١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
110
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى إصرار كفار مكة على إنكار التوحيد، بين أيضاً إصرارهم على إنكار نبوته عليه السلام وتكذيبهم بكتابه، وبين تعالى أن هؤلاء الكفار كانوا على هذه السيرة الفاسدة مع كل الأنبياء عليهم السلام وضرب لذلك مثلاً؛ وهو أنه لما أنزل التوراة على موسى عليه السلام اختلفوا فيه فقبله بعضهم وأنكره آخرون، وذلك يدل على أن عادة الخلق هكذا. ثم قال تعالى: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } وفيه وجوه: الأول: أن المراد: ولولا ما تقدم من حكم الله تعالى بتأخير عذاب هذه الأمة إلى يوم القيامة لكان الذي يستحقه هؤلاء الكفار عند عظيم كفرهم إنزال عذاب الاستئصال عليهم لكن المتقدم من قضائه أخر ذلك عنهم في دنياهم. الثاني: لولا كلمة سبقت من ربك وهي أن الله تعالى إنما يحكم بين المختلفين يوم القيامة وإلا لكان من الواجب تمييز المحق عن المبطل في دار الدنيا. الثالث: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ } وهي أن رحمته سبقت غضبه وأن إحسانه راجح على قهره وإلا لقضى بينهم ولما قرر تعالى هذا المعنى قال: {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكّ مّنْهُ مُرِيبٍ } يعني أن كفار قومك لفي شك من هذا القرآن مريب. ثم قال تعالى: {وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: المعنى أن من عجلت عقوبته ومن أخرت ومن صدق الرسل ومن كذب فحالهم سواء في أنه تعالى يوفيهم جزاء أعمالهم في الآخرة، فجمعت الآية الوعد والوعيد فإن توفية جزاء الطاعات وعد عظيم وتوفية جزاء المعاصي وعيد عظيم، وقوله تعالى: {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } توكيد الوعد والوعيد، فإنه لما كان عالماً بجميع المعلومات كان عالماً بمقادير الطاعات والمعاصي فكان عالماً بالقدر اللائق بكل عمل من الجزاء، فحينئذ لا يضيع شيء من الحقوق والأجزية وذلك نهاية البيان. المسألة الثانية: قرأ أبو عمرو والكسائي وإن مشددة النون {لَّمّاً } خفيفة قال أبو علي: اللام في {لَّمّاً } هي التي تقتضيه إن وذلك لأن حرف إن يقتضي أن يدخل على خبرها أو اسمها لام كقوله: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [النحل: 18] وقوله: { أية : إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } تفسير : [الحجر: 77] واللام الثانية هي التي تجيء بعد القسم كقولك والله لتفعلن ولما اجتمع لامان دخلت ما لتفصل بينهما فكلمة ما على هذا التقدير زائدة، وقال الفراء: ما موصولة بمعنى من وبقية التقرير كما تقدم ومثله: { أية : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ } تفسير : [النساء: 72]. والقراءة الثانية: في هذه الآية قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر عن عاصم {وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا } مخففتان والسبب فيه أنهم أعملوا إن مخففة كما تعمل مشددة لأن كلمة إن تشبه الفعل فكما يجوز أعمال الفعل تاماً ومحذوفاً في قولك لم يكن زيد قائماً ولم يك زيد قائماً فكذلك أن وإن. والقراءة الثالثة: قرأ حمزة وابن عامر وحفص: { أية : وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا } تفسير : [الفجر: 19] مشددتان، قالوا: وأحسن ما قيل فيه إن أصل لما بالتنوين كقوله: {أَكْلاً لَّمّاً } والمعنى أن كلاً ملمومين أي مجموعين كأنه قيل: وإن كلاً جميعاً. المسألة الثالثة: سمعت بعض الأفاضل قال: إنه تعالى لما أخبر عن توفية الأجزية على المستحقين في هذه الآية ذكر فيها سبعة أنواع من التوكيدات: أولها: كلمة {إن } وهي للتأكيد. وثانيها: كلمة «كل» وهي أيضاً للتأكيد. وثالثها: اللام الداخلة على خبر {إن } وهي تفيد التأكيد أيضاً. ورابعها: حرف {مَا } إذا جعلناه على قول الفراء موصولاً. وخامسها: القسم المضمر، فإن تقدير الكلام وإن جميعهم والله ليوفينهم. وسادسها: اللام الثانية الداخلة على جواب القسم. وسابعها: النون المؤكدة في قوله {لَيُوَفّيَنَّهُمْ } فجميع هذه الألفاظ السبعة الدالة على التوكيد في هذه الكلمة الواحدة تدل على أن أمر الربوبية والعبودية لا يتم إلا بالبعث والقيامة وأمر الحشر والنشر ثم أردفه بقوله: {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } وهو من أعظم المؤكدات.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} الكلمة: أن الله عز وجل حكم أن يؤخرهم إلى يوم القيامة لما علم في ذلك من الصلاح؛ ولولا ذلك لقضى بينهم أجلهم بأن يثيب المؤمن ويعاقب الكافر. قيل: المراد بين المختلفين في كتاب موسى؛ فإنهم كانوا بين مصدّق (به) ومكذّب. وقيل: بين هؤلاء المختلفين فيك يا محمد بتعجيل العقاب، ولكن سبق الحكم بتأخير العقاب عن هذه الأمة إلى يوم القيامة. {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} إن حملت على قوم موسى؛ أي لفي شك من كتاب موسى فهم في شك من القرآن.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَٰبَ } التوراة {فَٱخْتُلِفَ فِيهِ } بالتصديق والتكذيب كالقرآن {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ } بتأخير الحساب والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } في الدنيا فيما اختلفوا فيه {وَإِنَّهُمْ } أي المكذبين به {لَفِى شَكٍّ مّنْهُ مُرِيبٍ } مُوقع في الرِّيبة.
النسفي
تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ } التوراة {فَٱخْتُلِفَ فِيهِ } آمن به قوم وكفر به قوم كما اختلف في القرآن وهو تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ } إنه لا يعاجلهم بالعذاب {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } بين قوم موسى أو قومك بالعذاب المستأصل {وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكّ مّنْهُ } من القرآن أو من العذاب {مُرِيبٍ } من أراب الرجل إذا كان ذا ريبة على الإسناد المجازي {وَإِنَّ كُـلاًّ } التنوين عوض عن المضاف إليه يعني وإن كلهم أي وإن جميع المختلفين فيه «وإن» مشددة {لَّمّاً } مخفف: بصري وعلي، «ما» مزيدة جيء بها ليفصل بها بين لام «إن» ولام {لَيُوَفّيَنَّهُمْ } وهو جواب قسم محذوف، واللام في {لما} موطئة للقسم والمعنى وإن جميعهم والله ليوفينهم {رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ } أي جزاء أعمالهم من إيمان وجحود وحسن وقبيح. بعكس الأولى: أبو بكر، مخففان: مكي ونافع على إعمال المخففة عمل الثقيلة اعتباراً لأصلها الذي هو التثقيل، ولأن «إن» تشبه الفعل والفعل يعمل قبل الحذف وبعده نحو«لم يكن» «ولم يك» فكذا المشبه به مشددتان غيرهم وهو مشكل. وأحسن ما قيل فيه أنه من لممت الشيء جمعته لمَّا، ثم وقف فصار «لما» ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، وجاز أن يكون مثل الدعوى والثروى وما نفيه ألف التأنيث من المصادر. وقرأ الزهري {وإن كلا لما} بالتنوين كقوله: {أية : أَكْلاً لَّمّاً }تفسير : [الفجر: 19] وهو يؤيد ما ذكرنا والمعنى، وإن كلاً ملمومين أي مجموعين كأنه قيل: وإن كلاً جميعاً كقوله {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ }تفسير : [الحجر: 30] وقال صاحب الإيجاز: «لما» فيه معنى الظرف وقد دخل في الكلام اختصار كأنه قيل: وإن كلاً لما بعثوا ليوفينهم ربك أعمالهم. وقال الكسائي: ليس لي بتشديد «لما» علم. {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} الآية. لمَّا بيَّن إصرار كُفَّار مكَّة على إنكارِ التَّوحيدِ، وبيَّن إصرارهم على إنكار نُبُوَّةِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم بكتابه، بيَّن أنَّ هؤلاء الكُفَّار كانوا على هذه السيرة الفاجرةِ، مع كل الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، وضرب لذلك مثلاً، وهي إنزالُ التوراة على موسى فاختلفوا فيه فقبله بعضهم وأنكره بعضهم، وذلك يدلُّ على أنَّ عادة الخلق هكذا. قوله: {فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} أي: في الكتابِ، و "في" على بابها من الظَّرفية، وهو هنا مجاز، أي: في شأنه. وقيل: هي سببية، أي: هو سببُ اختلافهم، كقوله تعالى: {أية : يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} تفسير : [الشورى:11] أي: يُكثِّركم بسببه. ومعنى اختلافهم فيه: أي: فمن مصدق به ومكذب كما فعل قومك بالقرآن، يُعَزِّي نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم. وقيل: "فِي" بمعنى "عَلَى" ويكون الضَّمير لموسى - عليه الصلاة والسلام - أي: فاختلف عليه {ولْولاَ كملةٌ سبقتْ من ربِّكَ} في تأخير العذاب عنهم: "لقُضِيَ بينَهُم" أي: لعذِّبُوا في الحالِ، لكن قضاؤه أخَّر ذلك عنهم في دنياهم. وقيل: معناه أنَّ الله إنَّما يحكم بين المختلفين يوم القيامة، وإلاَََّ لكان الواجب تمييز المُحقِّ من المبطل في دار الدنيا. وقيل: المعنى ولولا أنَّ رحمته سبقت غضبه، وإلاَّ لقضي بينهم. ثم قال: {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} يعني أنَّ كفَّار مكَّة لفي شكٍّ من هذا القرآن "مُريبٍ" من أراب إذا حصل الرَّيب لغيره، أو صار هو في نفسه ذا رَيْب، وقد تقدَّم. قوله تعالى: {وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُم} الآية. هذه الآية الكريمة ممَّا تكلم النَّاس فيها قديماً وحديثاًً، وعسر على أكثرهم تلفيقها وتخريجاً فقرأ نافع وابن كثير وأبو بكر عن عاصم "وإنْ" بالتخفيف، والباقون بالتشديد. وأمَّا "لمّا" فقرأها مشدَّدةً هنا وفي "يس" وفي سورةِ الزخرف، وفي سورة الطارق، ابن عامر وعاصمٌ وحمزة، إلاَّ أنَّهُ عن ابن عامر في الزخرف خلافاً، فروى عنه هشامٌ وجهين، وروى عنه ابن ذكوان التخفيف فقط، والباقون قرءوا جميع ذلك بالتخفيف، وتلخَّص من هذا أنَّ نافعاً وابن كثير قرأ "وإنْ" و "لمَا" مخففتين، وأنَّ أبا بكر عن عاصمٍ خفَّف "إنْ" وثقَّل "لمَّا" وأنَّ ابن عامر وحمزة وحفصاً عن عاصم شدَّدُوا "إنَّ" و"لمَّا" معاً، وأن أبا عمرو والكسائي شدَّدَا "إنَّ" وخففا "لما" فهذه أربعُ مرات للقراء في هذين الحرفين، هذا في المتواتر. وأمَّا في الشَّاذ فقد قرىء أربعُ قراءاتٍ أخر: إحداها: قراءة أبي والحسن وأبان بن تغلب "وإنْ كلٌّ" بتخفيفها، ورفع "كل"، و"لمَّا" بالتشديد. الثانية: قراءة اليزيدي وسليمان بن أرقم "لمَّا" مشددة منونة، ولمْ يتعرَّضُوا لتخفيف "إنَّ" ولا تشديدها. الثالثة: قراءة الأعمش وهي في حرف ابن مسعود كذلك: "وإنْ كلٌّ" بتخفيف "إن" ورفع "كل". الرابعة: قال أبو حاتم: الذي في مصحف أبي "وإنْ من كلّ إلاَّ ليُوفِّينهُمْ" وقد اضطرب الناسُ فيه اضطراباً كثيراً، حتى قال أبو شامة وأمّا هذه الآية فمعناها على هذه القراءات من أشكلِ الآيات؛ قال شهاب الدين فأمَّا قراءةُ الحرميين ففيها إعمال "إن" المخففة، وهي لغةٌ ثانيةٌ عن العرب. قال سيبويه: "حدَّثنا من نثقُ به أنَّه سمع من العرب من يقول: "إنْ عمراً لمُنْطلقٌ"؛ كما قالوا: [الهزج]. شعر : 3020-.................. كَأنْ ثَدْيَيْهِ حُقَّان تفسير : قال: وَوَجْهُه من القياس: أنَّ "إنْ" مُشبهةٌ في نصبها بالفعل، والفعلُ يعمل محذُوفاً كما يعمل غير محذوفٍ، نحو: "لَمْ يكُ زيداً مُنطلقاً" "فلا تكُ في مريةٍ" وكذلك: لا أدْر. قال شهابُ الدِّين: وهذا مذهبُ البصريين، أعني: أنَّ هذه الأحرفَ إذا خُفِّف بعضها جاز أن تعمل، وأن تهمل كـ: "إنْ" والأكثرُ الإهمالُ، وقد أجمع عليه في قوله: {أية : وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} تفسير : [يس:32] وبعضها يجبُ إعماله كـ "أنْ" بالفتح، و "كأنْ" ولكنَّهُما لا يعملان في مظهر ولا ضمير بارز إلا ضرورة، وبعضها يجب إهماله عند الجمهور كـ "لكن". وأمَّا الكوفيون فيُوجبون الإهمال في "إن" المخففةِ، والسَّماعُ حُجَّةٌ عليهم؛ بدليل هذه القراءة المتواترة؛ وقد أنشد سيبويه على إعمال هذه الحروف مخففة قول الشَّاعر:[الطويل] شعر : 3021-.............. كَأنْ طبيةٌ تَعْطُو إلى وِارقِ السَّلم تفسير : وقال الفراء: لم نسمع العربَ تُخفِّفُ وتعملُ إلا مع المكنيِّ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3022- فلو أنْكِ في يومِ الرَّخاءِ سألتني طلاقكِ لمْ أبْخَلْ وأنتِ صديقُ تفسير : قال: "لأنَّ المكني لا يظهرُ فيه إعرابٌ، وأمَّا مع الظاهر فالرفع" وقد تقدَّم ما أنشدهُ سيبويه، وقول الآخر: [الرجز] شعر : 3023- كأنْ وريديهِ رشاءُ خُلْبِ تفسير : الرَّشاء: الحَبْلُ. والخُلْبُ: اللِّيفُ هذا ما يتعلق بـ "إنْ". وأمَّا "لما" في هذه القراءة فاللاَّمُ فيها هي لامُ "إنْ" الدَّاخلةُ في الخبر، "ومَا" يجوز أن تكون موصولة بمعنى "الذي" واقعةً على ما يعقلُ، كقوله تعالى: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء:3]، فأوقع "ما" على العاقل، واللاَّمُ في "ليُوفِّينَّهُمْ" جوابُ قسم مضمر، والجملةُ من القسم وجوابه صلةٌ للموصولِ، والتقديرُ: وإن كلاًّ للذين والله ليُوفِّينَّهُمْ، ويجوز أن تكون "ما" نكرةً موصوفة، والجملة القسمية وجوابها صفةٌ لـ "ما" والتقدير وإنْ كلاًّ لخلقٌ أو لفريقٌ والله ليوفينَّهم. والموصولُ وصلته أو الموصوفُ وصفته خبرٌ لـ "إنْ". وقال بعضهم: اللاَّمُ الأولى هي الموِّطئة للقسم، ولمَّا اجتمع اللاَّمان واتفقا في اللفظ فصل بينهما بـ "ما"، كما فصل بالألف بين النُّونين في "يَضْربنانِّ" وبين الهمزتين؛ نحو: آأنْت، فظاهرُ هذه العبارة أنَّ "ما" هنا زائدةٌ جيء بها للفصل، إصلاحاً للفظ، وعبارةُ الفارسي مؤذنةٌ بهذا، إلاَّ أنَّهُ جعل اللاَّم الأولى لام "إنْ" فقال: العُرْفُ أن تدخل لام الابتداء على الخبرِ، والخبرُ هنا هو القسمُ، وفيه لامٌ تدخل على جوابه، فلمَّا اجتمع اللاَّمان، والقسمُ محذوفٌ واتفقا في اللفظ وفي تلقي القسم، فصلوا بينهما بـ "مَا" كما فصلُوا بين "إنَّ" واللاَّم وقد صرَّح الزمخشريُّ بذلك فقال: واللاَّم في "لما"موطئةٌ للقسم، و"ما" مزيدةٌ. وقال أبُو شامة: واللاَّمُ في "لما" هي الفارقةُ بين المخفَّفةِ من الثقيلة والنَّافية. وفي هذا نظرٌ؛ لأنَّ الفارقة إنَّما يؤتى بها عند التباسها بالنَّافية، والالتباسُ إنَّما يجيءُ عند إهمالها؛ نحو: إن زيدٌ لقائمٌ وهي في الآية الكريمة معملةٌ، فلا التباسَ بالنَّافية، فلا يقال: إنَّها فارقةٌ. فتلخص في كلِّ من "اللاَّم"، و "ما" ثلاثة أوجه: أحدها: في اللام أنها للابتداء الدَّاخلةِ على خبر "أن". الثاني: لام موطئة للقسم. الثالث: أنها جواب القسم كررت تأكيداً. وأحدها في "ما": أنها موصولة. الثاني: أنها نكرة الثالث: أنها مزيدة للفصل بين اللاَّمين. وأمَّا قراءة أبي بكر ففيها أوجه: أحدها: قولُ الفرَّاءِ وجماعة من نحاة البصرة، والكوفة، وهو أنَّ الأصل "لمِنْ مَا" بكسر الميم على أنَّها "مِنْ" الجارة، دخلت على "ما" الموصولة، أو الموصوفة، كما تقرَّر، أي: لمن الذين الله ليوفِّينَّهُم، أو لمنْ خلقٍ والله ليوفِّينَّهُمْ، فلمَّا اجتمعت النونُ ساكنة قبل ميم: "ما" وجب إدغامها؛ فقُلبتْ ميماً وأدغمت، فصار في اللفظ ثلاثة أمثال، فخففت الكلمة بحذف إحداها، فصار اللفظ كما ترى "لمَّا" قال نصر بن علي الشيرازي: "وصل "مِنْ" الجارَّة بـ "مَا" فانقلبت النُّونُ أيضاً ميماً للإدغام، فاجتمعت ثلاثُ ميمات، فحذفت إحداهُنَّ فبقي "لمَّا" بالتشديد". قال: و "ما" هنا بمعنى "مَنْ" وهو اسمٌ لجماعة النَّاسِ، كما قال تعالى: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء:3] أي: من طاب، والمعنى: وإنْ كلاًّ من الذين ليوفينَّهم ربُّك أعمالهم، أو جماعة ليوفِّينَّهُم ربُّك أعمالهم. وقد عيَّن المهدويُّ الميم المحذوفة فقال: "حذفت الميم المكسورة، والتقدير: لمنْ خلق ليوفينَّهم". الثاني: قول المهدويّ ومكي: أن يكون الأصل: "لمَنْ مَا" بفتح ميم: "مَنْ" على أنَّها موصولة، أو موصوفة، و"ما" بعدها مزيدةٌ، قال: فقلبت النون ميماً، وأدغمت في الميم التي بعدها، فاجتمع ثلاثُ ميمات فحذفت الوسطى منهنَّ، وهي المبدلةُ من النون، فقيل: "لمَّا" قال مكي والتقديرُ: وإن كلاًّ لخلقٌ لوفينَّهُم ربك أعمالهم، فترجعُ إلى معنى القراءة الأولى بالتخفيف، وهذا الذي حكاه الزجاج عن بعضهم فقال: زعم بعضُ النَّحويين أن أصلهُ "لمَنْ مَا" ثُم قلبت النُّونُ ميماً، فاجتمعت ثلاثُ ميمات فحذفت الوسطى قال: وهذا القولُ ليس بشيءٍ؛ لأنَّ "مَنْ" لا يجوزُ بعضها؛ لأنَّها اسمٌ على حرفين. وقال النحاسُ: قال أبو إسحاق: هذا خطأ؛ لأنَّهُ تحذف النونُ من "مَنْ" فيبقى حرفٌ واحد وقد ردَّه الفارسيُّ أيضاً فقال: إذ لم يقو الإدغام على تحريك السَّاكن قبل الحرفِ المدغم في نحو: "قدم مالك" فأن لا يجوز الحذفُ أجدرُ قال: على أنَّ في هذه السورة ميماتٍ اجتمعتْ في الإدغام أكثر ممَّا كانت تجتمع في "لمنْ مَا" ولمْ يحذف منها شيءٌ، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} تفسير : [هود:48] فإذا لم يحذف شيءٌ من هذا فأنْ لا يحذف ثم أجدرُ. قال شهابُ الدين: اجتمع في "أمم ممَّن معك" ثمانيةُ ميماتٍ، وذلك أنَّ "أمماً" فيها ميمان وتنوين، والتنوين يقلب ميماً لإدغامه في ميم "مِنْ" ومعنا نونان: نونُ "مِنْ" الجارة، ونون "مَنْ" الموصولة فيقلبان أيضاً ميماً لإدغامهما في الميم بعدهما، ومعنا ميم "معك" فتحصَّل معنا خمسُ ميماتٍ ملفوظٍ بها، وثلاثٌ منقلبةٌ إحداهما عن تنوين، واثنتان نون، واستدلَّ الفراءُ على أنَّ أصل "لمَّا" "لِمنْ ما" بقول الشَّاعر: [الطويل] شعر : 3024- وإنَّا لمِمَّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضرْبةً عَلى رأسِهِ تُلْقِي اللِّسانَ مِنَ الفَمِ تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 3025- وإنِّي لمِمَّا أصْدِرُ الأمْرَ وجْهَهُ إذَا هُوَ أعْيَا بالسَّبيلِ مَصادِرُهْ تفسير : وقد تقدَّم في آل عمران في قراءة من قرأ: {وإذ أخذ الله ميثاق النبين لمّا آتيتكم} [الآية:81] بتشديد "لمَّا" أنَّ الأصل: "لمن ما" ففعل فيه ما تقدَّم، وهذا أحدُ الأوجه المذكورة في تخريج هذا الحرف هناك في سورته، فالتفت إليه. وقال أبو شامة: وما قاله الفرَّاء استنباطٌ حسنٌ، وهو قريبٌ من قولهم في قوله {أية : لَّكِنَّا هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي} تفسير : [الكهف:38] إنَّ أصله: لكن أنا ثُمَّ حذفت الهمزةُ، وأدغمت النون في النُّون، وكذا في قولهم: أمَّا أنت منطلقاً انطلقت، قالوا المعنى لأن كنت منطلقاً. وفيما قاله نظرٌ، لأنَّهُ ليس فيه حذفٌ ألبتَّة، وإنَّما كان يحسنُ التنظيرُ أن لو كان فيما جاء به إدغامٌ حذف، وأمَّا مجرَّدُ التَّنظير بالقلبِ والإدغام فغيرُ طائلِ، ثم قال أبو شامة: وما أحسن ما استخرج الشَّاهد من البيت يعني: الفرَّاء، ثَم الفراء أراد أن يجمع بين قراءتي التَّخفيف والتَّشديد من "لمَّا" في معنى واحد، فقال: "ثُمَّ تُخفَّفُ، كما قرأ بعضُ القرَّاءِ {والبَغْ يَعِظُكُم} [النحل:90] بحذف الياء عند الياء؛ أنشدني الكسائيُّ: [الوافر]. شعر : 3026- وأشْمَتَّ العُداةَ بِنَا فأضْحَوْا لَدَيْ يَتباشَرُونَ بِمَا لَقِينَا تفسير : فحذفت ياؤه لاجتماع الياءات". قال شهابُ الدِّين: الأولى أن يقال: حذفت ياءُ الإضافة من "لَدَيّ" فبقيت الياءُ السَّاكنةُ قبلها المنقلبةُ عن الألف في "لَدَى" وهو مثلُ قراءةِ من قرأ {يا بُنَيْ} [هود:42] بالإسكان على ما سبق، وأمَّا الياءُ من "يَتَبَاشرُونَ" فثابتةٌ لدلالتها على المضارعة. ثم قال الفرَّاءُ: [الرجز] شعر : 3027- كأنَّ مِنْ آخِرِهَا إلقَادِمِ تفسير : يريد: إلى القادمِ؛ فحذف اللاَّم وتوجيهُ قولهم من آخرها إلقادم أنَّ ألف "إلى" حذفت لالتقاءِ الساكنينِ، وذلك أنَّ ألف "إلى" ساكنةٌ، ولام التَّعريف من القادم ساكنة، وهمزة الوصل حذفت درجاً، فلما التقيا حذف أولهما فالتقى لامان: لام "إلى" ولام التعريف، فحذفت الثانية على رأيه، والأولى حذف الأولى؛ لأنَّ الثانية دالة على التعريف، فلم يبق من حرف "إلى" غير الهمزة فاتصلت بلام "القادمِ" فبقيت الهمزة على كسرها؛ فلهذا تلفظ بهذه الكلمة "مِنْ آخرِهَا إلقادِمِ" بهمزة مكسورة ثابتةً درجاً؛ لأنها همزة قطع. قال أبُو شامة: وهذا قريبٌ من قولهم: "مِلْكذبِ" و"عَلْماءِ بنُو فُلانٍ" و"بَلْعَنْبَرِ" يريدون: من الكذبِ، وعلى الماءِ بنُو فُلانٍ، وبنُو العَنْبرِ، قال شهابُ الدين - رحمه الله -: يريدُ قوله: [المنسرح] شعر : 3028- أبْلِغْ أبَا دَخْتَنُوسَ مألُكَةً غَيْرُ الذي قَد يُقَالُ مِلْكَذبِ تفسير : المألكة: الرِّسالة، وقول الآخر: [الطويل] شعر : 3029أ- فَمَا سَبَقَ القَيْسِيُّ مِنْ سُوءِ فعلهِ ولكِنْ طَفَتْ عَلْمَاءِ غُرْلَةُ خَالدِ تفسير : الغُرْلة القُلفة، وقول الآخر: [الخفيف] شعر : 3029ب- نَحْنُ قَوْمٌ مِلْجِنِّ في زيِّ ناسٍ فَوْقَ طَيْرٍ لَهَا شُخُوصُ الجِمالِ تفسير : يريد: مِن الجنِّ. قال التبريزي في شرح الحماسة: وهذا مقيسٌ، وهو أن لام التعريف، إذا ظهرت في الاسم حذف الساكنُ قبلها؛ لأن الساكن لا يدغم في الساكن؛ تقول: أكلتُ مالخُبْزِ، ورَكْبَتْ مِلخَيْلِ، وحَملتُ مِلْجَمَلِ. وقد ردَّ بعضهم قول الفرَّاء بأنَّ نون "مِنْ" لا تحذف إلاَّ ضرورة، وأنشد: [المنسرح] شعر : 3030-............. .............ملْكَذب تفسير : الثالث: أنَّ أصلها "لمَا" بالتَّخفيف، ثمَّ شددت، وإلى هذا ذهب أبو عثمان، قال الزَّجَّاج: "وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنَّا لَسنَا نُثَقِّل ما كان على حرفين، وأيضاً فلغةُ العربِ على العكس من ذلك يُخَفِّفُون ما كان مُثَقَّّلاً نحو: "رُبَ" في "رُبَّ" وقيل: في توجيه إنَّه لمَّا وقف عليها شدَّدها، كما قالوا: رأيتُ فرجًّا، وقصبًّا، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، وفي هذا نظرٌ؛ لأنَّ التَّضعيف إنَّما يكونُ في الحرف إذا كان آخراً، والميمُ هنا حشوٌ؛ لأنَّ الألف بعدها، إلاَّ أن يقال: إنَّه أجرى الحرف المتوسط مجرة المتأخِّر؛ كقوله: [الرجز] شعر : 3031- مِثْلَ الحَريقِ وَافَقَ القَصَبَّا تفسير : يريد: القَصَبَ، فلمَّا أشبع الفتحة تولَّدت منها ألفٌ، وضعَّف الحرف؛ وكذلك قوله: [الرجز] شعر : 3032- بِبَازلٍ وجْنَاءَ أوْ عَيْهَلِّي كأنَّ مَهْواهَا عَلى الْكَلْكَلِّ تفسير : شدَّد اللام مع كونها حشْواً بياء الإطلاقِ، وقد يُفرَّق بأنَّ الألف والياء في هذين البيتين في حكم الطَّرح؛ لأنَّهما نَشَآ من حركةٍ بخلاف ألف: "لمَّا" فإنَّها أصليةٌ ثابتةٌ، وبالجملة فهُو وجهٌ ضعيفٌ جدًّا. الرابع: أنَّ أصلها "لمًّا" بالتنوين ثم بني منهُ "فَعْلى" فإن جعلت ألفهُ للتَّأنيث، لم تصرفه، وإنْ جعلتها للإلحاق صرفتهُ، وذلك كما قالوا في "تَتْرى" بالتنوين وعدمه، وهو مأخوذ من قولك: لَمَمْتُهُ: أي جمعتُهُ، والتقدير: وإن كُلاًّ جميعاً ليوفينَّهُمْ، ويكون "جَميعاً" فيه معنى التوكيد كـ "كل"، ولا شكَّ أنَّ "جميعاً" يفيدُ معنى زائداً على "كل" عند بعضهم قال: ويدلُّ على ذلك قراءة من قرأ: "لمَّا" بالتنوين. الخامس: أنَّ الأصل "لمَّا" بالتنوين أيضاَ، ثمَّ أبدل التنوين ألفاً وقفاً، ثم أجري الوصل مجرى الوقف، وقد منع من هذا الوجه أبو عبيد قال: لأنَّ ذلك إنَّما يجوز في الشعر يعني إبدال التنوين ألفاً وصلاً إجراءً لهُ مجرى الوقف، وسيأتي توجيه قراءة "لمَّا" بالتنوين. وقال ابنُ الحاجبِ: "استعمالُ "لمَّا" في هذا المعنى بعيد، وحذفُ التنوين من المُنْصَرف في الوصل أبعدُ، فإن قيل: "لمَّا" فعلى من اللَّمِّ، ومُنِعَ الصرف لأجل ألف التأنيث، والمعنى فيه مثل معنى "لمَّا" المُنْصَرف فهو أبعدُ، إذ لا يعرفُ "لمَّا" فعلى بهذا المعنى ولا بغيره، ثم كان يلزمُ هؤلاء أن يميلوا كمن أمال، وهو خلافُ الإجماع، وأن يكتبوها بالياء، وليس ذلك بمستقيم". السادس: أنَّ "لمَّا" زائدة كما تزاد "إلا" قالهُ أبو الفتح وغيره، وهذا وجهٌ لا اعتبار به، فإنَّه مبنيُّ على وجهٍ ضعيفٍ أيضاً، وهو أنَّ "إلاَّ" تأتي زائدة. السابع: أنَّ "إنْ" نافيةٌ بمنزلة "ما"، و "لمَّا" بمعنى "إلاّ" فهي كقوله:{أية : إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} تفسير : [الطارق:4] أي: ما كلُّ نفس إلاَّ عليها{أية : وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ} تفسير : [الزخرف:35] أي: ما كل ذلك إلا متاع. واعترض على هذا الوجه بأنَّ "إنْ" النافية لا تنصبُ الاسم بعدها، وهذا اسمٌ منصوبٌ بعدها وأجابَ بعضهم عن ذلك بأنَّ "كلاًّ" منصوبٌ بإضمار فعلٍ، فقدَّرهُ قومٌ منهم أبو عمرو ابنُ الحاجبِ: وإن أرى كلاًّ، وإن أعلمُ ونحوه، قال: ومِن هنا كانتْ أقلَّ إشكالاً من قراءة ابن عامر لقبولها هذا الوجه غيرُ مُسْتبعدٍ ذلك الاستعباد وإنْ كان في نَصْبِ الاسم الواقعِ بعد حرف النَّفْي استبعادٌ، ولذلك اختلف في مثل:[الوافر] شعر : 3033- ألاَ رَجُلاً جزاهُ اللَّهُ خَيْراً يَدُلُّ عَلى مُحَصِّلةٍ تَبِيتُ تفسير : هل هو منصوب بفعلٍ مقدَّر، أو نوِّن ضرورةً؟ فاختار الخليلُ إضمار الفعلِ، واختار يونس التنوين للضَّرورة، وقدَّرهُ بعضهم بعد "لمَّا" من لفظ: "ليُوفِّينَّهُم"، والتقدير: وإن كلاً إلاَّ ليوفِّينَّ ليُوفِّينَّهم. وفي هذا التقدير بعدٌ كبيرٌ أو امتناع؛ لأنَّ ما بعد "إلاَّ" لا يعمل فيما قبلها، واستدل على مجيء: "لمَّا" بمعنى: "إلاَّ" بنصِّ الخليل وسيبويه على ذلك ونصره الزَّجَّاج. قال بعضهم: وهي لغةُ هذيل، يقولون: سألتك بالله لمَّا فعلت أي: إلاَّ فعلت. وأنكر الفرَّاء وأبو عبيد ورود: "لمَّا" بمعنى: "إلاًّ" قال أبو عبيدٍ: "أمَّا من شدَّد "لمَّا" بتأويل "إلاَّ" فلمْ نجدْ هذا في كلام العربِ، ومن قال هذا لزمهُ أن يقول: قام القوم لمَّا أخاك، يريدُ: إلاَّ أخاكَ، وهذا غيرُ موجودٍ" وقال الفرَّاءُ: "وأمَّا من جعل "لمَّا" بمنزلة "إلاَّ" فهو وجهٌ ضعيفٌ، وقد قالت العربُ في اليمين: بالله لمَّا قمت عنا، وإلاَّ قمت عنا، فأمَّا في الاستثناء فلم تقله في شعر، ولا في غيره، ألا ترى أنَّ ذلك لو جاز لسمعت في الكلام: ذهب النَّاسُ لمَّا زيداً" فأبو عبيد أنكر مجيء "لمَّا" بمعنى "إلاَّ" مُطلقاً، والفراء جوَّز ذلك في القسم خاصةً، وتبعه الفارسي في ذلك، فقال - في تشديد "لمَّا" ههنا -: "لا يصلحُ أن تكونَ بمعنى "إلاَّ"، لأنَّ "لمَّا" هذه لا تفارق القسم" وردَّ النَّاس قوله بما حكاه الخليل وسيبويه، وبأنَّها لغة هُذيْل مطلقاً، وفيه نظرٌ، فإنَّهُمْ لمَّا حكوا لغة هذيل حكوها في القسم كما تقدَّم من نحو: نشدتك بالله لمَّا فعلت، وأسألك بالله لمَّا فعلت. وقال أبو علي أيضاً مستشكلاً لتشديد: "لمَّا" في هذه الآية على تقدير أنَّ "لمَّا" بمعنى "إلاَّ" لا تختص بالقسم ما معناه: أنَّ تشديد "لمَّا" ضعيفٌ سواء شدَّدت "إن" أم خفَّفت، قال: "لأنَّه قد نُصِبَ بها "كلاً"، وإذا نصب بالمُخَفَّفةِ كانت بمنزلة المثقلة، وكا لا يَحْسُن: إنَّ زيداً إلاَّ منطلق؛ لأنَّ الإيجابَ بعد نفي، ولم يتقدَّم هنا إلاَّ إيجاب مؤكد، فكذا لا يحسن: إنَّ زيداً لمَّا منطلق، لأنَّهُ بمعناه، وإنَّما ساغ: نشدتُك الله إلاَّ فعلت، ولمَّا فعلت؛ لأنَّ معناه الطَّلب، فكأنَّهُ قال: ما أطلبُ منك إلاَّ فِعْلك، فحرفُ النَّفي مرادٌ مثل {أية : تَالله تَفْتَأُ} تفسير : [يوسف:85]، ومثَّل ذلك أيضاً بقولهم: "شرُّ أهرُّ ذا ناب" أي: ما أهرَّه إلاَّ شرٌّ، قال: "وليس في الآية معنى النَّفي ولا الطَّلب". وقال الكسائي: لا أعرف وجه التَّثقيل في "لمَّا" قال الفارسيُّ: ولم يبعد فيما قال وروي عن الكسائي أيضاً أنَّه قال: اللهُ عزَّ وجلَّ أعلمُ بهذه القراءة، لا أعرفُ لها وجهاً. الثامن: قال الزَّجَّاجُ: قال بعضهم قَوْلاً، ولا يجوز غيره: أنَّ "لمَّا" في معنى "إلاَّ" مثل {أية : إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} تفسير : [الطارق:4] ثمَّ أتبع ذلك بكلام طويل مشكل حاصلهُ يرجع إلى أنَّ معنى "إنْ زيدٌ لمنطلق: ما زيدٌ إلاَّ منطلق"، فأجريتَ المشددة كذلك في المعنى إذا كانت اللام في خبرها، وعملها النَّصيب في اسمها باقٍ بحالة مشددة ومخففة، والمعنى نفيٌ بـ "إنْ" وإثباتٌ باللاَّم التي بمعنى "إلاَّ" و"لمَّا" بمعنى "إلاَّ"، وقد تقدَّم إنكارُ أبي عليّ على جواز "إلاَّ" في مثل هذا التركيب، فكيف يجُوزُ "لمَّا" التي بمعناها؟. وأمَّا قراءةُ ابن عامر وحمزة وحفص ففيها وجوه: أحدها: أنَّها "إنَّ" المشددة على حالها، فلذلك نصب ما بعدها على أنَّه اسمها، وأمَّا "لمَّا" فالكلامُ فيها كما تقدَّم من أنَّ الأصل "لَمِنْ مَا" بالكسر، أو "لَمَنْ مَا" بالفتح، وجميع تلك الأوجه المذكورة تعودُ هنا، والقولُ بكونها بمعنى "إلاَّ" مشكلٌ كما تقدَّم تحريره عن أبي علي وغيره. الثاني: قال المازنيُّ: إنَّ" هي المخففة ثقلت: وهي نافيةٌ معنى "مَا" كما خففت "إنَّ" ومعناها المثقلة، "ولمَّا" بمعنى "إلاَّ" وهذا قولٌ ساقطٌ جدًّا لا اعتبار به، لأنَّهُ لم يُعْهَدْ تثقيلُ "إنْ" النافية، وأيضاً فـ "كلاًّ" بعدها منصوبٌ، والنافيةُ لا تنصبُ. الثالث: أنَّ "لمَّا" هنا هي الجازمة للمضارع حذف مجزومها لفهم المعنى. قال أبُو عمرو بنُ الحاجب - في أماليه -: "لمَّا" هذه هي الجازمة فحذف فعلها للدَّلالةِ عليه، لما ثبت من جوازِ حذف فعلها في قولهم: "خرجتُ ولمَّا، وسافرتُ ولمَّا" وهو سائغٌ فصيح، ويكونُ المعنى: وإنَّ كُلاً لمَّا يهملوا أو يتركُوا لما تقدَّم من الدَّلالةِ عليه من تفصيل المجموعين بقوله: {أية : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} تفسير : [هود:105]، ثمَّ فصَّل الأشقياءَ والسُّعداء، ومجازاتهم ثُمَّ بيَّن ذلك بقوله: {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} قال: "وما أعرفُ وجهاً أشبهَ من هذا، وإن كانت النفوسُ تَسْتبعدُهُ من جهة أنَّ مثلهُ لمْ يردْ في القرآن"، قال: "والتَّحْقِيقُ يَأبَى استبعادهُ". قال شهابُ الدِّين: وقد نصَّ النَّحويون على أنَّ "لمَّا" يحذفُ مجزومها باطِّرادٍ، قالوا: لأنَّها لنفي قَدْ فعل، وقد يحذف بعدها الفعل؛ كقوله: [الكامل] شعر : 3034- أفِدَ التَّرْحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكَابنَا لمَّا تزلْ بِرحَالِنَا وكأنْ قَدِ تفسير : أي: وكأن قد زالت، فكذلك منْفيهُ، وممَّن نصَّ عليه الزمخشريُّ، على حذف مجزومها، وأنشد يعقوب على ذلك في كتاب "معانِي الشِّعر" قول الشَّاعر: [الوافر] شعر : 3035- فَجِئْتُ قُبُورَهُمْ بَدْءاً ولمَّا فَنادَيْتُ القُبورَ فَلَمْ يُجِبْنَهْ تفسير : قال: "قوله: "بَدْءاً" أي: سيّداً وبدءُ القوم سيِّدهم، وبدءُ الجزُور خيرُ أنْصِبَائِهَا". قال: وقوله: "ولمَّا" أي: ولمَّا أكُنْ سيِّداً إلاَّ حين ماتُوا، فإنِّي سدتُ بعدهم؛ كقول الآخر: [الكامل] شعر : 3036- خَلَتِ الدِّيَارُ فَسُدْتُ غَيْرَ مُسَوَّد ومن العناءِ تفرُّدِى بالسُّؤدُدِ ما نِلْتُ ما قَدْ نِلْتُ إلاَّ بَعْدَمَا ذَهَبَ الكِرامُ وسَادَ عَيْرُ السَّيِّد تفسير : قال: ونظير السُّكُوتِ على "لمَّا" دون فعلها السكُّوتُ على "قَدْ" دون فعلها في قول النابغة: [الكامل] شعر : 3037- أفِدَ التًّرَحُّلُ......... ...................... تفسير : قال شهابُ الدِّين: وهذا الوجهُ لا خصوصية لهُ بهذا القراءة، بل يَجِيءُ في قراءة من شدَّد "لمَّا" سواءً شدَّد "إن" أو خففها. وأمَّا قراءةُ أبي عمرو، والكسائي فواضحةٌ جدًّا، فإنَّها "إنَّ" المشدَّدة عملت عملها، واللاَّم الأولى لام الابتداء الدَّاخلة على خبر "إنَّ"، والثانية جواب قسم محذوف، أي: وإنَّ كلاًّ للذين والله ليوفِّينَّهُم، وقد تقدَّم وقوعُ "ما" على العُقلاء؟ِ مُقرَّرا، ونظيرُ هذه الآية: {أية : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} تفسير : [النساء:72] غير أنَّ اللاَّم في "لمنْ" داخلةٌ على الاسم، وفي "لمَّا" داخلة على الخبر. وقال بعضهم: "مَا" هذه زائدةٌ زيدت للفصل بين اللامين، لام التَّوكيد، ولام القسم، وقيل: اللاَّم ُ في "لمَّا" موطئة للقسم مثل اللاَّم في قوله تعالى: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر:65] والمعنى: وإنَّ جميعهم والله ليُوفِّينَّهُم ربُّك أعمالهُم من حُسْنٍ وقُبْحٍ وإيمانٍ وجحودٍ. وقال الفرَّاء - عند ذكر هذه الآية -: جَعَلَ "مَا" اسماً للنَّاس كما جاز {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء:3] ثم جعل اللاَّم التي فيها جواباً لـ "إنَّ" وجعل اللاَّم التي في "ليُوفِّينَّهُمْ" لاماً دخلت على نيَّةِ يمينٍ فيما بين "مَا" وصلتها، كما تقول: هذا من ليَذْهبنَّ، وعندي ما لغيرهُ خيرٌ منه، ومثله:{أية : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} تفسير : [النساء:72]. ثم قال بعد ذلك ما يدلُّ على أنَّ اللاَّم مكررةٌ فقال: إذا عجَّلت العربُ باللاَّم في غير موضعها أعادوها إليه، نحو: إنَّ زيداً لإليك لمُحْسِنٌ؛ ومثله: [الطويل] شعر : 3038- ولَوْ أنَّ قَوْمِي لمْ يكُونُوا أعِزَّة لبَعْدُ لقَدْ لا قَيْتُ لا بُدَّ مَصْرَعَا تفسير : قال: أدخلها في "بَعْد" وليس بموضعها، وسمعت أبا الجرَّاحِ يقولُ: "إنِّي ليحمد الله لصالحٌ". وقال الفارسيُّ - في توجيه القراءة -: "وجهُهَا بيِّن وهو أنَّه نصب "كُلاًّ" بـ "إنَّ" وأدخل لام الابتداء في الخبر، وقد دخلت في الخبرِ لامٌ أخرى، وهي التي يُتلقَّى بها القسم، وتختصُّ بالدُّخُول على الفعل، فلمَّا اجتمعت اللاَّمان فُصِل بينهما كما فُصِل بين "إنَّ" واللاَّم فدخلتها وإن كانت زائدة للفصل، ومثله في الكلام: إن زيداً لينطلقنَّ". فهذا ما تلخَّص من توجيهات هذه القراءات الأربع، وقد طعن بعضُ النَّاس في بعضها بِمَا لا تحقق له، فلا ينبغي أن يلتفت إلى كلامه. قال المبردُ - وهي جرأةٌ منه - "هذا لحنٌ" يعنى تشديد "لمَّا" قال: "لأنَّ العرب لا تقول: إنَّ زيداً لمَّا خارجٌ" وهو مردودٌ عليه. قال أبو حيان: وليس تركيبُ الآية كتركيب المثال الذي قال وهو: إنَّ زيداً لمَّا خارج، هذا المثالُ لحنٌ. قال شهابُ الدِّين: إن عنى أنَّهُ ليس مثله في التركيب من كل وجه فمُسلَّم، ولكن ذلك لا يفيدُ فيما نحن بصدده، وإن عنى أنه ليس مثله في كونه دخلت "لمَّا" المشددة على خبر "إنَّ" فليس كذلك، بل هو مثلُه في ذلك، فتسليمُهُ اللَّحْنَ في المثال المذكور ليس بصوابٍ؛ لأنه يستلزم ما لا يجوز أن يقال. وقال أبو جعفرٍ: القراءةُ بتشديدهما عند أكثر النَّحويين لحنٌ، حكي عن محمد بن يزيد أنه قال: إنَّ هذا لا يجوز، ولا يقال: إنَّ زيداً إلا لأضربنَّه، ولا "لمَّا لأضربنَّه" قال: وقال الكسائي: "اللَّه أعلم لا أعرف لهذه القراءة وجهاً" وقد تقدم ذلك، وتقدم أيضاً أنَّ الفارسي قال: كما لا يحسن: إنَّ زيداً إلاَّ لمنطلق؛ لأنَّ "إلاَّ" إيجاب بعد نفي، ولم يتقدَّم هنا إلاَّ إيجابٌ مؤكَّد، فكذا لا يحسن: إنَّ زيداً لما منطلق، لأنه بمعناه، وإنَّما ساغ نشدتك بالله لمَّا فعلت... إلى آخر كلامه. وهذه أقوالٌ مرغوبٌ عنها؛ لأنَّها معارضة للمتواتر القطعي. وأمَّا القراءات الشَّاذة فأوَّلها قراءةُ أبي ومن تبعه "وإنْ كلٌّ لمَّا" بتخفيف "إنْ" ورفع "كل" على أنَّها "إن" النافية "وكل" مبتدأ، و"لمَّا" مشددة بمعنى "إلاَّ"، و"ليُوفِّينَّهُم" جوابُ قسمٍ محذوفٍ، وذلك القسمُ وجوابه خبر المبتدأ وهي قراءةٌ جليَّة واضحةٌ كما قرؤوا كلُّهم {أية : وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ} تفسير : [يس:32] ومثله {أية : وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ} تفسير : [الزخرف:35]، ولا التفاتَ إلى قول من نفى أنَّ "لمَّا" بمنزلةِ "إلاَّ" فقد تقدَّمت أدلته. وأما قراءةُ اليزيدي وابن أرقم "لمَّا" بالتشديد منونة فـ "لمَّا" فيها مصدرٌ من قولهم: "لمَمْتُه- أي: جمعته - لمًّا" ومنه قوله تعالى: {أية : وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً} تفسير : [الفجر:19] ثم في تخريجه وجهان: أحدهما: ما قاله أبو الفتح، وهو أن يكون منصوباً بقوله: "ليُوفِّينَّهُمْ" على حدِّ قولهم: قياماً لأقومنَّ؛ وقعوداً لأَقَعدنَّ، والتقديرُ: توفيةً جامعةً لأعمالهم ليوفينهم، يعني أنه منصوبٌ على المصدر الملاقي لعامله في المعنى دون الاشتقاق. والثاني: ما قالهُ أبو علي الفارسي وهو: أن يكون وصفاً لـ "كُلّ" وصفاً بالمصدرِ مبالغة، وعلى هذا فيجبُ أن يقدَّر المضافُ إليه "كل" نكرةً، ليصحَّ وصفُ "كل" بالنَّكرةِ، إذْ لو قُدِّر المضافُ معرفة لتعرَّفتْ "كل"، ولو تعرَّفت لامتنع وصفُها بالنَّكرةِ، فلذلك قُدِّر المضافُ إليه نكرة، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً} تفسير : [الفجر:19] فوقع "لمًّا" نعتاً لـ "أكْلاً" وهو نكرةٌ. قال أبو علي: ولا يجوز أن يكون حالاً؛ لأنه لا شيء في الكلام عاملٌ في الحالِ. وظاهرُ عبارة الزمخشري أنَّهُ تأكيدٌ تابعٌ لـ "كلاًّ" كما يتبعها أجمعون، أو أنَّهُ منصوبٌ على النَّعت لـ "كُلاًّ" فإنه قال: "وإنْ كلاًّ لمًّا ليُوفِينَّهُمْ" كقوله: "أكْلاً لمًّا" والمعنى: وإن كلاًّ ملمومين بمعنى: مجموعين، كأنه قيل: وإن كلاًّ جميعاً كقوله تعالى:{أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ}تفسير : [الحجر:30] انتهى. لا يريدُ بذلك أنَّهُ تأكيدٌ صناعيُّ، بل فسَّر معنى ذلك وأراد: أنَّهُ صفةٌ لـ "كُلاًّ" ولذلك قدَّرهُ: بمجموعين، وقد تقدَّم في بعض توجيهات "لمَّا" بالتَّشديد من غير تنوين، أنَّ المنون أصلها، وإنَّما أُجري الوصلُ مجرى الوقف، وقد عُرف ما فيه وخبر "إنْ" على هذه القراءة هي جملة القسمِ المقدَّرِ وجوابه سواءَ في ذلك تخريجُ أبي الفتح وتخريجُ شيخه. وأمَّا قراءةُ الأعمشِ فواضحةٌ جدًّا، وهي مفسَّرةٌ لقراءة الحسنِ المتقدِّمة، لولا ما فيها من مخالفة سوادِ الخط. وأمَّا قراءةُ ما في مصحفِ أبي كما نقلها أبُو حاتم فـ "إنْ" فيها نافية، و"مِنْ" زائدةٌ في النَّفي، و"كل" مبتدأ، و"ليُوفِّينَّهُم" مع قسمة المقدَّر خبرها، فتؤول إلى قراءة الأعمش التي قبلها، إذ يصيرُ التقديرُ بدون "مِنْ": "وإنْ كلٌّ إلاَّ ليُوفِّينَّهُم" والتنوين في "كلاً" عوضٌ من المضافِ إليه قال الزمخشري: يعني: وإنَّ كُلُّهُم، وإنَّ جميع المختلفين فيه. وقد تقدَّم أنَّهُ على قراءةِ "لمًّا" بالتنوين في تخريج أبي عليّ لهُ، لا يقدَّر المضافُ إليه "كل" إلاّ نكرةً لأجْلِ نعتها بالنَّكرةِ. وقد تضمَّنت هذه الآية الكريمة تأكيدات، فمنها: التوكيد بـ "إنَّ" وبـ "كُلّ" وبلام الابتداءِ الدَّاخلة على خبر "إنَّ" وبزيادة "ما" على رأي، وبالقسم المقدَّر وباللاَّم الواقعة جواباً له، وبنون التوكيد، وبكونها مشددة، وإردافها بالجملة التي بعدها من قوله {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} فإنَّه يتضمَّنُ وعيداً شديداً للعاصي، ووعداً صالحاً للطَّائع. وقرأ العامَّةُ: "يَعْمَلُون" بياء الغيبة، جرياً على ما تقدَّم من المختلفين، وقرأ ابنُ هرمز "بِمَا تعملُونَ" بالخطابِ، فيجُوزُ أن يكون التفاتاً من غيبة إلى خطابٍ، ويكونُ المخاطبون الغيب المتقدِّمين، ويجوز أن يكون التفاتاً إلى خطاب غيرهم. فصل معنى الآية: أنَّ من عجلت عقوبته، ومن أخرت ومن صدَّق الرُّسل، ومن كذَّب فحالهم سواء في أنَّهُ تعالى يوفيهم أجر أعمالهم في الآخرة، فجمعت الآية الوعد، والوعيد فإنَّ توفية جزاء الطاعات وعدٌ عظيمٌ، وتوفية جزاءِ المعاصي وعيدٌ عظيمٌ، وقوله: {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} توكيد للوعْدِ والوعيد، فإنَّه لمَّا كان عالماً بجميع المعلومات كان عالماً بمقادير الطَّاعات والمعاصي، فكان عالماً بالقدر اللاَّئق بكل عمل من الجزاءِ، فحينئذٍ لا يضيع شيء من الحقوق وذلك نهاية البيان. قوله تعالى: {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} الآية. لمَّا شرح الوعد الوعيد قال لرسوله "فاسْتقِمْ كما أمِرْتَ" وهذه كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ ما يتعلَّق بالعقائدِ والأعمال، سواء كان مختصًّا به، أو متعلقاً بتبليغ الوحي وبيان الشَّرائع، ولا شكَّ أنَّ البقاء على الاستقامة الحقيقيَّة مشكلٌ جدًّا. قال ابنُ الخطيب: وأنا أضربُ لذلك مثلاً يقربُ صعوبة هذا المعنى إلى العقلِ السَّليم، وهو انَّ الخطَّ المستقيم الفاصل بين الظِّلِّ وبين الضَّوء جزء واحد لايقبلُ القسمة في العرض، وذلك الخط ممَّا لا يدركه الحس، فإنَّه إذا قرب طرف الظل من طرف الضَّوءِ اشتبه البعضُ بالبعض في الحسّ، فلم يقع الحس على إدراك ذلك الخط بعينه بحيثُ يتميز عن كلِّ ما سواهُ. وإذا عرفت هذا في المثال فاعرف مثاله في جميع أبواب العبودية. فأولها: معرفة الله وتحصيل هذه المعرفة على وجه يبقى العقل مصوناً في طرف الإثبات عن التَّشبيه، وفي طرف النَّفي عن التَّعطيل في غاية الصعوبة، واعتبر سائر مقامات المعرفة من نفسك، وأيضاً فالقوَّة الغضبية والقوَّةُ الشهوانية حصل لك واحدة منهما طرفُ إفراط وتفريط، وهما مذمومان، والفاصلُ هو المتوسط بينهما بحيثُ لا يميلُ إلى أحدِ الجانبين، والوقوفُ عليه صعبٌ؛ فثبت أنَّ معرفة الصِّراط المستقيم في غاية الصُّعوبة، وبتقدير معرفته فالبقاء عليه والعمل به أصعب، ولما كان هذا المقام في غاية الصعوبة، لا جرم قال ابنُ عبَّاسٍ - رضي الله عنه -: ما نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم وشرَّف وكرم وبجَّل ومجَّد وعظَّم - في جميع القرآن آية أشق من هذه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : شيَّبتني هُود وأخواتها" تفسير : وروي عن بعضهم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فقلتُ لهُ: روي عنك أنك قلت: "شَيَّبَتْنِي هُود وأخواتُها" فقال: نَعَمْ" قلت: وبأي آية؟ فقال: قوله: "فاسْتَقِمْ كما أمِرْتَ". قوله: {كَمَآ أُمِرْتَ} الكافُ في محلِّ النصب، إمَّا على النَّعت لمصدرٍ محذوفٍ، كما هو المشهورُ عند المعربين قال الزمخشريُّ: أي اسْتقِم استقامةً مثل الاستقامةِ الَّتِي أمرتَ بها على جادًّة الحقِّ غير عادلٍ منها. وإمَّا على الحالِ من ضميرِ ذلك المصدر. واستفعل هنا للطَّلب، كأنه قيل: اطلب الإقامةَ على الدِّين، كما تقول: استغفر أي: اطلب الغفران. قوله: {وَمَن تَابَ مَعَكَ} في "مَنْ" وجهان، أحدهما: أنَّهُ منصوب على المفعول به، كذا ذكره أبو البقاء ويصير المعنى: استقم مصاحباً لمنْ تاب مُصاحباً لك، وفي هذا المعنى نُبوٌّ عن ظاهر اللفظ. والثاني: أنَّهُ مرفوعٌ فإنَّه نسقٌ على المستتر في "اسْتَقمْ"، وأغنى الفصلُ بالجارِّ عن تأكيده بضميرٍ منفصل في صحَّةِ العطف، وقد تقدَّم هذا البحث في قوله: {أية : ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ} تفسير : [البقرة:35]، وأنّ الصحيح أنَّهُ من عطف الجمل لا من عطف المفردات، ولذلك قدَّرهُ الزمخشريُّ فاستقم أنتَ، وليستقم من تاب مَعَكَ، فقدَّر الرافع له فعلاً لائقاً برفعه الظَّاهر. وقال الواحدي: محلها ابتداء تقديره: ومن تَابَ معكَ فلْيَستقِمْ فصل معنى الآية: {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} على دين ربِّك، والعمل به، والدُّعاء إليه، كما أمرت، {وَمَن تَابَ مَعَكَ} أي: مَنْ آمن معك فليَسْتَقِيمُوا، قال عمرُ بنُ الخطابِ - رضي الله عنه -: الاستقامةُ أن تَسْتَقِيمَ على الأمْرِ والنَّهْي، ولا تروغ روغان الثَّعلب. روى هشام بن عُروة عن أبيه عن سفيان بن عبدِ الله الثَّقفي - رضي الله عنه - قال: حديث : قلتُ يا رسُول الله قُلْ لِي فِي الإسلامِ قَوْلاُ لا أسْألُ عنهُ أحداً بعدك، قال: "قُلْ آمنْتُ باللَّهِ ثم اسْتٌقِمْ" . تفسير : فصل هذه الآية أصلٌ عظيم في الشَّريعة، وذلك أنَّ القرآن لمَّا ورد بترتيب الوضوء في اللفظ وجب اعتبار الترتيب فيه، لقوله: {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ}، ولمَّا ورد الأمرُ في الزَّكاةِ بأداء الإبل من الإبل، والبقرِ من البقرِ وجب اعتبارها، وكذا القولُ في كل ما ورد أمرُ الله به. قال ابنُ الخطيبِ: وعندي أنه لا يجوزُ تخصيص النصِّ بالقياسِ؛ لأنَّهُ لمَّا دلَّ عموم النَّص على حكم وجب العمل بمقتضاه، لقوله تعالى -: {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} فالعملُ بالقياسِ انحراف عنه. ثم قال: {وَلاَ تَطْغَوْاْ} أي: لا تجاوزوا أمري ولا تعصوني وقيل: لا تغلُوا فتزيدُوا على ما أمرت ونهيت والطُّغيان: تجاوز الحدِّ. وقيل: لا تطغوا في القرآن فتحلُّوا حرامهُ وتحرِّمُوا حلالهُ وقال ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهما -: "تواضعوا لله ولا تتكبروا على أحد" {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} قرأ العامَّة "تَعْمَلُونَ" بالتَّاء جرياً على الخطابِ المتقدم. وقرأ الحسن والأعمش وعيسى الثقفيُّ بياء الغيبة، وهو التفاتٌ من خطابٍ لغيبةٍ عكس ما تقدَّم في {بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. قوله تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ} قرأ العامَّةُ بفتح التَّاءِ والكاف، والماضي من هذا "رَكِن" بكسر العين كـ "عَلِمَ، وهذه الفصحى، كذا قال الأزهريُّ وقال غيره: "وهي لغةُ قريش" وقرأ أبو عمرو في رواية: "تِرْكَنُوا" بكسر حرف المضارعة وقد تقدَّم ذلك في قوله: "نَسْتعِينُ". وقرأ قتادةُ، وطلحةُ، والأشهب، ورويت عن أبي عمرو "تَرْكُنُوا" بضمِّ العين وهو مضارع "رَكَنَ" بفتحها كـ: قَتَلَ يَقْتُل، وقال بعضهم: هو من التَّداخُلِ، يعني من نطق بـ "رَكِنَ" بكسر العين قال: "يَرْكُن" بضمها، وكان من حقِّه أن يفتحَ، فلمَّا ضمّ علمنا أنه استغنى بلغةِ غيره في المضارع عن لغته، وأمَّا في هذه القراءةِ فلا ضرورة بنا إلى ادِّعاءِ التَّداخُل، بل ندَّعي أنَّ من فتح الكاف أخذه من: "رَكِنَ" بالكسرِ، ومن ضمَّها أخذه من "رَكَنَ" بالفتح، ولذلك قال الراغبُ: "والصحيحُ أن يقال: رَكِنَ يَرْكَنُ ورَكَنَ يَرْكُنُ بالكسر في الماضي مع الفتح في المضارع، وبالفتح في الماضي مع الضمِّ في المضارع" وشذَّ أيضاً قولهم: رَكَن يَرْكَن بالفتح فيهما، وهو من التداخل؛ فتحصًّل من هذا أنَّه قال: "رَكِنَ" بكسر العين وهي اللغة العالية كما تقدَّم، و"ركَنَ" بفتحها، وهي لغة قيس وتميم، وزاد الكسائيُّ: "ونَجْد" وفي المضارع ثلاثٌ: الفتحُ، والكسرُ، والضمُّ. وقرأ ابنُ أبي عبلة: "تُرْكَنُوا" مبنياً للمفعول من: أرْكَنَهُ إذا أمالهُ، فهو من باب "لا أرَيَنَّكَ ههنا" و {أية : فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ} تفسير : [الأعراف:2] وقد تقدم. والرُّكُونُ: المَيْل، ومنه الرُّكْنُ للاستنادِ إليه. قوله: "فَتَمَسَّكُم" منصوبٌ بإضمار "أنْ" في جوابِ النهي. وقرأ ابنُ وثاب وعلقمةُ، والأعمشُ في آخرين "فَتِمَسَّكُمُ" بكسر التَّاءِ. قوله: "وَمَا لَكُمْ" هذه الجملةُ يجوزُ أن تكون حاليةً، أي: تَمَسَّكم حال انتفاءِ ناصركم. ويجوز أن تكون مستأنفة و "مِنْ أولياءَ" "مِنْ" فيه زائدةٌ، إمَّا في الفاعل، وإمَّا في المبتدأ، لأنَّ الجارَّ إذا اعتمد على أشياءَ - أحدها النَّفيُ - رفع الفاعل. قوله: {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} العامَّةُ على ثبوتِ نُون الرَّفعِ؛ لأنه فعل مرفوع، إذ هو من باب عطف الجمل، عطف جملة فعلية على جملة اسميةَ. وقرأ زيد بن علي - رضي الله عنهما - بحذف نون الرفع، عطفه على "تمسَّكُم"، والجملةُ على ما تقدَّم من الحاليةِ أو الاستئناف، فتكون معترضةً، وأتى بـ "ثمَّ" تنبيهاً على تباعد الرُّتْبَة. فصل معنى الآية: قال ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: "ولا تميلُوا". والرُّكُونُ: هو المحبَّة والميل بالقلب. وقال أبو العاليةِ: لا ترضوا بأعمالهم. وقال السدي: لا تداهِنُوا الظَّلمة. وعن عكرمة: لا تطيعوهم وقيل لاتسكنوا إلى الذين ظلمُوا "فتَمسَّكُم"، فتصيبكم "النَّارُ وما لَكُم من دُونِ الله من أولياءَ" أي: ليس لكم أولياء ولا أعوان يخلصونكم من عذاب الله، ثُمَّ لا تجدُوا من ينصركُمْ. قوله تعالى: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ} الآية. لمَّا أمره بالاستقامة أردفهُ بالأمر بالصَّلاة، وذلك يدلُّ على أنَّ أعظم العبادات بعد الإيمان بالله هو الصلاة. قوله: {طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ} ظرفٌ لـ "أقِم" ويضعف أن يكون ظرفاً للصلاة، كأنه قيل: أي أقم الصَّلاة الواقعة في هذين الوقتين، والطرف، وإن لم يكن ظرفاً، ولكنَّه لمَّا أضيف الظَّرفِ أعرب بإعرابه، وهو كقولك: أتيته أول النَّهار، وآخرهُ ونصف الليلِ، بنصب هذه كلها على الظرف لمَّّا أضيفت إليه، وإن كانت ليست موضوعة للظَّرفية. وقرأ العامَّةُ "زُلَفاً" بضمِّ الزاي، وفتح اللام، وهي جمعُ "زُلْفة" بسكون اللام، نحو: غُرَف في جمع غُرفة، وظُلَم في جمع ظُلمه. وقرأ أبو جعفر، وابنُ أبي إسحاق بضمها، وفي هذه القراءةِ ثلاثةُ أوجه: أحدهما: أنَّهُ جمع "زُلْفَة" أيضاً، والضَّمُّ للإتباع، كما قالوا: بسْرة وبُسُر بضم السين إتباعاً لضمَّة الباء. الثاني: أنَّهُ اسمٌ مفرد على هذه الزِّنةِ كـ: عُنُق. الثالث: أنه جمعُ "زَلِيف" قال