْمَالَهُمْ} (111) - وَإِنَّ أُولَئِكَ المُخْتَلِفِينَ، الذِينَ سَرَدْنَا عَلَيْكَ قَصَصَهُمْ، لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ جَزَاءَ أَعْمَالِهِمْ، فَهُوَ خَبِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ، وَلاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ مِنْ أَعْمَالِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن: فالحق سبحانه قد أخذ قوم الرسل السابقين على موسى بالعذاب، أما في بدء رسالة موسى عليه السلام فقد تم تأجيل العذاب ليوم القيامة. ويبيِّن الحق سبحانه: لا تعتقدوا أن تأجيل العذاب ليوم القيامة يعني الإفلات من العذاب، بل كل واحد سيوفَّى جزاء عمله؛ بالثواب لمن أطاع، وبالعقاب لمن عصا، فأمر الله سبحانه آت - لا محالة - وتوفية الجزاء إنما تكون على قدر الأعمال، كفراً أو إيماناً، صلاحاً أو فساداً، وميعاد ذلك هو يوم القيامة. وهنا وقفة في أسلوب النص القرآني، حتى يستوعب الذين لا يفهمون اللغة العربية كمَلَكة، كما فهمها العرب الأقدمون. ونحن نعلم أن العربي القديم لم يجلس إلى معلم، لكنه فهم اللغة ونطق بها صحيحة؛ لأنه من أمة مفطورة على الأداء البياني الدقيق، الرقيق، الرائع. فاللغة - كما نعلم - ليست جنساً، وليست دماً، بل هي ظاهرة اجتماعية، فالمجتمع الذي ينشأ فيه الطفل هو الذي يحدد لغته، فالطفل الذي ينشأ في مجتمع يتحدث العربية، سوف ينطق بالعربية، والطفل الذي يوجد في مجتمع يتحدث اللغة الإنجليزية، سينطق بالإنجليزية؛ لأن اللغة هي ما ينطق به اللسان حسبما تسمع الأذن. وكانت غالبية البيئة العربية في الزمن القديم بيئة منعزلة، وكان من ينشأ فيها إنما يتكلم اللغة السليمة. أما العربي الذي عاش في حاضرة مثل مكة، ومكة - بما لها من مكانة - كانت تستقبل أغراباً كثيرين؛ ولذلك كان أهل مكة يأخذون الوليد فيها لينقلوه إلى البادية؛ حتى لا يسمع إلا اللغة العربية الفصيحة، وحتى لا يحتاج إلى من يضبط لسانه على لغة العرب الصافية. ولنقرِّبْ هذا الأمر، ولننظر إلى أن هناك في حياتنا الآن لغتين: لغة نتعلمها في المنازل والشوارع ونتخاطب بها، وتسمى "اللغة العامية"، ولغة أخرى نتعلمها في المدارس، وهي اللغة المصقولة المميزة بالفصاحة والضبط. وكان أهل مكة يرسلون أبناءهم إلى البادية لتلتقط الأذن الفصاحة، وكانت اللغة الفصيحة هي "العامية" في البادية، ولم يكن الطفل في البادية يحتاج إلى معلم ليتعلمها؛ لأن أذنه لا تسمع إلا الفصاحة. وكانت هذه هي اللغة التي يتفوق فيه إنسان ذلك الزمان كملكة، وهي تختلف عن اللغة التي نكتسبها الآن، ونصقلها في مدارسنا، وهي لغة تكاد تكون مصنوعة، فما بالنا بالذين لم يتعلموا العربية من قبل من المستشرقين، ويتعلمون اللغة على كِبَر. وهؤلاء لم يمتلكوا صفاء اللغة، لذلك حاولوا أن يطعنوا في القرآن، وادعى بعض أغبيائهم أن في القرآن لحناً، قالوا ذلك وهم الذين تعلموا اللغة المصنوعة، رغم أن من استقبلوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أهل الفصاحة، لم يجدوا في القرآن لحناً، ولو أنهم أخذوا لحناً على القرآن في زمن نزوله؛ لأعلنوا هذا اللحن؛ لأن القرآن نزل باللغة الفصيحة على أمة فصيحة، بليغة صناعتها الكلام. ولأمرٍ ما أبقى الله سبحانه صناديد قريش وصناديد العرب على كفرهم لفترة، ولو أن أحداً منهم اكتشف لحناً في القرآن لأعلنه. وذلك حتى لا يقولن أحد أنهم قد آمنوا فستروا على القرآن عيوباً فيه. ولو كان عند أحدهم مَهْمَزٌ لما منعه كفره أن يبين ذلك، فهل يمكن لهؤلاء المستشرقين الذين عاشوا في القرن العشرين أن يجدوا لحناً في القرآن، وهم لم يمتلكوا ناصية اللغة ملكة، بل تعلموها صناعة، والصنعة عديمة الإحساس الذوقي. ومثال ذلك: عدم فهم هؤلاء لأسرار اللغة في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، فالحق سبحانه يقول: {وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [هود: 111]. أي: أن كل واحد من الذين صدَّقوا أو من الذين كذَّبوا، له توفية في الجزاء، للطائع الثواب؛ وللعاصي العقوبة. وكلمة "إنَّ" - كما نعلم - هي في اللغة "حرف توكيد" في مقابلة مَنْ ينكر ما يجيء بعدها. والإنكار - كما نعلم - مراحل، فإذا أردت أن تخبر واحداً بخبر لا يعلمه، فأنت تقول له مثلاً: "زارني فلان بالأمس". وهكذا يصادف الخبر ذهن المستمع الخالي، فإن قال لك: "لكن فلاناً كان بالأمس في مكان آخر"، فأنت تقول له: "إن فلاناً زارني بالأمس". وحين يرد عليك السامع: "لكنني قابلت فلاناً الذي تتحدث عنه أمس في المكان الفلاني". وهنا قد تؤكد قولك: "والله لقد زارني فلان بالأمس". إذن: فأنت تأتي بالتوكيد على حَسْب درجة الإنكار. وحين يؤجل الحق سبحانه العذاب لبعض الناس في الدنيا، قد يقول غافل: لعل الله لم يعد يعذِّب أحداً. ولذلك بيَّن الحق سبحانه مؤكداً أن الحساب قادم، لكل من الطائع والمصدِّق، والعاصي المكذِّب، فقال سبحانه: {وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ..} [هود: 111]. والذين لم تستقم لهم اللغة كملكة، كالمستشرقين، وأخذوها صناعة، توقفوا عند هذه الآية وقالوا: لماذا جاء بالتنوين في كلمة "كلاً"؟ وهم لم يعرفوا أن التنوين يغني عن جملة، فساعة تسمع أو تقرأ التنوين، فاعلم أنه عِوَضٌ عن جملة، مثل قول الحق سبحانه: {أية : فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ}تفسير : [الواقعة: 83-84]. و"كلاً" في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها توجز أن كلاً من الطائع المؤمن، والعاصي الكافر، سوف يلقى جزاءه ثواباً أو عقاباً. أما قوله سبحانه: {لَّمَّا} في نفس الآية، فنحن نعلم أن "لما" تستعمل في اللغة بمعنى "الحين" و"الزمان" مثل قول الحق سبحانه: {أية : وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ..}تفسير : [الأعراف: 143]. ومثل قوله سبحانه: {أية : وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ..}تفسير : [يوسف: 94]. أي حين فصلت العير وخرجت من مصر قال أبوهم: {أية : إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ..}تفسير : [يوسف: 94]. و"لما" تأتي أيضاً للنفي مثل قوله سبحانه: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ..}تفسير : [الحجرات: 14]. أي: أن الإيمان لم يدخل قلوبهم بعد، وتحمل كلمة "لما" الإذن بأن الإيمان سوف يدخل قلوبهم بعد ذلك. وحين تستخدم كلمة "لما" في النفي تكون "حرفاً" مثلها مثل كلمة "لم"، ولكنها تختلف عن "لم" لأن "لم" تجزم الفعل المضارع، ولا يتصل نفيها بساعة الكلام، بل بما مضى، وقد يتغير الموقف. أما "لما" فيتصل نفيها إلى وقت الكلام، وفيها إيذان بأن يحدث ما تنفيه. وهكذا نفهم أن قول الحق سبحانه: {وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [هود: 111]. أي: أن كلاً من الطائع والعاصي سيوفَّى حسابه وجزاؤه ثواباً أو عقاباً، حين يأتي أجل التوفية، وهو يوم القيامة. وقد جاءت "لما" لتخدم فكرة العقوبة التي كانت تأتي في الدنيا، وشاء الله سبحانه أن يؤجل العقوبة للكافرين إلى الآخرة، وأنسب حرف للتعبير عن ذلك هو "لما". وحين تقرأ {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} تجد اللام، وهي لام القسم بأن الحق سبحانه سيوفيهم حسابهم إن ثواباً أو عقاباً. والله سبحانه بما يفعل العباد خبير، هو سبحانه يعلم أفعال العبد قبل أن تقع، ولكنها حين تقع لا يمكن أن تُنسَى أو تذهب أدراج الرياح؛ لأن من يعلمها هو "الخبير" صاحب العلم الدقيق، والخبير يختلف عن العالِم الذي قد يعلم الإجماليات، لكن الخبير هو المدرَّب على التخصص. ولذلك غالباً ما تأتي كلمتا "اللطيف والخبير" معاً؛ لأن الخبير هو من يعلم مواقع الأشياء، واللطيف هو من يعرف الوصول إلى مواقع تلك الأشياء. ومثال هذا: أنك قد تعرف مكان اختباء رجل في جبل مثلاً، هذه المعرفة وهذه الخبرة لا تكفيان للوصول والنفاذ إلى مكانه، بل إن هذا يحتاج إلى ما هو أكثر، وهو الدقة واللطف. والحق سبحانه جاء بهذا الحديث عن موسى عليه السلام ليسلِّي رسوله صلى الله عليه وسلم، لأن بعضاً من الكافرين برسالة محمد عليه الصلاة والسلام قالوا: ما دام الله يأتي بالعذاب ليبيد من يكفرون برسله، فلماذا لا يأتي لنا العذاب؟ ولهذا جاء ما يخبر هؤلاء بأن الحق سبحانه سيوقع العقوبة على الكافرين، لا محالة، فإياك أن يخادعوك - يا رسول الله - في شيء، أو يساوموك على شيء، مثلما قالوا: نعبد إلهك سنة، وتعبد آلهتنا سنة. وقد سبق أن قطع الحق سبحانه هذا الأمر بأن أنزل: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ}تفسير : [الكافرون: 1-4]. وهذا هو قطع العلاقات التام في تلك المسألة التي لا تقبل المساومة، وهي العبادة. ونحن نعلم أن العبادة أمر قلبي، لا يمكن المساومة فيه، وقطع العلاقات في مثل هذا الأمر أمر واجب؛ لأنه لا يمكن التفاوض حوله؛ فهي ليست علاقات ظرف سياسي، ولكنه أمر ربَّاني، يحكمه الحق سبحانه وحده. وقول الحق سبحانه: {أية : لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ}تفسير : [الكافرون: 2-4]. هذا القول الكريم يشعر من يسمعه ويقرؤه أنهم سيظلون على عبادة غير الله، وأن محمداً سيظل على عبادة الله، وأن كلمة "الله" ستعلو؛ لأن الحق سبحانه يأتي بعد سورة "الكافرين" بقوله تعالى: {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}تفسير : [النصر: 1-3]. وهنا يقول الحق سبحانه: {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):