أبو البقاءِ: "وقد نُطِق به"، يعنى أنَّهم قالوا زَليف، و"فعيل" يجمعُ على "فُعُل" نحو: رَغِيف ورغف، وقَضِيب وقضُب. وقرأ مجاهدٌ وابنُ محيصنٍ بإسكان اللاَّم وفيها وجهان: أحدهما: أنَّهُ يحتمل أن تكون هذه القراءةُ مخفَّفةً من ضمِّ العين فيكون فيها ما تقدَّم. والثاني: أنَّهُ سكونُ أصلٍ من باب اسم الجنس نحو: بُسْرة وبُسْر من غير إتباع. وقرأ مجاهد وابن محيصنٍ وأيضاً في رواية: "وزُلْفَى" بزنة:"حُبْلَى" جعلوها على صفةِ الواحدة المؤنثة اعتباراً بالمعنى؛ لأنَّ المعنى على المنزلة الزُّلفى، أو الساعة الزُّلْفَى، أي: القريبة. وقد قيل: إنَّه يجوز أن يكون أبدلا التنوين ألفاً ثم أجريا الوصل مجرى الوقف فإنَّهُما يقرآن بسكون اللاَّم وهو محتملٌ. وقال الزمخشريُّ: والزُّلفى بمعنى الزُّلفة، كما أنَّ القربى بمعنى القربة يعنى: أنه ممَّا تعاقب فيه تاءُ التَّأنيث وألفه. وفي انتصاب: "زُلَفاً" وجهان: أظهرهم: أنه نسقٌ على "طَرفي" فينتصب الظَّرف، إذ المراد بها ساعات الليل القريبة. والثاني: أن ينتصب انتصابَ المفعول به نسقاً على الصَّلاة. قال الزمخشريُّ - بعد أن ذكر القراءات المتقدمة -: وهو ما يقرب من آخر النَّهار ومن الليل، وقيل: زُلَفاً من الليل وقُرْباً من الليل، وحقُّها على هذا التفسير أن تعطف على الصلاة، أي: أقم الصلاة طرفي النَّهار، وأقم زُلفاً من اللَّيل على معنى صلوات تتقرَّبُ بها إلى الله تعالى في بعض الليل. والزُّلفةُ: أول ساعات الليل، قاله ثعلبُ. وقال الأخفشُ وابنُ قتيبة: "الزلف: ساعات الليل وآناؤه، وكلُّ ساعة منه زلفة" فلم يخصصاه بأوَّلِ الليلِ؛ وقال العجاج: [الرجز] شعر : 3039- ناجٍ طواهُ الأيْنُ ممَّا وجَفَا طَيَّ اللَّيَالِي زُلَفاً فزُلفَا سماوةَ الهلالِ حَتَّى احقوْقَفَا تفسير : وأصلُ الكلمة من "الزُلْفَى" والقرب، يقال: أزْلفهُ فازْدلفَ، أي: قربَّهُ فاقتربَ قال تعالى: {أية : وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ} تفسير : [الشعراء:64] وفي الحديث: "حديث : ازْدَلِفُوا إلى الله بركعتيْنِ ". تفسير : وقال الرَّاغب: والزُّلفةُ: المَنْزِلَةُ والحُظْوة، وقد استعملت الزُّلفة في معنى العذابِ كاستعمال البشارة ونحوها، والمزالِفُ: المراقي: وسُمِّيت ليلة المزدلفة لقربهم من منى بعد الإفاضة. وقوله: "من اللَّيل" صفةٌ لـ "زُلَفاً". فصل معنى "طَرَفَي النَّهارِ" أي: الغداة والعشي. قال مجاهدٌ - رحمه الله -: طرفا النهار الصبح، والظهر، والعصر "وزُلفاً من اللَّيْلِ" يعنى: صلاة المغرب والعشاء. وقال الحسنُ: طرفا النَّهارِ: الصبح، والظهر والعصر "وزُلفاً من اللَّيل" المغرب والعشاء وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: طرفا النهار الغداوة والعشي، يعني صلاة الصبح والمغرب. فصل قال ابن الخطيب - رحمه الله -: "الأشهر أنَّ الصلوات التي في طرفي النهار هي الفجر والعصر، وذلك لأنَّ أحد طرفي النهار طُلوعُ الشَّمس، والطَّرف الثاني غروب الشمس. فالأول: هو صلاة الفجر. والطرف الثاني لا يجوز أن يكون صلاة المغرب؛ لأنها داخلة تحت قوله: {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلْلَّيْل} فوجب حملُ الطَّرف الثاني على صلاة العصر. وإذا تقرَّر هذا كانت الآية دليلاً على قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - في أنَّ التنوير بالفجرِ أفضل، وفي أنَّ تأخير العصر أفضل؛ لأنَّ ظاهر الآية يدلُّ على وجوب إقامة الصَّلاة في طرفي النهار، وبينا أنَّ طرفي النهار هما الزمان الأول لطلوع الشمس، والزَّمان الثَّاني لغروب الشمس، وأجمعت الأمة على أنَّ إقامة الصَّلاة في ذلك الوقت من غير ضرورة غير مشروعة فقد تعذَّر العملُ بظاهر الآية، فوجب حلمه على المجاز، وهو أن يكون المرادُ: إقامة الصلاة في الوقت الذي يقرب من طرفي النهار؛ لأنَّ ما يقرب من الشَّيءِ يجوزُ أن يطلقَ عليه اسمه، وإذا كان كذلك فكل وقتٍ كان أقرب لطلوع الشمسِ، وإلى غروبها كان أقربُ إلى ظاهر اللفظ، وإقامة صلاة الفجر عند التنوير أقرب إلى وقت الطُّلوع من إقامتها عند التغليس، وكذلك إقامة صلاة العصر عندما يصير ظل كل شيء مثليه، أقرب إلى وقت الغروب من إقامتها عندما يصير ظلُّ كل شيءٍ مثله، والمجازُ كلَّما كان أقرب إلى الحقيقة، كان حملُ اللفظ عليه أولى. فصل قال أبو بكر الباقلاني - رضي الله عنه -: إنَّ الخوارجَ تمسَّكُوا بهذه الآية في إثبات أنَّ الواجب ليس إلاَّ الفجر والعشاء من وجهين: الأول: أنَّهُمَا واقعان على طرفي النهار؛ فوجب أن يكون هذا القدر كافياً. فإن قيل: قوله {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلْلَّيْل} يوجب صلوات أخرى. قلت: لا نُسلِّمُ، فإنَّ طرفي النهار موصوفان بكونهما زُلفاً من اللَّيْلِ، فإن ما لا يكون نهاراً يكون ليلاً غاية ما في الباب أنَّ هذا يقتضي عطف الصفة على الموصوف، وذلك كثير في القرآن والشعر. الوجه الثاني: أنه تعالى قال: {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} وهذا يقتضي أنَّ من صلَّى طرفي النَّهار كان إقامتهما كفارة لكلّ ذنب، فبتقدير أن يقال: إنَّ سائرَ الصلوات واجبة إلاَّ أنَّ إقامتها يجب أن تكون كفارة لترك سائر الصلوات، وهذا القولُ باطلٌ بإجماع الأمَّةِ فلا يلتفتُ إليه. فصل قيل قي قوله تعالى: {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ} أنه يقتضي الأمر بإقامة الصلاة في ثلاث زلفٍ من الليل؛ لأنَّ أقلَّ الجمع ثلاثة، والمغربُ والعشاءُ وقتان؛ فيجب الحكمُ بوجوب الوتر. قوله: {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} قال ابن عبَّاسٍ: إنَّ الصَّلوات الخمس كفارة لسائر الذُّنوب بشرط اجتناب الكبائر. وروي عن مجاهدٍ - رحمه الله -: "إنَّ الحسناتِ هي قول العبد: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. حديث : وروي أنَّها نزلت في أبي اليسرِ، قال: أتتني امرأة تبتاع تَمْراً، فقلتُ لها إنَّ في بيتي تَمْراً أطيب من هذا؛ فدخلت معي في البيت، فأهويت إليها فقبَّلتُهَا، فأتَيْتُ أبا بكر - رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين - فذكرتُ ذلك له فقال: اسْتُرْ على نفسك وتب، فأتيتُ عمر - رضي الله عنه - فقال: اسْتُرْ على نفسك وتُب فلم أصْبِرْ، فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرتُ ذلك، فقال: "أخلفت غازياً في سبيل الله في أهلهِ بمثلِ هذا؟" حتَّى تمنَّى أنَّهُ لمْ يكُنْ أسلم إلاَّ تلك السَّاعة حتَّى ظنَّ أنَّهُ من أهْلِ النَّارِ. فأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى أوحي إليه {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ} الآية، فقال أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ألِهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال: "بَلْ للنَّاسِ عامَّة" تفسير : وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "حديث : الصَّلواتُ الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعةِ، ورمضانُ إلى رمضانَ مُكَفِّراتٌ ما بينهُنَّ إذا اجتُنِبت الكبائِرَ ". تفسير : وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : أرأيتُم لوْ أنَّ نهراً ببابِ أحدكمْ يغتَسِلُ فيه كلَّ يومٍ خمسَ مرَّاتٍ، هل يبْقَى من دَرَنِهِ شيءٌ"؟ قالوا: لا، قال: "فذلِكَ مثلُ الصَّلواتِ الخمسِ، يَمْحُوا اللَّهُ بهنَّ الخطايا ". تفسير : فصل احتجَّ من قال إنَّ المعصية لا تضرُّ مع الإيمان بهذه الآية؛ لأنَّ الإيمان أشرفُ الحسنات، وأجلها، وأعظمها، ودلَّت الآية على أنَّ الحسنات تذهبُ السيئات، والإيمان يذهب الكفر الذي هو أعلى درجة في العصيان؛ فلأن يذهب المعصية التي هي أقل درجة أولى، فإن لم يفد إزالة العقاب بالكلية فلا أقلَّ من أن يفيد إزالة العقابِ الدَّائم المؤبَّدِ. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} أي: ذلك الذي ذكرناه، وقيل: إشارة إلى القرآن "ذِكْرَى" موعظة، "للذَّاكرِينَ" أي: لمن ذكره "واصْبِرْ" يا محمَّدُ على ما تلقى من الأذى. وقيل: على الصَّلاة، نظيرهُ: قوله تعالى: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا} تفسير : [طه:132] {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} في أعمالهم، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - "يعني المصلِّينَ".
القشيري
تفسير : اختلفوا في الكتاب الذي أوتي، وهو التوراة. واختلفوا في كونه رسولاً، فمِنْ مُصَدِّقٍ ومِنْ مْكذِّب. ثم أخبر أنه - سبحانه - حَكَمَ بتأخير العقوبة، ولولا حكمته لعجَّل لهم العقوبة. وفائدةُ الآية من هذا التعريفِ التخفيفِ على المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فيما كان يلقاه من قومه من التكذيب، ففي سماع قصة الأشكال - وبعضُهم من بعض - سلوة، ولقد قيل: شعر : أجارتَنا إنَّا غريبان ها هنا وكلُّ غريبٍ للغريب نسيب
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد} اى وبالله لقد {آتينا موسى الكتاب} اى التوراة وهو اول كتاب اشتمل على الاحكام والشرائع واما ما قبله من الكتب فانما كانت مشتملة على الايمان بالله وتوحيده ومن ثمة قيل لها صحف واطلاق الكتب عليها مجاز {فاختلف فيه} اى فى شأنه وكونه من عند الله وآمن به قوم وكفر به آخرون فلا تبال يا محمد باختلاف قومك فيما آتيناك من القرآن واصبر على تكذيبهم كما صبر موسى على تكذيب قومه. ففيه تسلية له صلى الله عليه وسلم ولما قسم صلى الله عليه وسلم غنائم الطائف واطال بعض المنافقين الكلام فى انه لم يعدل فى القسمة قال عليه السلام "حديث : من يعدل اذا لم يعدل الله ورسوله رحمة الله على اخى موسى لقد اوذى باكثر من هذا فصبر" تفسير : يعنى ان موسى اصابه الكثير من جهة قومه فصبر على اذاهم فلم يجزع فانا احق بالصبر منه لان الجمعية الكمالية فى ذاته عليه السلام اتم فحظه من الصفات الالهية والاخلاق الحميدة الربانية اكثر واوفر: قال المولى الجامى قدس سره فى نعته شعر : بر دفتر جلال تو تورات يك رقم وزمصحف جمال توانجيل يك ورق تفسير : {ولولا كلمة سبقت من ربك} هى كلمة القضاء بانظارهم الى يوم القيامة. قال سعدى المفتى الا ظهر ان لا تقيد بيوم القيامة فان اكثر طغاتهم نزل بهم العذاب يوم بدر وغيره {لقضى بينهم} اى لا وقع القضاء بين المختلفين من قومك بانزال العذاب الذى يستحقه المبطلون ليتميزوا به عن المحقين {وانهم} اى وان كفار مكة اريد به بعض من رجع اليهم ضمير بينهم للامن من الالباس {لفى شك} عظيم {منه} اى من القرآن وان لم يجر له ذكر فان مقام التسلية ينادى على ذلك نداء غير خفى {مريب} وصف لشك يقال ارابه اوقعه فى الريبة. يعنى [نفس را مضطرب ودل را شوريده كننده]
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {وإنَّ كلاًّ لما ليوفينهم}: إن: مخففة عاملة، والتنوين في (كُلا) عوض عن المضاف. و"ما": موصولة، واللام: لام الابتداء، و {ليوفينهم}: جواب لقسم محذوف، وجملة القسم وجوابه: صلة "ما"، أي: وإن كل الفريقين للذين، والله ليوفينهم ربك أعمالهم. ومن قرأ: "لمَّا"؛ بالتشديد، فعلى أن (إن) نافية، و "لما" بمعنى إلا، وقيل: غير هذا. يقول الحق جل جلاله: {ولقد آتينا موسى الكتاب}: التوراة، {فاختُلف فيه}؛ فآمن به قوم وكفر به قوم، كما اختلف هؤلاء في القرآن، {ولولا كلمة سبقت من ربك} وهي: كلمة الإنظار إلى يوم القيامة، {لقُضي بينهم} بإنزال ما يستحقه المبطل من الهلاك، ونجاة المحق. {وإنهم} أي: قوم موسى، أو كفار قومك، {لفي شك منه} أي: التوراة، أو من القرآن، {مريب}: موقع في الريبة، {وإنَّ كلاَّ} من الفريقين المختلفين، المؤمنين والكافرين، للذين {ليوفينهم ربك} جزاء أعمالهم، ولا يهمل منه شيئاً ـ {إنه بما يعملون خبير} فلا يفوته شيء منه وإن خفي. الإشارة: الاختلاف على الأنبياء والأولياء سنة ماضية. ولولا أن الله سبحانه حكم في سابق علمه أنه لا يفضح الضمائر إلا يوم تُبلى السرائر، لفضح أسرار البطالين. وأظهر منار الذاكرين من السائرين أو الواصلين. لكنه سبحانه أخر ذلك بحكمته وحلمه، إلى يوم الدين. والله تعالى أعلم. ثم بيَّن أصل الأعمال وأفضلها، وهي الاستقامة، فقال: {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ}.
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى أنه أعطى موسى الكتاب يعني التوراة وإن قومه اختلفوا فيه يعني في صحة الكتاب الذي انزل اليه، وأراد بذلك تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عن تكذيب قومه إياه وجحدهم للقرآن المنزل عليه، فبين له أنه كذلك فعل قوم موسى بموسى، فلا تحزن لذلك، ولا تغتم له. ثم قال {ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم} معناه ولولا خبر الله السابق بأنه يؤخر الجزاء الى يوم القيامة لما في ذلك من المصلحة، لجعل الثواب والعقاب لأهله. (والكلمة) واحدة الكلم ولذلك، يقال للقصيدة: كلمة. ثم أخبر عن حال كفار قوم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لفي شك مما اخبرناك به مريب، و (الريب) أقوى الشك. (والاختلاف) ذهاب كل واحد الى جهة غير جهة الآخر، وهو على ثلاثة أوجه: احدها - اختلاف النقيضين فهذا لا يجوز أن يصحا معاً، فاحدهما مبطل لصاحبه. والآخر اختلاف الجنسين، كاختلاف المجتهدين في جهة القبلة، فهذا يجوز أن يصحا، لانه تابع للمصلحة ولا تناقض في ذلك، ومنه اختلاف المجتهدين في الفروع على مذهب من قال بجوازه.
اطفيش
تفسير : {ولَقَد آتيْنا مُوسَى الكِتابَ} التوراة {فاختُلفَ فيهِ} أى فى الكتاب، وهو نائب اختلف، آمن به قوم وكذب به آخرون، كما اختلف هؤلاء فى القرآن بالتصديق والتكذيب فاصبر، ويجوز أن ترجع الهاء إلى موسى، والأول أظهر، وقيل فى معنى على، أى على موسى {ولَوْلا كَلمةٌ سَبقَتْ} صفة، والخبر محذوف، وأجيز أن يكون خبراً {مِنْ ربِّكَ} وهى وعده بتأخير الجزاء إلى يوم القيامة. {لَقُضِىَ بيْنهمْ} بإنزال ما يتميز به المبطل كالإهلاك، والعذاب من الحق كالنجاة، والهاء لكفار العرب، وقيل: لقوم موسى عليه السلام، وهو مشكل، لأنه قد قضى بينهم بإغراق المبطلين، إلا إن أراد صاحب هذا القول بالقضاء بينهم القضاء بغير الغرق، كإدخالهم النار فى الدنيا، وتعذيبهم فيها على حد التعذيب فى الآخرة، بتسليط الزبانية ونحو ذلك. {وإنَّهمْ} أى كفار قومك، أو قوم موسى {لَفى شَكٍّ منهُ} من القرآن على الأول، والكتاب وهو التوراة على الثانى، واستحسن بعضهم فى ذلك كله التعميم، على أن الهاء للكتاب، لأن كفار العرب لم يؤمنوا بالتوراة، بل شكوا فيها، سلمنا أنهم آمنوا لكن تكذيبهم بالقرآن تكذيب لها، يجوز عود هاء منه لربك، فإن الشك فى كتاب الله ورسوله شك فيه، أو يقدر لفى شك من دينه أو رسوله، أو كتابه هذا، وعودها للكتاب أولى من عودها للقرآن إذ لم يتقدم له ذكر {مُريبٍ} موقع فى الريب، وفيه تقوية لمعنى الشك.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتَابَ} التوراة {فاخْتُلِفَ} اختلف قومه {فِيهِ} نائِب الفاعل، آمن بعضهم وكذب بعضهم ولم يؤْمنوا كلهم فتسل بذلك إِذ كفر بعض قومك بالقرآن ولم يؤْمنوا كلهم، وفى على ظاهرها أَو للسببية أو الهاءُ للكتاب وإِن جعلناها بمعنى على فالهاءُ لموسى وقيل له: ولو أَبقيت على ظاهرها أَى فيه من حيث النبوة أَو فى نبوته {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ} أى قضاءُ {سَبَقتْ مِن رَّبِّكَ} بتأْخير الموت إٍلى وقته والعذاب إِلى وقته من الموت ومن القيامة والحساب إِليه {لَقُضِىَ بْيْنَهُمْ} فى الدنيا، حكم فيها بإِهلاك المبطل وبحكم الآخرة، والهاءُ لقوم موسى فقومك يا محمد مثلهم أَخرنا القضاءَ بينهم للكلمة السابقة أَى بين المؤْمنين والكافرين فى الفريقين أَو بين قومك وقوم موسى كما قيل، وهو ضعيف، الوجه الأَول يناسب قرب ذكر قوم موسى والثانى يناسبه أَن الكلام فى قوله صلى الله عليه وسلم وأَما ذكر قوم موسى فللتمثيل والتسلى بقى أَن قوم موسى لم يكفروا بالتوراة وفرعون وقومه ولو كانوا من قوم موسى لكنهم هلكوا قبل نزول التوراة، ومن كفر من بنى إِسرائِيل بالتوراة قليل فيعتبر هذا القليل أَو أُريد بالكتاب الصحف على أَنها أُنزلت فى حياة فرعون وكفر بها وقيل بين قومك يا محمد {وَإِنَّهُمْ} أَى كفار قومك يا محمد {لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ} من القرآن المفهوم من سوق الكلام {مُرِيبٍ} موقع فى الريبة، فإِن الشك ليس نفس الإيقاع فى الريبة أَو فى شك ذى ريبة، أَو الضميرِ عائِد إِلى قوم موسى مع عوده إِليهم قبل أَو عائِد إِلى القومين وهاءُ منه تابعة لذلك بأَن ترجع للكتاب أَو للقرآن، وقيل للوعيد المفهوم.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ} أي التوراة {فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} أي في شأن الكتاب وكونه من عند الله تعالى فآمن به قوم وكفر به آخرون فلا تبال باختلاف قومك فيما آتيناك من القرآن، وقولهم: {أية : لَوْلآ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآء مَعَهُ مَلَكٌ }تفسير : [هود: 12] وزعمهم أنك افتريته. وجوز رجوع الضمير إلى موسى وهو خلاف الظاهر، وإن كان الاختلاف فيه عليه السلام هل هو نبـي أم لا؟ مستلزماً للاختلاف في كتابه هل هو من الله تعالى أم لا، وقيل: إن ـ في ـ على هذا الاحتمال بمعنى على أي فاختلف قومه عليه وتعنتوا كما فعل قومك معك {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ} وهي كلمة القضاء بتأخير العذاب إلى الأجل المعلوم على حسب الحكمة الداعية إلى ذلك {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} أي لأوقع القضاء بين المختلفين من قومك بإنزال العذاب الذي يستحقه المبطلون ليتميزوا به عن المحقين. وفي «البحر» إن الظاهر عود الضمير على قوم موسى، قيل: وليس بذاك. وقال ابن عطية: عوده على القومين أحسن عندي، وتعقب بأن قوله سبحانه: {أية : وَإِنَّ كُـلاًّ }تفسير : [هود: 111] الخ ظاهر في التعميم بعد التخصيص وفيه نظر، والأولى عندي الأول {وَإِنَّهُمْ} أي وإن كفار قومك أريد بالضمير بعض من رجع إليهم ضمير {بَيْنَهُمْ} للأمن من الإلباس {لَفِي شَكّ} عظيم {مِنْهُ} أي من القرآن وإن لم / يجر له ذكر فان ذكر إيتاء كتاب موسى ووقوع الاختلاف فيه لا سيما بصدد التسلية يناديه نداءً غير خفي. وقيل: الضمير للوعيد المفهوم من الكلام {مُرِيبٍ} أي موقع في الريبة، وجوز أن يكون من أراب إذا صار ذا ريبة.
ابن عاشور
تفسير : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} اعتراض لتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وتسليتِه بأنّ أهل الكتاب وهم أحسن حالاً من أهل الشّرك قد أوتوا الكتاب فاختلفوا فيه، وهم أهل مِلّة واحدة فلا تَأس من اختلاف قومك عليك، فالجملة عطف على جملة {أية : فلا تك في مرية}تفسير : [هود: 109]. ولأجل مَا فيها من معنى التّثبيت فُرع عليها قوله: {أية : فاستقم كما أمرت}تفسير : [هود: 112]. وقوله: {فاختلف فيه} أي في الكتاب، وهو التّوراة. ومعنى الاختلاف فيه اختلاف أهل التّوراة في تقرير بعضها وإبطال بعض، وفي إظهار بعضها وإخفاء بعض مثل حكم الرجم، وفي تأويل البعض على هواهم، وفي إلحاق أشياء بالكتاب على أنّها منه، كما قال تعالى: {أية : فويل للّذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثمّ يقولون هذا من عند الله}تفسير : [البقرة: 79]. فهذا من شأنه أن يقع من بعضهم لا من جميعهم فيقتضي الاختلاف بينهم بين مُثبت ونافٍ، وهذا الاختلاف بأنواعه وأحواله يرجع إلى الاختلاف في شيء من الكتاب. فجمعت هذه المعاني جمعاً بديعاً في تعدية الاختلاف بحرف (في) الدالة على الظرفيّة المجازيّة وهي كالملابسة، أي فاختلف اختلافاً يلابسه، أي يلابس الكتاب. ولأنّ الغرض لم يكن متعلّقاً ببيان المختلفين ولا بذمّهم لأنّ منهم المذموم وهم الذين أقدموا على إدخال الاختلاف، ومنهم المحمود وهم المُنكرون على المبدّلين كما قال تعالى: { أية : منهم أمّةٌ مقتصدةٌ وكثيرٌ منهم ساء ما يعملون}تفسير : [المائدة: 66] وسيجيء قوله: {أية : وإن كُلا لَمَا ليوفينّهم ربك أعمالهم}تفسير : [هود: 111]، بل كان للتّحذير من الوقوع في مثله. بُني فعل (اختلف) للمجهول إذ لا غرض إلاّ في ذكر الفعل لا في فاعله. يجوز أن يكون عطفاً على جملة {أية : وإنّا لموفوهم نصيبهم غير منقوص}تفسير : [هود: 109] ويكون الاعتراض تمّ عند قوله: {فاختلف فيه}، وعليه فضمير {بينهم} عائد إلى اسم الإشارة من قوله: {أية : ممّا يعبد هؤلاء}تفسير : [هود: 109] أي ولولا ما سبق من حكمة الله أن يؤخّر عنهم العذاب لقضي بينهم، أي لقضى الله بينهم، فأهلك المشركين والمخالفين ونصر المؤمنين. فيكون {بينهم} هو نائب فاعل (قُضي). والتّقدير: لوقع العذاب بينهم، أي فيهم. ويجوز أن يكون عطفاً على جملة {فاختلف فيه} فيكون ضمير {بينهم} عائداً إلى ما يفهم من قوله: {فاختُلف فيه} لأنّه يقتضى جماعة مختلفين في أحكام الكتاب. ويكون {بينهم} متعلّقاً بـ(قُضي)، أي لحكم بينهم بإظهار المصيب من المخطىء في أحكام الكتاب فيكون تحذيراً من الاختلاف، أي أنّه إن وقع أمهل الله المختلفين فتركهم في شكّ. وليس من سنة الله أن يقضي بين المختلفين فيوقفهم على تمييز المحق من المبطل، أي فعليكم بالحذر من الاختلاف في كتابكم فإنّكم إن اختلفتم بقيتم في شك ولحقكم جزاء أعمالكم. و{الكلمة} هي إرادة الله الأزليّة وسنته في خلقه. وهي أنّه وكل النّاس إلى إرشاد الرسل للدّعوة إلى الله، وإلى النّظر في الآيات، ثم إلى بذل الاجتهاد التّام في إصابة الحق، والسعي إلى الاتفاق ونبذ الخلاف بصرف الأفهام السديدة إلى المعاني، وبالمراجعة فيما بينهم، والتبصّر في الحق، والإنصاف في الجدل والاستدلال، وأن يجعلوا الحق غايتهم والاجتهاد دأبهم وهجّيراهم. وحكمة ذلك هي أنّ الفصل والاهتداء إلى الحقّ مصلحة للنّاس ومنفعة لهم لا لله. وتمام المصلحة في ذلك يحْصل بأن يبذلوا اجتهادهم ويستعملوا أنظارهم لأنّ ذلك وسيلة إلى زيادة تعقلهم وتفكيرهم. وقد تقدّم في قوله تعالى: {أية : وتمّت كلمات ربك صدقاً وعدلاً }تفسير : في سورة [الأنعام: 115] وقوله: {أية : ويريد الله أن يحقّ الحق بكلماته}تفسير : في سورة [الأنفال: 7]. ووصفها بالسبق لأنّها أزلية، باعتبار تعلق العلم بوقوعها، وبأنّها ترجع إلى سنة كلية تقررت من قبل. ومعنى {لقضي بينهم} أنّه قضاء استئصال المبطل واستبقاء المحق، كما قضى الله بين الرسل والمكذبين، ولكن إرادة الله اقتضت خلاف ذلك بالنسبة إلى فهم الأمة كتابها. وضمير {بينهم} يعود إلى المختلفين المفاد من قوله: {فاختلف فيه} والقرينة واضحة. ومتعلق القضاء محذوف لظهوره، أي لقضي بينهم فيما ختلفوا فيه كما قال في الآية الأخرى {أية : إنّ ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}تفسير : [السجدة: 25]. يجوز أن يكون عطفاً على جملة {أية : وإنّا لموفوهم نصيبهم غير منقوص}تفسير : [هود: 109] فيكون ضمير {وإنّهم} عائداً إلى ما عاد إليه ضمير {أية : ما يعبدون}تفسير : [هود: 109] الآية، أي أنّ المشركين لفي شك من توفية نصيبهم لأنّهم لا يؤمنون بالبعث. ويلتئم مع قوله: {ولولا كلمة سبقت من ربّك لقضي بينهم} على أوّل الوجهين وأولاهما، فضمير {منه} عائد إلى {يوم} من قوله: {أية : يوم يأتِ لا تكلم نفس}تفسير : [هود: 105] إلخ. ويجوز أن تكون عطفاً على جملة {فاختلف فيه}، أي فاختلف فيه أهله، أي أهل الكتاب فضمير {وإنّهم} عائد إلى ما عاد إليه ضمير {بينهم} على ثاني الوجهين، أي اختلف أهل الكتاب في كتابهم وإنّهم لفي شكّ. أمّا ضمير {منه} فيجوز أن يعود إلى الكتاب، أي أقدموا على ما أقدموا عليه على شكّ وتردّد في كتابهم، أي دون علم يوجب اليقين مثل استقراء علمائنا للأدلّة الشرعيّة، أو يوجب الظنّ القريب من اليقين، كظن المجتهد فيما بلغ إليه اجتهاده، لأن الاستدلال الصّحيح المستنبط من الكتاب لا يعدّ اختلافاً في الكتاب إذ الأصل متّفق عليه. فمناط الذمّ هو الاختلاف في متن الكتاب لا في التّفريع من أدلّته. ويجوز أن يكون ضمير {منه} عائداً إلى القرآن المفهوم من المقام ومن قوله: {أية : ذلك من أنباء القرى نقصّه عليك}تفسير : [هود: 100]. والمريب: المُوقع في الشكّ، ووصف الشكّ بذلك تأكيد كقولهم: ليل أليل، وشعر شاعر.
الواحدي
تفسير : {ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه} هذه الآية تعزيةٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتسليةٌ له باختلاف قوم موسى في كتابه {ولولا كلمة سبقت من ربك} بتأخير العذاب عن قومك {لَقُضي بينهم} لَعُجِّل عقابهم، وفُرِغَ من ذلك {وإنهم لفي شك منه} من القرآن {مريب} موقعٍ للرِّيبة. {وإنَّ كلاًّ} من البرِّ والفاجر، والمؤمن والكافر {لما} يعني: لمَنْ، في قول الفرَّاء، وفي قول البصريين "ما" زائدة، والمعنى: وإنَّ كلاً {ليوفينهم ربك أعمالهم} أَيْ: ليتمنَّ لهم جزاء أعمالهم. {فاستقم} على العمل بأمر ربك والدُّعاء إليه {كما أمرت} في القرآن {ومن تاب معك} يعني: أصحابه، أَيْ: وليستقيموا هم أيضاً على ما أُمروا به {ولا تَطْغَوا} تواضعوا لله ولا تتجبَّروا على أحدٍ {إنه بما تعملون بصير} لا تخفى عليه أعمال بني آدم. {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} لا تُداهنوهم ولا ترضوا بأعمالهم، يعني: الكفَّار {فتمسكم النار} فيصيبكم لفحها {وما لكم من دون الله من أولياء} من مانع يمنعكم من عذاب الله {ثم لا تنصرون} استئنافٌ.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الكتاب: أي التوراة. ولولا كلمة سبقت: أي لولا ما جرى به قلم القدر من تأخير الحساب والجزاء إلى يوم القيامة. لفي شك منه مريب: أي موقع في الريب الذي هو اضطراب النفس وقلقها. فاسقتم كما أمرت: أي على الأمر والنهي كما أمرك ربك بدون تقصير. ولا تطغوا: أي لا تجاوزا حدود الله. ولا تركنوا إلى الذين ظلموا: أي لا تميلوا إليهم بموادة أو رضا بأعمالهم. فتمسكم النار: أي تصيبكم ولازم ذلك دخولها. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وحمله على الصبر والثبات وهو يبلغ دعوة الله تعالى ويدعو إلى توحيده مواجها صلف المشركين وعنادهم فيقول له. {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ} أي التوراة كما أنزلنا عليك القرآن. فاختلفت اليهود في التوراة فمنهم من آمن بها ومنهم من كفر كما اختلف قومك في القرآن فمنهم من آمن به ومنهم من كفر إذاً فلا تحزن. وقوله تعالى {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} وهي تأخير الجزاء على الأعمال في الدنيا إلى القيامة {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} فنجى المؤمنين وأهلك الكافرين. وقوله تعالى {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} وإن قومك من مشركي العرب لفي شك من القرآن هل هو وحي الله وكلامه أو هو غير ذلك مريب أي موقع في الريب الذي هو شك مع اضطراب النفس وقلقها وحيرتها وقوله تعالى {وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} أي وإن كل واحد من العباد مؤمناً كان أو كافراً باراً أو فاجراً ليوفينّه جزاء عمله يوم القيامة ولا ينقصه من عمله شيئاً وقوله {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} تقرير لما أخبر به من الجزاء العادل إذ العلم بالعمل والخبرة التامة به لابد منهما للتوفية العادلة. وقوله تعالى {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ} أي بناء على ذلك فاستقم كما أمرك ربك في كتابه فاعتقد الحق واعمل الصالح واترك الباطل ولا تعمل الطالح أنت ومن معك من المؤمنين ليكون جزاؤكم خير جزاء يوم الحساب والجزاء. وقوله {وَلاَ تَطْغَوْاْ} أي لا تتجاوزوا ما حد لكم في الاعتقاد والقول والعمل وقوله {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} تحذير لهم من الطغيان الذي نهوا عنه، وتهديد لمن طغى فتجاوز منهج الاعتدال المأمور بالتزامه. وقوله تعالى {وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ} أي لا تميلوا إلى المشركين بمداهنتهم أو الرضا بشركهم فتكونوا مثلهم فتدخلوا النار مثلهم فتمسكم النار كما مستهم، وقوله تعالى {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} أي إن أنتم ركنتم إلى الذين ظلموا بالشرك بربهم فكنتم في النار مثلهم فإِنكم لا تجدون من دون الله وليّاً يتولى أمر الدفاع عنكم ليخرجكم من النار ثم لا تنصرون بحال من الأحوال، وهذا التحذير وإن وجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ابتداء فإِن المقصود به أمته إذ هي التي يمكنها فعل ذلك أما الرسول صلى الله عليه وسلم فهو معصوم من أقل من الشرك فكيف بالشرك. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والتخفيف عنه مما يجده من جحود الكافرين. 2- بيان سبب تأخر العذاب في الدنيا، وهو أن الجزاء في الآخرة لا في الدنيا. 3- الجزاء الأخروي حتمي لا يتخلف أبداً إذ به حكم الحق عز وجل. 4- وجوب الاستقامة على دين الله تعالى عقيدة وعبادة وحكماً وأدباً. 5- حرمة الغلو وتجاوز ما حد الله تعالى في شرعه. 6- حرمة مداهنة المشركين أو الرضا بهم أو بعملهم، لأن الرضا بالكفر كفر.
القطان
تفسير : شك منه مريب: قوي دائم. طرفي النهار: الغدوة العشيّة، يعني صلاة الصبح والظهر والعصر. وزلفاً من الليل: الساعات الاولى منه، صلاة المغرب والعشاء. {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ}. بعد ان ذكّر مشركي مكة بالماضين من أمثالهم، وما جرى لهم في الدنيا وما سينالهم في الآخرة - ذكّرهم هنا في هاتين الآيتين بقوم موسى، واختلافهم في الكتاب. فمنهم من آمن ومنهم من كفر، فلا عجب أن آمن بك قومٌ ايها الرسول وكفر بك آخرون. ولقد آتينا موسى التوراةَ فاختلف بنو اسرائيل فيها، ولولا كلمةٌ سبقت من ربك بتأخير عذابهم الى يوم القيامة لفصل بينَهم بإهلاك المبطِلين ونجاة المحقّين. ان كفار قومك يشكّون في صدق القرآن، وكذلك هؤلاء الذين ورثوا التوراة واقعون في حيرة وبعدٍ عن الحقيقة. {وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. ان ربّك سيوفي كل فريق من هؤلاء: المصدّقين والمكذبين، جزاء اعمالهم، وهو خبير بهم يحيط علمه بكل ما يعملون. قراءات: قرأ ابن كثير ونافع وابو بكر "وان كلا" باسكان النون. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة "لما" بالتشديد والباقون "لما" بالتخفيف. وبعد ان بيّن الله أمر المختلفين في التوحيد والنبوّة، وذكَرَ وعْدَهم ووعيدَهم - أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين بالاستقامة، وهي كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل والاخلاق الفاضلة، فقال. {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. ما دام هذا حالُ الأمم التي جاءها كتاب من الله فاختلفت فيه وخرجت عليه، فاستِقم انت يا محمد ومن معك من المؤمنين ولا تتجاوزوا حدودَ الاعتدال، انه سبحانه محيط علمه بكل ما تعملون. {وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ}. لا تميلوا ادنى ميلٍ ولا تطمئنوا الى اعداء الله وأَعدائكم الذين ظلموا أنفسَهم بالكفر والشرك.. فتستَحِقّوا عذابَ النار مثلهم. انه لا ناصر لكم غير الله، ولا تنصَرون الا بالاستقامة والايمان. وكذلك لاتسكُتوا عن المنكر إذا رأيتموه.. فإن الامام أحمد وأصحاب السُنن رووا عن ابي بكر رضي الله عنه انه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ان الناس اذا رأوا المنكَر بينهم فلم يُنكِروه، يوشكُ أن يعمَّهم الله بعقابه" تفسير : وهذا ما هو حاصل فينا اليوم. {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ}. بعد ان امر الله رسولَه بالاستقامة وعدم تجاوُزِ ما رسمه الدين، وعدم الركون الى الظالمين، أمره هنا بأفضلِ العبادات وأجلّ الفضائل، فقال: يا محمد، أقمِ الصلاة كاملة على أحسن وجه، وداومْ عليها في طرفَي النهار (وهما أوله وآخره)، وفي اوقات متفرقة منه. وهذه تشمل أوقاتَ الصلاة المفروضة دوت تحديد عددها، لكن السُّنة وعمل الرسول الكريم حددت ذلك. وقد خصّ الله تعالى الصلاة بالذكر لانها أساس العبادات. {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ}. ان الأعمال الحسنة تمحو السيئاتِ التي قلّما يخلو منها البشر، والمراد بالسيئات الذنوب الصغيرة، لان الكبائر لا يكفّرها الا التوبة. كما قال تعالى {أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} تفسير : [النساء: 31]. وفي الحديث الصحيح: "حديث : الصلوات الخمسُ كفّارة لما بينَها ما اجتُنبت الكبائر" تفسير : رواه مسلم وفي صحيح البخاري ايضا: "حديث : أرأيتُم لو ان نهراً بباب أحدِكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا قال: فذلك مثلُ الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا ". تفسير : {ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ}. ان في الوصايا السابقة من الاستقامة، والنهي عن الركون الى الذين ظلموا، واقامة الصلاة في تلك الأوقات عبرةً للمتعظين المستعدين لقبولها، الذين يذكرون ربهم على الدوام. والاستقامة في حاجة الى الصبر، ولذلك عقب الله على ذلك بقوله: {وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ}. اصبر ايها النبي على مشاقّ ما أمرناك به، فالاستقامة احسان، واقامة الصلاة في اوقاتها احسان، والصبر على المكاره احسان، والله لا يضيع أجر المحسنين.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَيْنَا} {ٱلْكِتَابَ} (110) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى (الكِتَابَ) فَاخْتَلَفَ قَوْمُهُ فِي تَفْسِيرِهَا، وَفَهْمِ مَعْنَاهَا، حَسَبَ أَهْوَائِهِمْ وَشَهَوَاتِهِمْ، فَتَفَرَّقُوا شِيَعاً، وَابْتَعَدَ الكَثِيرُونَ مِنْهُمْ عَنِ الحَقِّ، وَلَولا مَا تَقَدَّمَ مِنَ اللهِ تَعَالَى مِنْ وَعْدِهِ بِتَأْجِيلِ العَذَابِ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ (أَجَلٍ مَعْلُومٍ)! لَقَضَى اللهُ بَيْنَهُمْ. وَهؤلاءِ الذِينَ وَرِثُوا التَّورَاةَ لَفِي شَكٍّ مُحَيِّرٍ مِنْ أَمْرِهَا. (وَقَدْ يَكُونُ المَعْنَى هُوَ: وَلَوْلاَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَضَى بِأَنْ لاَ يُعَذِّبَ أَحَداً إِلاَّ بَعْدَ قِيَامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ لَقَضَى بَيْنَهُمْ). مُرِيبٍ - مُثِيرٍ للرِّيبَةِ وَقَلَقِ النَّفْسِ أَوْ مُوقِعٍ فِي الرِّيْبَةِ.
الثعلبي
تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا} أعطينا {مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} ممّن صدف عنه وكذبّ به، كما فعل قومك بالقرآن يُعزّي نبيه صلى الله عليه وسلم {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} في تأخير العذاب {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} أُفرغ من عقابهم وإهلاكهم، يعني المختلفين المخالفين. {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} موقع في الريب والتهمة، يقال: أراب الرجل، أي جاء بريبة، وألام إذا أتى بما يُلام عليه، قال الشاعر: شعر : تعد معاذراً لا عذر فيها ومن يخذل أخاه فقد ألاما تفسير : {وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا} اختلف فيه القُرّاء، فقرأ ابن عامر وأبو جعفر وحمزة {وَأنَ} بتخفيف النون وَ{لَمَّا} بتشديد الميم على معنى فأنّ كلاً لمّا {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ}، ولكن لما اجتمعت الميمات حذفت واحدة،كقول الشاعر: شعر : كان من أخرها لقادم مخرم نجد فارع المحارم تفسير : أراد إلى القادم، فحذف اللام عند اللام وتكون {مَآ} بمعنى من تقديره لممّن يوفينّهم، كقول الشاعر: شعر : وأنّيَ لمّا أصدر الأمر وجهه إذا هو أعيا بالسبيل مصادره تفسير : وقيل: أراد وأن كلا لمّاً بالتنوين والتشديد، قرأها الزهري بالتنوين أي وإن كلاً شديداً وحقاً ليوفينّهم {رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} من قوله تعالى: كلاّ لمّا، أي شديداً فحذفوا التنوين وأخرجوه على هذا فعلى، كما فعلوا في قوله: ثم أرسلنا رسلنا تترى، وقرأ نافع وابن كثير بتخفيف النون والميم على معنى إن الثقيلة مخفّف، وأنشد أبو زيد: شعر : ووجه مشرق النحر كأنْ ثدييه حُقّان تفسير : أراد كان فخفّف ونصب به، و {مَآ} صلة تقديره وإن كلا ليوفينّهم. وقرأ أبو عمرو والكسائي ويعقوب وحفص وأيوب وخلف بتشديد النون وتخفيف الميم على معنى وأن كُلاً ليوفينّهم، جعلوا {مَآ} صلة. وقيل: أرادوا وأن كلا لممّن كقوله {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ}تفسير : [النساء: 3]أي من. وقرأ أبو بكر بن عياش بتخفيف النون وتشديد الميم أراد أن الثقيلة فخفّفها. وقيل: {إِنَّ} بمعنى {مَا} الجحد و {لَّمَّا} بمعنى {إلاَّ} تقديره وما كلاً إلاّ ليوفينّهم، ولكنه نصب كلاّ بإيقاع التوفية عليه أي ليوفينّ كلا وهو أبعد القراءات فيها من الصواب، {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. {فَٱسْتَقِمْ} يا محمد على أمر ربك والعمل به والدعاء إليه {كَمَآ أُمِرْتَ} أن لا تشرك بي شيئاً وتوكّل عليّ مما ينوبك، قال السدّي: الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد أُمته. {وَمَن تَابَ مَعَكَ} فليستقيموا، يعني المؤمنين {وَلاَ تَطْغَوْاْ} ولا تجاوزوا أمري، وقال ابن زيد: ولا تعصوا الله ولا تخالفوه، وقيل: ولا تتخيّروا. {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، قال ابن عباس: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشقّ عليه من هذه الآية، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشيب، فقال: "حديث : شيبتني سورة هود وأخواتها ". تفسير : {وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} قال ابن عباس: ولا تميلوا على غيّهم ولا تدهنوا لهم قال، أبو العالية: لا ترضوا على أعمالهم. قتادة: لا تلحقوا بالمشركين. السدّي وابن زيد، ولا تداهنوا الظلمة، ابن كيسان: لا تسكنوا إلى الذين ظلموا. {فَتَمَسَّكُمُ} تصيبهم النار {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ} أي أعوان يمنعون {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ * وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ} يعني الغداة والعشي، قال ابن عباس: يعني صلاة العصر والمغرب. مجاهد: صلاة الفجر وصلاة العشاء،القرظي: هي الفجر والظهر والعصر، الضحاك: صلاة الفجر والعصر، [وقيل: الطرفان] صلاة الفجر والظهر طرف وصلاة العصر والمغرب طرف. {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ} يعني صلاة العتمة، وقال الحسن: هما المغرب والعشاء، قال الأخفش: يعني ساعات الليالي واحدتها زلفة، وأصل الزلفة المنزلة والقربة، ومنه المزدلفة لأنها منزل بعد عرفة، قال العجاج: شعر : طيّ الليالي زلفاً فزلّفا سماوة الهلال حتى أحقوقفا تفسير : وفيه أربع لغات زُلُفاً: بفتح الفاء وضم اللام وهي قراءة العامة، وقرأ أبو جعفر بضم الزاي واللام، وقرأ ابن محيصن بضم الزاي وجزم اللام، وقرأ مجاهد زُلفى، مثل قُربى. {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} يعني: إن الصلوات الخمس يذهبن الخطيئات، هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد: هي قول العبد: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر. نزلت هذه الآية في أبي اليسر عمرو بن غزية الأنصاري وكان يبيع التمر فأتته امرأة تبتاع تمراً فقال: إن هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه، فهل لك فيه، فقالت: نعم، فذهب بها إلى بيته فضمها إليه وقبّلها، فقالت له: اتق الله فتركها وندم على ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، ما تقول في رجل راود امرأة عن نفسها ولم يبق شيئاً مما يفعل الرجال بالنساء إلاّ ركبه غير أنه لم يجامعها، فقال عمر بن الخطاب: لقد ستر الله عليك لو سترت على نفسك، فلم يردّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، وقال: أنظر فيه أمر ربي، وحضرت صلاة العصر، فصلّى النبي صلى الله عليه وسلم العصر، فلما فرغ أتاه جبريل بهذه الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : "أين أبو اليسر؟" فقال: ها أناذا يا رسول الله، قال: "أشهدت معنا هذه الصلاة؟" قال: نعم، قال: "اذهب فإنها كفارة لما عملت" فقال عمر: يا رسول الله أهذا له خاصّة أم لنا عامة؟ فقال صلى الله عليه وسلم "بل للناس عامة" . تفسير : {ذٰلِكَ} الذي ذكرناه، وقيل: هو إشارة إلى القرآن {ذِكْرَىٰ} عظة {لِلذَّاكِرِينَ * وَٱصْبِرْ} يا محمد على ما تلقى من الأذى، وقيل: على الأذى، وقيل: على الصلاة، نظير قوله{أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا}تفسير : [طه: 132] {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} من أعمالهم، وقال فيه ابن عباس: يعني المصلّين.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وسورة هود هي السورة الوحيدة في القرآن التي جاء فيها ذكر رسول واحد مرتين، فقد ذكر الحق سبحانه أنه أمر موسى عليه السلام بأن يذهب إلى فرعون، وأن يريه الآيات، ولم يزد، ثم انتقل من ذلك الإبلاغ فقال سبحانه: {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ..}تفسير : [هود: 98]. أي: أنه أعقب أولية البلاغ بالختام الذي انتهى إليه فرعون يوم القيامة، فيُورِد قومه النار. ثم يأتي الحق سبحانه هنا إلى موسى عليه السلام بعد ابتداء رسالته؛ ولذلك يقول تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ ..} [هود: 110]. ونحن نعلم أن ذِكْر موسى عليه السلام في البداية كان بمناسبة ذِكْر ما له علاقة بشعيب عليه السلام حين ورد موسى ماء مدين، ولكن العجيب أنه عند ذِكْر شعيب لم يذكر قصة موسى معه، وإنما ذكر قصة موسى مع فرعون. وقد علمنا أن موسى عليه السلام لم يكن آتياً إلى فرعون إلا لمهمة واحدة، هي أن يرسل معه بني إسرائيل ولا يعذبهم. وأما ما يتأتى بعد ذلك من الإيمان بالله فقد جاء كأمر تبعيٍّ، لأن رسالة موسى عليه السلام لم تكن إلا لبني إسرائيل؛ ولذلك جاء هنا بالكتاب ليبلغه إلى بني إسرائيل منهجاً، أما في الموضع الأول فقد ذكر سبحانه الآيات التي أرسل بها موسى إلى فرعون. ونحن نعلم أن سورة هود عرضت لمواكب الرسل: نوح، وهود، وصالح، وشعيب، وإبراهيم - عليهم جميعاً السلام - وجاء الحديث فيها عن موسى عليه السلام مرتين: مرة في علاقته بفرعون، ومرة في علاقته ببني إسرائيل. وفي كل لقطة من اللقطات مهمة أساسية من مهمات المنهج الإلهي للناس عموماً، من أول آدم عليه السلام إلى أن تقوم الساعة؛ إلا أنه عند ذكر كل رسول يأتي باللقطة التي تعالج داءً موقوتاً عند القوم. فالقَدْر المشترك في دعوات كل الرسل هو قوله سبحانه: {أية : ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ..}تفسير : [الأعراف: 59]. ثم يختلف الأمر بعد ذلك من رسول لآخر، فمنهم من يأمر قومه ألا يعبدوا الأصنام؛ ومنهم من يأمر قومه ألا ينقصوا الكيل والميزان. وهكذا نجد في كل لقطة مع كل رسول علاج داء من داءات تلك الأمة، أما الإسلام فقد جاء ليعالج داءات البشرية كلها؛ لذلك جمعت كل القيم الفاضلة في القرآن كمنهج للبشرية. لذلك فالحق سبحانه لا يقص علينا القصص القرآني للتسلية، أو لقتل الوقت، أو لتعلم التاريخ؛ ولكن لنلتقط العبرة من رسالة كل رسول إلى أمته التي بعث إليها ليعالج داءها. وبما أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ستكون آخر عهدٍ لالتقاء البشر بالبشر، وستكون فيها كل أجواء وداءات الدنيا، لذلك فعليهم التقاط تلك العبر؛ لأن رسالتهم تستوعب الزمان كله، والمكان كله. والحق سبحانه هنا يقول: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ..} [هود: 110]. ونحن نعلم أنه إذا تقدم أمران على ضمير الغيبة؛ فيصح أن يعود الضمير إلى كل أمر منهما. وقوله سبحانه: {فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ..} [هود: 110] يصح أن يكون الاختلاف في أمر موسى، ويصح أن يكون الاختلاف في أمر الكتاب، والخلاف في واحد منهما يؤدي إلى الخلاف في الآخر؛ لأنه لا انفصال بين موسى عليه السلام، والكتاب الذي أنزله الله عليه. وهكذا فالأمران يلتقيان: أمر الرسالة في الكتاب، وأمر الرسول في الاصطفاء؛ ولذلك لم يجعلهما الحق سبحانه أمرين، بل هما أمر واحد؛ لأن الرسول لا ينفصل عن منهجه. وقوله الحق: {آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ ..} [هود: 110] أمر يتعلق بفعل الحق سبحانه، ولله ذات، ولله صفات، ولله أفعال. وهو سبحانه مُنزَّه في ذاته عن أي تشبيه، ولله صفات، وهي ليست ككل الصفات، فالحق سبحانه موجود، وأنت موجود، لكن وجوده قديم أزليٌّ لا ينعدم، وأنت موجود طارىء ينعدم. ونحن نأخذ كل ما يتعلق بالله سبحانه في إطار: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..}تفسير : [الشورى: 11]. فإذا تكلم الحق سبحانه عن الفعل فخذ كل فعلٍ صدر عنه بقوته سبحانه غير النهائية. وقوله سبحانه هنا: {آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ ..} [هود: 110]. نفهم منه أن هذا الفعل قد استلزم صفات متكاملة، علماً وحكماً، وقدرةً، وعفواً، وجبروتاً، وقهراً، فهناك أشياء كثرة تتكاتف لتحقيق هذا الإتيان. وقد يسأل سائل: وما دام موسى عليه السلام قد أوتي الكتاب، واختُلف فيه، فلماذا لم يأخذ الحق سبحانه قوم موسى كما أخذ قوم نوح، أو قوم عاد، أو قوم ثمود، أو بقية الأقوام الذين أخذهم الله بالعذاب؟ ونقول: ما نجوا من عذاب الله بقدرتهم؛ بل لأن الحق سبحانه قد جعل عذابهم آجلاً، وهو يوم الحساب. ولذلك قال سبحانه في الآية نفسها: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ..} [هود: 110]. وبذلك حكم الحق حكماً فاصلاً، كما حكم على الأمم السابقة التي كانت مهمة رسلهم هي البلاغ، ولم تكن مهمة رسلهم أن يحاربوا من أجل إرساء دعوة أو تثبيت حق؛ ولذلك كانت السماء هي التي تتدخل بالأمر النهائي. لكن اختلف الأمر في رسالة موسى عليه السلام، فقد سبق فيه قول الله تعالى بالتأجيل للحساب إلى يوم القيامة. ثم يقول الحق سبحانه هنا: {.. وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} [هود: 110]. كأنهم في شك من يوم القيامة، وفي شك من الحساب، مثل قوله سبحانه في أول الآية عن الاختلاف في الكتاب وموسى عليه السلام. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} كيف لا نوفي العذاب على المشركين {لَقَدْ آتَيْنَا} من عظيم جودنا {مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ} أي: التوراة حين فشا الجدال والمراء والكفر والفسوق بين بني إسرائيل واضمحلت العدالة الإلهية بالكلية {فَٱخْتُلِفَ فِيهِ} مثل اختلافهم في كتابك الذي هو أفضل الكتب علماً وإحاطة، وأجمعهم حكماً، وأشملهم معرفة، وأكملهم حقيقة وكشفاً {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} في أنظار هؤلاء الكفرة وإمهالهم إلى يوم القيامة {لَقُضِيَ} أي: حكم ورفرق {بَيْنَهُمْ} الآن، بحيث يتميز المحق من المبطل، فليلحق المبطلين وبال ما صنعوا، فهلكوا كما هلكوا {وَإِنَّهُمْ} أي: كفار قوموك، من غاية انهماكهم في الغفلة وتماديهم في العناد والاستكبار {لَفِي شَكٍّ} أي: من أمر القرآن مع أنهم عارضوا معه مراراً فأفحموا {مِّنْهُ مُرِيبٍ} [هود: 110] موقع المريب الشك للخرفاء المنحطين عن التأمل في مرمزاته والتدريب في إشارته. {وَإِنَّ كُـلاًّ} أي: كلاً من المؤمنين المحقين والمبطلين الكافرين، والله {لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} ويوفون عليهم بلا زيادة وتنقيص؛ إظهاراً للقدرة الكاملة والعدالة التامة الشاملة {رَبُّكَ} الذي أظهرهم من كتم العدم بلا سبق مادة ومدة {أَعْمَالَهُمْ} أي: أجورها وجزاءها، إن خيراً فخير وإن شراً فشر {إِنَّهُ} سبحانه بذاته وأوصافه وأسمائه {بِمَا يَعْمَلُونَ} من الخير والشر والصلاح والفساد والعبادة وتركها {خَبِيرٌ} [هود: 111] على وجه الحضور، لا تغ يب عنه غائبة ولا تخفى عنه خافية. ومتى تلطفت يا أكمل الرسل بخبرة الحق وحضوره، وتنبهت تنبيهاً وجدانياً حضورياً وانكشفت بها انكشافاً عينياً شهودياً {فَٱسْتَقِمْ} أي: فاعتدل في أوصافك و أفعالك وأقوالك {كَمَآ أُمِرْتَ} من ربك بوحيه عليك وإلهامه إليك، وأمر أيضاً بالعدالة والاستقامة {وَمَن تَابَ مَعَكَ} وآمن لك واتخذ طريقط مسلكاً إلى الحق {وَ} بالجملة: {لاَ تَطْغَوْاْ} أي: لا تميلوا ولا تخرجوا أيها المتحققون بحقية التوحيد واستقامة صراطه ولا تنحرفوا عن سبيل السلامة التي هي جادة الشريعة والمصطفوية أصلاً {إِنَّهُ} سبحانه بذاته {بِمَا تَعْمَلُونَ} من جميع الأعمال الموجبة للعدالة والانحراف {بَصِيرٌ} [هود: 112] لا يخفى عليه شيء. ولصعوبة الامتثال بهذه الآية الكريمة قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : شيبتني سورة هود ". تفسير : وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: "هذه الآية قصمت ظهور أنبياء الله وأوليائه". {وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ} أي: لا تميلوا ميلة ولا تلفتوا التفاتاً قليلاَ أيها المستوون على صراط الله، المستقيمون لجادة عرفانه {إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي: خرجوا عن حدود الله الموضوعة لإصلاح أحوال عباده {فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ} بأدنى الميل والالتفات {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ} ينقذونكم من النار لو توالونهم أو تداومون الميل إليهم {ثُمَّ} اعلموا أنكم لو اخترتم موالاة الظلمة واتخذتموهم إخواناً كسائر المؤمنين {لاَ تُنصَرُونَ} [هود: 113] ولا نقذون من النار، فعليكم ألا تتخذوا الكافر أولياء من دون المؤمنين. {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} أي: أدم الميل والركمون إلى الله بجميع الأعضاء والجوارح في جميع الأوقات والحالات، سيما {طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ} أي: قبل الطلوع وقبل الغروب، فإنهما وقتان محفوظان عن وسوسة الأوهام، حاليان غالباً عن الشواغل {وَ} عليكم أن تختلس لتوجهيك {زُلَفاً} أي: ساعات {مِّنَ} آخر {ٱلَّيْلِ} قريبة بالنهار، فإن إقدامك عليها وإقامتك لها حسنات، خصوصاً في تلك الساعات الخالية عن وساوس الخيالات {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ} الخالية عن الرياء والرعونات {يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} وتصفي صاحبها عن كدر الغفلات {ذٰلِكَ} أي: الامر بالاستقامة على المتعظين، الذين يذكرون الله في السراء والضراء ويتعظون بجميع ما ج رى عليهم من الخصب والرخاء، إنما هو {ذِكْرَىٰ} وعظة وتذكرة شافية {لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114] الله في عموم أحوالهم وحالاتهم. وبالجملة: {وَٱصْبِرْ} على أذاهم واكظم غيظك، فإن الصبر على الأذى من أعظم الحسنات {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [هود: 115] سيما على من أساء عليه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى، أنه آتى موسى الكتاب، الذي هو التوراة، الموجب للاتفاق على أوامره ونواهيه، والاجتماع، ولكن، مع هذا، فإن المنتسبين إليه، اختلفوا فيه اختلافا، أضر بعقائدهم، وبجامعتهم الدينية. { وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ } بتأخيرهم، وعدم معاجلتهم بالعذاب { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } بإحلال العقوبة بالظالم، ولكنه تعالى، اقتضت حكمته، أن أخر القضاء بينهم إلى يوم القيامة، وبقوا في شك منه مريب. وإذا كانت هذه حالهم، مع كتابهم، فمع القرآن الذي أوحاه الله إليك، غير مستغرب، من طائفة اليهود، أن لا يؤمنوا به، وأن يكونوا في شك منه مريب. { وَإِنَّ كُلا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ } أي: لا بد أن الله يقضي بينهم يوم القيامة، بحكمه العدل، فيجازي كلا بما يستحقه. { إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ } من خير وشر { خَبِيرٌ } فلا يخفى عليه شيء من أعمالهم، دقيقها وجليلها. ثم لما أخبر بعدم استقامتهم، التي أوجبت اختلافهم وافتراقهم، أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، ومن معه، من المؤمنين، أن يستقيموا كما أمروا، فيسلكوا ما شرعه الله من الشرائع، ويعتقدوا ما أخبر الله به من العقائد الصحيحة، ولا يزيغوا عن ذلك يمنة ولا يسرة، ويدوموا على ذلك، ولا يطغوا بأن يتجاوزوا ما حده الله لهم من الاستقامة. وقوله: { إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } أي: لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم عليها، ففيه ترغيب لسلوك الاستقامة، وترهيب من ضدها، ولهذا حذرهم عن الميل إلى من تعدى الاستقامة فقال: { وَلا تَرْكَنُوا } أي: لا تميلوا { إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } فإنكم، إذا ملتم إليهم، ووافقتموهم على ظلمهم، أو رضيتم ما هم عليه من الظلم { فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ } إن فعلتم ذلك { وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ } يمنعونكم من عذاب الله، ولا يحصلون لكم شيئا، من ثواب الله. { ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ } أي: لا يدفع عنكم العذاب إذا مسكم، ففي هذه الآية: التحذير من الركون إلى كل ظالم، والمراد بالركون، الميل والانضمام إليه بظلمه وموافقته على ذلك، والرضا بما هو عليه من الظلم. وإذا كان هذا الوعيد في الركون إلى الظلمة، فكيف حال الظلمة بأنفسهم؟!! نسأل الله العافية من الظلم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):